تحميل رواية «بين الحقيقة و السراب» PDF
بقلم فاطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لماذا جئتي إلى هنا يا امرأة آلامي! كيف لكِ أن تعتقدي بأني نسيت أحزاني؟ أيمكن أن يلدغني سم الحية وأعود إلى وكرها من جديد؟ يا من دمرتي كياني. بلا فقد دفنتكِ بين ثنايا الماضي وعلى عهد الفراق باقٍ ولن ينسيني زماني. صباحًا في مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط، ومنبع العشق للعاشقين ومأوى السحر والجمال للمحبين. تجلس ريم في منزلها ممسكة بقلمها ودفترها تصمم رداءً جديدًا من تصاميمها الرائعة التي تحلم أن تنفذ ولو تصميمًا واحدًا منها بيدها. ولكن زوجها يرفض دائمًا، فهو لا يريد أن يتعبها أبدًا مهما حاولت مع...
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطيما يوسف
ماذا عن طلتها الخاطفة لأنفاسي وكأنها وحدها التي أنيرت المكان، أم ماذا عن رجفة قلبي في حضرتها وأريد في وجودها أن يتعطل الزمان، أم ماذا عن نظرتها الكفيلة أن تشعرني بالأمان، تناولتني تلك الأسئلة لمجرد حضورها فقط وتناوبت على قلبي وعقلي كالإدمان.
تدلف ريم المالكي صالة العرض وهي تتأبط ذراع أخيها رافعة قامتها لأعلى بشموخ، في زيها الزهري اللون المفضل لها بشدة وعلى رأسها حجاب باللون الأبيض ووجهها خالٍ من مستحضرات التجميل إلا بلمسات بسيطة أبرزت جمال وجهها المستدير.
كانت عيناي، أنا المالك، مثبتة على الباب منتظراً قدومها على أحر من الجمر، وما إن رأيتها حتى كادت دقات قلبي أن تشق ضلوعي من شدته. كان ينظر إليها كالمسحور من جمالها الهادئ الرقيق، فأقسم بداخله أنه لن يرى امرأة في جمالها من ذي قبل.
ساقته قدماه كالمسحور حتى وصل إليهم وهو يمد يده لأخيها مردداً بترحاب:
_ أهلاً وسهلا يادكتور رحيم، نورتنا وشرفتنا.
ثم نظر إلى ريم ملقيًا السلام:
_ أهلاً يامدام ريم، نورتي المكان.
بادلته السلام بابتسامة متوترة لنظرته التي تغيرت كليًا لها، وخاصة بعد اعترافه اليوم بحبها، فكانت في موقف حرج جدًا.
بادله رحيم السلام مرددًا بابتسامة:
_ أهلاً بيك يا مستر مالك، كويس إنك لسه فاكر اسمي.
ابتسم مالك مردفًا بدعابة:
_ بذمتك في حد ينسى الدكتور رحيم اللي أول ما دخل المكتب عندي موتّنا من الضحك بسبب دمه الخفيف.
انفرجت أسارير ذاك الرحيم وهو يردد بنفس الدعابة:
_ الله! ده أنا من مرة واحدة بقيت ماركة مسجلة؟ بقي في القلش!
واسترسل وهو ينظر إلى المكان بانبهار:
_ بصراحة المكان والعرض باين إنه حاجة تشرف قوي، وبإذن الله هينجح ويكسر الدنيا.
أماء مالك برأسه بموافقة قائلاً وهو ينظر تجاه ريم:
_ أنا واثق من ربنا إن العرض هيكسر الدنيا، وده طبعًا بفضله أولاً ثم بمجهود ريم اللي تعبت فيه جدًا وهينقل سوق الأزياء للزي الدراسي لحتة تانية خالص.
استشعر رحيم بنظراته الثاقبة إعجاب ذلك المالك بريم، مما جعله يفرح داخليًا لأجلها، فهو يريد لها أن تستقر وألا تدفن روحها بالحياة. وردد بتأكيد على كلام مالك:
_ والله كلامك صحيح جدًا، ريم من صغرها وهي طموحة جدًا، وأقل شيء بتعمله بيبقى مبهر والكل بيعجب بيه جدًا بصراحة من غير مجاملة إنها أختي.
وأثناء حديثه استمع إلى رنات هاتفه. نظر إليه ووجدها مريم، فاستأذن منهم عدة دقائق للرد عليها.
أما مالك، فور خروجه، تنفس الصعداء وكأن الدقائق التي يقضيها معها أمنية بات يحلم بها. فأشاد إليها منبهراً بطلتها:
_ اللون الزهري جميل جدًا عليكي يا ريم، والحق يُقال إنك عندك ذوق جدًا في اختيار الألوان للمناسبات.
أحست بالحرج الشديد من نظراته وتلميحاته، وأومأت له بخفوت:
_ متشكرة جدًا يا مستر لذوق حضرتك.
أحس بحرجها، ولكن فرصة تواجدهما في ذاك المكان ويقف معها وحدهما لن يضيعها. وأردف باستفسار:
_ إنتي ليه متعمدة تنسي اعترافي ليكي النهارده وبتحاولي تهربي بعيونك عني؟
وتابع حديثه بتصميم:
_ لعلمك بقى أنا عليكي مصمم، وبجد محتاجك في حياتي يا ريم وعايزك جنبي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وعلامات الخجل اعترت وجهها ببراعة، ولم تقدر على التفوه. إلى أن استمعت إليه:
_ ممكن تدينا فرصة نتعرف على بعض ونعمل يا ستي فترة خطوبة علشان تطمئني ومتحسيش إنك اتدبستي؟
رفعت أنظارها إليه وهي على نفس خجلها وأردفت بنبرة هادئة:
_ المشكلة مش فيك إنت، المشكلة فيا أنا وهي إني رافضة أي ارتباط بعد باهر الله يرحمه، وإني مقررة أعيش لولادي بس.
رفع حاجبيه وهتف باستنكار:
_ وده ليه يا ريم؟ ممكن أفهم؟ طيب أعمل إيه في قلبي اللي حبك واتعلق بيكي وبقي يعد الأيام علشان تبقي جمبه ومعاه؟
استمعت إلى دقات قلبها التي تأثرت بشدة من نبرته ونظرته، وخاصة أن لديها مشاعر إعجاب وليدة. وتلك المشاعر الوليدة تؤلمها بشدة، فهي تريد كبتها وموتها قبل أن تقتحم كل حصونها بشدة وحينها تكون معذبة. وأجابته بتوتر وخجل:
_ أنا كنت واضحة جدًا من البداية معاك، وعمري ما خضعت بقول ولا فعل يخليك تتعلق بيا.
_ كذابة… نطقها مالك بعيون راجية وأكمل دفاعه المستميت عن حبه:
_ مين قال كده؟ كلك على بعضك سحرني، تدينك والتزامك وهدوئك، أصلاً دخولك للمكان بيخطف الطلة وبحس إني مش عايز أعمل حاجة غير إني أبص لك وأركز معاكي ومع كل تفصيلة تخصك، بذمتك مش كده يبقى حرام عليكي وهتشيلي ذنوب كمان.
_ ذنوب! ذنوب إيه دي… نطقتها باندهاش شديد وتعجب.
اقترب منها بخطوة واحدة وأجابها بوله:
_ آه ذنوب قلبي اللي انتي معذباه معاكي بسبب رفضك، ذنوب نظرتي ليكي اللي بسرقها غصب عني علشان بتبقي وحشاني.
واسترسل مقنعًا لها بمراوغة:
_ إنتي متعرفيش إن النظرة سهم من سهام إبليس ولا إيه يا قلبي.
إلى هنا واكتفت من جرأته وتلميحاته، ورفعت سبابتها وأردفت بتحذير:
_ قلبك! لحد هنا وكفاية يا مالك، أنا مش مسؤولة عن اللي انت بتقوله ولا عن ذنوبك اللي عايز تحملها لي بدون وجه حق.
ابتسم على شراستها وتحدث هامسًا وهو قاصدًا النظر في عينيها كي يرى ارتباكها الذي يعشقه:
_ الله يا ريما، مالك خارجة منك قمر. بذمتك بعد مالك دي عايزاني أكبر دماغي وأسيبك؟
واسترسل بوعيد محبب:
_ طيب شوفي بقى، عندّي معاك مش هيجي سكة وهتجوزك يعني هتجوزك، مانا مش هفضل أسهر على الأطلال وأحلم بعيونك اللي دوبوني دول وأسيبك تدفني نفسك بالحيا علشان حق ربنا اداهولك وخايفة من المجتمع.
وتابع حديثه قائلاً وهو يشير بيده تجاه قلبها:
_ خلي بالك، أنا سامع دقات قلبك دلوقتي والقلب مبينبضش بشدة كده إلا لعاشق.
أنهى كلماته وتحرك من أمامها عندما لمح قدوم أخيها. تصنمت بمكانها من إحساسه بها بتلك الدرجة، وحدثت حالها بتخبط:
_ هو عرف منين بدقات قلبي وحيرتي؟ هو أنا للدرجة دي مكشوفة أوي كده؟ ياربي أنا مش قادرة أتنفس حتى في وجوده. ارحمني يارب واهدي قلبي وارزقني المقاومة.
كان رحيم يقف أمامها يحدثها وهي في عالم آخر، إلى أن أشار بيديه أمام عينيها مرددًا:
_ اللي واخد عقلك يتهنى به يا ست ريما.
_ ها بتقول إيه؟ … قالتها ريم بتيهة.
لوى شفتيه باستنكار:
_ ده انتي في عالم تاني بقي ياريم هانم، إيه يا حاجة فوقي كده، مالك متنحة كده ليه ومش سامعاني أصلًا.
واسترسل وهو يرى نظراتها تجاه مالك مرددًا بغمزة شقية:
_ الله! أنا ابتديت أشك والموضوع فيه إن بقي، يا تحكي يا تحكي برضو مش هسيبك إلا لما أفهم.
كادت أن تنطق إلى أن استمعت إلى إعلانهم عن بداية العرض، فانتبه الجميع ناحية المسرح، وبدأت مراسم العرض في منظر أبهجها بشدة.
بعد مرور ساعة كاملة من العرض، لاحظت انبهار الجميع بالتصميمات، ووجدت اسمها يُنادى من قبل مالك علنًا أمام الجميع قائلاً:
_ الحقيقة نجاح العرض يرجع لتصاميم مدام ريم، واللي هي أبدعت فيها جدًا لحد ما طلعت بالشكل ده. بعد إذنك يا ريم اتفضلي.
تلقائيًا نظرت إلى أخيها بتيهة. أشار إليها بابتسامة أن تصعد وهو يردد بسعادة:
_ روحي يا قلبي افرحي بنجاحك وخليكي واثقة في نفسك، وسيبك من الكسوف الزايد عن اللازم ده، وأنا واقف هنا بتفرج على نجاحك بكل فخر.
شكرته بعينيها بامتنان وتحركت تجاه مالك ووقفت في منتصف الجميع. تهافتت المباركات عليها وتهافت الإعلاميون في التصوير معها وانشغلت بهم، ومالك يقف بجانبها يدعمها ويساندها، وخاصة أنه رأى خجلها الشديد فحاول تشجيعها. فكان مالك مُعدًا لها حملة إعلانية رهيبة انبهرت بها بشدة.
وبعد قليل انتهت من الإجابة على جميع الأسئلة. فاستغل مالك انشغال الجميع وهمس بجانب أذنها بحب مما أصابها بالقشعريرة من همسه:
_ مبروك يا حبيبتي أول نجاح ليكي واحنا مع بعض، والمرة الجاية نحتفل بيه في بيتنا لوحدنا.
وأنهى همسه برقة:
_ ريم أنا بحبك أووووي، ياريت تفكري في الموضوع.
***
في نفس التوقيت وبالتحديد في المركز الطبي الخاص بصديق إيهاب.
التزم الجميع الصمت. وبعد ربع ساعة بالتحديد خرج إليهم طبيب آخر متابع لحالة مهاب وهو يُبطئ في خطواته وعلامات الحزن بادية على وجهه. ذهبوا إليه جميعهم ووقفوا أمامه متلهفين الاطمئنان. إلى أن تحدث إيهاب:
_ في إيه يادكتور؟ مالك وشك ميبشرش بالخير.
أجابه بأسف:
_ للأسف الشديد يادكتور، البقاء لله.
أمسكه إيهاب من تلابيب قميصه مرددًا بفزع:
_ انت بتخرف بتقول إيه؟ انت اتجننت؟!
تحدث الطبيب بأسف:
_ النبض وقف للأسف، وبحاول أنعشه والمحاولات بائت بالفشل.
انهارت فريدة وجميل وجلسوا على الكراسي بإهمال وهم يرددون:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم لا اعتراض. اللهم لا اعتراض.
أما راندا كانت مصدومة ولم يصدق حدسها ما استمعت إليه. وما إن انتبهت حتى شهقت بصوت عالٍ رج المركز بأكمله:
_ ابنننننننننننننننننننني! لااااااااااااااا يااااااااااااارب! ابني مماتش! مماتش!
ثم وجهت أنظارهم تلقائيًا إلى الممرضة التي تهرول إليهم مرددة بأنفاس متقطعة:
_ إحنا قدرنا ننعش الولد يادكتور الحمد لله والنبض رجع لطبيعته تاني. الدكتور هاني مرضيش يسيبه وحاول كتير لحد ما رجع النبض.
اتسعت أعينهم جميعًا لما استمعوا إليه. وسجد جميل وإيهاب سجدة شكر لله يعبرون فيها عن مدى شكرهم لربهم. أما راندا انطلقت مسرعة إلى حجرة العناية وهي تردد:
_ ابني ابني! ألف حمد وشكر ليك يارب.
حاولت فتح الباب لكن الممرضة لحقتها ومنعتها من الدخول:
_ ممنوع يافندم دخول العناية. أرجوكي كده خطر على صحته.
ضربت على صدرها بحدة ثم مدت يداها تشد الممرضة من على باب الحجرة هاتفة بصراخ:
_ بقولك أوعى! أنا عايزة أشوف ابني وأطمن عليه ومش من حقك تمنعيني.
استمعوا جميعًا إلى صراخها للممرضة، فهرولوا إليها جميعًا. أخذها والدها بين أحضانها قائلًا لها بطمأنينة:
_ اهدي يابنتي الحمد لله ابنك بخير ومينفعش تدخلي له. ادعي له ربنا يشفيه وتعالى استريحي شوية.
مسح إيهاب على رأسها بأسى ونطق بنصح:
_ بعد إذنكم يا جماعة، وجودكم هنا دلوقتي ملهوش لازمة. اتفضلوا روحوا، هو كده كده مش هيفوق إلا بعد ٢٤ ساعة على ما يعدي مرحلة الخطر.
هدرت به راندا بحدة وشراسة:
_ أروح مين؟ انت بتقول إيه؟ أنا لا يمكن أسيب ابني لحظة ولا هتحرك من هنا إلا وهو رجلي على رجله.
ربتت فريدة على ظهرها بحنو وأردفت بإرشاد:
_ يابنتي وجودنا هنا ملهوش لازمة، لازم تروحي ترتاحي علشان تقدري تقاومي. وبعدين بنتك مموتة نفسها من العياط هناك، لازم تبقى جنبها برضو تطمنيها.
أشارت برأسها برفض قاطع وتحدثت من بين دموعها:
_ والله ياماما لو انطبقت السما على الأرض ما هروح ولا هتحرك من مكاني إلا لو ابني خارج معايا بخير.
لم يقدروا عليها جميعًا، إلى أن تحدث إيهاب إلى جميل:
_ خلاص يا عمي خد طنط فريدة وروحوا انتوا علشان سما. وأنا وهي هنفضل هنا مش هنتحرك.
أخذ جميل نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء قائلاً برجاء:
_ طيب يابني أرجوك كل لما أكلمك ترد عليا على طول وتطمني عليه.
_ حاضر يا عمي ومتقلقش، بإذن الله هيبقي بخير…. قالها إيهاب بتمني.
أمن الجميع على كلامه وخرج جميل وفريدة من المركز عائدين إلى منزلهم بقلب ينفطر ألمًا. بينما عاد رحيم وريم من العرض ووجدوا سما تنتحب بشدة وعلامات البكاء على وجهها واحمرار عينيها جعلهم ينفطرون رعبًا. هرولوا إليها مرددين في آن واحد:
_ مالك يا سما بتعيطي ليه ياحبيبتي؟ وفين تيتا وجدو وماما والباقيين؟ سايبينك لوحدك ليه؟
ارتمت سما في أحضان خالتها وهتفت بشهقات عالية:
_ مهاب تعب جدًا يا خالته وراحوا بيه المستشفى.
نطق رحيم متعجبًا:
_ مستشفى! ليه ماله؟ إيه اللي حصل له؟ ولا تعبان إزاي؟
كادت أن تجيبهم إلا أن جميل وفريدة وصلوا إليهم. نظر إليهم رحيم قائلاً بعتاب:
_ إنت إزاي يابابا متتصلش بيا وتقولي إن مهاب تعب وفي المستشفى وسايبنا كده مش فاهمين حاجة؟
أجابه جميل بنبرة صوت متعبة:
_ والله يابني كل حاجة حصلت ورا بعضها وكنا متوترين وحالتنا ما يعلم بها إلا ربنا.
سألت ريم بقلق:
_ مهاب ماله يابابا وعامل إيه دلوقتي؟
أجابتها فريدة بنحيب:
_ مهاب تعبان أووووي ياريم، أوووي.
وتابعت نحيبها وهي تضرب بكلتا يديها على فخذيها بحسرة:
_ مهاب مدمن ياريم، مدمن! والإدمان سبب له سكتة دماغية وكان هيموت فيها لولا ستر ربنا.
انصدم رحيم وريم مما استمعوا إليه ولم يقدروا على التفوه، ينظرون إليهم بتعجب شديد وعيونهم متسعة بشدة وكأن الطير أكل رؤوسهم. وبعد استيعابهم للأمر تحدث رحيم:
_ لله الأمر من قبل ومن بعد. مهاب ابن أختي مدمن! والله العظيم ما مصدق.
أما ريم هتفت باستنكار:
_ مدمن إزاي ياماما؟ ده مهاب ولا له في اللف ولا الحوارات دي. إيه اللي جرى له؟
هنا تحدث جميل ناطقًا بإبانة:
_ مش بمزاجه بقى مدمن يا بنتي. مهاب جات له حالة نفسية من فراق والدته ووالده، وطبعًا أختك انشغلت في أحزانها وألمها ونسيت إن ليها أولاد عايزين رعايتها واهتمامها.
سألته ريم وهي تبتلع أنفاسها بصعوبة:
_ بس إزاي يابابا؟ وهي كانت عايشة معاهم ومفكرتش تتجوز تاني وكل حياتها ليهم ووقتها برضه؟
أجابها بهدوء:
_ مين قال لك إن الجواز بس هو اللي بيعطل الست عن تربية ولادها! لا يا بنتي مش زي ما إنتي فاهمه. لازم تعرفي إن وجود الأب والزوج مهم جدًا في حياة الست مهما كانت قوتها. وجوده وسط بيته سند وحماية وأمان.
سألته بتيهة وتخبط:
_ يعني أنا كده يا بابا ولادي ممكن يضيعوا في يوم من الأيام علشان ما لهمش أب؟
أحس جميل بأنه أخطأ أمامها بكلماته، ولكن أجابها بتوضيح:
_ مش كل حاجة يا بنتي. الست ممكن تقدر تتحملها وتحلها لوحدها. لو لقيتي نفسك في يوم من الأيام محتاجة وجود راجل في حياتك يقف معاكي ويسندك ويقبلك بكل حملك، ما تفرطيش فيه. الدنيا مش بتقف على حد وهي مكتوبة علينا ولازم نعيشها طالما ما بنعملش حاجة تغضب ربنا.
جلست بإهمال وهي ترتعب داخليًا مما حدث ومما استمعت إليه، وأصبحت تائهة في عالم آخر تفكر ماذا تفعل في مستقبلها.
***
عودة إلى المشفى حيث يجلس إيهاب وراندا في قلق ورعب شديد. يجلسون مقابل بعضهم في توتر بيِّن على معالمهم. كل منهم ينظر بشرود في اللاشيء، إلى أن التقت عيونهم في نظرة طويلة. نظراته لها تشير إلى الملامة والعتاب، أما نظرتها تلك المرة اختلفت من ذي قبل، نظرة احتياج لا شراسة، نظرة تطلب منه الاحتواء لا الابتعاد. فحدثتها عيونه:
_ ليه أهملتي في ابننا لحد ما وصل للمرحلة الصعبة دي؟
أجابته عيونها بوجع:
_ إنت السبب. انت اللي دمرتنا وفرقتنا.
ضيق عينيه باندهاش وكأنه فهم مغزى نظراتها:
_ مانا جيت لك واتحايلت عليكي، وانتي اللي مصممة على وجعك.
فرت دمعة هاربة من عينيها وأكملت تلك العين عتابها له:
_ كنت موجوعة منك أووي أووي وكنت عايزة أنتقم لكرامتي وكبريائي.
أخذ نفسًا عميقًا وعلى نفس نظراته:
_ سيبتك تفجرى طاقة الوجع اللي جواكي واستنيتك وقاومت أي إغراء علشان أنا بحبك. بس انتي عاندتي واتكبرتي لحد ما كنا هنخسر أعز ما نملك.
وللحديث العيون قوة تضاهي قوة حديث اللسان بل وتزيد، فالعين تفضح المكنون أيا كان.
وجدها غفلت من شدة التعب وذهبت في ثبات عميق. قام من مكانه ودثرها بالغطاء المتواجد في الغرفة وغادر الحجرة وأوصدها خلفه ونبه على العاملين بعدم فتحها نهائيًا. انتهى ذلك اليوم العصيب على الجميع وانتهت الأربعة وعشرين ساعة مرحلة الخطر واستقرت حالة مهاب بفضل الله وبدعوات من حوله. استدعى إيهاب عددًا من الأطباء في تخصص المخ والأعصاب وعلاج الإدمان واهتم بحالة ابنه.
مر ثلاثة أسابيع على تلك الأحداث في تعب وتوتر من الجميع. فريم أخذت إجازة في هذين الأسبوعين كي تبقى بجانب أختها. وكان الجميع يلتفون حولها يهنئونها بنجاة مهاب. وعادت معهم راندا وأبناؤها إلى بيت أبيها كي يراعوا مهاب معها، فهو يحتاج إلى فترة نقاهة وبالتحديد شهرين.
***
أذاعت قنوات التلفزيون والسوشيال ميديا عرض الأزياء والمقابلة التي تمت مع ريم وأصبحت ذات شهرة واسعة. في منزل باهر الجمال كانت هند واعتماد وابنتها التي عادت من سفرها بالخارج، يجلسن جميعًا وهن يتحدثون عن ريم ولما وصلت إليه. فتحدثت اعتماد بحقد:
_ شوفي يا أختي البت واقفة في وسط كام راجل ولا هاممها، دي معندهاش من الاحترام والأدب ذرة.
مطت هند شفتيها بامتعاض وهتفت متمتمة بسخرية:
_ الخياطة بقى ليها شنة ورنة دلوقتي ياحماتي وبقت ولا نجوم السيما.
تنفست بغل وأردفت باستهزاء:
_ ولما هي بقت مشهورة أوي كده وأكيد بتقبض بالدولار، ليه متنازلتش عن القضية اللي رافعاها علينا اللي ماتتسمى؟
هنا تحدثت ابنتها بإبانة:
_ حقها ياماما ومتزعليش من الحق.
رفعت حاجبها وهتفت باستنكار:
_ تك! كسر حقها يختي منك ليها! حق مين والناس نايمين؟ إنتي بتخرفي بتقولي إيه يابت إنتي؟
أجابتها بتأكيد:
_ بقول الحق اللي ميزعلش وإنه لازم يرجع لأصحابه. واسترسلت بنصح: ولعلمك بقى ياماما قضايا الميراث بالذات مبتاخدش وقت في المحاكم وبالتأكيد هيتحكم لها. وخلي بالك كمان من حتة إنها بقت مشهورة وشهرتها عالمية كمان، دي مش مصممة بس دي كمان صاحبة ماركة يعني بقت حاجة عالية أوووي، فاديها حقها اللي هو حق ولاد ابنك بدل فضيحتنا ما تبقى على كل لسان وساعتها هتندمي نفسك وهتقولي ياريت اللي جرى ما كان.
أحست اعتماد بالخوف داخلها ولم تبينه، فتحدثت هند وهي تضع سبابتها جانب فمها:
_ تصدقي عندك حق في كل كلمة قلتيها واحنا مش واخدين بالنا.
وتابعت حديثها وهي تحول أنظارها إلى اعتماد مرددة بتحذير:
_ خلي زاهر يديها حقها وتغور بيه ياماما بدل ما يتفضح ويتقال عليه آكل حقوق ولاد أخوه اللي مات. إحنا عندنا بنات وعايزين نربيهم من غير ما يطلع سمعة وحشة على أبوهم، أبوس إيدك.
وظلت ابنتها وهند يستخدمون معها أسلوب الترغيب والترهيب حتى لانت واقتنعت بمشورتهم، وفورًا أمسكت هاتفها وأبلغت المحامي وزاهر أن يعطوها حقها بالكامل وينهوا ذلك الحوار وهي تستشيط غضبًا وفي اعتقادها انتصار تلك ريم عليها.
***
في تلك المدة زادت علاقة القرب بين مالك وريم، حيث كان يحادثها يوميًا بحجة الاطمئنان على ابن أختها تارة، وتارة يخترع أي أسباب يسألها عن التصميمات. ولكنه أحب محادثتها في الهاتف وكأنه رجع شابًا في مرحلة مراهقته.
وذات يوم كانت ريم نائمة ظهرًا، وأثناء نومها استمعت إلى صوت هاتفها. مدت يداها وأجابت وأعينها مشوشة أثر النوم مرددة بصوت رقيق:
_ الو، مين معايا؟
أحس برعشة في جسده أثر استماعه لصوتها النائم وود لو كان بجانبها وكانت امرأته في تلك اللحظة. وأجابها هامسًا:
_ صوتك حلو أووي وانتي صاحية من النوم، بجد أسرني ودوبني أكتر مانا دايب يا ريم.
اعتدلت من نومها بتوتر شديد لما سمعته أذناها من ذاك المالك الذي لم يترك فرصة إلا ويغازلها. لقد أرهق قلبها وأتعبه بشدة وأصبحت أسيرته، ولكن تعاند حالها وتريد كبت شعورها، ولكن حصاره لها لم يمهلها فرصة. وتحدثت بهمس مغلف بالخجل:
_ مش هتبطل كلامك ده بقى وتفقد الأمل فيا؟
ضحك بشدة على كلامها وأردف بنفي:
_ شوفي لو السما اختفت والبشر انقرضت والدنيا مبقلهاش وجود، ساعتها هبطل أحبك.
أمسكت خصلات شعرها تداعبها بأناملها وعضت على شفتيها السفلية دليلاً على اندماجها لكلماته ونبرة صوته التي اعتادت على سماعها قائلة:
_ وبعدين بقى فيك؟ بطل طريقة كلامك دي، هعمل لك حظر على فكرة علشان أنت مستغل أووي.
كان يستدير بالكرسي حول نفسه بسعادة عارمة لكونه يتحدث معها فقط، فما تكون حالته عند لقائها الأول بين يديه. يحلم كثيرًا بذلك اللقاء وردد بحالمية:
_ حرام عليكي اللي انتي بتعمليه فينا ده يا ريم، والله العظيم حرام. إنتي بتحبيني زي مابحبك بالظبط وبتكابري، بس اللي متعرفيهوش إن المشاعر فضاحة. واسترسل بملامة: كفاية بقى كده وحني عليا ووافقي على ارتباطنا وأنا أوعدك إنك مش هتندمي أبدًا. وخلي بالك، بقولها لك للمرة التانية إنتي كده بتشيلي ذنوبي علشان كل لما أكلمك وأسمع صوتك بتسحر وبتخليني أقول كلام مينفعش يتقال غير من زوج لزوجته. وللمرة اللي مش عارفة عددها بقول لك أنا عايزك تكوني ليا.
ابتسمت على طريقته وكأنها الأخرى عادت ابنة السابعة عشرة عامًا، ثم ألقت كلمتها السريعة وأغلقت الهاتف فورًا:
_ خلاص هفكر.
استمع إلى كلماتها بقلب ينبض فرحًا وعشقًا، وصار بعقله يفكر كيف يكون لقاؤها الأول، بالتأكيد سيكون عاصفة شديدة في ليالي العشق والغرام.
