استمع إلى نبرة صوتها الخافت الباكي يخرج بضعف وارتعاش مُصرحًا بكرهها له! قربها منه أكثر وبقي بمحاذاة أذنها وقال بتأكد وثقة ونبرته قوية حادة: -بلاش كدب بقى مش هينفعك بحاجة.. أنا عارف إنك بتحبيني وللنهاردة وبكرة ولبعد سنين بتحبيني. حاولت جذب يديها الاثنتين منه وابتعدت برأسها للناحية الأخرى مُبتعدة عنه وصاحت بقوة والدموع تنهمر على وجنتيها بقهر وحزن شغر أنحاء قلبها:
-لو كنت بحبك فأنا بعد اللحظة دي بكرهك.. بكرهك أوي، مكنتش أتخيل إنك ممكن تعمل معايا كده في يوم من الأيام. ابتسم بسخرية والألم داخله يزداد لحظة بعد الأخرى وهتف بانكسار: -ولا أنا كمان كنت متخيل إنك تعملي معايا كده. صرخت به وهو يشدد على يدها لتبقى كما هي تحت رحمته: -بلاش تعيش دور الضحية أنا معملتش فيك حاجة. اسودت عيناه وابتغى قتلها هي وذلك الأبله الحيوان الذي رافقته دون علمه وتحدث بقسوة وغضب: -خونتيني!
ولا دي كمان بقت عادي. جذبت يدها في لحظة ضعف منه شعرت بها أن قبضة يده تثقل على يدها، فجذبتهم منه بقوة وابتعدت للخلف خطوة تقف قبالته صارخة بعنف والبكاء لا يتوقف لديها: -أنا مخونتكش أنت كداب.. أنت اللي خونتني أنت، أنت اللي بعدت عني وخطفت أهلي مني وبكل بجاحة حاولت تخليني أحس إني أنا السبب.. أنت اللي قسيت عليا بدل ما تحتويني. نظر إليها بذهول وعينين مُتسعة عليها ثم تقدم الخطوة التي ابتعدتها وصاح مُشيرًا إلى نفسه باستنكار:
-أنا؟ أنا قسيت عليكي؟ أنا حاولت معاكي بدل المرة مليون وأنتي اللي كنتي رافضة أي حاجة من ناحيتي.. دا أنتي كنتي رافضة الكلام حتى جاية دلوقتي تقولي قسيت عليكي. صرخت مرة أخرى بعنف أكبر من السابق وانهمرت الدموع أكثر تهتف ببكاء حاد ونبرة مُرتعشة: -أيوة قسيت عليا ولسه قاسي والدليل أهو.. أنت اللي سرقت موبايل إيناس. أكملت وهي تعود للخلف مُبتعدة عنه متذكرة ما حدث منذ عامين قبل أن تنقلب حياتهم رأسًا على عقب:
-الصور دي كانت على موبايل إيناس لما كنت معاها في الرحلة إياها، اتصورتهم وأنا لابسة مايوه زيي زي أي حد وإحنا لوحدنا ووقتها الموبايل انسرق منها وأنت مكنتش تعرف أصلًا لكن جيت وقولتلي ابعدي عنها وأصريت إني أقطع معاها فترة. نظرت إليه بعمق وعينين ضائعة بين الحقائق الزائفة:
-دلوقتي بس فهمت كل حاجة.. أنت اللي سرقت الموبايل بتاعها ولحد النهاردة شايل الصور دي معاك علشان مستني الفرصة اللي تظهرها فيها.. يعني مكنتش بتحبني أنت بس عايز تمتلكني مش أكتر. عاد هو الآخر للخلف مثلها بعد أن استمع لحديثها الساخر، أيعقل أن تكون تفضل صديقتها الحقيرة عنه إلى هذه الدرجة! حتى وإن كان خائن، وإن كان حيوان وذئب بشري وإن كان شيطان ألا تعرفه إلى هذه الدرجة؟ ألا تتذكر أنها كبرت معه في منزل واحد؟
ألا تتذكر أي شيء فعله لأجلها؟ ابتسم بسخرية والذكريات تتهاتف على عقله لأجل ما تحدثت عنه، والحقيقة بهذه الذكريات تقول أن صديقتها هي من قامت بإرسال الصور له وقامت بتهديده أنها في أي لحظة تستطيع أن تقوم بعمل فضيحة لحبيبته وابنة عمه فما كان منه إلا أنه يسرق هاتفها ليستطيع حمايتها، وعندما لم يستطع أن يفتحه قام بتكسيره وإلقائه في المياه وبقيت الصور التي أرسلتها إليه معه.
في ذلك الوقت حاول أن يشرح لها ما الذي حدث من قِبل صديقتها ولكنها لم تستمع إليه كالعادة وأظهرت عنادها فعاندها هو الآخر وبقي ما حدث داخله وجعلها تبتعد عنها بالقوة ولكنها عادت إليها مرة أخرى رغمًا عنه. ابتسم إليها ببرود ثم ألقى الكرة بالملعب الخاص بها لتحصل على الإجابة وحدها: -ولما أنتي بتقولي إني مكنتش أعرف حاجة سرقت موبايلها بناءًا على إيه؟ حركت رأسها إليه وجذب انتباهها حديثه، تعمقت بعينيها على عينيه
الساخرة منها وتساءلت: -قصدك إيه؟ رفع حاجبيه للأعلى بلا مبالاة ولوى شفتيه قائلًا: -شوفي أنتي بقى. رفعت يديها الاثنتين على وجهها ومسحت الدموع المنهمرة عليه بأصابعها، ثم للحظات فقط ركزت عقلها على التفكير فيما حدث في هذا الوقت، لما قد يسرق الهاتف وهو حقًا لا يعرف بما به؟ لما في ذلك الوقت بالتحديد قد يجعلها تبتعد عنها بالقوة! لما يبغضها من الأساس ولما هي لا تحبه؟ أبصرته مُتسائلة باستغراب:
-أنت كنت عارف أن الموبايل فيه صور ليا؟ استهزأ بها وهو يسير أمامها في الغرفة قائلًا بسخرية: -شوفي إزاي! وياترى بقى أنا بشم على ضهر أيدي ولا في حد قالي ولا في حد وراني؟ وقف أمامها من بعيد وتعمق بالنظر في عينيها وما داخل حديثه كثير من المشاعر العميقة المتألمة منها ومما يحدث: -عارفة المهم في الموضوع ده إيه؟ هو إني بطلع وحش في الآخر بس مش مهم أنا اتعودت على كده.. حتى منك.
