واسترسلت حديثها بإبانة وهي تمسح دموعها بحدة :
_ هحكي لك كل حاجه ياماما بس أمانه عليكي ماتعملي زيهم وتحكمي عليا حكمهم .
نظرت لها بتمعن منتظرة تكمله حديثها وقررت أن تصمت حتي حتي تستمع إلي شكوي ابنتها ،
وقصت ريم علي مسامع والدتها ماحدث من البداية وما إن انتهت حتي حكي حالها عن شعورها ،
فقد عثت في جوفها حرباً شعواء أشد من أن تتحكم بها ومن أن تقاومها وهدرت بها باستنكار:
_ قال لك يالشغل يا أنا ورديتي عليه كدة !
زاغت أعين الأخري من استنكار والدتها وبات داخلها ينتفض رعبا الى ان استمعت الى هتاف والدتها وهي تتابع حديثها المحتد وتزجرها بعنف :
_من امتى وانا ربيتكم على كده؟!
من امتى وانا ربيتكم تقفي قدام جوزك الند بالند ومستوى المناقشه يبقى بالانحطاط ده؟!
انسدلت دموع الاخرى من مقلتيها بغزاره ولم تخشى نزولها امام والدتها فهي بالنسبه لها الام والاخت والصديقه رغم شدتها في التعامل معهم الا انهم يثقون في ارائها لأبعد الحدود وما ان علمت غضب والدتها حتى انهار داخلها وباتت تلومها لوما شديدا واجابتها بارتعاش :
_والله يا ماما الغضب عماني ساعتها والشيطان دخل بينا واللي حصل حصل ولومك وعتابك ما لهوش لازمه دلوقتي .
قامت والدتها من مكانها وهي تجوب المكان ذهابا وايابا وتضغط بكف يديها بعنف مما استمعت اليه من صغيرتها وهي تردد بملامه مغلفه بالاحتدام :
_ما هو علشان انا ربيتكم على المناقشه المتحضره طول حياتكم مش مصدقه ان إنتي عملتي كده,
واسترسلت حديثها بتذكير:
_ده انا لسه من كذا شهر حاكيه لك على بنت صاحبتي اللي اجبرت جوزها على انه يكتب لها البيت باسمها علشان مخلفه بنات عشان لو حصل حاجه في اي وقت ما حدش ياخد البيت منهم وشدت معاه وغضبت وسابت له البيت وهو من الحسره ان هي عملت فيه كده ومعاه كده واستعجلت اجله ومات ودلوقتي بتبكي بدل الدموع دم وبتلوم نفسها تقومي إنتي تعملي كده يا ريم؟!
وضعت الأخرى وجهها بين كفوف يديها وهي تشهق شهقاتها العالية التى تدمي لها القلوب من ملامه والدتها الغير متوقعه مما جعل قلب فريده يئن وجعا لصغيرتها وعلى الفور ذهبت اليها واخذتها بين احضانها وهي تهدئ من انهيارها بكلمات الام الحنون :
_خلاص يا بنتي اللي حصل حصل وما تزعليش من كلامي اللي قلته لك انا بعتب عليك علشان الأم مرايه بنتها، استنكرت عليكي انك تعملي عامله زي دي ما تليقش بريم المالكي ولا برقتها ولا بأدبها ولا بأخلاقها ابدا .
وظلت بين احضانها تستمد منها الحنان والعون حتى هدات بعد فتره متسائله لوالدتها وهي تنظر لها بعيون ممتلئه بالدموع التي اصبحت طريقها:
_طيب اعمل ايه دلوقتي يا امي في المشكله اللي انا فيها دي انا لا يمكن اتجوز زاهر ده ابدا ولا يمكن اعيش مع راجل غير باهر الله يرحمه .
هنا جالت فريده بتفكيرها وبدات تفكر في حيثيات الموضوع من جميع الاتجاهات وهي في حيرة شديدة حتى نطقت بنصح لابنتها بما راته صالحا لها :
_وفيها ايه لما تتجوزيه بعد ما تاخدي هدنتك في الحزن على جوزك هو عم ولادك وهو اولى بيكي من اي حد ،
وتابعت نصحها بارشاد امين:
_انا خايفه عليكي لما يملوا ولادك بالكلام اللي قالت لك عليه حماتك وابنها لما يكبروا مع الأيام وابنك الكبير بقى بيستوعب دلوقتي ،وهما قادرين واحنا ما لناش في سكه الردح بتاعتها ابدا يا بنتي .
