الفصل 15 | من 20 فصل

رواية بين الحب والانتقام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور الهادي

المشاهدات
18
كلمة
15,144
وقت القراءة
76 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

«إيه اللي بيحصل؟!إحنا اتحبسنا ف القاعه ولا إيه؟!»
عرفو ان على صاحب القاعه وهما بقوا جوه لعبته.الكل لفّ ناحيته…
عيون مليانة صدمة، رُعب، وعدم تصديق.
مين المجنون ده؟
إزاي محدش قادر يوقفه؟
فجأة…
بيب… بيب… بيب…
صوت توقيت معدني الناس بصّت حوالين نفسها في ذعر.
حد رفع راسه للسقف…عداد أحمر.
رقماته بتجري.
شكلُه… شكل قنبلة.
***********************
قال مالك لوعد:«علي كان بيتقمّص شخصية… مش حقيقته.
كان بيعافر يكون ثابت قدامكم،
يرسم الابتسامة غصب عنه،
ويحاول يصدّق الدور عشان يعرف يمثّله صح.
بس كل مرة كان صوت الانتقام يصرخ جواه،
يفكّره هو واقف وسطكم ليه،
ويخوّفه ينسى حقيقته.»
سكت لحظة، وبعدين كمّل بنبرة أعمق:
«متتخيليش إنه كان بيمثل باحتراف،
بالعكس…
علي أكتر واحد كان معرّض يتكشف،
لأنه مكنش بيعرف يسيطر على كره.
وأبسط مثال؟
إزازة الخمرة…
اللي مبقاش يمشي من غيرها.»
-------
كان علي بيصرخ،
بيرزع في كل حاجة حواليه،
يشدها ويرميها على الأرض وهو بيصرخ:
«كانوا قدامي…
كانوا قدامي وأنا بضحكله وبقوله أخويا!
كلهم كانوا قدامي!
وأنا أعمى!»
انهال على الحيطة ضرب،
إيده تنزف وهو مش حاسس،
الغضب كان أعمى من الألم.
اتفتح الباب بعنف،
ودخل رضوان بسرعة:
«علي!»
لفّ علي ناحيته،
عينيه حمرا،
نَفَسه مقطوع،
وصوته خارج من صدر محروق:
«قولّي إزاي؟
قولّي إزاي مكنتش شايف؟»
قرب رضوان منه بحذر،
مش خوف…
لكن عارف إن اللي قدامه دلوقتي
مش إنسان عادي،
ده إعصار.
قال بصوت واطي لكنه ثابت:
«اللي حصل خلص.
دلوقتي…
يا تسيب نفسك للغضب،
يا تستخدمه.»
سكت علي،
قبضته اتشدّت،
وعينه نزلت على الدم اللي على إيده،
وكأن اللحظة دي كانت بداية
تحوّل مفيش رجوع بعده.صرخ علي بصوت مكسور،
صوت خارج من صدر محروق:
«مش هقددددر أعيش وسطهم…
مش قادر أسانده وأكون دراعه اليمين…
مش عارف أمثّل زيّهم!
أنا مش زييييهممم!»
كان صوته بيتهز،
مش ضعف…
انكسار.
رضوان قرب خطوة، صوته هادي بس قاطع:
«لازم تبقى زيهم…
عشان تعرف تاخد حقك.»
رفع علي راسه فجأة، عينه مولعة:
«هاخده بطريقتي.
هواجهه… وأقت.له.هاخد الحقيقه منه لو هو لبس منى جريمه معملتهاش فليه قال قال إنها سرقت...
كل ما بيقف قدامي
بيكون عندي رغبة أقتله.مش ده هو رجل الأعمال اللي قولتلي
إن منى كانت في الحبس بسببه.»
رضوان ثبت نظره فيه، وقال بوضوح:
«أنا ماكدبتش عليك يا علي.»
علي حس إن الأرض بتلف بيه، صوته اتكسر:
«مخلّيني أستتتنى إيه؟
معقول يكون في غيره؟
معقول يكون هو اللي أذى منى ؟»
مسكه رضوان من دراعه بقوة،
مش علشان يوجعه…
علشان يصحيه:
«عشان تاخد انتقامك
لازم إيدك تتوسّخ.
ولو ما بقيتش زي بدران
عمرك ما هتعرف تاخد حقك.
إنت بالنسبة له حشرة،هو عنده مال وسلطه زى ما دهس اختك لسبب مجهول فهو قادر يدهسك.»
سكت لحظة،
وبعدين قرب أكتر وقال بنبرة أخطر:
«إنت كسبان بدران
من ساعة ما أنقذته.
إنت ماشي صح يا علي…
وبيثق فيك.
وأنا عايزك
تخلّي ثقته فيك
عمياء مش كفايه زورتلك بطاقه وعملتلك شخصيه من اولها لاخرها تخليه يقتنع بيك.»
علي - مش قااادر مش قادر أكون معااااه.
وجودي في المكان معاهم بكرهه.
مش بعرف أنام…
ومش بعرف أصحى.
إزاي أنام في بيت
اللي أذى أختي؟
لو حد لمسني
أنا ممكن أقت.له.
إيدهم المتوسخة
بدم منى…
كل حاجة هناك بتفكرني،
وكل ده هيكشفني.»
رضوان مسك خمرهصب له في كاس
ومدهوله.
«اشرب.»
علي بصله رضوان قال «إيه؟ متردد؟
دي اللي هتساعدك
تمثل صح،
وتضحك طول ما إنت بينهم.»
مسك علي الكاس،
وشرب
وهو عارف كويس
بيشرب إيه
وبيعمل في نفسه إيه.
رضوان كمل بصوت واطي بس سام:
«كل مرة تحس
إن علي الحقيقي بيطلع…
اشرب.
بس خليك حريص
وإنت شارب
تفضل أخو بدران.
ما تفتكرش
إنت مين
ولا إنت هناك ليه،
وإلا
هتعترف على نفسك
بإيدك.»
رضوان مد إيده.
في لحظة
علي زق إيده بقوة
ولفها ورا ضهره،
صوته طالع بنبرة غضب
«كام مرة هقولك
ما تلمسنيش!»
كان واضح…
إن علي
مش بيمثل
ولا بيبالغ.
في الحالة دي كان واضح إن علي بعد موت منى اتغيّر؛
بقى يشوف الناس كلها أوساخ،مبيطقش حد يلمسه من بعد منى
السكر بدأ يبان عليه.
رجليه تقيلة،
خطوته متلخبطة،
لكن مع تكرار جملة بدران في ودانه:
«إنت علي… أخو بدران»
بدأ يحفظها،
يرددها وهو سكران،
لحد ما صدّقها.
كان يضحك،
يبتسم،
يلبس قناع الشخص اللعوب الخفيف
اللي دايمًا بينال إعجاب بدران
ويعتمد عليه من غير شك.
------
رجع مالك «علي مكنش بيشرب.
بس أول مرة شرب فيها
بقت الزجاجة في جيبه
زي ما إنتِ شايفة يا وعد.
كل مرة كان يخاف
من علي الحقيقي اللي ممكن يطلع،
يشرب.
وبعدها
بقى ياخد تركيزات أعلى،
لما عقله مبقاش يسكر بسهولة.
سنين…
وعلي بيمثل حقيقة
مش حقيقته،
بس عشان يوصل لقضية أخته المجهولة.
ولما القضية اتفتحت
وعرف سبب ف موت اخته،
الانتقام
بدأ من هنا.»
كان قلب وعد بيدق بعنف،
كأنه هيطلع من صدرها.عارفه ان كلمه حقيقه لأنها شافت على وهو مش بيعرف ينام حتى برغم قربه من عيلتها كان عنده  فيله بيعقد فيها اكتر
قال مالك بهدوء تقيل:
«الحقيقة صعبة…
خصوصًا لما تكون عن أهلك.»
نزلت دمعة من عينها، وهمست بصوت مكسور:
«كابوس…
ده كابوس.»
رد مالك بنبرة أخف لكنها أوجع:
«ياريته كان كده.»
رفعت وعد عينيها ليه،قال:
«علي فين؟»
قال مالك:
«قولتلك…
في أي مكان قريب من عيلتك.
دلوقتي هو اللي بيطاردهم.»
ارتعش صوتها:
«هيعمل فيهم إيه؟»
سكت مالك.
الصمت ده كان أقسى من أي إجابة.
نزلت دمعة تانية،
وقالت بصعوبة وخوف:
«إيه اللي علي هيعمله؟…»
وترددت،
ثم نطقت الكلمة وكأنها بتخنقها:
«هه… هيقتلهم؟»
تنفّس مالك بعمق وقال:
«معرفش.
انتقام علي هيحققه إزاي…
أنا دوري كان أساعده يعرف مين أذى أخته،
ومن هنا
هو بيكمل لوحده.
بس في أي حاجة
أنا هدعمه.»
نظر لها وقال
«بس ما أظنش إن انتقامه
هيكون القت.ل الرحيم.»
اتسعت عينا وعد،
وقلبها وقع في بطنها.
وأكمل مالك:
«إنتِ متعرفيش علي…
إنتِ تعرفي
علي المزيف.»
والصدمة
كانت أكبر من إنها تستوعبها.قالت وعد بصوت متوسل:
«خُدني عنده يا مالك.»
حاولت تقوم،
لكن رجليها خانتها،
ورجعت تقعد مكانها تاني،
تأثير البنج لسه ماسك فيها
وبيسحب وعيها غصب عنها.
قال مالك وهو ثابت قدامها:
«مش هعرف أوقف علي يا وعد…
وأنا مش عايز انتقامه
يحرقه معاهم.»
كانت جفونها بتتقفل رغماً عنها،
قالت بصوت واطي متكسر:
«وقّفه يا مالك…»
رد بهدوء تقيل:
«لو تقدري توقفيه،
اعمليها.
أنا لو تدخلت
هكون خنت أمانته
إني أحميكي.
بس اللي بقولهولك…
وقفيه
لو عرفتي.»
قفلت وعد عينيها تمامًا،
وارتمى راسها على الوسادة
غصب عنها،
والوعي انسحب منها ببطء
زي روح بتتهزم.
التفت مالك ناحية الشاشة،
وعينيه ثبتت على علي،
نظرة واحدة كانت كفاية
تعرفه إن النار
اللي كانت مكبوتة جواه
اتحررت أخيرًا.
«من أي جحيم خرجت إنت يا علي…»
**********
قنبله......شهقات.صرخات مكتومة.
ناس حطّت إيدها على بقها من الهلع.
صوت علي طلع هادي، مخيف أكتر من أي صراخ:
«مش هطوّل عليكم…
الوقت اللي قدّامكم هو وقت خروجكم من الدنيا كلها.»
الذعر انفجر.
واحد من كبار رجال الأعمال اندفع ناحيته وهو بيترعش:
«افتح الباب ده حالًا!
إنت فاهم بتعمل إيه؟!»
علي وقف في وشّه.
نظرة واحدة من عينه…
خلّت الراجل يرجع لورا كأنه اتخبط في حيطة.
قال على ببرود«على كل ترابيزة مكتوب اسم شركة.
صاحبها هيلاقي ورقة تحتها…
ياخدها،
ويقَطّعها.»
سكت لحظة.
قال واحد بصوت مرتعش:
«ورقة إيه؟!»
علي «عقدكم مع شركة بدران.
يتقطع…
وتحلفو دلوقتي،
وإنتوا راكعين على رجليكم،
إنكم مش هتنفّذوا أي تعاقد مع الشركة دي تاني.»
محمود اتجمد في مكانه.
عينيه راحت تلف على القاعة…
وشاف المشهد اللي عمره ما كان يتخيله.
رجال أعمال.
أصحاب شركات بملايين.
بيجروا…
زي جبناء على وشك الانهيار.
كل واحد اندفع لترابيزة مكتوب عليها اسم شركته.
يفتش بعصبية.
إيديه بتترعش.
عرق بينزل على وشوشهم.
أول واحد لقى الورقة.
شدّها.
قطعها نصين.
وبعدين أرباع.
ورماها على الأرض وداس عليها.
نزل على ركبتيه وهو بيصرخ:
«والله… والله ما هتعامل مع شركة بدران تاني!»
واحد تاني رفع الورق المتقطع في إيده زي شهادة نجاة،
وصوته بيكسر:
«أقسم… أقسم بالله!»
الثالث… الرابع…
كلهم نفس المشهد.
تمزيق.
ركوع.
قسم.
والعداد الأحمر فوقهم بيعد.
بيب… بيب… بيب…
يوسف كان واقف مكانه،
وشه شاحب،
بيبص للناس اللي كانت من دقايق قليلة بتتكلم عن مليارات…
ودلوقتي بتبيع كرامتها علشان ثانية حياة.