نظرت للسقف بشرود وتيهة، وخطر على بالها رحيم. هي تريد أن تتحدث مع شخص يتفهمها، فأرسلت له رسالة عبر الواتساب:
_ رحيم عايزة نخرج أنا وإنت في مكان هادي، ممكن؟
جاءته رسالتها وهو يهاتف مريم، فاستأذن منها كي يراها. قرأها وابتسم تلقائيًا، ثم أنهى حواره مع مريم وأرسل لها بموافقة:
_ في ربع ساعة بالظبط هكون جاهز ياحبيبتي، يلا جهزي نفسك.
سعدت داخليًا من أجل حنان أخيها عليها، وقامت بنشاط وحيوية كي تأخذ حمامًا منعشًا، وبعد نصف ساعة كانوا متحركين بالسيارة. وصلوا إلى المكان المحبب لها، دلفوا إلى المكان وانتقوا مقعدًا بجانب البحر الذي تعشق الجلوس أمامه.
بعد استقرارهم في المكان أحس بحرجها. تود أن تتحدث معه في ذلك الموضوع، ولكن خجلها يقف عائقًا أمامها. ولكن تشجع قائلًا:
_ أنا حاسس بيكي ياحبيبتي وحاسس بتعبك وجهادك مع نفسك، بس ليه ده كله علشان باهر الله يرحمه اللي بين أيادي ربنا دلوقتي.
واستطرد نصحه كي يطمئنها من نزاعها الداخلي:
_ هو عند اللي خلقه، وانتي لسه عايشة في الدنيا بني آدمة بتتنفسي ونفسك ليها حق عليكي.
نظرت إلى البحر بروح منهكة حاربتها كثيرًا، وأومأت بخفوت:
_ مش قادرة أتخطى وجود باهر لحد دلوقتي، ولا قادرة أتصور نفسي مع راجل غيره يارحيم.
التوى ثغره بحسرة على حالة أخته:
_ ليه ياريم، ليه تعذبي نفسك وتعيشي على ماضي وذكريات وتأنبيها على حاجة ملكيش ذنب فيها؟ وكمان تدفنيها جوه دوامة هتسحب جمال روحك لحد ما تخليكي هشة.
_ طيب أعمل إيه؟ دلني على الصح… قالتها ريم برجاء وهي تنظر إلى أخيها.
ربت على يديها بحنان وأجابها:
_ تدي لنفسك ولقلبك فرصة. تدي لهم حق إنهم يعيشوا، وملكيش دعوة بكلام الناس، ارميه عرض الحيطة. محدش هينفعك وانتي بتضيعي سنين عمرك ورا سراب هيحطمك. عيشي الواقع والحقيقة وافرحي بشبابك طالما مبتعمليش حاجة تغضب ربنا.
سألته بتوهان:
_ طيب تنصحني أبتدي إزاي من جديد؟ وخاصة إني معايا ولدين، لا يمكن هسيبهم أبدًا أيا كانت الظروف.
تنهد براحة نظرًا لأنه على مشارف إقناعها براحتها:
_ أنصحك بأنك لو جت لك فرصة كويسة مع راجل محترم ومتدين يعرف ربنا وابن ناس، توافقي بس بشروطك، وأولهم ولادك وتانيهم شغلك، مانتي مش هتتنازلي عن حلمك للمرة التانية.
تلج الذكريات المحزنة كالمطارق في صدرها وقالت بيقين:
_ أكيد طبعًا، دي أول حاجة هطلبها وأمن عليها كمان.
وتابعت حديثها وهي تفرك يداها بتوتر:
_ طيب إيه رأيك لو كان الراجل ده مستر مالك؟
انفرجت أساريره بسعادة تلقائية وأجابها بموافقة:
_ يا زين ما اخترتي، راجل محترم وشهم وجدع وابن ناس وظروفه تنفع ظروفك جدًا.
واسترسل حديثه مستفسرًا بخفة:
_ احكي لي كل حاجة ودلوقتي حالا. حكم أنا بعشق حكايات العشق والغرام، وخاصة الممنوعين.
ابتسمت بشدة على دعابته وهتفت بعيون تلمعت بالحب فور حديثها عنه:
_ تقريبًا حبني واتعلق بيا من أول ماشافني، ومش بس كده، من قريب اعترف لي بحبه ومش عايزة أقول لك بقى محاصرني في كل مكان، وحتى التليفون.
_ الله الله يا ست ريم، ده انتي عيونك لمعوا وبيطلعوا دباديب أول ما جابت سيرته…. جملة دعابية نطقها ذاك الرحيم بخفة لطيفة.
أحست بالحرج الشديد، رغم أنه يداعبها، إلا أنها خجلت بشدة وأردفت بتحذير:
_ والله لو ما بطلت طريقتك دي لا أقوم أسيبك وأمشي يارحيم.
ضحك بشدة على خجلها وأردف بنفس الخفة:
_ خلاص يا ستي، متبقيش أفوشة كده، خدي وادي معايا. واسترسل حديثه مشيرًا إلى هاتفها: يالا امسكي التليفون حالا وقولي له إنك موافقة تقعدي معاه قعدة مبدئية تعرفوا فيها ظروف بعض، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
اعترضت على كلامه بشدة:
_ إيه ده؟ أكلم مين؟ مش بالسرعة دي، اهدى كده.
خطف الهاتف من أمامها قائلاً بتهديد:
_ هو انتو كده الستات تموتوا في المحايلة وتبقى نفسكم في الحاجة وتتمنعوا وأنتم الراغبات. واسترسل بوعيد: هتكلميه ولا أبعت له أنا رسالة دلوقتي من على تليفونك ومش عايزة أقول لك بقى هتبقى رسالة غرامية بحتة أبل بيها ريق الراجل اللي نشفتيه معاكي.
مطت شفتيها باعتراض وأردفت بمحايلة:
_ لااااا بالله عليك ما تعمل كده، وأنا خلاص هكلمه.
تحدث شارطًا:
_ هتكلميه دلوقتي وقدامي.
أومأت برأسها بموافقة وهي تبتسم. أعطاها الهاتف، وبيدين مرتعشتين طلبت رقمه ولم تنتظر أكثر من رنتين حتى أجابها قائلاً:
_ مش مصدق نفسي والله! ريم هانم المالكي بتتصل بيا بذات نفسها؟ ده بايني القمر طلع بالنهار وأنا مش واخد بالي.
أحس رحيم بخجلها الشديد وأشار إليها بتشجيع أن تستمر في الحديث. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وألقت كلماتها:
_ أنا موافقة نقعد مع بعض مبدئيًا كده، واللي عايزه ربنا هو اللي هيكون.
قالت كلماتها وأغلقت الهاتف فورًا وصارت تتلفت حولها يمينًا ويسارًا من شدة خجلها.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطيما يوسف
في منزل هيام الجوهري، في الساعة الثانية صباحًا، تدلف إلى شقتها. وما إن دخلت حتى قام زوجها واقفًا أمامها، وربع يديه حول صدره، قائلاً بهدوء ما قبل العاصفة:
"والله عال يا ست هيام، بقي وصلت بيكِ الجرأة إنك ترجعي البيت الساعة دي؟"
واستطرد كلماته بنهر، وروحه زهقت منها وما عادت قادرة على الاحتمال:
"خلاص الكيل طفح منك ومبقتش قادرة أستحمل أكتر من كده. أنا نفسي أعرف انتي صنفك إيه بالظبط."
ثم وجد نفسه صافعًا إياها على وجهها بعنف، وكأنه بتلك الصفعة ينتقم لعمره الذي أضاعه معها، وأكمل مرددًا وهي على صدمتها:
"انتي طالق، واتفضلي اطلعي بره. روحي مطرح ما كنتِ ومش عايز أشوف وشك تاني."
لم تتحرك مشاعر الحزن لديها فور استماعها لتلك الكلمة، والتي تنهي ميثاقًا غليظًا بين ذكر وأنثى. فوقع تلك الكلمة على أي امرأة يزلزلها، بقدر ما أزعجها ضربه لها، وجعلتها تنظر له بشر. ثم رفعت حاجبيها وأردفت بغل:
"هندمك عليه القلم ده أوي يا رامي، وهدوقك معنى إنك تطردني من بيتي في أنصاص الليالي وأنا عاملة نصه بفلوسي معاك يدًا بيد."
نظر إليها باشمئزاز، هادرًا بها:
"فلوس مين يا طماعة؟ ده انتي خاربانى وساحلاني معاكي ببرانداتك وعربياتك ومجوهراتك علشان المنظرة الكدابة بتاعتك. ده انتي اللي مديونالي بشبابي اللي ضاع معاكي. ده انتي من اللي الرسول صلى الله عليه وسلم قال عليهم: 'يكفرن العشير'، وانتي طبعًا مش هتعرفي معناها علشان انتي فارغة."
ثم أولاه ظهرها وهدر بها بحدة:
"اتفضلي يالا علشان البيت ينضف، وليا كلام مع أخوكي الكبير علشان نفضها سيرة."
رفعت رأسها بكبر، معتادة عليه دائمًا، مرددة بغل:
"تمام يا روميو، بس مترجعش تندم وتقول آه من اللي هعمله فيك."
"أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت الجوهري."
جملة استفزازية نطقها ذاك المهدر حقه مع تلك الشيطانة. غلى داخلها من استفزازه لها، وخرجت كالإعصار قبل أن يطردها بيده، فهي تخشى على منظرها أن تهان، وهي تردد داخلها بوعيد:
"والله لأربيك وأعلمك إزاي تعمل كده في هيام الجوهري."
ثم انطلقت مسرعة بسيارتها وتوجهت إلى بيت والدتها وهي في قمة الغليان. وفور دلوفها المكان أحست بها والدتها فارتعبت بشدة. هرولت إليها قائلة برعب:
"إيه ده يا هيام؟ إيه يا بنتي اللي جايبك الساعة دي؟"
لوت شفتيها بامتعاض وأردفت وهي تدعي نبرة الحزن:
"رامي يا ماما غدر بيا وطلقني وضربني وأهانني جامد أوي."
ضربت والدتها على صدرها وهتفت باندهاش:
"طلقك! طلقك يعني إيه يا هيام؟"
"طلقني يا ماما، هي ليها معنى تاني." قالتها تلك الشمطاء بلا مبالاة، وتابعت بغل:
"ومش بس كده، ده طردني من بيتي في أنصاص الليالي عديم النخوة والرجولة."
سألتها والدتها باستغراب:
"طلقك وطردك من الباب للطاق كده يا هيام؟"
واسترسلت استفسارها بإحساس أم:
"عملتي فيه إيه؟ خرجتيه عن شعوره خلاكي تطلقي وترميه في ساعة زي دي؟ أصل رامي جوزك غلبان غلب السنين، ده عشرة عمر وأنا عارفاه كويس جدًا."
أشاحت بيديها وأردفت باعتراض:
"آه، انتي هتدافعي عن بنتك الوحيدة ولا هتقفي في صفها! مانا عارفاكي هتاخدي صفه. وقال على رأي المثل: 'ضربني وبكى، سبقني واشتكى'."
وتابعت كلماتها اللاذعة وهي تصعد الأدراج، متمتمة بكلمات أثارت شك والدتها:
"أنا طالعة أنام ومش ناقصة صداع علشان خاطر واحد ميسواش رماني في أنصاص الليالي."
نظرت تلك العبير إليها بأسى، وقلبها يئن وجعًا من تلك المتجبرة المتمردة، ودخلت إلى غرفتها تؤدي فريضة قيام الليل بعد أن جافاها النوم لما حدث.
***
تجلس ريما ووالدها في مكانهم المفضل، ألا وهي حديقة المنزل. لاحظ توترها الشديد من فركها ليديها، وأنها تود أن تحكي له شيئًا ما ولكنها مترددة خجلًا. ربت على ظهرها بحنان وتحدث بعينيه متفهمًا:
"احكي لي وقولي كل اللي عندك، وأنا كلي أذان صاغية يا قلبي."
فركت يديها بتوتر وتفوهت بخجل:
"أصل في موضوع عايزة آخد رأي حضرتك فيه ومتوترة شوية."
طمأنها بعينيه أن تتحدث دون خجل، فتشجعت وقصت عليه طلب مالك وإلحاحه عليها. فرح داخله لأجل صغيرته، فمهما حدث هي ابنته، وكل أب يحب أن يرى أولاده في ارتياح مهما حدث. فردد متسائلًا:
"طيب وانتي إحساسك من ناحيته ارتياح ولا إعجاب؟ واتكلمي مع أبوكي من غير ما تتكسفي، كأنك بتتكلمي مع نفسك."
ابتلعت أنفاسها بصعوبة من شدة الخجل، ولكنها تحتاج مشورة أبيها بشدة:
"مش عارفة يا بابا. ساعات بحس إنه ارتياح، وساعات بحس إنه إعجاب. لما بيكلمني ببقى مرتبكة أوي، ولو عيني جت في عينه صدفة ببقى مكسوفة جدًا ومش عارفة أعمل إيه."
ابتسم لها بحنو وتحدث شارحًا:
"طبيعي إن يكون فيه تخبط جواكي، وطبيعي برضه إنك تكوني حبيتيه وعمالة تلومي في نفسك علشان عايزة تدفني الحب ده قبل ما يتولد."
اتسع بؤبؤ عينيها بانبهار لفهم أبيها عليها بتلك الدرجة، وهتفت باندهاش:
"هو انت إزاي يا بابا بتفهم عليا كده وبتوصل لأعماق تفكيري بالدرجة دي؟"
أجابها ببساطة:
"قلب الأب دليله على ولاده، وبيكون عارف شخصية كل واحد فيهم كويس جدًا. وأنا عارفك يا بنتي، دائمًا نفسك لوامة، ودايمًا بتحبي تعاقبيها على كل حاجة صغيرة وكبيرة."
واسترسل حديثه بوعي:
"لكن يا بنتي، نفسك برضه ليها عليكِ حق، والميل القلبي والمشاعر ملناش تحكم فيهم، كله بإيد ربنا سبحانه وتعالى. فتوكلي على الله، صلي استخارة مرة واتنين وشوفي أمر الله إيه."
ارتاحت بشدة من كلام والدها وقامت من مكانها وارتمت في أحضانه وهي تقبل رأسه ويديه بامتنان. ثم تذكرت أمرًا ما جعلها ترتعب بشدة، فسألت أباها:
"طيب وولادي يا بابا؟ هياخدوهم مني لو فكرت بس في الجواز؟ وأنا يستحيل أفرط فيهم."
فكر قليلًا قبل أن يجيبها، ولكن فكرة ما جالت في عقله. ولما اختمرت الفكرة برأسه، أخبرها بها:
"على فكرة، فيه حاجة مهمة انتي متعرفيهاش، وهي إن المحامي تبع والدة باهر كلمني وطلب مني الصلح، وهما هيدوكي حقوقك وحقوق ولادك بالكامل، وطلب مني أشوف وقت بسرعة قبل الجلسة علشان تتنازلي."
لم يهمها ذاك الأمر الآن، كل ما يشغلها مستقبل أبنائها بجانبها. وقالت بلا مبالاة:
"مش مهم الموضوع ده دلوقتي يا بابا، بعدين. أنا دلوقتي عايزة أعرف مصير ولادي إيه بالظبط؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء وأجابها:
"إزاي بقى؟ ده صلب الموضوع."
انتبهت بشدة وتساءلت بتعجب:
"إزاي يعني يا بابا؟ مش فاهمة؟"
اعتدل بجلسته وتحدث بدهاء:
"هسألك سؤال الأول، الفلوس تفرق معاكي ولا ولادك، وانك تبني حياة جديدة من غير ما تكوني شايلة هم؟"
أجابته بدون تفكير:
"فلوس إيه يا بابا؟ دي ولا كنوز الدنيا تكفي إني أعيش أنا وولادي آمنين مطمنين إن محدش هيجي ناحيتنا."
أشار برأسه استحسانًا لردها الذي أعجبه وتحدث:
"عمري ما شكيت في قناعتك لحظة. بصي يا ستي، إحنا نرد عليهم إننا هنكمل القضية وكل شيء يمشي قانوني لحد ما نرعبهم شوية، وبعدين لما يجروا هما ورانا ويتحايلوا شوية نروح بقى عاملين إيه؟"
أشارت إليه بعينيها أن يكمل، وهي منتبهة له كليًا، فتابع حديثه:
"نعرض عليهم عرض إنك هتتنازلي عن ميراثك كله انتي وولادك مقابل تنازلهم عن حقهم في ولادك في أي حالة، وهما طماعين وهيوافقوا."
أحست بالأمل الطائف يغدو أمام ناظريها وسعدت داخله، وسألت بتوتر:
"وهما هيوافقوا يا بابا ولا ممكن يرفضوا؟"
أجابها باستحسان:
"والله لو وافقوا كان بها والمشاكل هتخلص. لو موافقوش، كده كده لو اتجوزتي الولاية من حق الجدة لأم وهي والدتك طبعًا. بس أنا بخرجك من شر اعتماد وباهر خالص وألاعيبهم، وتغور الفلوس."
أشارت برأسها بموافقة وأردفت بتأكيد:
"تمام يا بابا، توكل على الله. اعمل اللي فيه الصالح ليا."
أشاد إليها بتحذير:
"تمام، نقفل سيرة مالك نهائي ومش عايزين أي حد يحس بأي حاجة لحد ما نخلص من الموضوع ده، وبإذن الله في أقل من أسبوع هيكون خلصان."
وافقت على كلام والدها وتحذيراته كي تنأي بأبنائها ونفسها وتعيش في سلام نفسي.
***
وعلى صعيد آخر، تحسنت صحة مهاب بشكل واضح، مما جعل نفسية راندا تتحسن بشدة. في يوم ما، استأذن إيهاب جميل أن يجلس مع راندا وحدهم كي يصلح معها الأمور، وأخبره أنه ناوي تلك المرة على الرجوع بكل تصميم منه، وأنه سيفعل المستحيل، فأذن له جميل.
في ذاك اليوم عصرًا، صعد جميل إلى غرفة ابنته راندا. دق عليها الباب مستأذنًا الدخول، فقامت من مكانها مسرعة وفتحت له ذراعيها تحتضنه، فقد كان في أزمتها أبًا وأخًا ورفيقًا أهداه القدر إليها. فحقا هي فخورة بكون ذاك الخلوق الرائع أباها. شدد هو على احتضانها وأردف بحنو:
"حبيبة بابا، أخبارك إيه يا عمري انتي؟"
ربتت تلك الأخرى على ظهره بحنان بالغ وأجابته:
"بخير جدًا الحمد لله يا بابا. ربِ ما يحرمني منك ولا من وجودك في حياتي يا أحن أب في الدنيا."
نظر لها نظرة مطولة ثم سحبها من يديها وأغلق الباب خلفه، مرددًا بعمق:
"بس أنا وجودي لوحدي في حياتك مش كفاية يا بنتي، وأظنك جربتي."
تساءلت ملامح وجهها جميعها ونطق لسانها:
"يعني إيه يا بابا؟ مش فاهمة؟"
أجابها بوضوح:
"يعني مش كفاية عند وعقاب لنفسك وولادك قبل جوزك يا بنتي؟"
انفعلت بشدة عندما ذكرها أبوها بذاك الموضوع، وخاصة أن توضيحه للأمور دائمًا ما يكون هي المخطئة في نظره وليس هو. وتحدثت بنفي:
"طول ما انت محملني الذنب لوحدي يا بابا، هفضل راكبة دماغي."
تأفف بامتعاض لحماقتها:
"انتي ليه مصرة على الغلط يا بنتي؟ طيب ربنا اداكي المرة دي درس في ابنك وبنتك شنيع علشان تفوقي، وكان أثر الدرس عليكي مريب. المرة الجاية عقابه هيكون أقوى ومش هتقدري تتحمليه."
ضربت على قدميها بحدة وشراسة ورددت بدموع هبطت تلقائيًا من عينيها:
"يا بابا حرام والله تشيلني ذنب ولادي كمان في اللي جاي. مش كفاية اللي فات، والله ده ما يرضي ربنا أبدًا."
قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا:
"هو انتي لحد دلوقتي مش مقتنعة بغلطك، وإن رد الفعل ما هو إلا نتاج الفعل؟"
واسترسل وهو يحثها بعينيه بحنان:
"والله يا بنتي أنا مش عدوك ولا عايز أغلطك وخلاص. وبعدين أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة. وأنا حذرتك كتير ومكنتيش بتسمعي كلامي. جربي بقى المرة دي واديله فرصة تانية وشوفي النتيجة، وساعتها هتعرفي إن أبوكي أبو شعر شيبه الزمن من اللي عاشه عنده حق في كل حاجة."
أومأت له بخفوت:
"فرصة تانية! ودي أديهالو ليه؟ إيه السبب اللي يجبرني أرجع لخاين وأنا من صغري عارفة إن الخاين لا يؤتمن."
تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها:
"لأسباب كتييييرة أوي يا راندا. أولهم إنك لسه بتعشقيه، وآخرهم إنك هتفضلي تعشقيه لحد ما تموتي. مش هقول لك بقى ولادك محتاجينه ومستقبلهم محتاجه، وراحتكم وهدوئكم النفسي محتاجينه. كل حاجة بتقولك سامحي واغفري، والعفو عند المقدرة."
وتابع كلماته بقوة كي يحفزها:
"وعلشان أنا اللي مربياكي عارف إنك قادرة وصاحبة عزم شديد، ومربياكي على إن الصفح والعفو من شيم الكرام يا بنتي. ربنا قال في سورة فصلت: 'وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34 وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 35'. يعني دائمًا خلي بداية الخير من عندك، وربنا وعد اللي هيعمل كده إنه ذو حظ عظيم."
فحدثت حالها بتيهة وهي شاردة أمام أبيها، ونظر إلى شرودها بصبر كبير، تاركًا لها مساحة الفكر والتدبر:
"يا إلهي! لقد أنهكت روحي من كل تلك النزاعات داخلي وما عدت أتحمل. يا إلهي أرشدني كيف يكون الصفح وعيني لا تراه إلا خائنًا؟ وكيف يكون العفو وقلبي عند مشاهدة خيانتي وكأنها كانت توا لا يراه إلا ذابحًا لكلي؟ أخبرني كيف أتعود المشهد ومن أين يأتينى الصبر ولماذا أرهق حالي في العودة؟ وليكن نداء السماء إلى قلبي: إنه الحب اللعين، بل العشق المتين الذي لم يقدر الزمان والمكان على الفراق. فحسنًا أعود ولأرى هل لعودتي لذة واشتياق ستدوم معي حتى الافتراق إليك ربي أم ماذا."
ترجاها أبوها بعينيه، فهتفت بقلب متوجع:
"تمام يا بابا، هقعد معاه الأول وهاخد كل ضماناتي، وبعدين هقرر."
"يااااااه يا بنت قلبي اللي وجعتيه عليكي." رددها جميل بروح منهكة، وأكمل بخفة كي يجعلها تبتسم:
"خصامك صعب أووووي وعقابك مدمر. والله الله يكون في عونك يا إيهاب."
ابتسمت على خفة أبيها وقبلته من يديه قائلة بامتنان:
"بشكر ربنا إنك بابا، وبدعيه يخليك ليا وميحرمنيش منك يا حبيبي."
رد لها قبلتها في جبهتها وأخبرها بموعد مجيء إيهاب لكي تستعد. ونظرت له بدهشة لأنه كان واثقًا من موافقتها. ورأي دهشتها تلك وعلم ما سرها وكشفها:
"أيون، كنت واثق موافقتك. وبعدين ده استدعاء ولي أمر مني ليكي، وواجب عليكي التنفيذ والطاعة."
بعد أربع ساعات، وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءً، جاء إيهاب بقلب يسبقه اشتياقًا إلى محبوبته. ولما لا، فكل النساء في عينيه هي، ولا يرى غيرها. استقبله جميل وفريدة، وهبطت راندا الأدراج وهي في قمة جمالها وأناقتها، مما جعل أنظاره تتعلق بها ولا ترى غيرها.
بعد دقائق معدودة، تركهم جميل وفريدة يجلسون وحدهم كي يتصافوا ويهدأوا، وتعود المياه إلى مجراها، والأمور إلى نصابها الصحيح. تحدث إيهاب بعينيه تلمع عشقًا:
"شوفي إزاي بتبقي جميلة وانتي هادية ورايقة. وحشتيني يا قلب مهاب."
زَمّت شفتاها وأنصتت ببصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة:
"تؤ تؤ، مش هنبدأها كده يا إيهاب. لسه بدري."
رفع حاجبيه بتلاعب وأردف ماكرًا:
"شوفي نبدأها إزاي يا قلب إيهاب يا عمر إيهاب، وأنا معنديش مانع."
أخذت وتيرة أنفاسها صعودًا وهبوطًا تأثرًا من نبرته، وتحدثت بتوتر:
"أنا لسه موافقتش على فكرة إني أرجع لك علشان ما تبنيش أوهام وتعيش عليها، وأنا مبلغة بابا بكده على فكرة. هو مقالكش؟"
ابتسم بحالمية حتى ظهرت تلك الغمازات، وتحدث هامسًا:
"قال لي طبعًا. قال لي راندا مش بس بتحبك، دي بتعشقك يا إيهاب وبتموت فيك، ومستنية تاخدها لأحضانك وتسقيها من حنانك، بس مكسوفة."
اتسع بؤبؤ عينيها وقامت من مكانها مرددة بتحذير:
"تمام، طالما دي هتفضل طريقة كلامك، هستأذن أنا بقى واعتبر المقابلة انتهت."
بحركة عفوية منه، أمسكها من يديها قائلًا بعيون مترجية مليئة بالعشق:
"أرجوكي كفايةبعاد وماتمشيش. أنا تعبت من الجري وراكي يا عمري."
رعشة، لا بل كهرباء اجتاحت جسدها بالكامل من لمسته ليديها. مجرد لمسة يد دغدغت مشاعرها وجعلت أوصالها جميعًا ترتبك. وكأن رعشة جسدها وفيض إحساسها وصله من دفء يديها في يده، وتحدثت عيناه بغرام:
"لا لن أتركك تلك المرة تذهبين. وفي محراب العشق لن أستكين. فذاك القلب وتلك الأحضان وهذه العين وهذا الجسد، جميع هؤلاء لكي عاشقين. لا تهربي، فقناع الجمود الذي تتصنعيه خانك وتبدل بقناع الاشتياق لي، فأنتِ أيضًا باقية على ميثاق المحبين."
ابتلعت أنفاسها بصعوبة وجلست مكانها دون إدراك ووعي، ويداه ما زالت تتمسك بيدها، وأجابته عيناها:
"كيف خنتيني يا قلبي؟ من لمسة من يديه، لمسة واحدة فقط أفقدتني صوابي وتهت في دنياه. أتذكر أني كنت بين يديه عاشقة مغرمة ولهواه متيمة، وفي سمائه هائمة، وأصبحت الآن لا أمتلك إلا نظرة من عينيه. ولكن الأنا تعاتبني على العفو إياه وتلومني على الضعف، وأنا فقط أتلمس يديه. ولكن جسدي خانني وإحساسي فضحني، وما عدت أتحمل بعده وأشتاق للقاه."
شدد من احتضان يديها قائلًا بعشق:
"تتزوجينني يا راندا، ونبدأ حياة جديدة مع بعض؟ ما إحنا يعتبر معشناش القديمة أصلًا غير أيام معدودة في سنين كتيرة؟"
أجابته بخوف:
"بس أنا خايفة يحصل لنا زي ما حصل قبل كده، والأمان بقى ضايع عندي. والمرة الجاية لو حصل اللي حصل، هتبقى القاضية عليا."
طمأنها بحفاوة:
"لاااااا، مرة تانية إيه؟ خلاص مفيش غيرك أولى وأخيرة، وصدقيني عمري ما هشوف غيرك، وأصلًا في وجودك جنبي مش محتاج حاجة تفرحني وتسعدني أكتر من كده."
بلسان يرجف خوفًا:
"متأكد من وعودك؟"
بكل تصميم أجابها:
"وعد الحر دين عليه، ومش هيتنقض غير بموتي."
بغمزة مباغتة من عينيه، أشار لحماه أن يدخل هو والمأذون كي تستقر الأمور في نصابها الصحيح، وسكنت السندريلا قلب الأمير من جديد. بعد وقت ليس بقليل، انتهى المأذون من كتب كتابهم، واحتضنها إيهاب بقوة هامسًا بجانب أذنيها:
"وأخيرًا يا قلبي رجعتي حرمنا المصون، ومكانك بعد كده هنا، ومافيش مفر من هنا."
