كانت المستشفى مليئة بأهالي الحادثة. النساء يبكين والرجال يجرون في الطرقات يحاولون أن يعرفوا حالة أبنائهم. ولكنهم لم يجدوا أحد يبرد النار التي تشتعل في صدورهم ويطمئنوهم على أبنائهم. فالأطباء داخل غرفة العمليات وحولهم الممرضات يساعدوهم. كانت الحادثة كبيرة وعدد الضحايا كثير. عندما كانوا ينتهون من حالة يخبروا أهلها بحالتها الصحية ويطمئنوهم. كان والد إسلام قد أنهكه التعب من كثرة الانتظار. وهو لا يعلم شيئاً عن ولده.
وكانت بجانبه زوجته تبكي وتتضرع إلى الله أن يحفظ ولدها ويطمئنها عليه. وبجانبها بسمة تبكي. تبكي أخاها، تبكي سنداً قوياً، تبكي حالها. تتذكر ذكرياتهم سوياً وتزيد في البكاء. كم كان حامياً لها منذ طفولتهم، كم كان عطوفاً عليها، كم ضحى من أجلها. تدعو الله ألا يريهم فيه مكروهاً. كم انتظروا حتى خرج عليهم الطبيب يطمئنهم أن ابنهم بخير ويستطيعوا الآن أن يروه. دخلو الغرفة التي يوجد بها إسلام وبعض من الضحايا.
دخلت بسمة رأت أخاها الشاش حول رأسه. وأخبرهم الطبيب أنه أخذ فيها اثنان وعشرون غرزة ووجه به بعض الخدوش ويده اليمنى في الجبس. وقدمه اليمنى في الجبس ومعلقة لأعلى. عندما رأت أخاها في هذه الحالة وقعت على الأرض مغشياً عليها. اجتمع حولها الممرضات ونقلوها إلى غرفة الكشف. كشف عليها الطبيب وعلق لها محلول. كان والدها ووالدتها مابين غرفة إسلام وبين الغرفة التي ترقد بها بسمة.
عندما أفاقت بسمة كلياً واستطاعت أن تقف على قدميها ذهبت إلى غرفة أخيها وجلست بجواره وبكت بكاءً شديداً كأنها لم تبكي من قبل. أخرجت المصحف من حقيبتها وظلت تقرأ وتبكي. كانت أمه تمسك في يده السليمة وتقبلها وتبكي. وعند قدميه يجلس والده والدموع محبوسة في عينيه يحاول أن يحافظ على ثباته حتى لا ينهار من حوله. وبعد وقت وجدت أم إسلام أن أحد ما يمسح دموعها بوهن شديد ويقول لها بصوت ضعيف يملأه التعب:
"متعيطيش يا أمي. مبحبش أشوف دموعك." هبت أم إسلام واقفة وزادت دموعها وقالت: "يا حبيبي يا ابني. نور عيني يا ابني. يا ريت أنا كنت مكانك." إسلام: "بعد الشر عليكي." وهنا لم يتمالك والد إسلام دموعه وانهمرت على خديه معلنة انهيار حصونه. إسلام امتلأت عينيه بالدموع. "متعيطش ياحاج أنا والله كويس." وحاول أن يقوم من مكانه لكنه لم يستطع أن يتحرك. امسكته بسمة ووالدته من يديه.
بسمة وكانت عينيها بلون الدم وخدودها شديدة الاحمرار من كثرة بكائها وكانت تتكلم بصوت متقطع من كثرة بكائها: "إنت بتعمل إيه يا حبيبي خليك مستريح." إسلام: "إيه إللي إنتي عملاه في نفسك ده يا بسمة." بسمة: "ربنا ما يخضني أبداً عليك يا حبيبي." كان جيران المنطقة التي يسكن فيها والد إسلام جميعهم مجتمعين خارج المستشفى. لا يستطيعون الدخول من كثرة الناس داخل المشفي فمنعو دخولهم. وكان معهم حما بسمة ووالديه محسن ومحمد.
دخل عليهم الطبيب واخبرهم أنه يجب أن يتركوا المستشفى فيوجد حالات كثيرة تحتاج إلى سراير عندما يخرجون من غرفة العمليات. وكتب لهم على خروج. واخبر كل عائلة بما يجب عليهم فعله تجاه المريض. خرج والد إسلام من المستشفى حتى يأتي بتاكسي يأخذ فيه ولده. وجد كل رجال منطقته يجرون عليه ويحاولون أن يطمئنوا على إسلام. أبو إسلام: "إيه ده يا جماعة تعبتوا نفسكم ليه وجيتوا." أبو محسن:
"دول هنا من الصبح وبحاول معاهم إنهم يروحوا يشوفوا مصالحهم. محدش رضي منهم يمشي." أصحاب إسلام: "طمنا على إسلام هو كويس." أحد رجال منطقته: "قلبنا واقع في رجلنا من الصبح طمنا عليه." والد إسلام: "هو الحمد لله كويس واتكتب له على خروج وأنا رايح أجيب تاكسي." محمد: "أنا معايا العربية بتاعتي وأبويا كمان معاه عربية. على ما تنزلوه أكون جهزت العربية." طلع محسن مع أبو إسلام وأصدقاء إسلام حتى يأتو به.
عندما رأى أصدقاء إسلام إسلام لم يتمالكوا أنفسهم واجهشوا في البكاء. إسلام: "يا جماعة أنا بخير والله." أخو دعاء خطيبته السابقة واحد أصدقائه ببكاء: "على عيني أشوفك كده يا حبيبي ومقدرش أخفف عنك تعبك." إسلام: "والله أنا بخير يا جماعة دموعكم دي غالية عليا أوي." محسن: "ألف سلامة عليك يا إسلام. الحمد لله إننا اطمنا عليك إنك بخير. قوموه معايا علشان نعرف نشيله يا جماعة."
التف حوله أصدقائه ورفعوه من على السرير وكانوا يمشون ببطء يخافون أن يألموه. عندما خرج خارج المشفي وجد الرجال يلتفون حوله ليطمئنوا عليه ويحاولون أن يحملوه. أبو محسن: "براحة عليه يا جماعة نوديه البيت وتعالوا اطمنوا عليه براحتكم." دخل إسلام في عربة محمد ومعه والده وأحد أصدقائه. وركب بسمة ووالدتها في عربة حماها.
ووصولوا إلى البيت وكان البيت عند أبو إسلام ممتلئ بالناس يريدون أن يطمئنوا على إسلام لطالما كان إسلام ووالده محبوبين من الجميع. أدخلوا إسلام إلى سريره وجلسوا بجواره واستأذن البعض عندما رأى البيت مليئاً بالناس. وبعد وقت كثير جداً عاد كل إلى بيته. ولكن أصدقاء إسلام ظلوا بجانبه. أخو دعاء: "هروح أغير هدومي يا حبيبي وأجيلك على طول." إسلام: "متتعبش نفسك يا طارق أنا كويس." طارق: "لأ والله لازم أبات معاك النهارده."
غادر طارق بسرعة حتى يأتي إليه سريعاً وعندما وصل إلى المنزل وجد دعاء في انتظاره. دعاء: "إسلام عامل إيه يا طارق." طارق: "كويس الحمد لله." دعاء بإحراج: "يعني ماله حالته إيه." طارق: "بتسألي ليه يا دعاء مش خلاص كل واحد راح لحاله." دعاء: "فضول يا طارق في إيه." طارق: "تعبان يا دعاء تعبان أوي ادعيله ربنا يشفيه. عمال يكابر وبيحاول يرسم الابتسامة على وشه عشان يطمن إللي حواليه. بس تعبه باين أوي على وشه." في شقة محمد. علا:
"طول النهار قاعد بتعمل إيه هناك." محمد: "نسيبنا تعبان وعامل حادثة وعايزاني أروح زيي زي الغريب." علا كانت الغيرة تتحكم بها فقالت: "ولا قاعد هناك عشان تواسي أخته." محمد بزعيق: "احترمي نفسك شوية عشان أنا جايب آخري متخليش إللي أنا فيه يطلع عليكي." تركته علا وذهبت من أمامه حتى لا يتهور عليها فهو في حالة عصبية شديدة. في شقة محسن. آمال: "أخو بسمة عامل إيه يا محسن." محسن: "تعبان أوي يا آمال." آمال:
"طيب بسمة وأمها عاملين إيه." محسن: "هناك هيموتوا عليه. وجيرانهم يا آمال ناس كويسة أوي من الصبح وهما قدام المستشفى محدش فيهم رضي يمشي." آمال: "هما ناس محترمة وكويسين مع الدنيا كلها عشان كده تلاقي الدنيا كلها بتحبهم." في شقة محمود. محمود: "هما فين ولا أحمد أخويا ناموا ولا إيه." أميرة: "آه ناموا. محمود إنت روحت شوفت أخو بسمة." محمود: "أيوه طلعت من الشغل على هناك." أميرة: "طيب هو عامل إيه. وبسمة عاملة إيه." محمود:
"الحمد لله كويس. وهي كمان كويسة." أميرة: "الحمد لله ربنا يتم شفاه على خير. محمود كان في حاجة كده كنت عايزة أقولك عليها." محمود: "قولي خير." أميرة: "العادة الشهرية متأخرة بقالها سبع أيام وانت حلفت عليا إني مشتريش اختبار حمل ممكن تنزل تشتريه انت بالله عليك نفسي أفرح." محمود: "يا أميرة كل شهر بتجبيه وتفضلي منكده على نفسك بعدها أسبوع." أميرة برجاء: "عشان خاطري يا محمود عشان خاطري." محمود:
"ماشي يا أميرة بس أوعديني لو مفيش حاجة متعيطيش زي كل مرة." أميرة: "أوعدك." ذهب محمود إلى الصيدلية وجاء بالاختبار وأعطاه إلى أميرة. دخلت أميرة إلى الحمام وخرجت بعد وقت قصير وهي مذهولة ولا تتكلم. محمود: "مالك كده في إيه." أميرة بذهول: "شرطتين يا محمود أنا حامل. أنا حامل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!