قالت تلك الكلمات التي نزلت على مسامع تلك المسكينه مزقتها وكأنها سكاكين حاده مزقت اشلائها الى قطع واصبحت في انهيار من كلام والدتها ادى بها الى الاغماء على الفور .
________________________________
يجلس مالك في الباخره مع جوليا مستمتعا باجواء البحر وينظر له بشرود الى ان اتاه صوت تلك الرقيقه التي تنظر له باعجاب مردده :
_ممكن اعرف سرحان في ايه هو البحر قد كده بيشدك وبيخليك تحكي له بعينيك كل حاجه وناسي ان انت معاك جوليا ملكه جمال روما ؟
قالت تلك الكلمات الأخيره وهي تشير على حالها بتفاخر ممزوج بالمداعبه .
ضحك بشده من طريقتها التي كانت تحكي بها ولكن ما إن فكر في تساؤلها حتى اجابها بعمق وهو ينظر الى ذلك البحر من جديد :
_تعرفي ان البحر ده عامل زي الدنيا بالظبط ساعات تلاقيه هادي وهدوئه يخوف وساعات تلاقيه مثير واثارته تحسسك اننا عايزين ننط جواه ونعوم لكن لو ما عرفناش نعوم بمهاره نغرق ونتوه في ظلمات بحر الغدر .
كانت تستمع الى كلماته بانتباه شديد كل حرف نطق به احست ان وراءه اوجاع لا مثيل لها فمنذ ان راته مجسدا امامها بعد ان كانت تتابع اخباره على مواقع السوشيال ميديا فكانت منتظره لقاؤه فهي كانت ترسل له دعوة سنوية وفي كل مره منذ ثلاثه اعوام تود ان تتحدث معه ولكن تتراجع الى ان اتخذت الخطوة في هذا العام وعزمت امرها ان تريح انشغال بالها الدائم به وهتفت بجبين مقطب :
_انا حاسه ان كلامك وراه وجع كبير قوي وبالرغم من كده الا انك بتداري وجعك بحرفية ورا الابتسامة اللي انا شايفاها على وشك وانت بتحكي وجعك دلوقتي اللي استشفيته من كلامك ،
واستطردت احاسيسها وهي تطلب منه برجاء :
_ممكن نخرج بره دايره الشغل خالص وتحكي لي ولو حاجة بسيطة من وجعك واعتبرني صديق مقرب وانا كلي اذان صاغيه .
اتته الفرصه كي يخرج ما في صدره من هموم واثقال ما كان يحبب ان يحاكيها الى احد من قبل,
احس بالارتياح الشديد من حديثها ومبادرتها بأن يقص عما في صدره كي يهدا ،
وبالفعل انطلق في الحديث عما اتعبه في حياته بالتفصيل مما جعلها تشعر بوجيعته وقلبها يدق حزنا لحبيب السنين المبهم في قلبها فقط ولم تبوح به لمخلوق قط ،
وفي نهايه حديثه اشاد وهو مشبك اصابع يديه ببعضهما مرددا بإبانة :
_ وحالياً عندي ميعاد مع الدكتور بكره للتحاليل والآشعة اللي انا عملتها وهيطمني ان رحلة علاجي انتهت ولا لسه .
