الفصل 10 | من 27 فصل

رواية بين الحقيقة و السراب الفصل العاشر 10 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
4,481
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

في نسمات الليل حيث الناس نيام نلقي أناسًا تتضرع إلى خالقها ابتغي عرض حسنة، وأناسًا أخرى تلهو وتضيع في معصية الخالق عز وجل، وأناسًا بات همهم أن يستيقظوا مبكرًا لأشغالهم الشاقة، وششتان ما بين ذالك وهؤلاء، تبدو الحياة صراعًا شديدًا بين الليل والنهار. وفي ليلة من تلك الليالي حدث ما لا يحمد عقباه ولا يخطر على بال راندا وأبنائها، حيث رأوا بأم أعينهم مشهدًا زلزل كيانهم وقطع أرواحهم.

ومنذ أن رأوه وكأن الطير أكل رؤوسهم من شدة الصدمة. فتحدثت سما باندهاش واستنكار مرددة لأبيها بعتاب محب أنكر من حبيبه فعلة شنعاء كتلك نزلت على قلوبهم وأصابتها الرعشة جراء قلبهم البريء: _ممكن تفهمنا يابابا إيه اللي بيحصل بالظبط هنا؟ خرج ذاك السؤال من بين شفاها المرتعشة مما رأوا. وأتبعها مهاب بسؤال آخر مرددًا بتعجب لما وصل من رؤية ذالك المشهد إلى قلبه وتيقن أن الأيام القادمة ستمر عليهم حربًا لا يفوز فيها أعتى الرجال:

_اتكلم يا بابا وفهمنا اللي إحنا شايفينه ده إيه، ويارب ما يطلع اللي في بالي. كل ذلك وراندا وإيهاب، كل منهم نظرته تختلف عن نظرة الآخر.

أما هو فكان ينظر لها مطأطأ بخذلان ولا يقوى على مواجهتها، وكان فقط ينظر إلى تشتت جسدها، حائرة، مصدومة، غير مصدقة وتكاد تكذب أعينها، وجسدها أصبح كالنار المشتعلة التي تحمي في بدايتها ولم تنطلق شرارتها إلى الآن، ولكنها ما إن تكونت لهيبها بفضل ما وضع فيها من عامل أقوى من البنزين، حتى انطلقت مسرعة إليه قابضة بتلابيب قميصه وهي تهزه بعنف ودموعها انسدلت من مقلتيها بدون إرادة منها أو قدرة في التحكم على عدم نزولها وهي تهتف بكلمتين

فقط مع هزتها بعنف لجسده: _ليه يا إيهاب ليه! ليه ليه ليه... وتركته وذهبت إلى المنضدة الموضوعة وقامت بقلبها بكل ما عليها من شموع مضاءة وأكلات شهية وسكبت محتوياتها أرضًا بحدة بالغة وهي تردد: _لاااااااااا مش مصدقة والله إنك تخوني وتجرحني وتعمل فيا كده. ثم أسرعت إلى ابنها وقبضت على معصمه بيد ترتعش وسألته بتيهة: _قولي يا مهاب يابني إني بحلم وإن اللي عيني شافته ده كذب.

قولي لي يا ماما إحنا لسه موصلناش عشان نعمل لبابا مفاجأة وإني بحلم بكابوس وأكيد هفوق منه. وبدوره احتضنها ولدها وهو يهدهد على ظهرها بحنان ممزوج بالرعب من حالة والدته. وهدأها بكلمات خرجت من بين أسنانه بتوتر من هول الموقف: _اهدي يا حبيبتي وإن شاء الله خير، اهدي يا أمي. أما عن سما، تلك الطفلة الرقيقة التي رأت مشهدًا جعلها تكبر أعوامًا عن سنها، تقف كالشريدة الضائعة من تطلع عقلها على حالهم وهم على مشارف المستقبل الضائع.

وهي تبكي بغزارة وتحتضن حالها وهي تعيد رؤية ذلك المشهد مرارًا وتكرارًا منذ وصولهم. وكل تلك الأحاسيس والمشاعر التي تبدلت من فرحة شديدة إلى انتكاسة حزن وأسى رهيبة فقط في بضع لحظات من وصولهم إلى مكان أبيهم. حيث رأوا منذ دخولهم أبيهم يحتضن سيدة ويتراقص معها رقصتهم الرومانسية ومتناسين العالم من حولهم من سحر اللحظة، وتلك المرأة ترتدي فستانًا مكشوفًا لا ترتديه أي امرأة إلا لزوجها.