كان يحادثها وهو يشدد من احتضانها. تهافتت المباركات عليهم من ربى ورحيم ووالديها. أما أبناؤها كانوا نائمين، وعندما استمعوا إلى أصوات الزغاريط، هرولوا مسرعين الأدراج لكي يعرفوا ما معناها. وقبل أن يهبطوا آخر درجتين، وقفوا متسمرين لما رأته عيونهم، حيث كان المأذون خارجًا من الفيلا، ووالدهما يحتضن والدتهما بتملك. فتحدثت سما لأخيها بعدم تصديق وعيناها مثبتة على أبويها:
"إنت شايف اللي أنا شايفاه ولا أنا بيتهيألي؟"
أشار لها برأسه مردفًا بتوهان:
"آه شايفه، بس بتأكد برضه."
استمع إليهم جدهم جميل، فساقته قدماه إليهم وهو يفتح لهم أحضانه على وسعها مرددًا بفرحة:
"حبايب جدو ونور عيونه، مبروك عليكم الأمان، مبروك عليكم رجوع بابا وماما."
احتضنوه بشدة، ودموع عيونهم هبطت تلقائيًا بغزارة، ولكن دموع الفرحة. أحسوا بهم والداهم فانطلقوا إليهم واختطفوهم إلى أحضانهم وهم يقبلون رؤوسهم. وأردف إيهاب قائلًا:
"حبايب بابي، من بكرة هنرجع فيلتنا كلنا مع بعض، وخلاص مش هنفترق عن بعض تاني أبدًا."
تحدث مهاب بفرحة:
"بجد يا بابا؟ يعني مش هتسافر وتسيبنا تاني؟"
أجابه برفض قاطع:
"لاااااا، سفر إيه؟ لو هناكلها عيش وملح مع بعضنا، عمري ما هسيبكم ولا هبعد يا حبايبيي أبدًا."
أما سما كانت فرحتها ناقصة، ولم تشعر بالأمان بعد. أحست أنها تغيرت وتبدلت، ولكن مثلت الفرحة وداخلها لامبالاة. بعد مدة قضوها مع بعضهم، استأذن إيهاب جميل أن يأخذ راندا ويذهبا، وغدًا سيأتون لكي يأخذوا أولادهم بعد ترتيب أمورهم وجمع أشياءهم، فأذن له.
***
أخذها إيهاب وانطلق بها إلى فندق كان حاجزًا فيه جناحًا، وكأنه كان متيقنًا رجوعها اليوم كي تسكن أحضانه. انتهوا من الإجراءات وصعدوا إلى الجناح، وفور دلوفهم المكان احتضنها إيهاب بين يديه باشتياق، وأخذ يلف بها المكان بسعادة عارمة، ثم رفعها أعلى وصارت قدماها معلقة في الهواء وهو يدور بها ويشدد على احتضانها بتملك. وأما هي فكانت تبادله نفس الاشتياق بنفس الطريقة. أنزلها أرضًا ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها، وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا بندم:
"حقك عليا يا حبيبتي، وأوعدك إن مفيش حاجة هتضايقنا بعد كده، وإني مش هسيبك ولا هسيب الأولاد لحظة بعد كده، وحياتنا الجاية بإذن الله مش هفارق حضنك أبدًا."
وضعت كفي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتي ذاك العاشق لها، وتحدثت بحب صادق ظهر بيّنًا داخل عينيها:
"متتصورش أنا قضيت الفترة اللي فاتت دي إزاي. كانت أيامي عبارة عن جحيم وتشتت على الأرض. أنا عشت عمري كله وفتحت عيوني على حبك يا إيهاب، ونفسي صعبت عليا من اللي حصل منك وصدمتي صدمة عمري."
وضع كفي يديه على شفتيها يمنعها أن تكمل حديثها عن ما مضى، وتحدث هامسًا بحب:
"مش عايزين نفتكر اللي فات خالص، ونعتبره صفحة نطويها من حياتنا. ومش يمكن ربنا عمل كده معانا علشان يحطنا في اختبار يشوف فيه مقدار حبنا، وإننا مهما حصل ومهما مررنا بأزمات مينفعش نبقى غير لبعض."
تحسست وجنتيه بظهر يديها مرددة برقة:
"وقدرت تضحك على راندا وتسحبها وراك في لمح البصر، كأنك ساحر قلوب."
وضع كلتا يديه حول رقبتها مرددًا بغرام وهو ينظر داخل عينيها:
"مش سحر يا حبيبتي، ده إحساسي بالحب وصل لك وتأكدتي منه، علشان كده قلبك دلك إنك ترجعي لسكنك من جديد. وحشتيني أووووي أووووي، ومش كفاية كلام بقى ولا معارك الحب بتاع إيهاب، موحشتكيش؟"
ابتسمت برقة وأردفت بعيون عاشقة:
"أنا عشت حياتي كلها وأنا بتمنى لقاك، بس كنت غبية ومتعلمتش الدرس بسهولة."
حزن لأجلها ولام روحه على جرحها، ولم يجد أرقى اعتذارًا لها إلا أن يلتقط شفتيها في قبلة عاصفة بهم تداوي بها حرمان أجسادهم من ذاك العشق. وانطلق العاشقان في معركة الحب الذي لم يتذوقوا به قبل ذلك كتلك اللحظة.
***
توالت الأيام وعادت راندا وإيهاب لحياتهم الطبيعية، ولكن إيهاب كان يحتويها بشدة نظرًا لجراح روحها منه، فكان يتحمل نوبات عصبيتها وأي شيء تفعله. أما عن ريم، فتتدلل على مالك بشدة لترى أيصبر عليها أم سيمل، وتختبر قوة حبه لها، ولم تخبره إلى الآن بموافقتها المبدئية. نأتي هنا لثنائي العشق مريم ورحيم، فاليوم سيتم كتب كتابهم بعد أن أجلّوه كثيرًا بسبب نوبة مهاب الذي بدأ يتعافى من إدمانه.
تحدث رحيم بعشق:
"حبيبة قلبي، خلصت الميكب بتاعها ولا لسه؟ إحنا جايين في الطريق."
أجابته بعشق مماثل:
"حبيبك خلصت ومستنياك يا قلبي، متتأخرش."
أجابها بمشاغبة:
"أنا أقدر أتأخر على قلبي، كلها ربع ساعة بالكتير بإذن الله وجاي لك يا قمر. أوعي تكوني مأفورة في الميكب ولا اللبس ضيق ولا الحوارات دي؟ أنا دماغي مقفلة خالص وهقلبها لك مناحة، انتي حرة."
مطت شفتيها بدلال وأردفت بنبرة عتاب مفتعلة:
"الله بقى يا رحيم، النهارده كتب كتابي على فكرة، متأفورش بقى وتبوظ فرحتي. وبعدين احنا عاملينه في الشقة مش في قاعة علشان تبقى أفوش كده."
استمعت إلى أنفاسه الغاضبة جراء عتابها الذي لم يؤثر فيه، وهتف باستنكار:
"آه، ده انتي باين إنك روّقتي حالك على الآخر وقلتي بقى أما أحطه قدام الأمر الواقع."
واسترسل بهدوء حينما استمع لتأففها وردد بحب:
"روما يا قلبي، أنا مش عايز حد يشوف جمالك غيري، ولا تلفتي انتباه حد غيري. أنا بغير عليكِ جدًا ومش بحب حد يبص لك نظرة كده ولا كده، بولع يا ستي من جوايا."
وظلا يتحدثان، كل منهم يغازل الآخر. وصلوا تحت البناية وصعدوا إلى شقتها، فكانت صديقاتها في استقبالهم والمكان مزين بالبالونات المنتفخة ذات الألوان المتعددة، وصنعوا لها مكانًا مخصصًا لهم من الورود، فحقا المكان كان مبهرًا. أما هو، فلم ينظر إلى شيء في المكان، كل ما يشغله عيناه التي تدور تبحث عنها في أرجاء المكان باشتياق. لاحظت صديقتها لهفته، فتحدثت وهي تشير تجاه غرفة الاستقبال الجانبية:
"هي جوه، هي والميكب أرتيست مستنياك، ادخل لها."
ساقته قدماه بدقات قلب لكي يرى ساحرته التي اختطفت عيونه من أول وهلة. للحظة يسرح بخياله أنه في حلم، وللحظة أخرى لم يصدق حدسه أنه أخيرًا وجد الحب في تلك الجميلة. دخل المكان وجدها تعطيه ظهرها، أحست بوجوده فقد نفذت رائحته المحببة إلى قلبها وعبرت أنفاسها ببراعة. أخذت نفسًا عميقًا كي تستنشق رائحته التي تأسرها وتعشقها منذ أن وقعت بين يديه من أول وهلة رأته فيها. ذهب كي يقف مقابلها وقام بلمس أكتافها من الخلف كعلامة على وجوده، ولكنها لفت جسدها وأعطته ظهرها. دار حولها كي يتنعم برؤياها، ولكنها صارت تلتفت حتى أرهقته بمشاغبتها. ولكنها أشْفقت عليه وأخيرًا طلت عليه بجمالها الأخاذ، وما إن رآها حتى انشق قلبه من شدة دقاته لتلك الجميلة، فحدثتها عيونه:
"كفى طلتك الأخاذة تلك، فقد انشق قلبي من دقاته، وعيوني انسحرت من جمالك يا أميرة أيامي، وعقلي لم يصدق أنك ستكوني أنثاه بعد قليل وتنيري زماني."
أما هي، بدأت نظراتها بابتسامة ثم تحولت إلى غرام ثم إلى راحة اجتاحت جسدها بالكامل من وجوده، ثم شكرت إلى ربها على عطاياه الرائعة. لم يريد احتضانها ولا حتى لمس يديها، وفضل ذلك بعد أن تصبح زوجته لكي ينعم بحلال أحضانها. أومأ إليها بهمس:
"قمررر يا قلبي أنا."
واسترسل وهو يفسح لها المجال كي تتحرك جانبه قائلًا برقة:
"اتفضلي يا أميرة أيامي، المأذون وصل وكله مستني طلة السندريلا."
علا في أنظارها نظراً لاحترامه لها، فقد عاملها كمعاملة الأميرات اللاتي تدللن من قصر أمير، ولم يعاملها كيتيمة تربية الملاجئ، فحقا عوض الله لم يضاهيه عوض. خرجا الاثنان في مشهد يخطف الأنظار، فحقا ذاك الفارس يليق بتلك المهرة. سلم عليها الجميع باحتضان حار، حتى فريدة احتضنتها بحب وأردفت لها بمباركة:
"مبروك يا حبيبتي، هتنوري عيلتنا يا قمر انتي."
بادلتها أحضانها بنفس الحب وردت:
"الله يبارك فيكي يا طنط، ومنحرمش منك أبدًا."
"طنط مين دي يا بنت..." جملة اعتراضية مغلفة بالخفة قالتها فريدة وتابعت بابتسامة:
"أنا من النهارده ماما فريدة، شكلك شكل ريم وراندا ورحيم."
اقتحمت مريم أحضانها وعيناها تلمع دمعًا من شدة التأثر من تلك الكلمة، وأومأت بخفوت بجانب أذنيها وهي تشدد من احتضانها:
"بجد يا ماما؟ تسمحي لي أقول لك الكلمة اللي اتحرمت منها عمري كله؟"
اقشعر بدن تلك الفريدة من همسها ودق قلبها وجعًا، فشددت الأخري على احتضانها وهتفت بتأكيد:
"بجد يا قلب ماما، وشرف ليا كمان."
فلننتبه هنا لحظة ولننظر بعين الحرمان للمحروم، ولتقشعر أبداننا، فأبسط الأشياء حولنا هي نعم كثيرة لا يشعر بها سوى ذاك المحروم، ولكن علينا أن نشكر الله حتى على أنفاسنا التي خرجت منا بسلام. تأثر الجميع بذاك الموقف، فتحدثت راندا وهي تخرجها من أحضان والدتها باستنكار:
"جرى إيه يا ماما؟ جرى إيه يا رومي؟ هتبوظي الميكب ياحلوة انتي ياعروسة الغالي، مش عايزين نكد بقى، كفاية علينا كده."
ثم أخذتها في أحضانها كي تبارك لها، وتبعتها ريم قائلة برقتها المعهودة:
"مبروك يا حبيبة قلبي وربنا يتمم لك على خير يارب."
واسترسلت وهي تديرها حول نفسها كالأميرات:
"مش أنا اللي مصممة الفستان ده، بس ما كنتش أعرف إنه هيبقى قمر كده، وانك اللي هتحليه مش هو اللي هيحليكي يا جميلة."
ثم أتى دور جميل في المباركة، فوقف قبالتها مرددًا بابتسامة نصر وفخر:
"مبروك علينا أجمل مريم، وبنتي التالتة اللي هتنور بيتنا يا حبيبي."
بعيون لمعت بالدمع لذاك الحنون الذي آواها، تحدثت:
"أنا اللي مبروك عليا أبوة وجودك في حياتي يا حبيبي. عارف يا بابا جميل لو عشت طول عمري أوفي جمايلك الغالية عليا، محتاجة ألف عمر يكفي وبرضه مش هقدر أردها يا أغلى هدية من ربنا."
هنا تحدث ذاك العاشق بمشاغبة معتادة عليها:
"إيه يا جماعة؟ هو أنا بقى مش هكتب الكتاب ولا إيه؟ هنقضيها مباركات كده؟ يالا بقى يا بابا."
ضحك الجميع بشدة على مشاغبته، وجلسوا جميعًا يشاهدون المأذون وهو يبدأ مراسم كتب الكتاب، فكان حقًا منظرًا رائعًا لطالما يتعلق بميثاق كالزواج. كان جميل حقًا رجلًا وفيًا، فقد أجاب المأذون حينما سألها من وليكِ قائلًا بفخر أمام الجميع:
"أنا وليها، هو أنا أطول أبقى ولي للجميلة دي."
شكرته بامتنان وتابع المأذون مراسمه إلى أن انتهى، وردد جميل ويداه في يد رحيم قائلًا:
"خلي بالك منها دي أمانة بأمنك عليها، ولو في يوم جيت عليها أو زعلتها، أنا اللي هقف لك ساعتها."
ابتسم رحيم وأجابه:
"أنا أقدر أزعل القمر ده، أنا ما صدقت يا حاج بقى على اسمي وبقت رسمي وبقت ملكي. طيب تصدق يا عم المأذون، انت لازم تستعجل القسيمة علشان تروح تغير بطاقتها فورًا وتكتب فيها زوجة الدكتور رحيم المالكي اللي اتذنب وحفي علشان ياخدها، وتقولي أزعلها؟ قال دي القلب ودقاته."
نزع المأذون المنديل وهو يضحك بشدة على فكاهة رحيم، والجميع يضحكون على خفته، قائلًا:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
تعالت أصوات الزغاريط والمباركات عليهم. أما هو، قام من مكانه واختطفها إلى أحضانه، ورفعها أرضًا وسار يدور بها في المكان بفرحة عارمة، وأخيرًا سكنت ضلوعه ونالها، ثم أنزلها أرضًا وهو يردد بحب:
"وأخيرًا بقيتي حرم رحيم المالكي يا قلبي. أنا مبسوط أوووي ومش مصدق نفسي إن خلاص بقيتي على اسمي ورسمي، وإنك ساكنة حضني دلوقتي. مبروووك يا قلبي."
كانت في أحضانه تشعر بالدفء، ولكنها خجلة بشدة، ولكن استجمعت قواها وأردفت بهمس:
"الله يبارك فيك يا رحيم."
اندهش من قولها مرددًا باستنكار:
"الله يبارك فيك يا مين؟ إيه رحيم دي! المفروض تقولي لي الله يبارك فيك يا قلبي يا عمري والحاجات الحلوة دي."
ابتسمت بخجل وهي تلقي أنظارها أرضًا:
"الله، ماتحرجنيش بقى يا رحيم، أنا بتكسف."
نظر حوله ووجد الجميع تركهم وذهبوا إلى الشرفة، فرفع وجهها إليه كي تنظر داخل عينيه:
"لاااا، ده أنا بقيت جوزك. كسوف إيه؟ أنا عايزك تدلعيني على الآخر، ده اللقاء المنتظر."
اتسعت مقلتاها وأردفت باندهاش:
"أدلعك وبقيت جوزي! ده كتب كتاب على فكرة مش دخلة."
اقترب أكثر منها وأمسكها من خصرها، وتحدث وهو يداعب أرنبة أنفها:
"وإيه المانع إن حبيبي يدلع حبيبه شوية دلع صغننين؟ ولا أنا مستاهلش؟"
كانت في قربه الشديد متوترة وخجلة بشدة، وحاولت الإفلات من بين يديه، ولكنه كان ممسكًا لها بشدة، مرددًا:
"متحاوليش تطلعي نفسك من حضني علشان أنا ما صدقت، وبعدين إحنا مش بنعمل حاجة حرام وعمري ما أذيكي يا قلبي، أنا أصلًا بخاف عليكي من الهوا الطاير، وكنت محرم على نفسي حتى لمسة إيديكي."
واسترسل وهو يلمس يديها ويحتضنهما بين يديه، ثم قبلهما برقة أذابتها:
"علشان لما اللحظة اللي إحنا فيها دي تيجي، أبقى حاسس بطعمها زي دلوقتي كده."
نظرت له بعيون تخفي عشقًا يستكين بداخلها، وقلب يخفق حبًا وغرامًا معًا، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها، لكن خجلها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تبتعد عنه وعن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر. ولكن اقترب منها ونال عذرية قبلتها الأولى، ويا ويلاه من اقترابه، فقد كان يريد المزيد بسبب همساته ولمساته، ولكن ما إن وجدته يغيب ويصبح لاهثًا لقربها ويريد المزيد، أبعدته عنها بخجل وهي تردد بهمس:
"رحيم، رحيم ابعد كفاية كده من فضلك."
كان يريد أن يصم أذنيه ولا يبتعد، كان يود المزيد والمزيد، ولكن هي صممت على الابتعاد. فأفاق من غرامه معها وهو يقبلها من جبهتها، ثم أسند جبهته إلى جبهتها مرددًا بهمس:
"حبك حلو أوي يا مريم، أنا دبت وقلبي تعب من مجرد قرب، أمال لما كلك تبقي بين إيديا هيبقى طعم الحلال معاكي إزاي."
واسترسل بخفة كي يخرجها من حالة التوتر التي انتابتها وشتت شملها جراء حرب عشقه المبتدئ معها:
"بقولك إيه، إحنا لازم نتجوز بسرعة، يا إما هنتمسك أنا وانتي بفعل فاضح في أي وقت وفي أي مكان."
ابتسمت على طريقته وخفته وأردفت وهي ترفع حاجبها باندهاش:
"والله عيب على دكتور الجامعة لما يبقى كده، يابني عيب على الهيبة لازم نحافظ عليها أكتر من كده."
"بذمتك اللي يبقى متجوز مريم يبقى عنده هيبة؟ ده بوليس الآداب هيقبض عليه في مينت. عيب على جمالك انتي اللي هيودي دكتور الجامعة في كلبوش."
وصارا العاشقان يتحدثان حديث الغرام بفرحة زواجهم وقربهم.
***
بعد يومان، دلف مالك بخطاه الواثقة إلى المجموعة وملامح وجهه عابسة بسبب تلك الماكرة التي تستخدم معه نظام القط والفأر. مضى أكثر من أسبوع ولم يراها وسيجن منها. وما إن دلف إلى المصعد الكهربائي وجدها تدلفه، لقد رآها من ظهرها. انطلق مسرعًا وقبل أن يغلق الباب اقتحم المصعد بسرعة ماهرة. وضعت يدها على صدرها وشهقت بفزع أثر دخوله المفاجئ، قائلاً لها بحاجب مرفوع:
"اسم الله عليكي من الخضة يا قطة."
واسترسل ملامًا:
"حمدًا لله على السلامة، أخيرًا افتكرتي إن عندي شغل وخلصتي عذابك في صاحب الشغل وحنيتي عليه وشرفتي؟"
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت بتوتر وهي تنظر إلى المصعد وبينها نظرات مشتتة:
"إيه ده؟ هو إنت إزاي تدخل الأسانسير وتقتحمه كده وأنا لوحدي؟"
ضغط على أزرار المصعد بحركة مباغتة وأوقفه تمامًا وهو يجيبها بمكر:
"الله شوفتك وانتي تحت رحمتي أخيرًا، وهعمل فيكي زي ما بتعملي معايا بالظبط."
تحدثت بعيون زائغة:
"إيه ده؟ انت عملت إيه؟ لو سمحت كده مينفعش، انت عايز إيه بالظبط يا مالك؟"
"عايزك، وانتي معذبانى ومطلعة عيني." قالها مالك بنظرة رغبة وأكمل.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فاطيما يوسف
وضعت يدها على صدرها وشهقت بفزع أثر دخوله المفاجئ.
قائلًا لها بحاجب مرفوع:
_ اسم الله عليكِ من الخضة ياقطة.
واسترسل ملامًا:
_ حمد لله على السلامة. أخيرًا افتكرتي إن عندي شغل وخلصتي عذابك في صاحب الشغل وحنيتي عليه وشرفتي؟
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت بتوتر وهي تنظر إلى المصعد، وبينه نظرات مشتتة:
_ إيه ده؟ هو إنت إزاي تدخل الأسانسير وتقتحمه كده وأنا لوحدي؟
ضغط على أزرار المصعد بحركة مباغتة وأوقفه تمامًا وهو يجيبها بمكر وعيونه مثبتة عليها:
_ الله! شوفتك وإنتي تحت رحمتي أخيرًا. وهعمل فيكي زي ما بتعملي معايا بالظبط.
تحدثت بعيون زائغة:
_ إيه ده؟ أنت عملت إيه؟ لو سمحت كده مينفعش. أنت عايز إيه بالظبط يا مالك؟
_ عايزك، وإنتي معذبانِية ومطلعة عيني.
قالها مالك بنظرة عتاب وأكمل:
_ بقى يا قادرة تقعدي أكتر من أسبوع متجييش الشغل، وليكي عين تسألي كمان!
تمسكت بحقيبتها وما زالت أعينها تدور في المكان وهتفت بحدة خفيفة:
_ هو ينفع توقف الاسانسير كده يا مالك؟
بملامح وجه متعصبة أجابها:
_ مالك، مالك، مالك تعب يا شيخة وأعصابه باظت بسبب جريه وراكي.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت وهي تبتعد عنه حينما لاحظت اقترابه:
_ هو ينفع الكلام ده في المكان ده يعني؟! أنت جرى لك إيه؟
أومأ برأسه بموافقة قائلًا بتأكيد:
_ آه ينفع. ولو مطلعتيش ورايا على المكتب دلوقتي نتفاهم، ولا نفضل هنا والشركة تتفرج علينا وتبقى ليلة.
اتسع بؤبؤ عينيها وهتفت باندهاش:
_ أنت متهور بقى على كده وأنا كنت واخدة فكرة عنك غير كده خالص.
اقترب منها وأصبح محاصرها كي يجعلها تستكين وتخضع لطلبه بسرعة:
_ على إيدك، بقيت متهور على إيدك يا أستاذة.
واسترسل حديثه وهو ما زال مقتربًا منها غامزًا بإحدى عينيه:
_ بس قولي لي بقى إيه الفكرة اللي إنتي كنتي واخداها عني؟ احكي نفسي أسمعك يا حب.
ابتلعت أنفاسها بصعوبة والدهشة ما زالت تسكن ملامحها. اقترابه منها ورؤيتها لملامحه الرجولية عن قرب وأنفاسها تستنشق رائحته التي عبأت ذاك المكان الضيق. وتحدثت بلسان يرجف:
_ هو إحنا هنفضل هنا كتير ولا إيه؟
بنفس غمزته الشقية أجابها:
_ شكلك كده إنتي اللي عاجبك الوضع والحوار ده وحابة نفضل هنا كتير. وبصراحة كده أنا عاجبني المكان.
وتابع حديثه برغبة:
_ كفاية إني بتنفس أنفاسك، وده كفيل يحنيني عمر بحاله.
_ مالك كفاية بقى كلامك ده…. قالتها بتيهة وتابعت:
_ شغل الأسانسير وهنتكلم في المكتب أفضل.
ابتسامة عريضة ارتسمت على معالم وجهه وفورًا ضغط على الزر قائلًا بتحذير:
_ حذاري تغيري رأيك وتكبري دماغك، وعشر دقايق وتكوني على مكتبي. لا هتلاقيني جاي لك واللي هعمله مش هتتوقعيه.
تذكرت حديث أبيها أن لا يعرف أحدًا بشأن مالك وخافت من تحذيره ويتهور ويعلم الجميع ويحدث ما لا يحمد عقباه. وأشارت برأسها مرددة:
_ حاضر جاية متقلقش.
أنهت كلماتها وانفتح المصعد وهرولت منه وهي تتلفت يمينًا ويسارًا كاللص الذي يخاف أن يراه أحد، وهي تردد بلسان حالها:
_ ربنا يسامحك يا مالك خلتني أبص حواليا شكل ما أكون عاملة عَمْلة.
وذهبت إلى مكتبها ووضعت أشيائها، وارتاحت قليلًا على كرسيها وهي تفرك جبهتها بإرهاق. وبعد مرور نصف ساعة ذهبت إلى مكتبه ودقت على الباب. فقام من مكانه مسرعًا لقد رآها عبر الكاميرات وفتح لها الباب قائلًا ببواله:
_ القمر اللي نور المكان وزاده نور، اتفضلي.
ارتجف داخلها من نظراته وطريقته ودلفت بخطوات بطيئة وجلست أمام المكتب. لحقها بخطواته السريعة وجلس أمامها ولم يجلس على كرسيه قائلًا:
_ تحبي تشربي إيه؟ أطلب لك قهوة ولا عصير فريش؟
أجابته وهي تتحسس جبهتها بإرهاق:
_ ممكن قهوة لأني عندي صداع.
انتابه القلق عليها وأردف بخوف:
_ مالك يا حبيبي؟ إيه اللي فيكي؟ شكلك فعلًا مرهق جدًا.
نظرت إليه بانبهار من ذاك الحنان النابع من نظراته وهمساته، وحدثت حالها بتخبط:
_ يا إلهي! أكل ذاك الحب القابع في عيناه لذاتي؟ أكل ذاك الحنان النابع من قلبه والذي يحاوطني به لأجل إرضائي؟ أتكون تلك عناية الله التي شملتني بها وعفا عني وعوضني بذاك الراقي؟
لاحظ تشتتها وحيرتها فتحدث بعيون تشع عشقًا:
_ مالك يا ريما بجد قلقتيني وشغلتيني عليكي وحاسس دائمًا إنك في صراع قوي هلك روحك وأعصابك.
أخذت نفسًا عميقًا ثم استدعت الهدوء وتحدثت باستفاضة:
_ ممكن أتكلم معاك وأخرج لك كل اللي في قلبي من غير زعل.
واسترسلت بتخبط:
_ يعني هعتبرك دلوقتي دكتوري النفسي مش حبيبي ولا في بينا مشاعر وليدة.
نظر إلى الباب المفتوح وأجابها بسعة صدر:
_ طيب ممكن تثقي فيا ونقفل الباب عشان تتكلمي براحتك.
أشارت برأسها بموافقة، فقام من مكانه وأغلق الباب ثم عاد إلى مكانه مرددًا بابتسامة:
_ اتفضلي. هو أنا أطول أسمع القمر؟ بس قبل ما تتكلمي ولا تقولي أي حاجة لازم تعرفي إني بحبك ومش هتنازل عن وجودك في حياتي. أنا ما صدقت لقيتك.
أصغت إليه بانتباه وابتسمت على تصميمه عليها وحمدت ربها داخلها.
_ أنا حابة إني أحكي لك عن حياتي مع باهر. حاسة إني عايزة أحكي عشان خاطر تعرف إيه اللي حصل بالتفصيل. وبالرغم من إني ماضي وحياتي القديمة ملهاش علاقة بعلاقتنا، بس أنا اتفقت معاك إني هكلمك كدكتوري النفسي.
وأثناء حديثها دخل عامل البوفيه بالقهوة وقدمها لهم وخرج. قدم لها القهوة بذوق وأشار إليها أن تكمل. ارتشفت القليل منها ثم تابعت حديثها:
_ أنا وباهر كنا بنحب بعض جدًا وحياتنا كانت هادية بطريقة ما تتخيليهاش. عمرنا ما كنا بنتخانق غير بسيط جدًا، بس كان يجي علينا الليل وهو ناهي المشكلة اللي ما بينا وعمرنا ما نمنا واحنا زعلانين من بعض. وحياتي معاه طول السبع سنين استمرت على كده. بس طبعًا كان ليا حماتي شديدة جدًا وسلفتي ما كانتش بتسيبني في حالي وعلى طول عينها على حياتي. أنا كنت بحب التصميم وأخدت في كورسات كتير وطورت نفسي فيه. شغالة فيه أصلًا من وأنا صغيرة، وكل مشاكلنا دائمًا كانت بسبب إني عايزة يبقى ليا كيان وأشتغل وأحقق ذاتي والناس تعرفني، وده لأن عندي موهبة ربنا إدهالي وحرام إني أدفنها. باهر بالرغم من حنيته عليا وحبه الكبير أوي واحتوائه ليا، إلا إنه لما كان يجي سيرة إني عايزة أشتغل أو أخرج للشغل بنفسي كان بيتعصب جامد. واستحملت عصبيته كتير جدًا بسبب الموضوع ده. وحتى لو الموضوع انفتح قدام ماما وبابا وإخواتي كان يتعصب بنفس الدرجة. واتكلمت معاه في الموضوع ده بدل المرة ألف مرة وللأسف نفس الرد ونفس العصبية ونفس الرفض القاطع.
