شعرت نورين بألم يشتد عليها. لقد وقفت على قدميها أكثر من اللازم، ففضلت تحجل على قدميها إلى أن وصلت لأقرب مقعد. جلست نورين وعلامات الحزن في عينيها، واسترجعت كل ذكريات الماضي. *** منذ عام أو أكثر، وبالأخص في كلية الهندسة، حفلة تخرج الدفعة كلها متجمعة. "يلا بقا يا بنات، اخلصوا. الحفلة خلصت، عاوزة أمشي بقا. اتاخرت عندي تدريب علشان الفرقة كلها مسافرة، عندنا عرض باليه في كل الدول العربية وأنا فرحانة جدا أن يتم ترشيحي."
نورين كانت فتاة تشع حياة ونشاط، وقد عشقت الفن المعماري وتخصصت هندسة قسم عمارة، فهي من صغرها تجيد الرسم والرقص، لذلك أشبعت كل هواياتها في الرسم ورقص الباليه. أصبحت من أشهر راقصات، وتخرجت من كلية الهندسة بتقدير امتياز، رغم ظروفها القاسية، ولكنها تمرّدت على هذه الظروف ونجحت وحققت ذاتها. قالت روان، صديقة نورين المقربة، وهي تعدل طرحتها: "خلاص أهو يا نوري، أنا خلصت بس باقي شلة لسة." قالت لها نورين بفارغ صبر:
"يلا، إحنا أنا مش هقدر أتأخر أكتر من كده. أنا بطلة الفرقة، ما ينفعش أتأخر، وزمان التمرين بدأ." قالت لها وهي تستعد للمشي معها: "يوووو يا نوري، أمري لله، يلا بينا إحنا." خرجت نورين وروان من باب الكلية، واستقلا تاكسي لمكان التمرين. قالت روان وهي تفتح الموبايل: "أنا هعمل إيه لحد ما تخلصي تمرينك؟ انتي عارفة مليش خلق للرقص ده." قالت لها وهي تنظر لساعتها: "اسمه باليه يا جاهل، ده أرقى أنواع الرقص." وقالت بتذمر:
"أرقى ولا أوحش، أنا مالي. أنا مليش خلق، أنا هروح آكل في المطعم اللي جنب صالة التمرين بتاعتك، خلصي وتعالي هناك." قالت لها: "تمام، إن شاء الله وأنا مش هتاخر عليكي، بس يارب بس ألحق ما يكونوش بدأوا." وقالت لها روان باستغراب: "انتي معاكي عذرك انهاردة حفلة تخرجك، وانتي الأولى على دفعة كمان، يعني المفروض ليكي عذر تأخير، وكمان الكابتن الحب الحب الشوق الشوق يعني مش هيتكلم، المفروض يكون معاكي دلوقتي." قالت لها وقد بدا
على وجهها علامات الحزن: "تعرفي يا روان، أنا ساعات بحس إنه بيتعمد يحرجني قدام الفرقة، معرفش ليه. وزعلت قوي، كنت عشمانة إنه حيكون جانبي انهاردة وأنا يتكرم من كلية، بس خيب ظني." قالت لها وهي تعدل في جلستها: "اتكلمي ولا حتزعلي مني كالعادة." قالت لها وعيناها تدمع: "قولي يا روان، عاوزة تقولي." قالت وهي تنظر في عينيها:
"انتي عارفة كويس، بس بتكذبي على نفسك. عارفة إنه شخص أناني وانتهازي وعيوبه كتير، معرفش ليه مكملة معاه لحد دلوقتي. صدقيني يا نوري، أقسم بالله حاول معايا أنا شخصياً. ولولا خاف إن أقولك علشان كده بعد." وقالت وأوشكت الدموع على الانهيار: "عارفة كل ده، بس بحبه، مش عارفة أعمل إيه يا روان. حاولت كتير أبعد." قالت بعصبية مبالغ فيها:
"ينعل الحب اللي يضيع كرامة الإنسان ده. فوقي، انتي بنت حلوة وناجحة في حياتك العلمية والعملية، وهو يطلع إيه ولا حاجة قدامك." قالت لها بحسرة: "آه ناجحة، بس معنديش حظ يا روان. واللي معندوش حظ مش بيعرف يعيش، مش المثل بيقولك إيراد حظ ولا فدان شطارة." وصلوا مكان التدريب، نزلت نورين تجري على تمرين، وكانوا بدأوا فعلاً التدريب فور دخولها. سهمت نورين فور وصولها، لقد كانت فرح هي بطلت العرض. وليد بصوت أشبع
صوت الرعد وقدام كل الفريق: "نورين، انتي إيه اللي اخرك كل ده؟ الشخص اللي ميحترمش التمرين، ما يستهلش يبقى بطل الفرقة. انتي محرومة من دور البطولة لمدة أسبوع، حتنزلي راقصة عادية. اتفضلي روحي غيري بسرعة، وواقفى جانب زمايلك." نورين بتحدي، رفعت رأسها بكبرياء، وقدام الفريق تحدثت بمنتهى الثقة:
"أولاً: حضرتك عارف أنا اتأخرت ليه، مش بمزاجي أو أنا مش بحترم التمرين زي ما حضرتك قولت. أنا كانت حفلة تخرجي انهاردة وأنا الأولى على دفعة، إزاي محضرهاش." "ثانياً: بقي وده الأهم، أكون بطلة الفريق ولا راقصة عادية، ما تفرقش. علشان إحنا هنا كلنا بنكمل بعض زي سلسلة ملضومة في حبل واحد، ماينفعش تقع منه عقدة. لو وقعت واحدة منه، مش هينفع باقي الفريق. وأنا برقص علشان بحب الباليه، مش علشان أكون البطلة."