تنهدت بعمق وتحدثت بابتسامه هادئه:
_هتطلع ممتازة وهتخف وهتبقى ميه ميه بس انت قول يا رب ،
واسترسلت بتساؤل:
_ده انت شلت كتير قوي ازاي قدرت تستحمل كل ده؟
_كنت دايما بصبر نفسي واقول يا جبل ما يهزك ريح عشان اقدر اقاوم واعيش….. أجابها مالك بنبرة انهزامية تنم عن مدى تعبه النفسي. تابعت تساؤلاتها بحيرة: "بس أنا أسمع إن الست المصرية أصيلة وبتقف جنب جوزها وعمرها ما تسيبه في ظروف صعبة زي ظروفك." ضحك بسخرية من براءة حديثها وأجابها: "كتير جدا من الستات المصرية بيقفوا جنب أزواجهم ولسه الدنيا بخير بس جت مع العبد الغلبان والندالة كانت واخدة حقها معاه قوي." ثم استنشق زفيراً طويلاً وهو ينهي ذاك الحوار المؤلم لروحه: "ممكن ما نتكلمش في الموضوع ده تاني عشان بجد بيتعبني. أي نعم أنا ارتحت لما لقيت حد خرج اللي في قلبي بس عايزك ولا كأنك سمعتي حاجة." بابتسامة مشرقة بدت على معالم وجهها أجابته: "تمام مستر مالك." وبنظرة كلها رجاء أكملت باهتمام: "طيب ممكن أروح معاك مقابلة الدكتور بكرة ده إن ما كانش يزعجك؟" دقق بالنظر داخل عينيها بترقب شديد لطلبها الغريب الذي جعل دقات قلبه تسأل قبل منطق عقله، ونطق باستفسار: "قد كده أنا بقيت مهم لدرجة إنك تروحي معايا جلسة دكتور؟" تراجعت باسترخاء على المقعد وهي تربع ساعديها باستماع، واتتها إجابة من إعجابها باستفساره، وأجابت بعينين راجيتين: "ممكن آه وممكن أكتر شوية بس ارجوك نفسي أشاركك في لحظاتك اللي إنت موجود فيها هنا وأبقى واقفة جنبك، وما تسألنيش ليه لأني أنا حاسة إني عايزة أعمل كده." زاده حديثها ارتياح شديد أكثر من ذي قبل، وأجابها بموافقة: "تمام، هعدي عليكي بكرة ونروح سوا، وإن شاء الله يطلع وشك حلو عليا." وظلا يتحدثان مدة من الوقت لم يشعروا به طيلة حديثهم إلى أن أحسوا بالتأخير، وانتهوا من جلستهم مودعين بعضهم البعض إلى اللقاء غداً. وفي أثناء سير كل منهم في طريق عودته إلى مكان مأواه، حدّث مالك حاله بتساؤلات كثيرة جرت في عقله وقلبه، بل وكل جسده كان متفاعلاً مع تساؤلاته: "ماذا ورائك يا تلك الجميلة الرقيقة التي لم أرَ في رقتها امرأة قبل؟" "أمن الممكن أن أصدق حدسي فيما يفكر به ويتوقعه؟" "أمن الممكن أن تصبحي أنتِ ونيسة الأيام وجليسة الليالي القادمة وجبر قلب معذب طيلة حياته!" "حقا لو أصبح كذلك لكأن الله سيعوض حرماني أضعافاً مضاعفة." أما هي، كانت تسرح بخيالها في عالم السعادة اللامتناهية من مجرد تقدم بضع خطوات من عشقها المختزن داخلها، والتي لا يعلمها أحد سواها، وهي تتسابق مع الطرقات بسعادة بالغة. انتهى اليوم على الجميع بمأساته للبعض، وبالجبر والعوض للبعض الآخر. في اليوم التالي، أتى الصباح محملاً بالأمل والتفاؤل على الجميع، وخاصة مالك الجوهري، الذي ارتدى ملابسه الكاجوال، والتي كانت عبارة عن بنطال من اللون الأزرق القاتم، وقميصاً باللون الأبيض الزاهي، وارتدى ساعته ونظارته الشمسية، فكان حقاً وسيماً. وهاتف جوليا بأنه قادم إليها، وهي كانت في انتظاره بسعادة بالغة. تقابلا كل منهما، ومر الوقت سريعاً وهما في انتظار نتيجة التحاليل، والتي ما إن أتت الممرضة بها، استمع إلى نداء دوره، وعلى الفور دلفا الاثنين إلى غرفة