للحظة أخرى فكرت وهو يتحدث، كيف له أن يأخذ الهاتف دون سبب؟ لما لا يحب إيناس ويحذرها منها دائمًا، إن كانت هي من بعثت له بالصور ثم قام هو بأخذ الهاتف لحمايتها فهنا هو معه كامل الحق، تتذكر أنه في ذلك الوقت أراد أن يشرح لها شيء وكان غاية في الغضب وهو يعبث بهاتفه ليريها ولكنها منعته عن ذلك! -إيناس بعتتلك صوري؟ ولا قالتلك؟ لوى شفتيه ساخرًا ثم أكمل بحزن لم يظهره لها:
-هسيبك تفكري فيها شوية بلاش أقولك يمكن تخترعي حاجة جديدة تتهميني بيها. غمزها بعينيه اليسرى وأشار إليها بيده يذكرها بما قاله عن العرس قبل قليل: -ومتنسيش الفرح بعد شهر. نادتها باسمه بضعف، بحزن وضيق، والذل طغى على كل هذه المشاعر وأكملت بنبرة خافتة تنظر إليه كامرأة هواها الحب بجماله وتركها لآلامه فقط: -عامر.. أنا مش عايزة.
بادلها تلك النظرات الحزينة التي تهطل عليه من عينيها، بادلها الضعف، إنها تعلم أنه ضعيف وما خرج منه ما هو إلا تهديد وقح وقذر ليس لديه أي سبيل آخر إلا هو ليحصل عليها، أردف بجدية وقوة وادعى اللا مبالاة بما تريد: -بس أنا عايز. خرجت الدموع مرة أخرى بصمت من عينيها منهمرة على وجنتيها المُكتنزة وهي تطالعه بضعف قائلة بتأكيد تعرفه داخلها: -أكيد مش هتعمل فيا كده.. ولا هتعمل حاجة بالصور دي أنا عارفة إنك بس بتهددني.
أشار إلى صدره بإصبع يده اليمنى ونظر إليها بعمق وقسوة والشراسة تهطل من حديثه بعنف: -اللي عملتيه من ورايا يخليني أعمل أسوأ من كده. اقتربت منه وهي تقول برجاء محاولة التوضيح له أنها لم تفعل شيء: -بس أنا معملتش حاجة صدقني.. أنا حتى أول ما رفضت أنت وعمي أنا كمان رفضت. اقترب بخطوات هوجاء وارتفع صوته وهو يوضح لها قليل مما فعلته هي وهو يعطي إليها الثقة الكاملة مُعتقدًا أنها مازالت حبيبته البريئة:
-بقالك سنة بتتسرمحي معاه وأنا مديكي الأمان والثقة، سنة بتخوني عامر اللي منع عن نفسه أي معرفة بأي ست تانية غيرك من وقت ما بعدتي. صرحت بما يعرفه الآخرون وما تقوله لا يمت بصلة إليها: -أنا مخونتكش.. أنا وأنت مافيش بينا حاجة علشان أخونك لا أنا مراتك ولا خطيبتك. أبصرها بجدية شديدة وخرجت الكلمات من بين شفتيه كالسيف الحاد على علم بطريقه جيدًا: -أنتي عارفة أنتي إيه كويس أوي يا بنت القصاص.. أنا مديكي مهلة شهر كده كويس أوي.
تخشى الرفض بعناد كما كانت تفعل دائمًا فتغلبه غيرته وتهوره، وطبعه الغلاب على كل مشاعر داخله ويفعل ما قال عنه، تعلم بقرارة نفسها أنه من المستحيل أن يفعلها أو أن يعرض جسدها بهذه الطريقة الرخيصة ولكن لن تستطيع ألا تخاف، فقالت بنبرة خافتة: -لا أنت هتعيش ولا أنا هعيش يا عامر. أخذ هاتفه الملقى على المقعد ووضعه في جيبه وهو يبتسم بسخرية واستهزاء من حديثها وأردف ببرود ولا مبالاة:
-أنا كده مش عايش وكده مش عايش يبقى وأنتي مراتي أحسن. تساءلت رافعة حاجبيها الاثنتين بذهول منه: -ورفضي ليك! مالوش أي أهمية. أردف بجدية وقال الصدق وما كان سيحدث حقًا، فهو من المستحيل أن يجعل امرأة تتزوجه وهي تبغضه ولكنه يعلم أنها تحبه إلى المنتهى ولن تتخلى عنه مهما حدث: -لو كنتي رفضتي علشان مش بتحبيني مستحيل كنت اتجوزك.. لكن أنا عارف رفضك ليه ومادام بتحبيني وبحبك يبقى خير البر عاجله.
استدار ليذهب من هنا تاركًا إياها ولكنه وقف عند باب غرفة المكتب واستدار إليها ناظرًا إلى عينيها مباشرة بقسوة وخرجت الكلمات منه بغضب وتهديد واضح: -شهر يا سلمى وإلا وديني المرة دي هتشوفي وش وسـ* معداش عليكي قبل كده.
خرج من الغرفة وتركها بها، يعلم داخله أنه من المستحيل أن يقوم بفعل أي شيء يؤذيها به، من المستحيل أن يترك هذه الصور على هاتفه من الأساس، أنها تدلف طريق ليس مناسبًا لها مع الحقيرة "إيناس" ومهما فعل فهي تعانده وبقوة وهذه هي الطريقة الوحيدة التي بها يجعلها ترضخ إليه وتفعل ما يطلبه منها.. ومن هنا يستطيع أن يجعلها زوجته ليحميها من شر عائلة "الصاوي". تراه الآن دنيء، حيوان؟ لا يحبها؟
تراه ما تريد هذا لا يهمه المهم إليه الآن أن يحميها من أي شخص يستطيع أن يؤذيها ولو بكلمة والأمر الأهم من المهم أن تكون زوجته.. حلاله وله وحده وهذا ما سيفعله حتى لو طبقت الأرض فوق السماء.