محمود جرى ناحية واحد منهم،
مسكه من إيده:
«استنى! إنت بتعمل إيه؟!»
لكن الراجل زقّه بقوة.
وعقده اتقطع في لحظة.
مافيش شيء أهم من الروح دلوقتي.
ولا بدران…
ولا الشركات…
ولا أي فلوس في الدنيا.
العداد قرب للصفر.
بيب… بيب…
علي رفع إيده.
إشارة واحدة.
الباب اتفتح.
القاعة انفجرت حركة.
رجال الأعمال جريوا زي قطيع اتفك من المقصلة.
تدافع.
صراخ.
بدل فاخرة بتتداس.
وكرامة بتترمي تحت الجزمة.
يوسف مسك إيد أبوه بقوة:
«يلا يا بابا… نخرج!»
بدران ما اتحركش.
عيونه لسه معلقة بعلي.
محمود صرخ وهو بيقرب:
«بدران بيه! يلا حالًا! مافضلش غير خمساشر ثانية!»
الوزير، وشه أزرق من الرعب:
«علي! وقف القنبلة! حالًا!»
علي ما ردش.
ولا حتى رمش.
كان مركز بس على بدران…
كأنه مش شايف في الدنيا غيره.
يوسف شد إيد أبوه بجنون:
«بابااا! يلا! خمس ثواني!»
بيب… بيب… بيب…
والزمن…
كان بيقفل قبضته.مشى بدران مع يوسف بخطوات متعثّرة ناحية باب القاعة.
العداد بيصرخ فوق راسهم:
٤…
٣…
٢…
١…
ما لحقوش.
في آخر ثانية بدران انبطحو على ركبته وسحب يوسف معاه.
الوزير ارتمى جنبهم، مغمض عينه ومستني النهاية.

ولا حاجة حصلت.
لا نار.
لا انفجار.
لا موت.
صمت…
تقيل.
يوسف فتح عينه الأول.
بص حواليه بعدم تصديق.
بدران رفع راسه ببطء…
الوزير ما زال على الأرض، نفسه متقطع.
العداد بقى صفر.
وفجأة—
رشاشات الطوارئ انفجرت من السقف.
مياه غزيرة نزلت.
القاعة كلها غرقت.
ما كانتش قنبلة.
كانت… خدعة.
خدعة شيطان.
بدران لف بصدمه وعصبية.
عينه وقعت على علي.
رجال علي واقفين حواليه.
واحد فاتح له مظلة سوداء.
واحد تاني بيحميه من المية.
كأنه ملك وسط الطوفان.
علي إيده في جيبه.
ماشي ناحيتهم بهدوء مرعب.
بدران، يوسف، محمود…
كلهم على الأرض.
وقف قدامهم.وكانهم راكعين عند رجله
على ببرود«ماكانش عداد قنبلة…لكن عدّاد حياتكم بيبدأ دلوقتى.»
أعين بدران كانت بتولع.
مش غضب وبس…
إهانة.
واقف على ركبه، قدّام علي،
الراجل اللي سحب منه اسمه وكراكته قدام البلد كلها
البوليس ظهر فجأه ودخلو القاعه
الوزير قام وهو بينفض الميه من بدلته بعصبية وقال:
— اتأخرتوا ليه؟
الضابط قرب وأدى التحية:
— أوامر حضرتك يا فندم؟
الوزير شاور على علي بحدة:
— اقبض عليه حالاً.
يوسف ومحمود وبدران قاموا يقفوا، بينفضوا لبسهم بقرف،
عيونهم معلقة بعلي…
مستنيين لحظة سقوطه.
الضباط اتحركوا…
لكن عدّوا علي.
وقفوا قدّام بدران.
الضابط قال— بدران بيه… حضرتك مطلوب للتحقيق
يوسف اتشلّ.
لف لأبوه بصدمة:
— بابا؟!
بدران بص للضابط، صوته متحشرج من الغضب:
— فيه غلط… أكيد فيه سوء تفاهم.
الضابط مدّ الكلبشات:
— معايا أمر ضبط وإحضار. ليك حق ترشّح محامي… وسوء التفاهم ده يتحل في القسم.
بدران ما ردّش.
كان باصص بس.
على.
علي اللي كان ماشي ناحية الباب.
حر.
رجالته حواليه زي جيش.
وكأن كل اللي حصل…
كان خطوة في لعبته.
بدران انفجر:
— علــــي!
علي وقف. عند آخر باب في القاعة.
ضهره للنور، وشه للظلام.
قال بدران بصوت مكسور فيه غضب:
— ما قلتليش بتعمل ده ليه… القضية دي أنا وإنت دفنّاها. لو وقعت هتوقع معايا. استفدت إيه؟! يعني أنا هتأذى؟ دول حبتين ورق مش هيقضوا عليّا.
علي لف نص لفة.ببرود قال
— القضية اللي اتعرضت النهارده… عمرها ما كانت قضيتي...دى بداية حر.ب
علي كان هيكمل خروجه…
لكنه وقف.
— آه، نسيت أقولك… ألف لا بأس على شحنة سبايك الدهب اللي اتاخدت.
عيون بدران اتوسعت.
الدم نشف في وشه.
— إنت…؟!
علي — بدلتها بحاجة أغلى.
في لحظة…
بدران افتكر العرايس.
إزاي علي هو اللي دخلها؟على الشخص الى عارف عن العرايس
إزاي اختار العرايس بالذات؟
علي قرب خطوة، صوته واطي زي السُم:
— القانون مع السلطة… والطيبين مالهمش مكان هنا.
الجملة دي…بدران كان حافظها لانه قالها لحد زمان
لكن لما طلعت من فم علي…
بقت رعب.
رعب حقيقي.قال علي بصوت هادي بس تقيل:
— لا السلطة… ولا القانون… يقدروا يحموك مني.
بلع بدران ريقه، صوته اتكسر:
— إ… إنت مين بالظبط؟
علي ابتسم.
ابتسامة شيطانية ما فيهاش أي دفء.
بص لقدّامه… ومشي.
خطواته كانت تقيلة،
كأن كل خطوة مفتاح لقبر جديد…
واحد لكل واحد فيهم.
بدران كان باصص له وهو بيبعد،
رجالة علي وراه صف واحد،
وهو بيبلع ريقه ويبص ليوسف.
— بابا…
قالها يوسف بخوف.
الظابط قرب:
— اتفضل معانا يا فندم.
العسكري مسك بدران.
زقّه بدران بعصبية:
— إيّاك حد فيكم يلمسني!
بعدوا خطوة.
هيبته لسه موجودة…
بس الخوف فضحها.
بص بدران ليوسف وقال بحدة واطية:
— كلم المحامي.
يوسف أومأ، مش قادر يتكلم.
بدران اتحرك معاهم بخطوات ثابتة متصنعة،
ظهره مفرود،
لكن قلبه بيرتعش.
مش من البوليس…
ولا من السجن…
من علي.

في القسم،
ما إن وصل بدران ونزل من العربية،
حتى اندفعت الصحافة نحوه
كأنهم كانوا في انتظاره منذ ساعات.
ميكروفونات، كاميرات، أصوات متداخلة.
البوليس والبودي جارد حاولوا يفتحوا له طريق،
يزقّوا الصحفيين بعيد،
لكن الأسئلة كانت أسرع من الأيادي.
– بدران بيه، عايزين تعليق على البث اللي ظهر النهارده!
– في اتهامات رسمية ضد حضرتك، ممكن توضيح؟
– إزاي شريكك يعترف بعداوته ليك ويتهمك اتهام خطير بالشكل ده؟
– هل الاتهامات حقيقية؟ وهل فعلًا تم إخفاء جريمة غرق السفينة؟
– بدران بيه، عايزين رد!
لم يرد.
ولا كلمة.
دخل القسم،
وأُغلق الباب خلفه بعنف،
اختفت الضوضاء فجأة،
كأنها لم تكن.
قال الضابط وهو يشير للكرسي:
«تشرب إيه؟»
رد بدران بهدوء متحكم:
«شكرًا… مش عايز حاجة.»
جلس على المكتب،
شابك إيديه،
ونظر بثبات وقال:
«ممكن أفهم أنا اتجبت هنا ليه؟»
رفع الضابط عينه إليه:
«حضرتك عارف كويس إنت هنا ليه.»
ابتسم بدران ابتسامة جانبية باردة:
«اللي حصل ده سخافة.
اتهامات باطلة،
ملهاش أي أساس من الصحة.»
اقترب الضابط قليلًا وقال بنبرة أخطر:
«أنهي اتهامات بالظبط يا بدران بيه؟
اتهام بقتل اتناشر عامل؟
ولا رشوة قبطان السفينة؟
ولا إنكم اتبلغتوا بالخطر وما اهتمّيتوش؟»
توقف لحظة، ثم أكمل:
«ولما ماتوا،
اتكتب اللي حصل على إنه حادثة…
مع إنه في الحقيقة
جريمة كاملة
تم التستر عليها.»
قال بدران بحده
«كلامك ده اتهامات…
وانت كده بتتهمني يا حضرت الظابط.»
ابتسم الضابط ابتسامة خفيفة لا تحمل أي ود، وقال:
«أنا قبل ما أكون ظابط،
أنا مواطن زي أي مواطن واقف برّه مستنيك تخرج…
عشان يثور عليك.»
رد بدران بثقة متعالية:
«الناس كلها عارفة بدران يعني إيه.
مفيش عمل خيري إلا وأنا موجود فيه،
وأكبر تبرعات باسمي.
يعني هيصدقوا تفاهات
وينسوا كل ده؟»
مال الضابط للأمام وقال بجدية:
«اللي اتعرض مش تفاهات.
دي قضية كبيرة،
اتفتحت بعد ما كانت محفوظة
على إنها حادثة غير متعمدة.
وأهالي الضحايا
أول ما سمعوا كلام شريكك على الهوا
وعرفوا إن عيلتهم ماتوا مش بالصدفة
لكن اتقتلوا…
مش هيسكتوا أبداً.»
قال بدران وهو يضغط على كلماته:
«أنا دافع تأمين مادي
يغطي حياة أهاليهم كاملة.»
رفع الضابط حاجبه وقال:
«التأمين المادي
عمره ما يتقارن بحياة اتاخدت.
ولو ثبت إنك سبب فعلي في موتهم…
ولا فلوس الدنيا كلها
هتنفعك.»
سكت بدران لحظة، ثم قال:
«عايز تقول إيه؟»
رد الضابط بهدوء قاتل:
«لو الناس كانت بتحبك…
حبهم قل.
ومش بس قل،
ده اتكسر.
ولو عايز ترجعه،
لازم تثبت براءتك…
زي ما في غيرك
بيحاول يثبت الجريمة عليك.»
مدّ الضابط إيده،
رفع ملف قال
«الملف ده…
والـ CD…
وصلوا القسم
الصبح شفنا اللي فيه…
واللي اتعرض النهارده كان نسخة منه.
لما عرفنا محتواه اتصدمنا،
بس قررنا ما نقلبش الموازين فجأة
ولا نعمل ثورة.
قلنا نحقق بهدوء،
في السر.»
سكت لحظة ثم أكمل بنبرة أخف «طريقتنا ما عجبتش
اللي بعت الأدلة.
فقرر يذيع الحقيقة
ويطلع بالقضية على الدولة كلها
عشان ما يكونش في أي مفر
ولا أي محاولة كتم.»
قبض بدران على يده بقوة.
أومأ الظابط برأسه مؤكدًا:
«عرفنا مين اللي بعت كل ده
لما اتكلم عنها النهارده
قدام الناس كلها.
ما تخيلناش أبداً
إنه يكون هو نفسه شريكك…
وحسب المقالات
أخوك.»
اقترب الظابط بعينيه من بدران وقال:
«لكن في الآخر
الغدر دايمًا بييجي
من أقرب الناس.
أو…
ممكن نقول
إنه فاق ضميره
وحب يعمل الصح.»
رد بدران ببرود ثقيل:
«على عمره ما عمل حاجة لحد.
ولا عمره عمل حاجة
عشان يرجّع حق الناس
ولا عشان يعمل دور بطولي.»
قال الظابط بحدة:
«تقصد إيه؟»
سكت بدران.
كان يعرف الحقيقة.
هدف علي لم يكن عامًا…كان شخصيً
سرق المخزن،وبدله بعرايس
لكن السؤال اللي كان بيحرقه من جوّه:
إزاي عرف؟
وليه العرايس بالذات؟
ليه الرمز ده يا علي؟
قاطعه صوت الظابط:
«بدران بيه… سامعني؟»
قال بدران وهو يرجّع تركيزه:
«سامعك.»