وحولهم الشموع مضاءة، والأدهى ما رأوه مكتوبًا على قطعة الحلوى الموضوعة على المنضدة المقلوبة حاليًا، حيث كان مشيدًا بحروف من لون الذهب: _كل سنة وانتي معايا يا أجمل فيروز. كل سنة وعيد جواز وإنتي حبيبتي وفي حضني. كل سنة ودايمًا مع بعض ومنفارقش بعض أبدًا. عشت معاكي خمس سنين وكأني في الجنة. منذ أن وصلوا وأعينهم الثلاثة مشطت المكان وما يحويه من كوارث لعقولهم. أما هي فرددت وهي في أحضان ابنها بلهيب قلب احترق:

_اتجوزت عليا يا إيهاب! اتجوزت عليا يا أبو ولادي! اتجوزت عليا يا عشرة عمري وحب حياتي! اتجوزت عليا أنا على راندا المالكي! وانطلقت الدموع لبكاء وشهقات عالية أدمتهم جميعًا، حتى تلك فيروز التي تقف في موقف مهيب لو كان عقلها استجمعه آلاف المرات ما كان وصل بتلك الهالة والهول. انطلق إليها إيهاب وهو يسحبها من داخل أحضان ابنها ويدخلها داخل أحضانه برعب وخوف من القادم مرددًا وهو يهدئها بكلمات خرجت من بين أسنانه غير مرتبة:

_اهدي يا راندا أرجوكي متعمليش في نفسك كده، دموعك بتموتوني وبيقطعوا فيا. أرجوكي اهدي وأنا هشرح لك كل حاجة، ولازم تعرفي إن عمري ما حبيت ولا هحب ولا عشقت ولا هعشق غيرك يا عمري كله وأيامه اللي راحت واللي جاية. استمعت تلك فيروز على اعترافاته التي خرجت من أعماق قلبه وأحستها بمدى صدقه. نعم، فالإنسان لا تظهر حقيقته إلا وقت الغضب الشديد وما يتفوه به لسانه هو الحقيقة المؤكدة ولا غبار عليها.

وتألمت روحها وتوجع قلبها وبات موجوعًا يدق أبواب بداية الوجع عليه. فكان مؤلمًا حقًا لها وهو في بداية وجعه، فماذا يكون إحساسه عندما تصل فقط إلى منتصفه؟ وماذا عن منتهاه؟ وعندما جال عقلها ووصل إلى منتهاه نطق قلبها: _يا إلهي إنه لموت بالحياة! وتطلعت بالمستقبل إلى الأمام، والآن أدركت أن بداية الوجع بدأت وحروبه اندلعت وأصبحت الآن على مشارف الفقدان لحبيب الروح مرة أخرى.

وحدثت حالها بصراخ داخلي أرعب خارجها وجعلها تجلس منكمشة على حالها وهي تنظر إلى جلاديها بعيونهم الآكلة لها والتي تود أن تقتنص الفرصة ليمحوها من حياتهم وكأنها ارتكبت جرمًا ماله من محيص: _يا إلهي كان في أحضاني الآن يعترف لي بأنه أحبني وعشقني وأنه يكن لي في قلبه محبة من أخمص رأسي إلى أسفل قدمي! أحقا كان يلهو معي لكي ينسى تعب غربته؟ أحقا لم يحبني وكلماته التي يلقيها على مسامعي ليلًا ونهارًا كانت سرابًا؟

أحقا ذلك الانكسار والارتعاب الذي بدا على معالم وجهه من مجرد لحظات زادته همومًا أكبرت أعوامًا على عمره؟ يالها من رياح عاتية سوف تحرق في طريقها الأخضر واليابس. وأكملت تلك فيروز حديثها الداخلي المنفرد مع حالها وهي تنظر إلى ذات العيون القوية والطلة البهية التي ظلمتها الصور والتي في حقيقتها تحلي القبيح، ولكن مع تلك راندا حقيقيًا ظلمتها في الوصف بتساؤل مريب:

_كيف لي أن أواجه صاحبة تلك النظرات القوية وهي في أشد لحظات انكسارها ولكنها كنظرات الصقر الحادة! كيف لي أن أقف وأصد الهجوم في تلك المعركة وأنا وحيدة ضعيفة مكسورة، وحتى الحب الذي كنت أستند عليه أصبح الآن في نظري أوهام. كن معي يا الله، كفى ما جرى لي في السنين الماضية والانكسارات المتتالية. ولكن بعد العاصفة الآتية لا أستطيع النهوض لكي أعود مرة أخرى وسأكتب نهاية سعادتي.

دفعت راندا يديه بقوة من عليها ونظرت إليه نظرة انتقام وتحدي وهي تجز على أسنانها من شدة تأثرها هاتفة بوعيد: _ابعد عني، أوعاك تفكر تلمسني تاني أو إنك هتطول مني حقوق أي زوج على زوجها من بعد اللحظة دي. واسترسلت حديثها بتهديد حتمًا ستنفذه: _ورب اللي خلق الكون لهندمك على كل لحظة خيانة خنتها لي وأنا كنت فيها أم وأب وكيان كامل بيحافظ على كيان كامل.