تركها في الداخل، تقدمت وجلست على المقعد وانحنت على نفسها تبكي بقوة، خرجت الدموع من عينيها بغزارة نادمة على ما فعلته مع "هشام" نادمة على عدم استماعها لحديث "عامر"، تشعر أن الحياة تلتف عليها هي وحدها وتريد أن تسلب منها روحها وما بقي منها. تخاف منه ومن تهديده وبشدة ولكن هي على دراية أنه لن يفعل ما هددها به، ومع ذلك الخوف تربع داخل قلبها والرهبة ارتعشت بجسدها. والتفكير لم يتركها لحظة واحدة، كيف له أن يفعل ذلك بها؟
كيف له أن يكون دنيئًا إلى هذه الدرجة! ولكن إن كان حقًا سرق الهاتف من "إيناس" بعد أن علم بما به فهنا سيكون شيء ما زال مخفيًا وهي لا تعرفه، سيكون معه كامل الحق وهي الوحيدة الغبية التي لم تستطع أن ترى الأشخاص بحياتها جيدًا، إن كانت "إيناس" من فعلت ذلك لن تسامحها أبدًا. "عامر" يحذرها من "إيناس" وعمها يحذرها من "هشام" وعائلته بالكامل، إن كان "عامر" مخطئًا أو يريد إبعاد الناس عنها لتكون معه وحده فعمها لن يكون كذلك!
هناك أمر لا تعلمه هي يخص عائلة "الصاوي" وإلى أن تعرفه عليها أن تقوم بتوخي الحذر من ناحيتهم. في لحظة خاطفة ترك عقلها كل ما كانت تفكر به وطرح عليها سؤالًا واضحًا وصريحًا، هل ستتزوج من "عامر"؟ ***
بعد أن تحدث معها والدها في أمر "تامر" محاولًا إقناعها بالموافقة بحديثه وأنه يريد الزواج منها وأخذ فرصة وحيدة لتكملة حياتها كما أي شخص ينعم بأقل حقوقه. وبعد الحديث مع ابنة عمها وشقيقة زوجها الراحل اكتشفت أنها هكذا تضيع ما تبقى من عمرها. لو لم تكن تشعر بانجذاب ناحية "تامر" لم تكن لتفكر في الأمر من الأساس ولكنه يشغل تفكيرها في الآونة الأخيرة حقًا ويسلب الجزء المفكر داخل عقلها في الليل مستعيدة حديثه بالكامل عن "ياسين" وعنها.
حديثه صحيح! والجميع حديثه صحيح ولكن حبها لزوجها كان يفوق كل الحدود. لم تنعم معه بالسعادة التي أرادت الحصول عليها ولم تبنِ الكثير من الذكريات لتتذكرها. لم تأخذ ما أرادته منه بل هو أخذ كل شيء معه ورحل. وإلى الفترة الماضية كان هو من يشغل عقلها وقلبها إلى أن شعرت أن الجميع محق وبدأ "تامر" يتخلل ثنايا عقلها بحديثه اللبق ونظراته الصافية المحبة نحوها.
من هنا ستحاول أن تعطي له فرصة ولنفسها وبتلك العلاقة التي أخذت القرار فيها في سواد الليل بعد الاستماع إلى حديث الجميع وترك الذكريات الماضية في ركن بجانب الزاوية. فرصة واحدة فقط لهذه العلاقة وإن لم تنجح فلتعود إلى ما كانت عليه. أمام الموظفين جلست على الطاولة المستديرة في كافيتريا الشركة مع "تامر" الجالس مقابلًا لها مبتسمًا بسعادة وحب واطمئنان لأجل أنها وافقت على إعطائه فرصة. حرك شفتيه قائلًا بصوت هادئ وبنظرة مبتسمة:
-أنا مبسوط أوي إنك وافقتي تديني الفرصة دي. لو كنت أعرف أنك هتيجي من بعد الكلام مع والدك كنت عملتها من زمان. رفعت يدها أعلى الطاولة، نظرت إليه بجدية تامة ثم أردفت قائلة موضحة له ما خطر على بالها: -مش الكلام مع بابا هو اللي خلاني أديك الفرصة دي بس زي ما تقول كده هو كان زقة.. زقة بسيطة خلتني أشوف الصح واللي المفروض يحصل. ابتسم بوجهها وأظهر وجهه البشوش وهو يتحدث قائلًا:
-الحمد لله.. على كل حال أنا مش هخليكي تندمي أبدًا يا هدى. صمت للحظة ثم أكمل بيقين وهدوء وهو يحاول أن يجعلها تتقبل فكرة وجوده هو في حياتها عوضًا عن "ياسين": -أنا عارف إن ياسين كان فارشلك الأرض ورد وكنتي بالنسبة ليه حاجة كبيرة أوي وعارف بردو إنه لسه مطلعش من حياتك بس أوعدك على قد ما أقدر هحاول أكون أحسن منه وهخليكي تنسيه. نظرت إليه مطولًا ثم تحركت شفتاها بالرفض وهي تقول بجدية وقوة: -بس أنا مش عايزة أنساه.
بادلها نفس النظرة ثم بجدية تامة عقب على حديثها موضحًا مقصده مما قال: -لما ربنا يوفقنا وأكون جوزك لازم تنسيه.. وما تفكريش غير فيا. رفعت حاجبها الأيمن ونظرت إليه بقوة تدقق في النظر إلى ملامح وجهه لتتفهم تعابيره ثم ألقت عليه سؤالها: -أنت إيه اللي مخليك مصمم على الجواز من واحدة أرملة؟ أجابها قائلًا بنبرة جادة قوية: -عايزك يا هدى.. حبيتك وشايفك المناسبة ليا ولا هو عيب؟ لوت شفتيها وضيقت عينيها عليه
وما زالت تكرر نفس السؤال: -ما قولتش إنه عيب بس بقول إنك تقدر تتجوز أي واحدة تشاور عليها ليه واحدة زيي؟ تفوه بكلمات جادة حنونة في ذات الوقت من بين شفتيه ليجعلها تشعر بأنها ليست كما أحد.. بل أفضل منهم: -أنتي مش ناقصك حاجة علشان تقولي واحدة زيي.. أنتي ست البنات اللي ملت عيني وخلتني مش شايف غيرها.