قال الظابط:
«هنبدأ بإيه؟»
رد بدران ببرود حاسم:
«ولا حاجة.
أنا بنفي كل ده.»
رفع الظابط حاجبه:
«تقصد إن دي مجرد اتهامات كاذبة
وإنك مش معترف بيها؟»
قال بدران من غير تردد:
«بالظبط.
مش هعترف بجريمة
أنا معملتهاش.»
****
وصل يوسف القسم ومعاه المحامي.
اتجه فورًا لمكتب الظابط وقال بعصبية:
«بابا فين؟»
رد الظابط:
«في الحبس.»
اتسعت عيون يوسف بصدمة:
«إنت اتجننت؟!
إزاي تحط بابا في الحبس؟
إنت متعرفش يبقى مين؟
ولا نسيتوا نفسكم؟»
بان الغضب على وش الظابط،
لكن المحامي تدخل بسرعة،
مسك يوسف من دراعه وقال:
«أنا باعتذر يا أفندم.
أستاذ يوسف متأثر
وعصبي بسبب اللي حصل لوالده.
أتمنى تراعي الظروف.»
قال المحامي بهدوء محسوب:
«بعد إذن حضرتك،
بدران بيه يخرج.
ملوش أي لزوم وجوده في الحبس،
ويروح بيته
وإحنا نكمّل متابعة القضية قانونيًا.»
رفع الظابط عينه له وقال بجدية:
«معتقدش إن الموضوع
بالسهولة دي يا أستاذ.
بدران بيه
هيقعد معانا شوية لأن خروجه دلوقتي
هيحوّلنا إحنا
لموضع اتهام معاكم.الشعب برّه
في حالة احتقان ولو خرج بدران بيه دلوقتي
الناس هتفتكر
إن احنا
متواطئين معاكم
وستّروا على الشركة سنين
زي ما علي بيه قال.»
انفجر يوسف بغضب:
«هو السبب!
هو السبب في كل اللي حصل ده!
إزاي بابا يكون هنا
وهو برّه
مبسوط باللي عمله
وكمان بتثبتوله
إنه نجح؟!»
الظابط
«الأمور مش ماشية
بالطريقة دي
يا أستاذ يوسف.»
قال يوسف بعناد:
«بابا يخرج.
وهو يدخل مكانه.
ده اللي المفروض يحصل.»
تدخل المحامي فورًا،
مسك إيد يوسف وسحبه على جنب:
«بعد إذنك…
اهدَى.
مش عايزين مشاكل
تحصلك دلوقتي.»
يوسفما يقدروش يعملوا حاجة.»
المحامى«يا أستاذ يوسف،
وضعنا الحالي فعلًا حرج.
في ناس قطعت علاقتها بوالدك،
وفي ناس لسه مسانداه،
وده في النهاية
هيخلّي بدران بيه يخرج
بس مش دلوقتي.»
يوسف«الظابط قال مش هيخرج.»
المحامى«هيخرج…
بس بعد شوية ساعات.
لما الأوضاع تهدى،
والبث يتمسح،
ونتأكد إن مفيش حد
هيقرب له
ولا يفتح بقه
عن اللي حصل.»
قال يوسف بثقة:
«أنا اتصرفت من قبل ما تقولّي.
خلّيت حد يمنع ده يحصل.
ولحد دلوقتي الدنيا تمام.
ولا مقال واحد نزل،
ولو نزل
هيتمسح فورًا.»

مرّت ساعات داخل القسم،راح يوسف مع الشاويش الحبس
شاف أبوه قاعد في صمت،
عينه تايهة في الفراغ
كأنه مش موجود هنا.
اتفتح الباب.
دخل يوسف بسرعة:
«بابا.قوم…
هتخرج من هنا.
حد عملك حاجة؟»
رد بدران بصوت ثابت:
«أنا كويس…
متقلقش.»
مسكه يوسف من دراعه
وخرجوا سوا.
في الخارج كان المحامي مستني،
ابتسم وقال بثقة:
«متقلقش يا بدران بيه،
كله هيبقى تحت السيطرة.»
أومأ بدران بتفهم.
مرّت ليلة كاملة
قبل ما يتم دفع كفالة باهظة،
خرج بدران رسميًا،
لكن التحقيق ظلّ مفتوح.
قال الظابط وهو بيبص له مباشرة:
«لو احتجنا أي حاجة
هنستدعي حضرتك تاني.»
رد بدران بهدوء:
«شيء متوقّع…
لكن—لكن علي متقبضش عليه ليه؟»
رفع الظابط حاجبه باستغراب:
«هيتقبض عليه ليه؟!»
قال بدران وهو يضغط على كلماته:
«لما جيتوا القاعه
كان المفروض تيجوا بسببه.
حد استدعاكم بسبب المهزلة اللي حصلت،
قفل باب القاعة،
وجود قنبلة،
ورجالته…
كل ده كافي
يكون قضية لوحدها ضده.»
نظر له الظابط وقال:
«إنت بتتكلم عن إيه؟
مفيش حاجة من دي حصلت.»
قال يوسف «إزاي يعني؟
ده البلد كله شافت!»
الظابط«البث اتقفل كله بعد ما قال أسماء الضحايا
وأعلن نهاية القضية قدّام الكل ومظهرش حصل اى تانى»
اتصدم بدران.
كأنه فهم ان على مش سهل،خلا نفسه بطل قدام الكل وظهر شيطانه ف القاعه بس
************
في الفيلا،كان علي قاعد قدّام التلفزيون
بعين ثابتة،ورجالته حواليه
كأنهم مستنيين إشارة
لبداية ساحة حرب.
قعد رضوان جنبه وقال «الدنيا مولّعة برّه
وإنت قاعد هنا؟»
علي ما ردّش.
رضوان بصّ للشاشة
واكتشف إنها مش قنوات…
دي كاميرات مراقبة
للقسم
وبيـت بدران.
رفع رضوان عينه لعلي:
«بدران هيخرج.»
قال علي بهدوء محسوب:
«شيء أكيد.
بدران مش قليل برضه.»
قال رضوان:
«يعني دي بالنسبة لك مش ضربة؟»
على من غير ما يبعد عينه عن الشاشة:
«أنا مش مغفّل…ده تمهيد ليهم.»
بصّ علي لرضوان فجأة وقال بهدوء تقيل:
«الفلاشة دي كانت معاك من إمتى؟»
رضوان سكت.
قال بعد لحظة:
«لما لقيتها…
ادّيتهالك.»
رفع علي حاجبه «يعني مكنتش معاك،
ولما لقيتني هتنازل لوعد
ظهّرتها؟»
رد رضوان بثبات مصطنع:
«أكيد مش هخبيها بعد ما عرفت حقيقته هو وعيلته
أنا مستني اللحظة دي عشان نبدأ ندمّر بدران.»
ميل علي راسه شوية وقال:
«ممك كنت مستني حاجةوبعدين تدمّره.»
اتوتر رضوان:
«حاجة إيه؟!»
قال علي وهو مركز في عينه:
«رانيا… مثلاً.»
سكت رضوان للحظة
وسرعان ما حاول يلمّ نفسه.
علي ما كانش غبي.
بالعكس…
كان أذكى بكتير مما رضوان توقّع.
برغم النيران العمياء اللي في عينه،
فهم اللعبة كاملة:
الفلاشة ظهرت
في اللحظة اللي كان فيها ضعيف بسبب وعد.
واللي حصل ده
كان لأن بدران حسّ
إنه ممكن يخسر علي.
استناه يبعد.
استناه يسيب.
ويرجع بدران يكمّل
كأن مفيش حاجة حصلت.
رضوان قال بصوت منخفض:
«بدران مش هيسكت.
أتوقع يهاجمك…
مش من النوع اللي يستنى موته
ويتفرّج.»
ابتسم علي.
ابتسامة باردة…
غريبة…
كأن الخطوة الجاية
اتحسمت خلاص
*************
في الفيلا
كانت رانيا رايحة جاية بعصبية،
ونادين قاعدة بتبص في الساعة كل شوية.
الصدمة كانت مسيطرة على المكان…
والسكوت تقيل، خانق.
فجأة صوت عربيات.
رفعت رانيا راسها:
«جهم…»
وقفت العربية.
نزل بدران ويوسف،
الحراس اتحركوا تلقائي.
جريت رانيا ناحيته:
«بدران… إنت كويس؟»
ما ردّش.
دخل الفيلا مباشرة،
قعد على الكرسي
وساب الصمت يطبق على الكل.
قال يوسف بعد تردد:
«بابا… ناوي على إيه؟»
رد بدران وهو باصص قدامه:
«أوضاع الشركة إيه؟»
قالت نادين بسرعة تطمّنه:
«تمام، متقلقش.
طالما خرجت يا بدران
كل حاجة هتعدّي.»
قاطعها يوسف بانفعال:
«لا مش تمام!
أسهم الشركة نزلت جامد،
غير اللي حصل في القاعة.
اللي جوّه واللي برّه
كلهم تنازلوا عنّا.
العقود بتتلغي واحد ورا التاني.
يا بابا…
إحنا خسرنا صورتنا كمؤسسة
في يوم وليلة.
بقينا قضية رأي عام.»
سكت بدران.
ولا حركة.
رانيا انفجرت:
«كله بسبب الزفت
اللي اسمه علي!
نسي نفسه يبقى مين.
واحد ملوش أصل ولا فصل.
إنت اللي ربطته بالعيلة
وقلت أخوك.وبقى ليه اسم
نسي ده كله
وطلع يقول عدوك
قدّام الدنيا كلها!»
قالت نادين «علي كان متستّر على القضية من الأول… لحدّ امبارح. كتمها، وهو الوحيد اللي كان معاه أدلة تفضحنا، بس عمرنا ما تخيّلنا يعمل كده».
بصّت نادين لبدران، صوتها اترجّف:
«مين اللي كان امبارح في القاعة؟ إزاي ده يكون علي؟ إزاي يعمل كده؟ إزاااي؟»
بدران كان ساكت، ملامحه جامدة.
رانيا انفجرت:
«ده ندل حقير! لازم يتعلّم الأدب يا بدران… لازم يندم».
قال بدران بهدوء تقيل:
«كلكم مستغربين اللي عمله… إنما أنا؟ أنا مستغربتش».
يوسف قرب خطوة:
«إزاي يا بابا؟ إنت متوقّع منه يغدر بينا بالشكل ده؟»
رد بدران وهو ثابت:
«علي اللي كان معانا زمان… مش هو علي اللي ظهر امبارح. عشان كده ما استبعدتش اللي عمله. إحنا في الحقيقة ما نعرفش علي. أول يوم عرفناه بجد كان امبارح».
قالت نادين بحدة مكبوتة:
«وبعدين؟ هنسكت؟»
بدران هز راسه:
«أكيد لا… بس لازم أعرف حاجة الأول».
رنّ تليفون نادين. ردّت بسرعة.
يوسف سأل بقلق:
«في إيه؟»
وشّ نادين اتغيّر فجأة، عينيها وسعت:
«إزاي؟!… إزاي ده يحصل؟»
بصّوا لها كلهم.
بدران شدّ نظره عليها:
«في إيه يا نادين؟»
بصّت له بخوف وتردد، وبعدين قالت:
«بعد اللي حصل امبارح، بعثنا أمر نمسح أي صورة أو فيديو عن العرض… وكل حاجة كانت تحت السيطرة فعلًا، بس—»
قاطعها بدران بنبرة حادة:
«بس إيه؟ اتكلمي».قالت نادين بقلق:
– في صحفي نزل مقال وسرّب كل اللي حصل… حتى الحاجات اللي كانت اتمسحت رجعت تنزل تاني.
يوسف اتفاجئ:
– إيييه؟! مش المفروض الكلام ده محظور أصلاً على شركات التواصل والانترنت كله؟
نادين – الحظر اتفك، وبقى متاح ينزل أي مقال في أي وقت عن شركتنا وضد بدران. واتقال كمان إن الصحفي اللي بدأ الكلام قال معاه حصانة كبيرة.
يوسف بعصبية:
– ده استهبال! هو فاكر نفسه مش هيتجاب؟
بدران قال بهدوء تقيل:
– علي.
الكل بصّ له أول ما نطق اسمه.
رانيا
– معقول هو اللي عمل كده؟
نادين ردّت بسرعة:
– مفيش غيره. علي علاقاته كتير، ووضعنا قدامه حرج. واللي عمله ده إدّى فرصة إن الموضوع مايتقفلش، ويفضلوا يتكلموا عنه.