وحياة من جمعنا من غير ميعاد لهبكيك بدل الدموع دم على كل لحظة جرحتني فيها وخنت العهد والوعد وأنا كنت باقية عليه. اتقفلت لعبتك وهقلبها لجحيم اللي هخلي نار لهيبه أقوى من النار الحقيقة. ثم أولته ظهرها وهي تنظر إلى أبنائها آمرة إياهم وهي تمسح دموعها بحدة بالغة مرددة وهي تشير ناحية الباب: _يلا يا مهاب، يلا يا سما قدامي على تحت، مش قادرة أقعد في المكان القذر ده أكتر من كده. استجمع تفكيره بسرعة وعلى الفور اعترض طريقها ووقف

أمامها وهو يردد برفض قاطع: _لو سمحتي اهدي يا راندا، إحنا هنا في الغربة والأولاد ما ذنبهمش حاجة في البهدلة دي، عايزين نقعد مع بعض ونتكلم بهدوء زي أي ناس متحضرين. _أقعد! وناس متحضرين! جملة تهكمية ساخرة عقبت بها إليه عقب استماعها لما تفوه به. واسترسلت حديثها باستهزاء وهي تنظر إليهم نظرات سخرية: _فين الناس المتحضرين دول اللي أنا هقعد معاهم؟

أنا مش شايفة قدامي غير ذئاب خطفت اللي مش من حقها وسرقته واتغذت بيه وملت قلبها وعقلها بأنه حقيقي ومن حقها. مش شايفة قدامي غير مكان جرحي أنا. مش شايفة قدامي غير مكان اندبحت فيه وبسكينة تلمة ومن مين؟ من اعز الناس. واستطردت بنظرات عاصفة لو كانت حقيقية لأغرقت أمتن السفن: _لا المكان بقى مكاني ولا إللي فيه بقوا مني. وهامشي ومش هرجع لو عملت إيه بالذي يا خاين.

فقد قوة تحمله من تعنتها وتفوه بعصبية وهو ينظر إلى تلك الضائعة آمراً إياها: _استني عندك، كفاية تهور بقى. لو مش عشان خاطر إحنا الاتنين يبقى عشان خاطر الأولاد. أهدي بقى من فضلك. أنا هاخدها وهامشي وهسيبك لما تهدي خالص وبعدين لينا كلام مع بعض. يالا يا فيروز، البسي هدومك وروحي على شقتك دلوقتي ونتكلم بعدين. أما هي، حينما استمعت إلى كلامه معها، بات داخلها يغلي غيرة عمياء ستنقلب إلى حقد سيحرقهما جميعاً.

ورأت أنها من الأفضل أن تقضي تلك الليلة المشؤومة والتي سجلت بها ميلاد جرحها الأول والأخير والأصعب في حياتها. وستغادر تلك البلاد غداً بروح مكسورة مقهورة مجروحة. وحدثت حالها وهي تحتضن روحها مرددة بآلام عبرت طريق حياتها وأخذت معها الآمال وهم نفس الكلمة في نفس الليلة فقط تبدلت الحروف: _سلام الله على الحب الذي ضاع وسط الأفاعي. بات الظلام مكاني والحزن زماني وسهم الغدر رماني.

سلام الله على كياني من حرمانه من الأماني ودمع العين أعماني. أما من أصابني بالخذلان وطعنني بخنجر مسموم فلا سلام الله عليه من أجل أحزاني. في سيارة رحيم المالكي. استمعوا إلى أوامرها بطاعة عمياء وفوراً زادوا من سرعتهم إلى أقصاها إلى أن وصلوا إلى سيارة رحيم، وبقي بضع سنتيمترات فقط على مهاجمتهم، إلا أنه زاد من سرعته بشدة كي لا يلحقوا به وعيونه تمشط الطريق يميناً ويساراً كي يجد مخرجاً من تلك الذئاب. استمع إليها وهي ترشده

بأمل عسى الله أن ينجيهم: _بص يا رحيم، هيقابلك دلوقتي كورنر شمال بيودي لشارع عمومي، ادخل منه على طول. هما هتلاقيهم مش عارفينه. كان الباص اللي بنيجي منه لما يكون الطريق زحمة يدخل يعدي منه علشان نوصل بسرعة. انتبه إلى إرشادها بتركيز وزاد من سرعته حتى وصلوا إلى الشارع الجانبي التي أدلت عليه، وبسرعة ماهرة عبر منه مما شتت انتباههم.

ولكن انطلقوا وراءه، ولكن لا يعلمون إلى متى سيؤدي هذا الطريق بهم، هم فقط يتبعونه كي ينفذوا المهمة كما أملت عليهم. ولكن أفسدت خططهم عندما رأوا أنهم أصبحوا على الطريق العام، وليس فقط، بل وقف ذلك الرحيم أمام قسم الشرطة التابع لتلك المنطقة وهدأ من سرعته، بل قرر أن يقف ويأخذ هدنة أمام ذلك القسم وهم لن يجرؤوا أن يأتوا إليه، فهم يرون القسم محاطاً بعدد لا بأس به من الأمناء المسلحين.

ضغط ذلك الملاحق لهم على الزر الخاص بالسيارة بعنف وهو يلقي السباب اللاذع على ذلك التع الفارس الذي أنقذها من بين براثنهم. مردداً بسباب: _آه يابن ال... والله لهحطك في دماغي وماهسيبك بعد النهاردة. استمعت تلك الشمطاء إلي سبابه وانطلقت بساببها الأخري مرددة إليهم بسخط: _اصل أنا مشغلة شوية بهايم معايا معرفوش يمسكوا حتة عيل. لا له في الطور ولا الطحين.