نظرت إليه بقوة وعيناها مثبتة عليه ثم تدريجيًا بدأت شفتاها في الابتعاد عن بعضهما البعض راسمين ابتسامة واسعة خجلة قد حدثت على أثر استيعابها لما قال. -الله الله.. قاعد تحبلي؟ علشان كده بقى رميت اللي بينا في أقرب سلة زبالة قابلتك. استمعت معه إلى هذا الصوت النسائي الذي تردد على مسامعهم يهتف بهذه الكلمات الساخرة بطريقة متهكمة.
وقف على قدميه بعد أن علم هويتها التي ظهرت له من الاستماع إلى صوتها، استدار إليها بجسده وهو يقف أمامها ناظرًا إليها باستغراب جلي: -أنتي هنا بتعملي إيه؟ صاحت بعنف وصوت عالٍ نسبيًا استمع إليه من حولهم: -جاية أشوفك وأنت حبيب... هي دي اللي سبتني علشانها؟ وقفت "هدى" على قدميها فور أن علمت أن الحديث يذهب إلى منحدر لا تريده ولن تحبه أبدًا، نظرت إليه متسائلة: -مين دي؟ أجابها وهو يبعد عينه من على الأخرى باشمئزاز واضح:
-منه.. اللي كانت خطيبتي.. أظن واضح قدامك سبتها ليه أهو. أردفت الأخرى بصوت عالٍ وطريقة سوقية لا تناسب المكان المتواجدة ولا تناسب الأفراد الذين أمامها أيضًا: -هو إيه ده اللي واضح.. أنت سيبتني علشان مرات صاحبك اللي مات، هتستهبل ما أنا عارفة كل حاجة. نظر إليها بغضب وعصبية شديدة ثم صرخ بها: -اخرسي. أردفت "هدى" باستغراب واستنكار لما تقوله وقد فهمت الآن لما قال لها "تامر" أنه لا يستطيع التكملة معها فهي
مختلفة عنه كامل الاختلاف: -دي مجنونة. أجابها وهو ينظر إلى الأخرى بعينين حادتين قائلًا: -مجنونة وستين مجنونة. ارتفع صوتها الهائج وهي تقول ملوحة بيديها الاثنتين إليهم: -أنا مجنونة.. دا أنا هفضحك هنا، خطبتني وسبتني من غير سبب إيه هي بنات الناس لعبة في إيدك؟ أكملت بسخرية وصوت عالٍ متهكمة عليه وأظهرت أن ما تريده منه ما هو إلا أشياء مادية:
-ولا تكونش فاكر إني هبلة وهسكتلك بعد ما تدخل بيتنا وتخرج كده عادي.. لأ مش هطلع من المولد بلا حمص. ظهر عليه الحنق الشديد فقال بطريقة مهلكة ناظرًا إليها باشمئزاز: -يا شيخة منه لله اللي كان السبب في إني أعرفك.. ده إيه القرف ده. هتفت "هدى" وهي تبتعد عن الطاولة بجدية تامة: -تامر.. الناس بدأت تتفرج أنا طالعة مكتبي ومشي البتاعة دي من هنا. صرخت الأخرى بها وارتفع صوتها أكثر بعد أن تمسكت بيدها كي لا تجعلها تذهب:
-بتاعة.. بتاعة مين يا أم بتاعة تعالي هنا وأنا أعرفك البتاعة دي إيه. نفضت "هدى" يدها منها بقوة ونظرتها نحوها لا تعبر عن أي شيء إلا التقزز وقد استوعب عقلها كل شيء حدث حقًا: -سيبي يا مجنونة أنتي. جذب يدها التي أمسكت بها الأخرى ونظر إليها بقوة وعمق صائحًا بغضب: -أنتي بتعملي إيه؟ فاكرة نفسك في الشارع بتاعكم امشي من هنا امشي. عاندته بوضوح وقوة وهي تضع يديها الاثنتين في وسط خصرها:
-مش همشي مش أنا اللي تاخدني لحم وترميني عضم. نظر إلى "هدى" وترك الأخرى وهو يقول لها بجدية: -روحي اطلعي وأنا هتصرف مع دي. أومأت إليه برأسها ونظرت إليها باشمئزاز وتقزز ثم سارت مبتعدة عنهم ففعل الآخر شيئًا لا يليق به، تمسك بها من معصم يدها ثم سار بها وهي خلفه شاعرًا بالحنق الشديد من وجودها بحياته وكأنها كاللاصق لا تخرج بسهولة. وصل معها إلى مدخل الشركة ثم ألقاها في الخارج وهتف لأفراد الأمن بقوة:
-الست دي ما تدخلش الشركة تاني. لم ينتظر حتى أن يستمع أو ينظر إلى ردة فعلها بل استدار وذهب إلى الداخل مرة أخرى لاعنًا الساعة التي تعرف عليها بها والتي كانت غاية في الهدوء والرقة. بها من الأخلاق ما يكفي بنات العالم أجمع ولكن مرة بعد الأخرى كان يظهر كل شيء بوضوح إلى أن طفح الكيل منها ومن عائلتها فلم يستطع الانتظار أكثر من هكذا معها.
حان دور الذي اختارها قلبه، ستكون العوض والعون، سيبادلها بالسند والظهر. وستكون حياتهما معًا جنة الأرض. *** جلست على الطاولة أمامه بوجه باهت حزين مشتت ونظراتها عليه ضائعة مترقبة لأي حركة قد تصدر منه تؤكد حديث عمها و "عامر" عنه وعن عائلته، منتظرة أن يثبت أنه هو الآخر خائن كاذب ومخادع لا أمان له وهناك غرض آخر خلف معرفته بها.