واسترسلت حديثها وغشاوة الدموع تلمع في عينيها عندما تذكرت الليلة التي رحل عنها فيها. لاحظ مالك ذلك وحاول تهدئتها بكلماته قائلًا:
_ حبيبي هدي أعصابك وخليكي ريلاكس وبلاش انفعال وإنتي بتحكي. وبعدين كملي.
وضعت يدها على قلبها تهدئ من ضرباته وأخذت نفسًا عميقًا ثم أكملت تلك الذكريات المؤلمة:
_ لحد الليلة اللي حصل فيها مشكلة كبيرة وصممت إني أنزل اشتغل. ما استوعبش كلامي وتصميمي فخيرني ما بين حياتنا والشغل. ساعتها كل اللي جه في بالي إني أضغط عليه زيي زي أي ست، بمعنى الدلال يعني، يمكن يتأثر. فقلت له ساعتها: هختار الشغل. ملامحه ساعتها اتغيرت وانصدم من ردي اللي كنت قايلاه وأنا أصلًا مش في نيتي إني حتى أسيب بيتي. وفي الليلة دي قال لي: اخرجِ وسبيني لوحدي. وتاني يوم مات.
ثم انفجرت في البكاء وهي تضع يدها على وجهها تكتم صوتها أثر شهقاتها العالية. كان جالسًا أمامها قلبه ينكوي من بكائها أولًا، ومن رؤية عيناها اللامعة حينما تذكرت زوجها ومن ذكر اسمه أمامه أيضًا. نار الغيرة شبت في ضلوعه، ولكنه حكم عقله لأنها وعدها بالأمان حينما تتحدث. أما عن شهقاتها فقد انفطر قلبه لأجلها وردد بهمس كي يهدئها:
_ ريم حبيبتي هو مات لأن عمره انتهى. وأنا شايفها خناقة عادية بين أي راجل ومراته. دول في زوجين مش بيبقوا متخانقين أصلًا ولا في بينهم أي حاجة، وفي لحظة يموت وهو قاعد جنبها. الأعمار بيد الله ومحدش بيموت عشان حد. لازم تثقي في كده.
هدأت قليلًا من شهقاتها وأخذت منه المنديل الورقي الذي مد يده به وجففت عبراتها وأكملت:
_ بابا كمان قال لي كده، بس أنا وهو كنا بنحب بعض جدًا. لكن لما اتعرفت عليك خفت أوووي إن مشاعري تتحرك ناحيتك. كنت محرمة على نفسي أي راجل تاني بعديه. لكن حصارك ليا بالكلام وبالنظرات شتتني في الأول. وكل لما أحاول مفكرش فيك تعمل مواقف تخليك متطلعش من بالي. قاومت وعافرت كتير أووي بس مقدرتش يا مالك.
وتابعت حديثها وهي ترفع عيناها اللامعة بالدموع والعشق معًا:
_ لقيتني بفكر فيك ليل ونهار وبقيت تايهة ما بين الحاضر والماضي. بقيت مشتتة في تفكيري وبألُوم نفسي إزاي قدرت أبَدّل باهر أبو ولادي وحب عمري بيك يا مالك. متتصورش الصراع النفسي اللي عايشاه بقالي فترة عامل فيا إيه. مدمرني ومخليني كارهة نفسي أوووي ومش طايقة أبص على نفسي في المراية واحتقرتني. وبعد جلدي الشديد أوووي لنفسي أرجع لنقطة البداية وهي صورتك اللي قدامي ومبقتش تفارقني لحد ما بابا حس بيا وقال لي كلام هداني شوية. عرفني إن القلوب بإيد ربنا سبحانه وتعالى هو اللي بيبدلها زي ما يريد. لكن لما بقعد مع نفسي تاني مش قادرة أتخطى إن ممكن أحب وأتجوز راجل تاني غير باهر وأعيش معاه. وفي نفس اللحظة تكون في بالي وبفكر فيك ومش قادرة إني أتخطى وجودك في حياتي وأنا رافضة أي فرصة أديها لنفسي تاني إني أكمل حياتي. وبين الخناقات الكبيرة اللي جوايا بلاقيني ما بقتش شايفه إلا أنت.
يا الله! عظيمة أنتِ تجرحين وتداوين في نفس اللحظة. تشتتين روحي وتدميها بكلماتك ثم تطيبها في نفس اللحظة. كيف لكِ أن تلعبي بأوتار مشاعري وتعزفي على نيران عشقي بتلك الدرجة! لقد تعبت ولكني في محراب حبك متمسك، ولكن بنار غيرتي أحترق. كيف لكِ أن تفعلي الشيء وعكسه في آن واحد! إذا فلأصدق حدسي أنكِ الرائعة التي يحتاجها قلبي.
انتبه من تشتته السريع ووقفت أذناه عند اعترافها بحبها له غير الصريح، ولكن علم بأنها تحتاجه وتفكر فيه بل وتريده كما أرادها. لم ولن يتحدث معها الآن عن ماضيها وسيغلق عليه بمفتاح عشقه لها، وسيقتحم قلبها أكثر من ذي قلب رغم وجعها. رأى أن يحدثها عنهما لكي يثبت لها أن الماضي ما هو إلا كالسراب بالنسبة له وهو الحقيقة الماثلة أمامها الآن. لذلك سيسحبها معه إلى عالمه بطريقته وستسكن قلبه وأحضانه بكل اطمئنان وسلام منها.
ثم تحدث هائمًا في سماء عشقها:
_ هو أنا ينفع أجي أتقدم لك النهاردة ونكتب الكتاب بكرة؟ أنا خلاص الصبر زهق من صبري يا ريم.
فتحت فاهها باندهاش لعدم انزعاجه من اعترافاتها وكأنها سراب. ثم تساءلت باندهاش:
_ إيه ده؟ هو إنت مزعلتش من كلامي ولا حتى اتأثرت بيه وكأني مقلتش حاجة؟
رفع حاجبيه وهتف بمكر:
_ الله! هو إنتي بتنسي ولا إيه؟ هو إحنا مش اتفقنا إنك هتكلميني على إني دكتورك النفسي؟ وأنا رديت عليكي من شوية على أساس كده.
واسترسل بحب:
_ أما دلوقتي أنا مالك حبيبك اللي هبقى عن قريب أوي جوزك.
وتابع بمشاغبة وهو يغمز لها بشقاوة:
_ شفتي بقى أنا مركز معاكي أوووي وواخد بالي حتى من تفاصيل كلامك، عشان تعرفي بس إني بحبك بجد مش مجرد كلام وخلاص.
ابتسمت برقة على كلماته وكأن بابتسامتها تلك ودعت الأحزان التي مرت بها كثيرًا وقررت أن تترك مصيرها للقدر. ثم تحدثت بنبرة هادئة:
_ تمام أنا موافقة بس ليا شروط.
انفرجت أساريره وود أن يأخذها بين أحضانه، بل ود أن يمسكها من يديها ويذهب بها إلى المأذون كي يدون سحر اللحظة قولًا وفعلًا. فتحدث بعيون ناطقة بالعشق:
_ بجد يا ريم موافقة تكملي اللي باقي من عمرك معايا؟
أومأت برأسها بخجل وتابع هو:
_ ياه! أخيرًا يا شيخة! ده إنتي عذبتيني وطلعتي روحي. اشرطي واطلبي وأمري يا جميل.
كانت تفرك بيدها كعلامة على التوتر والخجل ثم تحدثت بنبرة واثقة:
_ أول حاجة بل وأهم من كل مهم، ولادي قبلي وهيعيشوا معايا ومش هسيبهم أبدًا ولا هتخلى عنهم. ولو في يوم اتضايقت من وجودهم ومحبتهوش وطلبت إنهم يمشوا يبقى أنا همشي قبلهم.
واسترسلت بنبرة حزينة سكنت عيناها:
_ عشان لا قدر الله ميحصلش اللي حصل قبل كده.
تنهد بارتياح عقب استماعه لشرطها الأول وهتف باستجداء:
_ ولادك هيبقوا زي ولادي بالظبط وأنا مش من النوع اللي أحقد على أطفال أو أغير من وجودهم معانا، متقلقيش يا حبيبتي.
واستطرد حديثه بحزن نابع من قلبه:
_ دول في عنيا وأنا هبقى أب ليهم وهحس معاهم إحساس افتقدت وجوده في حياتي. كملي شروطك.
أحست بحزنه من خلال نبرته التي تحدث بها ولا تعرف ما السبب الكامن وراء ذلك الحزن وأكملت شروطها:
_ ثانيًا أنا حابة إني أكمل في الشغل وحابة إني يبقى ليا اسم وكيان ودايمًا هيبقى عندي طموح إن ماركتي تسمع العالم كله شرقه وغربه. فأرجوك متموتش حلمي وساعدني إني أوصل وشجعني على كده. ولو لقيتني قصرت معاك في يوم من الأيام ساعتها يبقى ليك حق إنك تعاتبني بكل هدوء.
تنهد براحة نفسية لسهولة شرطها الثاني وأجابها بحب:
_ أنا الست اللي أحبها لازم أحب نجاحها، وأحبها تبقى شاطرة في مجالها وده شيء يشرفني جدًا ومتقلقيش هنوصل مع بعض لمكانة عمرك ما كنتي تحلمي بيها وده لأنك تستحقيها.
تنفست الصعداء وارتاحت روحها لتفهمه لها وتابعت:
_ تمام. الحاجة الثالثة ودي بردوا مهمة ولازم تعرفها إنني هتنازل عن كل ورثي وورث أولادي عشان أشتري بيهم راحتنا وإن أولادي يفضلوا في حضني ومحدش يقرب ناحيتنا أبدًا. يعني هتاخدني بولادي واحنا لا نملك شيئًا.
وكادت أن تكمل كلماتها إلا أنه أوقفها بإشارة من يده مرددًا بذهول:
_ إنتي متوقعة أو جه في بالك إني ممكن أبص لفلوسك أو إني متابع وعارف ورثك والحوارات دي؟
أجابته بإبانة:
_ لاا خالص والله. أنا عارفة بتكلم مع مين كويس، بس لازم أعرفك وأحط النقط على الحروف من البداية ومجبتش أخبي أي حاجة وإني أبقى كتاب مفتوح قدامك.
ابتسم برقة وأردف بأمل:
_ كده تمام. أتوكل على الله وأجي لبابا النهاردة ولا في حاجة تاني؟
ابتسمت بشدة على استعجاله وهتفت بتمهل:
_ إيه يا مالك مالك متسرع كده ليه؟ اصبر بس كده عشان عندي آخر حوار مع حماتي وابنها هخلصه وساعتها هقول لك الدار أمان اتفضل.
سألها باستفسار مغلف بالغيرة:
_ أخو باهر إنتي مالك وماله؟
اتسعت مقلتيها بذهول لغيرته السريعة:
_ يعني إيه مالك وماله؟ مش عم ولادي وهو اللي هنهي كل حاجة معاه تخصني وتخص ولادي.
أحس بالغيرة الشديدة ولكنه اقتنع بكلامها وأردف متعجبًا:
_ طيب وجوازنا إيه علاقته بأنك تنهي الحوارات دي معاه؟
أجابته بتوتر:
_ ماهو دي آخر حاجة كنت هقولها لك، إن بابا اتفق معايا إني مجبش سيرة جواز ليا أو حد يعرف بالموضوع ده لحد ماخد تنازل عن ولاية أولادي والوصاية عليهم إلى الأبد وأسجل التنازل ده في الشهر العقاري، ساعتها هنعلن وإحنا بقلب جامد عشان محدش يستغلني ويذلني بولادي.
تفهم الأمر وسأل:
_ طيب الموضوع ده قدامه قد إيه؟ مش يومين تلاتة بالكتير.
أجابته:
_ هياخد أسبوع أو عشر أيام بس مش أكتر إن شاء الله.
ضرب كفًا بكف وأردف بخيبة أمل:
_ ده إيه النحس ده! لسه هستنى عشر أيام بحالهم. لله الأمر من قبل ومن بعد.
ابتسم داخلها على اعتراضه مردفة باندهاش:
_ هو أسبوع ولا عشر أيام كتير؟ ده إنت صبرت شهور جت على حبة أيام.
وظلوا يتحدثون عن كل شيء عنها وهي لم تعرف شيئًا عنه، ولكن وعدها أن يقص عليها حياته مرة أخرى.
***
في منزل إيهاب البحيري يجلس هو وراندا مع حالهما في غرفتهما يتحدثان في أمور حياتهما. فتذكر أمر سما فسألها بجدية:
_ آه صحيح فيه حاجة مهمة افتكرتها وكانت غايبة عن بالي.
اندهشت ملامح وجهها وسألته:
_ حاجة إيه دي يا حبيبي؟
أجابها وهو يعتدل من جلسته:
_ سما بنتنا مالها؟ لما كنا في المستشفى سمعت من والدك تقريبًا وهو بيقول لك "الولد والبنت ضاعوا".
واسترسل استفساره:
_ ممكن أعرف يقصد إيه بكلامه ده؟
انقلب وجهها بعلامات الطيف، فهي كانت لا تود إخباره بذاك الموضوع. ولكن استجمعت شتاتها وأجابته بصراحة لأنها تعرفه جيدًا يكشف التحوير في الحديث بمهارة:
_ سما جت لها فترة اتعرفت على بنت مش كويسة. البنت دي خلتها تعمل أكونت على التيك توك والمواقع التانية اللي شبهه بالظبط. وقالت لها إنها تعمل فيديوهات تجيب لها مشاهدات ومتابعين كتير. وعشان سما ما عندهاش خبرة وكنت أنا في الفترة دي متدمرة زي ما أنت ما عارف. عملت أكونت جديد خالص وكانت حاظرانا كلنا منه عشان ما نشوفش الفيديوهات بتاعتها. وتقريبًا أصحابها المقربين عملت لهم برده حظر. وبقيت تنزل فيديوهات ليها وهي في أوضتها لابسة لبس مكشوف وحاطة ميك أب أوفر وبتعمل حركات ما تعملهاش بنوتة في سنها. وفي يوم كنت قاعدة لقيت فيديو ليها جاي لي على الواتساب من صاحبتها دي بس بعد طبعًا ما بقى عندها تقريبًا ما يقرب من نص مليون متابع وزيادة كمان. وأنا شفت الفيديو انصدمت.
اتسعت عيونه من هول ما سمع. أيمكن أن تكون صغيرته وقعت في شباك السوشيال ميديا واتبعت طريق الضياع والذي لا يليق بها ولا بهم. وتساءل بملامح شديدة الدهشة:
_ وإنتي كنتي فين وهي بتعمل الفيديوهات دي كلها لحد ما بقى عندها نص مليون متابع بالسرعة دي؟ وازاي أصلًا وصلت للمتابعين دول في الوقت القليل ده؟
ابتلعت أنفاسها بصعوبة عندما رأت علامات الغضب مرسومة على وجهه. واردفت وهي تداري عينيها خوفًا من غضبه الآتي:
_ أنا كنت في الفترة دي وطول ما إحنا مطلقين تعبانة جدًا ونفسيتي متدمرة. ما كنتش مركزة معاهم خالص. وأظن إنك لازم تعذرني وتديني مساحة العذر الكافي عشان اللي حصل لنا ما كانش هين عليا.
انتفض من مكانه وقام من جانبها وجلس على الأريكة الموجودة في الحجرة قائلًا بتوبيخ:
_ عذر أقبح من ذنب يا راندا هانم. ياما جيت لك واترجيتك إننا نلم بيتنا وعيالنا وإنتي كنتي مصممة على اللي في دماغك. ياما قلت لك العيال هيضيعوا وكنت دائمًا بسألك عليهم عاملين إيه تقولي لي كويسين وبخير وابعد عننا إنت. شفتي كبريائك عندك وصل الأولاد لأيه وبنتنا بقت عاملة إزاي اللي كانت زي الملاك؟
انتفضت تلك الأخرى من مكانها وعيناها لمعت بالدموع مرددة بحرقة:
_ غصب عني كنت موجوعة ومجروحة وكنت بعمل تصرفات ما كانتش في وعيي وإنت السبب الأول في ده كله. إنت متتصورش أنا عشت الفترة اللي فاتت دي أسوأ فترة في حياتي وما كنتش دريانة بأي حاجة حواليا ولا حتى بنفسي. أنا جرحي منك كان كبير قوي يا إيهاب.
بعيون تطلق غضبًا كما هي هتف برفض:
_ برده ده مش مبرر إنك كنتي تهملي في الأولاد لحد ما يوصلوا للدرجة دي. أنا سبتهم أمانة معاكي والمفروض كنتي تحافظي عليهم أكتر من كده.
دارت في المكان حول نفسها بغضب وهتفت بصوت عالٍ بعض الشيء وعيونها تشع احمرارًا من أثر البكاء:
_ دلوقتي أنا اللي بقيت مهملة في وجهة نظرك! طيب إنت واللي عملته فيا وتدميرك ليا ده مش سبب يخليني أنسى الدنيا باللي فيها.
وتابعت كلماتها وهي تشير بيدها في اللاشيء بسبب توترها:
_ طيب ما تيجي نبدل الأدوار كده يا بشمهندس ونشوف ساعتها موقفك إيه؟
اعتلى الذهول ملامح وجهه وسألها بدهشة:
_ يعني إيه مش فاهم كلمة نبدل الأدوار دي تقصدي بيها إيه؟
جلست على التخت بإهمال وهي تضع وجهها بين يديها وأجابته وهي تنتحب بشدة:
_ إنت فضلت متغرب عني أكتر من ١٥ سنة وكنت في غيابك صاينك وحافظاك ومراعيه ربنا فيك وعمري ما عملت حاجة تغضب ربنا مني ولا رحت لطريق الضياع اللي بتروحوا ستات كتير أوي لما جوزها يبقى مسافر. مكنتش مستنية منك الخيانة وإنك تبيعني وتتجوز عليا وأنا هنا محرمة على نفسي كل حاجة.
واسترسلت وهي تعرض عليه صورة الخيانة تجاهها:
_ تصور لو أنا اللي خنتك وعرفت راجل غيرك كان هيبقى موقفك إيه ساعتها؟ كنت هتسامحني بردوا؟
استنكر دفاعها بشدة وقام من مكانه واقفًا أمامها وأمسكها من كتفيها يهزها بعنف مرددًا بفحيح:
_ ده أنا كنت دفنتك حية يا راندا وعملت فيكي اللي ميتعملش! إنتي اتجننتي أصلًا! إزاي تقارني دي بدي؟ أنا راجل كنت متجوز على سنة الله ورسوله مش ماشي مع واحدة والسلام فيه فرق جامد.
نزعت يداه من على كتفيها وردت بعنف حينما ذكر زواجه عليها:
_ بس من ورايا ومن غير ما أعرف ولا إديتني حرية الاختيار اللي ربنا إدهالي. تبقى أنت كنت خاين ساعتها يا إيهاب والخيانة واحدة مبتتجزأش في الآخر بتوجع الطرفين سواء كانت بعقد ولا من غير.
قالت كلماتها وارتمت على تختها تبكي بشدة على أمر ذكرى مرت بحياتها ولن تنساها. توجع قلبه لأجلها ورأى أنه حملها أكثر من طاقتها فهبط لمستواها وحرك خصلات شعرها من على وجهها وتحسس خديها برقة وهو يحاول تهدئتها مرددًا باعتذار:
_ حقك عليا يا حبيبتي متزعليش مني. أنا اتعصبت بسبب اللي حصل لسما واللي ما كنتش أتوقعه إنه يحصل أبدًا.
ظلت على وضعها تنتحب بشدة فقد صعبت عليها نفسها بشراهة، وكلما استمع إلى شهقاتها لام حاله بشدة فحملها وجذبها إلى أحضانه وهو يقبل جبهتها وكل إنش بوجهها مرددًا بأسف:
_ حقك عليا يا حبيبي متزعليش. خلاص يا ستي أنا اللي غلطان في كل حاجة من البداية مش عايزين نفتح الموضوع ده تاني خالص وندفنه عشان أنا مش هقدر أعيش من غيرك ولا أستغنى عنك أبدًا.
واستطرد أسفه بتوضيح:
_ وإذا كان على ولادنا مسؤولين مني قبل منك بعد كده وهنتشارك مع بعض كل خصوصياتهم وعيني هتبقى عليهم قبل عينك وهشيل عنك سنين العمر اللي تعبتي فيها وإنتي بتربيهم وأنا كنت بعيد عنكم. موضوع سما ده سيبيه عليا أنا ولازم ترجع سما البريئة الراقية بتاعة زمان واللي إنتي مربياها بإيديكي يا قلبي. خلاص بقى ممكن نهدى يا حبيبي.
كان يردد تلك الكلمات وهو يمسح دموع عينيها بكلتا يديه وما كان منها إلا أن هدأت من كلماته وقبلت اعتذاره. فهي قررت أن تغير من حالها كي تحافظ على بيتها وزوجها ومن أهم التغيرات أن تقبل اعتذاره وأسفه دون تطويل حتى لا يتسبب البعد في الجفاء بينهما، وهذه تلك الأشياء التي خرجت بها من تلك التجربة المريرة التي عاشتها في الفترة السابقة.
ومرت تلك الليلة عليهما بسلام بعد أن هدئ الطرفان وبعد أن وعدها بأنه سيحل مشكلة ابنتهم بأسرع وقت دون إيذاء شعورها.
***
بعد مرور يومان كان جميل يجلس هو وابنته ريم يتحدثون في أمرها الهام الذي كان شغلها الشاغل هي ووالدها. فتحدث جميل بابتسامة عريضة:
_ بصي بقى أنا سويتهم لك على نار هادية وسايبهم يتحايلوا عليا من بقى لهم أكتر من عشر أيام بس أنا كنت بماطل شوية لحد قبل ميعاد الجلسة بحاجة بسيطة عشان منقعدش نحكي كتير. وكمان عقبال ما جهزت عقود التنازل عن الولاية بتاعت أولادك مع المحامي عشان منضيعش وقت خالص.
واسترسل حديثه برأي صائب:
_ يالا تغور الفلوس في ستين داهية أهم حاجة راحتك إنتي وولادك وإنك تعيشي في سلام نفسي. أصل راحة البال يا بنتي متكفيهاش كنوز الدنيا بحالها.
نال رأي والدها استحسانها وحمدت ربها على وجود ذاك الأب الخلوق ذو العقل الرشيد الذي دائمًا يقف بجانبهم ويحل معهم مشاكلهم دون كلل أو ملل. فتحدثت بتأكيد:
_ كلامك صح يا بابا. كنوز الدنيا متسواش وجود ولادي في حضني بسلام ومن غير ما حد يهدد أمننا ومن غير ما حد يقدر ياخدهم مني ولا يلوي دراعي بيهم في يوم من الأيام. وأنا متأكدة إن اعتماد وزاهر يعملوها. ولكن جال في خاطري أمر ما جعل قلبي يدق خوفًا فتابعت بتيهة:
_ هما ممكن ميوافقوش يا بابا على كده وياخدوا منى ولادي لو اتجوزت؟
حرك رأسه بنفي وأجابها:
_ متقلقيش يا حبيبتي عمرهم ما يرفضوا. أصل اللي يقبل ياكل مال اليتيم المدة اللي فاتت دي كلها ويستخسر يديهم حقهم بحجج فارغة يقبل يبيع نفسه عادي جدًا. وهما أول ما نقول تنازلك عن الفلوس هيريلوا عليها وما يصدقوا. دول بيحبوا الفلوس أكتر من نفسهم أنا عارفهم ولا يهمهم عيال ولا يحزنون.
وأثناء حديثه رن هاتفه ورأى اسم المحامي الخاص به منقوشًا على هاتفه، فأمرها قبل أن يجيبه:
_ طيب يالا قومي المحامي بيرن أهو سبقنا على هناك. ولما نروح متتكلميش خالص وسيبيني أنا العالم دي هعرف أتعامل معاهم.
ثم أجاب على المحامي وأبلغه بقدومهم. وصعدوا إلى السيارة منطلقين إلى تلك الجلسة التي تعد بمثابة الحرية لريم وأبنائها وهي تناشد ربها داخلها أن يجعل التوفيق حليفها.
وأثناء سيرهم أتتها رسالة على الواتساب الخاص به. فتحته ووجدتها من مالك مرسلًا لها:
_ وحشتيني جدًا على فكرة.
ابتسمت بحالمية وتفاعلت مع رسالته وأرسلت إليه إيموجي يعبر عن الإعجاب. جن جنونه من ذاك الرد ولم يعجبه فأرسل إليها بتحذير:
_ هتردي عليا ولا أرن فون أو ماسنجر وإنتي حرة بقى وهعمل لك إزعاج؟
حركت رأسها بذهول من جنونه وأجابته:
_ هو إنت طول عمرك كده هتفضل تستخدم أسلوب التهديد معايا ولا إيه؟ أنا كده هخاف منك خالص.
كان يدور حول نفسه بالكرسي الخاص به وكانت تلك حركته المفضلة التي يعشقها عندما يكون في حالة سلامه النفسي وأجابها:
_ ماهو إنتي لو بتسمعي الكلام وشطورة هتلاقيني معاكي لين، لكن إنتي بتستخدمي معايا نظام التقل صنعة عشان تخليني ملهوف عليكي.
واسترسل كلماته بغرام عبر الفويس الصوتي:
_ ببقى نفسي أكلمك كل لحظة وتبقى قصادي كل وقت. ببقى دائمًا ملهوف لكلامنا مع بعض. هو إنتي مش بتبقى ملهوفة زيي؟ أو لما تشوفي رناتي ولا رسايلي قلبي مش بيدق ولا بتحسي إنك ملهوفة على الرد بسرعة؟ أوصفي لي إحساسك يا قلبي بحب أتكلم معاكي أوووي وبحب أسمعك جدًااا.
استمعت إلى رسالته الصوتية عبر سماعة الهاتف وكم كان صوته المبحوح وهو يحاكيها بغرام جعلها تهيم به عشقًا في تلك اللحظة بالتحديد. تركت كل الهراء الذي بداخلها الذي يؤنبها عن عشقها له واستمعت إلى رسالته عدة مرات. حقًا لقد أحبته لا بل عشقته. ثم وجدت أصابع يديها تنقش تلك العبارة وهي في سماء هيامها به:
_ لما بتتكلمني أو بنقعد مع بعض ببقى مش عايزة الوقت يعدي ولا يمر. بحس إني عايزة أبقى منتبهة معاك أوووي. ومتشكرة جدًا لوجودك في حياتي يا مالك.
لم تصدق عيناه رسالتها ولم يصدق حدسه أن تلك الكلمات المنقوشة أمامه لتلك الريم التي عذبته بذاتها. أكل ذاك الشعور بالاشتياق داخلي لها جراء تلك الكلمات البسيطة! فماذا عن اعترافها بعشقها لي كيف يكون مذاقه لقلبي وعيني! يا الله كم أنتِ ماهرة في أن تجعليني جسدي يتمرد عليّ ويريدك بلهفة.
وسجل رسالته الأخرى بصوت مبحوح أثر دخوله عالمها الهائم:
_ بحبك، لاا بعشقك، ونفسي تقوليها لي بقى صريحة. بجد هبقى ساعتها أسعد راجل في العالم يا عمري. قوليها يا ريم وأنا أوعدك إنك مش هتندمي عليها طول عمرك.
لو كان أمامها لرأى الاحمرار يغزوا علامات وجهها كألوان الطيف. وتلك المرة أيضًا استمرت في سماع اعترافه كثيرًا. ومن شدة خجلها لم تقوى على الرد عليه. ولكنه انتظر ردها وحينما تأخرت علم خجلها وكأنه يراها الآن أمامه. وظل يردد مع حاله وهو يعيد قراءة سطورها المعدودة ولكن كانت بالنسبة له آلاف الترنيمات لعشقه:
_ مختلفة إنتي يا امرأة غير كل نساء العالم أجمع. في عيناكي شراسة تخبئ ورائها احتياج، وفي طلتك قوة تخبئ ورائها اشتياق، وفي أحضانك عزة تخبئ ورائها سكن يؤمن الأوطان. أريد أن أقتحم حصونك ولكن وقت احتياجك واشتياقك لكي أعبر أوطانك بكل سلام.