اعملوا حسابكم هبلغ الباشا الكبير اللي باعتهولي وهخليه يوريكم أيام أسود من قرن الخروب. ضربوا كف بكف علي سبابها الذي أزعجهم كثيرا وهتفوا بما رأوه: _ما هو حضرتك، إحنا لو كنا لحقناه كنا عرفناه قيمته. لكن هو استخدم عقله وذكاؤه وشغلنا بن الأبالسة. وحود من شارع ومشي خطوات وجه وقف قدام القسم ومرضيش يمشي. قبضت علي معصمها بقوة وعنفتهم بصوتها المملوء بالجبروت: _تصدقوا فعلا، النهاردة عرفت

حقيقة المقولة اللي بتقول: "مش بالعضلات هتمشي". المفروض كان الباشا بعتلي واحد عنده عقل مش تيران. جسمهم جسم إنسان، لكن عقلهم عقل حيوان. وتابعت حديثها بأمر: _المهمة فشلت وقدر يروح من بين إيديكم. ارجع انت وهو لما أشوف هعمل إيه وهجيبه إزاي. ياللي منكم للقبر.

وأغلقت الهاتف بسخط ووحدة ونظرات غضب وأنفاس متلاحقة من فشلها في المهمة. بل قضية عمرها التي تحدت بها نفسها أن تدنس تلك البريئة كي تثبت لنفسها دائما أن تلك الحياة التي تعيشها على صواب، وأن الصح الوحيد هو ما تفعله، وأن الثوابت التي تحياها تلك المريم ما هي إلا شعارات كاذبة. بل وصممت على أن التحدي بينهما ونشب المعركة ابتدأ من الآن. وحدثت حالها مرددة بانتشاء ناتج عن مرض نفسي داخلها:

_إن ما خليتك تقولي ياريت اللي جرى ما كان، يا مريم، مبقاش أنا. وبدل ما كنت هشغلك بالحكمة والهوان، هبيعك زي ما بتتباع الجواري وأقبض تمنك ملايين أوزعها على الغلابة، يا ست الشريفة. ثم ذهبت إلي مديرة الدار مرددة إليها بخبث وهي تلقي على مسامعها الشر كما وساوس الشيطان بالمثل، وهي تدعي التأثر والفجأة لما حدث: _إيه اللي حصل ده يا مدام؟ أنا بجد مش مصدقة نفسي إن مريم دي تعمل كده وهي عاملة نفسها زي القطة المغمضة.

وإللي شفناه في الفيديو، ولا كأنها من بنات الليل. دي طلعت مؤسسة. كانت الأخرى تجوب المكان ذهابا وإيابا وهي تضغط بكفوف يديها على بعضهم بغضب وتحدثت باستغراب مغلف بالوعيد: _أنا مش مصدقة والله العظيم إن مريم دي تعمل كده. دي كانت زي القطة المغمضة بالظبط. أنا مش عارفة إيه اللي وصلها للحالة دي. وتابعت حديثها بوعيد:

_بس مبقاش اعتماد ولا أستحق وجودي في المكان ده. لا هجيبها وهبعتها على الأحداث وهخليهم يورّوها النجوم في عز الظهر هناك. وهي كده اللي دمرت نفسها بنفسها وخسرت مستقبلها. انخلع قلب الأخرى ما إن ذكرت الأحداث، والتي إن وصلت إلى غريمتها، لم تعرف تنتقم منها ولا أن تستفيد منها بشيء سوى تعذيبها هناك في تلك الأحداث. ولكنها عازمة أمرها على أن تشوهها كليا ولن تسمح للأحداث أن تصل إليها قبل أن تصل يديها هي إليها.

وأخرجت من حقيبتها دفتر الأموال الخاص بها وسطرت مبلغا داخل تلك الورقة وأعطته لتلك المديرة وهي تلقي على مسامعها نصحا وتوهمها بأنها خطأ، بل لن تخرج من تلك الدار إلا وهي أقنعتها بما تفكر به: _أولا، الشيك ده مني تبرع للدار. إنتِ عارفة أنا بحب أعمل العمل الخيري ده كل شهر وبعتبره صدقة عن صحتي. ثانيا، عايزة أنصحك نصيحة من واحدة الدنيا علمتها كويس قوي.

أوعاكي تطلبي الأحداثيات لمريم وتسوأي سمعة الدار وتبقي بين المديرات صاحباتك التانيين أقل منهم في فضيحة زي دي. هتسببيها للدار. انخلع قلب تلك المديرة من الذي ألقته تلك الماكرة على مسامعها، فهي من أهم أولوياتها منظرها العام، والتي لم ولن تسمح أن ينهار، وخاصة بين صديقاتها، والتي دائما ما تتعالى عليهم بأنها ذات الخبرة والعقل السليم الأول بينهم.

مما كان يشجعها أخذ الدار شهادة الجودة من الدرجة الأولى عن تلك الدور الأخرى كل عام. وتساءلت لتلك الماكرة بتشوش: _طيب أعمل إيه؟ كله إلا إن شهادة الجودة تضيع مني. أو سمعة الدار تتلوث. دبريني إنتي زي أختي برده. ما إن استمعت تلك الشمطاء إلى كلمات تلك العجوز الرقطاء وهي تنعتها بأختها، حتى رددت في عقلها باستنكار: _زي أختك يابومة ياللي عزرائيل مش واخد باله منك. ياللي بينك وبين القبر زحفة نملة.