الطبيب، الذي كان مهتماً بفحص التحاليل جيداً، وما إن انتبه الطبيب لوجودهما حتى تحدث بابتسامة: "لقد أخبرتك من قبل سيد مالك أن رحلة علاجك أوشكت على الانتهاء، وتلك التحاليل أثبتت ذلك." ثم تابع حديثه وهو ينظر له باستغراب عما رآه في تحاليل الجينات: "ولكن شيئاً ما في تحاليل الجينات أريد تفسيراً منك سيد مالك." ابتسم مالك وجوليا بعد أن طمأنهما الطبيب على اقتراب شفائه، والذي أكده الطبيب بأن بضعاً من الأدوية التي سيعطيها له ستنهي الأمر تماماً، وسيحيى حياة طبيعية كأي رجل. أما جوليا، أمسكت بكف يديه وقبضت عليهما بشدة، وهي تبادله الابتسامة النابعة من قلبها الجميل. وما إن استمع إلى تساؤل الطبيب، حتى قطب جبينه باستغراب وأشاد مردداً: "ما الذي يحيرك في الأمر سيدي الطبيب؟" قص عليه الطبيب ما رآه، وما إن استمع إليه، حتى باتت دقات قلبه عنيفة شديدة، وصورة عينيه زائغة من شدة ما سمع، ونزل على قلبه، والذي كان عبارة عن استغراب حقاً: "بدا لي في تحاليل الجينات أنك منذ أكثر من أربعة أعوام تتناول عقاراً يؤثر على الإنجاب، والذي يسبب العقم مع مدار تناوله على مدى العمر، ومع تناول تلك العقارات كنت تتناول أخرى مضادة، كيف ذاك الطبيب الذي يتابع حالتك أن يضرك بهذا الشكل سيد مالك؟" العبارات صادمة، والقلوب ترتعش، والعيون تنظر بغموض، والنفس الأمارة بالسوء بدأت تتناول تفكيرها. وبعد تلك العبارات أيضاً، أصبحت الأنفاس متسارعة، والأفكار متضاربة، والجسد مشتعل، والهواء بدأ ينعدم، كل ذلك شعر به مالك، وقسمه إلى أشلاء بدأت تمزق داخله، وخيوط عقله بدأت تتزاحم وتفكر فيما مضى وترتب لما هو آتٍ، والذي لا يبشر بالخير أبداً. في مدينة الإسكندرية، في أحد الكافيهات، تجلس هند زوجة زاهر الجمال مع إحدى صديقاتها، وهم تحاكيها بانزعاج وتنفس غضباً وتهز قدميها عنفاً، قائلة بعيون تنطق حسرة: "بقي أنا اللي ينطبق عليها المثل 'جيت تصيده صادك'، وحفرت الحفرة اللي قعدت أخطط لها قد كده، وفي الآخر وقعت فيها أنا!" واسترسلت وهي تستشيط غضباً جاماً: "ده أنا لبست في الحيط واتعورت بالجامد أوووي، ولسه مش قادرة أفوق، وجيت أكحلها عميتها." كانت صديقتها تكتم ضحكاتها على طريقة هند المضحكة للغاية، وعلى تعبيرات جسدها أيضاً. ورأت هند تلك الضحكات المكتومة على وجهها، مما جعل غضبها يزداد، وقذفتها بعبوة المناديل الورقية، وقامت من مكانها وهي تنهرها بحدة: "تصدقي بالله إنك معندكيش دم ولا إحساس، أنا شايطة وبولع وإنتي قاعدة تضحكي عليا." "أنا اللي غلطانة إني جيت أشتكي لك أوجاعي، وإنتي عارفة إنك الوحيدة اللي بحكي لها كل اللي يخصني." وبنظرات لوم أكملت وهي تسحب حقيبتها: "أنا ماشية ومش عايزة منك حاجة." انتفضت الأخرى وأمسكتها من يدها وهي تبدي على وجهها وبعباراتها علامات الندم والأسف: "خلاص اقعدي ما تزعليش، وما تبقيش أفوشة كده." "والله طريقة كلامك وأمثلتك اللي بتقوليها هي اللي موتتني من الضحك." نزعت هند يدها وهي تزجرها: "برضه تاني!" إنتي عايزة تنقطيني يابنتي والله العظيم. هدأتها صديقتها وتحدثت بجدية تلك المرة: _ يعني أعمل لك إيه! ياما نصحتك وقلت لك ملكيش دعوة بيها واستري عليها من باب لاتجسسوا، وإنتي دايما حاطاها في دماغك ومصممة تركبيها الغلط قدام الكل من زمان. أهي اتقفلت عليكي زي الضمنة وريم بتخاف على سمعتها جدا، وبتخاف على ولادها. وبصراحة جوزك وحماتك مسكوها من إيديها اللي بتوجعها، وكنتي إنتي الحبل اللي قعدتي تشدي فيه بكل عزمك عشان تخنقها، فخنقك إنتي قبلها. تشعب الغضب برأسها وتكاثر بلا رادع، وهي تتوعد بأيمانها اللامتناهية. _ لا والله ما هيحصل طول ما أنا عايشة على وش الدنيا، ومش هسيبه يتجوزها ويخلف منه الواد ويلم الليلة هي وولادها. ولو وصل الأمر إني أخفيها من على وش الدنيا هخفيها، كله إلا تعب السنين في النكد اللي أنا عايشاه معاه وملامات أمه وكيدها ليا بأني أم البنات وإن الماعون بتاعي مش على كيفها. نظرت لها صديقتها بعيون ممتلئة بالاندهاش من حديثها ورددت باستنكار: _ هو الأمر وصل معاكي لحد القتل، وتموتي نفس وتضيعي وتضيعي بناتك معاكي! هو إيه اللي في دماغك ده مخ ولا لأ مؤاخذة يعني فردة بلح! وتابعت عتابها وهي تحاول إرهابها: _ والله ياهند لو عملتي اللي في دماغك لأتخسري بيتك وبناتك وفوقيهم عمرك. فوقي ياهند، أنا والله العظيم خايفة عليكي وبنصحك لله. إنتي كده بترمي نفسك في التهلكة بكامل إرادتك. ضربت هند بكلتا يديها على المنضدة بعنف شديد، وبعيون تشعلل حقداً وكرهاً أردفت: _ يعني عايزاني أعمل إيه، أسيبه يتجوزها ويخلف منه! نظرت لها باستنكار وأجابتها باستخفاف: _ تصدقي وتؤمني بالله يا هند، إنتي تنفعي تطلعي تعملي برنامج أسهل طريقة لعمل من الحبة قبة. واسترسلت حديثها وهي تلوي فمها اعتراضاً على طريقتها: _ يا ماما شيلي الموضوع من دماغك وركزي في بيتك وفي بناتك، وإزاي ترجعي جوزك لحضنك. وسيبك إنك تركزي في حياة غيرك، الكلمتين اللي بغنيهم لك كل يوم. ولما تعملي كده ربنا هيصرف عنك كل شر. يا إما كده، يا إما النار هتلسعك الأول قبل ما تحرقي بيها غيرك. حديثها لم يجدي نفعاً، فرأسها يابسة متيبسة، والغل والحقد متصاعد على وجهها يراه الأعمى. ورأت أن الكلام معها سيشتتها عما تفعله، فقررت إنهاء الحديث في ذاك الموضوع، ولتخطط وتعيد حساباتها، ولكن تواعدت في داخلها أن تلك المرة ستنالها فوزاً وبالتأكيد ولن تستسلم. *** ولنسبح بخيالنا إلى دبي، إلى المغدور بها راندا المالكي، وما حدث لها من صدمة جعلتها يوماً كاملاً حبيسة الغرفة، وأبناؤها يبكون بدل الدموع دماء على أسرة تفككت ومستقبل مهدد ونفوس لم تعد تأمن بعد ذلك. كانت تجلس أمام حقيبة سفرها وهي تتطلع إلى الملابس الجديدة التي اشترتها خصيصاً لكي ترتديها لمن كان عزيز القلب والروح. وعقلها بل وكل كيانها سائر، حاقد، رافض، كاره، وسيدمر، بل سيعصف. انتوت بداخلها حرباً أعلنتها على الجميع، ولن تنظر لأي كائن غير كرامتها، فتلك هي راندا عنيدة من الدرجة الأولى، ولن تتهاون في حقها قط. غضبها كالعاصفة الشديدة التي أودت بسفينة متينة، لم تقدر عليها الرياح وأغرقتها العاصفة. كانت جالسة الغرفة تدور بأعينها فقط، وتحسب بعقلها آلاف الحسبان لما سيكون. أما عن إيهاب، ففي حاله يرثى له. فقد تركها اليوم كاملاً لكي تهدأ كما في مخيلته، وعاد إليها الآن محتضناً أبناؤه وهو ينثر عليهم قبلاته واعتذاراته. وبعد أن هدأ من روعهم قليلاً، قرر مواجهة العاصفة وليكن ما يكن. طرق على الباب ولم يستمع رداً منها رغم توالي الطرقات. وفي النهاية قرر وعزم الدخول. وما إن رأته حتى اندفعت من مكانها. وبمجرد أن رأته اندفعت إليه لتشن حروب أفعاله فوق رأسه بتمرد أنثى وكبرياء دهس بالأقدام، مرددة بصراخ: _ إنت إيه اللي جابك هنا يا بني آدم إنت! إنت لسه لك عين تقف قدامي وتتكلم، اتفضل اطلع بره وما أشوفش وشك هنا تاني لحد ما أسيب لك الدنيا كلها وأرجع مصر، اتفضل. قالت كلماتها الأخيرة بحدة بالغة وبصراخ سمعه أبناؤها في الخارج، مما جعل دموعهم تنزل بغزارة على وجوههم ويحتضنون بعضهم البعض خوفاً ورعباً. راعى إيهاب غضبها ولم يحزن داخله لطريقتها البالغة الحدة، فهو من نصب الليلة بأكملها وعليه أن يتحمل نواتجها. فتقدم منها بخطوات بسيطة خوفاً من غضبها قائلاً باستسماح: _ أرجوكي يا راندا اهدي، ما اتعودتش منك على القسوة دي معايا. أنا عايزك بس تسمعيني، مش عايز أكتر من فرصة واحدة بس تديها لي علشان أصلح غلطي. انتفضت أعينها بحدة وهي تطالع صاحب طعنتها، وباتت نطراتها شرسة وتجز على أسنانها بحدة. كان ينظر إلى اختلاف ردود أفعالها، فلاحظ تمدد ملامحها بضحكة هادئة، ثم همست في مسامعه بصوت هدر: _ فرصة ههههههههههه! إيه النكتة الجميلة دي، ده إنت مفكرني بقى هبلة للدرجة دي علشان أتختم على قفايا وأتخان، وأنا كنت صايناك أم وأب وزوجة وحيدة وشايلة كل حاجة فوق دماغي، وإنت هنا عايش حياتك متجوز من سنين وبتعمل لها عيد جواز وكاتب لها تهنئة زي اللي كنت بتكتبها لي بالظبط، ما تفرقش، ده إنت بتعرف تمثل جامد قوي يا بشمهندس. _ أعمل إيه، كان غصب عني. ياما قلت لك ارجع واقعد في وسطكم إنتي والأولاد، وكفاية عليا غربة. وإنتي كنتي مصممة إننا نبني مستقبل الأولاد… كلمات محطمة خرجت من لسانه بنبرة شقاء وتعب لعذاب الضمير سنين. فإيهاب ليس سيئاً وراندا ليست خاطئة فيما تشعر به الآن، والحوار بينهم شائك للغاية. ما إن استمعت إلى كلماته حتى تقدمت منه بخطوات مدروسة كخطواتها القادمة التي ستشنها حرباً، وكان هو بادئها، وقالت له بفحيح: _ بطل أعذار وحجج فارغة. وعايزة أعرفك حاجة، لا مش أعرفك بس ده أنا بأكد لك إني هتطلق منك وهاخد الفيلا والعربية والحساب اللي في البنك، تعب السنين بتاعك ليا وللأولاد علشان أنا اللي بنيته وإنت هنا دايب في العسل. واسترسلت بوعيد: _ ومش بس كده، ده أنا هخليك تندم ندم عمرك. وقد ما اديتك محبة وإخلاص ووفاء، على قد ما هديك طعنات ترشق في قلبي زي الخناجر بالضبط، وإنت اللي بدأت والبادي أظلم. اندفع إليها وأمسكها من كتفيها وهو يهزها بعنف كي يردعها عن ما تتفوه به، مردداً باستنكار: _ كلام إيه اللي إنتي بتقوليه ده، فوقي يا راندا، ما تدمرنيش حياتنا وحياة الأولاد اللي منهارين بره علشان خاطر غلطة أنا معترف بيها. وبوعدك إني هصلحها، وأخدكم وأرجع بلدنا ونكمل حياتنا هناك، وهفضل أعتذر لك عليها طول عمري، بس ما تدمرنيش حياتنا. نفضت يديه من عليها كمن تنفض حشرة كادت أن تمسها، وأولته ظهرها وهي تنهي الحوار بالكلمات التي جعلته لم يستبشر خيراً أبداً: _ انسى يا بشمهندس، العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!