وأفاق من تفكيره في تلك الصغيرة على صوت الراديو. فمالك يعشق الإذاعة بشدة ولابد أن يشاركها يومه. أفاق على كوكب الشرق تغني أغنيته المفضلة والتي انتبه إليها بإنصات شديد ولأول مرة منذ ولادته يشعر بمعاني تلك الكلمات وكأنها تنشدها لأجله. وكانت تلك الكلمات:
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا إزاي أنا فينيا حبيبي وانت فين، إنت فين، إنت فين
كنت بشتاق لك وأنا وإنت هنا
بيني وبينك خطوتين، خطوتين، خطوتين
شوف بقينا إزاي أنا فينيا حبيبي وانت فين، إنت فين، إنت فين
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
والعمل إيه العمل ما تقول لي أعمل إيه، إيه
والأمل إنت الأمل تحرمني منك ليه
عيون كانت بتحسدني على حبي
ودلوقتي بتبكي عليّ من غلبي
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي فين
فين أشكي لك فينا
عندي حاجات وكلام وحاجات
فين دمعك يا عيني
بيريحني بكايا ساعات
بيريحني بكايا ساعات
بخاف عليك وبخاف تنساني
والشوق إليك على طول صحاني، صحاني، صحاني
غلبني الشوق وغلبني، غلبني، غلبني
وليل البعد دوبني، دوبني، دوبني
ومهما البعد حيرني
ومهما السهد سهرني
لا طول بعدك يغيرني
ولا الأيام بتبعدني بعيد، بعيد، عنك.
يتبع….
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فاطيما يوسف
تجلس سما في غرفتها وهى تمسك هاتفها تشاهد تلك الفيديوهات الخاصة بها وما وصلت إليه من مشاهدات.
فتلك المرة بالتحديد لم تنظر إلى نفسها بانبهار ولا بعيون لامعة بالفرحة، بل كانت تنظر إلى نفسها باحتقار وكأنها كانت مغيبة حينها.
قررت فتح التعليقات لفيديو لها يحتوي على أعلى نسبة مشاهدة.
جالت بأعينها ويديها تسحب الشاشة لأعلى وهى تقرأ تعليقاتهم مابين داعٍ لها بالهداية وما بين محتقراً لها وما بين من يسب والديها.
انجرحت بشدة لما آوت إليه وما وصلت له من مستوى متدني.
ولكن ماجعلها تشهق بشدة وهي تقرأ تعليقا ما، إذ كان محتويا على:
" يانهار أبيض على ده جمال لوز اللوز ده انت فورتيكة ياصغنن وعايز تتاكل أكل ، ماتيجى ياقمر ياجميل وأنا أبسط لك مزاجك على الأخر وهخليك طاير في السما فووووق “💋💋💋” ."
كان ذاك التعليق بذاك الشكل الذي جعلها تضع يديها على فمها تكتم شهقاتها العالية.
واستمرت في التقليب في التعليقات ورأت مثله كثيرا مما جعلها تلقى بالهاتف عرض الحائط حتى وقع متهشماً إلى قطع لاعدد لها.
وصوت بكائها ارتفع حتى وصل لوالديها فى الخارج.
انخلع قلبهما عليها فتحركا إليها فى نفس السرعة.
أوقفها إيهاب مردداً:
" خليكي انتى ياراندا سبيني أنا وهى لوحدنا."
نظرت إليه بذهول وأردفت:
" إزاي ده لازم أشوفها وأطمن عليها وأعرف سبب عياطها وحبستها دى ايه ؟"
أمسكها من كتفيها يهدئها:
" حبيبتي السبب واضح جداً، أنا هشوفها وهتكلم معاها هى محتجانى فى التوقيت ده بالذات، ممكن نهدى بقى يامامى وتروقى أعصابك ومتقلقيش ياحبيبى كله هيبقى بخير بإذن الله."
أطاعته ورجعت إلى مكانها مشغولة البال لكن قلبها مطمئن لوجود زوجها بجانبهما.
وجلست مع حالها تردد بإنهاك روح:
" أحقا كنت مخطئة في كل تلك الأعوام الماضية وتصميمى على غربته! أحقا ذاك الأمان فى وجوده معنا كنت محرومة منه أنا وأبنائي! نعم، تلك الحقيقة إن وجوده معنا لايكفى أموال العالم أجمع وتلك الحقيقة التى تعلمتها بجراح روحى، ياليتنى كنت ذو بصيرة فى سنيني الماضية ماكنت صممت ولكن دفعت ثمن أخطائي."
أما عن إيهاب دق على غرفة ابنته ثلاث مرات ولم تفتح ففتح الباب ودخل اليها وجدها فى حالة يرثى لها.
لقد دق قلبه وجعا على عزيزة عيناه.
دارت عيناه فى المكان وشاهد الهاتف محطماً.
هرول إليها مسرعاً وعلى الفور أخذها إلى أحضانه هاتفا بحزن:
" مالك ياحبيبة بابا ايه اللى مزعلك ومخليكى من ساعة مارجعنا وانتى دايما منطوية على نفسك وقافلة الباب وكل لما أكلمك تردى على قد السؤال وحالتك صعبة أوووي."
لم يريد أن تعلم معرفته بما فعلت وفضل أن يحتويها ويجعلها تحكى لحالها كي يمدها بالثقة.
واسترسل بحنو وهى مازالت قابعة فى أحضانه:
" أي حاجة فى الدنيا متستاهلش دمعة من عيونك ولا خوفك ولا حزنك ده ياقلب بابا."
نظرت إليه نظرات اندهاش وداخلها يتسائل إذا كان يدرى أم لا ولكنها أجهشت في البكاء المرير وهى تشدد من احتضان أبيها ولم تتفوه ببنت شفه.
مسد هو على خصلات شعرها بحنان بالغ وأردف مطمئناً لها:
" ابكى ياقلبى وخرجى كل اللى في قلبك وأنا كتفى هيجفف دموعك."
واستمرت في البكاء فى أحضان أبيها وهو يربت علي ظهرها تاركاً لها العنان كى تستريح.
وبعد قليل هدأت نوبتها لما استشفته من حنان والدها.
حقا كم أحست فى أحضانه بالأمان والسلام.
أخرجها أبيها من أحضانه حينما استمع إلي هدوئها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها بحنان:
" ممكن بقى حبيب بابى يحكي له عن كل اللى مضايقه ومخلى عيونه الحلوين دول يعيطوا بالشكل ده ؟"
أخذت نفسا عميقا ثم زفرته بهدوء وأردفت بنبرة خافتة:
" كنت محتاجه لك من زمان أووى يابابا بس خلاص فات الأوان وأنا ضعت وضاعت معايا برائتى."
يا الله كم صعب ذاك الشعور على ذاك الأب.
يالهى إنه لمرار كمرارة العلقم في حلقه.
فصغيرته كبرت أعواماً من الهموم على أعوامها.
فنظر إليها وهو ينفطر داخله مردفا يطمئنها بحفاوة:
" مين قال كدة ياقلب بابا، أنا لسة شايف برائتك زي ماهى مهما كان تخيلك، لسة شايفك سما البنت الجميلة الرقيقة اللى كلها حيوية وحياء، مهما كان اللى حصل وبيألمك ومفكراه حاجة كبيرة متخافيش تقوليها لبابا ياحبيبي وأنا هدعمك وهقف جمبك وهسندك، مهما كنتى مفكرة إنك عملتى ذنب كبير فأنا هفكرك إن ربنا سبحانه وتعالى بيغفر الذنوب جميعاً ماعدا الشرك به."
وتابع تهدئته لها برجاء:
" احكى لى وخرجى كل اللى فى قلبك وأيا كان اللى هتحكيه هشاركك ألمك ومش هزعل منك ولا هغضب علشان أنا مكنتش جمبك ساعتها وعارف انه كان غصب عنك، يالا احكى لى ياسمكة."
جالت بتفكيرها تشير عقلها أتقص لأبيها تلك القصص التي تؤرقها وتنزل من نظره.
أم تستمد منه العون والقوة وتنسى ما كان حتماً سيدمرها.
وتبدأ من جديد.
أخذت ثوانى ليست بالكثيرة تراود عقلها الي أن وجدت لسانها ينطلق بحكواها المريرة.
قصت على أبيها مابدر منها منذ البداية للنهاية إلى أن قالت فى آخر حديثها:
" كنت عاملة زي المسحوبة مش لاقية حد يوجهنى للصح، كانت عاملة زي الشيطان يابابا في الوسوسة بتاعتها وسحبتنى وراها زي المسحورة وعملت حاجات مكنتش أعرفها ولا كنت أتخيل إني اعملها ابدا في يوم من الأيام."
انخلع قلبه مما استمع إليه ومما سردته.
مرددا داخله قبل أن ينطلق لسانه:
" آه وألف آه صغيرتي كيف لكي أن تتحدثي تلك الخلاعات أمامى وأنا مطالب مني أن أبتسم وفي عينى ألف دمعة."
وتحدث لسانه متسائلاً:
" طيب ممكن اعرف هي كانت بتطلب منك ايه بالظبط ووصلتي لحد فين في اللي طلبته منك ؟"
اخذت انفاسها بصعوبة ثم اجابته:
" كانت بتطلب مني البس لبس مكشوف وعلمتني حركات اغراء زي اللي بتتعمل في الفيديو كليب واكتر منها علشان خاطر الفيديوهات تجيب مشاهدات بزيادة وقناتي تدخل الربح كانت بتخليني اشوف بنات تعمل زي ما احنا ما بنعمل بالظبط."
كانت تحكى لأبيها وهى تنهج بشدة وكأن أسوداً تلاحقها من شدة نهجها.
وتابعت:
" اخر مره طلبت مني اني ادخل مواقع واتكلم مع شباب علشان احقق ربح اكتر لكن انا رفضت، فضلت تتحايل عليا كتير لكن قلبي كان بيقول لي ان دي حاجه غلط، وهي اللي خلتني اعمل بلوكات لكل اللي حواليا من الأكونت الجديد وانا كنت ماشيه وراها زي العامية بس ما قدرتش اني اعمل اكتر من كده وفضلت زي ما انا على طريقة الفيديوهات دي وهي تحاول معايا وانا ارفض لحد ما ماما عرفت وسحبت مني الموبايل واعتذرت لها كتير ووعدتها اني مش هعمل كده تاني."
تصبب عرقا من نار قلبه التى انتقلت إلي جسده جراء مااستمع إليه منها.
وتسائل فضولا:
" طيب ممكن اعرف ايه اللي خلاكى تدورى دلوقتي وتكسري الموبايل؟ ما انتي خلاص بعدتي عن الطريق ده واعترفتي انك غلطانه ايه اللي وصلك للعياط الجامد ده وخلاكي تعملي في الموبايل كده؟"
اجابته وهي تنظر الى الهاتف بابتسامة وكأنها شفيت من وهمه:
" دخلت اشوف الفيديوهات اللي انا كنت بعملها وانكسرت وانا شايفاني واحده غير الطفله اللي كانت اول امبارح اخر همها انها تلبس احسن ماركات في العيد ، شفت التعليقات وكم القذارة اللي فيها قلبي وجعني على نفسي وساعتها حسيت بالانحطاط واني ما بقتش الطفله البريئه فلقتني بكسر الموبايل 100 حته وكأني بعملتي دي بدفن اقذر حاجه عملتها في حياتي ومش عايزه افتكرها تاني."
لا يمتلك شيئا غير الابتسامه كي يداويها من تلك الأوهام التي عاشتها وربت على ظهرها بحنان وهو يردد بأمل:
" خلاص يا حبيبتي طالما اعترفتي بغلطك وعرفتي انه كان طريق ما يصحش تمشي فيه ممكن ننسى اللي فات وانا لسه شايفك الطفلة البريئة يا قلبي وتعالي نبدا من جديد وانا خلاص مش هسيبك وهبقى جنبك وعمري ما هتخلى عنك تاني، عايزك اي حاجة موتراكى مهما كنتى شايفاها ما لهاش لازمة في وجهة نظرك بالنسبة لي هبقى مبسوط جدا وإنتي بتحكيها لي وبتستشريني فيها وهتلاقي حضني حصن أمين ليكي يا قلبي."
ثم قبلها من جبهتها وأخذها بين أحضانه يهدهدها برفق وگأنها الجوهرة الثمينة التي يخشي عليها من الخدش.
بعض الناس تكون حياتهم رحلة من الضياءيُمضونها في إنارة الطريق للآخرين، فأحياناً يضيئون لمن حولهم بكلمة تسعدهم، و أحياناً برأيٍ يُعيدهم إلى رشدهم، و أحياناً بإبتسامة تؤنس قلوبهم، و أحياناً بِدعاءٍ لهم بظهر الغيب يُفرّج همومهم.
الف تحية وسلام لهم.
وصل جميل وريم الى مكتب المحاماة التي ستنهي في معركتها مع هؤلاء الذين آذوا روحها ولكن رزقها الله بأب اقترح عليه ما يبرئها منهم.
جلسوا جميعا بعدما ألقى جميل تحية السلام بكل وقار معتاد عليه فتحدث المحامي الخاص بهم وهو يمد لهم اوراق الإرث كى تمضيها وينفض ذلك النزاع.
كانت نظرات اعتماد لها كالنار الحارقة وخاصه انها تراها جميلة ولا ترى انكسارها التي افتعلت كثيرا كي تراه.
أما ذلك الزاهر كان ينظر اليها برغبة فقد كانت عيناه تراها انثى لم يرى مثلها قبل.
رأت نظراته الدنيئة لها عندما مرت عيناها بعيناه صدفة فقابلت نظراته باحتقار وحمدت ربها انها قلعت جذورها من هذا البيت.
اخذ جميل الورق ورماه بإهمال مرددا:
" ومين قال لك ان احنا عايزين نتنازل عن القضية بالسهولة دي يامتر ؟"
وتابع بنظرات تحوي قوة بداخلها:
" انا بنتي ليها حق عند الناس دي اكتر من الميراث، الست دي اذتها نفسيا ومعنويا وبهدلتها وعيشتها ايام سودا ما يعلم بها الا ربنا وعايزنا نتنازل كده بسهولة."
ذُهِلَ ذلك المحامي مرددا:
" انا اللي فهمته من المتر تبعكم ان النهاردة هنفض كل حاجة والاستاذة ريم هتتنازل عن المحضر في مقابل هتاخد حقها كامل بما يرضي الله."
سكت جميل كي يلعب بأعصابهم الى ان اشار بعينيه الى ابنته ان تتحدث.
رفعت قامتها لأعلى بكبرياء وهي تنظر لهم تلك النظرة كي تثأر لكرامتها من هؤلاء الذين أهانوها ورددت:
" انا عندي اقتراح أحسن يا بابا اظن هيعجب زاهر وهيخليه راضي اكتر وخاصة ان انا اطلعت على الأوراق دلوقتي ولقيت نص الميراث مش متسجل فيها اصلا، ما انصدمتش ولا حاجة ده العادي بتاعه واللي كان دايما باهر الله يرحمه بيحكي لي عنه وانا اقول له كبر دماغك وما تخسرش اخوك وارضى بالموجود واحنا مش محتاجين."
اتسعت مقلتيه على آخرها وأردف ناكرا لكلامها بالافتراء:
" كلام ايه اللي انتي بتقوليه ده! انا لا يمكن اكل حق اليتيم مش محتاج اني اعمل كده اصلا، ولو عندك حاجة تثبت انه غير ده اتفضلي طلعيها."
اهتز فكها بنبرة سخرية من آكل مال اليتيم ذاك وأردفت بكيد تعلمته خصيصاً لأجلهم:
" مش محتاجه حاجه اثبت بيها اللي انا بقوله لك لأن انا وانت والست دي عارفين كويس ايه اللي لينا بس هي منيمة ضميرها ومسكتاه بالأوهام اللي هي عايشه فيها."
واسترسلت كلماتها بذاك العرض:
" زي ما قلت لك قبل كده انا ريم المالكي اللي تشم ايديها تشبع فأنا جايه اعرض عليكم عرض هيريح الجميع."
انصتوا اليها بشدة ولفتت انتباههم بكلامها وتابعت حديثها:
" انا جايه اقول لك ان انا عايزة اتنازل عن ميراثي وميراث ولادي بالكامل ومش عايزه اي حاجه منكم وهتنازل عن القضية كمان في مقابل تتنازلوا لي عن اولادي وانكم ما لكمش علاقة بيهم ابدا طول العمر وحتى بعد مماتي."
انفتح فاه تلك الاعتماد على وسعه اما زاهر فقد جالت الفرحه على علامات وجهه وكانت ظاهره للأعمى يراها.
فهو عاشقا محبا للمال بشدة.
فرددت تلك الاعتماد:
" ده ايه الكرم ده كله يا ست ريم هانم يا ترى في دماغك ايه عايزه تعمليه علشان كده عايزه تتنازلي عن الميراث؟"
انتفض جميل بشدة وقام من مكانه وامسك يد ابنته مرددا بأمر وهو ينظر لتلك الاعتماد بقوة:
" مش قلت لك العالم دي ما بتجيش بالحسنى خلينا مكملين بالمحاكم زي ما احنا وخليكي انت يا ام باهر على سوء الظن عايشه ربنا يعينك على اللي انتي فيه واللي ربنا هيحاسبك عليه وانتي ما تعرفيش اثر الكلمه السوء ايه وحساب قذف المحصنات ايه."
وتابع كلماته وهو ينظر إلي ابنته:
" يلا يا بنتي نمشي احنا اصلا غلطنا ان احنا سمعنا كلام المتر بعد ما قعد يتحايل علينا قد كده علشان نيجي وطالما فيها قعده حريم وهم اللي بيحكموا والرجالة ما لهمش لازمة يبقى ما يشرفناش نقعد في القعدة دي."
انتفض زاهر عندما رأى وجوم جميل وانه على وشك المغادرة فأمسك يداه قائلا:
" استنى بس يا استاذ جميل الكلام أخد وعطا اهدى وكل حاجة هتتحل في القاعدة دي بإذن الله."
واستطرد كلماته وهو ينظر إلي والدته هاتفا بتحذير أحرجها أمامهم كلهم وما توقعته منهم:
" لو سمحتي يا ماما انا موجود وانا هنا اللي أقرر ايه اللي هيحصل وايه اللي مش هيحصل ممكن نهدى بقى علشان نخلص الموضوع ده ونفضنا من المحاكم والحوارات دي."
استشاطت اعتماد غضبا من احراج ولدها لها وصمتت عن الحديث باكراه لما راته من غضب ابنها والذي لم تراه من قبل وتحدث زاهر بموافقه تدل على دنائته:
" احنا موافقين يا استاذ جميل على عرضك هي حره مش هنجبرها تستلم ميراثها بالعافية وبالنسبة للأولاد وقت مانحب نشوفهم هنشوفهم فمش هتفرق تنازل من غيره."
هنا نظر كل من جميل وريم الى هؤلاء معدومي الضمير والإنسانية وحقا شعر بمأساة ابنته التي عاشتها في ذاك المنزل.
ولنكن منصفين ففقيدهم كان من أحسن الرجال خلقا.
كانت ريم تود ان تنعتهم بكلمات تليق بهم ولكن قبل ان تنطق بها منعها والدها بعينه واشار إليها ان تصمت قبل ان تتحدث وأردف ساخرا:
" ما كنتش اعرف انك بتحب الفلوس اكتر من المبادئ والأخلاق! ما كنتش اعرف انك ممكن تقبل على نفسك ورث ولاد اخوك اللي مات وحقهم علشان خاطر تتنازلوا لها عن الولاد ويعيشوا معاها في سلام وامان بعيد عن شركم، انت عارف انا كنوز الدنيا دلوقتي ما تهمنيش غير ان بنتي طلعت من البيت ده بنفس مطمنة."
واستطرد متهكما لتلك الاعتماد التي تجلس والغليان يقطع أمعائها:
" تسلم تربيتك ياأم باهر وحلال عليكم الجمل بما حمل ويارب يبارك لكم فيه بحرامه وبحلاله."
أنهى كلماته ثم أعطى المحامى الخاص به الأوراق كي يدونوا إمضاءهم للتنازل عن أولادهم.
فتناولها زاهر على الفور بأصابع ترتعش فرحا لقلبه المريض.
وجعل والدته تمضى هى الأخرى.
وخرجوا جميعا فى تلك اللحظة كل في سيارته وذهبوا إلي الشهر العقاري ودونوا التنازلات من كلا الطرفين والآن أصبحت ريم حرة طليقة بأبنائها ولم يهدد أمنها أحدا مرة أخرى وانتهت حياتها مع مثلث الشر الذي أنهك روحها.
ولقد أمنها جميل فى التنازلات بشدة بحيث لا يقدرون على الطعن بها يوماً من الأيام لكى يأمن ابنته من غدرهم.
وبعد أن خرجوا نظر إليهم جميل قائلا:
" فعلاً النهايات أخلاق وتشكرى ياأم باهر على أخلاقك، ومبروك عليكم مال اليتامى تتهنى بيه يارب."
فجر كلماته وتأبط ذراع ابنته وذهب من أمامهم بقامة مرفوعة وشموخ ليثبت لهم أن الأموال بالنسبة لهم سراب لا هى غاية ولا حتى وسيلة.
وكان ذاك جميل ولا يزال أبا رائعا يمتلك حسن البصر والبصيرة.
هناك مواقف تحدث في حياتنا نظنها مهلكة لقلوبنا ولو تمعنا النظر بها وتركناها لأمر الله ستمنحنا منح اكتسبتها قلوبنا من ألف محنة.
خرج رحيم من الجامعة متأخراً وأحس بوحشته الشديدة لمريم ووجد سيارته تنطلق الي وجهتها فلقد تحدث معها كثيراً أن تعود إلي فيلتهم وتسكن الملحق الذي كانت تمكث به قبل ذلك لأنه غير مطمئن عليها فى تلك الشقة أو من الأصح يحتاجها بجانبه فى ذاك كل مكان ولكنها رفضت بشدة وهو لم يكل في إقناعها وحتماً سينفذ مايدور فى عقله.
وصل أسفل البناية فلقد علم وجود صديقتها عندها حينما كان يحادثها ولكنه لم يخبرها بقدومه.
وصل إلي الشقة وضرب الجرس الخاص بها وفتحت له صديقتها الباب.
ألقى التحية مرددا بوقار:
" السلام عليكم ورحمه الله، ازيك يا جنة، أخبارك ايه."
ردت عليه السلام بوقار مماثل:
" وعليكم السلام ورحمه الله، بخير يادكتور الحمد لله."
واسترسلت حديثها وهى تحمل حقيبتها تنتنوى المغادرة:
" أنا كنت لسة ماشية حالا، مريم جوة في المطبخ بتعمل قهوة، عن إذنك."
أفسح لها المجال أن تغادر فمريم زوجته ويصح له التواجد معها.
دلف إلي المطبخ بخطى بطيئة كي لاتشعر له وسمعها تتسائل:
" مين ياجنة اللى ضرب الجرس ؟"
اقترب منها رويداً رويداً وهمس بجانب أذنيها بهمس:
" لأ أنا كدة هزعل، معقولة محستيش بوجود جوزك حبيبك ياروح قلبي."
انتفض جسدها من همسه ومفاجأته لها ولفت وجهها إليه وإذا بها تقبع بين أحضانه لقربه الشديد منها وكادت ان تبتعد عنهم الا انه امسكها من خصرها بسرعة قبل أن تبتعد هامسا لها:
" مش عيب تبقي فى حضنى وتبعدى عنى، شكلى موحشتكيش بقى."
كان الخجل يصب في وجهها بكثرة ولسانها كأنه ابتلع من تأثرها بقربه واستجمعت الكلمات مرددة بتوتر:
" انت جيت هنا ليه من غير ريم أو بابا جميل؟ إحنا مش متفقين على كدة."
رفع حاجبيه بمكر وهتف:
" والله مانا اللى جيت بمزاجى لومى على ده."
وأشار إلي قلبه وتابع مكره:
" حتى قربى منه كدة واسمعى دقاته وهو هيجاوبك."
ازداد توترها وخجلها وتحدثت وهى تحاول الابتعاد عنه:
" رحيم ابعد مينفعش كده، أصلاً وجودك هنا معايا لوحدنا مينفعش حتى لو انت جوزى، فده كتب كتاب بس."
تمسك بها بشدة وأردف بوله وهو ينظر داخل عيناها:
" لا مش هبعد بذمتك فى حد تبقى روحه بين ايديه ويسيبها، ده يبقى بيموت نفسه يرضيكى أموت وميبقاش فيه رحيم اللى هيموت على حضن مريم."
كان يتحدث برقة أذابتها وجعلتها تائهة في بحور عيناه التى مثبتة عليها بوله.
وأردفت بنفس الخجل:
" طيب أرجوك ابعد بقى علشان بجد مش قادرة أسيطر على أعصابى بسببك."
" أه قولى بقى انى دوبتك من همسة ونظرة وابتسامة …."
كلمات دعابية نطقها ذاك الرحيم بخفة وأردف:
" مش متحرك من مكانى إلا لما تقولي لي بحبك يارحيم وإلا هعمل حاجات تانية مش هتعجبك، وبصراحة نفسى متقوليهاش علشان أنا نفسي أفضل فى حضنك ومفارقهوش أبداً."
أحست بأنه بدأ يقترب أكثر فأكثر فعلى الفور استسلمت وأدلت اعترفها برقة مغلفة بالخجل:
" بحبك يارحيم، ابعد بقى وتعالى نقعد فى البلكونة."
بإرهاق روحه عشقاً أجابها:
" ده رحيم تعب وجاب أخره ياروما، ده بحبك طالعة منك قمر وانتى بتقوليها قولا أمال لما تنفذيها فعلاً إيه اللى هيحصل ساعتها."
وتابع بمشاغبة وهو يحرك احدي حاجبيه:
" ده أنا كدة هدوب يابنت قلبي."
حينما رأت استرخاء يداه أفلتت منه بسرعة وجرت من أمامه وهرولت إلي الشرفة وهو لاحقا بها مرددا:
" الله إحنا فينا من كدة ياقلبي طيب قابلى بقى بعد كدة وانتى اللى بدأتى."
قال كلماته تلك وهو يلحق بها وقبل أن تصل إلي الشرفة أمسكها من يدها وثبتها مكانها قائلاً:
" عمرك ماهتعرفى تهربي من رحيم يابنتى."
ثم اقترب منها مرددا وهو يشدد من احتضان يداها:
" أنا كنت واقف محترم وانتى اللى جبتيه لنفسك بقى."
كاد أن يقترب منها إلا أنها أفلتت يداها وضربته بخفة على صدره هاتفة:
" إنت عايز ايه يارحيم بجد كدة مينفعش ؟"
أجابها بأريحية:
" عايزك تلمى هدومك دلوقتي حالا وتنزلى معايا نرجع الفيلا ياكدة ياهتلاقينى كل يوم هنا وأنا بقى مش مسؤول عن اللى هيحصل بعد كدة."
قطبت جبينها وأردفت برفض:
" إحنا اتكلمنا فى الموضوع ده كتير وقلت لك إن أنا مرتاحة في بيتى هنا يارحيم."
لم يعجبه ردها الذي يرفضه تماماً وأجابها:
" بس أنا مش مرتاح يامريم وعلى أخرى ها على أخرى فانجزي وهاتى هدومك علشان انتى حرة بقى."
دبت أرجلها أرضا وأردفت بنبرة معترضة:
" بس أنا مش عايزة أجى هناك إلا لما أكون مراتك وتعملى فرح كبير."
أجابها بإبانة:
" ومين قال انى مش هعمل لك فرح كبير! ده أنا هعمل لك فرح ولا ألف ليلة وليلة، وكدة كدة إحنا مش هنتجوز في الفيلا مع بابا أنا عندى شقتى الخاصة في الكومباوند يعنى هتخرجى من بيتك على بيتك بردو."
فركت يداها بتوتر وأخرجت مافى قلبها عما يؤرق صدرها:
" بصراحة كدة أنا مش عايزة أضايق ماما فريدة ولا أخليها تزهق منى كل لما تشوفني من الأفضل خلينى بعيدة يارحيم."
اتسع بؤبؤ عينيه مما تفوهت به وأردف:
" ايه ده مين قال لك التخاريف دي! ايه اللى هيضايق ماما، دي بالعكس هتبقي فرحانة بوجودك قوي."