أسفوخس على ده زمن اللي موقفني معاكي. ثم استفاقت من حديث عقلها على كلمات تلك المديرة وهي تعيد السؤال على مسامعها مرة أخرى هاتفة بتضليل: _شوفي إنتي تكذبي إن اللي في الفيديو دي مريم. وهعمل معاكي خدمة معتبرة بس سر ما بيني وما بينك. هبعتلك مهندس إلكترونيات إنما إيه جبااااار. هيثبتلك إن الفيديو متفبرك وتقدري تاخدي كلامه في التحقيق اللي هيتم، وبالتالي تبرايها من التهمة دي قدام الناس.

وأكملت بتخطيط شياطين وهي تواليها ظهرها وترتسم ابتسامة خبيثة بجانب فمها مرددة بمكر: _وكل الكلام ده ما يخرجش من مجلس التحقيق. وأديكي خلصتي من عيلة كانت واجعة دماغك، ولا تشغلي بالك بيها. بس ليا خدمة عندك. نالت تلك الفكرة استحسانها وأعجبت بتلك العقلية التي طرحتها وأجابتها بطاعة: _اؤمريني يا ميوشة يا سكر إنتي. ده إنتي عليكي دماغ تتلف في حرير.

سارت خطوات بسيطة ووقفت أمام حوض مزروع بالورد، وبدون مراعاة حق النبات وحرمته، اقتطفت زهرة لم تكتمل براعمها بقسوة وهي تشير إليها: _البنت دي لو جت هنا تاني، ابعتيلي وسايسيها وهاتيها على حجرك وابعتيلي وأنا هتصرف في الباقي من غير ما يصيبك أي شوشرة نهائي. وده وعد مني. ومقابل كده ليكي مني هدية معتبرة خارج تبرعات الدار نهائي. تهلل قلب تلك الشريفة طمعا وأجابتها بموافقة على طلبها تحت ابتهاج قلبها من تخيلها للهدية.

فركت بيدها الزهرة بكل جبروت بعد أن اشتمت عطرها، وكأنها تشبه فعلتها في الزهرة بما تنتويه مع تلك اليتيمة. انتهى الحوار بينهما، وأخذت حقيبتها وخرجت بهزيمة لأول مرة في معركة دخلتها، ولكن توعدت في سريرتها بأن القادمة هي القاضية ولن تتنازل عن وحلها في وكرها المغروسة به. ولكن هل ستستطيع أم للقدر رأي آخر؟ فلنرى في رحلتنا القصيرة تلك ما الذي يخبئه الزمن لصاحبتي القلبين الخبيث والطيب.

في مكان آخر، وبالتحديد أمام قسم الشرطة في سيارة رحيم، الذي تحدث إلى تلك الحبيبة، والذي تأكد من عشقه الوليد لها حين روع قلبه عليها في هذه الليلة التي لم تمض بعد، قائلا بتساؤل بعد أن هدأت قليلا، ولكن سكوتها آلمه: _مالك يا مريم؟ إحنا بقينا بخير الحمد لله. _تعبت وحاسة إني عايزة أموت وأفارق الدنيا... جملة انهزامية عقبت بها إثر سؤاله لأنها تشعر بإنهاك قلبها. أجابها بأريحية:

_حطي الدنيا ورا ضهرك وكملي، وإنتي متأكدة إن الرضا بالمقسوم عبادة. حاولت أن تطمئن روحها، ولكن الهموم تلاحقها من كل صوب وحدب، وتحدثت بثقل من الهموم: _كل لما أحاول أحطها ورا ضهري ألاقيها بتلاحقني لحد ما حسيت إن ضهري اتقسم. وكل مرة الرضا اللي بتتكلم عنه هو اللي بيقويني وأرجع أفتكر حاجات بسيطة من الحلو اللي مشفتهوش في حياتي وأقوم وأنسى. وتيجي بعدها الدنيا ترازيني باللي فوق طاقتي. ابتسم لكي يعطيها أمل وردد:

_وبتلاقي ربك لما يجور زمانك عليكي يبعتلك نفحة الرحمة اللي بتطبطب على قلبك وتقويكي. نظرت له وابتسمت برضا حين علمت مقصد كلماته، وتحدثت بدون قصد بكلمات خرجت من فمها تلقائية: _وتبقي أنت نفحة الرحمة اللي ربنا بعتهالي علشان تطبطب على روحي وتداوي جروحي المرة دي. وفي نفس لحظة الأمل والإبتسامة تابعت حديثها بوجع:

_بس ياترى هتبقي زي نسمة الهوا اللي بتيجي ترطب على روحنا في يوم شديد الحرارة وبعد كده تستكين وتمشي واحدة واحدة وتسيبني لأمواج الهوى توديني وتجيبني على كيفها. ما إن رأى غشاوة الدموع تلمع داخل تلك العيون ذات اللون السماوي، حتى ردد وهو يتعمق نظرا داخلها: _متقلقيش، مش هسيبك. إنتي بقيتي قدري. ثم تذكر شيئا ما جعله ابتسم تلقائيا واسترسل حديثه بغمزة:

_بس تصدقي، وسط المعمعة اللي كنا فيها وكنا على مشارف الموت، إلا أنك نقطتي اسمي طالع من بين شفافيك بدون ألقاب، كأنه سيمفونية رائعة معزوفة بأجمل الألحان. كان يداعب روحها المنهكة بتلك الكلمات التي انطلقت من فمه مقصودة، وكأن مشارف الاعتراف بالعشق الجارف اقتربت. في منزل باهر الجمال، حيث ما زالت تلك المحاكمة مرفوعة على تلك المسكينة ريم.