ردت فرح، اللي ماسكة مكانها البطولة، وهي تعدل من ملابسها: "ممكن بقي يا أستاذة، كفايا فلسفة ويلا علشان التمرين بدأت من بدري." نظرت ليها نورين نظرة تجاهل، وتركتها وذهبت لحجرة تبديل الملابس. بدلت ملابسها وخرجت تكمل التمارين دون النظر لأحد، ولكنها لاحظت نظرات خفية بين وليد وفرح، من هنا بدأت تفهم. انتهت التمرينة، وخرجت نورين لاستبدال ملابسها. وليد من بعيد: "نوري، ثواني لو سمحتي، عاوزك." التفتت نورين له وقالت بدون اهتمام:
"هغير وأجي." انتهت نورين من استبدال ملابسها، وذهبت لصالة الرقص لتقابل مع وليد، ولكنها وقفت مصدومة. كان وليد يتغزل في فرح زميلتها. ذهبت لهم وكأنها لم تلاحظ أو تسمع شيء، وقالت باستهزاء: "هاي، إيه دنيا عاملين إيه." قالت فرح لها بشماتة واضحة: "هاي، ازيك." قالت نورين بنفس الاستهزاء: "تمام يا... سوري، انتي اسمك إيه معلش، أصلي بنسى." قالت بغيظ وهي تنظر لوليد: "فرح، اسمي فرح." قالت وهي تلعب في سلسال عنقها:
"آه، فرح، سوري معلش. عمتا، شدي على نفسك شوية لو نفسك تبقي بطلت العرض. أصلي من غير زعل، اللي كنتي بتعمليه انهاردة مش رقص خالص، ده غسيل بطاطين في البانيو بتاع بيتكم." قالت بغيظ ودلع مبالغ فيه: "بس عاجبني وعاجب كابتن وليد، صح يا كوتش؟ مش رقصي عجبك ولا إيه." التفت إليها وليد وهو ينظر لها نظرات محذرة: "بلبلة، أه أه تمام يا فرح، أشوفك التمرين الجاية." تركتهم فرح وماشت، وبداخلها بتستحلف لنورين، فهي بتغير منها حد الجنون.
التفتت له نورين وقالت بزهق: "وبعدين معاك يا وليد، مش ناوي نبطل اللي بتعمله ده؟ أنا خلاص قربت أجيب آخري معاك." قال وهو يحمل حقيبته: "أنا بعمل إيه يا نوري؟ هي اللي بتيجي تكلمني، مش أنا." قالت وهي ترفع إصبعها محذرة: "ماشي، تمام يا وليد، بس خليك فاكر الكلام ده كويس. يلا سلام." قال لها بهيام وهو يغمز بعينه: "تعالي هنا، هو إيه اللي يلا سلام؟ هو أنا لحقت أقعد معاكي؟
انتي وحشاني قوي. بقولك، ما تيجي نقعد جوا شوية. عاوز أقولك على حاجة كده، فرصة بنات كلهم روحوا." قالت له بحده شديدة: "وليد، انت مش هتبطل بقي أسلوبك ده؟ قلتلك ألف مرة مش بحب طريقة دي في كلام." قال بتأفف: "بصراحة يا نورين، أنا مابقتش عارف أرضيكي. كل ما أقرب منك بتبعدي، وترجعي تاني تلومي عليا لما تشوفيني أوافق مع أي واحدة من البنات أضحك وأهزر معاها." التفتت إليه نورين في غضب: "والله جد، انت مصدق نفسك؟
هو يا أما أخش معاك جوا، يا أما تقعد تهزر وتضحك مع البنات؟ إيه القاعدة الغريبة دي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!