أصبحت لا تثق بأي شخص في حياتها، لقد تعرضت للخيانة من الجميع حتى من كانت تظنه أقرب الأشخاص إليها ومهما ابتعدت عنه وفرقهم الزمن سيكون سندها والحامي الأول والأخير لها. انقلبت الموازين وتحلى بوجه آخر فوق وجهه ليصبح قناع دائم من القسوة الذي يخلفها كسرة قلب وقهرة لا نهاية لها. بعينيها الباهتة نظرت إليه بضعف وقلة حيلة وقد خجلت كثيرًا مما تريد قوله إليه بعد المدة التي أعطته بها الأمل الأكبر بحياته، بشفتين ترتعش
ونبرة غير متزنة قالت: -هشام أنا.. أنا آسفة على كل حاجة بس إحنا، إحنا مش هينفع نتجوز. اقترب إلى الأمام بعينين متسعتين حادتين عليها تحولتا مئة وثمانين درجة: -بتقولي إيه؟ فركت يديها الاثنتين بتوتر أمامه محاولة شرح موقفها له بنبرة خافتة حزينة: -اللي سمعته.. أنا آسفة أقسم بالله ما كان قصدي كده بس اللي حصل وأنا ما أقدرش أكسر كلام عمي. أبعد من أمامه كوب القهوة الخاص به ونظر إليها بقوة وانزعاج تام صارخًا بعصبية:
-أنتي اتهبلتي ما تكسريه ولا تنيليه بنيلة. ابتلعت ما وقف بحلقها وأبعدت عينيها ذات اللون الزيتوني عنه ثم عادت بخجل شديد قائلة: -أنا هتجوز أنا وعامر. صرخ بعنف مرة واحدة وعيناه منصبتان عليها بتركيز شديد وقد ثار البركان بداخله واشتعلت النيران الذي ستحرقه هو ووالده إن لم ينفذ ما قاله له وخطط إليه: -لا دا أنتي اتجننتي بقى.. هتتجوزي عامر إزاي؟ مش المفروض إنك بتحبيني ولا كنتي كدابة وخاينة زيه بالظبط وبترسمي عليا الحب؟
ضيقت ما بين حاجبيها وضيقت عينيها هي الأخرى عليه قائلة بصدق وجدية: -أنت عارف إني مش كده والله العظيم بس الظروف أقوى مني. عاد للخلف ضاغطًا على فكه بقوة وعنف شديد، ثبت عينيه الحادة على خاصتها وقال بجدية مميتة: -هنهرب أنا وأنتِ ونتجوز وهنرجع وإحنا متجوزين وبكده تبقي قتلتِ الظروف ونحطهم قدام الأمر الواقع. نفت ما قاله سريعًا معترضة عليه بقوة وانزعاج: -لأ طبعًا مستحيل أعمل كده! إيه اللي أنت بتقوله ده؟
أكمل بإصرار ليضعها في موضع الخائنة أمام نفسها وهو يعلم أن هذه عقدة تعاني منها: -يبقى أنتِ لسه بتحبيه هو وموافقة على الجواز منه. عارضت ما قاله بشدة وبنبرة جادة: -أقسم بالله مش موافقة، أنا مغصوبة بس لازم ده يحصل، مضطرة. صرخ مرة أخرى بعنف وعصبية وهو يرى ما خطط إليه يذهب إلى البعيد المطلق حريته: -ليه مضطرة؟ ليه؟
ابتعدت عينيها عنه، مؤكد لن تقول أن ابن عمها يقوم بتهديدها بصورها الفاضحة، أردفت بخفوت وضيق احتل كيانها منذ أول لقائها بـ "عامر": -مضطرة وخلاص يا هشام... مضطرة أوافق. أشار عليها بإصبع يده السبابة وأردف حديثه الحاد الجارح: -كدابة وستين كدابة، بتحبي عامر وعايزاه هو وأنا كنت لعبة في إيدك. لقد كانت تعتقد أنه يفعل ذلك لأجل حبه لها فعارضت مبررة موقفها أمامه مدافعة عن نفسها: -والله العظيم أبدًا.
لم يصمت للحظة واحدة بل تابع حديثه الحاد وهذه المرة كان حادًا غاضبًا مهددًا لها وبكل جدية ووضوح ناظرًا إليها بعينين صائد سُلبت منه فريسته عنوة لحمايتها: -أنتِ مفكراني إيه؟ لأ أنا مش عيل صغير ينضحك عليه كده... قسمًا برب العزة إن ما لغيتي فكرة الجواز من عامر لكون متصرف تصرف مش هيعجبك لا أنتِ ولا أهلك. اتسعت عينيها عليه واعتدلت نبرتها بجدية ووضوح متسائلة باستغراب واندهاش: -أنت بتهددني؟
أكمل حديثه مجيبًا عليها وأشار برأسه مؤكدًا بقوة: -آه بهددك ولو منفذتيش يبقى أنتِ اللي جنيتي على نفسك. وقفت على قدميها وتمسكت بحقيبتها التي كانت موضوعة على جانب الطاولة بينهم، نظرت إليه باندهاش واضح وذهول تام لتحوله المفاجئ ثم قالت باستنكار: -أنت إزاي بتكلمني كده؟ طلعت زي ما قالوا! رآها تتركه وتتحرك بعد جملتها فوقف هو الآخر ممسكًا بيدها بعنف متسائلًا: -رايحة فين؟
نفضت يدها منه بقوة وعنف شديد وصرخت به أمام الجميع في المكان العام الذي يجلسون به: -أوعى كده سيب إيدي... مش عايزة أشوف وشك ده تاني أبدًا. نظر إليها بوجه جامد حاد كما أول مرة رأينا بها وجهه الحقيقي، وبنفس نظرة القاتل هذه أجابها بتأكيد وثقة: -هتشوفيه يا سلمى لكن وقتها مش هيعجبك. نظرت إليه بنفور ثم استدارت ترحل فاستمعت إلى حديثه المهدد إياها مرة أخرى:
-أقرب رد على اللي حصل دلوقتي هيبقى بالليل استني المفاجأة مني واستحمليها. خرجت من المكان تسير بقدمين ترتعش وخطواتها غير متزنة بالمرة، صعدت إلى سيارتها وبقيت بها ولم تتحرك، لقد خدعت به! تعرفه منذ الكثير وكان يمثل عليها الحب كما قال عمها! حديثه وانزعاجه الشديد وتهديده الواضح لها يقول أن هناك غرض آخر كان يريده منها غير أنه يحبها... يا الله ماذا لو كانت تزوجته...