وكادت أن تخرج إلا أنه نزل على مسامعها بكلمات متتالية جعلتها فتحت عينيها على وسعها من الصدمة وعادت إلى الداخل مرة أخرى، هاتفا ذلك الزاهر بتهديد:

_طيب اعملي حسابك إن اللي أنا قلتلك عليها هيتنفذ. كتب كتابي عليكي هيبقي بعد انتهاء عدتك. مش هتخرجي بره حيطان البيت ده، يا إما مالكيش ولا جنيه عندي. ولاد أخويا هاخدهم منك وهرفع عليكي قضية إن انتي السبب في موت أبوهم وهشردك في المحاكم وهاخد منك حضانة الأولاد وهبقى الواصي عليهم. ويانا يا انتي يا الزمن طويل. لو امرأة غيرها وفي موقفها استمعت إلى تلك التهديدات، لهوى قلبها بين قدميها رعبا من تهديدات مكشوف الوجه ذاك.

ولكن هذه ريم التي تحدث الشاعر أحمد شوقي عنها وعن خوضه الحروب لأجلها في بيت الشعر المشهور في ديوانه "نهج البردة" والذي بدأه بالغزل لمحبوبته ريم ثم انتقل في نفس القصيدة التي تصل أبياتها إلى مائة وتسعين بيتا. إلى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلك عادة الشعراء في ذاك العصر. ريمُ، على القاعِ بينَ البانِ والعَلَمِ أحَلَّ سَفْكَ دَمي في الأشْهُرِ الحُرُمِ رَمى القَضاءُ بِعَيْني جُؤْذَرَ أَسَداً

يا ساكِنَ القاعِ أَدْرِكْ ساكِنَ الأَجَمِ لمّا رأى حَدَثَتْني النَّفْسُ قائِلَةً: يا ويحَ جَنْبِكَ بالسَّهْمِ المُصِيبِ رَمي جَحَدْتُها وكَتَمْتُ السَّهْمَ في كَبِدي جُرْحُ الأَحِبَّةِ عِنْدي غَيْرُ ذي أَلَمِ.

فريم الذي وصفها الشاعر هنا في تلك الأبيات كـ ريم الجمال، فهي تظهر بوجه بريء مبتعد عن أي مشاكل، يكفي خيره شره دائما. لكن إذا اقترب أحد من أمانها ومأمنها، ستسن السيوف وتقف كأقوى المحاربين، مدافع عن كينونتها، ولم تخشى في حقها لومة لائم أبدا. ورفعت قامتها وردت بكل شموخ وكبرياء:

_والله أنت مفكر إن تهديدك ده هيأثر فيا ولا هي هز لي شعرة واحدة من راسي. أنا ريم المالكي اللي تشم إيديها تشبع. مش حابة فلوس هم اللي هيقعدوني في عصمة جبروت زيك. حتى لو كانوا ورث ولادي ومن حقي أمسك فيه بإيدي وأسناني. لكن لو هيتعارض مع عبوديتي معاكم هنا ويخليني أبادل باهر الجمال بيك، يبقى بتحلم.

اندلعت ثورات الشر من كلامها داخله، وليس فقط من الكلام بل من قوتها، والتي يراها لأول مرة منذ أن وطأت قدميها هذا البيت. لم يعهدها إلا بريئة مسالمة، ولكن اليوم عهدها شرسة قوية. ولكن لم يستسلم، فالحرب ابتدأت والبقاء للأقوى. ولن ينسى موت أخيه قهرا على يدها. وردد وهو يقترب منها ويقف أمامها وينظر لوجهها بعيون حادة مرددا: _قابلي بقى واستعدي علشان هخليكي تيجي راكعة وتطلبي السماح على اللي هعمله فيكي يا بنت أبوكي.

لا تنكر أنها انتفض داخلها وارتعب كيانها، ولكن سرعان ما تملكت من حالها وتحدثت بثبات بدا له أنها أكثر شراسة: _لما نشوف هتاخد ولادي من حضني إزاي، أو هتقدر تيجي ناحيتي إزاي. وبالنسبة للورث، أنا مش فقيرة ولا قليلة إني أقدر أعيش ولادي في مستوى طول عمرهم متعودين عليه. لكن برده حق أولادي مش هسيبه لك. وحط في بالك الجواز مش هتجوزك لو انطبقت السما على الأرض. وولادي خط أحمر. قبضت والدة زوجها على معصمها بقوة وعنفتها

بصوتها المملوء بالجبروت: _انتي إيه يا بت القوة اللي فيكي دي. ده اللي اختشوا ماتوا صحيح. وصدق المثل اللي قال: "تقتل القتيل وتمشي في جنازته". إحنا بقى نجيب أبوكي اللي رباكي ونعرفه إزاي تردي على أهل البيت اللي عايشة في حماهم. ونعرفه القصة وما فيها علشان يعرف الست هانم تربية البرنسيسة فريدة ودت ابني لفين بجبروتها. ومش بس هم اللي يعرفوا، ده إسكندرية بحالها كمان. وتبقى بقى هيصة ونلم اللمة تتفرج على اللي قتلت جوزها.