وتابع توضيحه مبررا:
" وبعدين انتى مشفتيهاش اتعاملت معاكى إزاي ساعة كتب كتابنا وبعده، وبتكلمك علطول وبتسأل عنك زي مابتسأل على راندا أختى بالظبط، سيبك بقى من الأوهام دي وقومى يالا، ولعلمك بقى أنا مصمم انك هترجعى معايا النهاردة يعنى هترجعى."
رأت تصميمه تلك المرة وأنها محاصرة منه فقامت من مكانها وهى تتمتم:
" خلاص ياسيدى خلاص هقوم أجهز شنطتى أهو."
وفرت من أمامه إلا أنه لحقها ممسكا بذراعيها قائلا بغمزة من عيناه:
" تحبي أدخل معاكى أساعدك فى تجهيز الشنطة علشان ماتتعبيش لوحدك ياجميل."
رفعت حاجبيها باندهاش لجرائته وأردفت بتحذير وهى ترفع سبابتها أمام عيناه:
" والله إن اتحركت من مكانك مانا جاية معاك مكان وانت حر بقى."
لوى شفتيه باستنكار وردد:
" خلاص يابنتى انتى مابتصدقى ولا ايه، أنا الغلطان انى خايف عليكى وعلى تعبك، أدى قاعدة."
أسرعت الي غرفتها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح خوفاً من تهوره وبدأت فى تجهيز حقيبتها وبعد مرور نصف ساعة خرجت وهى تحمل تلك الحقيبة قام من مكانه وأخذها منها ثم اصطحبها أخيراً إلي مايريد وارتاح باله.
في مجموعة مالك الجوهري حيث تدلف ريم بطلتها الخاطفة للأنظار رغم رقتها وأثناء سيرها قابلت علي أمامها ألقت السلام عليه فرد عليها بوقار:
" وعليكم السلام ورحمه الله اهلا يا استاذه يا اللي مشرفانا ورافعة راسنا."
ابتسمت ريم على اثرائه واردفت بتساؤل:
" اهلا يا استاذ علي، إزاي مش فاهمة."
رفع كلتا يداه في الهواء وأجابها:
" دي بقى مش انا اللي هجاوبك عليها مالك مستنيكي في المكتب سأل عنك كذا مره روحي وهو يعرفك كل حاجه ومبروك مقدما."
شكرته بامتنان وتوجهت الى مكتب مالك دقت على بابه وحينما اذن لها بالدخول ولجت بابتسامة وهي تلقي السلام برقة.
طار قلبه فرحا عندما رآها ثم قام من مكانه مرحبا بها ولما لا فهي حبيبة أيامه وعوض زمانه قائلا بنفس الابتسامة:
" وعليكم السلام يا ريما، اتفضلي نورتى المكتب."
خطت بقدميها الى الكرسي الموضوع امام مكتبه واذا به تحرك من مكانه وجلس مقابلتها فهو يحبذ دائما ان تكون امام عيناه مباشرةً.
اما هي فتحدثت باستفسار:
" الأستاذ علي بيقول لي ان في أخبار حلوة ومن الأفضل اني أسمعها منك يا ترى في تقدم ولا ايه طمني؟"
أجابها بمراوغة يحبذها دائماً معها:
" على طول كده عايزة تعرفي الأخبار الحلوة، انا عايز بقى مكافئتي قبل ما أعرفك الأخبار يا كده يا مش قايل حاجة."
رفعت حاجبها باندهاش واردفت بذهول:
" مكافئتك! ده اللي هو ازاي يعني يا مستر ممكن افهم ؟"
قطب جبينه بملل وأردف بتحذير:
" مستر مستر! شوفي بقى هنتفق على اتفاق لما نكون لوحدنا ما تقوليليش مستر خالص بحب اسمع مالك طالعة من بين شفايفك، بيبقى الاسم مختلف تماما عن ما بسمعه من اي حد تمام يا قمري."
اخذت نفسا عميقا ثم تحدثت:
" تمام ممكن بقى تقول لي ايه الأخبار الحلوة انا مشتاقة اني أسمع أخبار حلوة؟"
حرك رأسه رافضاً وأردف بتصميم:
" لا مش هقول حاجة خالص الا لما أسمعها منك الأول وجها لوجه واظن احنا خلصنا خلاص من المشكلة الكبيرة بتاعتك والمفروض بقى تفضي لمالك حبيبك ولا ايه."
خجلت بشدة من تصريحه أمامها وفركت يداها بتوتر ولم تستطيع ان تنطق حرفا واحدا فتابع هو:
" تعرفي ان الخجل بيزيدك جمال على جمالك ارجوكي يا ريم انا عايز ناخد خطوة بقى في علاقتنا وبجد مش قادر استنى اكتر من كده."
رفعت عيناها ونظرت داخل عيناه وهتفت برقة:
" تمام انا موافقة ان احنا ناخد الخطوة ومستنياك تجيني وتطلبني من بابا يامالك."
اتسعت عيناه بذهول من أثر فرحته وعدم تصديقه بأنها اخيرا نطقتها وهتف باندهاش وكأنه يريد أن يتأكد لما استمع إليه الآن:
" بجد يا ريم اخيرا اجي لباباكي اوعي تكوني بتريحيني وخلاص ؟"
أومأت له بابتسامتها وأجابته بتأكيد:
" بجد انا خلاص تعبت من كتر التفكير وقررت اني ادي علاقتنا فرصة أنا محتاجاها قبلك."
وده ان يخطفها بين أحضانه لكي يريها أثر سعادته بحديثها فلقد فاجأته اليوم ولطفت على قلبه برقتها ثم تحدث بامتنان:
" مش عارف اشكرك ازاي انك هتدينا الفرصة دي لأني بجد زي ما انتي تعبتي في حياتك وعنيتي السنين اللي فاتت انا كمان تعبت جدا، وتسمحي لي اعزمك على العشا بكرة علشان خاطر احكي لك كل حاجه عني و احنا الاتنين نفتح صفحة بيضا ونبقى على نور من البداية، وان ا حابب كمان انك تعرفي كل حاجة عني علشان ابقى كتاب مفتوح قدامك وتبقى علاقتنا كلها وضوح من بدايتها."
أجابته بابتسامة:
" مش هقدر اني اقبل العزومة قبل ما استأذن بابا الأول واشوفه هيقول لي ايه."
وتابعت حديثها بفضول:
" ممكن بقى تقول لي ايه الأخبار انت شوقتني خالص؟"
شبك كلتا يداه في الأخرى وأجابها بفخر:
" في ان العرض بتاعك الخاص بالزي المدرسي كسر الدنيا ودلوقتي مش ملاحقين على الأوردرات المطلوبة مننا جوه مصر ولا بره مصر حتى كمان، انتي كنتي مبدعة في تصميماتك بطريقه هزت عالم الأزياء وخاصة ان الزي المدرسي ده حاجة جديدة خالص وفكرة جديدة ما حدش عملها قبل كدة."
كم احست بالفخر بحالها في تلك اللحظة بالتحديد وشعرت أنها كانت ستدفن موهبتها التي تعشقها والآن تيقنت ان كل ما حدث لها ما هو الا بأمر الله وشكرته داخلها وحمدته على عطاياه.
وهتفت بابتسامة عذبة:
" والله فرحت قلبي شكل ما يكون الخبر ده جه في وقته لأني كنت متضايقة جدا."
ضيق عينيه وهتف بنبرة قلقة:
" متضايقه من ايه في حاجه حصلت ولا ايه تاني؟"
هزت رأسها بنفى وأردفت:
" لا ما فيش جديد ما انا حكيت لك المقابلة اللي حصلت ما بيني وما بين حماتي وابنها بس اللي كان مضايقني اني طلعت مخدوعة فيهم و مغشوشة، انا والله ما يهمنيش الفلوس قد ما كان يهمني اني احس بأصلهم وان ولادي يفرقوا معاهم لكن من الواضح ان الفلوس فعلا بتغير النفوس."
هدأها بحديثه الراقي:
" ولا يهمك من اي حاجه طول ما انا جنبك ما تقلقيش على الأولاد هعاملهم زي ما يكونوا ولادي بالضبط وعايزك تنسي بقى اللي فات من حياتكم كله بحلو وبمره وما تفكريش في اي حاجة غير سعادتك إنتي وبس."
بعد مرور وقت قصير عادت ريم الى مكتبها تباشر عملها اما مالك غادر المجموعة وذهب الى منزله بسبب قدوم زوج هيام اخته اليهم فلقد اكدت والداته عليه ان يكون حاضرا.
عاد مالك الي منزله وجد والدته وهيام يجلسون وهم يتحاورون في نفس الموضوع وبعد مرور نصف ساعة من مناقشتهم وصل زوجها.
رحبت به عبير وقابلته بابتسامة.
أما مالك كان حزيناً لأجل أخته فرد السلام ببرود:
" أهلاً يارامى، أخبار الأولاد ايه مجبتهمش معاك ليه ؟"
أجابه رامى مرددا بهدوء:
" الأولاد مع ماما بخير الحمدلله، معلش مجبتهمش لأنى مش حاببهم يبقوا موجودين في التوقيت ده علشان ميسمعوش كلمة كدة ولا كدة ويتأذوا."
أومأ مالك بخفوت وتحدث بلا مبالاة:
" تمام عين العقل، ندخل في الموضوع علطول."
واسترسل حديثه باستنكار:
" انت إزاي تتجرأ وتمد ايدك على أختى وتطردها فى أنصاص الليالي؟! انت متعرفش إن ليها أخوات يبلعوك بسبب عملتك دي واللي انت عمرك ما شفت منهم حاجة وحشة، ازاي جات لك الجرأة يا رامي انك تعمل كده في اختي اللي انا مستأمنك عليها؟ مش حركة رجولة منك انك تعمل كده في ام ولادك وتضربها وتطردها في أنصاص الليالي."
شعر بالضيق من حديث مالك واردف بإبانة:
" انت عارف طريقة اختك واسلوبها كويس في التعامل وانا بجد قرفت منها ومن العيشة معاها وزعلان على سنين عمري اللي ضاعت وانا متجوزها وباقي عليها وبضحي علشان خاطر اولادنا وهي ولا في دماغها."
انتفض مالك من وصفه الدميم لأخته وهتف بتحذير:
" لما تيجي تتكلم عن هيام الجوهري في وجود اخواتها ووالدتها يا ريت تتكلم بطريقة كويسة لأن انا لحد دلوقتي بتعامل معاك برقي وما حاسبتكش على ضربك ليها اللي ممكن ارده لك عادي دلوقتي وانت عارف ان انا قادر على كده."
اتسعت عيناه باندهاش وهتف بقلب ينفطر ألما:
" هيام مين اللي انت بتتكلم عنها وعايز تضربني عشانها انت ما تعرفش انا مستحمل العيشة مع البني ادمة دي ازاي ومش عشان ما كنتش بشتكي تيجي عليا انت عارفها كويس يا مالك خليك منصف."
هنا تحدث مازن بصوت عالي بعض الشيء:
" معلش يعني يا رامي انت قاعد في وسط اخواتها والدتها وبتشتم فيها ولا بيهمك يا تظبط كلامك وتعدل لسانك وانت بتتكلم عنها يا اما هتشوف وش تاني مش حابب تشوفه."
ثم تحدثت عبير:
" مهما كان اللي حصل ما كانش ينفع تضربها وتطردها في أنصاص الليالي حركه مش رجولة منك خالص يا ابني."
الى هنا وقد فاض الكيل به ثم قام من مكانه وهو يردد عليهم عذاب السنين كالقنبلة:
" والله العظيم اللي انتم بتدافعوا عنها دي ما تستاهلش، هي مش بنتك يا طنط بس عمرها ما كان عندها اي ولاء لإنك والدتها اما بقى انتم الاتنين فهقول لكم حاجة هتخليكم مصدومين في البني ادمة دي صدمة عمركم."
واسترسل حديثه وهو يضرب بتلك الهيام ولا يبالي:
" انا حابب أعرفك يا مالك حاجة مهمة جدا الست هانم اللي انت قاعد بتدافع عنها ومحموق قوي عشانها وعايز تضربني وانت عمرك ما شفتش مني الا كل خير عاشت سنين تحط لك حبوب تسبب لك العقم على مدى السنين ولولا أنا اكتشفت عمايلها السودا دي بمحض الصدفة كان زمانك دلوقتي فعلا بقيت عقيم ومنعتها تماما انها تعمل حركة زي دي وهددتها اني هقول لك وخاصة لو عرفت ان ما فيش تقدم في حالتك ساعتها هعرف انها لسه بتعمل عملتها السودا دي، ها لسه هتدافع عنها ؟"
هنا دارت الدنيا حولهم جميعاً وكأن القيامة سوف تقوم الآن من هول مناظرهم، والرؤيا أصبحت مشوشة والقلوب تدق كالطبول والمشاعر تنتفض فزعا، فالأخت تجبرت وفعلت بأخيها فعلتها الشنعاء وما عاد فيها من الخير ذرة.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فاطيما يوسف
هنا دارت الدنيا حولهم جميعاً وكأن القيامة سوف تقوم الآن من هول مناظرهم، والرؤيا أصبحت مشوشة والقلوب تدق كالطبول والمشاعر تنتفض فزعاً. فالأخت تجبرت وفعلت بأخيها فعلتها الشنعاء وما عاد فيها من الخير ذرة.
انتفضت عيني الهيام هلعاً من نظرة مالك ووالدتها لبعضهما وهتفت بتكذيب له:
"انت بتقول ايه يابنى أدم إنت منك لله!"
واسترسلت وهي تنظر إلى أخيها وتبتلع أنفاسها بصعوبة:
"متصدقهوش يامالك ده كذاب أنا عمري هعمل كدة فيك!"
ودارت وجهها إلى والدتها وأمسكتها من يدها مكملة تكذيبها:
"طبعاً يا أمي انتي مش مصدقاه وعارفه إنه بيكذب."
كانت تحادثهم وهي في حالة هياج شديدة، فرد مروان مطمئناً لها وهو ينظر إلى رامي نظرات احتقار واشمئزاز:
"اهدى ياحبيبتي اهدى إحنا مصدقينك، أما إنت مش بس طلعت قليل الأصل ده إنت طلعت واطي كمان."
وقام من مكانه وفي لحظة كان ممسكاً بتلابيب قميصه وكاد أن يضربه إلا أن مالك تحدث بهدوء ما قبل العاصفة:
"مروان اقعد لو سمحت وسيبه."
تحدث مازن بغضب:
"أسيبه إزاي يعني إنت مش سامع القرف اللي بيقوله، ده باينه اتجنن وفلتت منه ولازم يتربى."
صاح مالك بمروان صيحة عالية:
"بقولك اقعد وسيبه واسكت بقي."
أما عبير كانت تنتفض فزعاً في داخلها لما هو آتٍ والذي لا يبشر بالخير أبداً، وهي على يقين بصدق رامي. ونظرت إلى ابنتها وهي تحاكيها بعينيها:
"كيف لكِ يا ابنتي أن تظهري بوجه ملاك وتفعلين كما الشيطان! أيعقل أن تكوني مدمرة أخيكِ طيلة السنين وأن تفعلي به هكذا! لاااا يا قلبي اهدئي من رجفتك كي تستعدي لحرب الإخوة الأعداء الضارية، تمهل يا عقلي واثبت يا جسدي فالقادم نار لا محالة فيا ربي كن بجانبي فثمرة أيامي ستحصد دماراً أمام عيني، فاللهم الصبر والقوة والثبات من عندك ربي."
وجه مالك سؤاله ببرود قاتم:
"ممكن أعرف عرفت الكلام ده منين؟"
اعتدل في جلسته وهو يساوي هيئته التي تبعثرت على يد ذاك مروان وتحدث بكل ثقة:
"الهانم دخلت عليها مرة فجأة لقيتها ماسكة شريط حبوب وأول ما شافتني خبيته ورا ضهرها وارتبكت، طبعاً افتكرت إنها بتاخد حبوب منع الحمل علشان خاطر هي مش عايزة تخلف تاني وأنا كنت دايماً بضغط عليها عشان نفسي في طفل تالت وهي كانت رافضة. في البداية ولما لقتني مصمم قالت لي إن الدكتور بلغها إن مسألة خلفتها بقت ممنوعة لأسباب طبعاً اخترعتها لي وإنها مش هتخلف تاني، صممت إن أنا أشوف الشريط اللي في إيديها وأخدته منها غصب عنها، لقيته شكله غريب مش حبوب منع حمل خالص لأن أنا عارفها كويس من أيام ما كانت بتاخدها قبل كده، ببص على الشريط ما فهمتش منه حاجة، بحثت على جوجل وعلى كذا موقع لقيته إنه بيسبب العقم على مدى الوقت عند أي راجل. هجت عليها وضربتها جامد وكانت هتموت في إيدي ساعتها لأني افتكرت إنها بتحطه لي أنا، لولا إنها اعترفت لي إنها بتحطه لك أنت، ساعتها انصدمت، سألتها إزاي تعملي العملة السودا دي ويجي لك الجرأة تعملي في أخوكي كده، قالت لي يعني هي العيال هتعمل له إيه هتجيب له صداع ودوشة ووجع دماغ، أنا بريحه من هم مش واخد باله منه، وبعدين أنا بعمل لمصلحة ولادنا فمن الأفضل إنك تسكت وما تتكلمش. طبعاً ما رضيتش إني أسكت وهددتها إن أنا هقول لك، وعلشان خفت على إخوتكم وإن أنا ما أوقعش بينكم أجبرتها إنها تبطل الحكاية دي من سنتين بالضبط وقلت لها هعرف إن إنتي بطلتيها ولا لا وهسأل عن حالة أخوكي على طول وأشوفه بيتحسن في العلاج ولا لا، لو ما لقيتهوش بيتحسن ههد المعبد على دماغك، وفعلاً كل مرة يا مالك لو تفتكر بسألك كل فترة انت صحتك عاملة إيه والعلاج عامل معاك إيه وأنت كنت دايماً بتطمني إن الدكاترة بيقولوا إنه فيه تحسن."
وأكمل قنابله الموقوتة:
"سكت غصب عني علشان خاطر ما أشوهش صورة أم ولادي قدام أي حد حتى لو كانوا أهلها وما حدش يذل ولادي في يوم من الأيام إن أمهم بالأخلاق دي، لكن خلاص مش قادر أستحمل معاها أكتر من كده وجبت آخري."
هنا تحدثت عبير بملامة:
"يا ريتك كنت فضلت ساكت يا رامي وما اتكلمتش وكنت سترتها وربنا كان هيجعله في ميزان حسناتك، أما دلوقتي أنت عملت مصيبة كبيرة بكلامك ده وأنت مش واخد بالك."
واسترسلت حديثها وهي تنظر لولدها والتي ترى الحزن الدامي ينبعث من نظرة عينيه القاتمتين:
"ارجوك يا مالك اهدى يا حبيبي والحمد لله إنك ربنا شفاك وأنا ليك عليا هربيها وهعلمها الأدب بس ارجوك ما تسمعش حد بينا ولا تعمل حاجة تندم عليها بعد كده."
كان صامتاً يتألم ينظر إلى أخته نظرات متشعبة بالغضب تارة وبالملامة تارة وبالتواعد تارات. كان يشك أنها الفاعلة به هكذا ولكن كان يكذب حدسه دائماً، كما أنه شك في طليقته أكثر منها. لم يتفاجأ من تلك الكلمات التي ألقاها زوجها كما روعه الموقف الآن، فأخته كانت ستجني عليه بحقدها وحبها للأموال التي كان يغدقها بها ولم يحرمها منها يوماً من الأيام. فسألها بفحيح:
"ليه يا هيام تعملي فيا كده يا بنت أبويا! ليه تدمرى سنيني وتخليني عشتها سودة وخليتيني حاسس دايماً بالنقص وإن رجولتي مش مكتملة! أذيتك في إيه أو عملت لك إيه؟ كنت طول عمري ليكي أب وأخ وصديق وعمري ما كنت وحش معاكي؟"
ثم على صوته ودوى في المكان بأكمله مما أفزعهم جميعاً:
"ليه يا هيام لييييييييييييه انطقييييييي."
ارتعبت من صوته وهيأته كما ارتعب الآخرون، وهنا أحست بمدى حماقتها وخستها وقامت من مكانها ونزلت تحت قدميه متذللة:
"أنا آسفة يامالك حقك عليا أنا غلطانة وحبي للفلوس عماني وخلاني مش عارفة أنا بعمل كدة إزاي…"
وكادت أن تكمل توسلاتها إلا أنه فاجأها برفسة من قدميه هوت بها بعيداً عنه وجعلتها تلتصق بالحائط وتوجعت بشدة لقوة دفعها. قام من مكانه وذهب إليها ممسكاً بخصلات شعرها يلويها بين أصابعه بعنف مردداً بعيون تلتمع احمراراً من شدة ألمه:
"آسفه مين اللي انتي بتقوليها هو انتي عورتي لي صباعي مثلاً ولا ضربتيني غصب عنك، ده إنتي دمرتي لي سنيني وخلتيني زي الملطشة في إيد اللي يسوى واللي ما يسواش، إنتي خربتي لي حياتي وضيعتي لي شبابي اللي كان نفسي أجيب فيه طفل وأبقى أب وأحس إني إنسان."
واستطرد باستنكار شديد:
"إنتي متخيلة إنتي عملتي فيا إيه وحجم الألم والعذاب اللي عشتيني فيه! إنتي موتيني بالحيا سنين بحالها حسرة على حالي وأنا عايش على أمل إن ربنا يشفيني أو حتى يبقى فيه أمل، لكن كل مرة حالتي كانت بتدهور أكتر من المرة اللي قبلها والدكاترة مش عارفين إيه السبب ومن مين أختي بنت أمي وأبويا لحمي ودمي."
ثم سألها بفحيح:
"قولي لي يا هيام عملتيها إزاي دي كنتي بتحطي لي الحبوب إزاي؟"
زاغ بصرها ولم تجبه، فصرخ بها غاضباً:
"انطقي كنتي بتحطيه إزاي ياهيام بدل ما أخلص عليكي حالا؟"
انتفضت ذعراً وأومأت بخفوت:
"كنت بطحنه وأحطه لك على برطمان القهوة بتاعتك."
انصعقوا مما استمعوا إليه من تلك الشيطانة والتي في صورة إنسانة، وضربت والدتها على صدرها بذهول وعدم تصديق:
"آه يابنت بطني! ده أنا مخلفة شيطان بقى مش بني آدمة، روحي يا شيخة منك لله قلبي وربي غضبانين عليكي ليوم الدين، منك لله، منك لله."
وذهبت إلى مالك ودفعته إلى أحضانها بقلب تحسر ألماً وتجرع مراراً على فقيدها وتحدثت وهي تشد من احتضانه:
"آه يابن عمري حقك عليا أنا يانور عيني، حقك علي قلبي ياقلب أمك، والحمد لله ربنا شفاك ورد كيدها وغلها وهي اللي اتدمرت وخسرت زوج زي رامي وعيال ملايكة زي ولادها وأم وإخوات وعيلة زينا وبقت زي سلة الزبالة بالظبط كله بيبص لها باشمئزاز."
أما مروان تحدث متعجباً وهو يضرب كفاً بكف على ذاك المشهد الذي زلزله وجعله يشفق بشدة على أخيه:
"ده إيه ده يا بنتي! ده إنتي الشيطان المتجسد في صورة إنسان، لا والله أنا كده بظلم الشيطان، ده إنتي بجد مريضة نفسياً يابنتي وعايزة تتعالجي."
انسحب رامي من بينهم بضمير يؤنبه ولكنه تحمل منها ما كفى عمراً بأكمله وهي ابنتهم، فليتحملوها فقد طفح كيله واكتفى. أما مالك صعب عليه حاله وواقفاً في المنتصف بين والدته التي تنظر له برجاء وبين وصية أبيه القابع في قبره. يود أن يفتك بها وأن يخفيها من على وجه الأرض، فكم صعب ذلك الشعور تجاهه يشعر كأنه مكتوف الأيدي، يريد أن يثأر ولكن من من! يريد أن ينتقم ولكنها بنت أبيه. فردد بعد تفكير عميق بعزم كعزم الجبال وهو يكتم جراحه داخل قلبه مردداً أمام الجميع:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، فوضت أمري فيكي لربنا وهو جبار منتقم هياخد بحقي منك، واعملي حسابك من النهاردة ملكيش أخ اسمه مالك اعتبريه مات."
انفطرت والدته لأجله وبكت بدل الدموع دماء لخاطره، أما هيام صارت تشهق بشدة لما آلت إليه من الجميع وكأن السنين القادمة من عمرها هي سنين الجفاء التي ستحياها. فتحدثت إليه والدته كي تخفف وجيعته:
"الـوجع عـد مـاهو طـعمه مُـر وقـاسـى وبيعَيشـك ف جحـيم ومـرار بـس هيفَـوقـك، والـخذلان صـعب لكـن أوقـات بـتـبـقى نـهـايـتـه راحه وعَـوض يـبل ريـقـك ويـغـنـيـك ويـبـهـرك، إطـمـن رزقـك وعـوضـك عـن تـعـبـك ووجـعـك مـن الـدُنيا والـلى شـفـتـه والله جـاي بـس إنت أصـبـر."
قبّلها مالك من جبينها وتفهم كلماتها وصعد إلى جناحه بقلب متألم وروح منهكة.
***
عاد رحيم بمريم إلى منزله وهو يتمسك بيد حبيبته بتملك عاشق متيم، فمنذ ابتعادها عن المكان الذي ولد فيه عشقهما وهو حزين بشدة لفراقها، فقد اعتاد رؤيتها صباحاً ومساء وعندما كان يشعر بوحشتها تسوقه قدماه إليها في دقيقة واحدة. دلفا الاثنان وهو يردد لها بترحاب:
"حمد لله على سلامة الأميرة، نورتي قصرك ياحبيبتي."
بادلته الابتسامة بمثلها وأردفت وهي تنظر إلى المكان باشتياق:
"الله يسلمك ياقلبي، المكان منور بيكم كلكم."
واسترسلت بوحشة:
"متتصوريش المكان هنا وحشني قد إيه، قضيت فيه أجمل أيام في عمري رغم قلتها."
ثم تذكرت ما حدث لها هنا من وجيعة لروحها أيضاً قائلة بوجه حزين:
"وبرضوا شفت فيه وجع كل لما أحاول أنساه برجع أفتكره."
احتضنها من ذراعيها وهتف يهدأ من روعها وهو ينظر داخل عينيها الساحرتين:
"خلاص بقى ياروما، ليه تفتكري الوحش ده ماضي وانتهى ومش عايزين نفتكره تاني، امسحي من حياتك نهائي وخليكي دايماً واثقة في حبي ليكي وإن عمري ما هبعد عنك أبداً واكدت لك وعدي ده بدل مرة ألف مرة."
واسترسل حديثه وهو ينظر لها نظرات اشتياق:
"تعرفي ملامحك بريئة قوي زي الأطفال من أول مرة عيني جت في عينك وأنا كنت بتشد لك كل يوم عن اليوم اللي قبله بحسك مني وبحس إني مسؤول عنك وحتى لما بتتوجعي كأني أنا اللي بتوجع، شفتي أنا وصلت في حبك لقمة الحب ولسه برده ما جبتش نهايته."
أحست بمدى صدقه من نظرة عينيه التي تعشقها، فرحيم بالنسبة لها روحها وقدرها الآمن. وهتفت بعشق مماثل:
"أنا بقى أول مرة أعرف معنى الحب كان معاك أنت برغم إني زيي زي أي بنت اتعرض عليا من كذا حد إني أحب لما كانوا بيصرحوا لي إنهم معجبين بيا وفي منهم برده كان مقرر فكرة الارتباط، بس ساعتها مكنتش حاسة بأي مشاعر من اللي أنا حسيتها معاك، أنا معاك حسيت باللهفة لما كنت عارفة إني جايلك المكتب أسأل عن حاجة، وحسيت بالغربة لما سبت هنا المكان وبعدنا عن بعض، وحسيت بالحب الكبيييير لما اتحديت الظروف وكسرتها علشان مريم يا أجمل رحيم."
داعب وجنتيها بيداه وتحدث هائماً:
"ورحيم علشان مريم يعمل المستحيل علشان بس يوصل للحظة زي دي، علشان تبقى مريم بين إيديه وملكه، علشان دقات قلبه متستحقش إلا مريم."
وتابع بوله وهو يحتضن وجهها بين كفي يديه:
"ياه يا مريم عشقك فاق الحدود ونفسي بقى ربنا يجمعنا على بعض وتبقى ملكي قولاً وفعلاً، مشتاق لكل لحظة سعادة وأنتي فيها في حضن رحيم."