رانيا بان عليها الغضب:
– هو عايز إيه بالظبط؟! مش كفاية اللي عمله؟ إيه الجرأة دي؟ مش خايف؟
بدران قال بنبرة ثابتة:
– مش خايف… ده واحد داخل حرب معندوش حاجة يخسرها.
لفّ بدران وبصّ لنادين:
– كلمي شركات الإعلام حالاً. كل شركات الإعلام اللي في مصر.
شدّد على كلامه:
– أي صحفي يكتب عن الموضوع ده… ممنوع منعًا باتًا. مفهوم؟
بدران– لو علي فتح لهم المجال يتكلموا بعد ما كنا حابسينهم، إحنا هنكتم بقهم عن الكلام.
طلع بدران،  دخل أوضة علي، اللي كان قاعد فيها وسطهم من شوية.
فتح الدولاب وبقى يقلب في الهدوم بعصبية، يرمي قطعة ورا التانية على الأرض.
دخل يوسف بسرعة:
— بابا؟
بدران ما ردّش. كان بيقلب في كل حاجة، كأنه بيدوّر على دليل.
قلب السرير، شال المرتبة، حتى اللحاف ما سبهوش…
بس مفيش.
ولا أي حاجة تمسك طرف خيط.
رَمى اللحاف على الأرض بضيق مكتوم وقال:
— باين إنه واخد حذره قوي.
قال يوسف — أكيد… وإلا كان اتكشف من زمان.
وسكوت لحظة، كمّل:
— وكون إنه كشف نفسه بنفسه، يبقى هدفه قدامه.
بدران وقف، وبص لابنه:
— وانت عارف هدفه إيه؟
يوسف هز راسه:
— معنديش فكرة.
وبص في عيون أبوه:
— في حاجة يا بابا؟
دخلت نادين:
— كلمت شركات الإعلام. هيعملوا اللي يقدروا عليه ويسكّتوا صحافيينهم،لسه ليك تقدير كبير يا بدران، وفي مساندة لينا.
بدران— لأن الكل عارف إني مبقعش… وهقوم أقوى من الأول.عشان كده بيكسبوني.
نادين بصّت للأوضة المتبهدلة.
بدران — حضّروا لقاء صحفي كبير…عايزه يتذاع على كل القنوات
يوسف:— هتظهر تاني يا بابا؟
بدران— لازم نطلع ننفي اللي حصل في أقرب وقت. هنرمي كل الأخطاء على شخص واحد… اللي فاكرينه بطل، وهو في الحقيقة مجرد شيطان متخفي. الجريمة دي من افتعاله، وهو كان سبب كبير إن القضية تتقفل على إنها مجهولة.
قال يوسف — هبلغ أكبر شركات الإعلام حالًا، وكل حاجة هتتنظم زي ما إنت عايز.
أومأ بدران بصمت. مشيو وفضل بدران قاعد لوحده.
افتكر كل كلمة قالها علي، كل نظرة كانت واضحة في عينه… نظرة عداء، كره، وشر.
رفع سماعة التليفون، طلب رقم مجهول.
استنى لحد ما جاله الرد.
قال بدران — نفّذ النهارده. هبعتلك بياناته وتفاصيله… وعايز الموضوع يخلص فورًا.
جاله الرد — اعتبره تم.
قفل التليفون ورماه على السرير.
فلاش باك
قال بدران بسخرية خفيفة:
– لو كان عندي أخ، ماكنش هيبقى زيك يا علي.
ضحك علي ورد بهدوء:– أنا وفيّ بزيادة.
بدران – … في قربك إنت أقربلي من نفسي، حتى من غير ما يكون في بينا صلة دم.
على– اللي بينا أكبر من الدم. تقدر تعتمد عليّا لانى مش هسمح لحد يأذيك.
بادله بدران الابتسامة – وأنا طول ما عايش، هحميك بروحي… الروح اللي مديونلك بيها.
علي– الدين بيفضل دين… عشان كده ما يتنساش.
ضحكوا سوا، ضحكة بريئة، ماكانش بدران فاهم وقتها مغزى الكلام.
باك
معقول كل ده كان كدب؟
افتكر اليوم اللي المجرمين لحقوه فيه.
ظهر علي من العدم.
ساعتها بدران خاف… خاف يكون واحد منهم.
العربية كانت على كوبري مكسور، خطوة واحدة وتطيح بيهم في الهوا.
وفي اللحظة الأخيرة، امتد حبل من فوق…
إيد علي.
كان بدران بيصرخ، صوته مكسور:
– مش هعرف أمسك! هات إيدك… أرجوك!
لكن علي ما تنازلش عن رفض لمس بدران،
كأنه لو لمسّه مرّة،
هيثور في لحظة ويخلي الدنيا كلها تختفي.
كان ماسك الحبل بإيديه،
لفّ الحبل حوالين يده بإحكام.
وفي اللحظة اللي بدران حسّ فيها إنه هيموت فعلاً،
سحب علي كرجل بكل قوته
ونزله على الأرض الصلبة
كان بياخد نفسه بصعوبة،
«أنا مديونلك بحياتي.»
ردّ علي بهدوء، نظراته ثابتة:
«افتكر إن الدين ثابت.»
بدران ماكنش فاهم…
لما اختفى بدران دور عليه
ما كانش علشان الدين نفسه…
لكن لأن دي كانت أوّل مرّة
يشوف حد يدافع عنه بروحه الكاملة،
كان معجب بيه…
وبيخاف يفقده.
اتأكد إن علي ما لهوش علاقة بالمجرمين اللي حواليهم…
وعايز يقف جنبه.
وبالفعل…
علي بقى المثال اللي بدران يمشي وراه،
وزيه كأنه درعه البشري
اللي بيتحامي بيه
اتولدت ثقة عمياء،
خليته يقول:
«علي علي… ده أخويا.»
ويدخّله عيلته باسمه ده.
لكن…
نظر بدران لهاتفه فجأة،
ماكانش يتوقّع إنهم يومًا هيبقوا أعداء
ويسعوا للتخلّص من بعضهم.في هدوء الليل،
***********
كانت فيلة علي محاصَرة برجالة واقفين قدّام البوابة.
وسطهم كان في راجل باين عليه القوه، وقفته ثابتة ونظراته حادة.
رفع إيده بإشارة واحدة.
الدخول تم فورًا.
بس الفيلا ما كانتش فاضية…
رجالة علي كانوا جاهزين.
أول ما شافوا الدخلاء، الاشتباك ولّع في ثواني.
القائد قال بصوت واطي لكن قاطع:
«ما تسيبوش حد عايش.»
الهجوم كان شرس،
أسلحة في الإيد…
بس من غير إطلاق نار.
الرصاصة لو خرجت، علي هيسمع.
وده هدفهم الوحيد
قسم منهم طلع لفوق،
يفتحوا الأوضة ورا التانية،
بهدوء قاتل…
السلاح مرفوع، النفس محبوس.
وقفوا قدّام أوضة،
واضح إن فيها حد نايم.
قربوا ببطء،
والراجل معاهم.
وفي لحظة واحدة
اتضربت طلقات سريعة
كفيلة تنهي أي حاجة.
بس…
ما كانش في أثر للدم.
القائد قرب،
رفع اللحاف…
مخدة.
وفي اللحظة اللي ظهر فيها الفخ،
كان علي واقف ورا الحيطة.ظهر وطلقات خاطفة،
والرجالة وقعوا واحد ورا التاني.
القائد لف بسرعة،
ضرب نار ناحية علي،
لكن علي تفاداها
واستخبى ورا الحائط.
القائد ما استناش.
نط في ثانية،
مسك عصاية
ورفعها عشان ينزل بيها على دماغه.
قبل ما العصاية تلمس الهوا…
السكينة كانت سبقت.
طعنة مستقيمة في صدره
وقفته مكانه.
العصاية وقعت،
وسلاحه ما لحقش يتمسك.
وعلي…
كان واقف،
نَفَسه ثابت،
وعينيه ما فيهاش أي تردد.بصّله بشدّة وهو بيتألّم.
عينيه كانت مليانة حقد، ونَفَسه متقطّع.
قال علي، وصوته ثابت وعينيه جامحة:
«بدران بعتك.»
ابتسم الراجل بغلظه وقال
«… ولازم آخد روحك معايا.»
مدّ إيده يطلع سلاح تاني،
بس علي كان أسرع.
بوكس واحد
وقعه على الأرض قبل ما يلحق يعمل أي حاجة.
*********
في الصبح…
بدران كان قاعد،
بيبص في الساعة كل شوية،
صوت الجرس قطع الكلام.
الخدامة راحت تفتح.
ثواني…
صمت غريب.
رجعت وقالت:
— في… طرد.
بدران استغرب:
— طرد إيه؟!
قام بنفسه.
قدّامه كان في صندوق.
بص له لحظة،
وبص حواليه.
— مين اللي باعتُه؟
الخدامة هزّت راسها:
— معرفش يا فندم…
مافيش مندوب، لقيته بس قدّام الباب وجبته.
مشيت الخدامه،بدران فتح الصندوق
انطلقت صرخه من رانيا
نادين شهقت ووقفت مكانها،
ويوسف…
عينيه اتملت صدمة،
مش قادر ينطق.
أما بدران…
فوقف ساكت.
ولا كلمة.
كانت رأس الإنسان في الصندوق مليانه د.م، قشعر بدران من المنظر
رانيا شعرت بدوخة، كادت تقع، لحقها يوسف وقال:
— ماما…
نادين قالت بخوف:
— لازم أبلغ البوليس فورًا.
بدران — ده القاتل المأجور اللي بعته لعلي بالليل.
رانيا ونادين بصّوا له بدهشة، بينما يوسف لم يصدق عينيه.
قال بدران، ببرود:
— فشل في مهمته… وده الرد.
يوسف تمالك نفسه بصعوبة وقال:
— علي… ده مجنون أكيد.
نادين همست:
— ده مجنون فعلاً… أكيد مجنون.
يوسف قفل الصندوق فورًا، محاولًا يحجب المنظر عن أعينهم.
في نفس اللحظة، رن هاتف بدران.
رفع تليفونه بحنق، نظر للرقم، ثم رد:
— الو…
صوت علي وصلهم من الطرف الآخر، هادئ لكن مليان تهديد:
— وصلتك الهديّة.
بدران قبض على التليفون بشدة، صوته يخرج بنبرة تحذير:
— هتندم أوى يا علي…
رد علي بثقة لا تُخفي أي توتر داخلي:
— إنت مش في وضع كويس عشان تهددني… كفاية نظرات الخوف اللي بتحاول تنتجها فيك أنت وعيلتك.
بدران بص حواليه، كأنه حاسس إن علي شايف كل حركة،
على قال:
— الخوف مش بيليق عليك يا بدران… لكن أنا شايفه لأول مرة في عينك، وتحاول تخبيه… محاولاتك فاشلة.
قال بدران بغضب مكبوت، صوته كان شبه بيصرخ:
— بتعمل كده ليه؟! عايز فلوس؟!
ضحك علي ضحكة قصيرة، مفيهاش أي مرح:
— عمر ما الفلوس كانت تهمني.
سكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة أهدى… وأقسى:
— حتى حمايتي ليك، وتغطيتي لكل وساختك، مكنتش إخلاص. أنا قلتلك وقتها إني مش هسمح لحد يأذيك.
ثم تغيّرت نبرته فجأة، بقت مظلمة:
— محدش ياذيك غيرى
بلع بدران ريقه، وقال بحدّة وهو يحاول يسيطر:
— إنت عايز إيه؟ فهمني… عايز إيه؟
قال علي بهدوء مرعب:
— اتصلت بيك عشان أديك فرصة.
بدران— فرصة؟!
على— تطلع وتعترف بجريمتك… إنت وعيلتك.
قطّب بدران حواجبه بسخرية مصطنعة:
— جريمة إيه؟
قال علي كلمة واحدة…— منى.
الاسم وقع على بدران زي الصاعقة.
جسمه اتخشّب، أنفاسه اتلخبطت.
اللعنة… هو فعلًا يعرف.
العرايس مكانتش وهم.
منى… كانت المفتاح.
قال علي، وكأنه شايفه قدامه:
— مش ناسيها، صح؟
قال بدران بصوت متحشرج:
— إنت مين؟
— هتعرف يا بدران… بس مش دلوقتي.
قالبدران-انكق انت مين بقولك ازاى تعرف عنها
قال على-اتصدمت ان ملفها هيتفتح بس هو مكنش اتقفل اصلا ولا عشان كنت حريص تنهى حياة اى حد يعرف عن القضيه عشان تتدفن معاها
اتصدم بدران من معرفته-مستحيا
على بلهجة لا تقبل نقاش:
— تنفّذ. تطلع حالًا وتعترف بكل اللي عملته وقتها. كل حاجة. وساعتها بس… هخفف من انتقامي منكم.