ولا تجيبيها من قصيرها أحسن ومتجرسيش نفسك وولادك اللي هيكبروا والكل بيردد إن أمهم كانت السبب في موت أبوهم. واستطردت تمدد ملامحها بضحكة هادئة ثم همست في مسامعها بصوت هدر: _علشان مش هسيب ولاد ابني يخرجوا برة البيت ده ولا يتربوا بعيد عن حضني.

انتفضت عينيها بحدة وهي تطالع تلك السيدة التي لا تختلف شراسة عن ابنها. وهدأت من روعها حين جال الخوف وصال داخلها من الفضيحة التي سيضعونها داخلها. وسحبت حالها وصعدت إلى الأعلى صافعة الباب خلفها بملامح وجه مكفهرة ومرتعبة. في إيطاليا، وبالتحديد في مركز أشهر أطباء المسالك البولية، حيث يجلس مالك الجوهري يحكي معاناة رحلة علاجه لذلك الطبيب، حيث أشاد بتفصيل:

_أنا اتجوزت تقريبا خمس سنين بالظبط. وفي الخمس سنين دول ما حصلش حمل ولا مرة. وطليقتي كشفت ما لقيتش عندها أي عيوب نهائيا. ولما أنا رحت للدكتور بعد تقريبا سنتين قال لي إن العيب اللي عندي بسيط جدا ومع الوقت والعلاج البسيط هخلف طبيعي جدا. واستمرت على العلاج لمدة ست شهور كاملين، وبعدين رحت تاني أعمل متابعة مع الدكتور. واللي استغرب جدا أن العلاج ما جابش نتيجة، وأن نتيجة إني أخلف بتضعف كل يوم عن اليوم اللي قبله.

وغيرنا طريقة العلاج، وكل ده موجود عند حضرتك في التقارير الطبية دي اللي كل مرة بتقرير شكل وبعلاج شكل. لحد من سنتين بالظبط قال لي إن العلاج بدأ يجيب نتيجة، وإنه مستغرب جدا من حالة التغير اللامعقولة في حالتي. ولما سمعت عن حضرتك كدكتور عالمي، قلت أجى المركز هنا وأقوم بالفحص الكامل علشان نعرف حالتي ماشية إزاي بالظبط. كان الطبيب يستمع إليه بتركيز شديد وردد باللغة العربية الفصحى:

_لا تقلق سيد مالك، سوف نقوم بالفحص الكامل على حالتك ونقوم بعمل التحاليل والأشعة اللازمة. وأيضا سنقوم بعمل تحليل للجينات الخاصة منذ الولادة إلى الآن، ولدينا أجهزة حديثة جدا ستنفعنا وتبين لنا الغامض في مسألتك. ولكن عليك أن تطمئن ولا تنزعج، لأن آخر تقاريرك تفيد بأنك على مشارف الشفاء. تنهد مالك بتعب بسبب ما ألمه في السنين الماضية، كرجل شرقي آسي من موضوع يمس رجولته أولا.

ويمنع عنه نوع من أنواع زينة الحياة الدنيا وهو البنون ثانيا. ولكنه دائما راضٍ بما قسمه الله له. وتحدث إلى ذلك الطبيب بتساؤل: _طيب نقدر نعمل تحاليل والأشعة دي النهارده على طول، ولا لازم حاجات معينة أعملها الأول؟ أجابه الدكتور بعملية: _الآن سأقوم بفحصك على جهاز الأشعة أولا. وبعدها نقرر ونحدد خطواتنا بالترتيب. تمهل يا رجل ولا تتعجل.

وبالفعل فحصه الطبيب فحصا شاملا، وطمأنه على حاله، وانتهت الزيارة عند الطبيب بعد أن أملاه بعضا من التعليمات التي سيقوم بها ويأتي بعد أيام قليلة كي يقوم بعمل التحليلات التي تثلج صدره وتطمئنه على حالته. خرج مالك من عند الطبيب، شاعرا باطمئنان روحه قليلا. وانتوي الذهاب إلى مكان هادئ مفتوح يجلس فيه مع روحه لكي يعطيها قسطا من السلام النفسي الذي غاب عن عالمه في تلك الأعوام الأخيرة.

جلس يحدث حاله وهو ينظر إلى اللاشئ بروح منهكة، يجوب عقله ذكريات الماضي الأليم الذي أهلك كيانه، ولكن كلها إرادة الله، فلنرضي. وردد بلسان حاله بتعجب: _عجيب أمرك تلك الدنيا. ألست من حقي أن أعيش سلاما نفسيا دون معافرة؟ ألست أنا ممن يشعرون بزينة الحياة دون جهاد وتعب؟ كف عقلي عن معاتبتي لحالي على حالي واتركني. كف قلبي عن مشاركة قلبك في القسوة علي كلي ودعني. دعني كي أنهض لكي أعود إلى عهدي آمنه، وسأعيده بفضل ربي حتى لو حاربت.