ذابت من كلماته وتاهت في بحور عينيه العاشقة وأغمضت عينيها وهي تعيش سحر اللحظة بين يديه. أما هو بحركتها تلك أثارته بشدة واقترب منها وعيناه تنظر لها برغبة واشتياق لم يشعر بهم طيلة حياته إلا في حضرة تلك الصغيرة. ثم قبلها بحب ولهفة وكانت بين يديه تائهة لا خبرة لها في مجاراته قبلته العاشقة لها. ما أجمل لقاء الحبيبين بعد العناء، وما أجمل أن يقتنصا من الزمن لحظات في الحلال تروي قلوبهم، ولكن ابتعدت عنه ما إن استمعت إلى قدوم سيارة جميل. وصارت تنظر له بخجل شديد، وعدلت من حجابها الذي بعثره لها ذاك رحيم الذي يجن بين يديها وتصبح مشاعره ثائرة عليه بشدة. رآهم جميل من بعيد وذهب إليهم مردداً السلام:
"السلام عليكم ورحمة الله، ازيكم ياولاد، عاملة إيه يامريومة؟"
ردت سلامه بترحاب شديد:
"الله يسلمك يا بابا، أنا تمام الحمد لله، إنت أخبارك إيه؟"
أومأ لها ذاك جميل بابتسامة:
"هو في حد يشوف مريومة القمر وميبقاش رايق، ده إنتي البسكوتة اللي نورت مكانها، حمدلله على سلامتك يا بنتي."
وتابع حديثه وهو يهز رأسه:
"متتستغربيش أنا اللي قايل للولد ده يروح يجيبك، وبعدين هو كان يستجرأ يهوب ناحية الشقة هناك من غير إذني، ده أنا كنت بهدلته، بس هو طلع شطور بيسمع الكلام صح ولا هو جا لك مرة كده ولا كده من ورايا؟"
ضحكت بشدة عندما رأت وجوم ملامح رحيم واردفت بنفي:
"لا والله يا أونكل هو فعلاً شطور وبيسمع كلامك ما فيش مرة جالي فيها بعد كتب كتابنا غير لما كان معاك والمرة دي بس."
قطب جبينه وهو يصطنع الدهشة من كلامهم:
"إنتوا محسسني إنكم بتتكلموا عن طفل نونو."
واستطرد قائلاً وهو يشير إلى حاله بفخر:
"أنا على فكرة الدكتور رحيم ودي مراتي يا بابا يعني أروح لها وأشوفها في أي وقت ومن غير إذن."
وتابع حديثه وهو يتراجع عنه عندما رأى نظرات الغضب تنبعث من جميل:
"بس بردوا مينفعش أتعدى على حضرتك ده إنت وليها ولازم أستأذن برده."
ضحك الاثنان على طريقته الدعابية في التراجع عن حديثه. سمعت ضحكاتهم فريدة فأتت إليهم مرددة بترحاب لمريم وهي تأخذها بين أحضانها:
"إزيك ياحبيبتي، نورتي بيتك."
واستطردت باستفسار وهي تنظر إليهم:
"ما تضحكونا معاكم كده ولا إحنا في همكم بس مدعيين."
قص عليها جميل ما قاله رحيم بنفس طريقته فابتسمت ودعتهم للدخول لتناول العشاء فقد قارب الليل.
***
مر ثلاثة أيام لم يذهب فيهم مالك إلى المجموعة وقد كان مغلقاً جميع هواتفه، فكان يحتاج إلى عزلة كي يداوي جرح قلبه الدميم. فازداد قلق ريم لأنها لم تتعود عليه غيابه تلك المدة الطويلة بالنسبة لها، فهو كان يشاكسها ليلاً ونهاراً ولم يترك لها فرصة إلا وكان يحادثها هاتفياً أو أن يستدعيه إلى مكتبه. ومما زادها قلقاً أكثر أنه دعاها للعشاء منذ يومين ولم يهاتفها كي يتفقا على الموعد مما جعلها ترتعب في داخلها أن يكون ليس بخير. كانت محرجة جداً أن تهاتف صديقه علي أو تسأله حينما يقابلها عليه ريثما أن لا أحد يعرف بعلاقتهما، ولكن ضربت بخجلها عرض الحائط. في أثناء سيرها في الممر المؤدي إلى مكتبها قابلت علي صديقه وسألته:
"ممكن أعرف مستر مالك فين ما بيجيش بقى له تلت أيام وقافل تليفوناته كلها وأنا في شغل متعطل معايا ولازم يتابعه معايا."
نظر لها نظرات مؤسفة لأنه على علم بكل شيء حدث لصديقه الغالي على قلبه ورأى أنه الآن يعيش أسوأ أيام عمره، فالذي مضى من أزمات وندبات لقلبه قبل ذلك لا يشبه ذرة وجع من الذي يشعر به الآن، وهو على علم بعشق صديقه بتلك ريم. فجالت في باله فكرة أن يعرفها أين يكون الآن وتذهب له كي تفاجئه وتهدئ من حزنه المرير. فأجابها بنبرة حزينة نابعة من عينيه يراها الأعمى:
"مالك في أزمة نفسية شديدة جداً يا ريم وحالته صعبة وأنا خايف عليه جداً يجرى له حاجة بسبب اللي حصل له."
ما إن تفوه ذلك العلي بتلك الكلمات حتى صارت دقات قلبها عنيفة بشدة وجالت في عقلها آلاف التساؤلات ومن أهمها:
"أ يتركني ذلك مالك بعد أن عشقته! أمن الممكن أن يذهب بعد أن تعلقت به هو الآخر! لا ياربي كن بجانبي ولا تريني فيه مكروهاً فأنا الآن عاشقة ذلك مالك الذي أخرجني من قمة الحزن إلى منتهى السعادة بتقربه مني."
ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وأومأت بخفوت خوفاً من ما سيخبرها به:
"ماله يا علي قلقتني جداً؟"
واستطردت بعيون تنطق خوفاً:
"هو مالك جرى له حاجة؟"
بنظرات حزينة وقلقه على صاحبه أجابها:
"مالك في احتياجك دلوقتي جداً وأظن ما فيش غيرك تقدر تطلعه من حالته دي."
وتابع توضيحه بأسى:
"أنا دلوقتي هوّديكي المكان اللي هو موجود فيه هو محرج عليا جداً أعرف حد مكانه لحد ما يداوي ألمه لكن أنا شايف إنه من ساعة اللي حصل وهو على نفس حالته وبصراحة كده أنا شايف إن ما فيش حد أقرب لقلب مالك واللي هيطلعه من اللي هو فيه غيرك إنتي يا ريم."
واستطرد بإبانة عندما رأى علامات الاندهاش على وجهها:
"ما تستغربيش، أنا عارف كل حاجة عن مالك لأن أنا وهو يعتبر أكتر من الأخوات مش أصحاب بس علشان كده أنا شايف إن ما فيش غيرك هيقدر يرجع ابتسامة مالك الجوهري، ها نتوكل على الله؟ هو حالياً قاعد في مكانه المفضل اليخت بتاعه واللي تقريباً مقيم فيه من ساعة اللي حصل ويا ريت ما تسألينيش عن اللي حصل أفضل إن هو اللي يحكي لك كل حاجة."
لم تفكر كثيراً فقررت أن تذهب معه على الفور فهي لن تتحمل فقدانه هو الآخر وخاصة بعد أن أحبته بشدة، وأجابته:
"إنت لسه بتسألني يالا من فضلك وديني ليه علشان إنت قلقتني أووي."
ابتسم لها براحة قلب واطمئن قلبه أخيراً على صديق عمره وعلى أنه حقاً وجد الحب الحقيقي بعد عذاب سنوات من الضياع، وانطلق بها إلى مكان مالك وبعد نصف ساعة وصلا إلى اليخت، وصعد بها إلى الداخل وأشار بها إلى مكانه واستأذنها في المغادرة كي يترك لهما مساحة للكلام كي يصلا إلى بر الأمان في علاقتهما. ساقته قدماها إليه وهو يجلس شارداً مغمض العينين أمام البحر. نظرت إليه مطولاً وهي تحفر معالم وجهه المتألمة والسارحة في ملكوت الوجع. لم تمكث كثيراً تنظر إليه نظراتها الهائمة حيث استمعت إليه يردد وهو مغمض العينين كما هو وفي حالة استرخائه ملقياً جسده على تلك الأرجوحة مردداً:
"ياه كان قلبي حاسس إن قلبك هيجيبك وهتيجي لي في أشد أوقات احتياجي ليكي."
اتسعت مقلتاها بذهول وأردفت تحادث حالها لوهلة:
"يا إلهي كيف علمت بوجودي وأنت مغمض العينين!"
أحس بذهولها وقام بفتح عينيه مردداً بإحساس عالٍ لا يخرج إلا من عاشق:
"متستغربيش إني حسيت بوجودك وعبيرك اللي بحسه من الجنة، ومين زيي يحس بحبيبه اللي استناه سنين لحد ما لقاه."
وقفت قبالته وأردفت ودمع العين يلمع من شدة تأثرها ووجدت لسان حالها ينطق دون وعي:
"بحبك وجيت لك علشان أقول لك خلاص يالا نبني عشنا الجديد ومن النهاردة لو حابب."
كان يملك وجعاً يكفي العالم بأكمله مما حدث له وما إن استمع إلى اعترافها قام منتفضاً من مكانه. وقف أمامها مع مراعاة المسافة مردداً بارتياح توغل جسده:
"يااااااااه ياريما أخيراً قلتيها وأخيراً سمعتها."
وتابع هيامه بها وهم في مشهد يحبس الأنفاس فالشمس ورائهم قد قاربت على الغروب والبحر أمامهم ونجوم السماء تضوي بريقاً لامعاً فقد حان الوقت لانطلاق العاشقين في سماء الحب المتيم لقلبهم:
"كلامك كأنه هدية نزلت من السما برد قلبي الموجوع بالظبط زي المطر اللي نزل في صحرا زرعها قرب يموت واخير ارتوى من عطاء الله."
أشار إليها بعينيه أن تجلس على تلك الأرجوحة فنظرت إليه بحب وجلست نفس مكانه، وكم أحست بشعور الدفء. أما وهو جلس على الكرسي الموجود أمامها وتابع حديثه:
"عارفة أنا بتخيل إيه دلوقتي ياريم."
بصوت خفيض أجابته:
"إيه ياقلبها."
ابتسم بعشق جارف وأجابها:
"بتخيل إننا هنتجوز النهاردة وأجيبك في نفس المكان، ونقعد أنا وإنتي نفس مكانك ده، وبتخيل قربك مش عارف حاسس إني هبقى في حبك وقربك أناني لدرجة متقدريش توصلي لها."
دقات قلبها تتسارع من كلماته فهو بارع في حديث المحبين، ومن شدة خجلها ابتسمت وهي تومئ برأسها أرضاً. أما هو أكمل ولهفه بها فقد أنسته حزنه في لحظة، كم هي جميلة في نظره وأردف بنبرة صوت عاشقة:
"ياه مقابلتش في نوعيتك دي ستات خالص ياريما، إنتي نوع مختلف خجلك يشد يخلي أي راجل يبقى عايز يقتحم حصون الخجل دي، إنتي متعرفيش إنتي بتعملي فيا إيه وجوايا بيبقى ثاير ومحتاج وملهوف لقربك."
وتابع بتأكيد:
"يعني كل الستات اللي أنا عرفتهم واللي منهم عاشرتهم مكنوش زيك أبداً، فعلاً إنتي غيرهم."
خرجت من حالة التيهة التي انتابتها جراء تصريحاته الأخيرة وأردفت باندهاش:
"ستات، وعاشرتهم! ليه إنت راجل مزواج وأنا مش واخدة بالي، ولا بتاع ستات ولا إيه بالظبط؟"
ضحك بشدة حتى سعلت عيناه من غيرتها البادية على وجهها وطريقة حديثها وأردف بنبرة مشاغبة:
"الله، ده القمر طلع بيغير بقى وأنا واخد بالي أوووي."
مطت شفتيها بدلال وأردفت بنبرة معترضة:
"بغير مين، لااااا متقلبش المواضيع وتتوه لازم تحكي لي كل حاجة دلوقتي حالا ده أولاً، ثانياً تقول لي ليه مختفي بقالك تلت أيام وقافل تليفوناتك؟"
يا الله لقد نسي حزنه في قربها ولكن الآن ذكرته مرة ثانية. أخذ نفساً عميقاً ثم زفره بهدوء وأجابها:
"أنا اتجوزت مرتين، أول مرة نهال كنا عايشين نوعاً ما كويسين، اتجوزتها وأنا مالك اللي لسه متخرج من كلية الفنون ومكنتش أملك حاجة خالص، وقفت جنبي وساعدتني وادتني دهبها، فتحت مصنع صغير بقرض كبير من البنك وبقيت أشتغل ليل نهار علشان أقدر أسدد القرض، وتمر الأيام والسنين وأكتشف إن عندي مانع من الخلفة، والدكاترة مش قادرين يعرفوا المانع ده من إيه، ومقدرتش تصبر كتير من زن أهلها طلبت مني الطلاق ومش بس كده طالبتني بدهبها وبفلوس كانت جايبالي من والدها وكانت دين عليا هسده في وقت معين، ضغطت عليا جامد وشدت الحبل أووي وسابتني في عز ما أنا محتاجها مادياً ومعنوياً."
وتابع حديثه وعلامات وجهه متأثرة بذكراه المريرة:
"كنت كونت معارف وبدأ اسمي يظهر واستلفت لها الفلوس من كل مكان، وقررت إني مستسلمش للضعف والخذلان وصنعت من عز الضعف قوة لنفسي لا يستهان بها وبقيت مالك الجوهري، عافرت سنين وسنين وكنت بتابع مع دكتور واللي خلاه يتعجب إن بدأ يشوف إن العلاج بيجيب نتيجة معايا لكن في حاجة غامضة هو مش فاهمها، ومرت الشهور ونهال عرفت إن حالتي بتتحسن فحاولت مراراً وتكراراً إننا نرجع لبعض لكن أنا رفضت بشدة، وسافرت روما علشان أحضر المعرض السنوي وهناك قابلت جوليا واتعرفت عليها واتجوزنا في أربع شهور، لكن لقيت طباعي غير طباعها واتطلقنا بعدها بشهرين."
لم يريد أن يفشي لها سر طلاقه منها ولا أن يخبرها أنه طلقها في نفس الليلة التي تزوج بها كى يحفظ سرها فمالك رجل بمعنى الكلمة. وهناك رحت تابعت مع دكتور كبير، وعملت تحاليل جينات من ساعة ماتولدت ولكي أن تتخيلي قال لي إيه الدكتور على التحاليل.
سألته بانتباه لكل كلمة:
"قال لك إيه الدكتور ساعتها؟"
كان موجوعاً، متألماً، مجروحاً، ولكن أجابها كي يهدأ ويرتاح باله:
"قال لي إني قعدت سنين آخد علاج سبب لي عقم، وإني كنت سليم وطبيعي جداً."
شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فمها تكتم صوتها وفتحت عينيها على وسعهما مرددة بذهول:
"معقولة الكلام ده! مين قدر يعمل فيك كدة؟"
بعينين داميتين أثر تذكره أحبها:
"أختي بنت أمي وأبويا."
اتسعت بؤبؤ عينيها وهتفت باستنكار:
"أختك! إزاي تعمل كدة؟ إنت متأكد، متظلمهاش."
نظر أمامه بشرود:
"تصوري إني قررت بعد تفكير كتير إني مدورش وأسأل وأستفسر عن اللي عمل كدة علشان كنت خايف من الوجع اللي مهما قلت لك إحساسه مرير قد إيه مش هتصدقي."
وتابع بمرارة في حلقه كمرارة العلقم:
"جوزها اللي عرف بمحض الصدفة ومنعها إنها تكمل أذيتها ليا، ولما اختلفوا مع بعض بسبب مشاكلها اللي مش بتخلص اتكلم وقال لنا على اللي عملته، ساعتها الدنيا اسودت في عيني، وعلشان وصية أبويا ليا إني أخلي بالي من أخواتي، ونظرة أمي اللي الوجع كان قرب يخرج منهم وينطق معملتهاش حاجة، وسبت البيت وجيت على هنا وأنا محطم ومتدمر من الأخ اللي معدش فيه خير لأخوه."
تنهد بقوة بعد أن أنهى حكواه فأغلقت عينيها من هول زفيره وأومأت تطمئنه:
"طيب ممكن ننسى اللي فات ومنفكرش فيه ونبدأ في اللي جاي وكفاية ألم لحد كدة."
تعلقت عيناها به بنظرة ضائعة أرْجفت ذلك القابع بين أضلعه. أشاح عينيه عنها ثم زفر أنفاسه بقوة:
"تفتكري هقدر، ولا أنا كده بقيت بقايا روح تعبت من المعافرة؟"
بنظرة مبتسمة خلقتها من ضلع وجعها عليه أجابته:
"متقلقش هبقى معاك وهنداوي جروح وندوب قلوبنا مع بعض، ويمكن الوجع اللي عشناه إحنا الاتنين نخلق منه السعادة ونحافظ عليها علشان منتوجعش."
أومأ لها بفقدان أمل:
"اللي عاش حياته كلها بيتألم وفجأة اتفتحت له أبواب السعادة هيفضل كل لحظة مستني لحظات السعادة تختفي كالعادة لحد ما يفقد لذته بالفرحة من كتر الانتظار ومن كتر قناعته إن الفرح مش مكتوب له."
هتفت بنفس نبرة التفاؤل والأمل:
"مين قال ربنا سبحانه وتعالى رزقنا نعمة النسيان وصدقني خليك واثق إن رب الخير لا يأتي إلا بالخير."
وتابعت بابتسامة لتذكرها ذاك الأب الحنون:
"كلمة دايماً بابا جميل بيقولها لي، وكمان دايماً بيشجعني إني أنسى آلامي وبيردد لي 'ولسوف يعطيك ربك فترضى' وعلشان كده عندي حسن ظن بربنا سبحانه وتعالى لأبعد الحدود."
هدأت روحه من كلماتها وحقاً شعر براحة نفسية توغلت روحه من مجرد كلمات أراحته بها، فحقا كلمات الحبيب لها تأثير شديد في قلوب محبيهم! أ كلمات المحبين تداوي جروحاً دميماً كانت ستأكل في رياحها الأخضر واليابس! نعم فهي كذلك مجرد كلمات عبارة عن دواء لندوب قلب، وغذاء لهلاك روح. ود في تلك اللحظة أن يسحبها لأحضانه بل ويسحقها داخلهما كي ينعم بدفء نعيمها ويتنعم بقربها، فتحدث متأثراً من كلماتها:
"كنتي فين من زمان ياريم؟ كنت محتاجك أوووي في حياتي، اتأخرتي أووي وضاع من عمري كتيير على ما قابلتك."
شعرت بتيهته وأجابته بعفوية:
"كل شيء بأوان ووقت ما ربنا أراد اتقابلنا."
سألها بحيرة:
"إنتي بجد حبيتينى زي ما أنا حبيتك ولا مجرد شعور بالارتياح وإني صعبت عليكي."
رأت نظرة الضياع في عينيه حينما سألها، وردت إجابته مثلما قالتها منذ قليل ولكن تلك المرة شعرت بالخجل من حصار عينيه ونظرت أرضاً دليلاً على خجلها. رأى صمتها وأحس بخجلها وردد:
"متتصوريش لو قعدت عمري كله أبص لك مش هزهق."
وظل ينظر إليها وقد غربت الشمس وأتى الليل بسحره على العاشقين، وكلاهما استمعا إلى كلمات كوكب الشرق:
يا حبيبي الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره وانت وانا
يا حبيبي انا يا حياتي انا كلنا في الحب سوا
والهوى اه منه الهوى سهران الهوى
يسقينا الهنا ويقول بالهنا
يا حبيبي
ياللا نعيش فى عيون الليل ونقول للشمس تعالى بعد سنة
مش قبل سنة دي ليلة حب حلوة بالف ليلة وليلة
بكل العمر هو العمر ايه غير ليلة زي الليلة
ازاي اوصف لك يا حبيبي ازاي
قبل ما أحبك كنت إزاي
كنت ولا امبارح فاكراه
ولا عندي بكرة استناه
ولا لحد يومي عايشاه
خدتني بالحب في غمضة عين
وريتني حلاوة الأيام فين
الليل بعد ما كان غربة مليته أمان
والعمر اللي كان صحرا أصبح بستان
يا حبيبي يالا نعيش فى عيون الليل
ونقول للشمس تعالى بعد سنة
مش قبل سنة دي ليلة حب حلوة بالف ليلة وليلة
بكل العمر هو العمر ايه غير ليلة زي الليلة.
وفي لحظة اهتزت مشاعره تجاهها وحمل مفاتيحه قائلاً بمشاغبة وبغمزة من عينيه مردداً:
"يالا بسرعة مش هنقعد هنا لحظة واحدة يا إما إنتي حرة أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل."
ما إن رأت نظراته التي تفهمها حتى حملت حقيبتها وهرولت أمامه، صعدت سيارته وانطلق بها إلى منزلهم. وفي أثناء طريقهم نظر إليها قائلاً:
"بصي بقي إنتي تتصلي حالا بباباكي وتعرفيه إن مالك بيستأذن يجي النهاردة علشان يطلب إيدي، وعلي عشرة بالدقيقة هكون عندكم أنا وماما، وحالا أنا هرن على الدكتور رحيم هبلغه يمهدلنا الدنيا."
اتسعت مقلتاها وأردفت بذهول:
"إيه ده إنت بتهزر! الساعة ٦ على فكرة، خليها بكرة طيب."
حرك رأسه رافضاً بقطع:
"لااااا والله مش هستنى تاني ومش هيحصل اتصلي حالا."
وظل ورائها إلى أن هاتفت والدها وأبلغته وأبدى دهشته في البداية ولكن رحب بمجيئه فخير البر عاجله. وبدوره هاتف رحيم وأبلغه كي يدعمه وبالفعل فرح رحيم بشدة لأجل قرارهم المفاجئ وأخيراً سترتاح صغيرتهم بعد عناء دام ثلاث سنوات من فقدانها لزوجها. أوصلها مالك وذهب إلى اليخت مرة أخرى وأبلغ والدته أن تأتيه وهي في قمة شياكتها وأبلغها بما حدث، لأنه قرر عدم المعيشة في مكان تتواجد به هيام ولرجولته ولأنها وصية أبيه لم يطردها وفضل الابتعاد. وأخيراً سيتزوج ويمكث بجانب والدته في فيلته الأخرى المجاورة لها.
بعد مرور ثلاث ساعات ذهب مالك بطلته الخاطفة وشياكته المعتادة واستقبله الجميع بترحاب، وطلب منهم يد ريم وكم أحسوا بالراحة والقبول له ولوالدته عبير تلك الخلوقة. واتفقوا على كتب كتابهم بعد أسبوعين من الآن، تحت دقات قلب ذلك المالك التي تهلل فرحاً لقدوم تلك الملكة تاجا على قلبه وستنير أيامه.
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فاطيما يوسف
رواية بين الحقيقة و السراب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فاطيما يوسف
بعد مرور ستة أشهر على تلك الأحداث.
في كلية التجارة، حيث يقف كل من رحيم وفريدة وجميل وراندا وزوجها وأبنائها ومالك وريم، يستمعون بفخر واعتزاز إلى مناظرة مريم أثناء مناقشتها للدكتوراة.
فهي بعد أن انتهت من دراستها، فورا أخذت الماجستير، ثم اجتهدت وسارعت الوقت، والآن تقف بكل اجتهاد تناقش رسالتها.
وما إن أنهت، حتى ارتخت على مقعدها تنتظر تقديرها من لجنة المناقشة. جلست بتوتر بالغ بان على معالم وجهها، ونظراتهم جميعاً متبسمين لها ويدعمونها بأنها ستحصل عليها بتقدير عال.
ثم انتبهوا جميعاً إلى الدكتور المسؤول عن رسالتها يردد:
"لقد تم منح الطالبة مريم عماد شهادة الدكتوراة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى."
صفق الجميع مهللين ومباركين لتلك اليتيمة التي حصلت على الدكتوراة بتلك المرتبة العالية. هرول إليها رحيم مسرعاً قبل أن يصل إليها الجميع، وجذبها إلى أحضانه وهو يرفعها أعلى ويدور بها في المكان بفرحة عارمة. ثم أنزلها وقبلها من جبهتها مردداً أمام الجميع بفخر:
"ألف مليون مبروك يا أجمل وأصغر دكتورة، تستحقيها يا قلبي وعن جدارة. أنا مبسوط بيكي جدا والفرحة مش سيعاني وأخيراً هنتجوز ونلم شملنا بقى كفاية لحد كدة."
وصل إليهم جميل وجميعهم، فتحدث جميل بعيون لامعة من شدة سعادته بها:
"مبروك يا أجمل دكتورة مريم، أنا بجد فخور بيكي يابنتى، فرحتى قلبي إنك قدرتي تتحدي المستحيل وتبقي الدكتورة مريم عماد."
أما فريدة، فأخذتها بين أحضانها بحنان أم. ففي الفترة الأخيرة، اقتربت منها بشدة وصاروا في كل كبيرة وصغيرة لا يفارقون بعضهم. فقد أحبتها أكثر من بناتها، وألّمت حالها كثيراً على رأيها وازعاجها لتلك اليتيمة قبل ذلك، مرددة بحنان أم نابع من قلبها بصدق:
"مبروك يا مريومة، الف مبروك يا حبيبتي، أنا بجد سعيدة قوي بيكي النهاردة يا قلب ماما. ربنا يفرح قلبك ودايما من نجاح لنجاح يارب."
بادلتها مريم الأحضان بترحاب شديد، فقد تعلقت بها بشدة وأحست منها حنان الأم كما يجب أن يكون، وهي تشكرها بامتنان على وقوفها بجانبها:
"ربنا يخليكي ليا يا أمي، منحرمش منك ابدا. إنتي ليكي نصيب في نجاحي واني وصلت للدرجة دي بفضل ربنا أولا، ثم تعبك ووقفتك جنبي. وعمرك ما بخلتي عليا بوقتك ولا مجهودك ولا حنانك، وكنتي دايما دعم كبير ليا. عمري ما هقدر أوفيكي حقك يا امي."
شددت فريدة من احتضانها وهي تلومها:
"مفيش شكر بين الأم وبنتها يا قلبي، ونجاحك ده كأنه نجاحي بالظبط."
وبارك لها الجميع بقلب سعيد لتلك المريم. وبعد مدة، خرجوا جميعاً وعادوا إلى منزل جميل، فهو قام بعزيمتهم على العشاء في جو أسري فرحت به مريم بشدة.
انقضى أسبوعان على تلك الأحداث، واليوم موعد زفاف مريم على رحيم في أكبر قاعة من قاعات الإسكندرية. وصل إليها رحيم بسيارته إلى صالون التجميل كي يذهبوا إلى حفل زفافهم.
عندما رآها وهي بفستان زفافها، أحس بالفخر بذاته أنه يمتلك تلك الرقيقة وأنها زوجته، وأنه استطاع أن ينالها رغم كل الظروف المحاطة بهم. وصل إليها وأخذها بين أحضانه وشدد عليه بقوة، وكأنه أخيراً انتهى من معركة الوصول إليها.
وبدورها، شددت على احتضانه وهي تنظر أعلى، تحمد ربها على عطاياه لها. انطلق بها إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف، وبدأت مراسم الحفل بعد أن بارك لها الجميع، وكانوا مبهورين بجمالها الملائكي.
والآن، انطلق منظم الحفل يعلن عن رقصة العروسين الأولى. التقط كف يداها وسحبها إلى ساحة الرقص، وهو يتسارع بخطواته حتى وصلا واستقرت بأحضانه. حاوطت رقبته بيداها الصغيرتين، وكل منهم ينظر للآخر بحب وسعادة تكفي العالم أجمع.
وانطلقت الأغنية التي انتقاها رحيم خصيصاً لأجلها:
"أيوه بسببك قادر أكمل، وقت ما بتعب ليكي بروح، لما ببان الدنيا تقفل حضنك آخر باب مفتوح، ياللي عيونك وقت ما بغرق بالنسبة لي دي مركب نوح، إنتي الحتة الحلوة في قلبي، ببقى في قربك مش قلقان، إنتي حبيبتي وأمي وبنتي ومليش بعدك تاني مكان، حبيبتيني في أيام عمري رجعتيني لنفسي زمان."
كان ينظر إلى عينها بعشق جارف وتحدث بهيام وهما يستمعان إلى الأغنية ويؤديان رقصتهما بتناغم يليق بهم:
"الأغنية دي أنا مختارها ليكي وقاصد كل كلمة فيها وبهديها لك من كل قلبي ياقلبي."