بدران بابتسامه ناشفه، فيها غضب وبرود:
— إنت شكلك شارب حاجة يا علي.
وقرب من التليفون، صوته بقى قاسي:
— عايزني أطلع أفضح نفسي قدام الناس؟ أدمّر اسمي في لحظة؟ إنت بتحلم… وبتحلم قوي كمان.
قال علي ببرود:
— متستهالش تتطلّع وتبرأ اسمها.
وقف بدران صامت، عينه ثابتة،على بيبص ف الشاشه يحاول يقرأ أي إحساس بالذنب على وجهه
قال بدران-متستهالش بعد كل ده اجى هنا واضحى بالى عملته
جمع علي قبضته، صوته صار أشبه بالتحذير:
— فرصتك خلصت يا بدران. استنى مقابلتنا.
بدران، متمسك بغضبه، أخرج يده من خلف التليفون وقال:
— اطلع من ورا التليفون وريني نفسك!
أغلق علي المكالمه في وجهه ببرود، ليهتز قلب بدران دقات سريعة، صوته يتلعثم قليلاً:
— على…
كان قلب بدران يدق بشدة منذ اللحظة التي نطق فيها علي باسمها:
— منى…
يوسف، بصوت خافت:— بابا… قالك إيه؟
بدران، — على يعرفها منين… يعرفها منين ومهتم بيها ليه…
يوسف — هي مين؟
بدران بصوت مبحوح ومرتجف، كأن الزمن توقف عنده:
— م… منى…
تجمدت نادين، بمجرد ما سمعت الاسم التفتت لهم بذهول، عيونها تتسع.
يوسف صامت، صوته بالكاد مسموع:
— م… منى؟
بدران، عينيه صارتا سوداويتين، وقال بحدة:
— بيهددني عشان أطلع وأعترف باللي عملناه فيها… وأبرأ اسمها.
نظر إلى يوسف ونادين:
— يعرف الحاجات دي منين؟ يعرف أي تفاصيل عشان يتملم عنها؟ ده يبقى مين أصلاً عشان يعرفها؟
اللحظة شعرت وكأن الزمن عاد للوراء، كلهم عادوا لتلك الصدمة الأولى، وكأن المشكلة التي ظنوا أنها انتهت… لم تنته أبدًا. كانوا الآن واقفين هناك، في مواجهة نفس المشهد، نفس الخوف، نفس السؤال: هيعملوا إيه دلوقتي؟
جلس يوسف على الكنبة، غارق في جريمته، عرق يتصبب على جبهته، قلبه يدق بعنف. فجأة، قفزت صورة منى في ذهنه، بيقولها— "يوسف… ده اسمي."
فى داخله وكأنه يسمع صداها— "يوسف…"
أغلق عينيه ومسح جبينه المتعرق، حاول يلتقط أنفاسه، لكنه شعر بالصدمة تتجمد داخله:
— على يعرفها منين… ومن امتى؟
نظر إليه بدران بعينين ثابتتين:
— انت اتكلمت عنها مرة قدامه؟
تنهد يوسف، بضيق — أنا مش مغفل يا بابا… عمرى ما جبت سيرتها قدام أي حد، حتى لو صدفة… عمرى ما نطقت اسمها بالغلط.
بدران— على مش بطل… لو مكنش يعرفها، مكنش هيسعى لينا بسببها.
نادين، بعينين متسعتين وخوف واضح:
— يعني إيه هو عمل كده عشان منى؟ في علاقة بتربطه بيها؟
بدران، بصرامة مطلقة:
— مفيش غير كده.
فجأة، تذكر يوسف كل اللحظات الأخيرة مع منى، قلبه اهتز:
— قالت… على…
بصوله من الى قاله، تذكر آخر مرة كانت معه فيها، كل لحظة وكل كلمة تقولها كانت معلقة في ذاكرته، وكأنها طيف يطارده، لكن صوتها كان ينطق باسم علي "على… على… عللللللي…"
التفت يوسف إلى بدران بنظرة حادة، صوته يخرج مشوشًا:
— إزاي مخدتش بالي؟
رد بدران، متعجب قليلًا:
— مخدتش بالك من إيه؟
قال يوسف، كأن الحقيقة تنهال عليه فجأة:
— بابا… على يعرف منى من زمان أوي…
نادين، مذهولة، همست بصوت منخفض:
— إزاي؟
يوسف، عيناه ممتلئة بالصدمة والرهبة:
— منى كانت بتنادي باسم على… باسم على…
نادين صمتت للحظة، عينيها مفتوحتين على وسعها، قالت بدهشة:
— إزاي ده يحصل؟
يوسف، صوته مختنق بالدهشة والقلق:
— منى كانت بتنادي باسم على… باسم على بس.
نادين شعرت بقشعريرة، همست:
— معقول… يعني على يعرفنا من زمان عن طريقها؟
بدران، محاولًا استيعاب الموقف، صوته منخفض لكنه حاد:
— على معرفناش أصلاً إلا بسببها…
بص بدران إلى يوسف، وفهموا فجأة الحقيقة: من البداية، كان على مزروع بينهم، يراقبهم، ويختار اللحظة المناسبة لضربتهم.
بسرعة، قام بدران، يوسف ركض خلفه وهو يقول:
— خليكي مع ماما، نادين!
خرج لقى ابوه بيركب السيارة كان سريعا وبدون أي كلام زائد
يوسف— بابا… رايح فين؟
رد بدران بنبرة حادة ومركزة:
— السجل… دلوقتي.
مشي قبل أن يستوعب يوسف، أخذ بودي جارد ومشي هو كمان، تليفونه يرن بلا توقف… المكالمة الخمسين كانت من سهير، عشيقته، لكنه تجاهل كل شيء، كل تركيزه على الحقيقة التي تتكشف أمامه.

وصل بدران السجل، قابله شخص واقر فى بدلته:
— لما كلمتني استغربت من استعجالك.
رد بدران بسرعة وحزم:
— مش وقت نضيع، لازم أعرف كل حاجة.
دخلوا القاعة الكبيرة مليانة ملفات ورفوف عالية، الهواء تقيل من كثرة الأوراق والسرية. الرجل نظر لبدران وقال:
— بدور على مين بالظبط؟
رد بدران بهدوء حاد:
— سمعت عن العرض اللي حصل… مش كده؟
سكت الرجل، ثم أكمل بدران:
— على خليل الشافعي…؟ عايز اعرف كل حاجة عنه.
الراجل
— ده محتاج مجهود كبير جدًا… الموضوع مش بسيط.
خرج بدران دفتر الشيكات، ووقع على شيك كبير:
— خلي موظفينك يجيبولي كل أصله وفصله.
نظر الرجل للشيك، واتفاجأ بالمبلغ، لكنه نفذ الأوامر بسرعة
. الموظفين بدأوا يدوروا في الملفات، واحد واحد، يبحثوا عن ملف على. بدران قاعد، عينيه بتلف هنا وهناك، منتظر كل معلومة.
جالهم ملف شهاده ميلاد على. بدران التقطها، وبص فيها بعناية: اسمه، تاريخ ميلاده، اسم عائلته. فجأة، وقعت عيناه على اسم عائلة أمه… نظر له بتأمل، قلبه اتسارع. الاسم مألوف… كان كأن سمعه قبل كده، كأنه جزء من ذكريات غامضة.
الراجل رجع، وحط قدامه أكوام الملفات:
— دي كل التقارير عن على.
بدران نتش الملف، فتح واحد واحد. كل صفحة كانت تكشف جزء من حياة على:
— وحيد… أهله ماتوا من زمان في حادثة…
— تربى مع جدته، لكنها توفت بعد خمس سنين…
— الحكومة تكفلت به بعد كده هو وعيلته…
— اشتغل بجانب دراسته رغم إنه ما كملهاش.
بدران قاعد، عينيه متسعة… كل معلومة كانت بتكشف له جانب من شخصية على، اللي حتى قصته مأساوية لكنها فيها صلته العميقة بالقوة والسيطرة اللي شايفه دلوقتي.بدران كان واقف، عيناه مركزة على ملفات على، بيفتح صفحة صفحة، يقرا تفاصيل حياته كاملة.
الراجل قال بصوت هادي:
— فلوس جدته كانت تكفي معيشته، بس مش كتير. استأجر بيت صغير عشان ما يتشردش هو وأخته… ومع تقديرات عالية في دراسته، لكنه كان بيشتغل في سوبر ماركت.
بدران فجأة توقف، قلبه خبط جامد:
— ثانية ثانية… أنت قلت أخته؟!
الرجل إومأ برأسه:
— ايوه.هى دى عيلته
بدران شد نفسه، عينه بترقص بين الملفات:
— فين ملفها؟ هاتهولي حالا.
الراجل، مستغرب من إصراره، مد له الملف بين كومة الأوراق. بدران فتحه، قلبه بينقلب كل ثانية.
لما بص على الصور الشخصية، صدمة أصابته في الصميم… هذه العينان، هذا الشعر، هذا الوجه… قلبه بدأ يدق بعنف، وكأن كل شيء انهار فجأة، وكأنها لحظة القيامة.
ورغم كل الصدمة، نظر للأسفل، وقرأ الاسم مكتوب بشكل واضح:
— "منى خليل الشافعى".
الهواء اختنق حوله، عقله مش قادر يستوعب… كل تفاصيل حياته، كل تحركاته، كل المؤامرة، فجأة اتجمعت في هذه اللحظة الواحدة.بدران نتش الملف بتاع على بسرعة، حطو جنب ملف منى، وعينه بتتسع من الصدمة… كل شيء اتلخبط في دماغه، الكنيات، الملامح، التشابه الغريب بينهم.
قال بدران، بصوت متقطع، كأنه مش مصدق:
— مستحيل…
قطع نظراته من صورة على لصورة منى، حس إنهم بيبصوا له… كأنهم مواجهينه بملوك الموت
تخيل على قدامه، وفجأة، منى تجسدت قدامه… ملامحها كانت مطابقة لملامح على تمامًا… قلبه اتجمد، رقبته تلاشت كل حركاته…
تراجع بضربة صدمة، رجع ورا، عقله مش مستوعب… اتخبط ووقع على الأرض، وصوت قلبه كان يدق جامد…
قال بدران، بكتم أنفاسه:
— ...اخته ؟!
اتسعت اعينه قال-منى تكون اخت على

في الفيلا، كان الصمت تقيل… تقيل لدرجة إن النفس نفسه كان مسموع.
بدران قاعد، ساكت، بس الصدمة كانت فـ عيونه قبل وشه، كأن الدنيا اتقلبت تحت رجليه فجأة، وكل حاجة كان فاكرها ثابتة طلعت وهم.
نادين كانت أول واحدة كسرت الصمت، صوتها طالع مهزوز:
— أخوهااا؟!!!… علي يبقى أخوها؟
رانيا قامت من مكانها بعصبية، الكلام طالع منها من غير ما تفكر:
— مستحيل!
وبصت لبدران:
— إنت قولت وقتها إن ملهاش حد، لو ليها أخ كان فين وقت اللي حصلها؟
بدران رفع عينه ببطء، صوته كان واطي بس قاطع:
— كان معاها… بس كان مستخبي عن عينينا.
سكت لحظة وكمل:
— لأن في حد أوهمنا إنها ملهاش حد
يوسف قال — بابا… أنا لما عرفتها، والله مكنش معاها حد، كانت لوحدها.
بدران — أنا مش بتكلم عليك يا يوسف…
وسكت ثانية قبل ما يقول الاسم:
— أنا بتكلم عن حسن.
يوسف اتجمد:
— حسن مات.
— مات…
قالها بدران وهو بيهز راسه:
— وإحنا افتكرنا إن بموته قفلنا باب الخطر كله، افتكرنا إن مفيش حد تاني ممكن يطلع، بس مكنّاش نعرف إن منى ليها أخ…
شد نفس طويل:
— هو كان يعرف.
رانيا قربت خطوة:
— إنت واثق ليه إنه كان يعرف؟
بدران رد من غير تردد:
— لأنه هو اللي كان ماسك قضيتها.
والكلمة وقعت تقيلة:
— وهو اللي كان متابع معاها خطوة بخطوة… لحد اليوم اللي انتهت فيه.
الصمت رجع يبلع المكان.
يوسف كان أول واحد يتكلم، بس بصوت مليان حيرة وغضب:
— طب لو علي منتقم… منتقم بحق، ليه مستنى كل السنين دي؟
— ليه سايبنا لحد دلوقتي؟
— وليه دلوقتي بس يفتح ملفها ويطلع اسمها للنور؟
نادين قالت وهي حاطة إيدها على صدرها:
— هو عمره ما نسيها اصلا
رفعت عينها لبدران:
— ده كان مستني لحظة معيّنة… وقت مناسب.
رانيا سألت، والخوف واضح في صوتها:
— مستني إيه؟
قال بدران بصوت واطي، لكن كل كلمة كانت سكينة:
— يبقى مستعد ينهينا.
الكل بص له، الصدمة باينة في عيونهم قبل ما يفهموا قصده.
بدران كمّل وهو بيضغط على فكه:
— علي كان مستني اللحظة اللي يبقى فيها قد المواجهة.
شد قبضته بعصبية:
— لو كان ظهر وقتها…
وسكت ثانية، صوته نزل أكتر:
— كان زماني خلصت منه بإيدي، ومبقيناش هنا دلوقتي… ومبقاش هو التهديد اللي واقف فوق دماغنا.
يوسف قال بتوتر مكتوم:
— ممكن يعمل إيه أكتر من اللي عمله؟
نادين رفعت عينها، صوتها كان ثابت بس مليان قلق:
— علي مش سهل.
— اللي قدامنا ده واحد عنده نفوذ، وسلطة، وقوة…
— يعني مش مجرد خصم، ده منافس تقيل، ولو ناوي على انتقام فعلاً، يبقى لازم نخاف.
رانيا قالت باستنكار:
— انتقام؟
يوسف كرر الكلمة وهو غايب بعقله:
— انتقام…
وفي لحظة، رجعتله الذكريات تقيلة.
افتكر اللي عمله بنفسه…
افتكر اللي عمله في واحد بس كان شاكك إن ليه يد في ظلمها.
وقتها افتكر إنه بينتقم لها،
بس الحقيقة ضربته زي الصفعة:
— أنا أكتر واحد أذاها.
— أنا السبب الأكبر في اللي حصلها.
نادين بصت له وقالت بهدوء مخيف:
— يعني هدفه إحنا… ينتقم مننا كلنا.
وحطت إيدها على رقبتها لا إراديًا، الخوف طالع منها من غير ما تتكلم.
رانيا قربت منها بسرعة:
— في إيه يا نادين؟ متخافيش…
نادين قطعتها، ونبرتها كانت مرتعشة بس حاسمة:
— إنتِ متعرفيش علي.
رفعت عينها ليهم:
— إنتِ مشوفتيش اللي شوفناه…
— مشوفتيش إزاي قطع راس بني آدم ببرود، من غير ذرة تردد
رانيا ارتبكت، ملامحها شحبت.
نادين كمّلت، وصوتها واطي بس قاطع:
— ده أكبر دليل إننا مش بنتعامل مع إنسان طبيعي ده مختل، ده واحد عاميه الانتقام، ومش هيقف غير لما يحس إننا ذقنا نفس الوجع.
قال بدران — لو علي ناوي ينتقم… ليه مقربش من يوسف لحد دلوقتي؟
يوسف رفع عينه ببطء، صوته كان هادي بس تقيل:
— ممكن مستني لحظتي.
بدران هز راسه نفيًا:
— لا… مش ده إحساسي.
بص ليوسف بنظرة فاحصة:
— يا إما مستبعدك مؤقتًا،
— يا إما علي لحد دلوقتي مش عارف مين اللي اغت.صب منى.
رانيا بصّت له بذهول:
— تقصد إيه؟
نادين قربت خطوة، نبرتها مشدودة:
— أمال هينتقم من إيه؟
بدران رد بوضوح مخيف:
— من القضية.
— من اللي حصل فيها.
— علي كلمني عشان يبرّئ اسم أخته من تهمة السرقة…
— واعترف بالجريمة من أولها لآخرها.
وسكت لحظة، وبص في وشوشهم واحد واحد:
— علي يعرف قضية منى كويس.
— عارف دخلت الحبس إزاي، ومن مين.
— عارف كل تفصيلة،
— لأن اللي كان ماسك الملف ده هو حسن…
— وهو اللي كان بيدير قضيتها قانونيًا.
نادين قالت بحدة:
— يعني حسن كان عارف إن منى ليها أخ اسمه علي؟
— وسكت؟
— وهو اللي نقل له كل اللي حصل؟
يوسف ضغط على أسنانه وقال:
— ما احنا قولنا حسن مات.
— هيصحى إزاي ويقوله؟
بدران رد بهدوء تقيل:
— علي اتحول من أربع أيام بس.
— اختفى، وبعدين رجع…
— بس المرة دي بوشه الحقيقي.
رفع صوته شوية:
— وده معناه إنه عرف تفاصيل القضية دلوقتي.
وسكت، كأن في حاجة ناقصة في الصورة.
ثم قال ببطء، وكأن الكلمة طالعة غصب عنه:
— عدى حاجة واحدة…
— حاجة حسن نفسه مكنش يعرفها.
بصت نادين لبدران بعينين مليانين قلق:
— إيه هي؟
يوسف سبق الكل وقال بهدوء مريب:
— أنا.
اومأ بدران براسه، وصوته كان ثابت بس جواه نار:
— حسن عرف كل حاجة تقريبًا.
— كان شاكك فينا…
— في اللي حصل لمنى، وفي دخولها المستشفى،
— بس مقدرش يثبت حاجة، ولا يوصل لدليل.
نادين ضربت كف بكف:
— أمال علي عرف إزاي؟!
— عرف إزاااي؟
— مستحيل يكون حسن…
— أكيد في حد بلّغه.
يوسف فضل ساكت.
لاحظ إن أبوه مركز نظره عليه.
قال بدران بنبرة مباشرة:
— يوسف…
— إنت متأكد إنك مسحت كل أثر؟
يوسف — بابا أنا محيت أي حاجة ممكن توصلنا لهنا.— كل حاجة.
بدران قرب خطوة:
— يبقى ازاي وصلنا؟
يوسف اتلخبط:
— يعني إيه؟
بدران قالها ببطء، كلمة كلمة:
— إنت متأكد…
— إن الفلاشة اتخلصت منها؟
يوسف رفع صوته شوية:
— والله حرقتها!
— خلصت عليه وعلى كل اللي معاه.
— وأنا واثق إن مكنش معاه أي حاجة وسهير أكدتلي كده.
بدران قطّب جبينه:
— سهير؟
— الرقاصة اللي في الكباريه؟
— اللي استغلتها عشان توصل له؟
يوسف رد من غير تردد:
— أيوه.
— بتسأل ليه؟
بدران قال ببرود يخوف:
— خلصت عليها هي كمان وقتها…
— زي ما قلتلك.
سكت يوسف.
ثواني عدّت تقيلة.
وبعدين قال بصوت واطي:
— أيوه…
السكوت نزل عليهم كلهم زي حمل تقيل.
ولو الفلاشة اتحرقت،
وحسن مات،
وسهير اختفت…
يبقى السؤال الوحيد اللي بيصرخ في الهوا:
مين اللي فضّل؟
ومين اللي فتح القبر القديم من تاني؟قالت نادين وهي حاطة إيدها على راسها:
— كده الحيرة زادت…
— معقول الفلاشة كان معاه غيرها؟
— وعلي قدر يوصلها؟
يوسف ما استحملش يكمل الجلسة.
قام فجأة، شد جاكته، ومشي من غير ما يبص لحد.
طلع تليفونه ورن على رقم…
الرد جه في نفس الثانية، بصوت فيه لهفة:
— يوسف؟
قال بحدة مكتومة:
— إنتي فين؟
سهبر— في الشغل.
— روحي الشقة.
سهير— بس…
— حالًا.
قفل المكالمة كأنها ما عندهاش حق تناقش.
خد مفاتيح عربية السواق،
قال وهو بيطلع:
— مش عايز حد معايا.
وانطلق بالعربية،
سواقته سريعة، عصبية،

سهير كانت في الشقة.لابسة قميص خفيف،
والريحة النفاذة لعطرها مالية المكان،
ريحة تعرفها كويس… ريحة الإغراء واللعب.
سمعت صوت باب الشقة بيترزع بعنف.
قلبها دق.
خرجت بسرعة.
أول ما شافته، ابتسمت،قالت— وحشتني أوي…
— إيه الغيبة دي؟
قربت منه وحضنته بقوة،
حضن فيه شوق… أو تمثيل شوق.
قالت وهي لازقة فيه:
— عارفة إنك كنت في ضغط،
— والظروف الأخيرة مش أحسن حاجة،
— بس إنت كنت بتجيلي…
— ولو خمس دقايق.
رفعت وشها وبصتله بدلع:
— تعالى…
— أنا هنسيك الدنيا دي كلها وإنت معايا.
يوسف ما حضنش.
ما ردش.
مسك دراعها بهدوء يخوّف،
وبعدها عنه خطوة.
— سهير…
— عايز أعرف الحقيقة.
الابتسامة على وشها اهتزت للحظة…
لحظة صغيرة بس كفاية.
واللحظة دي
كانت بداية النهاية.
بعدها يوسف عنه فجأة وقال بصوت واطي بس تقيل:
— إنتي معاكي نسخة من فلاشة حسن؟
سهير اتجمدت.
اسم حسن لوحده كان كفيل يخلّي وشها يشحب.
عمره ما فتح سيرته من ساعة ما مات،
بل كان دايمًا يهرب من أي كلمة تيجي ناحيته.
قالت بتوتر واضح:
— حسن؟
يوسف قرب منها خطوة، صوته علا:
— اتكككلمي!
اتخضت من نبرته، بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— لا…
— لا والله، أنا اديتهالك على طول.
بصلها بعين مش مصدقة:
— وكلمتي حد؟
— عن أي كلمة كنتي تعرفيها منه؟
سكتت لحظة،
وبعدين قالت بصوت مهزوز:
— ده… ده الموضوع اللي كنت برن عليك كتير بسببه.
يوسف اتشد:
— موضوع؟!
قالت بسرعة وكأنها بتدافع عن نفسها:
— عمك…
— اللي هو شريككم،
— اللي ظهر في العرض وسوّد سمعة والدك…على مش كده
كملت وهي بتبص للأرض:
— شوفته.
— جه لي وسألني عن حسن.
في اللحظة دي…
عيني يوسف اتحولت.
ونزل القلم بقوة.
سهير وقعت على الأرض رفعت وشها،
عينها مليانة ذهول،وقالت — بتضر..بني يا يوسف؟
قرب منها وهو بيغلي:
— أنا كنت لازم أعمل كده من الأوووول.
— وأخلص منك.كان لازم اسمع كلامه
مسك دراعها،
صرخت من الألم،
قال وهو بيضغط على أسنانه:
— عملتي إيه يا غبية؟
— فتحتي بقك بايه؟
— إنتي السبب…
قالت سهير وهي بتبكي بصوت مخنوق:
— والله ما قلت حاجة…
يوسف صرخ فيها:
— اخرررسي!
— فكراني هصدقك؟
— مفيش غيرك ممكن يقوله!
— انطقي… بعتي نفسك بكااام؟
— ما أنا عارفك… كلبة فلوس!
الكلمة نزلت عليها تقيلة.
عينيها دمعت غصب عنها،
رغم إن سهير عمرها ما كانت إنسانة عاطفية.
قالت بصوت مكسور لأول مرة:
— كلبة فلوس يا يوسف… أنا؟
رفع السلاح في وشها.
إيديها اترعشت،
الخوف مسك فيها من قلبها.
قال وهو بيضغط على الزناد بإصبعه:
— انططططقي!
— قولتيله إيه؟
هزت راسها وهي بتعيط:
— والله ما قلتله حاجة.
قرب منها أكتر، صوته بقى أبرد:
— مش هصدق أي كلمة تطلع من بُقك.
وقعت عند رجليه،
مسكت في رجله وهي بتنهار:
— متكلمتش…
— والله متكلمتش.
— رغم كل اللي أعرفه عنك…
— وعن اللي عملته زمان.
الكلمة دي خلّته يثبت.
بصلها بحدة،
مسك كف بقها بعنف وكأنه هيكسره،
وقال بصوت واطي مرعب:
— تعرفي إييييه؟
بصتلُه من بين صوابعُه،
صوتها خرج متقطع بس ثابت:
— أعرف كل حاجة.
— أعرف جريمتك…
— اللي إنت دلوقتي مرعوب بسببها.
وسع عينيه.
لأول مرة…
الخوف بان عليه.
كملت وهي بتبص له في عينه:
— أنا كنت عارفة.
— وعرفت أدفن ده جوايا.
— وأقسم لك بروحي…
— ما فتحت بقي لحد عنك.
سكت المكان.
نَزَلِت دمعة من عينها، صوتها كان واطي ومكسور:
— أنا حبيتك…
— ماهمنيش اللي عملته.
— ماهمنيش إنك وحش، ولا مجرم.
— قد ما كان يهمني كل لحظة عشتها وإنت معايا.
قربت خطوة:
— حقيقتك ما فرقتش معايا…
— زي ما حقيقتي عمرها ما فرقت معاك.
يوسف حس إن صدره تقيل.
قعد على الكنبة،
المسدس وقع من إيده بصوت مكتوم.
قال بصوت متعب:
— هديكي فرصة.
— قولي… علي اتكلم معاكي في إيه بالظبط؟
مسحت دموعها بإيدها المرتعشة:
— سألني عن حسن.
— وعن ملف القضية.
— كان عارف إن حسن كان بييجيلي كتير.
— وباين عليه عنده معلومات…
— شاكك إن ليّا دخل بموته.
رفعت عينيها له بسرعة:
— بس والله ما اتكلمت.
— كل اللي قولته إن الفلاشة إنت خدتها.
— ولما سألني عنها…
— قلتله إنك قلتلي إنك حرقتها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— عرفته إن الملف اختفى خالص.
— وإن ده كلامك.
— ولما حس إني مش بكدب…
— سابني ومشي.
يوسف انفجر:
— فتحتِ بقِّك بايييييه أمال؟!
— عرف القضية دي إزااااي؟!
قربت منه بسرعة، صوتها بيترعش:
— والله يا يوسف…
— ما جبت سيرة ولا كلمة من اللي إنت قولتها.
— ولا من اللي أعرفه عنك.
نزلت عند رجله،
عينيها مدمعة،
صوتها شبه همس:
— صدقني.
— أحلفلك بإيه عشان تصدقني؟
يوسف بص قدامه،
مش عليها.
كأن الكلام دخل في دماغه متأخر.لان على ميعرفش هو مين وهي عارفه
قال بصوت واطي، مهزوم لأول مرة:
— يبقى في حاجة تانية.
افتكر ابوه،سكت يوسف شوية، أنفاسه تقيلة، وبعدين قال بنبرة قاطعة:
— هيعرف عنك.
— أنا اللي مرديتش أنفّذ اللي قاله…
— بس لما يعرف إنك لسه عايشة، هي.قتلك.
رفعت عينه ليها بخوف، كانت لسه على الأرض عند رجله:
يوسف قال— من النهارده أنا مش مسؤول عنك.
— متورنيش وشك تاني يا سهير.
لسه هيقوم،
مسكت إيده فجأة، صوتها طالع من قلب مكسور:
— لا يا يوسف… متبعدش عني، أرجوك.
نزلت عند ساقه، مسكت رجله تمنعه يمشي:
— إنت اللي خلتني احس واعيش.
— وأنا معاك بحس إني عايشة بجد.ليا حق يكونلى مشاعر مش مجرد أداة اغراء
— متسبنيش… عشان خاطري.
يوسف سكت.
لحظة صمت تقيلة عدّت بينهم.
مسك إيدها، خلاها تقف قدامه.
كانت بتبصله بعينين مليانين رجاء:
— إنت اللي حسسني إني بنت بجد.
— اللي عمري ما حسّيته مع حد.
— عمرك ما سألتني أنا إيه ولا بشتغل إيه.
— من ساعة ما عرفتك وأنا بعيدة عن أي حد غيرك.
صوتها اتكسر:
— معاك بحس إن ليّا قيمة…
— إن ليّا حق أضحك من قلبي.
— متسبنيش، أرجوك.
— اعمل فيا اللي إنت عايزه… بس متسيبنيش.
قربها منه وباسها وهى بادلته فورا وبتحضنه قوه عشان ميبعدش عنها
**************
بدران قاعد في الفيلا، ساكت بزيادة عن اللزوم.
موبايله في إيده، بيرن على يوسف للمرة الكام… ولا رد.
قالت نادين بقلق:
— مفيش فايدة؟
— راح فين من غير ما يقول؟
رد بدران وهو بيضغط على أسنانه:
— مش وقته يختفي.
رن جرس الباب.
قام بدران بنفسه،
رانيا بصّتله بقلق وهي واقفة مكانها.
فتح الباب…
ولا حد.
استغرب.
وقبل ما يقفل، ظهر البودي جارد.
— بدران بيه.
— إنت اللي رنيت؟
أومأ برأسه، ومد إيده بظرف بني تقيل:
— لقينا ده على البوابة.
— مشفناش مندوب، بس واضح إن حد حطه بعد ما شددنا الحراسة.
أخد بدران الظرف،
قفل الباب وراه ببطء.
رانيا رجعت خطوة لورا، صوتها مهزوز:
— متفتحوش يا بدران…
— أكيد مصيبة.
مسك الظرف،
لحظة تردد،
لكن فضوله وغضبه غلبوه.
فتحه.
صور.
أول صورة…
يوسف.
حاضن واحدة.
قريب منها بشكل مش قابل للتفسير.
الصورة اللي بعدها…
الاتنين داخلين بيت.
واللي بعدها…
في العربية،
قريبين…
قريبين قوي.
نادين شهقت:
— يو… يوسف؟!
لكن بدران…
ما كانش مركز على يوسف قد ما كان مركز على وش الست.
عينه وسعت.
ملامحه اتجمدت.
نادين قالت بصوت مخضوض:
— دي… دي عايشة!
رانيا قربت، قلبها بيقع:
— مين دي اللي مع ابني؟
نادين بلعت ريقها:
— دي سهير.
— الرقاصة نفسها
— والمفروض… المفروض إنها ماتت.
قبضة بدران اتشدّت،
الصور اتكرمشوا بين صوابعه.
وفال— يوووسـف…
رانيا بصوت مخنوق:
— إزاي يعمل كده؟
— إزاي يبص لواحدة زي دي؟
لكن بدران ما ردّش.
كان لسه في حاجة جوه الظرف.
طلع ورقة.عنوان.قرأه ببطء.
*****************
كان يوسف نايم ،وسهير متكوّرة جنبه، دراعها ملفوف حوالين صدره بصلها وقال
— بعد ما عرفتي أنا إيه… وبعد اللي عملته…
لسه شايفاني كويس؟
رفعت وشها له بهدوء قالت بنبرة واثقة:
— أنا مكنتش شايفاك كويس من الأول.
استغرب.كملت وهي بتبص في عينه:
— الرجل النبيل عمره ما كان لايق عليك.
— الغِنى دايمًا وراه إجرام…
— والسلطة مبتتحافظش عليها غير بالقسوة.
— دي قواعد الحياة.
مسكت إيده، باستها ببطء:
— ميهمنيش إنت عملت إيه.
— يهمني إنت معايا اى
سكت يوسف.كان بيبص لها نظرة حد شايف قدامه حد مستسلم له بالكامل…
متعلّق، خاضع، راضي.
قام من جنبها فجأة.
لبس بنطلونه من غير ما يبصلها.
قالت وهي بترفع نص جسمها:
— هتمشي؟
يوسف— آه. اختفي اليومين دول.
رمى رزمة فلوس على السرير.
الفلوس نزلت بين إيديها.رفعت عينها له:— يوسف…
قال — يستحسن تسافري برا.
قلبها انقبض:— إنت لسه عايز تبعدني؟
وقف قدامها، صوته واطي:— هجيلك. بس الأوضاع تهدى هنا.لانى لازم أختفي فترة.
بصّت له، وبعد ثانية قالت:
— طالما هتكون معايا…
— أعمل اللي إنت عايزه.
مد إيده وربّت على كتفها العاري.
ابتسمت من لمسته…
اللمسة اللي كانت بالنسبة لها وعد.
لبس قميصه،
وهو بيقفل الزراير،
ويفتح الباب
وقبل ما يفتحه…
الباب اترزع فجأة.
يوسف اتخبط واترمى على الأرض.
رفع عينه…
واتجمد مكانه.
بدران.
واقف قدامه.ورجالته
سهير خرجت من الأوضة علطول، ماسكة القميص على جسمها وبقلق قالت- يوسف…
بصلها بدران وبص لابنه
قال بسخرية باردة:
— المفروض إنها ميّتة يا يوسف.— بس الظاهر إن ابني بيميل للأموات برضه.
يوسف قال
— انت فاهم غلط هي ملهاش دعوة.
بدران— مكنتش أعرف إنك لسه مغفّل كده. أنا كنت ناوي أسيبلك رئاسة الشركات… بس واضح إنك لسه عيل.
اتقدّم يوسف خطوة، قال— أنا ديرت الشركة أحسن من أي حد!— عملت اللي يخليك تثق فيّ! ودلوقتي بتقولي عيل؟
قرب بدران منه،نظره نازل عليه من فوق لتحت:
— أنا مش عايز أسمع منك كلمة.— ودلوقتي…— هخلص اللي إنت معرفتش تعمله.
رفع إيده بإشارة بسيطة.
الرجالة اتحركت فورًا.
مسكوا سهير.
صرخت:
— يوسف!
يوسف قال لبدران— بابااا!بقولك ملهاش دعوة بالى حصل!
لكن بدران أداله ضهره ومشي.
الرجالة سحبوا سهير وهي بتصرخ،
صوتها كان بيتخبط في الحيطان:
— لاااا!
جري يوسف ومسك إيد أبوه:
— بابا…
لف بدران فجأة وزقّه بقوة،
يوسف اتراجع خطوتين.
قال بدران بصوت قاطع:
— أنا مش قولتلك مش عايز أسمع صوتك؟ مش كفاية إنك السبب في اللي إحنا فيه؟ لو كنت سمعت الكلام… مكنش علي عرف حاجة عن أخته. ولا ماتت إزاي.
يوسف— سهير متكلمتش. ما فتحتش بقها. وأنا واثق من ده.
بدران بسخريه — واثق اوى؟! إيه… حبيتها؟
سكت يوسف شويه بدران قرب منه فجأة،
وزقّه في كتفه زقة خلت يوسف يترنّح خطوة.
— إيه؟— بتحبها بجججد؟— رايح تحب رقّاصة؟— وكمان عامل معاها علاقة زفت بقالها سنين؟— عايز توسّخ اسمنا وتمشي ورا الزبالة؟
قرب أكتر، صوته نازل تقيل:
— ولا تكون فاكر إنك ممكن تتجوزها؟
رفع يوسف عينه بسرعة:
— مش هتجوزها.
ابتسم بدران بسخرية — طبعًا. أصل ده مستحيل يحصل
دلوقتي فهمت…
— ليه طول عمرك رافض الجواز
— رغم كل العروض المحترمة اللي بتيجي لك من عائلات راقيه.— ابني بيحب يعيش حريته…
— ويفرّغ احتياجه في ف اى واحده
يوسف— خلصت يا بابا.قرار الجواز هاخده لوحدى، وأنا كنت واخد حذري من الإعلام.— محدش مسّ سمعتنا بحاجة.
بدران قال
— واخد حذرك؟
رمى الصور في وشه.
يوسف اتجمّد.
لقطات ليه ولسهير قدّام العمارة…
وهم داخلين سوا.
وهم قريبين.
قال بدران ببرود قاتل:
— اتفضل يا باشمهندس.
— شوف مين خدّها لك.
رفع يوسف عينه بسرعة:
— بابا…— متقتلش سهير.
ابتدى بدران يمشي،
ولا كأنه سمعه.
جري يوسف مسك إيده:
— لو عملت كده…
— في عيون عليك.
— إنت هتضر بنفسك قبل أي حد.
وقف بدران.
سكت ثانية طويلة.
وبعدين قال من غير ما يلف:
— اللي زيها…
— بيختفوا،
— ومحدش بيسأل.
— متقوليش إنك مهتم بيها.
قال يوسف— مش هي اللي اتكلمت.
— سهير تعرف عني كل حاجة…
— حتى اللي عليّ نفسه ميعرفوش.
— لو كانت فتحت بقها، كان علي زمانه جايلي أنا مش بيبعث صور ليك.
— علي عرف من حد تاني.
ضيّق بدران عينه:— مكنش في غيرها يعرف عن الفلاشة.
هزّ يوسف راسه بسرعة:
— في احتمال تاني.— حسن يكون سيب نسخة مع حد…— أو سلّمها لحد قبل ما يموت.
اتصلّب وش بدران.الصدمة ظهرت في عينه للحظة:
— دي تبقى مصيبة.
كمّل يوسف وهو ماسك الخيط:— واللي بعت الصور هو علي. أنا واثق. بعتها ليك إنت مخصوص… ومعاها العنوان.
سكت بدران لان ده حقيقه فعلا
يوسف قال— هو عايزك ترتكب جريمة. عايز يوقعك. بلاش تقتلها.— هي مقالتش حاجة، ولا هتقول.
رد بدران — وده إزاي؟
يوسف— هتسافر. تختفي. ومفيش خطر منها. خلّينا نركز على علي… ده الخطر الحقيقي.
سكت يوسف لحظة،
وعينه راحت لسهير…
كانت بتقاوم رجالة بدران وهما بيدخّلوها العربية غصب عنها.
بدران بص لابنه نظرة طويلة،
نظرة حسابات مش عاطفة.
— على مسؤوليتك يا يوسف.
— سامعني؟
ومشي.
بإشارة من بدران،
الرجالة سابوا سهير.
وقعت خطوة،
وبعدين راحت ليوسف.وقالت — يوسف… شكرًا قوي.
بصلها يوسف قال— نفّذي اللي قولتلك عليه في أقرب وقت. واختفي… قبل ما بابا يتصرّف بطريقته.
هزّت سهير راسها من غير نقاش.
ما كانش عندها رفاهية السؤال.
نزل يوسف، ركب عربيته،
وداس بنزينه ومشي كان عارف…
سكوت بدران مش طمأنينة.
سهير محكوم عليها.
يمكن مش دلوقتي،
بس قريب.
*****************
كانت الحديقة واسعة،
مسوّرة بسور زجاجي شفاف،
في واحدة من أرقى المناطق الدولية.
السماء مفتوحة،
والإضاءة مدروسة،
والمنصّة امام المكان كأنها مسرح اعتراف.
الصحافة محاوطاها من كل اتجاه،
كاميرات مرفوعة،
مايكات متشابكة،
وهمسات بتلف في الجو:
— هيقول إيه؟
— هيعتذر؟
— ولا هينكر تاني؟
بدران...الاسم لوحده كان عامل حالة.
نادين واقفة جنب رئيس فريق الإعلام،
وشها مشدود،
عينها بتمسح المكان كله كأنها بتعدّ الأنفاس.
قالت بصوت واطي بس حازم:
— مش عايزة غلطة واحدة.
— ولا كلمة زيادة.
رد الراجل بثقة:
— تمام.
— بس نأكد تاني…
— البث مباشر؟
— ولا نسجّل ونمنتج؟
بصّت نادين للمنصّة،
وللمقاعد المليانة،
وللكاميرات اللي مستنية أي زلّة.
قالت من غير تردد:
— مباشر.
— الناس لازم تشوف كل حاجة.
— من غير كواليس…
— ومن غير تعديل.
هزّ الراجل راسه،
بصّت نادين ليوسف من بعيد.
كان واقف جنب بدران، محمود مساعده واقف وراهم بخطوة، عينه رايحة جاية بين المنصّة والناس.
قال يوسف بصوت واطي:
— شددت الأمن هنا…
— مش هيحصل اللي حصل قبل كده.
رد بدران من غير ما يبصله:
— فين الورقة؟
مدّ محمود إيده بالملف، وقال — اقراها بس يا بدران بيه…
— كله هيبقى تمام.
أومأ بدران، أخد الورقة،
ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم.

في مكان تاني…واقف على جنب الطريق،ضهره مسنود على عربيته،وماسك تاب مفتوح،
وشاشة البث منوّرة وش بدران قبل ما يطلع.على كان بيدخن،
نفَس دخان طويل،
ونظرة ثابتة.
نزل رضوان من عربيته وقال باستغراب:
— بدران ماقت.لش سهير امبارح…
— ولا حتى عمل حاجة لابنه.
رد علي من غير ما يلتفت:
— بدران مش فايق.
— هو غرقان في اللي فيه.
قال رضوان:
— بس كده؟
— ده هيطلع يرمي الاتهامات عليك.
ابتسم علي ابتسامة باردة،
نفَض الرماد وقال:
— مش لما يعرف يطلع نفسه الأول.
رضوان سكت.
الهدوء ده…
ما كانش مريح.
كان نذير.

تحرك بدران ناحية المنصّة.
اللحظة اللي ظهر فيها،
الكاميرات كلّها اتحركت.
الصوت وطي،
وبعدين سكون تام.
طلع بدران،وقف،
الضوء الطبيعي مخلوط بإضاءة الكاميرات،
هيبة الاسم لسه مسيطرة.
حط الورقة قدامه،
تنفّس بعمق،
وقال:
— النهارده…
— هننهي الجدل اللي حصل اليومين اللي فاتوا…
وفجأة سكت.
ثانيتين…
تلاتة…
وبعدين
مزّق الورقة
قدّام الكل.
همهمة خفيفة انتشرت.
نادين شدّت إيديها.
يوسف اتصلّب مكانه.
قال بدران بصوت واضح، كأنها لقطه
— مش محتاج خطاب.
— ومش محتاج حد يكتبلي أقول إيه.
قرب من المايك خطوة:
— أنا جبتكم النهارده…
— عشان تتعرفوا على بدران الحقيقي.
وقف لحظة،
ساب الجملة تنزل تقيلة.
كمل:
— بدران اللي صدّقتوا عليه اتهامات…
— مالهاش أي صلة بالواقع.
الكاميرات قرّبت.
الصحافة مسكت أقلامها.
وفي مكانه،
على مالشّ عن الشاشة.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه.
وقال بهدوء:
— ابتدى…

تنهد بدران، وصوته خرج ثابت لكنه محمّل بثِقل واضح:
— القضية اللي اتحكت… واللي القبطان، شريكي، والضحايا حسب ادعاءاتهم بيقولوا إني السبب فيها…
— كلها اتهامات باطلة.
سكت لحظة، عينه بتلف على الوجوه قدامه، وبعدين كمّل:
— أنا بنفي الكلام ده دلوقتي، زي ما نفيته قبل كده قدّام القانون، لأنّي أكتر واحد بيحترم القانون…
— وبيحترم شرطة بلده.
الكاميرات قرّبت أكتر.
عدد المشاهدات بيطلع بسرعة مخيفة.
قال بدران بنبرة واثقة:
— دعمت جيشنا من مالي.
— دعمت مؤسسات وطنية، وساعدت ناس كتير من غير ما أطلع أتكلم.
— ومن ضمن أهدافي إن شركاتنا تبقى مؤسسة دولية…
— إني أقدر أكمّل وأساهم في تحسين بلدنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها مرارة:
— نفس الصحافة اللي بتهاجمني النهارده…
— هي نفسها اللي كانت بتكتب عن أعمالي الخيرية.
— وأنا عمري ما استنيت منكم تكتبوا عنها.
شدّ كتافه وقال بثبات:
— أنا بدران.
— بنيت شركتي…
— وبنيت سمعتي على حب الناس.
صوته علي شوية:
— واللي حصل ده كله؟
— مش أكتر من ادعاءات ملفّقة، اتعملت مخصوص عشان توقعني.
همهمة خفيفة بين الحضور.
كمّل:
— أيوه، خسرنا مؤسسة.
— وخسرنا أسهم.
— بس اللي يعرف بدران…
— يعرف إننا دايمًا بنرجع أقوى من الأول.
وقف لحظة، وبص في عيون الصحفيين واحد واحد:
— وبالنسبة لكلام القبطان…
— أنتم سمعتم بنفسكم ف الفيديو بيقول إنه مهدد بالقتل.
رفع حاجبه:
— وكلكم افترضتم إن التهديد جاي مني.
صمت ثقيل نزل على المكان.
قال بدران ببرود محسوب:
— طب لو أنا اللي مهدده فعلًا…
— كنت هسيبه يطلع يعترف عليّا؟
الناس بصّت لبعضها.
الشك دخل العيون.
المشاهدات قفزت قفزة جنونية.
قال بدران وهو يمد إيده نحية الشاشة:
— الفيديو واضح إنه اتسجل تحت تهديد.
— تعبيراته، صوته، ارتباكه…
— كله بيقول كده.
نبرته قست:
— ومفيش دليل واحد ضدي.
— غير كلام قاله شخص تحت ضغط…
— ورغبة حد تاني إنه يوقعني.
رفع عينه مباشرة للكاميرا، صوته بقى حاد:
— والشخص ده…
— علي.
ثانية صمت.
ثم قال بوضوح قاتل:
— أنا باتهم علي…
— إنه ورا الجريمة دي كلها.
انطفَت الشاشات فجأة.استغرب الكل هل الكاميرا مش شغاله
ثانية صمت…
ثم اشتغلت تاني فورًا.
لكن القاعة ما رجعتش للحركة.
سكون تقيل نزل على المكان، وكأن الهواء اتسحب.
العيون اتجمّدت، والأنفاس اتحبست.
بدران حسّ إن في حاجة غلط.
النظرة اللي في وشوشهم مش سؤال…
دي صدمة.
لفّ ببصره ناحية الشاشة…
وفي اللحظة دي، الدنيا وقفت.
الصورة اللي قدامه كانت ليه.
هو… جوه عربيته.
إيده ممدودة، بيدي حسن شنطة فلوس.
اتسعت عينه لأول مرة.
بصّ لفريق الإعلام، لقاهم كلهم واقفين مش فاهمين، ملامحهم شاحبة، ومحدش قادر يتكلم.
قطع الصمت صوت صحفية، نبرتها مرتعشة:
— ده… ده حسن.
— ضابط القضية اللي اختفى بعدها، وظهر فجأة… وبعدين مات.
القاعة كلها اتلفت لبدران في نفس اللحظة.
الأسئلة مكتوبة في العيون:
إيه علاقتك بالراجل ده؟
شد بدران نفسه بسرعة وقال:
— دي صورة عادية.
— بتوضح علاقتي بالضباط، و—
لكن كلامه اتقطع.
الصوت طلع من السماعات.
تسجيل صوتي.
صوت بدران… واضح، من غير تشويش:
— اختفى تمامًا بعد القضية دي… ودي فلوس نهاية الخدمة.
صوت حسن ردّ:
— أنا مذكرتش اسمك، ولحد دلوقتي محدش يعرف رجل الأعمال اللي البنت دي اتسجنت بسببه.
— عملت كل ده لأنك كنت متحفظ ان محدش يعرف اسمك.
الصورة اتبدلت بلقطة قريبة لوش بدران…
لكن الصوت كمل.
— وأنا بكافئك.
— الشنطة اللي معاك فيها فلوس عمرك ما هتعمل زيها وانت شغال.
صوت حسن، ضحكة خفيفة:
— دي حاجة تسعدني.
— كده كده كنت ناوي أستقيل وأختفي…
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة فضول تقيلة:
— بس سؤال فضولي…
— إنت اللي قتلت منى؟
— ولا إنت السبب في اغتصا.بها؟
— ولا… الاتنين؟
القاعة انفجرت في صمت مرعب.
العيون اتسعت.
الأفواه اتقفلت.
الكاميرات نسيت تتحرك.
وبدران…
واقف قدّام نفسه.
قدّام صوته.
قدّام جريمته، وهي بتتذاع لايف.وبصّوا لبعضهم في ارتباك…
عن مين بيتكلموا؟
طلع صوت بدران من التسجيل، أوضح وأقسى:
— انت اتجننت اعرف انت بتتكلم ف اى.......أي كلمة هتطلع من بقك… اعرف إن تمنها حياتك.
انتهى التسجيل.
القاعة انفجرت همس.
صحفي قرب خطوة وقال بصوت عالي:
— إيه ده يا بدران بيه؟
يوسف اندفع فورًا ناحية فريق الإعلام، صوته خرج متحشرج وغاضب:
— إيه الزفت اللي انتوا بتعرضوه ده؟
— جبتوا الكلام ده منين؟
— وقّفوا المهزلة دي حالًا!
رئيس الإعلام كان وشّه أبيض، صوته متوتر:
— الشاشات متاخدة مننا أصلًا يا أستاذ يوسف…
— في دخيل على البث…
— إحنا مش مسيطرين.
اتصدم يوسف.
— دخيل؟!
نادين همست بصوت مخضوض:
— يعني… الناس كلها شايفة؟
يوسف لفّ بعصبية:
— هتصرف.
— هقطع النور عن المكان… عن البلد كلها لو لزم.
تحرك بسرعة…
لكن وقف فجأة.
عينيه اتثبتت.
الصورة اللي على الشاشة قدامه…
منى.
وشّها.
نظرتها.
الملامح اللي عمره ما نسيها مهما حاول.
الزمن رجع بيه سنين لورا في لحظة واحدة.
لفّ يوسف بارتباك…
الشاشة اللي وراه بتعرضها.
واللي على يمينه… نفس الصورة.
واللي على شماله… نفس الوش.
قلبه دقّ بعنف.
نفسه اتقطع.
كل الشاشات…
تحولت لوش منى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...