فالحرب لأجل أن أبقى سليما كل السلام. وأثناء انشغاله بحديث نفسه، استفاق على صوت رنات هاتفه، وإذا به يبتسم تلقائيا عندما رأى نقش اسمها على شاشة الهاتف. اعتدل في جلسته وفورا قام بالرد بابتسامة: _يا أهلا جوليا هانم، أخبارك إيه؟ على الجهة الأخرى كانت تجلس على مقعد مكتبها المدار للخلف وتضع سماعة الهاتف "الهاند فري" في أذنيها وتتحرك بالمقعد يمينا ويسارا، مرددة بإجابة: _Fine thanks. واسترسلت حديثها بتساؤل:

_من ساعة ما اتقابلنا المرة اللي فاتت، وانت مجتش علشان نتفق على شغلنا مع بعض؟ أجابها بإبانة: _والله كان عندي كذا ميعاد هنا، قلت أخلصهم وأنا موجود. واسترسل حديثه يبادر بعزيمتها على الغداء: _إيه رأيك تحبي نتغدى مع بعض بكرة ولا مشغولة؟ كانت تتراقص فرحا بداخلها لأجل عزيمته، والتي كانت ستبادر بها قبله، إلا أنه فاجأها بها وهتفت بموافقة: _شرف ليا طبعًا يا مالك، بس سيبني أختار أنا المكان إذا مكانش يضايقك يعني.

فرك في عينيه بإرهاق من تعب اليوم وأجابها بصدر رحب: _معنديش مانع طبعًا يا برنسيس جوليا. قال كلماته الأخيرة بنبرة إطرائية جعلتها تبتسم على ذاك الوسيم الراقي في تعامله. والتي لاحظت رقيه منذ المرة الأولى لمقابلتهم معا. تمددت على كرسيها باسترخاء أكثر وتابعت حديثها الذي ألفه قلبها كثيرا وأنهته بامتنان: _بجد إنت لطيف جدًا يا مالك وراقي في معاملتك. واسترسلت حديثها بتأكيد: _هبعتلك اللوكيشن للمكان وهستناك بكرة بإذن الله.

Good night Malek. انتهى الحديث بينهم، فحقا كانت جوليا مستمتعة جدا بالحديث معه. انقضت تلك الليلة الأليمة على الجميع، حيث باتت ريم ليلها دون أن تنام بسلام. وباتت راندا ليلة ميلاد جرحها بدموع وآلام. وبات مالك ليلته وهو يفكر في حياته وعن ما ينتظره بصبر واستسلام. أما عن رحيم، فقد أخذ مريم معه إلى منزله بعد أن حادث والده أن معه ضيفا سيأتي إلى منزلهم، فليستعدوا للقائه.

وصل رحيم أخيرا إلى المنزل ومريم تمشي بجانبه خجلا من الموقف، ولكن ماذا عساها أن تفعل. هي تاركة حالها بيد القدر وليفعل ما يفعله بها من تخبطات، فرب الكون الذي خلقها لن ينساها. فدائما تردد قول الله تعالى "لقد خلقنا الإنسان في كبد" لكي تشعر نفسها دائما أنها في أمان في وجود خالقها دائما وأبدا. صعدوا درجات السلم المعدودة وهو يحسها بأعينه على الصعود بأمان، فنظرة عينه كفيلة أن تهدئ قلبها من الخجل.

ضغط على زر الجرس قبل أن يضع المفتاح في الباب لكي ينبههم أن يستعدوا لقدومه وضيفه. دخل وأشار بيده إليها أن تتقدمه، دخلت وهي تومي بعينيها أرضا وهي تلقي السلام خجلا. أجابوا سلامها بكل ابتسامة يتبعها استغراب. بعد ساعة تقريبا من حديثهم مع بعض، الذي قصه عليهم رحيم منذ بداية المشكلة الخاصة بمريم إلى نهايتها، فتحدث ذلك الخلوق جميل:

_شوف يا ابني، إحنا مش هنتكلم في أي حاجة دلوقتي علشان هي باين عليها الإرهاق والتعب الشديد وباين كمان إن مشكلتها كبيرة جدا. لكن بأمر الله يا بنتي ربنا هيقف جنبك وما تقلقيش. وطالما جيتي بيت جميل واحتميتي فيه من شر الدنيا، هيكون ليكي حصن أمين. علشان البيت ده ما تعودش يرد السائل أبدا، وإنت قصدتيه في أمانك وهو مش هيردك أبدا. ثم وجه كلامه إلى رحيم قائلا له:

_علشان تبقى على راحتها يا ابني، وديها المضيفة اللي أنا عاملها لأخواتك البنات لما يجوا هما وأجوازهم عشان يبقوا على راحتهم. واسترسل حديثه وهو ينظر إلى مريم بحنو: _تعرفي إن الفرق ما بين اسم بنتي واسمك حرف الميم بس. يعني لو كان عندي بنت تالتة كنت هسميها على اسمك يا قمر إنتي. عايزك تعتبري البيت بيتك، وعايزك تروحي تنامي وتقضي ليلتك الآمنة في هدوء علشان خاطر نفكر هنحل مشكلتك دي إزاي. وما تقلقيش. رب الخير لا يأتي إلا بالخير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...