ماذا لو لم يرفض عمها هو وابنه الزواج منه، كانت ستكون ضحية لغرض داخله لا تعرف عنه شيء، ستكون مسلوبة الإرادة متزوجة من شخص لا تعرف عنه شيء حتى أنها لا تعرف ما الذي يريده منها... كيف إلى اليوم وهي تعرفه ولم يظهر عليه أي مما رآه عمها وابنه؟ هل هي إلى هذه الدرجة مخدوعة بالبشر المحاوطين لها؟ أول شخص حبيبها "عامر" ومن خلفه كان شقيقها "ياسين" والآن "هشام"؟! من هناك غيرهم في حياتها يقوم بخداعها؟
من هناك غيرهم يراها غبية وحيدة لا تستطيع التصرف في الأمور والحكم على الأشخاص يقوم بالضحك عليها بسخرية ويراها ساذجة؟ تحركت بالسيارة بعد أن قامت بتشغيلها وابتعدت عن المكان وعقلها داخله قنابل تفجر به الأفكار لتظل تزداد إلى أن تنفجر رأسها هي الأخرى من كثرة التشتت. *** في المساء
بعد أن تعرض إلى حرقة قلب وقهره لا نهائية من تلك الغبية التي كان من المفترض قتلها كما أمره والده توجه إلى منزل "إيناس" ابنة عمه لتساعده في الورطة التي وقع بها وليقوم بالانتقام منها ومن ذلك الحقير ابن عمها الذي تحداه بثقة وسلبها منه عنوة... لن يتركهم أبدًا. دلفت "إيناس" بالصينية الموضوع عليها كوب كبير من عصير الليمون ليقوم بتهدئة أعصابه التالفة منذ أن أتى، وضعت الصينية على الطاولة وجلست مقابلة له ثم أردفت
بخبث ومكر مدسوس في حديثها: -اهدأ بس يا هشام أكيد سلمى عامر اللي غصبها على كده وأنت أكيد مش هتسيبهم يتجوزوا. -بنت الكلب ضحكت عليا... بقى أنا ينضحك عليا من واحدة غبية زي دي؟ لقد كان قلب "إيناس" يحترق بالفعل وأكثر منه، لن تجعل "عامر" ينعم بالحب معها، لن تجعله يتزوجها بهذه السهولة وتخرج هي من حياتهم الوحيدة الخاسرة، حتى ابن عمها لم يخسر شيء... إن تركتهم يتزوجون ستخرب عليهم كل شيء، سيكون زواج مفعم بالانتقام:
-وأنت هتعمل إيه؟ أردف "هشام" بحرقة وقلبه يزداد في عذابه: -بنت الكلب دي مستحيل توافق تتجوزني بعد تهديدي ليها ولو وافقت الكلاب اللي عندها مش هيوافقوا هي كده متقفلة بس أنا لازم أشفي غليلي النهاردة قبل بكرة والباقي هعمله على رواق. رفع نظره عليها مرة واحدة ثم قال بجدية شديدة جعلتها تتفاجأ منه: -وأنتِ اللي هتساعديني أنا عارف إنك مش بطيقيها أصلًا بس كنت ساكت علشان مصلحتي.
نظرت إليه باستغراب، كيف علم أنها لا تحبها وكل ما تفعله كذب؟ الغبية الأخرى لم ترَ منها شيء سيء هو كيف علم؟ -وعرفت منين بقى؟ تحدث بانزعاج وضيق شديد وهو يشعر بعدم الصبر والتعجل في الانتقام منهم الليلة: -بقولك إيه انجزي معايا كده أنا عارف اللي فيها بس إيه السبب الله أعلم وهعرفه منك بس مش دلوقتي لازم الأول أتصرف معاهم. اعتدلت في جلستها ونظرت إليه بتعمق ثم أخرجت كل ما عندها ومحت دور الصديقة المخلصة وكشفت
عن وجهها قناع البراءة: -طب بما إنك بقى عارف إني لا بطيقها ولا بطيقه وهتعرف مني السبب يبقى أنا كمان أعرف أنت بتعمل كده ليه ما أنت كنت راسم عليها دور الحب قدامي وأنا معرفتش أهرش عمايلك. تحدث بنفاذ صبر: -كل ده مش وقته دلوقتي. تفوهت بالكلمات المنجية إياه والذي يريد الاستماع إليها منذ أن أتى إلى هنا: -ماشي وأنا عندي اللي يدمرهم سوا بس عندي شرط. مرة أخرى بقوة وانزعاج يردف: -إيه اخلصي. ابتسمت بسخافة وقالت بجشع:
-خلي أبوك يزود لي مصروف الشهر. أومأ إليها برأسه واعتدل في جلسته متقدمًا للأمام منها بقوة منتظر حديثها الذي سيشفيه: -موافق... قولي بقى. أردفت بهدوء وهي تعيد ظهرها للخلف تستند إلى ظهر الأريكة: -هتكلم عامر. أشار إليها بيده بحدة يلح عليها في الحديث بنفاذ صبر: -هعمل بيه إيه انجزي. بمنتهى الخبث والحقد القابع داخل قلبها، وبمنتهى الكراهية والبغض المزروع في قلبها تجاه "سلمى" البريئة من كل شيء سوى البراءة نفسها تحدثت ببرود:
-اتقل... هتكلم عامر وتقوله إن سلمى عملت معاك علاقة وإنك كنت رايح تخطبها علشان كده وأنها رافضة الجواز منه لنفس السبب. صاح بعنف وانزعاج لأجل الغباء الذي تتحدث به: -وكده بقى هو هيصدق؟ أنتِ يابت أنتِ عبيطة؟ ابتسمت ببرود وسخرية، وظهر على ملامحها القسوة الشديدة الذي استشعرتها من "عامر القصاص" الذي جعلته مدمرًا لحياتها لتلقيها على حبيبته بالنيران الملتهبة التي تريد أن تشوه بها جمالها، أكملت بنفس الكراهية والقسوة تجاهها:
-ما قولتلك اتقل... أنا سبق وقولت لعامر الكلام ده وهو ما صدقنيش لكن المرة دي أنت هتأكد كلامي وبالدليل كمان وهنا بقى هيصدق وقول عليهم هما الاتنين يا رحمن يا رحيم أصلك متعرفش عامر بيموت في التراب اللي بتمشي عليه وهو أصلًا واحد شهواني ونسونجي بقاله سنين مستني تبقى مراته مش معقول بعد كل ده تتاخد منه كده وبرضاها كمان.
ضيق عينيه بقوة عليها، كم بدت شريرة أمامه بعد الاستماع منها إلى ذلك المخطط القذر، كم من واحدة مثلها في حياة البشر؟ تساءل بصوت جاد بعد أن ألقى تلك الأفكار من رأسه الآن: -وإيه هو الدليل ده؟ رفعت قدم فوق الأخرى وجلست بأريحية وبدت واثقة من نفسها وهي تقول: -قوله الحسنة البني اللي في نص ضهرها. عاد هو الآخر للخلف بعد أن ارتاح قلبه وأخذ داخله وسيلة الانتقام الصغرى منهم ليقول بعدم تصديق: -يخربيت دماغك. أكدت حديثه
بثقة عالية وهي تتابع: -أومال... لو كانت أمها تعرف مكان الحسنة فهي ماتت قبل حتى أنت ما تظهر في حياتها وأبوها وأخوها يعني مافيش حد يقولك عليها ولا حتى أنا ده أنا شوفتها بالصدفة كده يعني من الآخر أنت اكتشفتها بنفسك. ارتسمت الابتسامة على شفتيه واتسعت بقوة واستمعت إلى كلماته المريحة قائلًا: -حلو أوي الكلام ده... يبقى اتقل زي ما قولتي وأكلمه بالليل.
كل ما أجرمت به أنها لم تستمع إلى حديث حبيب عمرها وسارق أحلامها، كل ما أخطأت به هو أنها تركت طيبة قلبها تتعامل مع البشر وكذبت إصراره على عدم الوثوق بهم... الآن ستكون ضحية لتفكير شيطاني من أشخاص قدمت إليهم كل الحب والاحترام... ستكون ضحية حبيب عمرها... من حذرها من البشر أجمع إلا هو... ***
بعد أن صف سيارته في كراج الفيلا خرج منه وتقدم يسير في الحديقة الخاصة بهم متقدمًا من بوابة الفيلا الداخلية ليصعد إلى غرفته لينعم ببعض الراحة قليلًا... لقد أصبح العمل شاق جدًا بالنسبة إليه في هذه الفترة... استمع إلى صوت هاتفه يصدر رنين عاليًا ينم عن وصول مكالمة إليه، أخرجه من جيبه ونظر إلى شاشته فوجده رقم غير معروف...
ابتسم بسخرية واستنتج أنها ستكون هي كالمعتاد فأجاب مع تحفظه لفعل نفس الشيء كالمرة السابقة ليضمن الدليل القاطع الذي سيكون سيف قطع رقبتها... خابت توقعاته عندما استمع إلى صوت رجل آخر يهتف بنبرة ساخرة عبر الهاتف: -إزيك يا أبو الرجولة... أكيد مش عارفني، أنا هشام. ابتسم عامر بسخرية وأردف بجدية وتساءل بلا مبالاة: -أنت أخدت الوسيلة من بت عمك الوسخة ولا إيه؟ استمع إلى صوت هشام على الناحية الأخرى يقول:
-تقريبًا كده، بس المرة دي أنا جاي أحذرك. عاد عامر إلى الحديقة مرة أخرى يبتعد عن باب الفيلا، ثم نقل الهاتف إلى أذنه اليمنى ليردف بسخرية شامتة وتهديد: -تحذرني.. إيه، اتحرقت لما قالت لك هتجوز عامر؟ اخلع منها علشان أنت مش قدي، أنا بس اللي بحب الصبر. ضحك هشام على الناحية الأخرى، بل وتعالت ضحكاته كثيرًا، ثم قال بشماتة يردها إليه: -إهدى بس على نفسك واسمع البوقين دول.. أنا ما اتحرقتش ولا حاجة.. أتحرق ليه على حاجة مجربها؟
صمت عامر عندما استمع إلى هذه الكلمات الساخرة منه والشامتة به، ولم يجب عليه لأنه لم يستطع تحديد موقفه، فاستمع إلى الآخر يكمل: -بتسأل مجرب إيه مش كده؟ يا عم مش هخلي فضولك يقتلك وهقول لك.. أصل الحقيقة كده يعني زي ما جه في بالك أنا مجرب بنت عمك. أردف عامر ألفاظًا دنيئة بذيئة بصوتٍ عالٍ صارخ وهو يثور في الحديقة بهمجية واهتياج والعنف احتل جسده: -أخرس يا وسخ يا كلب، ووديني هطلع ميتين أمك، هخليك مرة يا ابن الكلب.
قابله الآخر بالبرود التام يؤلف حديثًا من عقله هو وابنة عمه ليجعل القصة كاملة ويصدقها المشاهد مستمعًا بما يحدث للآخر أمامه: -براحة على نفسك يا ابن القصاص.. أنا بس بفهمك اللي حصل، بنت عمك كانت معايا وأظن بنفسك جبتها قبل كده من بيت إيناس، ما كانش بيتي الحقيقة بس كنا بنتقابل هناك وغلطت معايا، ولما جيت أخطبها كان علشان أصلح الغلط يا نور.. بفهمك بس علشان ما تلبسش.
ضرب الطاولة بقدمه ومن خلفها المقعد ليقع على الأرضية وهو يجيب عليه بعدم تصديق وداخله يعلم أن هذه لعبة قذرة منه: -آه، أنتم متفقين سوا بقى وعايزني أعمل الغلط. بمنتهى البرود واللذة الخالصة أكمل بشماتة وكذب ولكنه أحكمها جيدًا ليشعر بالمتعة وليعود الأمر عليه بتحقيق الانتصار:
-لا يا حبيبي، أنا ما اتفقتش مع حد، بنت عمك عندك وتقدر تتأكد كمان بالحسنة اللي في ضهرها بني هي وفي نص ضهرها كمان، أكيد أنت ما شفتهاش.. معلش مش هقدر أقول أي أمارة تانية دي أعراض ناس برضه، وآه هي كانت هتتكلم مع عمها تاني علشان تستر على نفسها، هي بس طاوعتكم علشان منظركم قدامي. لم يستمع إلى صوت الآخر فأكمل مرة أخرى بنبرة شامتة: -رفضتك علشان كده يا جامد، خايفة تعرف اللي حصل بينا.. تشاو.
أغلق الهاتف، أبعده عامر عن أذنه نظر إلى شاشته وعينيه لم تكن معه من الأساس، شامة في ظهرها لونها بني؟ هو رآها! يؤكد حديث ابنة عمه الحقيرة ويقول أنه أقام علاقة معها؟ حديث إيناس كان صحيح؟ لقد خدعته! خانته وسلمت شرف العائلة وشرفه إلى ذلك الحقير! خانته؟ طعنته بظهره بسكين تالمة؟ قتلت كل الحب الموجود بقلبه لها؟ إنه يشعر بالموت الآن؟
يشعر وكأن هناك من يسلب منه روحه بالقوة.. إنه أسفل المياه ولا يستطيع التنفس بشكل جيد.. يغرق في أعماق البحر.. خانته؟ حرك عينه على شرفة غرفتها.. استعاد صورة عمه الذي كان والده أمامه، ثم من بعدها بلحظة أخرى استنتج أنه لن يصدق هذا الحديث! .. لن يصدقه مستحيل، لن يجعل قلبه يكرهها ويموت الحب داخله.. لن يترك هذا الأبلة يفعل بهم هكذا..
إنه كاذب، يؤلف كل هذا فقط لأجل أن يفرق بينهم، حبيبته لا تفعل ذلك.. لا تخونه.. لا ترمي جسدها في أحضان غيره.. لا تخيب ظنه بها.. إنها تحبه.. سيتأكد من كل ذلك، سيتأكد بنفسه ومن بعدها يقرر من الكاذب والمخادع هنا..
ضيق عينيه على شرفة الغرفة ثم تقدم إلى الفيلا بخطوات ثابتة حادة تسير بسرعة شديدة ليصل إليها، سيفعل ما يجب عليه فعله ليتأكد إن كان كاذب أو لا.. ليتأكد إن كانت كما هي ابنة عمه وحبيبته ومن هواها قلبه من بين كل الناس، سيفعل ما يجب عليه فعله ليتأكد إن كانت خائنة أو لا.. دلف إلى الفيلا وقد كانت هادئة للغاية، تذكر أن والديه وشقيقته ليس موجودين هنا، يا حظه السعيد، سيحلو له كل شيء الآن وما سيفعله سيكون في هدوء تام..
فتح باب الغرفة الخاصة بها على مصراعيه بيده اليمنى وتقدم بقدم واحدة إلى داخل الغرفة ينظر إليها.. كانت تقف أمام الفراش استدارت فجأة بفزع عندما وجدت الباب يفتح هكذا وليس هناك أحد معها في الفيلا سوى العاملين بها ولا أحد يتجرأ على فعل شيء كهذا.. نظرت إليه بعينيها الزيتونية وقد رأت مظهره غريب عنها لا يبشرها بالخير، لم تتحدث وتثور عليه وتأخذ أي ردة فعل إلا عندما وجدته يدلف ويغلق الباب من خلفه بعينين صائد ماهر..
صاحت بجدية شديدة وضربات قلبها أصبحت تزداد عنفًا مرة واحدة لتجعلها تشعر بالرهبة: -في إيه.. أنت داخل كده ليه؟ تقدم إلى أن وقف أمامها دون أي حديث، دون أي إشارة واحدة منه، نظر إلى عينيها مباشرة وكانت عينيه البنية الحزينة تخاطبها بالخوف القابع داخل قلبه.. خوفه أن تكون فعلت ما هتف به ذلك الحيوان هو وابنة عمه.. يخاف أن تكون قد تخلت عن حبه لها ومحت حبه من قلبها..
رهبة تقتله وخوف يهزم كل خلية حية به أن تكون تخلت عنه وعن كل ما كان بينهم، حبه لها جنوني قاتل ينافس به أي شيء، يا ليتها تعلم ذلك.. استحضر لون عينيه الأسود القاتم في تلك اللحظات التي ستكون فارقة في حياة كلاهما، وأمر القسوة أن تتجسد به وبكل حركة تصدر عنه وقد كان ذلك..
جذبها من يدها الاثنتين على حين غرة ثم جعلها تلتف عنوة عن نفسها وقام هو باحتضان جسدها بيد واحدة جاعلًا إياها تلتصق بجسده بقوة مانعًا حركتها مقيدًا جسدها بالكامل بيده اليسرى فقط.. صرخت بفزع عندما وجدته يفعل ذلك وهي لا تفهم أي شيء وحاولت أن تبتعد عنه وتبعد يده عنها وهي تتمتم بالكلمات المتسائلة عن ما الذي يفعله بها.. حاولت بكثرة أن تدفعه عنها ولكنه كان الأقوى وكان محكمًا لقبضته عليها وجعلها لا تستطيع الحراك.
مد يده إلى سحاب فستانها من الخلف وهي تتلوى أسفل يده بفزع ورهبة شديدة، ثم صرخت به بعنف واهتياج: -أنت بتعمل إيه.. اوعى ابعد عني يا عامر. هموتك. في لحظة شعر أنها بعينيها تهتف بكم تحبه وتودعه، وفي اللحظة التي كانت بعدها زاغت عيناها عنه، وثقلت يداها الموضوعة فوق يده تبعده عنها، واختنق وجهها وشفتاها باللون الأزرق الذي وقفت عليه اختلاف الدرجات.
في تلك اللحظة سقطت من عينه دمعة فقط، تتحدث عن كم الألم الموجود بالداخل وهو لا يستطيع التعبير عنه، تتحدث عن ألمه القادم بعد فقدانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!