ابتسمت له بعينين عاشقتين ورمشت بأهدابها دليلاً على تفاعلها مع حالة الوله التي يعيشونها. واستمعت إلى باقي كلمات الأغنية بقلب يدق فرحاً:
"إحساسي بيكي لو قلت ليكي ميتحكيش، جيتي وبقيتي أهلي وبيتي لو يوم مشيتي إزاي هعيش، عمرك لحظه ما نزلتيني لأ بالعكس أنا بيكي عليت، ولا بعتيني ولا خذلتيني وبتديني أكتر ما إديت، قبل ما بندهلك بتجيني ضهري وسندي لو إتهزيت، نصي التاني إللي بيفهمني قبلك عمري ماهوش محسوب، حبك هو إللي مكملني من نقصي ومن أي عيوب، وسط حياة مليانة حروب، وأنا بين ايديكي إحساسي بيكي لو قلت ليكي آه مابينتهيش، جيتي وبقيتي أهلي وبيتيلو يوم مشيتي إزاي هعيش."
انتهت الأغنية، ثم حملها ودار بها في المكان تحت سعادة المعزومين، وهللوا جميعاً مصفقين لذاك الثنائي الخاطف للأنفاس. بعد ساعتين، انتهى حفل الزفاف وانطلق رحيم ومريم إلى عشهما السعيد.
ما إن وصل بها إلى بيتهم، حتى حملها وانطلق بها مسرعاً إلى الداخل. دلفا إلى شقتهم بنفس راضية مطمئنة. فتحدث رحيم وهو مازال حاملاً لها ويداعب أرنبة أنفها:
"نورتي بيتك ياعروستي، لااااا ده إنتي نورتي قلبي ودنيتي ياأجمل روما في الكون كله."
أنهى كلماته واختطف قبلة سريعة من شفتيها، ثم أنزلها وحاوط خصرها بكلتا يديه مكملاً:
"أنا سعيد قوي إننا اخيرا ربنا جمعنا مع بعض، يا ترى إنتي كمان حاسة بنفس الفرحة اللي أنا حاسس بيها ولا أنا مزودها شوية؟"
أجابته بعشق مماثل وهي تحاوط رقبته بيداها:
"أنا كمان مبسوطة قوي ومش مصدقة إن ربنا عوضني بيك بعد سنين العذاب اللي انا عشتها، مكنتش متخيلة إن أنا هيطلع نصيبي من الدنيا انت يا رحيم."
قطب جبينه وتحدث باعتراض:
"ليه ما تصدقيش يا مريم؟ انتي جميلة وأخلاقك راقية وكل حاجة فيكي بتدل على رقيك وتدينك وجمالك من بره وجوه. ليه شايفه نفسك قليلة كده؟"
وتابع بحب:
"إنتي أجمل حاجة حصلت لي في حياتى، أنا معرفتش معنى الحب إلا معاكى."
وظلا ينظران بوله لبعضهما من سحر اللحظة، ثم بدأ يخلع عنها حجابها. وما إن رأى خصلاتها الغجرية تهبط على وجهها، حتى حبست أنفاسه من روعة جمالها. وانطلق بها إلى رحلة العاشقين كي يسقيها من حبه وعشقه الشديد لها.
***
في منزل زاهر الجمال، حيث تجلس هند مع صديقتها نور، والتي كانت طريق النور لها. فتحدثت هند بقلب موجوع على ما حدث لزوجها:
"حالته صعبة خالص من ساعة الحريق اللي حصل. وهو زهق من كتر عمليات التجميل اللي عملها لنفسه هو وامه ومستكتر على نفسه إن هو يبقى شكله متشوه كده. أي نعم العمليات دي فرقت مع شكله كتير، لكن بقى زهقه وعصبيته وحالته حاله ومبقاش طايق نفسه."
مطت صديقتها شفتيها بامتعاض واردفت:
"والله لازم يرضى بنصيبه. اهي الفلوس اللي اخذها من اليتامى ما نفعتهوش بحاجة وبرده لحد دلوقتي ما رجعلهمش حقهم وهيفضل كده طول عمره يصرفهم على المرض وربنا هيطلعه من بلوة هيوقعه في مصيبة."
تحدثت هند بعيون تلمع دمعاً:
"انتي مش متخيلة انا خلصت كلام معاكي ونزلت وأول ما خرجت من البيت حصل لهم اللي حصل. شفتي تدابير ربنا أنا وبناتي ما نكونش موجودين في البيت."
وتابعت برضا عن نفسها:
"من ساعة ما ربنا شفاه شوية، وأنا واخته عمالين يتحايل عليه يرجع مال اليتيم وهو مش راضي. هو حر، أنا أخليت ذنبي قدام ربنا وعملت اللي عليا."
ربتت نور على ظهرها واردفت بتشجيع:
"انتي ما تعرفيش إن ربنا سبحانه وتعالى بيخزن عنده كل حاجة. فالإنسان لما بيعمل خير بيتحفظ عند ربنا وبيفاديه بسبب الخير ده من حاجات كتير، ومن أهم الحاجات اللي ربنا فداكي إنتي وبناتك بيها إنك مشهدتيش زور، وإنك تقبلتي مني أي نصيحة بقولها لك لوجه ربنا ولحد دلوقتي بتتقبلي وبعدتي نفسك عن أي مشاكل. فكملي في طريقك وإن شاء الله هيسترها معاكي إنتي وبناتك."
احتضنتها هند وهي تحمد ربها داخلها على تلك الصديقة الصادقة، واردفت بامتنان:
"بجد يانور انتى اسم على مسمى، كنتى شعاع النور وسط ضلمتي."
وها هو الصديق الصادق الذي قال الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه العزيز، "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ".
أما في شقة اعتماد، فهي تنام على التخت لا حول لها ولا قوة، وآثار الحروق نظراً لسنها الكبير تملأ وجهها وجسدها بشراهة. فتحدثت ابنتها بصبر قد سئمت منه:
"يا أمي كفاية لحد كده وخلي زاهر يرجع لريم وولادها حقهم. انتي مش حمل عقاب ربنا سبحانه وتعالى لما تقابليه، والعمر ما بقاش فيه بقية. كلمي زاهر وخليه يتنازل عن الميراث بتاع ولاد اخوه وخليه يبدأ صفحة جديدة عشان عنده بنات وكفاية اللي حصل قوي لحد كده. الله يسهل لها، هي بعدت وما بتأذيش حد ولا عمرها أصلا كانت بتأذي حد."
وظلت ابنتها تلقي عليها ارشاداتها ووعظها، إلى أن جعلتها هاتفت زاهر وأمرته أن يتنازل لريم واولادهم عن حقهم في ميراث زوجها، وأصرت عليه أن يفعل ذلك إجباراً.
أما زاهر، فعل ما طلبته منه والدته رغماً عنه، فكتب عليه أن يكون من القاسية قلوبهم، وما أكثر هؤلاء الذين يعيشون بقلب غليظ، وهؤلاء الذين قال الله عنهم "فويلٌ للقاسيةِ قلوبِهم".
***
في مجموعة مالك الجوهري، يجلس هو وزوجته ريم، مردداً لها بتشجيع:
"اهدى يا حبيبي ما تقلقيش، إن شاء الله هتفوزي في المسابقة وهتاخدي اللقب عن جدارة. ومين أصلا يقدر ينافس ريما ستور ولا ياخد منها اللقب."
كانت تفرك يدها بتوتر وتحدثت بملامح قلقة:
"انت ما تتصورش اللي انا داخلة قصادهم عاملين ازاي. دول قدام جداً وليهم اسم وصيت من سنين، وخاصة اللي بتاخدها كل سنة دي غول تصميم ومحدش قدر ينافسها."
قام من مكانه وجلس مقابلتها وأمسكها من يدها واحتواهم بين يديه كي يشعرها بالأمان وتحدث بفخر:
"هو انتي مستهونة بنفسك كده ليه! ده انتي صاحبة ماركة ريما ستور اللي كسرت الشرق والغرب بتصميماتها، وهي مش ظاهرة أصلاً. وانتي في السنة دي عملتي ضجة كبيرة في عالم التصميمات. ولازم يبقى عندك ثقة في نفسك وفي ربنا أولاً إنك هتاخدي اللقب لأنك تستحقيه عن جداره ياحبيبتي."
وتابع بعيون تطمئنها بتأكيد:
"وبعدين اللي إنتي بتتكلمي عنهم دول موجودين في السوق بقى لهم كتير. لو إنتي كنتي خرجتي للشغل وسوق العمل من زمان كان زمانك اكتسحتيهم، وخاصة إن هما عندهم معارض بتخدم تصميماتهم. شوفي انتي بقى في سنة واحدة خرجتي فيها عملتي ايه، وانتي كنتي مكونة اسمك وماركتك وانتي مش ظاهرة. فعلشان كده تأكدي إن ريما ستور هي غول التصميم مش حد غيرها."
وظل يطمئنها إلى أن أتى موعد المسابقة، فتأبطت ذراعيه وانطلقا إلى وجهتهم. وصلوا المكان، وجدوه ممتلئاً بالزائرين. انتقى لها مقعداً بعيداً عن الاستدج وجلسوا، وظل يهدئها وهو ممسكاً بيدها، مردداً بعيون تلتمع فخراً:
"ممكن نهدى بقى خلاص، فاضل ربع ساعة والمسابقة تبتدي ولجنة التحكيم دلوقتي دخلت أهي. نركز بقى علشان تتعلمي من كل حاجة بتشوفيها وتأكدي سواء أخدتي اللقب او ما أخدتيهوش، إنتي حاجة كبيرة قوي وليكي مستقبل باهر في التصميم. لازم تكوني متأكده من كده."
شكرته بعيناها بامتنان لوقوفه جانبها. وبعد دقائق، ابتدأت مراسم المسابقة، وخرجت عارضات الأزياء تؤدين العرض بمهارة، وكل العيون مثبتة عليهم. وبعد ان انتهوا من تقديم جميع العروض الخاصة بالمتسابقات، جاء دور لجنة التحكيم، وانطلق كل منهم رافعاً لوحته برقم التصميم الذي ابدى اعجابهم بشدة. والجميع في حالة توتر شديدة، وكل ينتظر النتيجة.
وها هم يعلنون عنها، وها هي تفوز ريما ستور بصاحبة أفضل مصممة على مستوى الشرق الأوسط. وأعلنت مذيعة العرض:
"صاحبة ماركة ريما ستور هي الفائزة بالمسابقة. تتفضل تطلع تستلم جايزتها."
ثم نطقت اسمها وهي تنظر إلى المدعوين:
"المصممة ريم جميل المالكي."
وضعت يدها على وجهها تمنع دموع عينيها اثر الفرحة. احتضنها مالك أمام الجميع وهو يبارك لها بكل اعتزاز وحب بنجاحها:
"الف مليون مبروك يا قلبي، مش انا قلت لك تستحقيها وبجدارة. اصلا إنتي قعدتي شهرين كاملين تتعبي على الفكرة علشان ما تعمليش حاجة تشبه حد، وفي الآخر ربنا قدر تعبك ومضيعهوش. يلا بسرعة علشان تستلمي جايزتك، وأنا هنا بشجعك بقلبي وبروحي وكل كياني."
شكرته بعينيها بامتنان وصعدت، وقامت بالتسليم على لجنة التحكيم الذين هنؤوها، ثم استلمت جائزتها وادلت بالشكر للجنة التحكيم والقائمين على المسابقة. ووقفت أمام الجميع الذين يصفقون لها بسعادة، وهي تمسك الدرع بسعادة عارمة. ثم عادت إلى مكانها، ووجدت الإعلاميين يتهافتون عليها كي يسجلوا لقاءً حصرياً مع صاحبة أحسن مصممة على مستوى الشرق الأوسط، ريم المالكي.
***
بعد مرور سنة من الآن، كانت مريم وضعت جنينها الأول من رحيم منذ شهران، والذي يعتبر نسخة مطابقة من والدته. فكان جميل سعيداً بحفيده من ولده سعادة غامرة، وعلى نفس سعادته كانت فريدة تحمل الصبي على فخذيها وهي تنظر إليه وتهدهده بحب وكأنه حفيدها الأول.
فتحدث جميل وهو يطلب من فريدة أن تعطيه الصبي:
"ناوليني يا جميل الصغير، لما أحضنه وألعب معاه شوية حبيب جدوا."
جذبته إلي أحضانها وتمنعت أن تعطيه الصبي مردفة برفض:
"لااااا أنا لسه مشبعتش منه حبيب تيتا انسى. شوية كدة وهديه لك."
انزعج جميل من رفضها وأردف بنبرة حزن مصطنعة وعلامات وجه منزعجة:
"لاااا كدة مينفعش، إنتي كدة ظالمة يافريدة، كل لما تشوفيه تفضلي متبتة فيه ومش عايزة تسبيه وكأنه حفيدك لوحدك."
ابتسم كل من رحيم ومريم على مشاغبتهما اليومية. وتحدث رحيم وهو يمد يده لوالدته يطلب منها جميل:
"بعد إذنك ياماما اديه لبابا يبوسه ويحضنه علشان احنا عايزين نروح مشوارنا."
وتابع كلماته وهو ينظر في ساعته:
"لااااا ده إحنا قدامنا مشوارين مش مشوار واحد."
ناولته فريدة الصبي وهي تردد بانزعاج:
"بردوا مصممين تروحوا مشاويركم دي، أنا مش مرتاحة."
وعلى رأيها تحدث جميل:
"وأنا بردوا يابني مش عايزكم تروحوا، وخاصة بالولد."
واستطرد حديثه وهو ينظر إلى مريم:
"ليه يابنتي مصممة تروحي وكمان تاخدي ابنك معاكم؟ كبرى دماغك وانسى وارمى اللي فات ورا ضهرك، هو أصلاً مات."
بتصميم شديد أردفت:
"معلش يا بابا أنا مصممة أروح المشوار ده، نفسي بجد أعمل كدة. وبعدين متقلقش عليا إحنا هنبقى في الأمان."
وجدوا منهم تصميم شديد، فتحدثت فريدة:
"طيب خالو بالكم من الولد أووي وتروحوا وترجعوا بالسلامة وهكلمكم علطول تردوا علشان هفضل قلقانة عليكم لحد ما ترجعوا."
ودعوهم وانطلقوا إلى وجهتهم. فتحدث رحيم باستفسار:
"نروح دار الأيتام الأول ولا المشوار التاني؟"
نظرت أمامها بشرود وأردفت:
"خلينا المشوار التاني الأول وبعدين نختم بالدار علشان يبقى ختامه مسك."
ربت على فخذيها بحنان وتحدث:
"أنا والله العظيم رايح معاكي علشان خاطرك إنتي، ولولا اني مينفعش أبين رفضي قدام بابا وماما كنت منعت إننا نروح."
واستطرد بعيون لامعة بعشقها:
"لكن أنا وعدتك إني هفضل معاكي وهسندك وعمري ماهتخلى عنك في أي موقف مهما كان."
ابتسمت لذاك الزوج البار بها والذي يمتلك قلباً عاشقاً لها منذ بداية معرفتها به. ورددت بقلب ينفطر وجعاً:
"لازم أروح يارحيم علشان أبقى مرتاحة، لازم أثبت لها إنها خسرت وأنا اللي كسبت. ومش شماتة لاسمح الله، لاااا ده قلبي وأيامي اللي اتدمروا بسببها أيام وشهور، لازم أحسسها إنها جريت ورا سراب وأنا دلوقتي اللي بقيت حقيقة."
وظلا يتحدثان إلى أن وصلا بعد مدة إلى سجن القناطر. دلفا إلى الداخل، تحمل ولدها بين أحضانها وهي في قمة شياكتها، حيث كانت ترتدي فستاناً باللون الأحمر ويزينه حجاب باللون الأبيض وترتدي نظارة شمسية، فحقا كانت أنيقة وملفتة للأنظار. وبجوارها رحيم زوجها بحلته الأنيقة، فحقاً كأنه نجم سينمائي، فكانت تليق الأناقة به، وواضعاً يده بتملك على كتف زوجته.
وصلا إلى مكان تلك المى في حجرة الزيارات، ووجدواها تجلس وفي يدها سيجارتها تنفس دخانها بشراهة، وشكلها المشعث واضحاً للأعين. وصلوا أمامها وألقوا عليها السلام. وللعجب، لم تعرف مريم. فتحدثت باستغراب:
"مين انتي ياهانم؟"
أعطت مريم ابنها لرحيم، ثم خلعت نظارتها وأردفت بنبرة شامخة:
"أكيد عرفتيني دلوقتي، ولا أعرفك بنفسي. أنا الدكتورة مريم عماد، وده جوزي الدكتور رحيم المالكي. وده ابننا جميل ثمرة الحب الحلال. ها افتكرتيني."
شهقت بصدمة وهي تنظر لها بانبهار ورددت بغل:
"والله أهلاً وسهلاً. تصدقي لايق عليكى النضافة ياتربية الملاجئ."
لم تقدر على أن تثير مشاعر الغضب داخلها ولا أن تعكر صفو مزاجها. وأردفت بقامة مرفوعة:
"فعلاً تربية ملاجئ وأفتخر. وبصراحة ليا حق أفتخر بنفسي وأبص لفوق أوووي لأني بقيت زي مانتي انبهرتي كدة أول ماشفتيني. حاجة راقية محترمة واتجوزت جوازة راقية تليق بيا."
واسترسلت دفاعها عن مشوار عمر عانت فيه كثيراً:
"أنا جاية النهاردة أثبت لك إنك وانتي في عز قوتك مقدرتيش تدخليني طريق السراب والضياع وأنا كنت في عز ضعفي ومستسلمتش ليكي وسلمت أمري لربنا. ولو كنتي حطيتي السكينة على رقبتي أو حتى عملتي فيا إيه باللذي، عمري ما كنت هبقى زيك أبداً. والأدوار اتبدلت وبقيت أنا في عز القوة وإنتي في عز الضعف، وياريتك توبتي."
نفثت الأخرى دخان سيجارتها في وجهها لكي تشعرها أنها لا تبالي. والحق يقال أن داخلها يغلي. وتحدثت بدم بارد تعودت عليه:
"مين قال كدة ياحلوة، دول كلهم كذا سنة وهخرج أتمتع بالملايين اللي معايا وهبقى زيي زيك بالظبط مفيش فرق. الفلوس بتلمع أي حد ومبيفرقش في مجتمعنا ده كل الهبل اللي انتي جاية تغظيني بيه، من الأخر الدنيا ماشية معاك قرش تساوى قرش."
ضحكت مريم على هرائها وهتفت باستفزاز لها كي تفيق:
"بصي حواليكي حبيبتي وإنتي هتعرفي وانتي خارجة من هنا هيتكتب في سجلك خريجة سجون."
تحدث رحيم إلى مريم:
"بقول لك ايه ياحبيبي مش كفاية ضيعتي من وقتك الثمين مع دي، يالا الندوة خلاص اتنظمت وابتدت ومستنينا وكمان المكان هنا مش لطيف وريحته مش حلوة هيزعج جميل."
ابتسمت إليه وهتفت بموافقة:
"تمام ياحبيبي عندك حق يلا نمشي."
ثم ضربت بيدها على جبينها كعلامة للتذكر:
"أه صحيح نسيت أقول لك ياميوشة اني عندي دلوقتي رصيد في البنك وفلوس كتييير أووووي بشغلي الحلال وبمجهودي يعني من ناحية المادة والفلوس اللي بتتكلمي بيها أنا بقيت غنية بس وأنا نضيفة، باااااااااى."
أنهت كلماتها وانطلقت من أمامها وهي ترتدي نظارتها وتتأبط ذراع زوجها برأس مرفوعة، وخرجت من ذاك المكان وهي الآن في قمة راحتها النفسية. فكم حلمت كثيراً بتلك المقابلة كد تردم جرح قديم مازال دامياً في قلبها، والآن قد شفي. وهي تحادث حالها:
"أنا تِلْكَ المريمُ التى سَافرْتُ رحلة آلامِى حتَّى اسْتَقرَّ أَمانِى. أنا تِلْكَ الطُّفُولةُ التَّى لمْ أحترفُ معانِيها فهماً ولمْ أحيا كلماتِها طيلةَ زمانِى. أنا تلك السِّنِين التِّى قاوَمَتْ كى تَصِل إلى مُنْتَهى نجاحِها بِكُلِّ كفاحٍ وعزمٍ كعَزمِ الجِبالِ، وها أَناَ ذا بِفَضْلِ ربِّي وصَلْتُ إليهِ وشَعُرتُ براحةٍ داخل أوَطانِى."
وصلوا إلى دار الأيتام وبنفس دلوفهم وبنفس الشموخ تدللوا بخطواتهم إلى الدار، ولكن بمنتهى التواضع. ودلفت وهي تنظر إلى كل ركن في الدار بقلب يدق اشتياقاً، فهي لم تخذل يوماً من أنها تربية ذاك الملجأ. كانت تنظر إلى المكان الذي آواها عمراً بأكمله بكل فخر واعتزاز.
بعد أن سلمت على كل أخواتها في الملجأ باشتياق جارف، جلست تستمع إلى مديرة الملجأ في تلك الندوة المقامة. والآن جاء دورها في الصعود كي تلقي كلمتها. نظر إليها رحيم بتشجيع وصعدت. أمسكت مكبر الصوت وتحدثت بعفوية:
"أنا مريم عماد. كتير منكم يعرفني وكثير ميعرفونيش، لكن هحكي لكم حكايتي باختصار. أنا اتربيت هنا زيكم من وأنا طفلة صغيرة وبفتخر إني اتربيت هنا. اتعرضت لمواقف كانت ممكن تدمرني، لكن قاومت وعافرت واتحديت الظروف وكنت أقوى منها وعمري ماسمحت لها تهزمني رغم صعوبتها ورغم إنها كانت بالنسبة لي موت بالحياة. أنا جاية النهاردة أقول لكم انتو أحسن من ناس كتير ولازم تشوفوا الحلو اللي حواليكم ومتيأسوش من رحمة ربنا وتأكدوا دايماً إن الاعتماد على ربنا سبحانه وتعالى هو اللي هيوصلكم لطريق النجاح اللي وصلني ليه أنا من مريم عماد مجرد بنت عادية فقيرة تربية الملجأ للدكتورة مريم، واللي بردوا بقت زوجة وأم لطفل وبفضل الله عايشة مستقرة. فماتيأسوش وتأكدوا إن رب الناس رب قلوب."
صفق الجميع كلماتها الرائعة حينما رأوا أثر الدموع في عينيها. ثم طلبت منها المديرة وبعض زميلاتها:
"غني يامريم، غني يامريم صوتك وحشنا."
نظر رحيم حوله وجد جميع الموجودين نساء، فأشار إليها أن توافق. ابتسمت بامتنان له، فهي تود أن تغني. ثم اشتغلت الموسيقى وقررت أن تغني:
"هنعيش ونشوف معاناة وظروف، والفرحة حترجع من تاني والدنيا هتبقى مصالحاني حالنا بيتغير في ثواني وفي غمضة عين، في سباق ماشيين وفراق وحنين. الشدة تملّي تقوّينا وتبين مين قلبه علينا. على حس الأمل اللي مالينا عايشين راضيين.
ده ياما حكايات أولها ناس بتنسى وآخرها حب لقيناه عوضنا ع اللي عشناه. وياما حكايات خلت حياتنا أحلى والصعب ياما عدّى وتَعبنا كله نسيناه.
في طريق مقفول أول ما نقول يا رب بتفرج في دقيقة وتروح الأوجاع والضيقة. لو سألوا مجرب دي حقيقة مين عاش مهموم. محروق، حتروق والناس حتدوق طعم الأيام وأحلى ليالي وسعادة ما خطرتش في بالي. يوم في النازل يوم في العالي ولا شيئ بيدوم.
ده ياما حكايات أولها ناس بتنسى وآخرها حب لقيناه عوضنا ع اللي عشناه. (وياما حكايات) حكايات خلت حياتنا أحلى والصعب ياما عدّى وتَعبنا كله نسيناه.
إحساس جوّاك تلاقيه قوّاك وتقوم على رجلك من تاني وتقولها لنفسك ده زماني ده أنا ياما إيماني ده قواني وبقيت في ذهول. أيام ورهان على مين كسبان والشاطر هو اللي يعافر ما يقولش تعبت ومش قادر. أصل اللي بيصبر للآخر على طول بينول.
ده ياما حكايات أولها ناس بتنسى وآخرها حب لقيناه عوضنا ع اللي عشناه. وياما حكايات خلت حياتنا أحلى والصعب ياما عدّى وتَعبنا كله نسيناه."
أنهت كلمات الأغنية ونزلت بكل تواضع وسلمت عليهم جميعاً وأعطتهم هداياهم التي مكثت تجهز فيهم أسبوعان بأكملهما، وجلست معهم عدة ساعات، ثم غادرت الدار وهي تنظر إليها بوحشة، فذاك المكان هو طفولتها وشبابها وعمرها.
***
ومرت الأيام. وفي إحدى لياليهم، قامت ريم بعزيمة والدها ووالدتها وأخواتها بأولادهم. أما عبير، رفضت بذوق نظراً لتطور مرض هيام الشديد. وبعد مجيئهم وتناولهم وجبة العشاء، قامت ريم وتحدثت بعيون سعيدة:
"أتنشن بليز كله ينتبه معايا، عندي مفاجأة حلوة جداً ليكم ولذلك عزمتكم النهاردة."
انتبهوا جميعاً إليها. ثم ساقتها قدماها إلى ذاك المالك لروحها وقلبها، فحقا كان زوجاً بارعاً وعوض الأيام. جذبته من يداه، ووضعتها على بطنها وهي تنظر داخل عيناه قائلة:
"مبروووك هتبقى أحلى بابى في الدنيا بحالها."
اتسعت عيناه باندهاش، ولسانه غير قادر على النطق من أثر مفاجأتها الغير متوقعة. فهو متزوجها منذ أكثر من سنة ونصف وكان قد فقد الأمل، لكن الآن هي فجرت ذاك الخبر. لاحظت ذهوله وأنه لم يصدق، فتابعت وهي تشير برأسها بعين لامعة بدموع الفرح:
"أيوه والله أنا حامل يامالك زي مابقولك كدة، ومحبتش أتكلم إلا لما تم الشهرين واتأكدت."
أخيراً استوعب مفاجأتها وأردف وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة:
"بجد ياريما ربنا جبرني وهيبقى لي ابن من صلبى."
"بجد ياقلب ريما وعمرها كله."
"أنا مش مصدق نفسي إن بعد السنين دي كلها أخيرا حلمي هيتحقق."
"ليه يا قلبي ربنا كبيير وانت طيب وقلبك جميييييل زي أخلاقك، فأكيد ربنا كان لازم يجبرك."
"عارفة أنا بحمد ربنا إنه خلى ولادي منك انتي وكأني كنت بعافر السنين اللي فاتت علشان أوصل لك انتي، علشان تبقى الحب الكبير اللي قلبي يستحقه."
"تدابير ربنا كلها خير لعباده ومهما نشوف إن طريقنا ضلمة وعواصف في الأخر بعد الصبر هنلاقي إن بعد الضلمة نور مفرح ومبهج هيعوض الضلام اللي فكرنا نفسنا هنفضل عايشين فيه."
أمسكها من يداها وأدارها بلهفة:
"أنا عايز بنوتة تكون شبهك كدة."
أدارته بكلتا يداها وهى تردد بنفس اللهفة والحب:
"أي نطفة منك جوايا وتطلع للدنيا هتبقي بالنسبة لي زي نور عيني."
"بحبببببببك ياريما."
"وأنا بعشقك ياقلب ريما."
وأخذها بين أحضانه، حضن الأمان والسلام والاطمئنان، حضن الحياة والروح التي رُدَّت لها بعد الفقدان. بارك لهما الجميع بفرحة عارمة، وجلسوا جلسة عائلية يتسامرون بكل الحب والود والرحمة والألفة. البحر من أمامهم ونجوم السماء تضوي من فوقهم، وهم يستمعون إلى كلمات كوكب الشرق:
"طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب وظلم الحب لكل اصحابه. طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحب، وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وأنين، والعاشقين دابوا ما تابوا، دابوا ما تابوا. طول عمري بقول لا أنا قد الشوق وليالي الشوق، لا أنا قد الشوق وليالي الشوق ولا قلبي قد عذابه، عذابه. وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي. ما عرفش إزاي حبيتك، ما عرفش إزاي يا حياتي. من همسة حب لقيتني بحب لقيتني بحب وأدوب في الحب وأدوب في الحب وصبح وليل، وليل على بابه. فمن عمري سنين وسنين شفت كتير، كتير وقليل عاشقين. اللي بيشكي حاله لحاله واللي بيبكي على مواله. أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين."