تحميل رواية بين دروب قسوته بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نظر إليها بعينيه البُنية الخلابة، وفي لحظة تعامد الشمس عليها تصبح عسلية صافية. مد يده يُشير بإصبعه على شاشة الحاسوب الذي تحمله على قدميها، بعد أن انتقل بنظره إليه وهتف بنبرة واثقة مقترحة: - أنا شايف إن ده أحلى. بعد أن أبصرت الصالون الذي أشار إليه، وقد كان حقًا بشعًا بالنسبة إليها، عادت ببريق عينيها الزيتوني الواسعة إليه وهتفت باستنكار وضجر، وشفتيها المكتنزة تتحرك أمامه: - يع، وحش أوي يا عامر. طول عمرك ذوقك بلدي. أقترب بوجهه يُميل بجسده عليها، ناظرًا إليها بعينيه الوقحة الجريئة، يحرك شفتيه الرفيع...
رواية بين دروب قسوته الفصل الأول 1 - بقلم ندا حسن
رواية بين دروب قسوته الفصل الاول 1
“طفولة مُرهقة بالحب والقسوة”
نظر إليها بعينيه البُنية الخلابة وفي لحظة تعامد الشمس عليها تصبح عسلية صافية، مد يده يُشير بإصبعه على شاشة الحاسوب الذي تحمله على قدميها بعد أن انتقل بنظره إليه وهتف بنبرة واثقة مقترحة:
-أنا شايف إن ده أحلى
بعد أن أبصرت الصالون الذي أشار إليه وقد كان حقًا بشع بالنسبة إليها عادت ببريق عينيها الزيتوني الواسعة إليه وهتفت باستنكار وضجر وشفتـ’ـيها المكتنزة تتحرك أمامه:
-يع وحش أوي يا عامر.. طول عمرك ذوقك بلدي
أقترب بوجهه يُميل بجسده عليها ناظرًا إليها بعينيه الوقحة الجريئة يحرك شفتيه الرفيعة قائلًا بخبث ووقاحة:
-وحياتك مافي حاجه حلوة في القعدة دي غيرك.. وبعدين ذوق ايه اللي بلدي دا أنا منقي بطل..
أبصر ابتسامتها الرقيقة، عينيها الواسعة المرسومة بدقة طبيعية ووجنتيها مع شفتيها المكتنزة غير خصلات شعرها المتطايرة حول أكتافها وصاح بحماس وشوق:
-وديني بطل
صدحت ضحكاتها في المكان وهي تعود للخلف برأسها مُتمسكة بالحاسوب، فالنظر إليه وهو يهتف كلماته المتلاعبة يجعلها تضحك بصخب..
منزل يظهر من الخارج كـ الفيلا، شاسعة المساحة رائعة التصميم، كبيرة للغاية بتصميم عصري حديث، في المنتصف بوابة حديدية كبيرة تجعلها تنفصل لجزئين مكونه من طابقين، الطابق الأرضي والأول علوي ثم الثاني، لونها رائع وفريد لا تستطيع تحديد ماهو وما اسمه، عينيك تنبهر بجمالها وروعة مظهرها وكأنه تُسر أعين الناظرين إليها كمن يقيمون بها، وهذا في الظاهر!..
حول هذه الفيلا مساحة كبيرة واسعة للغاية من الأرض الخضراء المحاطة بسور عالي يتوسطه بوابة حديدية كبيرة أكبر بكثير من الأخرى في الداخل وفي الجانب الخلفي للسور هناك واحدة مثلها..
حديقة جميلة ورائعة بها ألوان زاهية بفعل الزهور المتناثرة في نباتها في كل مكان، هناك طاولة كبيرة ومن حولها المقاعد الخاصة بها وتفصلها البوابة عن الناحية الأخرى من الحديقة حيث أنه في المنتصف طريق يتسع لسيارة واحدة من البوابة الخارجية إلى الداخلية يفصل الحديقة إلى ناحيتين..
بينما في الناحية الأخرى والجانب الظاهر منها أرجوحة كبيرة رائعة كشكل البيضة الملتفة حول نفسها، يجلس بها ذلك الشاب الثلاثيني صاحب الخصلات السوداء الحالكة، والعينين البُنية رائعة المظهر، خلابة وساحرة عندما تأتي أشعة الشمس عليها تتحول إلى لهيب صافي يُسرك فقط لأنك تنظر إليه، أنفه شامخ حاد يتماشى مع بقية ملامح وجهه وشفتيه رفيعة يعلوها شارب نابت خفيف ولحيته أيضًا نابته بينما وجهه بالكامل نحيف قليلًا يأخذ المظهر الطويل ولكنه يتمتع بقدر عالي من الوسامة والحدة المُرتسمة على ملامحه، يتمتع بجسد رياضي، ليس كثيرًا ولكنه جسد رشيق وطويل أيضًا، يظهر وكأنه شخص يتلاعب بالحديث والخبث ينبعث من حديثه بعد أن تحدث بجملتين معها..
بجانبه فتاة رقيقة لا تستطيع قول غير ذلك ولكنها أيضًا شرسة، مظهرها لن يدعوك لقول أنها رقيقة للغاية بل تظهر وكأنها جريئة قليلًا، خصلاتها تهبط إلى بعد كتفيها بقليل ليست طويلة لونها بُني رائع يختلط مع الذهبي يتدلى منه من الأمام خلصتين على جانبي وجهها لونهم ذهبي لامع، عينيها واسعة مرسومة بطريقة رائعة ليست هي من فعلتها بل هذا صُنع الخالق، لونها زيتوني رائع ككل ما بها، أنفها صغير ووجنتيها مكتنزة إلى حد ما ومثلها شفتيها ذو اللون الوردي الطبيعي دون أي مجهود منها، جسدها يبدو رشيق ليس نحيف وليس ممتلئ ولكنها تتمتع بالقدر الكافي لتكون أنثى متكاملة، لون بشرتها بيضاء ناعمة فقط من نظرتك إليها تشعر بذلك..
بعد أن توقفت عن الضحك نظرت إليه مُبتسمة بهدوء تطلب منه وعينيها تتقابل مع خاصته:
-ممكن تركز معايا شوية بقى
أقترب بجسده أكثر إلى أن التصق بها قائلًا بحرارة ونظرة شغوفه مشتاقة إليها بقوة:
-أكتر من كده؟ المرجيحه هتولع بينا
عادت برأسها للخلف مُتذمرة تبتعد عنه ومازالت تنظر إليه بقوة منادية اسمه بحدة ليتوقف عما يفعله بها في كل ركن بهذه الفيلا:
-عامر! الله
تلاعب بها وهو يضع كف يده العريض على وجنتها المكتنزة مُردفًا بهدوء وتروي ماكر:
-عيون عامر وقلب عامر وروح عامر
أبعدت يده عنها صائحة بقوة:
-والله هقوم واسيبك بطل بقى
لم يتراجع عما يفعله ولن يتراجع بهذه السهولة وهي تعرف ذلك، إنه يجعلها تود خنق نفسها من كثرة الإلحاح الرومانسي في أي موقف يمر عليهم:
-أبطل ايه هو حد هنا بطل غيرك
تذمرت بضيق محاولة أن تجعله يبقى لدقيقة واحدة من دون مغازلة وقحة لينهوا أمر هذا الزواج في أسرع وقت:
-ياخي خلينا نخلص الله.. مش عايز تتجوز ولا ايه؟ شكلك كده بتخلع
عاد للخف كما كان في البداية واتسعت عينيه مُستنكرًا ذلك الحديث الذي خرج منها يصيح بقوة ثم أكمل مقترحًا:
-ايه؟ اخلع؟ اخلع مين أنا فيها يا اخفيها.. ما تيجي نتجوز دلوقتي ونقعد في اوضتي لحد ما نخلص الجناح… أو اوضتك أنا معنديش مانع
أجابته بعقلانية شديدة وقد محت الابتسامة من على ثغرها الوردي نهائيًا لتظهر بشكل جدي لكي يفعل المثل:
-شوية جد بقى.. لو ركزت معايا هنتجوز في المعاد
قد نجحت هذه المرة، اعتدل في جلسته وعاد إلى الجدية قائلًا بنبرة جادة واضحة:
-يا سلمى ما أنا قولتلك ماليش في الحاجات دي ما تختاري أنتي
نظرت ببريق عينيها الزيتوني إليه قائلة برقة تحلت بها وهدوء قد أصابها عندما أتى الحوار بينهم إلى حياتهم الزوجية:
-مش ده هيبقى بيتنا يا عامر الله.. أنا عايزة نختار سوا
أردف قائلّا ما يحدث معه عندما يختار معها شيء، لا يُعجبها ولا يليق بها إذًا فلتختار ما تريده، أشار بيده قائلًا ثم أكمل بجدية:
-وكل ما اختار يبقى ذوقي بلدي.. حبيبي اختاري كل اللي أنتي عايزاه وأنا موافق عليه
معه حق إنها تفعل ذلك، حديثه صحيح ستأخذ بنصيحته هذه المرة فهي تعلم أنه لا يُجيد اختيار هذه الأشياء بذوق رفيع، إن ذوقه منحط للغاية في كل شيء ماعدا هي من المؤكد:
-طيب خلاص ماشي يكش نخلص
أقترب مرة أخرى عائدًا إلى نبرته وملامحه المتلاعبة المنتظرة أى حركة منها ليقوم باستغلالها وهتف بحماس ونبرة خبيثة:
-أيوه أنا عايز يكش نخلص دي
نظرت أمامها والحاسوب بيدها، لم يأخذها خلدها هذه المرة إلى تفكيره الوقح بل تحدثت بما ينقصهم لإتمام الزفاف في الموعد المحدد:
-هو كده يعتبر خلاص يعني، فاضل نفرش الجناح بس والفستان طبعًا أهم حاجه هسافر أشوفه والباقي بقى قاعة وحاجات كده تبعك أنت
نظر إليها مطولًا بشغف وعينيه تجوب على وجهها بالكامل وكل انش به، يروقه للغاية جسدها الأنثوي الفاتن الذي لا يستطيع المقاومة في حضوره، هتف وهو يضغط على شفتيه في نهاية حديثه:
-ياه يا سلمى فاضل شهر… شهر كده وتبقي تحت ايدي يا بطل وأعمل كل اللي أنا عايزة… دا أنا هفرمك
تركته وهبت واقفة على قدميها مرة واحدة مُبتعدة عنه تنظر إليه بحدة بعد أن تركت الحاسوب في مكانها تُشير إليه بإصبعها السبابة قائلة:
-بطل يا قليل الأدب بدل ما ألغي كل حاجه
لوى شفتيه بسخرية وتحدث بجدية مُميتة تهابُها دائمًا، يبدو أنه لعوب مرح ولكنه في الحقيقة ليس هذا الرجل أبدًا:
-أنتي عارفه وقتها هعمل ايه ماهو مش هستنى تلاتين سنة علشان سيادتك وبعدين تلغي كل حاجه
أردفت بكلمة واحدة وهي تبصره باشمئزاز وضيق:
-سافل
وقف على قدميه ببرود وأقترب منها ثم في لحظة لم تنتبه بها وضع يده الاثنين خلف خصرها جاذبًا إياها إليه وجعلها ملتصقة به للغاية وتحدث بحرارة:
-تعبان قدري يا مفترية
وضعت يدها الاثنين على ذراعيه المحيطة إياها وعادت للخلف برأسها عندما وجدته يقترب منها بوجهه تصرخ به بقوة وخوف:
-يخربيتك اوعى حد يشوفنا
شدد بيده عليها أكثر ناظرًا إلى جمالها الأخاذ وعقله يدعوه لفعل أشياء خطرة لا يستطيع الإنتظار حتى الحصول عليها بعد شهر من الآن:
-طب ياريت علشان نكتب الكتاب دلوقتي هو أنا لسه هستنى
اتسعت عينيها أكثر مما هي عليه وهتفت باستنكار وضجر وهي تحاول أن تبعده عنها:
-عامر بلاش جنان اوعى كده
تحدث بلين ونبرة خافتة وهو يتقرب من وجهها:
-يابت استني هبسطك
كاد أن يقترب من شفتيها المكتنزة يُقبلها ويصل إليها ليشعر بالراحة التي يريدها فهي لا تسمح له بفعلها كثيرًا بل كل مرة يفعل كل هذه الأمور ليصل إليها ولا ينال ما يريد، على حين غرة استمع إلى صوت شقيقته “هدى” وزوجة ابن عمه شقيق خطيبة التي تقف أمامه تنادي عليهم بصوت عالي من على بوابة الفيلا:
-سلمى!.. عامر!.. انتوا فين
دفعته بقوة وهو شارد ينظر إلى خلفها ويرى شقيقته تخرج من البوابة لتبحث عنهم، قائلة بضيق وانزعاج:
-يخربيتك أبعد
ضغط على شفتيه بأسنانه بقوة وهو يراها تبتعد عنه وصاح بضيق وضجر شديد:
-دايمًا كده يا هدى قاطعة كل لحظة حلوة عني
أجابت هي بصوتٍ عالٍ لتجذب انتباه شقيقته:
-أيوه يا هدى إحنا هنا
نظرت إليهم من على درج البوابة ثم هتفت داعية إياهم إلى الداخل في جلسة عائلية تخص عائلة “القصاص” والتي كانت هكذا دائمًا:
-طب يلا
أردفت مُجيبة إياها بايجاب:
-جايين
بعد أن دلفت شقيقته للداخل عادت مرة أخرى تلك الخطوات التي ابتعدتها عنه لتأخذ حاسوبها من خلفه على الأرجوحة، نظر إليها بقوة وهو يراها تتحرك أمامه ثم أقترب يحاول أن يتمسك بيدها ولكنها استدارت بعد أن أخذت الحاسوب ورأته فركضت بعيد عنه وهي تضحك بصخب قائلة:
-بعينك يا عامر
نظر إليها وهي تركض للداخل بذلك الثوب الوردي، بأكمام طويلة، ويصل إلى أسفل ركبتيها ولكنه ملتصق عليها بشدة يبرز مفاتنها وجمالها الخلاب، هتف بعد تنهيده طويلة قائلّا:
-هتروحي مني فين يعني.. كلها شهر ومش هتعرفي تتنفسي حتى
ثم سار خلفها بخطوات ثابتة بعد أن هندم ملابسه المكونة من بنطال كلاسيكي أسود وقميص مثله نفس اللون، ظهر طوله الفارع وجسده الرشيق وكم بدى واثقًا من نفسه وشامخًا حتى في سيرة.. يبدو أنه ليس كما قالت مرح ولعوب، إنه في هذه اللحظة يظهر قاسي للغاية بلامح حادة وعنيفة..
❈-❈-❈
خطى إلى داخل الفيلا من بعدها، ومن هنا نتحدث عن المساحة الكبيرة والمظهر الرائع، كم أن هناك اختلاف كبير بين الداخل والخارج، كيف هذا؟.. في بداية دخولك تقابلك صالة كبيرة شاسعة، تلمع أرضيتها بفعل ذلك الرخام الأبيض الرائع، وفي الداخل صالون يجلس به الجميع في منتصف اثنين من الدرج، واحد على اليسار والدرج الآخر على اليمين..
وفي المنتصف في الأسفل صالون به الجميع جالس، وعلى الجانبين بجوار الدرج غُرف مغلقة، على اليمين واحدة أخرى تنشغل كصالون آخر، وجوارها غرفة الطعام بها سفرة كبيرة للغاية لتجمع العائلة بأكملها..
والأخرى جوارهم بها شاشة كبيرة تأكل عرض الحائط وكأنها شاشة سينما وبها أريكة كبيرة وبعض أكياس القطن غير باب آخر داخلها يؤدي إلى مرحاض..
وعلى الطرف الآخر كان يوجد باب يؤدي إلى مدخل آخر ياخذك إلى المطبخ الكبير، وكأنه مطبخ أحد المطاعم.. وفي نفس هذا المدخل عرفة للخدم العاملين بالبيت وبها مرحاضها الخاص بينما جوار باب المدخل في الخارج غرفة للضيوف القادمين عليهم بها كل ما يلزم..
بينما خلف الدرج من الناحيتين هناك غرفتين مكتب..
وبعد كل هذه المساحة الكبيرة والوصف المبسط كان هناك ألوان زاهية على حوائط الفيلا غير تلك اللوحات المعلقة والتي تبدو غالية الثمن ورائعة المظهر، غير ما وجد من تماثيل تقف على أعمدة في المنتصف أمام كل درج..
وصف الروعة والجمال في هذه الفيلا لن يكفي حتى يصل كم هي رائعة، لا نستطيع وصفها بالشكل الصحيح ولكن المؤكد في كل هذا الحديث أنها مكان ساحر لا مثيل له يليق بعائلة كعائلة “القصاص”، عائلة من أغنى عائلات البلدة..
جلس جوارها أمام الجميع والذين كانوا أفراد العائلة، والده “رؤوف القصاص” ذو النظرات الحادة على ابنه من كل إتجاه وقد كانت ملامحه تشبه ابنه “عامر” كثيرًا وزوجته “عزة القصاص” ابنة عمه هي الأخرى تبدو سيدة محتشمة، ترتدي ملابس فضفاضة وحجاب كبير للغاية يغطي رأسها وصدرها وبداية ظهرها من الخلف وجوارها ابنتها “هدى” زوجة ابن عمها “ياسين” وشقيق خطيبة ولدها الآخر، جميلة هي الأخرى بجسد نحيف قليلًا، عينيها سوداء لامعة، بشرتها بيضاء وتبدو مرحة للغاية وابتسامتها بها حياة أخرى..
وعلى الأريكة الأخرى يجلس عمه “أحمد القصاص” ذو العيون المشابهه لابنته الساحرة وجواره زوجته “سعاد” الغريبة عن العائلة وليست كوالدة “عامر” بل كانت غير محجبة وتظهر خصلات شعرها السوداء بوضوح وأيضًا ترتدي ملابس ليست كالأخرى وجواره على الناحية الأخرى ابنه “ياسين” وقد كان ذو نظرة هادئة، ملامحه تشبه والده، عينيه سوداء، وسيم إلى حد كبير، بينما هو استولى على الأريكة الجالس عليها معها، ليشعر بالراحة أكثر وفي منتصف كل هذا طاولة كبيرة تحمل أصناف شهية من الحلوى والعصائر الطازجة الذي أتت إليهم بعد تناول طعام الغداء..
كان الحديث بين الرجال عن العمل فهتف “ياسين” بجدية ناظرًا إلى ابن عمه قائلًا:
-ورق المناقصة دي مع عامر يا بابا
أجاب “عامر” يومأ برأسه بثبات وهتف بنبرة واثقة:
-آه آه معايا
أردف والده بجدية هو الآخر وهو ينظر إليه:
-ابقى هتهولي عايز أشوفه وأبص عليه
-حاضر
تحدث عمه “أحمد” ووالد خطيبته قائلًا بمرح ومزاح وهو ينظر إليه مُشيرًا بيده إلى ابنته الجالسة جواره:
-عملتوا ايه يا عامر خلصتوا الفرش اللي سلمى صدعتنا بيه ولا لسه
أردف نافيًا ما قاله عمه ثم نظر إليها يكمل حديثه وعينيه مثبتة على عينيها ذات اللون الزيتوني الخالص:
-لأ والله يا عمي.. هي بقى تختاره وتخلصه مع نفسها تعبتني بصراحة
لكزته في ذراعه بقوة مُستنكرة حديثه ناظرة إليه بذهول تهتف بنبرة حادة:
-تعبتك؟ وأنت عملت حاجه أصلًا
مال عليها برأسه يهتف بنبرة خافتة خبيثة وعينه الوقحة الماكرة تنظر إليها بثبات وقد لاحظ الجميع أن هناك شيء آخر يتحدث به معها:
-آه عملت… انكري بقى
أجابته بنبرة خافتة مثله مضيقة عينيها عليه بقوة ولكن الضيق يشتد عليها بسبب أفعاله الدنيئة أمامهم:
-عملت عملت أخرس بقى
استمعت إلى صوت شقيقته تهتف بنبرة متسائلة تنظر إليها بهدوء وابتسامة صغيرة:
-هتروحي تشوفي الفستان امتى يا سلمى
أجابتها بهدوء هي الأخرى ثم استدارت تكمل حديثها إلى والدها الذي تريد أن تأخذ إذنه في السفر مع عامر إلى “لبنان” وحدهما لرؤية فستان عرسها الذي يصمم خصيصًا لها:
-اسبوعين بالظبط وهسافر وعامر معايا بعد اذنك يا بابا
أومأ إليها والدها بهدوء واستكمل حديثه مع شقيقه، تقدمت للأمام بجسدها تأخذ قطعة بسكويت لتأكلها فنظر إليها مُطولًا وهو يراها تأكل بنهم وبطريقة تجعله يموت داخله ألف مرة..
استدارت تنظر إليه عندما شعرت أنه أطال النظر عليها والجميع مُلتهي بالحديث والهواتف، أشارت له بعينيها فأشار لها هو الآخر على البسكويت دليل على أنه يريد مثلها، تقدمت وأخذت غير الذي اكلتهم وقدمتها إليه ولكنه أبعد نظره يبصر الجميع ليراهم منشغلين بعيد عنهم فأشار لها أن تطعمه بيدها.
أبعدت نظرها مثله ترى الآخرين ثم عادت إليه مُبتسمة بحب وقدمت إليه القطعة بيدها الناعمة، أمسك معصم يدها وهي تطعمه وتذوق إصبعها مع البسكويت فاغمض عينيه بقوة مُستمتعًا بتلك اللمسة الفريدة من نوعها..
جذبت يدها سريعًا وابتسمت بسعادة كبيرة وهي تراه واقع بها إلى هذا الحد، كم يحبها؟.. هذا لا يقدر إنه يحبها منذ أيام طفولتهم وإلى الآن ينتظرها للزواج منها بعد أن وضعت شروطها، أن ذلك لن يحدث إلا عندما تنهي دراستها بالكامل، تراه يحبها إلى حد كبير لا تستطيع معرفته أو وصفه، تراه يحبها كما تحب النجوم وجودها في السماء وتبادله ذلك الحب بالعشق الخالص الذي كان يشعرها بكونها تحبه كحب الأسماك لوجودها في المياة.. حياتها ومكانها الوحيد..
تراه مُتملك، قاسي إلى درجة كبيرة، وجديًا للغاية مع الجميع إلا هي، يكون شخص آخر معها غير ذلك الذي يعرفه الجميع، يكون معها طفل صغير يهوى معرفة المزيد عن العشق والغرام ليرسمه على ورقة من ذهب ويهديها إليها..
في لحظة ما استمعت إلى صوت هاتفها يعلن عن وصول مكالمة وقد كان على الطاولة قبل لحظة خروجها إلى الحديقة، تقدمت إلى الأمام في جلستها ثم أخذته بين يدها لترى اسم صديقتها المقربة يُنير الشاشة، وقفت على قدميها بنعومة ورقة ثم سارت في هدوء إلى الخارج مرة أخرى لتتحدث معها..
استند إلى ظهر الأريكة وفرد ذراعيه وعينيه مُثبته عليها وهي تسير للخارج، كم كان وقح في نظراته لا يعير أي أحد أدنى اهتمام أو حتى احترام، أتى بها من بداية حذائها ذو الكعب العالي الذي كلما خطت خطوة أصدر صوت مرتفع، إلى ساقيها البيضاء المغرية ومن بعدها إلى أعلى جسدها وصولًا إلى خصلات شعرها البُنية المختلطة مع اللون الذهبي…
اختفت عن عينيه البُنية وبقيت ما يقارب العشر دقائق في الخارج ولم يكن يعلم مع من تتحدث، وقف على قدميه بعد أن نظر إلى ساعة يده للمرة الخامسة وذهب خارجًا إليها ليرى مع من تتحدث ولما كل هذا الوقت..
وقف على بوابة الفيلا ليراها تهبط بالهاتف من على أذنها وانحنت برأسها قليلًا للأمام تنظر به، تعطيه ظهرها وتقف أمام شجرة كبيرة من التي في الحديقة..
ذهب بخطوات ثابتة إليها ويده الاثنين في جيوب بنطاله الكلاسيكي الأسود، وقف خلفها وأردف مُتسائلًا بجدية واستفهام:
-كنتي بتكلمي مين؟
استدارت إليه بعد أن استمعت صوته خلفها، وقفت أمامه ثم أجابته على سؤاله الجاد بجدية هي الأخرى وعينيها عليه:
-بكلم إيناس
أخرج يده من جيبه وأشار بحدة وعصبية احتلت كيانه عندما استمع إلى اسم صديقتها التي لا تريد الابتعاد عنها وعقب قائلًا:
-تاني؟ دين أم البت دي تاني؟
أبصرته بقوة مُجيبة بحدة هي الأخرى بعد الاستماع إلى نبرته الحادة الشرسة:
-ممكن تتكلم معايا عدل وبلاش الأسلوب ده
أقترب منها يهتف بنبرة حادة ناظرًا إلى عينيها بثبات وقوة، فقد قال لها كثير من المرات أن تبتعد عن هذه الفتاة ولكنها لا تبالي بحديثه:
-أسلوب ايه اللي بتكلم بيه أنا قولت مليون مرة ابعدي عن البت دي
عاندته مُجيبة بقوة ناظرة إليه بعمق:
-البنت دي صاحبتي من زمان
نفى حديثها بنبرة واثقة مما يقوله وكأنه يعلم شيء عنها هي لا تعلمه:
-مش صاحبتك يا سلمى أنا عارف أنا بقولك ايه
رفعت حاجبها للأعلى ونظرت إليه بحدة أكثر وأردفت قائلة بقوة تثبت إليه حديثها وتؤكد أنه الصحيح:
-لأ صاحبتي يا عامر ونظرية المؤامرة اللي في دماغك دي غلط
أقترب خطوة على حين غرة وهو يصيح بها بصوت حاد عالي ناظرًا إليها بعصبية وعينيه تحولت للسواد الحالك في لحظات:
-لأ مش غلط وهتبعدي عن البت دي غصب عنك طالما الكلام معاكي مش بيجي بفايدة
نظرت إليه بسخرية تلوي شفتيها المكتنزة واضعة يدها الاثنين أمام صدرها قائلة بتساؤل ساخر متهكم:
-والله؟ غصب عني ده اللي هو إزاي هتضربني مثلًا
عاد للخلف خطوة مرة أخرى كما الذي تقدمها في لحظة، نظر إليها بعمق ثم أعترف أخيرًا ولكن بخطئه في أسلوب الحديث:
-تمام تمام أنا غلطان في أسلوبي زي كل مرة افهمي أنتي بقى مرة واحدة في حياتك
كرمشت ملامح وجهها مُتسائلة بقوة:
-أفهم ايه؟ إنك عايزني أبعد عنها بدون وجه حق
عقب على حديثها بجدية محاولًا التوضيح لها ما الذي يدور بخلده:
-لأ مش بدون وجه حق قولتلك إن عمها رفعت الصاوي هو أكبر منافس لينا في السوق
اخفضت يدها من على صدرها وأشارت إليه باستنكار واضح وصريح قائلة:
-وايه يعني هو علشان منافس تبقى هي وحشه وهو وحش
أومأ إليها برأسه بجدية وأكمل حديثه بتأكد:
-آه وحشين… هو منافس آه لكن مش شريف وممكن يقضي على أي حد علشان مصلحته
نظرت للبعيد لحظة وهو عينيه مُثبتة عليها بقوة، ثم عادت إليه مرة أخرى قائلة حديث آخر بمنظور آخر تراه هي صحيح وهو يراه خطأ كبير:
-ماشي ياسيدي هعتبر إن كلامك صح.. أنا أصلّا معرفش أي حاجه عن الشغل يعني أنا مش هفيدها وبقالي كام سنة مش بفيدها ليه لسه صاحبتي
صاح مرة أخرى بصوت عالي وهو يراها تُصر على موقفها ولا تسمتع إلى حديثه، يعلم أنها عنيدة ولكنه عنيد وحاد أكثر منها:
-أنتي مصممة ولا ايه.. أنا عندي نظرة في الستات الكويسه والوحشة وبقولك دي هتخرب الدنيا ولازم تبعدي عنها
تفهمت ما الذي يقوله عندما خص الأمر النساء التي يتحدث عنهن، ولأنه “عامر القصاص” وهي خطيبته وابنة عمه فهمت إلى ماذا يشير فهتفت بحدة وضيق:
-آه قولتلي.. نظرتك بتاعت الستات دي خليها للستات إياهم ماشي؟ لكن أنا وصحابي برا النظرات دي يا عامر علشان إحنا مش شبههم
تهكم عليها بوضوح وتبسم بسخرية مُتسائلًا باستنكار ثم أكمل حديثه هازئا بها:
-إيناس مش شبههم!.. دا أنتي نايمة في العسل خالص
انزعجت من أسلوبه الساخر وحديثه المخفي عن أخلاق صديقتها الذي يشبهها هو بالنساء الذي يعرفهم، لوحت بيدها أمامه بحدة وأردفت بصوت عالي منزعج بشدة:
-بقولك ايه بلا عسل بلا بتاع مالكش دعوة بيها هي صاحبتي وأنا بحبها خلصنا يا عامر وده شيء مايخصكش أصلًا
أمسك يدها التي كانت تلوح بها وأردف بقوة وعصبية موجودة معه في جميع الأوقات حتى اللحظات الرومانسية تكون معه على أتم الاستعداد للخروج فقط أن قيلت كلمة واحدة لا تعجبه:
-اتكلمي كويس بلاش تخليني اتغابى عليكي بأسلوبك الوسـ* ده سامعه
نفضت يدها منه ولكنه ظل متمسك بها، نظرت إليه بقوة وأردفت بضيق وانزعاج من الذي يحدث بينهم، إنه عصبي إلى حد كبير ومتهور أكثر من اللازم ولا يندم على فعل شيء خطأ سريعًا وهي عنيدة ولسانها سليط وهذا يزعجهم أكثر:
-سيب كده هو فيه ايه وبعدين مش كل ما أتكلم قصادك تتعصب إحنا بنقعد خمس دقايق كويسين وطول اليوم خناق
ضغط على يدها وأردف بتأكيد ناظرًا إلى ذلك الزيتون داخل عينيها الجريئة المتحلية بها الآن:
-مهو بسببك
احتدت نبرتها مرة أخرى بعد أن نسب الأمر لها وهو من بدأ به:
-أنت هتستهبل؟
ترك يدها ووضع يده الاثنين بجيوب بنطاله كمل كان، استدار وأعطى لها ظهره ثم مرة أخرى نظر إليها وقال بجدية:
-ماشي.. ماشي أنا اللي غلطان وأسلوبي وحش متزعليش بس خليكي عارفة أنا مش هغير رأي في البت دي ودايمًا هحظرك منها
سألته بوضوح وجدية تقارن بينه وبينها ربما تجعله يصمت عن الحديث عنها بهذا الشكل:
-هو أنا بتكلم على حد من صحابك؟ أنت…
لم يجعلها تكمل ما بدأت الحديث به وصاح بغضب وقسوة قائلًا بعد أن أخرج يده من جيوبه مرة أخرى واهتاج جسده وتشنج:
-وأنتي مالك ومال صحابي أصلًا
يتمتع بغريزة التملك، تعرف ذلك جيدًا ويغار من الملابس الذي ترتديها تعرف ذلك أيضًا ولكن الأمر فوق كل طاقة تتحلى بها، رسمت الهدوء على وجهها وأردفت مُجيبة إياه:
-خلاص يا حبيبي خلاص ممكن نقفل الحوار الأسود ده؟
تنهد بعمق أخذًا نفس عميق وحاول أبعاد الفصل عنه، أقترب منها ووضع يده خلف رأسها جاذبًا إياها إليه يقبل جبينها بحنان وهدوء ثم قال وهو يبعدها عنه ناظرًا إليها:
-مش ببقى عايز ازعلك بس أنتي عنيدة ومستفزة
تحدثت بجدية مقدرة أنه يحاول لأجلها أن يكون أفضل من هذا ويتخلى عن تهوره وحديثه البغيض وكل ما به من عيوب:
-خلاص يا عامر وأنا أوعدك إني لو شوفت منها أي تصرف وحش هبعد عنها
جذبها من خلف رأسها مرة أخرى يقربها من صدره محتضن إياها بهدوء ووضعت هي الأخرى كف يدها على عضلات معدته الظاهرة بوضوح تنعم بذلك الدفء المنبعث منه بعيدًا عن أي شيء آخر، أردف قائلّا:
-ماشي يا سلمى
❈-❈-❈
“في المساء”
وقفت “هدى” أمام المرآة تعدل من هيئتها، كانت ترتدي فستان أسود بحملات رفيعة للغاية ذو فتحة صدر واسعة يصل إلى أسفل قدميها ولكنه ملتصق عليها وبشدة، وكم كان مظهره فاتن للغاية عليها، أطلقت خصلات شعرها السوداء للخف وبعضًا منها على جانب عنقها..
دلف زوجها “ياسين” إلى الغرفة، حيث أنه كان في غرفة الملابس الصغيرة الخاصة بهم يرتدي هو الأخرى حلة رسمية سوداء رائعة، مصفف خصلات شعره الأسود للخلف بعناية، ملامحه حادة واضحة شامخة ونظرته ثابته أمامه، يبدو وسيم للغاية..
وقف خلفها وأردف قائلًا بصوت حاني وهو يبصرها من خلال المرآة:
-ايه الحلاوة دي يا موزة
نظرت إليه عبر المرآة، ورآته كم بدى وسيمًا رائعًا فتحدثت قائلة بابتسامة عريضة وفرحة:
-أنت اللي ايه الحلاوة دي.. هتتخطف مني كده
استنكر حديثها متسائلًا بمزاح ومرح:
-يا شيخه؟
استدارت تنظر إليه مُتحدثة وعينيها السوداء تلمع قائلة:
-آه والله.. أنت مش حاسس بنفسك ولا ايه؟
أقترب يطبع قبلة سريعة على شفتيها يخطفها من رحيق الأزهار ليستمتع بها ثم عاد قائلًا:
-الصراحة لأ مش حاسس
ابتسمت إليه بسعادة كبيرة لم تشعر بها يوما إلا عندما أصبحت زوجته ونصفه الآخر:
-لأ حس بقى
نظر إليها مطولًا وقد كانت نظرة ذات مغزى تعلمه جيدّا، تنهد مرة واحدة وسريعًا بصوت عالي ثم أردف بجدية مقترحًا:
-طب يلا بينا علشان منتأخرش على الحفلة
-يلا
قدم إليها يده فأمسكت به بقوة وحب كبير بينهم، حب خالص لا مثيل له، تعتبره من حب الأساطير على الرغم من بساطته ولكنه يشعرها بأن لا هناك مثلهم في الوجود على الإطلاق ولن يكون هناك فـ القدر يخفي الكثير والكثير وما هي إلا أيام ويحكى كل ما خفى…
❈-❈-❈
قبل منتصف الليل بساعة واحدة كانت “سلمى” تجلس أمام الحاسوب الخاص بها تحاول أن تنتقي كل ما يلزم منزل الزوجية الخاص بها و بـ “عامر” الذي تخلى عنها في هذا الأمر مدعي أنه لا يعرف.. لا لم يكن إدعاء هو حقًا لا يعرف..
ولكن في لحظة صمت وهي مندمجة في النظر إلى الحاسوب أطلق الهاتف أصوات خلف بعضها تعبر عن وصول رسائل عبر تطبيق تواصل “الواتساب” أمسكت به وكانت الراسلة هي “إيناس” صديقتها المقربة الذي يريدها “عامر” أن تبتعد عنها..
فتحت الرسائل التي أرسلتها إليها وكانت عبارة عن مجموعة صور، صور غريبة عليها للغاية!.. ليست غريبة بل مذهلة! عقلها لم يستوعب ما الذي تراه أهو حقًا أم لا.. هل هي تمزح معها؟ ولكنها مزحة بشعة للغاية..
لا هذه ليست مزحة إنها تعلم لقد مرت بهذا الشعور سابقًا ولكنها الآن أشد قسوة وضراوة..
أرسلت إليها كلمة واحدة فقط إلا وهي “موجود” يتبعها علامة استفهام لتتلقى منها الإجابة بسرعة مؤكدة ما تسائلت عنه فطلبت منها شيء أخرى وقامت الأخرى بالإجابة عليها وفي لحظة كانت تقف على قدميها.. أبعدت عنها ذلك التيشرت البيتي سريعًا وخلفه البنطال هو الآخر ودلفت سريعًا تركض إلى غرفة ملابسها ثم لحظات فقط وخرجت مرتدية بنطال أسود يعلوه قميص أسود به رسمه بسيطة من الأمام على صدره وحذاء رياضي أبيض اللون..
أخذت الهاتف الخاص بها ومفاتيح سيارتها ثم ذهبت إلى الخارج لتتأكد مما رأته.. والذي وقع أمامها سابقًا مرتين ولكنها تمثل الشخص الأبلة الذي لا يفقه شيء..
وقفت بسيارتها أمام ملهى ليلي موجودة به صديقتها، دلفت إلى الداخل وعينيها تدور في المكان بحثًا عن أي شيء يدلها عنه… يدلها على “عامر”
وقد كان، نظرت إلى تلك الطاولة الكبيرة وجدته يجلس عليها وبجانبه فتاة!.. فتاة لم تستطع الجلوس على مقعدها فوقفت بين قدميه!..
يضع يده اليمنى أسفل ظهرها والأخرى خلف خصلات شعرها وأيدي الفتاة الاثنين فوق يديه وكأنها تثبتهم، تقف بين قدميه وتبتسم إليه بطريقة لعوب مقززة كان هو معتاد عليها..
انشق قلبها نصفين!.. استمعت إلى صوت انشقاقه، أو كان هذا كسر به!.. للمرة الثالثة بطرق مختلفة تراه يفعل أشياء دنيئة كهذه!.. ولكن لتعترف هذه المرة الأصعب على الإطلاق..
وقفت الدموع في عينيها حائرة، تود الهبوط وهي لا تساعدها.. تود الصراخ ولا تسمح بذلك، مشاعر كثيرة ثائرة بداخلها تود الخروج في وسط هذه الضجة والصخب المحيط بالمكان ولكنها لا تستطيع إلا النظر إليه ورؤيته وهو في هذا الوضع المقزز الوقح..
أقتربت بجمود واضح وكل خطوة تخطوها إليه ثابته قوية، نظرتها عليه حادة واضحة، وقفت أمامه مباشرة، تنظر إليه بعمق ولم تتحدث ولم تبعد هذه الوقحة عنه ولم تثور بل فقط نظرت إليه تنتظر أن يشعر بوجودها..
وقد كان بعد لحظات يشعر أن هناك من يقف جواره فاستدار برأسه ينظر ليراها أمامه!.. أبعد الفتاة عنه بسرعة وبحركة لا إرادية منه، بشكل عفوي للغاية فقط عندما أدرك وجودها.. وقف أمامها وحاول التحدث ولكن لم يستطع قول كلمات مترابطة مفهومة.. لقد كان ثمل!..
ضحكت بطريقة ساخرة للغاية ثم في لحظة خاطفة تخطت كل الحدود الذي عرفتها معه القاسي العنيد ورفعت كف يدها تهبط على وجنته بكل ما بها من قوة، صفعة مدوية هبطت على وجنته جعلته يستدير للناحية الأخرى وقد رآه البعض في هذه الحالة المزرية، تصفعة امرأة!.
يتبع….
رواية بين دروب قسوته الفصل الثاني 2 - بقلم ندا حسن
لم يشتهي القلب سواه، أعوام وأشهر، أيام وليالي داخلها ساعات ودقائق وبين كل هذا لم يكن هناك سواه.
قد عشق القلب والتهبت الروح بشدة بعد أن علمت بالخطر المحيط بها لأجل ذلك العشق..
منذ أن كانت طفلة صغيرة تحبه، مراهقة تحبه، شابة تحبه، فتاة راشدة تحبه، وإلى الآن تحبه.
كان هناك خطر دائم كمثل أمواج البحر الثائرة، تهبط وتهدأ ثم على حين غرة تأتي إليها من دون ميعاد لتدمر كل ما بنته..
ولم يكن هذا الخطر إلا هو..
كان صبي مشاغب وفتى مرح يحب خوض تجارب كثيرة في الحياة والآن هو رجل ناضج عاقل ومن حين أن أصبح كذلك يفعل كل ما يحلو له، دون أخذ أمر من أحد أو الاستماع إلى نصيحة من أحد.
يلهو كثيرًا مع فتيات الملاهي الليلية، يعبث معهم بكل جوارحه، يشرب الخمر وما حرم عليه..
يفعل كل ما يخطر على البال، وهي تعرف كل ذلك، تعرف أنه قاسي، عنيد وحاد الطباع.
عندما يرغب أن يكون محبًا ومرحًا يفعلها ويكنّ لأجل نفسه وللاستمتاع قليلًا، وبقية الوقت يكنّ الرجل الذي يريد أن يكون عليه وهي تدري..
متملك يغار وبشدة، يغضب ويثور في لحظة..
تعرف أنه لا يستمع لأبيه ولا يستمع لأي أحد من أفراد العائلة، حديثه يأتي من عقله ومهما كان خطأ فلا رجوع عنه..
تعرف إنه لعوب خبيث، ماكر وما بعد المكر شيء أسوأ من هذا، مهلًا هناك الأسوأ عندما يمارسه على من يحب..
كيف يحب؟..
مع كل ذلك أحبته، وظلت تحبه وستحبه إلى الأبد البعيد، قلبها عنيد غبي غريب لا يستجيب إليها.
يعلم أنه سيواجه كثيرًا من المتاعب، يمكن أن تكون جسدية لأنه في كثير من الأحيان يتطاول، يمكن أن تكون نفسية وهذا أكيد..
قلب غبي لا يستمع لأحد مر عليه سابقًا الخيانة وعاد إليه مرة أخرى غافرًا له ما فعله بعد كثير من الاعتذارات، بعد كثير من الندم والقهر الذي ظهر عليه بسببها..
ولكن الآن هذه الأخيرة، لن يكون هناك مانع أن تحبه إلى الأبد وما بعده ولكن المانع في كونها معه..
وضع كف يده اليسرى على وجنته التي تلقّت الصفعة عليها، أغمض عينيه بقوة مستنكرًا ما فعلته بطريقة حادة وقاسية ضاغطًا على أسنانه بقوة وبعنف شديد..
استدار بوجهه ينظر إليها بعد أن فتح عينيه وظهر من خلفها سماء سوداء حالكة ليس بها أي نجم معتم حتى ينير ولو ضوء بسيط بها.
أخفض كف يده من على وجنته ونظر إليها بقوة ومن حولهم ينظرون إليهم..
“عامر القصاص” إنه شخص معروف هنا، المكان مليء بالموسيقى العالية وأصوات الغناء الصاخبة ولم يرَ أحد أو ينتبه لما حدث إلا القريبون منه في الجلسة وللأسف كانوا على معرفة به وبخطيبته..
عينيها لم تهبط من على عينيه، بقيت تنظر إليه بقوة وثبات، يرى الدموع تترقرق خلف الزيتون القابع داخلها ولكنها تحاول الثبات بقوة، يرى العتاب واضحًا بعينيها وجميع ملامحها تتحدث وهي ترفض الخضوع لكل هذه المشاعر..
وضع يده اليسرى على البار خلفه وأمسك بمفاتيحه، وضعها في جيبه وعينيه ما زالت عليها دون حديث، ثم بيده اليمنى أمسك معصمها يعتقد أنه من هنا سيأخذها ويذهب للخارج ثم يعود كل شيء إلى طبيعته بكلمتين وظهور الندم عليه..
لم يحذّر أبدًا، نفضت يدها منه بعنف وقوة والتقزّز مرتسم على ملامحها ثم دفعته بيدها في بطنه بقوة ليعود للخلف ولكنه لم يفعل بل وقف ثابتًا..
استدارت بهمجية تسير للخارج وهي تندب حظها وتعنّف قلبها الضعيف الذي لا يتعلم من أخطائه أبدًا.
خرج وراءها سريعًا يحاول الإمساك بها لكي يتحدث معها ويجعلها لا تقود السيارة وهي بهذه الحالة..
تبدو قوية ولكن هشة.. ضعيفة..
كل هذا كان تحت أنظار صديقتها “إيناس” التي ابتعدت عنهم ووقفت تشاهد بهدوء..
رآها وهي تنطلق بالسيارة ولم يستطع اللحاق بها ولكن سريعًا أحضر سيارته وذهب خلفها بأقصى سرعة.
عنيدة وغبية، لسانها سليط وتتطاول بيدها لا يعلم كيف هم الاثنان يحبون بعضهم البعض..
كيف اثنان كالبنزين والنيران يعشقون بعضهم؟..
ولكنها طيبة القلب وهشة من الداخل خائرة القوى، جريئة وعنيدة ولكنها بريئة، تتمتع بمزيج غريب من الصفات التي لا تتطابق مع بعضها ولأنه تعيس الحظ وقع في حبها منذ أن كانت طفلة وكبُر على أنها له هو وحده..
ملكه ومملكته.. ولن تكن سوى ذلك..
يحب كل ما بها ولكنه شخص شهواني غريب.. يعترف بذلك، يحبها هي ويهوى الغرام الأبدي معها، يحب أن يراها أنثى متكاملة الأركان وهي للأسف تتمتع بهذا في جميع الأوقات.. تُرهقه..
لكنه يعترف أيضًا أنه غبي، لِمَ قد يثمل الآن؟ لِمَ قد يضع هذه الفتاة بين يديه بهذه الطريقة الغريبة؟!
لا يتذكر من الأساس متى فعل هذا؟ هو فقط وجدها تقف أمامه وقبلها جذبته إلى ساحة الرقص دون حديث بينهم..
لِمَ قد يفعل ما تريد تلك الغبية وزفافه بعد شهر واحد منها هي..
وقف أمام بوابة الفيلا الداخلية بالسيارة، خلف سيارتها التي هبطت منها للتو، وسارت إلى الداخل بسرعة.
كم حادث حاول أن يتفاداه لأجلها، عقله ليس به إنه إلى الآن ثمل..
دلف خلفها ركضًا ليمنعها من الحديث مع أي أحد، يعلم أنها أيضًا غبية ولن تصمت كما المرات السابقة وتجعل الجميع يعلم بأشياء تخصهم وحدهم..
خيبت ظنه وراءها تصعد متجهة إلى غرفتها، تنهد بقوة وتقدّم إلى المرحاض في الأسفل.
دلف إليه ووقف أمام حوض الغسيل يأخذ من صنبور المياه الذي فتحه ويلقي بقوة على وجهه لكي يستفيق أكثر ويستطيع التحدث معها والإجابة عن كل ما ستطرحه عليه والتحدث عما يريد..
أغمض عينيه بقوة شديدة وهو يلقي المياه مرات كثيرة ثم أخيرًا أغلق الصنبور وأمسك بالمنشفة يجفّف وجهه..
خرج إلى الصالة الكبيرة ولم يكن هناك أي أصوات في الفيلا..
نظر إلى الأعلى حيث مكان غرفتها، تقدّم يسير بثبات ثم صعد على الدرج بخطوات سريعة..
دلف إلى الناحية الخاصة بهم، لقد كان الطابق العلوي منقسمًا نصفين، كما في الأسفل تمامًا.
النصف الأيسر من الفيلا يخص “أحمد القصاص” وزوجته وأولاده به غرفة نوم له، وأخرى لابنته “سلمى” وأخرى كانت تخص “ياسين” قبل الانتقال للأعلى مع زوجته “هدى”، وغرفة بها شاشة تلفاز وصالون والناحية الأخرى مثلها تمامًا، غرفة نوم لـ“رؤوف” وزوجته وأخرى لـ“عامر” وأخرى لشقيقته قبل الانتقال للأعلى مع زوجها وكل غرفة بها حمامها الخاص..
وقف أمام باب غرفتها ثم أمسك المقبض وفتحه، طلّ من الخارج ينظر إلى الداخل ليراها تجلس على الفراش منحنية على نفسها تضع وجهها بين كفّي يدها ولم تكن تتوقع أنه سيصعد إليها هنا في غرفتها..
وقفت سريعًا عندما استمعت إلى صوت الباب، نظرت إليه بقوة صارخة:
- أمشي من هنا!
لم يستمع إليها ودلف إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه، رآها تتقدّم منه بعنف فأغلق الباب بالمفتاح وأخذه في جيبه.
استدار ينظر إليها بقوة، بعينين لونهما أسود حالك واستمع إلى صراخها الحاد:
- أطلع بره يا عامر!
وقفت أمامه ثابتة ومحت كل ما رآه منذ لحظات، وأصبحت أخرى أمامه، لم ينسَ ما الذي فعلته لذا أول ما قاله كان بصوت جاد قوي:
- أنا هفوت القلم اللي أخدته منك بمزاجي!
نظرت إليه ساخرة بشدة، لوت شفتيها بتهكّم وأردفت مجيبة إياه وهي ترفع إحدى حاجبيها:
- لا متفوتوش.. أنا مش عايزاك تفوته وريني هتعمل إيه؟ هتضربني ولا هتردلي القلم؟ ولا يكونش هتعاقبني وتروح تتوسخ مع واحدة من الأوساخ بتوعك؟
بلّل شفتيه بلسانه، أخذ نفسًا عميقًا ثم عقّب على حديثها بجدية محاولًا السيطرة على الوضع الذي بينهم:
- سلمى إلزمي حدّك معايا.. بلاش الأسلوب ده علشان أنتِ عارفة أنه بيرجع عليكِ في الآخر!
صاحت بشراسة وعنف مردّفة:
- لا دا كان زمان…. دلوقتي مافيش الكلام ده ويلا أطلع بره من هنا!
أقترب منها بهدوء ناظرًا إليها بقوة وهتف بنبرة منزعجة متضايقة بشدة:
- سلمى أنتِ فاهمة غلط.. محصلش حاجة لكل ده!
صاحت بعنف وشراسة وهي تعود للخلف ملوّحة بقوة بيدها مُتهكّمة على الحديث الذي يهتف به:
- آه صح محصلش.. إيه يعني لما ألاقيك سكران وإيدك على واحدة وسمّ في وضع وسمّ زيكم؟
أقترب هو خطوة وكرّمش ملامح وجهه محاولًا التعلّق بأي شيء ليقنعها أن تنهي ما يحدث:
- أديكِ قلت لكِ كنت سكران وبعدين معملتش حاجة لكل ده هي جت جنبي وكل اللي حصل اللي أنتِ شوفتيه والله حتى معرفش حصل إزاي!
أبصرت عينيه السوداء بفعل غضبه مما يحدث وتساءلت بجدية ثم أجابت على نفسها تُهينه:
- بجد؟ أنت كداب!
نفى ما قالته عنه وهو يشيح بيده مثلها بقوة:
- لا مش كداب!
ذهبت إلى الفراش ثم أخذت الهاتف من عليه، وقفت لثوانٍ تفتحه وتأتي بتلك الصور التي كانت في رسائل صديقتها “إيناس” والتي كانت عبارة عنه هو ومعه تلك الفتاة في وضعيات صعبة للغاية عليها كخطيبته وحبيبته وزوجة المستقبل القريب للغاية..
أقتربت منه ووضعت الهاتف أمام وجهه على إحدى الصور تتحدث بغل وكراهية لا تدري من أين حلّت عليها، تزيح غيرها وهي على نفس الحال:
- طب وده إيه؟.. مش بترقص معاها هنا؟ إيدك الزبالة فين؟ ودي شايف دي بتعمل إيه؟.. بتقولها كلمة سر في بوقها مش كده؟
أخفضت الهاتف من أمام وجهه وألقته بعنف على الفراش مرة أخرى، نظرت إليه وتحلّت بالقوة دون الضعف، أجبرت نفسها على الصراخ والظهور في وضع قوي ليس ضعيفًا وأجبرت عينيها على الصمود إلى حين مغادرته:
- أطلع بره أنا مش عايزة أشوف وشك ده تاني!
أقترب ممسكًا ذراعيها الاثنتين ضاغطًا عليهما بكفّي يده، تحولت ملامح وجهه للين والهدوء راجيًا منها السماح مؤكّدًا على حبه لها:
- سلمى أنا بحبك وأنتِ عارفة كده ومش بشوف أي واحدة تانية غيرك، أنا كنت سكران وعارف إني غلطت بس أنا معملتش أكتر من كده!
أبصرت عينيه بقوة، تودّ لو تصدّقه ولكنها لن تفعلها، يكفي إلى هنا عذاب منه وإليه، يكفي إلى هنا غفران له، عليه أن يتحمّل نتيجة ما يفعل ويرى أنها ليست مضمونة القبول دائمًا:
- المطلوب مني إيه؟ أسامحك؟ واستنى المرة الجاية لما تكون نايم في سريري مع واحدة منهم مش كده؟..
ضغط على يدها أكثر وهتف برجاء أكبر لا يراه أحد أبدًا ولم يخرج يومًا لأي أحد سواها، هي فقط من رأت المرح به والصدق والمكر والخبث والضعف، هي من رأت كل الصفات وهو بغبائه يضيعها من بين يديه ولكنه صدقًا لم يفعل هذا بإرادة منه:
- سلمى أنا آسف أوعدك مش هتتكرر تاني وهبطل شرب خالص!
نفضت يديها الاثنتين منه بقوة وعنف وعادت للخلف صارخة به مُتهكّمة عليه وكل ما يخرج من بين شفتيه يذكّرها بما فعله سابقًا وهي غفرتَه ولكنه لم يتعلم الدرس:
- يا سلام على الصدق والحنية.. نسيت إني سمعت الكلام ده قبل كده؟.. أفكّرك؟ تمام مرة قبل كده لقيت صور قذرة أقذر ما يكون على موبايلك!.. وياترى المرة التانية كانت إيه! كانت إيه! آه كنت بتكلم واحدة عليّا برضو في القذارة مش كده!.. بقينا في تقدّم ما شاء الله أهو استمر!
مسح على وجهه بكف يده بضيق وضجر شديد نظر إليها ووضع يده اليسرى في جانبه والأخرى يلوّح بها بنبرة جادة قوية بعد أن أرهقَتْه في اللين والهدوء:
- الموضوع مش مستاهل كل ده يا سلمى.. غلطة صغيرة محصلش حاجة وأنا أهو بعتذر وبقولك مش هتتكرر تاني ولا أنتِ عايزة مشكلة تانية تأجّلي بيها الفرح تاني!
عقّبت بشرود وعينين ذائغة:
- الفرح!.. صح الفرح!
أبصرت عينيه مطولًا ولكن هذه المرة تخلّت عن القوة والشجاعة، أبصرتْه بعتاب وضعف، عيون مُرهقة وشفتين ترتجفان، نظرت إلى إصبع يدها اليمنى والذي به خاتم خطبة من الألماس، جذبته من إصبعها ثم تقدّمت ممسكة بكف يده ووضعته به تغلّقه عليه وعادت للخلف خطوة وكأن شيئًا لم يكن..
فتح كف يده ينظر إلى الخاتم به بذهول، ثم رفع عينيه عليها يتساءل بقوة:
- إيه اللي بتعمليه ده؟
أردفت تجيبه بنبرة خافتة ووجهها يحمل ألمًا ومعاناة لن يستطيع أن يفهمها مهما حدث:
- مافيش فرح ومافيش جواز ومافيش أي حاجة تربطني بيك غير إنك ابن عمي يا عامر!
أقترب منها على حين غرّة يضرب جانب رأسها بأصابع يده بقوة وعصبية بعد أن أغضبَتْه بحديثها غير المقبول بالمرّة:
- أنتِ اتجننتِ.. لا فوقي كده وركّزي معايا الفرح في معادِه يا سلمى والهبل ده تنسيه!
دفعته في صدره بعنف شاعرة أنها تود التقيّؤ فقط بسبب رؤيته:
- أبعد عني وأطلع بره أنا أصلًا مش طايقاك.. أطلع بره!
صرخ بصوت عالٍ وحاد غاضب للغاية، خطأ ويعلم أنه مخطئ ويعترف بذلك وستكون آخر مرة لما تفعل هذا؟:
- يعني إيه مش طايقاني؟ يعني إيه.. أموتلك نفسي ما قولت غلطة ومش هتتكرر تاني!
إنه إنسان مُذهل حقًا كيف له أن يكون هكذا؟ هل يرى أن ما فعله شيء عادي تستطيع أن تنساه هكذا بسهولة! وحتى لو أنه لا يتعلم من خطئه بل هو يحبها ويهوى أن يكون مع غيرها.. إنسان لم ترَ مثله أبدًا..
- أطلع بره يا بجح يا حيوان..
بره نظر إليها بقسوة شديدة وتقدم منها ممسكًا بكف يدها الأيمن بقوة يعتصره بين يده واضعًا بإصبعها البنصر خاتمها مرة أخرى.
في تلك اللحظات كانت تحاول دفعه بيدها الأخرى بقوة هشة قائلة بعناد:
- بردو مش هتجوزك يا عامر.. ملعون أبو الحب اللي يعمل فيا كده ويخليني مستحملة القرف ده
لم يكن يستمع إليها من الأساس، ترك يدها بعد أن وضع بإصبعها الخاتم ثم أمسك رأسها بيديه الاثنتين بكامل قوته على حين غرة وفي لحظة خاطفة بينهم لم تكن متوقعة أن يفعل هذا وأقترب منها بشدة واضعًا شفتيه على شفتيها بعنف وقوة كبيرة يثبت لها ولنفسه أنها حبيبته ملك له وحده تحلو له وتكون معه متى ما أراد..
ضربته في ذراعيه بقبضتي يدها الاثنتين بقوة محاولة دفعه عنها، ولكنه لم يفعل بل استمر في تقبيلها بطريقة مرهقة للغاية جعلتها خائرة القوى وكان هو معتاد على ذلك ويدرك الأمر جيدًا، يديه الاثنتان تتمسكان برأسها بقوة وعنف وشفتاه لم تتركا لها الراحة بل كان هذا بمثابة عذاب..
تركها في لحظة بعد أن شعر أن قبضة يدها تثقل وأنفاسها تنقطع، عادت للخلف تلهث بعنف وقوة منحنية على نفسها ووجهها أحمر قاتم بسبب انقطاع الهواء عن رئتيها..
رفعت رأسها وهي تلهث بعنف وأقتربت منه تضربه بقبضة يدها في صدره صارخة بغضب شديد:
- أطلع بره
هتف هو ببرود مستفز وهو يتوجه للخارج:
- سلمى القصاص مرات عامر القصاص من يوم ما عينه وقعت عليها وطلبتها غير كده أنتي عارفة إنه مش مقبول وأنتي أكتر واحدة عارفة مين هو عامر يا سلمى فمش محتاجة إني أتكلم كتير
صرخت بعنف وبصوت عالي وهي تتقدم منه تضربه بقبضة يدها الاثنتين في أي مكان يقابلها بجسده:
- بره يا عامر
أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب تحت ضرباتها على ظهره وذراعيه ثم خرج وتركها، أغلقته هي من خلفه بالمفتاح وجلست على الأرضية خلف الباب تبكي بقهرة، تبكي كما لو أنها لم تبكي من قبل، وتلك الفتاة التي كانت تصرخ عليه منذ لحظات اختفت وأتى أخرى غيرها لأول مرة تحضر الموقف الآن..
لما قد يفعل بها ذلك! لما يخونها! أهي ليست كافية بالنسبة إليه! ولكنها تعلم وتتأكد أنه يحبها إلى أبعد ما يكون، لماذا إذًا! حاولت كثير من المرات أن تبعده عن ذلك المشروب الذي يدمر حياتهم ببطء ويدمر صحته كل يوم أكثر من السابق ولكنها لم تستطع فعلها!..
هل عليها أن تتقبله بكل هذه العيوب أم تحاول تغيره؟ لن تحاول تغيير أحد بعد الآن فهي ملة منه ومن أفعاله الدنيئة الحل الوحيد بينهم هو الابتعاد عنه إلى الأبد.. أحيانًا يكون السم في الدواء وعلاقتهم هكذا بالضبط..
بكت بقلب مفتور وعينين ذائبتين، لقد أحبته كثيرًا ولم ترَ غيره طوال حياتها، بنيت أحلامها عليه هو، حبيبها وزوجها والنصف الآخر لها كيف الآن تتخلى عنه بهذه السهولة، كيف تفعل ذلك.. قلبها مفتور، منقسم إلى نصفين، محطم تمامًا، تخيل الأمر صعب للغاية وهي قد شاهدته وواقعة به، شعورها الآن لا يُوصف، خيبة كبيرة حلت عليها مزقت ما بداخلها.. عرسهم كان بعد شهر من الآن!.. لقد تم الانتهاء من عش الزوجية في الطابق الأعلى! لم يبقَ سوى أن تقوم بفرشه.. كانت ذاهبة لتحضر فستان زفافها!.. كيف له أن يفعل بها ذلك ويسرق فرحتها منها!.. لم يستطع تمضية بعض الوقت كرجل نظيف عاقل يكتفي بامرأة واحدة بحياته!.. مشاعر غريبة تصف بالخيبة والخذلان، الضعف والإنكسار وكل ما كان يعادل هذه الصفات الآن هي تشعر به مع كثير من البكاء الحاد النادم على كل ما مر بها معه..
❈-❈-❈
“اليوم التالي”
الجميع يجلس على سفرة الطعام لتناول وجبة الإفطار، الجميع يتحدث بمرح كالعادة وفي المنتصف حديث عن العمل إلا هما الاثنان، كانت عيناها منتفختان يظهر هذا بوضوح، ملامحها مرهقة للغاية ووجهها شاحب بشدة، يجلس مقابلها ينظر إليها من الحين إلى الآخر يحاول أن يفهم ما الذي تفكر به..
إنه غبي لقد أخطأ كثيرًا، ليته لم يخضع للمشروب ليلة أمس وليته لم يرَ تلك الفتاة، وضع الطعام في فمه ورفع رأسه ينظر إليها بعمق والتفكير داخل رأسه لم يقف إلى الآن..
هذه أول مرة له يفعلها، كيف علمت هي! كيف علمت بمكان وجوده ومن أين أتت بتلك الصور التي جعلته يراها في هاتفها!؟.. هل هناك من رآه وقام بتصويره لها؟ أم أنها لم تثق به من آخر موقف قد حدث وراقبته؟.. لا لا الاحتمال الأول هو الأكثر حدوثًا هي تثق به كثيرًا وتعلم أنه يحبها حتى أكثر من نفسه.. صديقتها الخبيثة الحقيرة هي من فعلت ذلك.. لقد ظهر اسمها وهي تجعله ينظر إلى تلك اللقطات ما حدث كان خطأ عليها أن تغفره يعلم أنه الخطأ الثالث وهذه المشكلة الأكبر والتي تصعب غفرانها ولكن لن ييأس فهي حبيبته وزوجته رغم عن أي أحد حتى هي.. هي ملك له وحده، هي من ممتلكات “عامر القصاص”
استمع إلى صوت عمه “أحمد” يتوجه بحديثه إليها قائلًا بتساؤل:
- مالك يا سلمى مش على بعضك النهاردة وشكلك تعبانة
أبصرت والدها بعمق وتركت ما بيدها، رفعت يدها على سفرة الطعام، والذي نظر إليها وكانت فارغة من خاتم الخطبة الذي ألبسها إياه بالأمس، أردفت بنبرة خافتة:
- أنا عايزة أسافر يا بابا
مضغ والدها الطعام في فمه وأبعد نظره عنها إلى الطاولة قائلًا:
- ماشي يا سلمى منا قولتلك تمام
أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتهما قائلة بقوة هذه المرة:
- بس أنا مش هسافر علشان الفستان
نظر إليها مرة أخرى متسائلًا باستغراب وعينيه عليها:
- أومال علشان إيه
أجابته بقوة ناظرة إلى الآخر الذي يجلس مقابلًا لها وأردفت بجدية شديدة غير مبالية به:
- أنا عايزة أسافر أمريكا عند خالي ومش راجعة
استدعت انتباه الجميع، الجميع نظر إليها باستغراب جلي وقع عليهم بعد الاستماع إلى كلماتها الغير محسوبة بالمرة، ولكنه الوحيد الذي تدارك ما قالته ووقف على قدميه يصيح بقوة وعنفوان وعروقه بارزة في جسده:
- اللي بتقوليه ده مش هيحصل.. على جثتي
وقفت قبالته بعنف وهمجية تصيح بصوت عالي مثله وأكثر وقد كانت مقررة من الأساس أن هذا الذي سيحدث:
- أنت مين أصلًا علشان تتكلم.. أنت آخر واحد ممكن أسمع منه حاجة
بكامل الغضب أجابها وصوته صارخ حاد يشير بيده اليمنى بتأكيد:
- هتسمعي غصب عنك والفرح هيتعمل في معاده يا سلمى ومافيش زفت سفر
كادت أن تجيب عليه تحت أنظار الجميع ولكن شقيقها وقف على قدميه وتقدم منها سائلًا إياها بجدية واستغراب بعد أن توصل إليه أنها تريد التأخير مرة أخرى:
- أنتي عايزة تأجلي الفرح تاني يا سلمى!.. أظن كفاية كده عامر عنده حق
أجابت على شقيقها بتأكيد متهكمة ثم أكملت بجدية شديدة لا تحتمل النقاش:
- عنده حق آه.. طب أسأل اللي عنده حق هو عمل إيه وبعدين تأجيل إيه ده اللي بتتكلم فيه.. الفرح ملغي ومافيش جواز وعلشان تحط سلمى وعامر في جملة واحدة ده مستحيل
لف “عامر” حول السفرة وتقدم ليقف جوارها جاذبًا يدها لتستدر وتنظر إليه ثم صاح بحدة وبوجه ملامحه حادة:
- لمي الليلة دي وأعرفي أنتي بتقولي إيه
نفضت يدها منه بعنف مجيبة بقوة:
- أنا عارفة كويس أنا بقول إيه الدور والباقي عليك أنت
انتظر “أحمد” إلى شقيقه “رؤوف” الذي بادله نفس النظرات لقد حظره من الموافقة على زواج ابنه من ابنته، كان على دراية بما سيحدث في المستقبل بينهم، كان يعلم أن ابنه ليس جديرًا بالثقة التي أعطاه إياها عمه وأعتقد الجميع أنه يقف أمامهم..
وقف “أحمد” بينهم ونظر إلى ابن شقيقه متسائلًا بجدية ونبرة ثابتة:
- عملت إيه يا عامر
لم ينظر إلى عمه بل بقي ناظرًا إليها، عيناه السوداوان اللتان اختفى لونها الحقيقي منذ أمس تقابلان عينيها في صراع بينهم:
- معملتش حاجة يا عمي دا سوء تفاهم بيني وبينها بس هي مكبرة الموضوع شوية
صرخت بعنف وهي تدفعه في صدره أمام الجميع بقبضة يدها اليمنى تقول بهمجية:
- سوء تفاهم!.. لما أشوفك في وضع زبالة مع واحدة ده بالنسبة ليك سوء تفاهم؟
صرخ مقابلًا لها فبعد كلماتها الجميع سيظن شيء آخر:
- هو أنتي شوفتيني في السرير أومال لو مكنتش وسط ناس… وبعدين أيوه سوء تفاهم وموضوع تافه كل اللي حصل إني شربت ورقصت مع واحدة واتسليت شوية فين المشكلة
أردفت شقيقته متخذة دور “سلمى” وهتفت بتقزز واستنكار لتلك السهولة التي يتحدث بها، واضعة نفسها محل شقيقة زوجها متخيلة أن هذا الحديث المستفز لها:
- بجحت
حت أعين الجميع وبعد كلماته الأخيرة نظرت إليه مطولًا ولم يجرؤ أحد في تلك اللحظات على الحديث، حقًا الوضع سيء بين شخص يرى أنه لم يفعل شيء مشين وآخرى تحطم قلبها لأجل خيانة مقررة من الطرف الآخر..
وضعت يدها في جيب بنطالها وأخرجت الخاتم الخاص بخطبتهم ثم وضعته أمام الجميع على سفرة الطعام قائلة بجدية وثبات واضح وصريح بعد الاستماع إلى كلماته والذي بدا منها أنه غير نادم:
- أنا فسخت خطوبتي بيه.. ومش عايزاه.. مش مستعدة أعيش مع واحد نسوانجي
استدارت برأسها إليه مكملة بقوة:
- تقدر تشوف واحدة تانية غيري تستحمل قرفك ووساختك لكن أنا لأ… خلاص خلصت كده وهسافر يا عامر وغصب عنك
خرجت من الغرفة بعد أن نظرت إليه بحدة وقسوة غريبة عنها، لم تنظر إليه هكذا يومًا، لم تقف قبالته هكذا يومًا حتى في المرات السابقة لم تفعلها، ولكنه لن يصمت ولن يجعلها تفعل ما يحلو لها، ستكون زوجته رغمًا عن أنف الجميع وهي أولهم، لن يترك هذا الخطأ الصغير يبعدها عنه بهذه الطريقة الموجعة، لن يجعلها تهدم كل ما بناه في تلك السنوات الماضية.. ولن يترك حبه يذهب هدرًا
خرج من الغرفة هو الآخر بعصبية شديدة ووجه قاسي ملامحه مخيفة، بعد أن أخذ الخاتم من على السفرة مقررًا داخله أن كل شيء سيكون كما هو مهما حدث..
جلس والدها مرة أخرى وعينيه على شقيقه بطريقة غريبة، وكان الآخر يقول له أن هذه البداية فابنه ليس كأي شخص عادي بل إنه عنيد قاسي يستطيع أن يدمر كل من حوله فقط لإسعاد نفسه..
جلس “ياسين” مرة أخرى في مكانه تحت صمت وفراغ مميت من الجميع.. فقط نظرات تتحدث وتقول كل ما لا تستطيع أن تقوله الألسنة..
❈-❈-❈
دلفت إلى مكتب والدها بهدوء وأغلقت الباب خلفها، سارت إلى الداخل وجلست أمامه على المقعد بصمت وجدية، رفعت عينيها عليه وتحدثت قائلة بصوت جاد:
- أنا عايزة أسافر عند خالي يا بابا
أبصرها للحظات دون حديث يفكر فيما تقول جيدًا، محاولًا أن يرى الأمور من كل الاتجاهات، أردف مشيرًا بيده:
- القرار متاخد في وقت غضب
عقبت بجدية واضحة ليتفهم عقل والدها ما الذي تتحدث عنه وتفكر به، وما الذي ستفعله مهما حدث ولن تعود عنه:
- لو كان قرار السفر غلط فأنا أقدر أرجع في أي وقت أما قرار انفصالي عن عامر فده مستحيل يكون غلط
لأن والدها أول مرة له أن يستمع إلى هذا الحديث تساءل باستغراب:
- وإيه اللي خلاه مستحيل يا سلمى
كرمشت ملامح وجهها بطريقة مرهقة تسرد بوضوح وكأنها تعاتبه وهو يجلس أمامها:
- عمايله!.. من زمان أوي كان لازم أخد القرار ده وأبعد عنه.. علاقتي بيه علاقة سامة يا بابا عامر عايز كل حاجة على مزاجه حتى لو غلط وآخر حاجة كنت أتوقعها منه إنه يقف يبرر اللي عمله بالطريقة دي.. إنه بيتسلى!..
تساءل والدها مرة أخرى ليتأكد من ثبات ابنته بعد اتخاذها تلك القرارات المصيرية بحياتها:
- يعني أنتي مش هتندمي على القرارات دي
أشارت بيدها موضحة بجدية وعقلانية وكأنها كانت تحت تأثير منوم مغناطيسي والآن قد استفاقت منه:
- حتى لو هندم المهم إني حاولت أنقذ نفسي من وجودي معاه.. أنا مش مستعدة أكون مجرد واجهة في حياته.. اشمعنى ياسين محافظ على أخته
أكمل مجيبًا قائلًا بنبرة جادة هادئة بنفس الوقت لينة على مسامع ابنته:
- إحنا مش بنختار اللي بنحبهم يا سلمى ولا بنختار صفاتهم وعامر كده من زمان وأنتي عارفة
استدارت تنظر إليه واعتدلت بكامل جسدها على المقعد لتواجهه متحدثة بقوة تثبت له أنها كانت تود المحاولة ولكنه لم يفلح معها:
- عارفة وحاولت أغيره بس هو متغيرش
لم يبخل عليها بقول الحقيقة التي تدور حولها من بداية النقاش وهتف بنبرة واثقة:
- بس بتحبيه!..
نظرت إليه بعينين متسعتين بفعل ذاتها، تحبه!.. كانت تحبه وتحبه وستحبه ولن تحب أحد غيره، يا لك من قلب غبي لقد فهمت الآن كيف القلب معذبه، أجابت بجدية بعد أن جعلت كل خلية بها تصمت سوى عقلها:
- هيفيد بايه الحب لما نتجوز ويخوني يا بابا؟.. هيفيد بايه إنه يقف يبجح فيا ويقولي بتسلى؟ هيفيد بايه لما يرجع سكران قدام ولاده؟
أومأ إليها برأسه وقد فهم أنها قررت والقرار صحيح وليس به أي ثغرة تجعلها تعود عنه، معها كامل الحق في كل كلمة هتفت بها ليس عليها أن تتحمل منه أكثر من هذا، تساءل بهدوء:
- ناوية تقعدي هناك قد إيه
تجهل إجابة هذا السؤال،
متى من الممكن أن تعود هل بعد شهر يمر عليها بالاشتياق ومرارة الفراق أم بعد عام استطاعت فيه أن تتخلى عنهم جميعًا.
- مش عارفة يا بابا.
شعر أن عليه التحدث بالأسف لأنه وافق على علاقتهم على الرغم من أنها كانت موافقة والجميع كذلك سوى والده.
- أنا آسف.
وقفت على قدميها وتقدمت منه، انحنت بجذعها عليه وهو جالس على المقعد ثم قامت باحتضانه بقوة كبيرة تجذب منه الأمان والسند الأكبر، تتمتع بوجوده الذي ستحرم منه مدة لا تعرف كم هي ومن الأفضل ألا تعرف.
- متتأسفش أنا اللي عملت في نفسي كده.
جلست على الأرجوحة في حديقة المنزل، لم تجف عينيها ذات اللون الزيتوني عن البكاء، لا تستطيع أن تصف الشعور الذي يراودها، لا تتخيل أن هذا حدث بالفعل.
منذ ليلة أمس وعينيها الواسعة المرسومة بدقة لم تكف عن البكاء الحاد، على شخص أحبته بكل جوارحها، غفرت له كثير من المرات هفوات سابقة له، تحملته في جميع الأوقات بكل تقلباته وفي النهاية تكن هذه المكافأة الخاصة بها!
يخونها مرة أخرى ويدعي أن الأمر ليس بهذه الصعوبة بل كان يمرح قليلًا وكأنه شيء طبيعي مفروغ منه وهي من افتعلت كل ذلك!
مشاعر غريبة تعصف بها منذ لحظة دخولها ذلك المكان ورؤيته بهذه الحقارة تجعلها تود البكاء أكثر، في البداية شعرت بخيبة أمل به، خذلان لم تشعر به من قبل، وقد كسر قلبها وحطمه تحطيمًا، وذلك الحزن الذي ينهش كل عضو وخلية بها، حزن وقهر وبكاء ومرارة الفراق تعذبها من الآن.. من قبل أن ترحل وتتركه.
لا تستطيع أن تتخيل أنه من الأساس فعل هذا، تحزن وتعود تقول أن هذا كابوس “عامر” لن يفعلها مهما حدث فهو مُكتفي بها منذ الصغر وإلى الأبد، ولكن في لحظات تستفيق على ضربات موجعة تأكد أنه فعلها وتناسى كل ما بينهم.
لا تدري حقًا أهذا قلب أم شيء آخر؟.. بعد كل ما يفعله تحبه وتهواه، قاسي وحديثه بغيض، متهور وعصبي وأفعاله دنيئة، خائن ومتملك وإلى الآن تحبه، الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تفرح لأجله أنها استطاعت أن تأخذ قرار الابتعاد وحتى لو كانت روحها معلقة به، لن تتكيف مع التعايش بهذه الطريقة، ستتركه وترحل، لن تستطيع أن تمنع قلبها عنه ولكن تستطيع أن تمنع نفسها، ستبتعد وإلى الأبد إلى حين أن ترى غيره أو يرى غيرها!!… يرى غيرها!
لا لن يفعل هذا، هل حقًا سيرى غيرها!، يحبها ويريدها أن تكون ملك له وزوجته كما هي!
يغازلها بكلماته وعينيه الوقحة!
يهوى غيرها ويتركها ويجعل الفراق يدلف بينهم!
لما قد تفعل هذا يا “عامر” لما تسمح لنفسك بالابتعاد، لما قد تدمر هذه العلاقة وتجعلنا نشتت بهذه الطريقة!
وجدت بوابة الفيلا الخارجية تُفتح لمرور سيارة عبرها، وكانت سيارته وجدته ينظر إليها من خلال النافذة فور دخوله ومعرفته أنها هنا.
وقفت على قدميها تسير بخطوات واسعة لتدلف إلى الداخل كي لا تتقابل معه، أوقف السيارة سريعًا عندما أدرك أنها تفعل هذا وتحتمي بمن في الفيلا مبتعدة عنه غير سامحة له بالحديث معها.
خرج من السيارة ركضًا إليها وأمسك معصم يدها عندما أقترب منها جاذبًا إياها إليه.
- سلمى استني.
استدارت تنظر إلى سواد الليل داخل عينيه قائلة بانزعاج وضيق.
- نعم؟
بهدوء سيتحدث هذه المرة، لن يخرج عن شعوره مهما قالت ومهما فعلت وسيحاول باللين أن يمرر الأمر ويجعلها تعود عما في رأسها.
- عايز أتكلم معاكي.
صاحت بقوة وثبات.
- مافيش كلام بينا.
نظر إلى شفتيها المكتنزة التي تحركت بقوة تدلى برفضها له وتحدث هو بلين ونبرة هادئة.
- معلش هما كلمتين.
جذبت يدها منه ووقفت أمامه تعطي إليه جانبها ووضعت يدها الاثنين أمام صدرها تنتظر منه الحديث.
- قول يا عامر.
كرمش ملامحه وأظهر عليها الضعف الشديد مع القليل من الحزن والندم الكثير ولم نقل أنه كان بارع في التمثيل.
- أنا آسف.. أنا آسف بجد، اللي حصل كله كان غلطة معقول تنهي كل حاجة بينا علشان غلطة يا سلمى، هتسيبيني وتمشي علشان غلطة.
استدارت بعنف وأخفضت يدها الاثنين إلى جانبيها تتقدم منه بوجهها بعنفوان صارخة.
- غلطة!.. دي اسمها خيانة.
أمسك يدها مرة أخرى ووضح إليها الأمور من منظوره الخاص والذي كان خطأ بالنسبة إليها وقرارها ليس به أي نقاشات ستجرى.
- لأ يا سلمى مش خيانة.. الخيانة دي لما أكون عايز غيرك لكن أنا عايزك أنتي ومافيش واحدة غيرك تهز مني شعرة.. اللي حصل إني كنت شارب بس وغلطت لما سمحتلها تقرب وأنا اتماديت.
أردفت بقسوة وثبات واضح، وبنظرة حادة قوية.
- سيب إيدي وأبعد عني لأنك مش هتعرف تغير رأي، أنا أخدت قراري وخلصنا ومبقتش عايزاك.
سيحاول لآخر مرة أن يكون هادئ ويستمر في ذلك النقاش المرهق إليه وإلى تمثيله الذي لا يحب أن يستمر في فعله.
- لأ عايزاني وأنا وأنتي عارفين كده كويس.. أرجوكي كفاية لو حتى عايزة تأجلي الفرح ماعنديش مانع ولو عملتها تاني موتيني مش بس أبعدي عني.
نظرت إلى عينيه بقوة مثبتة عليهما وحركت شفتيها بحديث حاد قوي مزقه من الداخل إلى أشلاء وعبث برجولته بعد الاستماع إليه من بين شفتيها المكتنزة الخاصة به.
- أنت أخر واحد ممكن أكمل حياتي معاه.. أنا محتاجة واحد يكون مكتفي بيا.. مكتفي بوجود سلمى في حياته والواحد ده مش أنت.
نفضت يدها منه بعنف وسارت في طريقها إلى الداخل، أقتربت من درجات سلم البوابة وهي تسير جوار حائط الفيلا وهو وقف ينظر إليها بذهول ويفكر في حديثها القاسي والذي أخرجته بكل برود وعنف.
سار بخطوات واسعة ولم يكونوا إلا ثلاث خطوات ووصل إليها أمسكها من يدها الاثنين دافعًا إياها إلى الحائط فـ اصطدم ظهرها به بقوة وعنف، نظرت إليه بعد أن تأوهت بألم بفعل ذلك الاصطدام لتراه في حالة القسوة الشديدة والخروج عن السيطرة المعهود منه وصرخ قائلًا في وجهها.
- ومهما حصل مش هتكوني غير ليا… أنتي ليا غصب عن عين أهلك.
استفزته بضحكتها الساخرة وسؤالها المُتهكم ببرود واضح وصريح.
- ودي هتعملها إزاي.
أبصر وجهها بالكامل وأخذ لحظات يفعل ذلك وهو يسير بعينيه على ملامحها، ثم آخر شيء فعله أنه وقف بعينيه على خاصتها قائلًا بنبرة قاسية حادة متناسيًا كل الود الذي كان بينهم ويده تضغط على يدها بقوة مؤلمة.
- مش هخليكي تنفعي يا سلمى… ووقتها هنشوف مين اللي هيطلب الجواز من التاني.
تبادلت معها النظرات، نظراتها نحوه كانت ذهول وصدمة خالصة بينما هو حدة وقسوة لا نهائية.
رواية بين دروب قسوته الفصل الثالث 3 - بقلم ندا حسن
“كان الفراق فراق مسافات، الآن أصبح فراق أرواح”
بقيت بنظراتها المصدومة عليه، عينيها الواسعة اتسعت أكثر برفض تام لما تحدث به، بقيت تنظر إلى عينيه بعمق وذهول غريب، تتسأل في نظرتها كيف استطاع أن يهتف بتلك الكلمات؟ كيف هان على قلبه أن يفكر بتلك الفعلة الدنيئة بها، فقط لكي تكون زوجته ومعه سيفعل أي شيء!.. هي بالأساس كانت معه وهو من أضاعها من بين يده.. هو من خان قلبها وروحها معًا..
من يرى نظرتها إليه الآن يعتقد أنه ضربها بنصل حاد غرز داخل قلبها المفتور ألمًا وحده، يرى كم الخذلان الذي تعرضت له على يده.. يرى كل شيء مؤلم لا يستطيع أحد تحمله أبدًا ولكنها تحملت..
نفضت يدها بقسوة ونظرتها نحوه تحمل اشمئزاز وتقزز لأ نهائي ولكنها تسائلت بعتابٍ واضح:
-قدرت تنطقها!.. قدرت تفكر كده بعقلك؟
أطال النظر عليها، على ملامح وجهها التي تزف الصدمة الكاملة إليه، إنه تحدث بكلمات فقط، ولن يتراجع عنها لأنه ليس مُستعد أبدًا لخسارتها، أجابها بنظرة جادة قاسية:
-آه قدرت وهقدر أعملها وأنتي عارفه كده كويس
حركت عينيها ذات اللون الزيتوني عليه، عقلها لا يستوعب أنه يهتف بنبرة جادة هذا الحديث، كيف لشخص عاشق أن يُخيل له فعل ذلك:
-ده مش حب
نفى ما قالته مؤكدًا بقوة أنه يحبها ساردًا عليها كل ما حدث ربما تكون نسيت ما فعلته وما فعله هو، أترى بعد كل ذلك أنه ليس حب؟:
-لأ حب، حب مُميت كمان.. أنتي عارفه إن في بينا قصة من وإحنا عيال بس إحنا كبرنا خلاص جيت أطلبك للجواز قولتي لأ عندي دراسة وجامعة وعملتي فيها الإنسانة الجامعية وأنتي كنتي فاشلة أصلًا عملت نفسي عبيط وقولت مش مهم محصلش حاجه… خلصتي الجامعة وخلاص الحمدلله نيجي نتجوز بقى لأ نعمل خطوبة على أساس مش عارفين بعض مش كده؟..
لم تخفض بصرها من عليه بل كانت تعمق النظر به وبكل حركة بسيطة تصدر منه، تدور بالكلمات الذي يهتف بها داخل عقلها وحقًا إلى الآن لا تستوعب ما الذي يحدث
أكمل مُشيرًا بيده وعينيه عليها بقوة:
-عامر استحمل الهبل اللي بيحصل وقال ماشي يجي معاد الفرح تقوم الهانم مأجلة الفرح قال ايه بيكلم واحدة عليا.. مستنية مني ايه بعد كل العذاب ده.. إني أقولك ماشي يا حبيبتي مش مهم فركش!.. لأ مش فركش يا سلمى أنتي ليا مهما حصل غصب عن عين الكل
تسائلت بذهول غير مصدقة أنه يرى الأمر هكذا؟ ألا يرى كم المعاناة التي تمر بها معه؟:
-أنت واعي للي بتقوله؟
أومأ إليها برأسه بتأكيد مُكملًا بتوضيح أعمى وكأنه يبرر لنفسه ما فعله:
-آه واعي للي بقوله.. ده طيش شباب استحمليه وبعدين غلطة وأنا اعترفت بيها وقولت مش هتحصل تاني
ضغطت على أسنانها بقوة وهي تعقب على كلماته الغير صائبة، يرى نفسه شاب طائش؟. ولو كان هكذا حقًا أليس هناك إمرأة بحياته وهناك عرس يخطط له:
-ده مش طيش شباب ماشي.. أنت راجل كبير وفاهم وواعي لكل اللي بتعمله متقولش طيش شباب
حاول أن يجاريها في حديثها بنظرة ثاقبة وعينين حادة، حرك شفتيه الرفيعة قائلًا بنبرة مُتهكمة:
-ماشي مش طيش شباب.. غلطة راجل كبير وواعي ايه مافيش حد بيغلط؟..
اختلفت نبرتها عن السابق وأصبحت خافتة مُرهقة لأبعد حد ووجهها يقص مع ملامحها للأعمى أنها اكتفت من ذلك:
-كلنا بنغلط.. بس بنتعلم من الغلط أنت بتكرره ولا كأني موجودة، ليه مش مكتفي بيا يا عامر ليه؟
أقترب خطوة بملامح مرهقة انتقلت له هو الآخر بعد الاستماع إلى نبرتها الخافتة الحزينة وأجاب بعمق وتأكيد:
-وديني مكتفي بيكي بس أنا غبي وبضعف قدام الشرب ومن هنا بتبدأ المشاكل
نظرت للبعيد ثم عادت عينيها إليه مرة أخرى غير قادرة على مجابهته لأنه من الأساس لا يترك لها فرصة يحاول باللين والقوة معًا ولكنها مهما حدث لن تعود عن قرارها:
-بس أنا تعبت ومش مستعدة أكمل كده.. أنا مستحملاك من زمان أوي تملك وغيرة، عصبية بسبب ومن غير سبب قسوة الصبح وبالليل حد تاني، أنا تعبت بجد وطاقتي خلصت
وضع كف يده الأيمن على وجنتها المُكتنزة مُردفًا بهدوء ونبرة رخيمة هادئة لعلها تعود عما في رأسها:
-اوعدك هتغير علشانك.. علشان نبني بيت سوا مش ده كلامك
أمسكت بيده وأبعدتها عن وجنتها مُعقبة بضعف شديد أمام رجل أحبته بكل جوارها ويصعب عليها الفراق هكذا في لحظة خاطفة:
-بس ده مش أول وعد أخده منك ومش بتعمل بيه
مرة أخرى يحاول باللين، ضيق عينيه عليها مُردفًا بتأكيد وتلك النبرة الخافتة مازالت موجودة في النقاش بينهم:
-هحاول صدقيني
يأخذها من القوة إلى الضعف ومن اللين إلى الشدة، يتلاعب بها بقسوة شديدة ويفهم الأمر جيدًا وهي تفهمه أكثر من نفسه، ولن تسمح له أن يفعل بها هكذا، ستكون هي الغصة العالقة بحلقه..
تنهدت بضيق وانزعاج اعتبارًا أنها ستستمع لحديثه وتفكر به جيدًا، لحظة وأخرى خلفها ثم أردفت بنبرة جادة بها القليل من اللين والهدوء:
-طب أنا عايزة أسافر أغير جو وهرجع
تهكم داخله بشدة، المعضلة الأكبر بحياتهم أنهم بتفهمون بعضهم جيدًا أكثر من أي شخص آخر وهو الآن يعلم أنها تقول ذلك الحديث فقط ليسمح لها بالخروج من البلدة ثم من بعدها لن يراها مرة أخرى..
رفض بقوة وتأكيد وأكمل بطريقة أخرى تأخذها ناحية السعادة ربما يغريها ما يتحدث به:
-مافيش سفر يا سلمى لو عايزة تغيري جو بصحيح كلها شهر وهاخدك وهنسافر وهيبقى أحلى جو وحاجه متتخيليهاش
تفهمت حديثه الخبيث ونظرته الوقحة الماكرة، تعلم ما الذي يفكر به وما الذي يريده منها أكثر شيء ولم يخجل في أي لحظة ولا حتى الآن بل يقول ما يريد دون حتى التفكير:
-الحاجه دي تخصك أنت وتغير جو ليك مش ليا
أخذ نفسٍ عميق وأخرجه من فمه بوجهها متسائلًا بحدة:
-قصدك ايه
حركت عينيها عليه وأردفت مُجيبة إياه بقوة وحدة مثله بما أن الأمر لا ينجح عندما يمثلون الهدوء على بعضهم:
-اللي فهمته.. وعن اذنك بقى
استدارت ترحل وتتركه ولكنه أمسك بيدها مرة أخرى فنظرت إليه ثانيةً بقوة كبيرة منتظرة منه أي ردة فعل بعد تلك القبضة، ومن هنا هو تحدث بقوة وضراوة بعينين سوداء لامعة قاسية لأبعد حد:
-أنا قولتلك اللي عندي يا سلمى وأنتي فهمتيه كويس أوي.. بلاش شغل العِند ولعب العيال بتاعك ده علشان هيعك عليكي في الآخر ومحدش هيخسر غيرك
بادلته النظرات الحادة المُنبعثة من عيناه ولكنها وللحق الكبير والبالغ.. خائفة، خائفة للغاية مما يقول ويفعل وللأسف الشديد هي تعرفه جيدًا وتعرف ما الذي يستطع فعله دون أن يرف له جفن..
ترك يدها بهدوء وتحرك بعنجهية وثبات عائدًا لسيارته التي ترك بابها مفتوح وخرج منها على عجلة من أمره، بقيت عينيها عليه تنظر بقوة ووضوح عليه مذهولة من كل ما يحدث حولها ومنه هو بالأخص..
رأته وهو داخل السيارة يعبث بأشياء بالداخل ثم خرج منها وأغلق الباب بقوة، رفع عينيه عليها ليراها كما هي تقف في مكانها وعينيها لا تتركه..
ربما صدمت مما تحدث به.. تعرف أنه قاسي عنيد متملك لن يترك حقه بها بهذه السهولة ولكن أيضًا ليس بهذه القوة والضراوة… ليس بهذه القسوة والأفعال الدنيئة..
مر من جوارها ودلف إلى داخل الفيلا دون أن يتحرك عضو بداخله لأي مشاعر أخرى سوى التملك والقوة، الحب في جانب وحده وقد أغلق عليه لأنه موجود في كل الحالات..
عادت هي مرة أخرى إلى مكانها تجر خيباتها خلفها، لم تكن تتوقع بيوم من الأيام أن من احتمت به من الجميع في الخارج والداخل سيمارس قوته عليها..
سيمارس القسوة عليها!. حبيبته من أخذها في أحضانه في كثير من الأوقات مُبتعدًا بها عن البشر!..
تعود إليه؟ وتتناسى كل ما فعله ويفعله وسيفعله، تتناسى أنه خانها لثلاث مرات؟. أم تتناسى قسوته معها وحديثه البغيض الحاد؟ والأهم من كل هذا تتناسى أنه رجل شهواني للغاية!..
أم تصمم على موقفها الرافض له وتبتعد عن هنا قاتلة قلبها المُحب له مرحبة بحياة ليس بها سوى أفكار العقل وقراراته!..
❈-❈-❈
“بعد منتصف الليل”
خرجت من المرحاض بعد أن استحمت مُرتدية منامة بيتية مكونة من بنطال رصاصي اللون وقميص بنصف كم لونه أبيض مخطط بنفس لون البنطال، خصلاتها متناثرة على جانبي وجهها وجبينها من الأمام تغطيه خصلات قصيرة، ظهرت قصيرة أكثر مما هي عليه مختلطة الألوان الرائعة كالأسود والبُني..
ألقت المنشفة على مقعد المرآة وتقدمت تأخذ مرطب الشفاه تضع منه بدلال على شفتيها المُكتنزة، ضمتهم على بعضهم رافعة حاجبيها الاثنين أمام المرآة بطريقة مضحكة..
تركته على المرآة وكادت أن تأخذ مرطب البشرة ولكنها وجدت باب الغرفة يفتح دون إذن الطارق بالدخول، استدارت تنظر على الباب لتراه هو يبتسم بخبث ووقاحة ناظرًا إليها بعمق..
دلف “عامر” إليها بخطوة واحدة وأغلق الباب من خلفه يتقدم منها بطريقة غريبة، ينظر بثبات وعينيه بُنية لامعة بمظهر رائع خلاب يخطف أنفاسها المسلوبة منها من الأساس..
وقف أمامها مباشرة ولم يفصل بينهم شيء، وضع يده الاثنين على خصرها بطريقة وقحة قائلًا بحنين وشغف:
-وحشتيني
عقبت على كلمة الغزل بحدة دامجة بها الدلال والرقة الحانية كالمُعتاد منها:
-بذمة أهلك في حد يدخل كده؟.. أفرض بعمل حاجه خاصة.. الله
ابتسم بخبثٍ وعبث معها غامزًا بعينيه الوقحة الجريئة والتي اعتادت هي عليها:
-ده المطلوب وحياتك
وضعت يدها الاثنين على يده التي تجذب خصرها تقربها إليه أكثر مما هي عليه، ابتسمت بخبثٍ هي الأخرى وحاولت دفعة قائلة:
-طب اوعى كده وأمشي يلا لو حد شافك هنا هتبقى مشكلة
أردف بقوة وثقة وكأن حديثه جاد بالفعل ليس مجرد مزح رافعًا رأسه:
-محدش ليه عندي حاجه مش مراتي
ضحكت بصوتٍ عالٍ بعد رؤيته وهو يردف بتلك الكلمات الواثقة، مع أنه وقح للغاية:
-لا والله وده حصل امتى وإزاي؟
نظر إلى وجهها بالكامل مُمرًا عينيه عليه بقوة يحفره داخل عقله وقد أغرته ضحكتها الجريئة الصاخبة وبقوة، أقترب أكثر ضاغطًا على خصرها بيده القوية يهتف بنبرة خافتة:
-سيبك من امتى وإزاي المهم دلوقتي إن أنتي وحشاني جامد أوي
جذبت يده بقوة وأبعدته عنها ثم سارت مُبتعدة ووقفت أمام الفراش قائلة بدلال وهي تعطيه ظهرها:
-أنت بقى موحشتنيش
استدار معها بكامل جسده ينظر عليها من الخلف من الأسفل إلى الأعلى بعينين جائعة وتتوق لأي فعله تصدر منها:
-يا بت؟
استدارت تنظر إليه نظرة دلال ورقة بالغة وهناك كم من الحب المكون داخل عينيها لا نهاية له:
-آه.. وبعدين أنا أصلًا زعلانة منك جدًا.. مش كان المفروض نتعشى بره النهاردة ايه نسيت؟.. لأ وكمان من امبارح بره البيت ولا كلمتني ثانية حتى
تذكر يوم أمس الشاق، واليوم أيضًا كان كذلك، منذ صباح الأمس وهو في الخارج ولم يعد إلا في هذه اللحظات، عقب على حديثها يسرد ما الذي حدث حتى تغفر له نسيانه لموعدهم الغرامي:
-طب بذمة أهلك أنتي أنا كنت فاضي وقولت لأ؟ تقدري تسألي أخوكي هو عارف أنا كنت بعمل ايه وكان المفروض يبقى معايا بره من امبارح بس أنا بعته علشان هو واحد متجوز لكن أنا واحد غلبان حبيبتي مش عايزة تحن عليا
تسائلت بحنان أم قلبها يرق ناحية طفلها الذي اعتبرته بالفعل جائع منذ أمس بسبب عمله:
-اتعشيت طيب؟
في لحظة خاطفة بعد استماعه لسؤالها الحاني ورؤيته لذلك الحب داخل عينيها الساحرة أقترب منها بخطوة واحدة يقف أمامها كما كان منذ لحظة ويده الاثنين خلف خصرها يهتف بنبرة خبيثة:
-لأ أنا مش جعان أكل أنا جعان نوم.. نـــوم واخده بالك؟
حرك أنفه فوق أنفها بحدة مقتربًا منها أكثر فدفعته بقوة كبيرة في صدره ليعود للخلف وجلست هي على الفراش:
-أبعد كده يا مجنون ويلا بره كده عيب
ضغط على شفتيه بأسنانه بقوة ناظرًا بعمق إلى شفتيها المُكتنزة المغرية للغاية والشهية بالنسبة إلى رجل عاشق مثله:
-أنتي خليتي فيها عيب.. دا في نار قايده جوايا وحياتك
وقفت على قدميها بسرعة تدفعه في صدره مرة أخرى لكي يذهب إلى الخارج ويتركها فحديثه ونظراته خبيثة للغاية:
-طب ياعم الوالع يلا بره بقى
سار معها بخفه وهي تدفعه ولكنه أكمل في مشاكستها بمرح ومزاح لا يُجيد فعله إلا معها:
-هقولك طيب استني
تصنعت الضيق ومن داخلها تود الابتسام والضحك واستمرت في دفعة بخفة للخارج:
-مش عايزاك تقول يلا بره
أردف بصوتٍ خافت متصنع الحزن لأجل ما تفعله وهو الذي ترك كل شيء فقط لأجل رؤية عيناها والتمتع بالنظر إليها:
-بقى كده.. يعنى أنا جاي من بره عليكي وسايب كل اللي ورايا علشانك وفي الآخر تطرديني؟
أومأت إليه بتأكيد وبقوة:
-آه يلا بقى
وقف أمام باب الغرفة وتحدث بحرارة تحرق داخلة بقوة وضراوة:
-ماشي يا بطل بس خليكي فاكرة بقى اللي بتعمليه
فتحت الباب بيدها ودفعته للخارج بالأخرى مُبتسمة بقوة لأجل أفعاله الصبيانية:
-فاكرة يلا أمشي
أعاق غلق الباب برأسه حيث أنه كان في الخارج بجسده وأدخل رأسه إليها يهتف بمرح وعينيه على شفتـ ـيها:
-بوسة طيب!
وجدها صامتة تنظر إليه وصمتها يعبر عن أنها حقًا بدأت في الضجر وبقوة، ابتسم أكثر وأغاظها قائلًا بنظرة من عينيه البُنية البريئة:
-طب حضن بريء
دفعته بقوة للخارج صارخة به بعنف ثم دفعت الباب في وجهه مرة واحدة دون سابق إنذار:
-بره يا عامر
وقفت خلف الباب من بعد غلقه تضحك بصوت عالي صاخب وسعادة كبيرة تجعلها كوردة مُتفتحة في حقل بساتين ليس به إلا الزهور السعيدة، وهي كانت من ضمنهم بفعل حبيب عمرها..
استمع إلى صوت ضحكاتها الصاخب قبل رحيله فاقترب من باب الغرفة مرة أخرى متيقن من أنها تجلس خلف الباب وصاح قائلًا بنبرة لعوب:
-بطل بطل يعني مش أي كلام
ارتسمت الابتسامه الواسعة على ثغرها الوردي، وضعت كف يدها على شفتيها وهي تبتسم بمرح، يا الله كم تحبه!.. قلبها يدق بعنف عند النظر إليه، عينيها تشتاق إلى رؤيته وتلمع عند النظر إلى هيئته الرجولية..
تتوق شفتيها للرد على حديث يصدر منه وتمتع أذنها بالاستماع إلى صوته، كثير من المشاعر والأشياء الصاخبة التي تمر بها في وجوده وكأنه حقيقة سعيدة لا تود زوالها أبدًا..
استفاقت من تلك اللحظات السعيدة جالسة على الفراش بعد أن كانت عينيها غفت، جلست تنظر حولها في الغرفة المظلمة ليس بها إلا ضوء خفيف للغاية مريح للنوم..
ما الذي حدث! كانت نائمة أو كانت تود النوم فجلست على الفراش تتمدد عليه لتخلد للنوم ولكن رأسها وعقلها أخذ يذكرها بكل ما بينهم ويبدو أنها غفت وهي تتذكر تلك الأشياء الماضية!..
لم يكن هذا إلا موقف جمعهم من بين ألاف المواقف الجميلة الرائعة، التي تستخدم الآن كذكريات فقط!..
الآن لو دلف إلى غرفتها لن تكون سعيدة بذلك القدر التي كانت به، لن تشعر بالأمان من الأساس بعد تهديده الواضح والصريح لها..
الآن وغد وبعد غد لن تشعر بالأمان بوجوده معها مهما حدث بينهم، سيكون ذلك من المستحيلات أن تترك له نفسها دون خوف كما السابق سيكون من أصعب ما يكون..
في السابق كان يدلف إلى غرفتها في أي وقت وتذهب معه إلى أي مكان دون خوف، الآن الرهبة تعبث بقلبها بسبب وجوده وتشعر أن نهايتها ستكون على يده إن بقيت على وضعها وذلك القرار الذي اتخذته.. الشعور بالأمان في منزلها أصبح صعب للغاية..
وقفت على قدميها وتقدمت من باب الغرفة ثم أغلقته بالمفتاح من الداخل لتحاول كسب القليل من الراحة في تلك الفترة المرهقة..
عادت مرة أخرى إلى الفراش تجلس عليه بعد أن ذهب النوم بعيد عنها تفكر بأفعاله وحديثه الواثق وكأنه لم يفعل شيء.. هل لأنها صمتت في المرات السابقة وجعلت الأمر يمر أعتاد على ذلك وأعتقد أنها لن تتحدث مهما فعل وستكون موجودة معه..
أعتقد أن حبها له سيجعلها تدوم دون رحيل ولكنها لن تجعل الحب يؤثر عليها بهذه الطريقة مهما كانت مكانته بحياتها، ستحاول الآن أن تحافظ على كرامتها وتعز نفسها أمامه أكثر من ذلك ليتفهم جيدًا أنها إمرأة تستطيع أن تكفي رجل وأن يكتفي بها..
الخطأ منه والخيانة من قِبله وقلبها خائن أكثر منه مهما فعل يريد القرب والرحيل بالنسبة إليه موت
❈-❈-❈
جلست صديقتها “إيناس” جوارها على الفراش تحاول أن تواسيها بكلمات لينة تجعلها تخفف من ضراوة الحزن التي قبعت داخلها منذ أن علمت بما فعله “عامر”:
-خلاص يا سلمى يا حبيبتي متعمليش في نفسك كده
رفعت رأسها إليها تنظر بعمق والدموع تسير على وجنتيها المُكتنزة في خطوط ثابتة تردف بحرقة:
-معملش ايه في نفسي؟.. معملش ايه هو اللي أنا فيه ده سهل.. ده عامر
أبعدت “إيناس” بصرها عنها وجعلته إلى الأمام وقالت بقوة وجدية:
-بصراحة بقى أنتي اللي غلطانه.. أنا كتير حذرتك منه وقولتلك خدي بالك عامر مش سهل وبتاع ستات وأنتي عارفه كده كويس
شعرت بأنها تنظر إليها بغرابة وعينيها مثبتة عليها ففعلت المثل واستدارات برأسها وجسدها إليها قائلة بقوة مؤكدة حديثها:
-آه يا سلمي ياما قولتلك عامر مش ليكي
وضعت وجهها بين كفيها الاثنين وأخذت في البكاء بقوة وبصوتٍ عالٍ، قلبها يحترق والنيران لأ تنطفئ بداخله، منذ تلك اللحظة وهي مشتعلة وتعذبها أشد عذاب وهي الآن تزيد البنزين عليها بقولها أنه ليس لها..
لم تعد تستطيع أن تتحمل المكوث هنا في هذا المنزل، لأ تطيق النظر إلى وجهه ولا حتى تذكره، لقد جعلها تخجل من نفسها أمام الجميع وأمام نفسها قبلهم.. لما قد تفعل هذا؟.. لما تحكم على الغرام الذي بينكم بالموت!..
أقتربت منها الأخرى أكثر ووضعت يدها الاثنين على أكتافها تحتضنها قائلة بصوت ناعم يبدو متأثر:
-اهدي يا سلمى متعمليش في نفسك كده
بعد لحظات من المواساة والكلمات الحنونة رفعت رأسها ومسحت على وجهها بقوة تزيل دمعاتها من عليه ثم هتفت بجدية:
-أنا هسافر يا إيناس.. هسافر ومش راجعة دلوقتي أبدًا
يالا الفرحة التي شعرت بها، كل ذلك البكاء التي استمعت إليه وهذه الشفقة التي كانت توزعها عليها لم تجعل قلبها يدق هكذا.. لم يجعل أي شيء قلبها يدق بهذه الطريقة العنيفة الفرحة للغاية بما استمعت إليه ولكنها تحكمت بنفسها قائلة بحزن:
-للأسف ده الحل الوحيد يا سلمى علشان تنسي
أومأت إليها “سلمى” البريئة معها للغاية.. والتي جعلتها الأقرب إليها على الرغم من كلمات “عامر” الدائمة لها عن كونها ليس فتاة صالحة لتكون صديقتها.. والأخرى قد دقت طبول السعادة والفرح داخلها..
الانتقام منه ليس شيء سهل أبدًا، لقد جعلها تشعر بخذلان لا مثيل له، جعلها تبكي ليالي بقهر وحرقة وضياع نفس.. جعلها تتعايش مع مرارة الأيام وحدها بعد الذي فعله معها منذ سنوات..
لقد دمر كل ما كان بها، جعلها أخرى أصبحت لا تعرف نفسها.. وكان عليها الانتقام منه.. الانتقام الشديد الذي استغرقت كثيرًا وصبرت أكثر لكي تقوم به على أكمل وجه ولتكون الضربة القاضية له.. ولم تكن إلا عن طريق روحه “سلمى” وصديقتها الزائفة..
تعلم أنه يفرط من شرب الكحول، ولحسن حظها رأته في ذلك المكان التي لا تحب الذهاب إليه “سلمى”، ورأته في حالة ثمالة لن تتكرر لأنه لا يمثل أكثر من هذا.. ولحسن حظها مرة أخرى كان هذا الوقت المناسب بالتحديد…
جعلت الفتاة تقترب منه للغاية وهي تأخذ اللقطات المناسبة، لم يمنعها عن الإقتراب ولكنه أيضًا لم يقترب.. وفعلت ما كانت تريد فعله.. إنه برئ ولم يفعل شيء.. لم يخونها، ولم يقبل الفتاة.. لم يحتضنها ولم يفعل أي شيء حتى اللمسة لم يفعلها بإرادته هي من كانت تحركه وتفعل ما يحلو لها لتأخذ الأخرى ما تريد وهو الأحمق لا يدري بكل هذا وأصبح أمام نفسه قبل الجميع جاني وقد خانها حقًا ويلوم نفسه لأنه أقترب منها..
نظرت إلى “سلمى” بعينين ثاقبة ونظرة حادة حاقدة، عليها أن تقاسمه العذاب، هي الأخرى مثله عليها أن تنال جزء من الانتقام..
❈-❈-❈
“بعد مرور يومين”
يومين!. كمثل عامين مضوا عليهم في بعد تام..
الإبتعاد عن من تحب وهو أمامك يمثل إليك الموت البطيء، تعرف أنه موت حتمي ولكنه بطيء
منذ آخر مشادة حدثت بينهم جعلته يهتف بحديث بغيض على قلب كل من يسمعه، وعليها هي بالاحتراق، ابتعدت عنه تمامًا تاركه له كامل الحرية في النظر إليها من بعيد كما ستفعل في الأيام القادمة..
تحاول أن تهيأ له ما سيحدث عن قريب، ستكون مُبتعدة عنه كامل الإبتعاد..
بعد أن نامت في منزلها خائفة والذي من المفترض أن يكون هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان، قررت أنها لن تبقى هنا لمدة طويلة وعلمت أن القرار الصائب حقًا هو الإبتعاد..
إن بقيت واستمعت إلى حديثه ستكون مضطرة إلى الزواج منه رغمًا عنها وهذا لن يحدث، ستدعس قلبها أسفل قدمها بكل قوة لديها حتى يصمت عن الصراخ داخل قفصها الصدري مطالبًا بالعودة إليه..
مضوا اليومين عليها وهي تأخذ جانب وحدها بعيدة عن الجميع وعنه هو بالأخص، تراه يدلف عائدًا من عمله من نافذة غرفتها وهو يراها تنظر إليه يحاول الصعود إليها ليتحدث معها يجد أنها تغلق الباب من الداخل.. يحاول إرسال الرسائل إليها تقرأها ولا تُجيب عليه فلم يفهم ما الذي تفكر به..
عيناها تطالب بالقرب منه وقلبها يطالب بعناق أبدي من قلبه، تشعر بفراغ مُميت وقع في حياتها منذ أن نشب ذلك الشجار المشؤوم بينهم، تبكي كل ليلة بضعف وقلة حيلة لأجل ابتعادها عنه وترك حياتها التي اعتادت عليها لأربعة وعشرون عام..
أن تترك حب عمرها والرجل الوحيد الذي وقعت عينيها عليه منذ الصغر إلى الكبر، تدريجيًا عام بعد عام تكبر وهو يكبر أمامها وبينهم ذلك العشق الأبدي..
تظهر القوة وداخلها هشة ضعيفة من مجرد هواء مار أمامها تميل معه وتترك له حرية اختيار طريقها..
كان يراها هو في الصباح تهبط إلى الأسفل بعد أن يتناول فطوره مع الجميع.. يحاول معها ولكنها ترفض، أبعدته عنها بطريقة بشعة جعلته يفتقد حتى النظر إلى زيتون عينيها، جعلته يفتقد النظر إلى خصلاتها الغريبة ووجها الممتلئ..
جعلت قلبه يشتاق لكل همسة تصدر منها بعد أن كان كل ما بها له ويتمتع به في أي وقت وأي لحظة تخطر على فكره..
جعلته يشتاق إلى لمسة واحدة منها تؤكد له أنها مازالت هنا حبيبته وملكه الوحيد الذي خرج به من حرب كانت خاسرة لا محالة وبها أصبح القائد المشهور بالفوز العظيم..
كم يحبها وكم يشتاق إليها وإلى حديثها، متملك ومغرور، عنيف وقاسي ومتهور وبه كل الصفات الكريهة ولكن هناك صفة واحدة يهوى بها الغفران إلا وهي أنه يحبها إلى الممات..
الجميع بعد الذي حدث باغض الحديث معه حتى عمه الذي كان يأخذ دور والده في حياته، لم يكن هناك أحد يشجعه على فعل شيء سوى عمه وهو من وافق على زواجه من ابنته قبل أي أحد..
على عكس والده الذي رآه أصبح مُتهور بما يكفي وحاول معه أن يعود عما يفعل ولكنه لم يعود فابتعد والده وأصبح يعلم نتائج كل ما يفعله ابنه..
أصبح قاسي بالنسبة إليهم أكثر من السابق، أصبح شخص آخر غير الذي يعرفونه..
دلف من بوابة الفيلا في منتصف اليوم على غير العادة، نظر أمامه ليجد مشهد غريب على عينيه، الجميع في ردهة المنزل، هناك حقائب سفر موضوعة في الطريق، ابنة عمه في أحضان والده تبكي! والحزن مُرتسم على ملامحهم جميعًا..
ستذهب!.. أيعقل ذلك؟
نظروا إليه عند لحظة دخوله، وهي من بينهم، ولم ينظر بعيناه على أي شخص سواها، نظرة خائبة حزينة لكن لن تدوم كثيرًا..
أقترب بهدوء وبخطوات محسوبة، عينيه عليها بقوة، قلبه يدق بعنف داخل قفصه خوفًا مما قد يحدث في ذلك الموقف:
-أنتي ماشية
كانت تبكي وازداد البكاء أكثر برؤيته وسؤاله الذي خرج من بين شفتيه بحزن وضعف ظهر لها وحدها من بين الجميع.. لم تُجيب ولن تُجيب.. الآن تندب حظها الذي اوقعها به وحظها الذي جعله يخونها بتلك السهولة..
أردف بقسوة وتحولت عيناه إلى سواد قاتم معتم إلى أبعد درجة ممكنة:
-مش هتمشي يا سلمى
عاندته مُجيبة بحدة وهي تمسح تلك الدموع المتناثرة على وجنتيها المُكتنزة:
-همشي يا عامر
أقترب منها في خطوة وحيدة واسعة على حين غرة مُمسكًا بذراعيها الاثنين بكفي يده بحدة وقسوة عنيفة صارخًا أمام وجهها:
-مش هيحصل.. على جثتي سامعه ولا لأ
تقدم شقيقها “ياسين” سريعًا منهما وجذبه من ذراعيه الاثنين الذي يُمسك بها دافعًا إياه بعيدًا عنها يهتف بنبرة حادة:
-أنت اتجننت ولا ايه سيبها.. هي قالت مش عايزاك يا عامر خلصنا بلاش نعمل مشاكل وتخرب البيت ده
أبصره بقوة ونفيٰ رافضًا ما قاله مهما كانت نسبة حدوثه عالية، فالأمر الوحيد الهام في تلك اللحظة، أنها سترحل وتتركه وحده!:
-البيت ده هيتخرب لو مشيت وده مش هيحصل.. وبعدين ايه مش عايزاك دي؟ عدا عليها أربعة وعشرين سنة وهي معايا جاية دلوقتي تقول مش عايزاني
هذه المرة استمع إلى صوت شقيقته “هدى” تعنفه بضراوة لأنها قد وضعت نفسها في موضع ابنة عمها ووجدت أن ما حدث لا تتحمله إمرأة:
-وهو اللي أنت عملته شوية.. مافيش واحدة ممكن تستحملك كده يا عامر حاول تفوق لنفسك
اخرسها بصوته الحاد الصارخ في وسط المنزل وعروقه أصبحت بارزة وجسده بالكامل متشنج:
-مالكيش دعوة أنتي
أقتربت منه “سلمى” ناظرة إليه بعينين ضائعة في وسط كل هذا الحديث، مُحبة إلى وجودها معه، تريد البقاء والتمتع بقربه وأحضانه:
-عندها حق أنت مافيش واحدة تستحملك ومش هتلاقي واحدة بعدي يا عامر.. كان قدامك فرص كتير تتغير وأنا معاك لكن ده محصلش بالعكس بتزيد في الغلط وأنا تعبت
ضيق ما بين حاجبيه وعينيه عليها بدقة عالية مُتحدثًا بكلمات تجعلها تبقى لأجله:
-قولتلك خلاص مش هيحصل تاني.. خلاص أنا آسف أموت نفسي.. عايزاني أموت نفسي يا سلمى؟
الموت! هل وصلت معه إلى هنا؟ إلى الموت؟. لم تكن تريد هذا ولن تريده مهما حدث مجرد الاستماع إلى كلمة منه كهذه جعلت قلبها ينتفض داخل أضلعها:
-لأ متموتش نفسك سيبني أمشي
أطال النظر على وجهها دون حديث والجميع بهذه الفيلا يستمع لما يدور بينهم ثم في غفلة منهم شعر أنه يريد أن يسألها:
-أنتي بتحبيني؟
خرجت الدموع من عينيها مرة أخرى، ارتعشت شفتيها الوردية أمام عيناه، وبقى ينظر إليها مُنتظر منها إجابة على سؤاله البسيط ولكنها لم تُجيب:
-جاوبي.. بتحبيني ولا لأ؟
تنهدت بعمق من بين بكائها المُمزق قلبه إلى أشلاء وجعل روحه فانية، واستمع إلى صوتها الرقيق الخافت الخالي من كل شيء سوى حبه:
-بحبك
أقترب أكثر وأمسك بكف يدها بين يده الاثنين مُتناسيًا كل من يقف هنا، لا يهمه أي أحد من بينهم، هي الوحيدة المهمة له:
-اومال ايه يا سلمى… ايه؟ أرجوكي كفاية كده وعد مني هعمل كل اللي أنتي عايزاه
أردفت ببكاء أشتد عليها وضعف انتاب قلبها، كلمة واحدة أخرى من شفتيه ستكون بين أحضانه وتطالب بالزواج الفوري منه:
-أنا أخدت وعود كتير وعلى فكرة بقى الحب مش كل حاجه.. الحب ولا حاجه جنب حاجات تانية
ضغط على يدها من دون أن يلاحظ أحد ذلك ووقف أمامها شامخًا بعد أن نفذ منه كل الحديث الذي من المفترض قوله وهتف هذه المرة بنبرة جادة عائدًا إلى أصله:
-مش هتمشي
أجابت بنفس تلك النبرة الصادرة منه وعينيها لم تتأرجح من على عيناه:
-همشي
دفع يدها الذي كان يُمسكها بقوة صارخًا بوجهها بصوتٍ عالٍ ولم يكن هام بالنسبة إليه وجود أهلها هنا:
-هتخليني اتغابى عليكي بلاش عِند
عادت للخلف خطوة بعد صراخه عليها بهذه الطريقة وأقترب “ياسين” منه بطريقة هجومية واضحة ولكن والده قد سبقه في فعل ذلك..
أبعد ابنته للخلف ووقف أمامه رافعًا رأسه ليكن بنفس طوله حيث أن “عامر” كان الأطول بينهم جميعًا، نظر إليه بقوة وعنف ولأول مرة يفعلها، نظر إليه بعينين تهتف بتهديد صريح إن أقترب من ابنته:
-ايه البجاحه اللي أنت فيها دي… أنت مفكر نفسك مين.. رد عليا مفكر نفسك مين؟.. دي بنتي وأنا اللي وافقت على جوازها منك ودلوقتي حتى لو هي رجعت في كلامها أنا رافض.. سامع
لم يكن متوقعًا من عمه هذا الحديث ولا حتى ردة الفعل هذه، أيعقل أن عمه من وقف جواره طوال حياته الآن يقف أمامه!.. الآن بالتحديد، لما الجميع يريد سرقتها منه؟:
-يا عمي…
قاطعه عن الحديث بحدة صارخًا به يسرد عليه ما حدث وكأنه لا يعرفه.. كأنه ليس معضلة يغفى ويستفيق بها:
-اخرس خالص.. أنت عارف والكل عارف أن أبوك أول واحد عارض جوازك من سلمى وقال إنك غبي والبنت مش هتستحملك وسلمى خالفت كل التوقعات واستحملت كتير بس أنت فعلًا اللي غبي وبنتي غلطت لما فضلت معاك من أول مرة عرفت فيها إنك وسـ*
أغمض “عامر” عينيه بقوة مُستنكرًا كل شيء من حوله، يحاول التماسك أمامهم، يحاول أن يكون شخص عاقل غير متهور كي يعلموا أنه يحاول التغير لأنه معروف في مثل تلك المواقف:
-أنا لما وافقت قولت يا أحمد، عامر طيب وجواه حد كويس هو بس اللي متهور وعصبي حبتين وجو روميو اللي كان عايش فيه مع بنات الكباريهات ده هيبعد عنه لما تبقى سلمى معاه لكن أنت طلعت غبي
كان يتحدث والآخر مازال مغلق عيناه ولكنه فتحمها على وسعيهما عندما استمع إلى حديثه الجاد الواثق منه:
-سلمى هتمشي ابقى وريني هتمنعها إزاي
صرخ بوجه عمه لأول مرة وأمام الجميع أيضّا، رافضًا ما قاله وما سيُقيل بعد ذلك، رافضًا كل شيء بحياته سواها:
-مش هتمشي.. وديني ما هتمشي
استدار ليذهب إلى خارج الفيلا مُقرر فعل شيء ما يجعلها تبقى دون الرحيل، استدار لهم برأسه يهتف مرة أخرى بقوة وصوت عالي صارخ في وسط الفيلا:
-سامعين كلكم.. مش هتطلع من البلد دي
نظرت إليه وهو يبتعد ووجوه الجميع مصدومة مما يفعله وما توصل إليه.. هو المخطئ الوحيد وهو من أضاعها، هو من تسبب في كل ذلك وعليه تحمل النتيجة.. أيعقل أن يفعل الحب كل ذلك؟
لم يتدخل والده مانعًا نفسه عن فعل ذلك بالقوة، لا يريد أن يكبر الأمر بينهم أكثر من ذلك ويعود ليقول أن والده هو من يُعيق زواجه وسعادته..
خرجت “سلمى” ركضًا إلى الخارج بعد لحظات استوعبت بها أنه سيرحل وهي الأخرى سترحل ولا تعلم متى من الممكن أن تراه مرة أخرى..
خرجت إلى البوابة وجدته صعد إلى سيارته وكاد أن يرحل بها، ناداته بصوتٍ عالٍ وهي تركض إليه بعينين باكية:
-عامر.. عامر
وقفت أمام نافذة السيارة ومالت عليه برأسها ولم تكاد أن تتحدث حتى ألقى عليها الكلمات القاسية المودعة إياها:
-ابعدي عن وشي ويلا روحي شوفي أنتي رايحه فين
بنبرة هادئة خافتة قتلت روحه داخله طلبت منه الخروج للحديث معه:
-أنزل لحظة
خرج من السيارة وأغلق الباب بعد الاستماع إلى نبرتها المُرهقة للأعصاب، وقف أمامها شامخًا يهتف بكل ما خطر على عقله أنها تريد الحديث به:
-نعم عايزة ايه.. عايزة تقولي إنك هتمشي وتبعدي عني وفركش للجوازة وفركش لحبي ليكي.. هقولك مش هتسافري يا سلمى
أمسكت وجهه بيدها الاثنين، وضعته بين كفيها بحنان بالغ ونظرة حزينة احتلت ملامح وجهها، بكائها ازداد وتركت قوتها في الداخل وخرجت له مجردة من كل شيء سوى حبه:
-أنا بحبك بس أنت اللي ضيعتني من ايدك.. اتغير عايزة اسمع إنك اتغيرت وأنا هرجع في لحظتها ومش هستنى دقيقة واحدة تعدي عليا وأنا بعيدة عنك
وضع يده الاثنين فوق كفيها على وجهه، وأقترب منها بنظرة عينيه التي تعلقت بأمل جديد بعد حديثها المُمزق لقلبه، قال بحب مُطالبًا منها البقاء فلو ابتعدت روحه إلى الأعلى أفضل من ابتعادها هي:
-طب وليه.. وليه يابنت الحلال ما أنتي أهو خليكي.. خليكي يا سلمى أنتي عارفه إني ماليش غيرك وسطهم.. أنا عايزك
بكت بقوة في تلك اللحظة، وبعد ذلك الحديث منه، كطفل صغير يريد بقاء والدته معه، يريدها هي فقط ولا يريد أي أحد آخر من أفراد العائلة ولكنها مضطرة لفعل ذلك:
-مش هقدر صدقني.. مش هقدر أقعد معاك كأن مفيش حاجه حصلت.. أنا بنام وأقوم على صورتك وأنت في حضنها.. بنام وأقوم على صورتك وأنت بتبوسها.. مش هقدر يا عامر لأ
نظر إلى شفتيها المُكتنزة التي ترتعش بفعل بكائها، علم في تلك اللحظة أنها لن تنصت إليه إذًا سيصمت هو الآخر، أبعد يده من فوق يدها الاثنين واضعًا إياهم على وجنتيها كما فعلت معه وتبادلوا النظرات الصامتة، ثم أقترب منها بهدوء تام واضعًا شفتيه على خاصتها في قبله حانية غريبة..
قبلها كما لو أنه لم يفعلها من قبل، بطريقة بريئة إلى أبعد حد، حانية رقيقة، قبلها إلى أن شعر بأنه عليه الإبتعاد وقد فعل..
أبتعد بشفتيه وبقى على وضعه معها فاستمع إلى صوتها الضائع بعد قبلته الشغوفة الحانية:
-لو عايزني اتغير وهرجع.. ولو فضلت على حالك شرب وسهر وستات مش هرجع أبدًا وهعرف إنك مش عايزني يا عامر
عقب بنفس تلك النبرة الضائعة، نبرة متعطشة للمزيد منها وتتروى لفعل ذلك بالهدوء ولكنه يقتلها:
-لأخر يوم في عمري أنا عايزك وأنتي ليا وبردو مش هتسافري
عاد للخلف وأخفض يدها الاثنين من على وجنتيه دافعًا إياها للخلف بخفه وتروي لتبتعد عن السيارة، ثم نظر إليها نظرة أخيرة لا تنم عن الخير أبدًا ودلف إلى السيارة وأشعل المقود ثم رحل وتركها تقف في مكانها وحيدة.. وحيدة تنتظر تغيره..
البكاء ليس حل في هذه اللحظات، لقد قالت ما عندها وفعل المثل، لقد ودعها بشيء لم تكن تحلم به، وضعت يدها على شفتيها وخرجت الدموع تتهاوى خلف بعضها..
لقد ودعها بقبلة الوداع..
❈-❈-❈
جلست في المقعد الأمامي للسيارة جوار مقعد السائق والذي كان شقيقها “ياسين” وفي المقعد الخلفي جلست والدتها ووالدها..
كانت تستند على نافذة السيارة تنظر إلى الخارج بشرود واضح، لم تكن معهم من الأساس بل كانت تسبح في ذكريات جمعتها بذلك الحبيب الذي تركته..
استمعت إلى صوت شقيقها يناديها بنبرة جادة وكأنها ليست المرة الأولى:
-سلمى
اعتدلت في جلستها ونظرت إليه باستغراب منتظرة منه الحديث فقال بمرح وابتسامه:
-فينك يابنتي بكلمك.. بتفكري في امريكا من دلوقتي
ابتسمت إليه هي الأخرى بهدوء، ابتسامة مصطنعة ذائفة وأجابته قائلة:
-ومفكرش فيها ليه.. دي بلد الدولار يابني
ابتسم أكثر يصيح بقوة وهو ينظر إلى الأمام على الطريق:
-يا ولا
قالت بنبرة حانية وهي تنظر إليه:
-خلي بالك من نفسك ومن هدى
نظر إليها ثم أبعد نظرة سريعًا من عليها ليبقى على الطريق وعقب قائلًا:
-متقلقيش علينا أنتي خلي بالك من نفسك
استدارت إلى والدها تنظر إليه نظرة طويلة، تريد قول الكثير ولكنها بالتوصية عليه، اكتفت به هو وكأنها ترحل عن مولود رضيع ليس له غيرها، ترقرقت الدموع بعينيها وقالت:
-خلي بالك من عامر يا بابا.. أنت عارف إنه مالوش غيرك.. عمي مش زيك وهو مش بيعرف يتعامل معاه بلاش تزعل منه بسبب اللي حصل خليك معاه وفي ضهره
ابتسم إليها بهدوء وقد تفهم أن ابنته لن تبقى هناك طويلًا ستعود راكضه لتبقى مع من يهواه قلبها، أنها حتى لا تستطيع إيقاف التفكير به ولو لحظة ومن المفترض أنها ذاهبة لأنها تبغضة:
-متقلقيش عليه يا سلمى عامر ابني زيكم بالظبط وأنا مش هسيبه
نظر إليها شقيقها بقوة، كيف لها أن تكون هكذا؟ بعد كل ما فعله تفكر به وتريد من الجميع الاعتناء به من بعد رحيلها.. كيف لها أن تكون تلك الفتاة الناضجة الذي أحبته وتحبه ومع ذلك استطاعت أن تأخذ قرار الإبتعاد عنه جاعلة قلبها يفتر من الحزن..
عادت برأسها للخلف بعد أن جعلتها والدتها تطمئن وبعد أن نظرت إلى الأمام من خلال زجاج السيارة صرخت بعنف وقوة كبيرة جاعلة شقيقها ينتبه لتلك الشاحنة:
-حاسب يا ياسين
لم يستطع فعل شيء فقد فات الأوان، أتت عليهم شاحنة كبيرة الحجم بقوة أكبر من اللازم تصادمت معهم وكأن بالفعل سائقها يريد فعل ذلك بهم، دعست السيارة بفعل الشاحنة وانقلبت أكثر من مرة وتلك العائلة الصغيرة بها..
ومن بعد نطقها باسم شقيقها لم تنطق بحرف أخر..
….
رواية بين دروب قسوته الفصل الرابع 4 - بقلم ندا حسن
“دام الألم، للمُنتهى”
ورد إلى الجميع ما حدث مع بقية العائلة، عائلة بها شقيق وزوج وحبيبة وأم لولدين.
كان خبر صادم مفزع، هلعت له القلوب خوفًا ورهبةً من فقدان أحدهم.
السماء تمطر دمًا والقلوب تدمع من الداخل، جاعلة بقية الأعضاء تحزن عليها.
والعيون وما بها إلا النزيف كشلال لا يرى مستقر له.
فور أن استمع رؤوف هذا الخبر القاتل لقلبه ولبقية عائلته، وقع على الأريكة التي كانت خلفه بعد أن ألقى الهاتف من يده التي فقدت أعصابها.
ولم يستطع أن يفعل أي شيء، فقط ينظر إلى الأمام بصدمة تامة وعيون زائغة مذهولة تود البكاء.
لم يتفوه بأي شيء، غير قادر على الحركة أو النطق.
لقد شعر بأنه عاجز عن فعل أي شيء ولم يسعفه جسده على ذلك.
مكالمة قاسية للغاية لم تكن بالحسبان.
لقد كانت العائلة بالكامل حزينة لما حدث بها، ولكن لم تكن تريد هذا الحزن!
ومن يهتف من الناحية الأخرى كان يحمل قساوة أكثر من المكالمة نفسها، ناطقًا بفقدان شخصين!
شخصين يا الله من عائلته!
تُرى من؟
شقيقه ورفيق دربه!
ابن أمه وأبيه، والد ابنه وحامله وقت ضعفه وجواره وقت قوته.
أم زوجته المرأة طيبة الأصل والروح، كريمة القلب وجميلة اللسان.
أم فقد ابنة شقيقه، سلمى!
ابنته الثانية وروحه الضائعة، حبيبة ولده المتهور.
ويالا القهرة إن كان سنده وقوته ياسين ابنه الآخر وزوج ابنته.
ومن بعده ابنته الوحيدة تلقت الصدمة بقهر لم تصادفه بحياتها.
صدمة! هذه ليست صدمة إنه كابوس وعليها أن تستفيق منه هي ووالدها.
ولكن فور استيعابها لما حدث أخذت الصراخ السبيل الوحيد لها للتعبير عما تشعر به.
زوجها كان معهم؟ ياسين!
حبيبها! من فُقد في هذا الحادث!
عمها وزوجته؟
أم ابنة عمها وحبيبتها والنصف الآخر لشقيقها!
أم نصفها هي! وملاذها وكل ما تملكه في الحياة!
كل منهم كان يحمل قلبه على يده ويسير به في رواق المشفى مُتقدمًا للاستماع إلى أي حديث غير متوقع بعد الذي استمعوا إليه.
والقلب خارج مكانه ليتلقى الصدمة ويلقى حتفه.
لم يبقى سواه الذي لم يكن يعلم بشيء.
أخبرته والدته بعد أن فقدت السيطرة على زوجها وابنتها وكأنه هو الذي يستطيع أن يسيطر عليهم.
وقع قلبه بين قدميه بعد أن بدأ بالخفق بقوة.
ولأول مرة بحياته يشعر بالخوف الشديد.
لأول مرة حقًا والرغبة الحارقة لقلبه وجسده في الوصول إليهم ليعرف ما الذي أصابهم.
ليته تركها تذهب!
ليته تركها تفعل ما يحلوا لها.
ما الذي من الممكن أن يحدث!
من الذي تركهم ورحل إلى الأبد لن تكون هي!
مؤكد لن تكون هي حبيبته!
روحه وعمره، كيانه وكل ما به.
إن حدث لها شيء لن يسامح نفسه إلى الممات.
عند وصوله إلى المشفى ولحظة إدراكه أن عمه وزوجته قد فقدوا من وسط العائلة، اشتد البكاء على عينيه ولم يستطع أن يمنع نفسه من فعلها.
لقد كان عمه بمثابة والده.
لا لقد كان والده حقًا ودون أي مقابل.
لقد أخذ دور والده وأعتبره ابنه أكثر من ياسين نفسه.
لقد كان يقف جواره وفي كل طريق يبدأ السير به يشجعه على التكملة.
لم يكن يستمع لحديث أي شخص سواه.
عمه!
أبتعد عن الجميع في تلك اللحظات ودلف إلى مرحاض في المشفى بعد أن علم أنها في غرفة العمليات.
ولكن حالتها على ما استمع إليه ستكون مستقرة ليست كما الجميع.
وشقيقها في غرفة العمليات أيضًا ولكن في حالة حرجة.
دلف إلى المرحاض وبدأ في البكاء الحاد وكان يلوم نفسه على ما حدث وبقوة.
لما قد يفعل هذا؟
لما لم يتركها ترحل من البداية ويبتعد عن طريقها هو المخطئ الوحيد.
هو من فعل كل هذا وهو من جعل البيت يخرب عليهم مثلما قال ابن عمه.
انحنى على نفسه كجبل أصابه زلزال بقوة كبيرة واشتد البكاء عليه وبصوت نحيب عالي يخبئ وجهه بيده الاثنين متذكرًا عمه الحنون وزوجته.
ماذا سيقول لها عندما تستفيق؟
ماذا سيقول لابن عمه؟
الجميع الآن سيراه المخطئ وهو كذلك.
قلبه لن يرحمه وضميره يقاتله الآن بقوة معترضًا على كل ما حدث من قِبله.
لقد كان قمة في الحقارة والدنائة.
وقف أمام حوض الغسيل بالمرحاض ورفع أكتافه للأعلى ونظر إلى وجهه بالمرآة.
حاول أن يتماسك في تلك اللحظات والساعات القادمة فهو سيكون يد العون الوحيدة للجميع.
فتح صنبور المياة وأخذها بين يده الاثنين يلقيها على وجهه بقوة وعنف عله يستفيق مما حدث.
ولكن ذلك لن يحدث.
لن يستفيق أحد مما حدث ولن تعود الأمور كما كانت.
الآن ومن هنا بدأ التحول الحتمي في عائلة القصاص.
ستكون الليالي القادمة أسوأ من أسوأ ليالي مرت على دولة كاملة تموت جوعًا وعطشًا في ظل حروب ضارية.
❈-❈-❈
اليوم التالي
فتحت عينيها ببطء شديد.
وجدت نفسها تنظر إلى سقف غرفة لونه أبيض.
لحظات تحرك عينيها على السقف ولا ترى أي شيء سوى أنه أبيض.
لم تستطع تحريك رقبتها جيدًا.
شعرت بألم بها، وصداع داهم رأسها فور أن فتحت عينيها.
رفعت يدها إلى أعلى رأسها بعد أن كرمشت ملامح وجهها بألم شديد يداهمها.
هناك شيء على رأسها، خصلاتها ليست أسفل كف يدها بل كان هذا قطن وشاش!
أدوات طبية!
رأسها ملتفة بأدوات طبية.
حركت كف يدها لأبعد قليلًا لتجد خصلات شعرها أخيرًا.
يدها لا تستطيع تحريكها جيدًا أيضًا.
أبعدت كف يدها من أعلى رأسها ونظرت بدقة إلى ذراعها لتجده به كدمات كبيرة وبعد المعصم ملتف هو الآخر!
الذراع الآخر كان حر ربما ولكنه يؤلمها أيضًا.
إنه مجبر ليس حر!
جسدها بالكامل يؤلمها وقدمها اليسرى لا تستطيع تحريكها جيدًا!
أغمضت عينيها لحظة وعادت إلى وضعها التي كانت عليه ثم بدأت الذكريات تأتي إلى عقلها واحدة تلو الأخرى.
واحدة من بعدهم ثم تتلوها الأخرى.
خانها عامر!
كانت ذاهبة إلى بلد خالها الذي يستقر بها.
كان معها والديها وشقيقها ثم حدث ما لم يكن متوقع ولم تراهم من بعدها وها هي هنا!
أين هم؟
فتحت عينيها على وسعيهما وفي تلك اللحظة كان الباب يُفتح ودلفت منه هدى لتطمئن عليها.
نظرت إليها بقوة وهي تراها تتقدم منها ثم دون سابق إنذار أردفت بتساؤل مُتلهف على عائلتها:
فين بابا وماما.. وياسين؟
أقتربت منها هدى ووجها يعبر عن كل شيء حزين.
عينيها كما لو أنها وردة دبلت بسبب عدم شربها للماء، ووجها شاحب كشحوب الأموات.
وقفت جوار الفراش تبتسم بتصنع يظهر في كل حركة قائلة:
حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.
مرة أخرى تفوهت بنفس السؤال السابق التي لم تحصل على إجابة له من ابنة عمها:
فين بابا وماما وياسين يا هدى.
ربتت عليها بهدوء ويدها ترتعش فوق جسدها ثم أردفت بنبرة مترددة خائفة من الحديث التي ستقوله وكم كان الحزن ظاهر عليها:
موجودين يا حبيبتي متقلقيش.
نظرت إليها سلمى بعينين تشكك بذلك الحديث.
عينيها وشفتيها ولغة جسدها بالكامل تقول غير ذلك:
هما فين؟
ابتلعت تلك الغصة التي كان بحلقها ثم قالت جزء صغير جدًا من الحقيقة المُدمرة لعائلة بالكامل:
ياسين في العناية.. محتاج إنه يكون فيها لكن هو كويس وهيقوم بالسلامة إن شاء الله متقلقيش.
وكانت هي عقلها منشغل بالجميع.
رغم أنها لا تصدق تلك الكلمات وقلبها يتحدث بشيء آخر داخلها ولكنها استكملت متسائلة:
وبابا وماما؟
كذبت الكذبة الأكبر على الإطلاق.
كان من المفترض أن تقول بأنهم الآن أجساد ليس إلا وقد صعدت الأرواح إلى خالقها ولكنها قالت:
في اوض تانية.
لن تنتظر أكثر من هذا، تتسائل وهي تُجيب بحديث كاذب.
قالت بجدية وهي تستدير لتذهب حتى أنها لم ترى وجهها:
أنا هخرج أقول للدكتور إنك فوقتي.
لم تعاملها جيدًا، لم تظهر اللهفة عليها لكونها استفاقت من حادث مروع كهذا!
ما بها؟
أهناك شيء حدث وهي لا تعلم!
قلبها يقول ذلك ولكنها ستحاول أن تكذبه لا تريد أن تستمع له.
ومن بعدها إلى أخباره الحزينة الموجعة.
وجدت عامر يدلف الغرفة بلهفة وشوق كبير يرتسم على وجهه كأنها كانت مع الموتى!
أليست تلك نفس الملابس الذي كان يرتديها منذ أن كانت ترحل!
ترى هي هنا منذ متى!
اليوم فقط؟
لما وجهه هكذا؟
عينيه مُنتفخة بشدة، فاقدة بريقها، وجهه منحوت وظاهر عليه الإرهاق التام.
ملابسه ليست مهندمة ومظهره بالكامل ليس على ما يرام.
لو الجميع بخير لما هو هكذا!
لما عينيه منتفخة.
جلس جوارها على الفراش وأمسك بيدها رافعًا إياها إلى فمه بخفه مقبلًا إياها قبلة مطولة للغاية، يبث بها كامل خوفه الذي شعر به منذ أن استمع إلى ما حدث إليهم:
حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.
أبصرته بقوة وعينيها تتحرك عليه بغرابة.
لن تشعر بالاستغراب بسبب خوفه ولهفته الظاهرة تلك ولكن هناك شيء آخر يربكها.
استمعت إلى صوته الخافت المرهق، الخائف من كل شيء ولأول مرة تستشعر ذلك به:
سلمى.. أرجوكي متبعديش عني أنا كنت هموت.. والله العظيم كنت حاسس إني هموت.. أنتي روحي.
أجابته بضعف شديد والألم برأسها يزداد:
بعد الشر عليك.
تسائل بجدية وعينيه عليها ليطمئن من أنها أصبحت بخير فيكفي من رحلوا:
أنتي كويسه؟ حاسه بتعب.
أردفت لما تشعر به بجسدها وتذكرت أنها من وضعت حزام الأمان بالسيارة وقالت لشقيقها أن يفعل ولكنه لم يعطي للأمر أهمية:
صداع جامد أوي وجسمي كله بيوجعني… اومال لما أنا حصلي كل ده هما حصلهم ايه.. دا أنا الوحيدة اللي كنت حاطة الحزام.
أخفض رأسه إلى أرضية الفراش ومازالت يدها بين كفه العريض.
نظرت إليه بغرابة، لما صمت الآن!
لما لم يُجيب عليها!
تسائلت هي:
بابا فين وماما وياسين.
أحمرت عينيه الفاقدة للحياة بسبب ضغطه على نفسه ألا ينصاع خلف رغبة البكاء التي تلح عليه.
تفوه بالكلمات بتوتر وارتعشت شفتيه:
في العناية.. الحمدلله عدت على خير.
وجدها تتحرك بألم في الفراش وعينيها عليه بدقة كبيرة لا تصدق الذي يقوله.
وجهه وعينيه، جسده هو وشقيقته يقول غير ذلك وقلبها الأحمق هو الآخر يخفق بقوة كبيرة تجعلها تخاف أكثر.
-استني أساعدك.
وقف على قدميه وأقترب منها، وضع يده أسفل ذراعيها وعدل من الوسادة خلفها ثم رفعها ببطء لتجلس نصف جلسة على الفراش.
في لحظة وجدوا الباب يفتح بقوة وعلى مصراعيه ووالده يدخل بلهفة شديدة والبكاء يغرق وجهه بالكامل وخلفه شقيقته تنادي عليه أن يعود لغرفته.
لقد انتكس في الأمس ليلًا واضطر أن يكون هو الآخر في غرفة مرضى مثلهم ليعتنوا به، لم يتخطى ما حدث وعند الاستماع إلى أن ابنة شقيقه قد استفاقت أتى ركضًا إليها ليتشبع منها ومن رائحة شقيقه بها.
هتف باسمها بلهفة وحزن وهو يدلف إليها:
سلمى.
نظرت إليه باستغراب شديد، رأته وهو يتقدم منها ركضًا ورأت عامر يفسح له الطريق ليقترب منها وقد كان.
أتى إليها وجلس أمامها على الفراش والدموع لا تتوقف عن الخروج من عينيه.
نظرت إليه مطولًا وفعل المثل، لم يتحدث ولم يقترب منها!
وزعت بصرها على من معها بالغرفة غيره لترى هدى في الخلف تحاول مداراة دموع عينيها وحزن قلبها المرسوم على ملامحها، زوجة عمها التي استدارت وأعطت إليها ظهرها.
و عامر الذي وضع يده الاثنين أمام وجهه وأبتعد للخلف لاعنًا لحظة دخول والده.
لم يستطع أن ينتظر قليلًا حتى يهيئ لها الأمر.
نظرت إلى عمها مرة أخرى خرجت الدموع من عينيها بصمت رهيب وبدأ رأسها في تجميع خيوط الفكرة التي تُحكى أمامها!
أين عائلتها!؟
حركت شفتيها المكتنزة بارتعاش واضح ورهبة ظاهرة بقوة في نبرتها:
بابا وماما فين يا عمي.
لم تجد منه ردًا إلا إنه بدأ في البكاء بصوت مرتفع!
لما؟
نظرت إلى عامر وتسائلت بنفس تلك النبرة السابقة والخوف الذي يرافقها:
ياسين فين يا عامر.
لم تجد ردًا من أحد منهم والجميع على وضعه.
ازداد بكائها المُمزق للقلوب المتجمعة حولها وهتفت مرة أخرى بانين:
هما فين.
أقترب منها عامر سريعًا بعد الاستماع إلى نبرتها الباكية ويعلم أن قلبها لن يتحمل هذا أبدًا.
وقف جوارها وصاح قائلًا بنبرة محاولًا أن يجعلها جادة:
ياسين في العناية متقلقيش عليه إن شاء الله هيبقى كويس.
رفعت ذراعها بألم ولكنها تريد أن تتعلق بأي شيء يشعرها بالأمان.
أمسكت يده ونظرت إليه بعمق متسائلة مرة أخرى:
بابا وماما فين؟
أخفض رأسه إلى الأرضية ولم يستطع أن يقول شيء.
نظرت إليه بقوة مُنتظرة أن يُجيب، مُنتظرة أن يُمحي كل ما خطر على بالها من مظاهرهم.
ولكنه أزاد العذاب على قلبها عندما رأت دمعة تفر من عينيه أزالها سريعًا:
أنت بتعيط؟.. بتعيط يا عامر.
عامر والبكاء معًا، هذا مُستحيل؟
كيف لعامر أن يبكي ولما ولأي سبب قد يفعل ذلك؟
حدث شيء لوالديها!
حتمًا حدث شيء لهم، تسائلت بحدة هذه المرة متحاملة على نفسها:
هما فين.
أقترب منها عمها يجهش بالبكاء المر على قلبه وأحتضنها بخفه مراعيًا ما الذي تمر به ثم هتف في أذنها:
تعيشي أنتي يا بنتي.. تعيشي أنتي.
لم تتحرك!
لم تبدي أي رد فعل!
بقيٰ عمها مُحتضن إياها وهي تنظر إلى الأمام في الفراغ تكرر ما قاله داخل عقلها تحاول أن تستوعبه!
لن تستوعبه لقد قال أن!
هل يقصد أن والديها توفيا!
لحظات وأخرى تمر عليهم وعمها محتضن إياها وهي صامتة!
لم تفعل أي شيء ولم تبكي حتى بل توقفت عن البكاء.
أقترب منهم عامر وجعل والده يبتعد عنها ليرى ما الذي أصابها.
نظرت إليه محركة شفتيها المكتنزة بصوت خافت للغاية غير مصدق قائلة:
بابا.
جلس هو جوارها مُحاولًا أن يخفف عنها الذي تمر به، فنظرت إليه أكثر وقالت بحزن طاغي وقهره حقيقية تمر بها مع مرارة أيامها:
بابا وماما.
حاول مرة أخرى وهو من الأساس عينيه تهدده بفرار الدموع منها، لكنه استمر وهو يربت على كتفيها:
سلمى ممكن تهدي.. دا أمر ربنا وقضاءه.
نظرت إليه مطولًا ودقتت به وهو يحاول أن يجعلها تهدأ.
أليس هو من جعلها تذهب وتأخذهم معها إلى المطار؟
أليس هو من كان السبب في كل ذلك:
أنت السبب.
لم تستمع منه إلى أي إجابة وجدت نظره كما لو أنها تقول أنه يعلم أنه سيوضع في هذا الموقف وسيكون سبب من الأسباب.
أكدت حديثها بقوة وهي تنظر إليه:
لو مكنتش خونتني مكنتش أصريت إني أمشي ومكناش هنا دلوقتي.. مكانوش سابوني.
لم تكن تشعر بأي شيء غريب، ما الذي من المفترض أن تشعر به، ألم؟
هو معاها دائمًا ليس جديد، حزن؟
وجد وبكثرة:
سلمى اهدي.
صرخت على حين غرة وفي لحظة طلبه منها الهدوء.
صرخة استمعت إليها المشفى بأكملها ومن بها.
صرخات تتلوها صرخات أخرى تعبر عن كم القهر والحزن الذي تمر به، تعبر عن كم الألم الذي يرافقها حتى في أسوأ لحظاتها.
تسرد بصرخاتها وحركاتها الهوجاء المسببة لها الألم مرارة الأيام عليها.
تسرد بالبكاء الحاد كم أن القسوة سهل الشعور بها.
صرخات وبكاء، تتلوى أسفل يده الذي تحاول تثبيتها، يحاول أن يقيدها!
ألا يكفيه ذلك؟
ألا يكفيه كل هذه المعاناة التي تمر بها!
لم تهدأ صرخاتها والنداء بإسم والدها ووالدتها.
لم يهدأ ذلك العويل إلا عندما سكنت فجأة أسفل يده ولم تعد شاعره بأي شيء من حولها.
سحبتها غمامة كان من المفترض أن تدلف بها مُبكرًا ولكنها تأخرت عليها.
والآن هي في مكان آخر.
❈-❈-❈
بعد يومين
منذ بضعة أيام كانت عائلة القصاص تحضر إلى زفاف أبنائها.
أكبر وأفضل زفاف كان سيحدث في البلدة بأكملها ولكن كان للقدر رأي آخر.
رأى أن من بين أفراد العائلة جنازات مؤجلة حان موعدها.
إذا تخيلت ما الذي حدث للجميع واحد تلو الآخر من العائلة بعد رحيل اثنين منهم لن تستطيع أن توفي خيالك حقه مهما حدث.
هدى ما بين حزنها على عمها وزوجته وابنته الملقية في المشفى لا تبدي أي ردود فعل منذ أن تلقت الصدمة وما بين تمزيق قلبها على زوجها وحبيب عمرها، ياسين الذي لم تستطع أن تأخذ قدر كافي منه.
تزوجته منذ ستة أشهر فقط وكان من المفترض أن يتم زفاف شقيقها معهم ولكن سلمى اعترضت على هذا وأجلت العرس.
منذ ستة أشهر فقط تبني معه ذكريات سعيدة لتتذكرها في الكبر وهو معها، لم تكن تتخيل أنها ستحتاج لتذكرها الآن وهم في ربيع شبابهم.
لم تجف عينيها من البكاء إلى أن شعرت أنها تأتي بكل ما بها من دموع ولن يتبقى شيء، تبكي بعينيها وقلبها وروحها المأخوذة معه.
وفي تلك اللحظات المُنتظرة تتذكر كم كان رجل حكيم رائع، عاقل وناضج، يحمل من الحنان ما يكفي الجميع وغيرهم.
دائمًا كل كلمة له إيجابية ومواقفه مع الجميع سعيدة وفرحه.
حتى في أغلب الأوقات الذي كان شقيقها يزعج شقيقته بها يأخذ الأمر بهدوء ويحاول أن يصلح الأمر بينهم.
لم ترى منه إلا كل طيب وجميل، لم يشعرها يومًا بالحزن ولم يتركها في مرة تنام حزينة منه، لم يتركها وحدها في أصعب الأوقات وأسعدها.
يمر على عقلها كثير من الذكريات معه، سعيدة وفرحه حزينة وسيئة وفي نهايتها تتذكر وجهه وكم كان وسيم مرح محب للحياة معها.
قلبها ينزف ألمًا وحزنًا على وجوده هنا بين الحياة والموت ولا تستطع أن تعرف ما به، ما تستمع إليه أنه في غيبوبة ولا أحد يعلم متى يستفيق منها وها هي بين الوجود والاختفاء، تحاول أن تفهم ما الذي حل عليهم في لحظة خاطفة ليبدل حالهم بهذه الطريقة المُرة.
في اليومين الماضيين لم يفعل عامر شيء سوى أنه كتم جميع مشاعره في داخله وأظهر رجل جامد التعابير حاد الملامح مع الجميع.
سواها.
كتم كل ما يشعر به من حزن على والده الآخر، وقهر على ما مر بالعائلة بأكملها.
كتم مشاعر الألم بعد كل نظرة يلقيها عليها بعينيه البُنية ويرى كم تتألم في صمت ولا تبدي أي أفعال.
بقيٰ جوارها لا يتحرك بعد نوبة الاهتياج الذي صابتها عند معرفة الخبر المحزن إلى قلبها.
في الغرفة معها يخرج ليطمئن على ابن عمه ويدلف مرة أخرى ليخبرها بأنه على ما يرام وهذا من أفضل الكذب الذي يلقيه عليها.
سيبقى هذا الوضع ويبقي كل شيء محزن وكل مشاعر مخذية في قلبه ويبقى جوارها هي فقط إلى حين أن تستفيق من تلك الصدمة وتعود مرة أخرى إلى حياتها.
سيكون الأمر صعب ولكنه لن يتركها مهما كلفه الأمر ولن يترك الحزن يتمكن منها أبدًا، سيكرث حياته القادمة من أجلها إلى حين عودتها من جديد لتكون سلمى حبيبته.
يدعي كل يوم أن يعود إليها شقيقها ليكون الأمر أخف عليها مما يحدث.
لم يأتي اليوم الذي يطمئنهم به طبيب على حالته ولكنه يتأمل أن تحدث مُعجزة ويقف الله معه بعيدًا عن كل معاصيه ويعود شقيقها إليها من جديد.
بينما حالتها لم تكن أفضل منهم بل كانت الأسوأ على الإطلاق.
استفاقت مساء اليوم الذي علمت به بموت والديها.
وظلت تأخذ أدوية مهدئة لتبقى على وضعها الصامت.
لم يكن يعلم أحد أنها ستبقى عليه من دون شيء، لما ستهتاج وتصرخ مرة أخرى؟
هل سيعود والديها أن فعلت ذلك؟
بقيت في حزنها غائبة، تسبح في قهرها على حياتها الضائعة.
تنظر إلى الجميع بعين باهتة تتسائل عن الذي بقيٰ لها من بين عائلتها.
تنظر إليه وتراه مُتلهف عليها، مُشتاق إلى رؤيتها سعيدة.
ترى الندم بعينيه كل يوم وكل لحظة تنظر إليه بها، ترى الخوف في عينيه، ترى الحزن في ملامحه مرتسم وكأنه من فعلها.
تستمع إلى صوته الحاد في الخارج ثم يدلف إليها طفل صغير حنون على حبيبته، يبقى جوارها ولا يتركها.
حتى عند وجود صديقتها التي لا يطيق النظر إلى وجهها خصيصًا بعد أن افشت سره لها وكانت هي السبب في كل ما حدث، لم يزعجها وتقبل وجودها معها.
تقدر ما يفعله ولكنها مهما حدث يبقى السبب الرئيسي فيما حدث لهم.
يبقى هو من خانها وخان العهد معها، هو من جعلها تُصر على الرحيل بعيد عنه وحبه في قلبها ينبض.
هو من أظهر اللا مبالاة وأخفى ندمه بعد فعلته الدنيئة.
لم يظهر ذلك الندم إلا حينما يريد أن يلهيها عما يفعل ويظهر كم هو بريء بتمثيله الرائع عليها.
سيبقى هو من تسبب في فقدان والديها ودمار عائلتها الصغيرة.
سيبقى هو السبب الوحيد في تحطيم قلبها وجعله أشلاء صغيرة، سيبقى هو من خان.
كان عامر يجلس على المقعد جوار نافذة الغرفة الذي يدلف منها النور، وكأنه يستمد منها أي ضوء يعطيه أمل لحياته، مُنحني على نفسه يضع وجهه بين يده الاثنين يُخفيه مغمضًا عينيه وهي تنام على الفراش كما منذ يومين وإلى الآن على نفس الوضعية.
لحظةً مرت وأخرى مثلها والوضع كما هو عليه كالعادة.
الحديث قليل الصمت أكثر من الكثير.
ثم دون سابق إنذار ولحظة عرى للجميع انطلقت صرخة حادة وقاسية في الخارج استمعوا إليها معًا ومن خلفها صوت شقيقته تنادي بإسم زوجها!
رفع وجهه سريعًا بلهفة وقلق جلي، نظر إليها بعينين مُتسعة وبادلته تلك النظرة للوهلة الأولى وقلبها ينتفض رعبًا.
وقف سريعًا مُتقدمًا من الباب بخطوات واسعة وفتحه ذاهبًا إلى الخارج لينطلق الصوت إليها أكثر وأوضح، ابنة عمها تنادي ببكاء حاد:
لأ يا ياسين لأ.. متسبنيش يا ياسين.
مرة أخرى بصراخ اهتز له جدران المشفى بأكملها:
ياسين.
وأخرى بعنف وحرقة قلب مغلوب على أمره، ليس معه أي سبيل سوى الصراخ على الفقيد:
ياسين راح يا عامر… ياسين راح.
صوت زوجة عمها تبكي خارج الغرفة معها بقوة وعنف!
تحاول أن تهدأ ابنتها الصارخة باهتياج.
عاد إلى الغرفة سريعًا بعد معرفة الخبر وتيقن أنها فهمت كل شيء.
وقف أمام باب الغرفة من الداخل ينظر إليها بحزن طاغي على قلبه لو لم تكن ملامحه تحكي ذلك.
بادلته النظرات الصامتة، عينيها تنزف بدلًا عن الدموع دماء.
نظراتها نحوه لم يكن يفهم ما هي بالضبط معاتبه وكأنها تقول أنت من فعل ذلك وسلبت مني كل احبائي وعائلتي، ونظرات أخرى حزينة مصدومة لا تعلم ما الذي يحدث لها مصيبة خلف الآخرى وتريد من يقف معاها بها، ونظرات أخرى لم يستطع تفسيرها ولكنها تظهر حرقة قلب بات مقتولًا بعد كثرة المحاولات لاغتياله.
تقسم أنها شعرت برجفة في قلبها لما تشرع بها يومًا، رجفة حادة قاسية مثل كل شيء حولها.
لم تخرج أي صوت ولم تبدي أي رد فعل لكل ما يحدث في وسط ذلك الصراخ الذي تستمع إليه من زوجة شقيقها في الخارج ومعها والدتها وصوت عمها الذي يعلو كل لحظة والآخر يندب الذي يحدث ثم يعود قائلًا “اللهم لا اعتراض”.
دلف إليها بقدمين ترتجف ثم جلس أمامها على الفراش وعينيه تنزف الدموع هو الآخر على ابن عمه.
أقترب منها وانحنى عليها محتضن إياها محاولًا أن يفعل أي شيء يمدها بالدعم وذلك لن يحدث على الإطلاق.
ولكن كان لها رأي آخر، فور احتضان عامر لها بدأت في البكاء الحاد بصوت عالي في أذنه، شاعرة أن قلبها سيتوقف من هذه الصدمة.
ستموت هي الأخرى لا محال.
لم يمر يومان بأكملهم يا الله.
لم يمر يومان على فقدان والديها ليتبعهم شقيقها.
إلى من تركوها هنا!
إلى من تركوا ابنتهم؟
إلى عامر؟
من تسبب في كل ذلك وخان وباع في يوم وليلة!
إلى من يا الله!
بكاء حاد من الجميع، حتى هو خرج صوته فقد وضعه في صمت تام منذ بداية الأمر عليهم، عليه الآن الخروج هو الآخر لما لا.
بكى معها في أحضانها وبادلته ذلك بحرقة قلب وقهرة لا نهاية لها، بكت بحزن طاغي وضياع وُجد في حياتها في لحظة واحدة.
ولكن لن يفيد البكاء مهما حدث، لن يفيد.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوعين
خرجت من المشفى منذ يومان، وعادت معهم إلى فيلا العائلة، أين العائلة!
لم يكن حال أحد منهم أفضل من الآخر بل كان الجميع في حالة حزن طاغية ولا نهائية.
الجميع يتشح بالسواد حتى الخادمتين بالمنزل.
الجميع يبكي بقهر كلما مروا على غرفة من غرف أحدهم.
كلما نظروا إلى صوره إليهم.
وأكثر من بكى بجوار سلمى كانت هدى بكيت لأول مرة بحياتها بحرقة مخزية وبروح مفقودة.
ومن هنا معه روح!
الجميع فقد روحه بعد هذا الحادث.
تحدثت الصفح عنهم كثيرًا وكثيرًا، عائلة القصاص تفقد ثلاثة من أفرادها في حادث سير.
منعوا التعازي وتأدية ذلك الواجب، لا يريدون أحد حتى خالها الذي كانت ستذهب إليه منعته من القدوم إليها قائلة أنها هي من ستذهب إليه فلا داعي لذلك.
لم تمر ليلة عليها إلى الآن إلا وهي باكية بقهر متذكرة كل لحظة معهم شاعرة بالمرار القادم على حياتها، كيف السبيل للتخلص من كل هذا إلا إذا ذهبت إليهم!
عقلها لا يمل من كثرة التفكير وقلبها لا يكف عن الشعور بالألم وبين هذا وذاك روحها تموت حرقة لما أصابها.
جلست في حديقة الفيلا بهدوء على المقعد أمام الطاولة، ترتدي بنطال بيتي أسود وتيشرت بنصف كم مثله من نفس اللون، ترفع جميع خصلات شعرها إلى الأعلى دون تمرد أي منهم.
تركت الهاتف على الطاولة بعد أن اكتفت من النظر إلى صور شقيقها ووالديها الذي ملئت المواقع من الأصدقاء والمعارف.
تنهدت بقوة وخرجت دمعة من عينيها فازالتها سريعًا بيدها الحرة قبل أن تبدأ في وصلة أخرى من البكاء، لم يأتي موعدها بعد.
كان يقف في شرفة غرفته يفكر بها تلك التي قاطعته بكل الطرق وابتعدت نهائيًا عنه حتى بالنظرات.
من بعد أن أتوا إلى هنا وهي لا تطيق النظر في وجهه ولا رؤية ملامحه، لا تطيق الحديث معه وتعتبره السبب الأول في حدوث كل ذلك.
من الأساس هو يشعر بالندم لا يريد أحد أن ي يضغط عليه أكثر من ذلك.
نظر إلى السماء السوداء بعينيه البُنية، أبصر نجومها الذي تشع بالضوء وذلك القمر البعيد.
أليست حياته سوداء مثل السماء هذه!
وها هي ذلك القمر يبقى النجوم فقط ليعود الأمل.
أخفض رأسه إلى الأسفل ليجدها تجلس على المقعد في حديقة الفيلا، لم يفكر كثيرًا بل استدار وذهب ليهبط إليها.
وفي لحظات كان في الأسفل يقف أمامها ثم لم يطلب منها الإذن بالجلوس وقد فعل ليبقى أمامها.
نظر إليها بعمق وطلب بهدوء:
ممكن أتكلم معاكي شوية.
أبصرت ذلك الذي جلس أمامها دون سابق إنذار ووجد من دون أن تلمحه حتى.
أظهرت الجمود على ملامحها ووقفت على قدميها مُمسكة بالهاتف الخاص بها:
لأ مش ممكن.. عن اذنك.
أمسك يدها سريعًا بيده وقد ظهر عليه الندم الشديد في هذه اللحظة ليس كالمرات السابقة يمثل عليها لتبقى:
استني يا سلمى، أرجوكي بلاش كده.. أرجوك.
نفضت يدها الحرة منه فالأخرى بقيت كما هي وجلست أمامها بوجه جامد حاد لا يشجع على الحديث من الأساس:
نعم عايز تقول ايه.
تحامل على نفسه وأقترب منها بجسده للأمام مكرمش ملامح وجهه بعتاب خالص يصبه نوحها:
عايز أقول إني ماليش ذنب في اللي حصل، ليه محملاني ذنب شيء معملتوش.
ضيقت ما بين حاجبيها باستنكار وضجر واضح له، ذمت شفتيها المُكتنزة أمامه تظهر كم هي مذهولة من حديثه ثم أردفت بنبرة حادة ساردة به كل الذي تناساه:
معملتوش؟
معملتوش إزاي؟
مين اللي خاني؟
مين اللي بجح قدام الكل؟
مين اللي وصلني لمرحلة إني مش قادرة أشوفه وعلشان كده عايزة أمشي.
مين اللي خلاني أسافر وأهلي معايا.
مش أنت مش كل دي أسباب لو مكنش كل ده حصل من البداية مكنوش راحوا.
مكنوش سابوني.
مكنوش سابوني.
لم تكن تشعر بأي شيء غريب، ما الذي من المفترض أن تشعر به، ألم؟
هو معاها دائمًا ليس جديد، حزن؟
وجد وبكثرة:
سلمى اهدي.
صرخت على حين غرة وفي لحظة طلبه منها الهدوء.
صرخة استمعت إليها المشفى بأكملها ومن بها.
صرخات تتلوها صرخات أخرى تعبر عن كم القهر والحزن الذي تمر به، تعبر عن كم الألم الذي يرافقها حتى في أسوأ لحظاتها.
تسرد بصرخاتها وحركاتها الهوجاء المسببة لها الألم مرارة الأيام عليها.
تسرد بالبكاء الحاد كم أن القسوة سهل الشعور بها.
صرخات وبكاء، تتلوى أسفل يده الذي تحاول تثبيتها، يحاول أن يقيدها!
ألا يكفيه ذلك؟
ألا يكفيه كل هذه المعاناة التي تمر بها!
لم تهدأ صرخاتها والنداء بإسم والدها ووالدتها.
لم يهدأ ذلك العويل إلا عندما سكنت فجأة أسفل يده ولم تعد شاعره بأي شيء من حولها.
سحبتها غمامة كان من المفترض أن تدلف بها مُبكرًا ولكنها تأخرت عليها.
والآن هي في مكان آخر.
❈-❈-❈
بعد أسبوع آخر
قد قررت كل شيء بالأمس، وعلمت ما الذي من المُفترض أن تفعله بعد هذه اللحظات التي مرت عليها مع الجميع هنا.
لقد فهمت وعلمت إلى أين يوجهها عقلها هذه المرة ولن تعود عما في رأسها حتى ولو كان الموت لها.
وإن كان فهذا سيكون الأفضل على الإطلاق لا تريد حياة ولا تريد زواج ولا تريد عامر لا تريد أي شيء مهما كان هو.
وقفت أمام عمها في غرفة مكتبه بملابسها السوداء كالعادة ثم هتفت بقوة وجمود قائلة واضعة يدها الاثنين خلف ظهرها:
عمي أنا هسافر.
رواية بين دروب قسوته الفصل الخامس 5 - بقلم ندا حسن
في إنتظار فصل الخريف
“في إنتظار فصل الخريف”
تفوهت بكلماتٍ بسيطة أمام أي أحد تبدو طبيعية ولكن هنا وعند عمها بالأخص لم تكن طبيعية بالمرة.
وقف على قدميه وترك مقعدة وأخذت قدميه في الإقتراب منها ببطء وهدوء ووجهه حزين للغاية وكان هذا يظهر بوضوح.
الاستماع إلى كلماته كهذه بالنسبة إليه موت آخر غير الذي تعايش معه، آخر فرد بقيٰ من رائحة شقيقه لن يتركه بهذه السهولة مهما حدث.
وقف أمامها مباشرة ونظر إليها بتلك العينين الباكية دومًا على كل شيء وهتف قائلًا بنبرة ضعيفة مُنهكة:
- ليه يا سلمى؟
أبصرت مظهره جيدًا ورأت كل ما يجب أن تراه ولكنها كانت مُقررة منذ دخولها إلى هنا لذا عليها التحلي بالقوة إلى النهاية:
- أنا من الأول كنت هسافر يا عمي ويمكن دا السبب اللي قلب حياتنا بالشكل ده.
تسائل بعينين ضيقة عليها وحاجبيه معقودان بشدة:
- ولما أنتي عارفه كده لسه بردو عايزة تسافري؟
ضغطت على يدها التي بقيت خلف ظهرها وتحلت بالصبر والقوة تاركة كل ما كان يُبكيها خلف ظهرها وأردفت:
- أنا ماليش حد هنا.. أهلي ماتوا.
أقترب منها باستنكار لحديثها الغريب عنه والذي لأول مرة يستمع إليه منها وهي الابنة المطيعة للجميع في المنزل من بداية قدومها، عنيدة ولكن ليس معهم:
- وإحنا يا سلمى؟ إحنا مش أهلك يا بنتي؟ أنا مش في مكان أبوكي اللي يرحمه.
تداركت ما تفوهت به وعلمت أنه كان خاطئ، عمها دومًا بمثابة والدها يحبها كابنته ولم يكن يريدها لـ “عامر” لأنه يخاف عليها منه:
- انتوا أهلي وكل حاجه لكن أنا عايزة أمشي.. مش قادرة أقعد هنا.
أقترب وأمسك ذراعها وجذبه ناحيته ليبقى كف يدها بين يده يضغط عليه بدعم وراحة قائلًا بنبرة واثقة ولكن مُتسائلة:
- علشان عامر؟
أخفضت عينيها إلى الأرضية وتغيرت نبرتها وأصبحت مهزوزة بعد أن ترقرقت الدموع بعينيها:
- علشان كل حاجه يا عمي.
ضغط على يدها أكثر وأعتدل يقف بشموخ ليظهر حديثه جادًا واثقًا وليكن قادر حقًا على فعل ما يتفوه به وهو كذلك ولكن ما وقع عليهم كان صعب للغاية:
- مش هخلي عامر يتعرضلك وهعرف أوقفه عند حده يا سلمى وطالما أنتي مش عايزاه محدش يقدر يغصبك على حاجه لكن بلاش تمشي..
رفعت عينيها المُتجمعة بها الدموع عليه وأردفت بخفوت:
- بس أنا….
قاطعها يذكرها بما لها:
- مابسش يا سلمى.. أنتي ناسية إن ليكي زينا هنا بالظبط في الشركات والبيت وكل حاجه نملكها.
عارضت حديثه بهدوء:
- دي مش القصة يا عمي.
انتقلت إليه عدوى البكاء ولكنه كان مُختلف عنها، جاهز تمامًا للبكاء وبقوة وقد فعلها تحت أنظارها بعد أن أصبح غير قادر على المواجهة وحده:
- عارف.. بس أنا مش عايزك تمشي.. مبقاش غيرك من ريحتهم بلاش تمشي يابنتي… كده كلكم عايزين تسيبوني لوحدي.
ربتت على كتفه بيدها الأخرى ونظرت إليه بملامح حزينة مُعاتبة إياه:
- أنت مش لوحدك، طنط عزة معاك وهدى وعامر.
سخر منها عند نطقها باسم ولده، استنكر وجوده من الأساس وقال بجدية يوضح لها ما تعرفه:
- عامر!.. أنتي عارفه إن عامر عمره ما كان قريب مني كان إبن ابوكي وهو الوحيد اللي كان بيقدر عليه من بعدك.. دلوقتي مافيش حد هيقدر عليه.
تعرف ذلك وهو كان لا يريد الإقتراب من والده بسب نزاعاتهم الدائمة وكانت هي تحاول معه بكل الطرق ليكون جواره ويستمع إليه، لقد كان الأحب إلى والدها هي:
- قرب منه أنت يا عمي يمكن ربنا يصلح حاله.
نظر إليها وهو يمسح بيده دموعه المُنهمره على وجنتيه وأقترب منها مُحتضن إياها باشتياق وحنين لأرواح من فارقوه الذي بها:
- يارب يا بنتي.. مش هتمشي مش كده؟.. خليكي معايا يا سلمى، بلاش تبقي معاهم خليكي معايا أنا.
خرجت دمعة حزينة من عينيها بعد أقتراب عمها منها بهذه الطريقة والاستماع إلى صوته المتلهف الراغب لوجودها بكل الطرق، وما كان منها ألا أن توافق على طلبه:
- حاضر يا عمي.. حاضر مش همشي.
كانت ستذهب لا محال ولم يكن هنا أي شيء لتبقى له ولكن عمها الطرف الأضعف بين الجميع رغم قوته وجبروته، رغم كل شيء يفعله ويحدث بينهم هو الأضعف الآن بين الجميع.. هو من هزمت عائلته في لمح البصر وأُخذ منه اثنين كانوا له العون والعائلة.. ستُبقى لأجله فقط، لأجل أن تسعده برؤية شقيقه بها، ولأجل أن ترى والدها به.
❈-❈-❈
أمسكت بكتاب الله وجلست على الفراش في غرفتها بعيد عن كل شيء وفرغت بعض الوقت لقراءة القرآن الكريم لكي تجد راحتها به، لكي يربط الله على قلبها وتبقى على هذا الوضع صامدة إلى النهاية.
فهي كلما مرت عليها لحظة وتذكرت بها والديها وشقيقها تبدأ وصلة بكاء مريرة تعكر صفو اليوم والأيام التالية له.
والأمر صعب تقبله، وثقيل نسيانه، ستبقى قوية بأمر الله إن بقيت هكذا، ستحاول دائمًا وأبدًا أن تكون الأقوى بين الجميع لتستقبل العاصفة التالية بحياتها القادمة.
مرة أخرى وفي منتصف النهار وجدت باب غرفتها يُفتح على مصراعيه وبكل عنف قد حدث ذلك ليظهر هو بجسده المتشنج الضخم يدلف إلى الغرفة وأغلق الباب بقوة اهتزت لها الجدران المجاورة له.
دلف يتقدم منها بهمجية وتشنج تحت أنظارها المصدومة من دخوله هذا، وقف على قدميه ثابتًا وحرك يده بتصميم وصوته حاد:
- اسمعي بقى سفر مافيش.. على جثتي يا سلمى فاهمه؟
تركت الكتاب من يدها على الفراش وأعتدلت في جلستها تنظر إليه بعينين ثابتة قوية لم يهزها حديثه بالمرة ولم يحرك بها شعرة واحدة:
- أطلع بره.
استفزه أسلوبها البارد الذي يظهر بثقة وكأنها لا تبالي بحديثه وتقول له أفعل ما شئت، أقترب منها بغيظ مُمسكًا بذراعها جاذبًا إياها لتقف أمامه:
- سامعة؟ مافيش سفر حتى لو قلبتي قرد هنا.
وضعت يدها الأخرى على كف يده المُمسك بها وازاحته عنها بقوة وحدة عنيفة، ناظرة إلى عينيه مباشرة بعينيها المختفي بريقها وأردفت بعناد وتأكيد على حديثها:
- أنا لو عايزة أمشي حالًا همشي يا عامر وأنت مش هتقدر تعمل حاجه صدقني فبلاش بقى الجو ده.
حك جانب لحيته بأظافر يده اليمنى وهو يلوي شفتيه ناظرًا إليها بقوة يردف بنبرة قاسية:
- بلاش الأسلوب الوسـ* ده معايا قولتلك مليون مرة.
بقيت على وضعها وهي تنظر إليه وكم كان يروق لها ما تفعله به، ليشعر بأقل من قليل الذي يفعله بها وأكملت بنفس العناد والبرود:
- أنا أتكلم زي ما أنا عايزة وأسلوبي بردو هيبقى زي ما أنا عايزة.
أشار إليها بيده وحاول صدقًا أن يكون هادئ ويكمل ما بدأه معها وليكن جوارها في كل وقت ولكنها تغضبه وتخرج أسوأ ما به:
- أنا مقدر اللي أنتي فيه ومش عايز ازعلك.
ابتسمت بسخرية واستهزاء ناظرة إليه من الأسفل إلى الأعلى بتقليل منه وأردفت:
- لأ زعلني، بس أنت متقدرش.
عاد للخلف خطوة وقال بجدية ونبرة ثابتة محاولة البقاء كما هي أمام حديثها المستفز البارد:
- احترمي نفسك يا سلمى وبلاش عِند.. أنتي عارفه آخرته وحشه.
رفعت كتفها للأعلى وأخفضته بلا مبالاة تامة وبعينين بريئة للغاية أظهرت مدى القوة التي بها وهي تُجيب:
- عليك مش عليا.
ومرة أخرى توضح له بعد أن جلست على الفـ ـراش في مكانها ناظرة إليه بقوة وثبات، وقد حسمت كلماتها التي ستلقيها عليه وليفهمها كما يريد:
- وعايزة أفهمك حاجه بالمناسبة، أنت مالكش حكم عليا لا في لبس ولا في خروج ولا في كلام ولا سفر ولا أي حاجه.. ومحدش هنا ليه حكم عليا حتى عمي أنا بس هستأذنه في كل حاجه ذوقيًا مني لأنه في مقام بابا الله يرحمه.
رفع حاجبيه للأعلى وأردف بلفظ بذيء في وسط حديثه:
- دا أنتي فُجرتي بقى.. طب استني يعدي على موتهم شوية وقت.
وهي التي لم تشجع قول الكلمات الدنيئة من قبل أبدًا كررتها كما قالها تحرك رأسها بالايجاب تؤكد أن ما قاله صحيح غير مبالية به:
- فُجرت آه ولسه كمان دي البداية بس.
ضيق عينيه وأقترب الخطوة التي ابتعدتها عنه مُتسائلًا بنبرة مستفهمة وعينيه عليها بدقة لتأخذ ردود فعلها وحركات وجهها:
- يعني ايه دي البداية؟
بادلته نظرته المحدقة بها قائلة بابتسامة خبيثة:
- يعني اللي فهمته أيًا كان هو ايه بقى.
مسح على وجهه وداخله كان يحاول أن يبقى على ذلك الثبات الذي هو به بعد كل هذا الحديث الذي تفوهت به والذي لو كان في وقت آخر لكان فعل كثير لا يستطيع فعله الآن:
- نقي كلامك.
- مش شغلك.
ضغط على نفسه كثيرًا وإلى هنا ولم يستطع التكملة بعد نظرتها المرهقة له والتي تدل على أنه أضعف وأبعد من أن يلقي عليها أوامر، لذا عليه أن يوضح لها بعض الأمور.
أقترب في لحظة خاطفة مُمسكًا بذراعها جاذبًا إياها إليه مرة أخرى ولكن هذه المرة ثنى ذراعها خلف ظهرها وأدارها بيده لتواجهه بظهرها مقتربًا من جانب وجهها يهتف بقوة:
- لأ شغلي.. أنتي مفكرة نفسك ايه؟ أنتي ضعيفة أضعف ما يكون واخده بالكتألمت بقوة بسبب قبضته عليها، إلى اليوم وبعد أسبوعين وأكثر تبقى آثار الحادث عليها، صاحت بقوة متألمة:
- سيب دراعي.
لم يبالي بما تقوله مثلها يرد إليها أفعالها التي تلقيها عليه وهتف في أذنها وهو على مقربة كبيرة منها بجدية وثبات:
- أنتي مهما روحتي ولا جيتي بتاعتي، مراتي غصب عنك.. فاهمة.
تركت ألام يدها القابض عليها وعادت رأسها للخلف لتقترب منه أكثر وعقبت على حديثه بتأكيد واثق حاد وكأنه تحول من أمير وفتى أحلام إلى جني يود خنقها:
- لو آخر راجل على وش الأرض مش هتجوزك يا عامر.
أكمل على حديثها الغير مُهتم به بالمرة ولا يعطي له أي أساس وكأنه لم يستمع إليه، وقال بفحيح بأذنها وهو يضغط على ذراعها ليؤلمها أكثر:
- الكلام ده مش هياكل معايا، أنا هسيبك بمزاجي، سنة، اتنين، انشلا حتى عشرة المهم في الآخر خليكي عارفه مش هتروحي غير ليا.
عاندته مرة أخرى وصرخت بقوة قائلة:
- مش هيحصل.
وكأن حبه إليها توصل إلى مرحلة الجنون حقًا، منذ الصغر يحبها وهي تبادلة وكلما قال نتزوج وأقترب ميعاد الزواج تختلق شيء ليؤجل، بعد كل ما حدث بحياته وبعد أن تركت أثرها على أنها زوجته وله لن يتركها مهما حدث:
- أنا بحبك ومجنون بحبك ومش هسيبك إلا بموتي، مش بموتك لأ بموتي أنا في الحالة دي بس تقدري تكوني حرة وتشوفي غيري.
أغمضت عينيها للحظة بعد كلماته التي تجعلها تشعر بالخوف والرهبة منه، وما يستطيع فعله كثير ولكنها تكذب على نفسها وعليه وتظهر القوة الهشة بداخلها:
- أنت بتكرهني فيك أكتر.
ضغط على كلماته هذه المرة موضحًا إياها وهو يدرك جيدًا أنها مازالت تحبه:
- كدابة، بتحبيني وهتفضلي تحبيني لآخر يوم في عمرك.. اللي بينا مش قليل علشان يتنسي بالسرعة دي.
عقبت على كلماته الغبية التي توقعها دائمًا مُردفة بقوة وكأن ما تقوله حدث بالفعل وقد تناست كل شيء كان بينهم بيوم من الأيام:
- اللي بينا نسيته في لحظة زي ما أهلي راحوا في لحظة بسببك.
ضغط على ذراعها بيده بقوة كبيرة مُتعمدًا ليؤلمها أكثر من السابق وصاح في أذنها بقوة نافيًا ما تقول:
- مش بسببي.. مش بسببي أفهمي.
أغمضت عينيها بقوة تعتصرهما بسبب الألم الذي يعصف بذراعها وصاحت تاركة كل ما تحدثوا به:
- سيب دراعي.
لم يستمع إليها ولم يعطي لحديثها أهمية وضغط على ذراعها أكثر كما يضغط على حديثه الآن الذي يخرج من داخله بغضب جُلي بسبب عنادها:
- أفهمي إن عمك مش هيقدر يعمل حاجه معايا أنتي أكتر واحدة عارفه كده وأكتر واحدة عرفاني، أنتي ليا مهما حصل وأنا وأنتي والزمن طويل مافيش طرف تالت بينا يا سلمى.
أردفت بنبرة خافتة مُرهقة، ظهر عليها الألم حقًا وتركت ما قاله ولم تعلق عليه كما كانت تفعل:
- دراعي واجعني.
تركها دافعًا إياها للأمام بعنف، تقدمت لأ إراديًا بجسدها من الحائط فاستندت بيدها الاثنين عليه حتى لا تصطدم به واستدارت تنظر إليه بذهول وصدمة حقيقة، تمسكت بذراعها الذي ألمها كثيرًا ومازالت عينيها عليه لا تصدق أنه هتف بكل هذا الحديث وفعل معها هكذا!
تركها في صدمتها تلك ولم يعطي إليها أي ردة فعل على ما تشعر به، بل أبتعد ليخرج من الغرفة ولكنه وقف في منتصف الطريق واستدار إليها قائلًا بجدية:
- أنا عملت كل اللي عليا، قربت منك بكل الطرق ووقفت جنبك في الفترة اللي فاتت مع إني أخدت كلام يسم البدن بس قولت معلش كمل للآخراحتدت نظرت عينيه عليها وتحولت للون الأسود وأكمل بجدية قاسية عليها مُهددة بذلك الحديث:
- لكن أكتر من كده مافيش ولو فضلتي على وضعك أنا مش هفضل على وضعي لأ أنا هتحول للأسوا ومظنش إنك هتقدري تستحملي ده.
ومرة أخرى بنبرة أخرى تمامًا خافتة هادئة معاتبة إياها:
- مكنتش متخيل أن أقرب حد ليا يعمل معايا كده.
فتحت عينيها الواسعة بقوة أكبر مما هي عليه وأبتعدت مقتربة منه خطوة تتحدث بثبات وتأكيد مُشيرة إلى نفسها بقوة:
- أنت هتعيش دور الضحية؟ لأ يا عامر مش هسمحلك أنا اللي اتخانت وأنا اللي اتغفلت واتغدر بيا منك وبسببك خسرت كل حاجه.
أجاب بقوة هو الآخر موضحًا لها ما قاله سابقًا ولكنه هذه المرة أضاف شيئًا لم يكن يجب عليه قوله:
- أنا مغدرتش بيكي ولا خونتك أنا كنت شارب وزي زي كل الناس قاعد مع واحدة… مجبتنيش من السرير أنتي علشان تعملي هوليلة ولو جيتي للحق بقى أهلك ماتوا بسبب عنادك أنتي مش بسببي أنا.
أشارت إلى نفسها مرة أخرى بذهول وصدمة احتلت كيانها فحديثه يجعلها تفقد كامل عقلها ولا تستطيع التفكير بعده:
- بسببي أنا؟
أكد سؤالها وهو يحرك يده بقوة أمامها يقف شامخًا يهتف بنبرة حادة قاسية عليها:
- آه بسببك أنتي.. أنتي اللي اصريتي تسافري وتبعدي عن الكل مع إني حاولت معاكي كتير مرة في الخفا وعشرين في العلن وأنتي مصممة زي ما تكوني صدقت.
تسائلت بنبرة أصبحت مذهولة غير مُدركة ما الذي يحدث وما الذي يجب أن تقوله وعلى الرغم من أنها تعرف إجابة سؤالها ولكنها تسائلت:
- أفضل معاك بعد كل ده؟
مسح على رأسه بكف يده وأشار بيده بعد أن اخفضها من على رأسه يتسائل بسخرية واستنكار مُتهكم عليها ويُجيب في نفس الوقت على نفسه غير مقدر لما تمر به الآن وسابقًا:
- كل ده اللي هو ايه؟.. علشان كلمت واحدة ولا اتنين؟ كل ده كلام وفي الوقت ده أنتي بتبقى مانعة أي قرب بينا حصل ولا محصلش؟ ولا قصدك إني عصبي حبتين؟ قولي متتكسفيش كل ده اللي هو ايه؟ ماهو مافيش واحد ولا واحدة كاملين.
أكملت جملته بنفس الإصرار الذي عليه ولم يحرك حديثه أي عضو بها:
- ولا في واحدة تكمل مع واحد خاين.
ابتسم بسخرية وأردف مُجيبًا باستهزاء:
- مع إني مش معتبر دي خيانة بس فيه.. فيه كتير بيكملوا مع خاينين.
نظر إليها للحظات دون الحديث، وفي تلك اللحظات تذكر أنها الوحيدة التي كانت تفهمه من نظرة عين، تعلم ما الذي يريده قبل أن يتحدث، تعلم ما الذي يريد الاستماع إليه في كل وقت مُختلف عن الآخر، وعلى الرغم من أنهم الاثنين يتمتعون بصفات لا تطابق مع بعضها إلا أن رابط الحب كان بينهم أقوى من أي شيء.
تفوه بصوت خافت ناظرًا إليها بعينين باهتة حزينة على كل شيء معاتبًا إياها لفراقها له على الرغم من أنها تعلم أنه ليس له غيرها:
- الغريب في الموضوع إنك الوحيدة اللي ليا.. إنك الجزء الحلو وأكتر حد يعرفني وأول حد بجري عليه.. الغريب إنك ببساطة عايزة تسيبيني.
لم تصدق حديثه بالمرة، لم تصدق أنه يرى نفسه بريء إلى هذه الدرجة، كيف له أن يكون هكذا؟
كيف له حقًا أن يسلب حقها في الإبتعاد والحزن على ما فعله وينسبه إليه؟
ابتسمت بسخرية واستنكار قائلة:
- الغريب بجد إنك بجح.. أطلع بره.
نظر إليها للحظة فقط ثم فعل ما أرادت وخرج من الغرفة دون التفوه بحرف واحدًا تاركًا إياها وحدها في الداخل تعيد ترتيب كلماته جميعها من جديد.
لتحاول فهم كيف له أن يأخذ دورها ويحزن هو من أفعالها التي لا تعلم ما هي من الأساس، هي كل ما تعمله أنه فعل شيء وهي قابلته برد الفعل له والمناسب لها.
❈-❈-❈
حضرت إليها صديقتها “إيناس” في المنزل كالعادة في الآونة الأخيرة، كانت تتردد عليها كثيرًا بعد ما تعرضت إليه وبقيت وحدها، لم تكن تفعلها سابقًا بل كانت تتقابل معها خارج المنزل في المطاعم والمقاهي لأنها تعلم أن “عامر” لا يطيق النظر إليها وهي تبادله نفس الشيء.
كما يقولون من القلب للقلب.
جلست معها خارج الفيلا في الحديقة بعيدة عن أعينه بعد أن علمت أنه بالداخل، تُرى لما الأسد داخله بقيٰ صامتًا بعد فعلتها!
على كل حال هذا لا يهم، الآن هي توجد لأجل صديقتها، لأجل أن تقف جوارها في محنتها الصعبة، وتحاول معها أن تتجاوزها وتمر إلى منطقة أخرى غير تلك الحزينة التي وقعت بها وهذا ما كان أمام الجميع.
وما بالداخل سواد لأ حياة بعده.
لا تعلم أن الحزن بقلبها قد حفر مكانه وإن كانت تبتسم وتتظاهر بأن الأمر مضى، لم ولن يمضي فهي لم تخسر شيء ليس له قيمة، ولم تخسر فرد من عائلتها الحبيبة، بل خسرت الجميع كقائد دلف حرب بجيشه كله وخرج هو وحيدًا.
وضعت كف يدها على يد الأخرى تضغط عليها وكأنها تمدها بالدعم راسمة أمامها شعور القلق والأمان بذات الوقت:
- المهم تكوني كويسة يا سلمى.
حركت الأخرى رأسها من الأعلى إلى الأسفل باستهزاء هاكمة وهي تقول:
- كويسة آه.
ضغطت الأخرى على يدها أكثر مضيقة عينيها عليها ثم أعادت كل الحديث الذي قالته سابقًا كثيرًا من المرات:
- دا قضاء ربنا وقدره أنتي مش محتاجه أننا نفضل نقولك كده، أنتي عارفه كل حاجه وفاهمه ربنا بس بيسبب الأسباب.
الإستماع إلى هذا الحديث سهل وقوله سهل، لكن الشعور به أصعب ما يكون، الجميع يكرر هذه الكلمات على مسامعها يظنون أنها لا تدري بالأمر!
الشعور بالوحدة والألم كثيرًا عليها وتتحمله بصعوبة بالغة والألم داخل قلبها وليس مكان آخر:
- ونعم بالله، أنا راضية.. راضية بقضاء ربنا.
ابتسمت إليها “إيناس” بهدوء قائلة بنبرة متعقلة:
- أيوه كده يا حبيبتي.
سحبت يدها من عليها ثم نظرت إليها بدقة كبيرة قبل النطق بهذا السؤال الهام لها وبشدة:
- هو محاولش معاكي تاني؟
عادت “سلمى” للخلف تستند على ظهر المقعد، رفعت يدها تزيح خصلات شعرها للخلف صائحة بضيق وانزعاج:
- شيلينا من سيرته بالله عليكي يا إيناس مش ناقصة وجع قلب.
تعلم أن الحديث في هذا الأمر يزعج صديقتها ولكنها لن تصمت، تصر على معرفة كل شيء كما كانت معها في السابق، تصر على معرفة ما يدور بينها وبينه، ذلك الأحمق الغبي:
- معلش أنا مقدره اللي أنتي فيه بس أنتي بردو لازم تاخدي قرار في حكايتك معاه.. وبصراحة كده أنا مش فاهمه أنتي إزاي مش هتكملي وتفضلي معاه في نفس البيت.
أجابتها الأخرى بقوة موضحة موقفها وقرارها الذي اتخذته أمام الجميع:
- أنا أخدت القرار ومش هكمل معاه وده شيء مفروغ منه أما إني أقعد هنا فأنتي عارفة عمي رفض سفري هروح فين يعني وبعدين ده بيتي بردوهنا بدأت ملامح وجهها تتغير من الهدوء إلى الضيق ثم في لحظة إلى الشفقة الخالصة، أخفضت وجهها إلى الأرضية ثم بنبرة خافتة وملامح بريئة بدأت بدس السم في حديثها المعسول:
- أنتي عارفه إني مش بعرف اخبي حاجه بس قعدتك هنا مع عامر في نفس البيت غلط.. ده مجنون ومتهور وممكن يعملك أي حاجه علشان توافقي ترجعيله.
رفعت عينيها في لحظة خاطفة على ملامح وجه صديقتها، لم تكن تفهم ما الذي تريد أن تتوصل إليه بهذا الحديث، إنها معه منذ زمن بعيد وهي تعرف هذا لما الآن قد يتهور معها؟
- قصدك ايه؟
رفعت عينيها هي الأخرى تقابلها بقوة وجدية كبيرة ملقية عليها الأكثر من حديثها السابقة الذي ربما يجعلها تبتعد عنه إلى الأبد:
- أنتي فاهمه قصدي عامر مش سهل يا سلمى هو آه ممكن يكون بيحبك بس الحب مش بيضعفه زي بقيت الناس ده قوي طول عمره ومهما كان ايه اللي هو عايزة بيعمله.
نفت “سلمى” حديثها بقوة وضيق كبير ظهر على ملامحها، أنها أكثر من يعرفه، تعرف كيف يفكر وكيف يكون، ربما هو قاسي، عنيف، هددها بذلك سابقًا ولكن قلبه لن يجعله يفعل هذا:
- عامر مش كده أبدًا.
ضحكت الأخرى بسخرية واستهزاء مُجيبة إياها بقوة وهي تُصر على حديثها الذي من المفترض أن هذا ليس ميعاده:
- أنتي بتكدبي عليا ولا على نفسك.. أنتي كنتي كل يوم في خناقة معاه.
فوت بالكلمات من بين شفتيها بضيق وهي تعود بخصلاتها للخلف مرة أخرى:
- إيناس أقفلي السيرة دي.
لوت شفتيها بتهكم وأردفت قائلة بلا مبالاة:
- براحتك بس أنا صاحبتك وكان لازم أحذرك أنتي دلوقتي لوحدك قصاده.
نظرت إلى البوابة الداخلية للفيلا عندما شعرت بوجوده، رأته خرج منها يسير في الحديقة متقدمًا من سيارته شامخ ثابت وكأنه لا يهتز أبدًا.
استدار بوجهه في سيره ونظر إليهم وكل منهن كان لها النظرة الخاصة بها، نظرة لحبيبته خاصة جدًا بينهم تحكي الكثير والكثير وداخلها مشاعر مدفونة تريد التحرير ولو توافق هي على ذلك لكان أسعد رجل في الحياة.
ونظرة أخرى إلى عدوة حبيبته وعدوته قبلها، يعلم أنها لا تكنُ الحب إلى “سلمى” ولو بذرة واحدة، يعلم أنها تبغضها كثيرًا وقد حذرها ولكنها توفي إليها بكل الحب القابع داخلها تجاه رابط الصداقة بينهم.
نظرته إليها كانت كريهة بغيضة، عينين حادة قاسية تُلقي عليها السلام من خلال الصمت القابع داخله، ولم يكن سلام عادي بل كان سلام بالشر.
وزعت “سلمى” نظراتها عليهم هم الاثنين، وجدته يبادلها نظرات الكره والغضب وهي الأخرى مثله تمامًا، عينيها قاسية عليه تنظر إليه بحدة ولم تخفضهما كما كانت تفعل دائمًا.
لما يتبادلون هذه النظرات القاسية؟.. لما هي لا تحبه وهو يبادلها نفس الشعور؟
دلف السيارة وأبعد نظره عنهم ثم خرج من الفيلا بأكملها، عادت هي بنظراتها المُستفهمة إلى “إيناس” وكأنها تتسائل بعينيها عما يدور بينهم ولكن الأخرى قابلتها بسؤال بعيد عن كل شيء وللحق كانت على علم بتساؤلات “سلمى” المرتسمة بعينيها:
- هي فين هدى؟ لسه بردو حابسة نفسها؟
فعلت المثل وتركت كل ما كانت تفكر به على جانب وأجابتها:
- لأ بقت كويسة دلوقتي هي فوق.
وقفت على قدميها مقترحة:
- طب تعالي نطلعلها.
أومأت إليها ووقفت من بعدها هي الأخرى ثم بدأت في السير متجهة إلى داخل الفيلا، السير واحد والإتجاه واحد، العقل هنا به الكثير من البراءة والآخر به الكثير من الخبث.
❈-❈-❈
بعد كل ما مر عليهم، وبعد ذلك الوقت الذي حاول الجميع فيه الشفاء مما حدث، لم يتغاضى والده عن حديثه الذي ألقاه عليهم في يوم الحادث، يوم أن وقعت تلك المصيبة الكبيرة على رؤوسهم، قبل خروجه من المنزل قد هدد أنه لن يتركها ترحل مهما كلفه الأمر، لن يتركها تعبر الحدود وتمر إلى بلد أخرى وبدى واثقًا من حديثه للغاية وكأنه مُرتبًا له سابقًا.
لم يتغاضى عن نظرة عينيه ولغة جسده الواضحة المُحددة لموقفها والثابتة على رأيها، لقد ظهر جيدًا في ذلك الوقت كالنمر الهائج الذي خرج عن صمته في غابة الظلم.
والآن قبع الشك داخل قلب والده وهو يتذكر كل حركة صدرت عنه في تلك اللحظات التي مر عليها أيام وليالي، كلما تذكره في ناحية قابلته الناحية الأخرى بشك مميت يود لو يقتله، فلن يرحب بفكرة أن ابنه الوحيد هو من قام بتدبير ذلك الحادث لعمه وعائلته.. فقط لأجل ابنته!
وقف أمام عيني والده شامخًا، واضعًا يده الاثنين في جيوب بنطاله الكلاسيكي الأنيق الذي يعلوه قميص أبيض يختفي داخل البنطال، رافعًا أكمامه إلى منتصف ذراعيه لتظهر عروق يده البارزة بقوة.
جسده ثابت شامخ أمام نظرات والده وعينيه البُنية تلمع في تلك الإضاءة العالية مثبت أبصاره عليه ولم يتزحزح عنه.
استدعاه والده وقد أتى إلى هنا في مكتبه ليقف أمامه مُنتظر أن يقول ما الذي يريده منه!
بقيٰ الآخر جالسًا على مقعده خلف مكتبه واحتدت نظراته فقط عند ولوج ابنه عليه غرفة المكتب وقد لاحظ “عامر” ذلك الشيء ولكنه لم يعطيه أدنى إهتمام لانه يعرف طباع والده وصفاته معه.
مسح والده على وجهه بكفي يده الاثنين ثم زفر بقوة ورفع رأسه إلى ابنه ينظر عليه بثبات ليرى تعابير وجهه:
- أنت هددت قبل ما تمشي في اليوم إياه إن سلمى مش هتطلع من البلد مش كده؟
بقيٰ الآخر على وضعه ولم يحاول فهم ما الذي يريده والده من سؤال كهذا قد مر ومضى وأخلف من بعده كثير من النتائج الموجعة للقلوب:
- حصل.
أتى سؤال والده هذه المرة حاد قوي واثق، عينيه احتدت أكثر وأكثر عليه وهو يلقي بتلك الكلمات:
- أنت اللي دبرت الحادثة؟
ألمه ضميره لما حدث حقًا، وشعر للحظات أنه كان السبب في ذلك ولكن ليس بهذه الطريقة المُرة!
أخرج يده من جيوب بنطاله واعتدل في وقفته متقدمًا يسير على قدميه إلى ناحية والده وقد ظهرت ملامح الصدمة والذهول على وجهه:
- أنت بتقول ايه؟
وقف والده على قدميه وأبعد المقعد من خلفه، أبصر ولده بعينين حادة وقاسية ضاغطًا على نفسه أكثر لكي يكمل ما بدأه وليعرف هل لشكه مكان بينهم؟
- بقول اللي سمعته.. أنت هددت أنها مش هتطلع من البلد وكنت واثق أوي ومشيت وسبتنا، كنت هتوقفها إزاي؟ قولي كنت هتوقفها إزاي إلا بالطريقة دي! الحادثة دي مكنتش صدفة ولا قضاء وقدر الحادثة دي كانت متدبرة راح فيها أخويا ومراته وابنه اللي هو جوز بنتي.. راح فيها عيلتي وأنت السبب.
لم يأخذ “عامر” الوقت الكافي ليفكر في هذا الحديث القاسي المُعذب لقلبه، بل صرخ بصوتٍ عالٍ في وجهه وهو يتقدم أكثر ليقف أمام المكتب مباشرة وليكن هو الفاصل بينهم:
- أنا مش مستغرب إنك تفكر فيا بالشكل ده، وآه أنا أعمل أي حاجه تخطر على بالك مش هكدب ولا هبرر حتى لو كنت معملتهاش.. لكن تيجي عند عمي اللي هو كان أب ليا قبل منك فده مستحيل، ياسين كان أخويا وعمي أحمد كان أبويا قبلك ومتنساش إن سلمى كانت معاهم في العربية يعني لو عايز أموتهم مش هعمل كده وهي معاهم.
عاد للخلف قليلًا ومازال ناظرًا إليه ولكن بعينين أصبحت ضعيفة مُنكسرة، مهزومة في واقعها، لمعتها أصبحت باهتة للغاية وهزم جسده ومال للأمام منحنيًا عليه، وبصوت أصبح خافتًا أردف:
- كنت متوقع أي حاجه منك… إلا ديا.
استدار بجسد متشنج ووجه عابس للغاية ليذهب من هنا، لم يكن مُتوقع أبدًا أن والده يفكر به بهذه الطريقة وبهذا الشكل المُغزي، لقد فعل كثير من الأشياء الخاطئة وأزداد في المعصية وأبتعد عن الله وأصبح لا حاكم له من هذه العائلة ولكن أن يقتلهم!
يقتل عائلته! يقتل عمه الذي كان له الأب الأول! يقتل زوجته وأمه الثانية أم يقتل شقيقه وزوج شقيقته!
من يقتل منهم! والمضحك حقًا ومثير للسخرية أن حبيبته ومن فعل لأجلها كل هذا كانت معهم!
ربما كان يريد قتلها هي!
كيف له أن يكون هكذا؟
كيف له أن يفكر به بهذه الطريقة وكيف استطاع أن يواجهه بهذا الحديث القاسي الذي هشم قلبه.
إلى هذه الدرجة يراه بشع ودنيء!
يراه مُجرم!
لقد كانت هذه العائلة هي صاحبة السعادة في فيلا مسكونة بالأشباح كوالده، يدفن السعادة بيده!
خرج من الغرفة وهو غاضب وبشدة، قلبه وعقله وكل ما به كان على حافة الهاوية بسبب حديث ليس له أي أساس من الصحة ويالا حظه الرائع في كل مرة.
كانت هناك من تقف خلف الباب بعد أن جذبها الحديث الدائر في الداخل، أخفت نفسها عندما شعرت بخروجه من الغرفة وبقيت صامتة تهبط الدموع من عينيها بغزارة والصمت على ملامحها بينما داخلها براكين ثائرة تنوح بالداخل عن ما فعله.
أيعقل أن يكون هو من قتل عائلتهم!
هو من قتل “ياسين”!
لم يشعر بالشفقة لأجل شقيقته!
لم يشعر بالشفقة لأجلها أبدًا!
أخذها من زوجها وجعلها أرملة في سن صغير كهذا!
كل هذا لأجل حبيبته!
هو المخطئ، هي لم تفعل شيء إلا ما كان عليها فعله منذ الكثير ولكنها كانت تغفر له في كل مرة وتعظم الحب الذي بينهم على حساب نفسها وسعادتها.
هو من كان السبب الرئيسي في كل ذلك!
هل قتلهم حقًا!
شك والده به لم يأتي من فراغ مؤكد هناك شيء يعلمه لذا قبع الشك داخله عن أنه من فعلها.
وضعت يدها على شفتيها تكتم بكائها الحاد وآلامها الذي خرجت مرة أخرى بعد أن قاربت على البدء في مرحلة الشفاء من مغادرة الحبيب والمحبوب لها.
رواية بين دروب قسوته الفصل السادس 6 - بقلم ندا حسن
كانت كل هذه ذكريات مشوهة مر عليها عامين من الزمن، كانت كل هذه ذكريات حزينة للغاية جعلت القلوب ترتعش حزنًا وتبكي انهيارًا وألمًا، من بين هذه الذكريات لحظة أو اثنين تبدو السعادة بها.. كانت أقل من القليل!..
عامين مضوا على تلك المصيبة التي وقعت على عاتقها وأخلفت كل هذه النتائج البشعة التي جعلت الجميع في منزلهم يفقد رفيق وحبيب وشقيق وصديق..
عامين لم ينسوا بهم هذا الألم وتلك المعاناة، عامين كاملين كل يوم تمر عليهم ذكرى من داخلهم لتعود بهم إلى نقطة الصفر.. وبداية السطر..
الآن نحن في أرض الواقع والحدث الأعظم بعد تخطي الجميع لما حدث وعادت الحياة لهم، بعيدًا عن هذه الذكريات القهرية، المُسببة للألم أكثر وأكثر..
تخطت “سلمى” فاجعة موت عائلتها ورحيلهم من الحياة بعد وقت ليس بقصير أبدًا، لم يمر عليها يوم بعد رحيلهم إلى أكثر من ثلاثة أشهر إلا وهي تبكي كل ليلة في غرفتها مُستحضرة نفسها أمامها لتجلدها على فعلتها بعدما قال لها أنها السبب الوحيد في موتهم..
ترى كل يوم نفسها وهي وحيدة بينهم، ترى نفسها وهي تقف أمامه دون سند يحميها وظهر تحتمي به كوالدها وشقيقها، لا تخاف منه ولن تخاف، تعلم أن مهما حدث بينهم هو لن يؤذيها ولكن الوضح صعب للغاية..
كانت مع عائلة كبيرة، أحباب وأصدقاء، سند وعون لها ثم دون أي مقدمات بقيت وحيدة هكذا!.. وحيدة تضل جميع الطرق ولا تعرف أين المُستقر..
أخذت فترة كبيرة لكي تعود كما كانت في السابق “سلمى” ومن يعرفها، ولكن ذلك كان واجهة وقناع مرسوم بدقة عليها والجميع يعرف أنهم مازالوا على وضعهم ولن تعود الحياة أو الوجوه كما كانت..
رسمت الجدية على ملامحها لمن يستحق، وأظهرت الابتسامة لمن تريد وعادت مرة أخرى تلك الفتاة صاحبة المواصفات الغريبة المختلفة مع بعضها مثله ولكن تعرف كيف تكون هذا وذاك في كل وقت وموقف..
بالنسبة إلى “عامر” وحبها له، وبكل فخر وقوة تعترف أنها إلى اليوم تحبه!.. تحبه وتفعل أكثر شيء من الممكن أن يكون خطأ، تهواه، قلبها لا يريد نسيانه!.. عقلها تأمر مع قلبها وبقيٰ عنده ووقف عليه عندما قررت أن ترى غيره.. ليس على القلب سلطان، ليس على القلب سلطان..
إن تحدثت عن حبها له لن يكفي الحديث مهما قالت، لن تكفي المشاعر لوصف ما بينهم وما تشعر به ناحيته، لن يكفي أي شيء عندما تتحدث عنه ولكن تعرف كيف تتحكم في كل ذلك!.. وإلى اليوم لم تعود له ولن تعود وليحترق قلبها وعقلها وروحها إن أرادت هذا.. ليحترق كل شيء، لن تعود لخائن، لقاتل، لن تعود لشخص جعلها طوال الفترة الماضية تفكر كيف كانت السبب في موت عائلتها!.. كان “عامر” بالنسبة إليها يمثل مقولة “ومن الحب ما قتل”
لم يكن مرور عامين على حياته وهي هكذا شيء كبير، كل ما في الأمر أن هناك أشخاص اختفت منها فقط!.. كعمه الداعم الأكبر له، ابن عمه رفيق الطريق وصديق المحن، و.. حبيبته ومن كانت زوجة المستقبل..
بقيٰ على ذلك النزاع مع والده، وكبرت الفجوة بينهم أكثر وأكثر منذ آخر لقاء حدث وتم اتهامه فيه بأنه من قتل عمه وأسرته، للحقيقة لم تكن علاقاته جيدة مع أي أحد سوى والدته، والده لم ولن يحدث هذا، حبيبته وقد ابتعدت منذ لحظة خيانته لها والتي إلى الآن لا يعتبرها خيانة ولن يعتبرها مهما حدث لأنها لم تكن كذلك.. وآخر شخص بقيٰ في هذه العائلة شقيقته، الذي استحقرته أكثر من السابق وابتعدت عنه بطريقة غريبة وكأنها لا تعرفه والحديث بينهم قليل وأقل منه..
لا يهمه أي من هذا، إنه عاد إلى نقطة الصفر حقًا، يعمل، يعود من العمل إلى المنزل يبدل ملابسه ويخرج ليكون متواجد في إحدى الملاهي الليلية كما كان يفعل دائمًا أو يعود من العمل لينام!.. أتجه إلى التدخين المدمر للصحة وادمنه كالكحول وكل ما يحدث في حياته يكتمه داخله ولا يخرجه لأي شخص كان ولا حتى يفكر به!.. الوحيدة التي كانت تستمع إليه في كل وقت وحين تركته وحده وتخلت عنه..
كانت تعلم أنه لا يوجد لديه أحد سواها، لا يثق بسواها، ولا يتحدث مع أحد سواها، كانت له كل شيء، حبيبته ابنته، وزوجته، اعتبرها زوجته حتى من قبل أن يحدث هذا لأنه رأى بها سنده وقوته، ضعفه وحبه وكلما نظر إلى عينيها رأى نفسه بوضوح..
أصبح وحيدًا وكل ما يحدث بحياته ليس له أي قيمة من بعدها، حبه إليها كان حب جنوني، قاتل وسام، وإلى الآن هو كذلك ولم يقل عن السابق ولو ذرة واحدة بل ازداد.. ازداد كثيرًا وأصبح يهواها ويشتهي وجودها معه وبحياته بشدة..
تركه لها العامين الماضيين لا يعني أنه تركها إلى الأبد وتستطيع أن تفعل ما تشاء، أبدًا فهي قد كتبت على اسمه وأصبحت له وملكه ومملكته منذ أول يوم وقعت عينيها عليها وهي على دراية بحبها..
تركها تفعل ما يحلو لها، تبتعد كما تريد وتقترب متى تشاء في النهاية مهما حدث لن تكون لأحد غيره ولن تمر على غيره من الرجال، وإن اضطر لفعلها بالقوة ستحدث، بالخبث ستحدث.. مهما كانت طريقة حصوله عليها سيفعلها.. مهما هبط بمستواه ستكون له ومعه..
لن يضيع ذلك الحب ولن يترك عمره الذي كان معها يسرق بهذه الطريقة، لن يراها مع أحد غيره وقلبه ينبض بحبها.. لن يكن الرجل المسالم الذي يتخلى عن ما هو ملكه ليظهر بصورة جيده وليكن متحضر.. لن يفعلها ولن يكن ذلك الرجل..
هو ذلك العنيف القاسي، الحاد المتهور، وسيبقى هكذا إلى موته، إلى فناء اسمه من الحياة أو إلى عودتها إليه بكامل رغبتها!.. وهذا لن يحدث
في ذلك الوقت وبينما يمر على الجميع بقصص مختلفة عن الماضي، أغلقت شقيقته على قلبها الباب بقفل محكوم وألقت مفتاحه في قاع المحيط كي لا تعرف كيف تفتحه مرة أخرى من بعد حبيب عمرها وزو’جها الراحل “ياسين”..
هناك الكثير من الذئاب الذي حاولت النيل من هذا القلب وهو مغلق وبطرق غير مشروعة ولكنها كانت الاقوى على الرغم من الهشاشة البادية عليها وحافظت على ما تبقى لها منه..
حافظت على أنقى حب وأجمل ذكريات قد تمر على شخص ما في حياته..
ومنذ آخر مرة تقابلت مع شقيقها في موقف لا يُحسد عليه وهي تجتنبه إلى أبعد حد، بعد أن كانت تراه رجل يُصاحب ما يهواه على حساب الجميع رأته رجل منحط هوى إلى قاع مستوى الدنائة.. هبط إلى أسفل من هذا المستوى بكثير..
أضاع كل الاحترام الذي كان باقي له عندها، وأشعل الكـ ـره في قلبها ناحيته، أصبح شقيق فقط، الاسم الذي تحمله هو يحمله أكثر من ذلك لن توجد أن بحث عن “عامر القصاص” في حياة شقيقته..
ولم تكن تعلم أنه برئ وضعيف للغاية، هش كما النساء وقلبه يرق في لحظة ضعف له، لم ترى إلا القسوة والعنف منه ولم تحاول هي أو أي شخص في هذا البيت أن يرى غيرهما.. إلا هي! تعلم كل ما به.. وترى الضعف خلف قسوته لذلك كانت دائمًا “سلمى” هي مفتاح لـ “عامر”…
كما فعل معه والده بالضبط، لم يحاول ولو مرة واحدة أن يكتسبه إلى صفه، كانت العلاقة مع ابنه في البداية ليست كهذه أبدًا، كعلاقته بعمه “أحمد” يحبه ويستمع إليه ويأخذ بنصائحه، ولكن عندما كبر “عامر” وأصبح له وضعه بينهم، تحول إلى شخص آخر يشرب دون حساب ويسهر كما يريد، حاول معه والده ولكنه لم يعود فذهبت بينهم العلاقة إلى طريق لم يحبه أحد منهم وأصبح الجفاء سيدها..
يقف له والده على خطأ واحد ليجعله يرى أن نظرته به بعد تحوله صحيحه وهو لا يحب خوض نقاش معه ويبتعد عن أي شيء يأخذه إلى هذا الطريق..
الشفاء من جروح كهذه تأخذ وقت كبير جدًا للتعافي منها!..لو كان والده بقيٰ معه بحنانه وحاول أكثر من المرات العشر والعشرون لم يكن “عامر” هنا اليوم.. إنه مل من نصيحته بلين وأتجه إلى القوة ونظرية أنا على الصواب وأنت دائمًا خطأ ومن هنا كانت البداية السيئة لهم..
ولم تكن والدته لها أي دخل في كل هذا منذ البداية إلى نهايته، كانت على الوضع الصامت وحركة الايماءة إلى والده والتي تدل على الإيجاب في كل شيء موجود.. له هو فقط
عاد والده إلى وضعه معه كما كان بعد رحيل عمه، الذي كان الوصلة بينهم وعصا النجاة بالنسبة إلى “عامر”، وبقيٰ هو الآخر على وضعه ولم يفكر حتى في التغير لتسير مركبهم سويًا..
❈-❈-❈
وقفت أعلى درجات السلم، تنظر إلى الأسفل إن كانوا أنهوا فطورهم أم لا، ويبدو أنه لا، هبطت الدرج بهدوء وثبات، مرتدية حُلة كلاسيكية بيضاء اللون، تاركة لخصلات شعرها العنان والتي أصبحت قصيرة للغاية عما كانت، لقد تغير مظهرها تمامًا بعد أن بدلت لون خصلاتها من البُنبة المالخطة للذهبي إلى الأسود المختلط مع البُني، وقامت أيضًا بتقصيره عما كان حيث أنه أصبح طوله إلى كتفيها بالضبط، وغيرت قصته التي كانت تجعل الخصلات القصيرة تهبط على جبهتها، الآن يختلف تمامًا وتظهر في صورة امرأة مرموقة بهذه الملابس..
عينيها واسعة كما هي ترسمها بدقة تظهرها فاتنة للغاية، شفتيها مازالت مُكتنزة تبادل وجنتيها الدلال الذي تتمتع به.. ويا له من مغري لشخص يعرفه الجميع..
كانت مُرتدية حذاء أسود لامع ذو كعب عالي يصدر صوت هبوطها على درج السلم وكان هو في الداخل يستمع إليه وينتظر قدومها بينما يقلب في طعامه..
دلفت إلى داخل الغرفة، لتجد عمها كما المعتاد يترأس الطاولة، بجواره على الناحية اليمنى زوجته، وعلى الناحية اليسرى ولده..
ألقت عليهم تحية الصباح أثناء تقدمها إلى مقعدها بجوار زوجة عمها:
-صباح الخير
بادلها عمها وزوجته التحية بابتسامة جميلة من وجوههم الطيبة بالنسبة إليها، وبقيٰ هو صامت كالمعتاد، لا يتحدث ولا يُجيب عليها تحية الصباح ولا حتى أي تحية تلقيها في دخلتها عليهم.. لم تكن هي فقط، بل للجميع هنا يفعل ذلك..
جلست على المقعد جوار والدته وتركت حقيبتها على المقعد الآخر المجاور لها، استدارت تبصرها جيدًا وتحدثت مُتسائلة:
-عامله ايه دلوقتي يا طنط بقيتي كويسه؟
ابتسمت لها الأخرى بعد أن أدارت وجهها إليها مُجيبة بهدوء:
-أيوه يا حبيبتي الحمدلله
تسائلت “سلمى” مرة أخرى عن “هدى” الغير موجودة على غير العادة:
-اومال فين هدى
عقبت على سؤالها والدتها قائلة بجدية:
-هدى فطرت بدري ونزلت الشركة على طول بتقول عندها شغل كتير
أومأت إليها برأسها ثم حركت وجهها إلى الأمام وبدأت في تناول فطورها بهدوء، عينيها كانت تختلس النظرات إليه بين اللحظة والأخرى وفي كل مرة كانت تتقابل مع عينيه التي تنظر إليها بدقة وثبات..
لم يكن مثلها يختلس النظرات منها بل كان ينظر إليها بوضوح رافعًا رأسه وبصره مثبت عليها.. فعادت هي إلى طعامها تاركة ذلك التبجح الذي يتمتع به إليه وبقيت صامتة..
بعد لحظات من هذا الهدوء رفعت رأسها إلى عمها مُردفة بصوت واضح وقوي:
-لو سمحت يا عمي كنت عايزة الشيك اللي هتتبرع بيه للجمعية علشان محتاجينه ضروري
أومأ إليها برأسه قائلًا من بعدها بنبرة جادة:
-حاضر يا سلمى
مرة أخرى تؤكد عليه حديثها بخجل وبعينين ضيقة عليه:
-ممكن النهاردة علشان ألحق اصرفه
لاحظ خجلها منه وهي تطلبه مرة ثانية، ابتسم إليها بود ولين ليجعل ذلك الحرج يبتعد عنها وقال:
-حاضر بعد الفطار هكتبلك الشيك
ابتسمت باتساع وفرحة وهي تشكره ساردة له كم سيكون هذا فارق لهم في الجميعة التي أسستها منذ عام:
-شكرًا جدًا يا عمي، المبلغ ده هيفرق معانا
اغمض عينيه وهو يحرك رأسه للأسفل بحب وحنان يوجهه ناحيتها:
-ربنا يوفقكم يا بنتي
ابتسمت إليه ببشاشة ونظرة رائعة خلابة من عينيها الساحرة ووجهها الفاتن، وعادت مرة أخرى إلى طعامها وعم الصمت مرة أخرى ولكن هاتفها لم يعجبه الوضع فأصدر صوت عالي منه بوصول مكالمة إليها..
أمسكت الحقيبة من على المقعد ثم فتحتها وأخرجت الهاتف منها، كان اسم صديقتها “إيناس” يُنير الشاشة، تركت الحقيبة مكانها ثم أجابت عليها بهدوء:
-أيوه
استمعت إلى حديث الأخرى وهي تنظر أمامها ثم عند قول شيء ما من قِبلها وضعت إصبع يدها على زر خفض الصوت وتلقائيًا عينيها ذهبت عليه خوفًا من أن يكون استمع إلى ما قالته..
لم يلاحظ هو بل كان ينظر إلى طعامه بشرود، تنفست الصعداء ثم أنهت المكالمة معها دون توضيح أي شيء مما تحدثوا به..
وضعت الهاتف مكانه مرة أخرى في الحقيبة وما كادت أن تقف على قدميها لتهم بالرحيل إلا أنها استمعت إلى صوت عمها الحاد القوي:
-كنت فين امبارح
واستمعت مرة أخرى إلى أجابت “عامر” التي خرجت من بين شفتيه بقوة ونبرة هجومية:
-هكون فين يعني
أبصرت عمها الذي كرر عليه السؤال مرة أخرى بطريقة أوضح مما سبقت وقد بدى عليه أن هناك شجار وشيك كالعادة بينهم:
-كنت فين امبارح بالليل
ترك عامر فنجان القهوة الذي كان بيده، ابتلع ما وقف بجوفه وهو على علم أن هناك محاضرة ستلقى عليه وربما نهايتها لن تكون جيدة:
-سهران مع صحابي.. فيها حاجه دي كمان
صاح والده بنبرة حادة مُغتاظة وعينيه كعينين الصقر عليه:
-سهران مع صحابك لحد الصبح.. راجع الساعة أربعه الصبح وقايم تشرب تلاته قهوة علشان تعرف تصحصح
أجابه “عامر” بمنتهى الهدوء والذي كان يصاحبه التبجح اللا نهائي بعدما عاد بظهره إلى ظهر المقعد ليستند عليه:
-مادام مقصرتش في شغلي ولا حاجه طلبتها مني يبقى محدش ليه حاجه عندي وأعمل اللي يعجبني
أشار والده “رؤوف” بيده بقوة وهمجية ناحيته صائحًا باهتـ ـياج بسبب اللا مبالاة الموجودة لدى ابنه وأسلوبه الوقح في الحديث:
-لأ مقصر.. مقصر في شغلك وأختك راحت من بدري علشان تكمله، مش واخد بالك إن المجمع السكني هيتسلم النهاردة ولا ايه؟
أكمل بسخرية واستهزاء ناظرًا إليه بقوة شديدة:
-شكل الخمرة لحست مُخك
رفع “عامر” عينيه عليه للحظة ثم أخفضهما على الطاولة، مسح بإصبعه طرف أنفه الشامخ في وجهه ومرة أخرى عاد بنظرة إلى والده وهتف ببرود:
-تمام ايه المطلوب دلوقتي؟
صدح صوت والده بعد فترة وكان بها يحاول التماسك والضغط على أعصابه بسبب ذلك الأحمق الذي يجلس أمامه:
-تتعدل وتحترم نفسك، وتتعامل معايا بأدب وتأدي دورك كابن ليا وللبيت ده
بمنتهى التبجح وقلة الاحترام إلى والده، بمنتهى البرود واللا مبالاة لعمر والده ولكل شيء فعله في حياته لأجلهم أجاب بقوة وعنف وكأنه لم يفكر في حديثه هذا قبل أن يقوله:
-لما أنت تأدي دورك كأب ليا وللبيت ده هبقى أعمل كده
لحظات صمت مرت على الجميع، هو نظر إلى الطاولة بعد كلماته التي ألقاها عليه وسعر لوهلة أنه أطال الأمر وخرج عن يده، بينما كان والده في حالة صدمة تامة.. بقيٰ ناظرًا إليه ولم يهبط بعينه من على وجهه وملامحه، لم يكن يتوقع أنه من الممكن في يوم من الأيام يصل هنا!..
لم يكون دنيء إلى هذه الدرجة ومنحط ببراعة، لم يكن خائن وعنيف، لم يكن قاسي ومتهور فقط لقد كان ابن عاص أيضًا
نظرت إلى والدته التي وجدتها تبصره بصدمة تامة كوالده الذي لم ينطق بحرف من بعدها، وقفت على قدميها سريعًا وذهبت لتقف جوار عمها الجالس على المقعد ووضعت يدها الاثنين على كتفيه تحتضنه صائحة بعنف له:
-أنت إزاي تكلم عمي كده؟
رفع وجهه إليها ينظر إلى ملامحها الشرسة التي ستقاتله الآن لأجل عمها الذي أخذت صفه منذ أن تركته، تبجح بها هي الأخرى وقال بصوت حاد:
-وأنتي مالك أصلًا؟
أجابته بنبرة قوية حادة مثله بالضبط وعينيها على عينيه البُنية ولم تخشى هذه المرة الضعف أمامه، بل كانت القوة في محلها بعد كلماته القاسية:
-مالي ونص.. عمي هو أبو البيت ده وعموده غصب عن عنيك… هو كده فعلًا مش مشكلتنا إنك شايف غير كده وماشي على خط غير خطنا
ابتسم بسخرية واستهزاء بحديثها، ثم نظر إلى عينيها بعمق وكأنها تناست كل ما كان يعاني منه، تناست كل مخاوفه تجاه والده والذي كان يعترف إليها بها دومًا، تناست كل شيء ووقفت أمامه الآن تسخر مما يشعر به:
-أنتي اللي بتقولي كده
أومأت برأسها بجدية ومازالت تتابع حديثها معه بحدة، وتغاضت عن تلك النظرة وذلك الحديث الخفي خلف ضحكته الساخرة:
-آه أنا اللي بقول كده.. وبطل بجاحة وأتكلم معاه بأسلوب كويس وبعدين ماهو عنده حق هتابع شغلك وحياتك إزاي وأنت كل يوم راجع الصبح
أجابها ببرود مرة أخرى ولا مبالاة حقيقية:
-شيء مايخصكيش
نفت حديثه وهي تبتعد عن عمها مقتربة منه لتوضح له أنها لها مثلما له بالضبط في كل هذا:
-لأ يخصني.. ده شغلي وشغل بابا وياسين اللي تعبوا عليه كتير لحد ما بقى كده
وقف هو الآخر على قدميه وأجاب بعنف وقوة وهو يبصرها جيدًا مُشيرًا بيده بحركات هوجاء تصدر عنه وقد خرج عن هدوءه وذلك البرود الذي كان يرسمه على ملامحه:
-لو قلبك واكلك عليه أوي كده روحي أنتي اشتغلي بدل الجمعية اللي واكله حياتك دي.. أعملي زي هدى أخدت مكان ياسين روحي خدي مكان أبوكي
عاندت حديثه وراق لها ذلك، أن تجعله يشتعل من الداخل بقولها أنه لا يخصه أي شيء تفعله بحياتها:
-شيء مايخصكش أشتغل ماشتغلش مش بتاعتك دي
كاد أن يُجيب عليها بعد أن قاربت دماءه على الغليان بسبب حديثها في أكثر شيء يجعله يغضب، وهو أن يكون بعيد عن حياتها ويتركها تفعل ما يحلو لها، وهذا لن يحدث..
أردف والده أخذًا منه فرصة الرد عليها، مُهددًا إياه بجدية شديدة وحديث سيحدث حقًا إن لم يعد عن أفعاله:
-قسمًا برب العباد إن ما اتعدلت يا عامر لأ أنت ابني ولا أعرفك ولا تكون داخل البيت ده من أساسه وانسى إن ليك أهل ولا حتى ميراث بعد موتي
أبعدت عينيها إلى عمها الذي صدمها حديثه للغاية!.. يستطيع فعلها حقًا وهذا الأحمق لن يعود عما يفعل بسهولة ولن يستمع إلى حديث والده وبالأخص إن كان بهذه الطريقة، ابتلعت ما وقف بحلقها خوفًا من أن تسوء الأمور أكثر من هذا ويفعل عمها ما قاله
نظر “عامر” أمامه وأبعد نظره عنه لتقع عينيه على والدته التي أشارت له بعينيها بقوة لكي يعود عما يفعل ويعتذر من والده وبادرت هي بأول شيء لكي يفعلها:
-هدي نفسك يا رؤوف عامر مايقصدش
لكنه ألقى حديثها عرض الحائط وأشار بيده بهمجية وعنف بحت ثم استدار بقوة ناظرًا بعينيه التي تحولت إلى اللون الأسود الحالك إلى حبيبته الغبية، بادلها النظرات الحادة العنيفة ثم خرج من الغرفة تاركًا إياهم يشتعلون منه ومن أفعاله..
جلست “سلمى” سريعًا على مقعده ونظرت إلى عمها بهدوء وجدية بنفس الوقت ثم خرج الحديث من شفتيها بلين ورقة:
-متزعلش منه يا عمي أنت عارفه غبي وبيقول أي كلام بس قلبه طيب وهو مايقصدش
نظر إليها عمها وابتسم من زاوية فهمه، على الرغم من كل ما فعله بها، وعلى الرغم من أنها تظهر إليه الجدية الشديدة ولا تعطيه فرصة للحديث حتى إلا أنها مازالت تدافع عنه أمام الجميع وتحاول أن تصلح كل خطأ يفعله..
أومأ إليها بهدوء وابتسامه قائلًا:
-عارف يا سلمى… عارف
❈-❈-❈
كانت جالسة على مقعد من مقاعد الطاولة الصغيرة، حيث أنها تتسع لشخصين فقط في مطعم من المطاعم المرموقة، ذات الرونق الرائع والمظهر الخلاب، ابتسمت بصفاء وهدوء وبهذا الوجه البشوش إلى شاب أمامها يجلس مقابلًا لها، خصلاته سوداء وعينيه كذلك، أنفه حاد، شفتيه رفيعة، لحيته نابته وكذلك شاربه، يبدو وسيم كمثل “عامر” بالضبط..
يعلو ثغرة ابتسامة عريضة يبادلها إياها في وسط الحديث الدائر بينهم ولكن عينيه داخلها شيء يعبر عن آخر غير تلك الابتسامة
سردت بجدية وهي تضع كوب عصير المانجا على الطاولة ناظرة إليه بجدية:
-أخدت الشيك من عمي وصرفته وتم الموضوع الحمدلله
ابتسم إليها بود وترك هو الآخر فنجان القهوة الخاص به على الطاولة وعقب على حديثها:
-كويس وإن شاء الله خير متقلقيش
تنهدت بهدوء ووضعت يدها الاثنين على الطاولة تستند عليها وهي تبصره بجدية مُكملة حديثها توضح له كيفية الأمور:
-مش قلقانة بس عايزة الدنيا ترجع تمشي زي الأول إحنا لو مكنش المبلغ ده مكناش هنعرف نمشي أمورنا
ترك ما تتحدث عنه لأنه لا يهمه من الأساس وأتجه بالحديث إلى طريق آخر يريده ويهواه كما يهوى تحقيق مراده معها:
-هتسهري معايا بكرة
لوت شفتيها المُكتنزة أمام عيناه السوداء البراقة قائلة:
-موعدكش
ضيق عينيه عليها بجدية يتسائل بجدية:
-ليه؟ إيناس هتكون معانا
ابتلعت ما وقف بحلقها ثم قالت له بتوتر ما حدث آخر مرة في المنزل بسبب خروجها المُستمر ليلًا بدون داعي، ولم تكن تريد أن يتكرر ذلك مرة أخرى:
-مش القصة يا هشام بس أنت عارف بقالي فترة بخرج بالليل وعامر عمل حوار آخر مرة واتخانق هو وعمي بسببي
زفر بضيق وعصبية وأعاد ظهره للخلف مُبتعدًا عنها وتغيرت ملامح وجهه مئة وثمانون درجة على ذكر “عامر”:
-يادي عامر هو إحنا مش هنخلص منه بقى
ضيقت ما بين حاجبيها وعينيها عليه مستفهمه ما المقصود من حديثه:
-يعني ايه نخلص منه
صاح بصوتٍ مُتعصب وغاضب بسبب ما تفعله معه دائمًا، تعطي لـ “عامر” الأهمية الكبرى بحياتها، حتى أنه الأهم منه وإلى الآن لم يفعل ما يريد بسبب وجوده وبسبب غبائها:
-يعني نخلص منه يا سلمى… كل حاجه خايفة من عامر وعامله حساب لعامر.. دا أنتي حتى مأجلة خطوبتنا علشان خاطر عامر
تفوهت بحدة بعدما تضايقت من حديثه الذي يظهرها ضعيفه وتخاف بشدة منه:
-أنا مش خايفة منه على فكرة أنا بس مش عايزة مشاكل في البيت بسببي
وقفت عينيه على عينيها بدقة وعمق وقد فعلت ما أراد بحديثها ليحاصرها بذلك السؤال:
-ومال الخطوبة بالمشاكل يا سلمى
وجدها ارتبكت عندما تحول الحديث إلى نقطة تهرب منها دائمًا رأى كل الارتباك على ملامحها والتوتر قد ظهر بوضوح ولن تستطيع أن تُجيب عليه فأكمل هو مرة أخرى:
-ردي عليا عرفيني! ولا أنتي خايفة على مشاعره؟
تنفست بقوة أمامه مُغمضة عينيها تعتصرهما ثم فتحتهما ونظرت إليه بجدية حادة لتجعله يصمت عن ذلك الحديث الذي يقوم بتفتيح جروحها التي أغلقت عليها قبل أن تُشفى:
-هشام! بلاش الكلام ده لو سمحت أنت عارف اللي كان بيني وبينه انتهى من زمان أوي وإحنا دلوقتي ولاد عم لا أكتر ولا أقل
تسائل مرة أخرى بضيق وانزعاج واضح منها وداخه يسب الساعة التي وقع فيها بذلك المأزق:
-اومال مأجلة الخطوبة ليه؟ مش قولتي علشان عامر
حقًا تخاف على مشاعره، ومشاعرها هي الأخرى، إلى الآن تحبه ولا تتقبل وجود أي رجل في حياتها سوى هو وعلى الرغم من ذلك هي أيضًا ترفضه.. ترفضه بكل الطرق والمقاييس ولن توافق على عودتها إليه مهما حدث.. فحتى بعد كل ما حدث مازال على وضعه ولم يتغير.. كل ما تفعله أنها تحاول الخروج عنه إلى غيره، تحاول أن تتقبل “هشام” في كل مرة وتنظر إليه على أنه شريك حياتها..
اختلقت سببًا واقعي وسيحدث حقًا إن تقدم لخطبتها، فهذا “هشام الصاوي” ولد “رفعت الصاوي” وابن عم “إيناس الصاوي”، لن تتم الموافقة بتلك السهولة من عمها ولن تحصل عليها أبدًا من “عامر”:
-آه يعني مهو بردو عمي مش هيوافق بسهولة.. انتوا أكبر منافسين ليه وباباك كمان مش هيوافق بسهولة
أقترب للأمام مُمسكًا بيدها الموضوعة على الطاولة بشغف وعينيه تتحرك على ملامح وجهها:
-لأ مالكيش دعوة بأبويا أنا.. المهم أنتي، لازم تشوفيلنا حل علشان نخلص إحنا بقالنا سنة مع بعض لو كانت خطوبة كانت خلصت ولسه كمان لما يوافقوا هنضطر نعمل خطوبة قدامهم وأنا بصراحة تعبت ومش مستحمل أكتر من كده
أطالت النظر عليه واستمعت إلى حديثه ثم قالت:
-مش مستحمل ايه؟
رسم على ملامح وجهه الضيق، ثم الحنان والشغف، الحب والاشتياق، كل ذلك في لحظة واحدة لكي يظهر إليها حديثه يخرج من القلب وما داخله:
-إنك تكوني بعيدة عني يا سلمى.. أنا عايزك مراتي.. عايزك جنبي وليا مش اسيبك تباتي هناك في بيت معرفش بيحصل فيه ايه لأ وكمان اللي اسمه زفت ده معاكي
جذبت يدها بقوة من أسفل يده الموضوعة على الطاولة وعادت للخلف بجسدها بينما عينيها مُتسعة عليه بقوة ولم تصمت حيث أنها تفوهت بحدة:
-هشام أنت بدأت تقول كلام غلط وهنزعل من بعض، ايه ده اللي بيت معرفش بيحصل فيه ايه؟ يعني ايه كلامك وماله عامر قاعد معايا في نفس البيت فين الأزمة
لقد أخطأ في التعبير، وعليه تصليح الأمر لتسير كما يريد، ارتسم الحزن على ملامحه وأردف بهدوء وحنين شغف يقوده إليها:
-مقصدش بس قدري اللي أنا فيه أنا راجـ ـل بحب ومن حقي اغير عليكي
وجدها كما هي لم تُجيب عليه بل تنظر إليه وتستمع إلى حديثه وكأنها في داخلها تعيد ترتيب الأمور مرة أخرى، ولكنه لن يعطيها هذه الفرصة:
-متزعليش من كلامي أنا آسف.. ده يوضحلك قد ايه بحبك يا حبيبتي
أومأت إليه برأسها وصمتت عن الحديث وقلبها ثائر داخلها، ينعتها بأفظع الكلمات، كيف لها أن تستمر عام كامل في ذلك الضغط الذي وضعت نفسها به، كيف لها أن تكون على علم أنها تحبه ولا تريد غيره وتغصب نفسها على تقبل آخر ليصبح شريك حياتها؟
استمعت إلى صوته الحاني يهتف بابتسامة عريضة على وجهه الوسيم:
-وعلشان متزعليش بجد أنا كنت عاملك مفاجأة هتفرحك أوي
تسائلت بجدية واستفهام:
-مفاجأة! مفاجأة ايه؟
مد قدمه للأمام قليلًا ثم مد يده اليمنى إلى جيب بنطاله وأخرج منه ورقة صغيرة مطوية، قدمها إليها بنفس تلك الابتسامة:
-دي المفاجأة
أمسكت بالورقة وفتحتها لتقرأ ما بها وقد كان شيك يحتوي على مبلغ كبير منه، رفعت نظرها إليه وعينيها تتسائل قبل شفتيها التي تحركت بجدية:
-دا شيك بنص مليون
أكمل هو على حديثها موضحًا إنه للجمعية الخاصة بها، ليجعلها تسعد وتتناسى ما الذي كان يتحدث به معها إلى مرة أخرى سيخرج كل ما في قلبه وقلبها وسيفعل ما يحلو له:
-للجمعية.. تبرع من شركة الصاوي ياستي
-بجد؟
أومأ إليها برأسه وأردف مُعقبًا:
-آه والله بجد
قدمت يدها إليه وأمسكت يده تضغط عليها بقوة تعبر له عن امتنانها إليه بعد ذلك المبلغ الذي قدمه إليها:
-شكرًا بجد يا هشام.. مش عارفه أقولك ايه
تعمق في النظر إلى عينيها وأخرج صوته بنبرة رخيمة شغفوة مُطالبًا بالمزيد منها:
-متقوليش حاجه غير بحبك… نفسي اسمعها منك
سحبت يدها مرة أخرى ونظرت إليه بجدية شديدة، ابتلعت ما وقف بجوفها، لو يعرف أنها لو تستطع قولها لفعلت ولكنها لا تستطيع قولها إلا لشخص واحد فقط، ليته يعود عما يفعل:
-كل حاجه في وقتها أحسن
أومأ إليها مُبتسمًا وأجاب بهدوء تاركًا لها الفرصة لتفعل ما تشاء:
-ماشي وأنا هستنى لوقتها
❈-❈-❈
عادت إلى الفيلا قبل أن تغمر السماء النجوم وقمرها يسطع في مكانه، تجنبًا لأي حديث قد يصدر من “عامر” ناحيتها ثم بعد ذلك يتشاجر مع والده، وهي لا تريد هذا، دلفت بسيارتها إلى الداخل وبقيت بها قليلًا، عقلها يدور معها حول أفكاره عن الذي من المفترض أن يحدث بينها وبين “هشام”
إنه شاب مجتهد للغاية وطموح، يحبها ويريد الزو’اج منها، وسيم ومقبول بالنسبة إليها وله كل المواصفات التي تريدها أي فتاة للزواج، تعرفه منذ عام مضى تطورت العلاقة بينهم إلى أنه أراد الزواج منها وهي بكامل الغباء لم تمانع بل وافقت ولكنها أجلت الفكرة قليلًا..
بعد كل هذا هي لا تحبه.. لا تريده، إنه من الممكن أن يكون صديق، شقيق، أي شيء غير أنه يأخذ مكان “عامر” في قلبها وحياتها، لا تستطيع النظر إلى رجل على هذا الأساس، لقد ترك “عامر” كل صفاته داخلها، ترك حبه وهوسه بها، ترك جنونه وحنانه عليها، وإلى اليوم لا تستطيع رؤية غيره..
ما الذي ستفعله مع “هشام” كيف ستتقبل أن يكون في موضع “عامر” وكيف من الأساس ستجعله يأتي ليطلبها!.. هناك مئة سؤال في رأسها جميعهم يريدون إجابة وهي لا تمتلك ولا إجابة واحدة منهم..
تنهدت بضيق ثم أخذت المفتاح من السيارة وأخذت حقيبتها وهمت بالنزول منها عندما رأته يحاول أن يصف سيارته جوارها هو الآخر، هبطت منها وفتحت الحقيبة لتضع بها المفتاح ولكنها عندما وضعته لم تجد الهاتف بها..
بحثت عنه في تلك الحقيبة الصغيرة لم تجده فأخذت المفتاح مرة أخرى وعادت للسيارة تحت أنظاره داخل سيارته، فتحتها ثم دلفت مرة أخرى ووجدت الهاتف بها، أخذته وعادت مرة أخرى لتغلقها ثم تقدمت تسير إلى الداخل مجاهدة بقوة مع عينيها ألا تنظر إليه..
يالا الألم الذي يشعر به داخل قلبه، يتلوى على جمر مشتعل، يحترق كل لحظة يراها بها، بعد كل ذلك الحب والانتظار تتركه بهذه الطريقة! يكن كالغريب بالنسبة إليها ولا تريد النظر إليه حتى، لا تريد الحديث معه ولا التقدم منه خطوة بعد أن كان لها الحياة وما فيها.. الألم الذي بداخله يكاد أن يقتله كلما رآها هكذا.. يشتهي قربها بشدة.. يشتهي وجودها بحياته كما السابق..
الآن يتركها تفعل ما تريد ولكن في النهاية لن تكون لغيره، لن تكن إلا زوجته وفي مرقده..
خرج من السيارة هو الآخر وسار خلفها للداخل، في طريقة لفت نظرة ورقة بيضاء نظيفة على الأرضية على غير العادة، ربما وقعت منها.. انخفض إلى الأسفل أخذها بين يده ثم وقف شامخًا مرة أخرى وفتحها بفضول ليرى ما محتواها وقد كان صادمًا للغاية بالنسبة إليه..
اشتعل قلبه أكثر وسارت النيران به تتدفق في الأوردة، احتدت مسكته على الورقة ونظرة عينيه تحولت مئة وثمانون درجة، أخذ صدره يرتفع وينخفض بعنف وقوة كبيرة نتيجة لغضبه العارم الذي وُجد بعد نظرته ورؤيته لمحتوى هذه الورقة الصغيرة..
من أين تعرف “هشام الصاوي”؟ وما الذي أخذه منها مقابل هذا المبلغ؟..
نظر إلى البعيد ليراها تقف أمام بوابة الفيلا وتهم بالدخول لتختفي من أمامه وتحتمي في من بالداخل ولكنه لم يتركها تفعل ذلك وصرخ بكل صوته مناديًا باسمها بعصبية وغضب..
انتفضت عندما استمعت إلى صوته على حين غرة وشعرت بالخوف للحظة، ثم تذكرت أنها لم تفعل شيء فأخذت نفس عميق واستدارت تنظر إليه بجدية.. رأته يتقدم منها بعصبية وطريقة همجية وأتت عينيها على الورقة بيده ولكنها لم تكن تعلم أنه الشيك الذي أخذته من “هشام”..
وقف أمامها وهتف بنبرة حادة قاسية وملامح جادة مُخيفة وعينيه عليها بدقة عالية:
-تعرفي هشام الصاوي منين؟
أنهى تلك الجملة الصغيرة رافعًا الشيك أمام عينيها، اتسعت عينيها أكثر مما هي عليه، شعرت بالذعر الشديد والتوتر انتهابها خوفًا من أن يعلم بعلاقتها معه، إن علم بذلك لن يمر الأمر مرور الكرام عليها أبدًا مهما كان يحدث بينهم ومهما كانت تظهر إليه القوة والا مبالاة فسيبقى هو “عامر” الذي تعرفه وستبقى هي “سلمى” خاصته التي لن يجعل أي شخص مهما كان من هو يقترب منها..
❈-❈-❈
دلف “هشام” إلى مكتب والده في فيلا “الصاوي”، التي لم تكن تقل أبدًا في الجمال والروعة أي شيء عن فيلا “القصاص”، ألقى عليه التحية وجلس بهدوء على المقعد المقابل له..
نظر إليه والده بجدية، ولم تكن تلك الحدة المرتسمة على ملامحه سوى الخوف الشديد لأي أحد آخر ينظر إليه.. عينيه حادة سوداء كابنه وأكثر، تجاعيد وجهه تحمل القسوة والغضب وكأنه غاضب من نفسه قبل أي أحد.. شفتيه مزمومة بطريقة غريبة وكل هذا ما هو إلا وصف بسيط يعبر عن جديته..
تسائل بجدية شديدة وقوة ونبرته حادة:
-ها عملت ايه
أجابه ابنه بجدية هو الآخر مثله وتحولت ملامحه إلى الضيق الشديد وربما أن يكون عندما دلف إلى هنا ظهرت ملامح وجهه الحقيقية كوالده:
-لسه يا بابا
وقف والده على قدميه بعد أن نفذ صبره ووصل إلى حافة الهاوية، لقد انتظر الكثير وما حدث معه لم يكن إلا تدبير القدر وعليه هو أن يغير ذلك.. ولم يكن إلا عن طريق ابنه المعتوه الذي لم يفعل أي شيء إلى الآن معها، صرخ بقوة بصوت حاد وقد ثار عليه بعد الاستماع إلى حديثه المُهلك للأعصاب:
-كل شوية لسه يا بابا لسه يا بابا.. البت دي لازم تموت وتحصل اللي قبلها
رواية بين دروب قسوته الفصل السابع 7 - بقلم ندا حسن
“انتفاضه شعر بها القلب في لحظة خوف كادت أن تقتله”
ثبتت عينيها على خاصته بخوف وذعر شديد، قلبها أصبح ينبض بقوة وشدة غير معقوله بخفقات متتالية على غير العادة.. أنفاسها غير منتظمة وملامحها تحولت إلى شخص آخر خائف متوتر بشدة..
ما الكذبة التي تستطيع أن تختفي بها الأمر وتدلف عقله؟ ما المُبرر الذي تستطيع أن تخترعه في لحظة ويصدقه!..
حاولت أن تنظم وتيرة أنفاسها وتنظر إليه بجدية ماحية تلك النظرة التي تحتلها الرهبة وما بداخلها أكثر منها.. حاولت أن تبقى على الثبات لتستطيع أن تفكر في الإجابة السريعة والتي طالت كثيرًا وهو مازال أمامها كما كان لم تتغير ملامحه ولو بشيء بسيط..
مازال مُخيف، مُهيب يلعب على أعصابها بطريقة غير مرغوبة أبدًا…
أبعد نظرة عينيه من عليها وتقدم منها بوجه جامد حاد تعابيره مقتولة.. أبتلعت ما وقف بحلقها عندما وجدته تحرك ناحيتها بعينين سوداء ونظراته تقتلها.. ولكنه تخطاها وتقدم إلى بوابة الفيلا التي كانت قامت بفتحها لتدلف إلى الداخل..
وقف أمام البوابة ثم أمسك المقبض الحديدي الكبير بيـ ـده وجذبها مرة أخرى لتُغلق كما كانت.. عاد إليها مُنتظر منها رد على سؤاله البسيط للغاية الذي ألقاه عليها ومن هنا بدأ الشك يسلك طريقه إلى قلبه من ناحيتها..
أطبق يده بقوة على الورقة وكأنه يستعد للكم أحدهم في وجهه، عينيه أصبحت عليها مرة أخرى بحدة وقسوة ثم أعاد السؤال بطريقة واضحة ضاغطًا على كل حرف من كلماته لتظهر بنبرة جادة قاسية:
-سألتك تعرفي هشام الصاوي منين؟ ردي عليا
أبتلعت ما وقف بجوفها مرة أخرى ونظرت إليه عن قرب، لا تخاف منه ولا تهابه وعلى مدار العامين الماضيين والسنوات السابقة وخلال كل ما حدث بينهم لم تكن تخافه ولكنها تعلم جيدًا متى عليها أن تخاف منه.. وكان هذا هو الوقت المُحدد ولأجل ذلك أخفت عن الجميع ما يحدث معها..
تفوهت بنبرة حاولت قدر الإمكان أن تجعلها جادة حتى لا يشك بأمرها وجعلت عينيها عليه حتى لا يشعر بأنها خائفة:
-معرفوش
رفع الورقة التي هشمها بين يده القوية وتسائل ثانية مضيقًا عينيه عليها بشك واستغراب:
-ده معاكي بيعمل ايه؟ ووصلك منه إزاي؟
أغمضت عينيها للحظة واحدة وفتحتها مرة أخرى بعد أن توصلت إليها الإجابة السريعة المقنعة إليه وإليها:
-إيناس.. الشيك ده إيناس اللي جابته من عمها تقريبًا أو ابن عمها مش عارفه بصراحة تبرع للجمعية وأنا أخدته
رفع أحد حاجبيه وأقترب منها خطوة واحدة بثبات وعينيه تنظر إليها نظرة ثاقبة، أردف بشك واستنكار:
-متأكدة؟
رسمت على ملامحها الضيق والانزعاج الشديد منه محاولة الالتهاء عما كانت تشعر به منذ قليل وأجابته بقوة:
-آه متأكدة هو تحقيق ولا ايه
أجاب هو الآخر على سؤالها الأخير بقوة وتأكيد وكأنه لا يهاب أحد:
-آه تحقيق ولا مش عاجبك
وضعت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليه بعمق مُردفة بحديث بعيد عنها لتجعله يلتهي:
-أنت عارف إنه مش عاجبني أنا بس جاوبتك علشان اللي في دماغك تبعد عنه
ابتسم بسخرية واستهزاء للحظة، أتيًا بعينيه عليها من الأسفل إلى الأعلى ثم قال ببرود وقسوة:
-أنا فعلًا بعيد عنه علشان أنتي عارفه لو حصل أنا هعمل ايه! وفي مين
للحظات وأخرى بادلته النظرات الغارقة في ماضي أليم، لم يُشفى منه أحد إلى اليوم وإلى هذه اللحظة، بادلته بلون أعينهم العتاب المستمر بينهم منذ عامين ماضيين وإلى عامين قادمين..
مدت يدها إليه قائلة بعد صمت طويل:
-هات الشيك
قدمه إليها ووضعه في يدها قائلًا باستهزاء:
-اتفضلي الشيك
استدارت لتدلف إلى الداخل وأخذت نفسٍ عميقٍ تستعيد به الحياة بعد تلك الورطة التي وضعت بها معه، لقد شعرت أن وجهها شحب وكأنها تفارق الحياة وتسارعت دقات قلبها وأصبحت وتيرته عالية..
ماذا لو أتى “هشام” لخطبتها؟.. ما الذي ستفعله وما الذي سيصدر من “عامر”، أنها تُخاطر.. تُخاطر بشدة..
❈-❈-❈
وقف الآخر على قدميه كوالده، نظر إليه بقوة وعينين حادة قاسية وتسائل بجدية:
-وهتستفاد ايه من موتها
ظهرت ملامح والده أكثر وضوحًا بعد هذا السؤال من ولده، ظهرت القسوة الحقيقية، وهنا بدأ الجحود يأخذ مكانه وقد دعم هذا وذاك بنبرة صوته الحادة:
-هبقى موت أحمد القصاص بجد.. كأنه مجاش على الدنيا
عارضه ابنه ونفى حديثه هذا ولكنه في صفه ويدعم فكرة الاستكمال والبداية من الأساس، ظهرت ملامحه هو الآخر وجعلنا نتناسى الرقة والهدوء الذي كان يعامل بها المقصود بها الحديث:
-مش هيفيد بحاجه اللي أنت بتقوله.. كفاية اللي ماتوا وهي دي بس اللي تقدر تفيدنا والدخول ليها سهل أوي
اتسعت عينين والده بقوة وأصبحت مُخيفة للغاية دون مبالغة في الأمر، ولكن ملامحه جميعها مُخيفة ولا تستدعي أكثر من ذلك:
-أنا هبقى استفدت وشفيت غليلي وبردت ناري.. هبقى فرحان لأول مرة في حياتي بموت عيلته كلها
وضع “هشام” يده الاثنين بجيب بنطاله وأجاب بجدية هادئة ليأخذ الحديث من والده إلى ناحيته:
-عيلته كلها ماتت فعلًا ومفيش غيرها اللي باقيه
جلس والده على المقعد مرة أخرى ووضع يده الاثنين متشابكين أعلى المكتب، نظر إليه وقال بغل وحرقة:
-يبقى لازم تمـ ـوت زيهم.. كان المفروض تكون معاهم في نفس القبر بس أهو اللي حصل وملحوقه
بقيٰ هو واقف على قدميه ولكنه عاد مرة أخرى إلى الجدية التامة وهو يُجيب على والده بقوة فارضًا عليه رأيه لينتقم منها كما أراد:
-أنا مش هسمحلك تموتها قبل ما أعمل اللي أنا عايزة واخليها تضيع كل اللي في البيت كفاية إنك مسمعتش كلامي ودبرت الحادثة اللي حصلت زمان من ورايا
استهزأ به والده وأردف مُعقبًا:
-تسمحلي ولا متسمحليش أنا هعمل اللي في دماغي.. أنا مش محتاج منهم حاجه غير إني أبرد ناري
حاول “هشام” أن يُغريه بحديث أخر خوفًا من أن يفعل ما أراد ويقوم بقـ ـتلها دون أخذ استفادته منها:
-ولو قولتلك إني هخليهم يعلنوا إفلاسهم قريب وبعديها تمـ ـوت
تهكم عليه بوضوح وأردف بسخرية واستهزاء ناظرًا إليه بقوة شديدة وعينيه لا تمزح أبدًا:
-وده هتعمله إزاي ما أنت بقالك سنة معاها مش عارف تعمل حاجه
أبعد “هشام” نظرة إلى البعيد في الفراغ وظهرت لمعة غريبة في عينيه السوداء القاتمة، المُخيفة إلى الحد الذي قبل والده ثم هتف بخفوت وتمني:
-اتجوزها… اتجوزها بس وهوريك أنا هعمل فيها ايه وفي عيلة القصاص كلها
وقف والده على حين غرة وصرخ به بعد الاستماع إلى حديثه، لا يصدق أن ابنه الذي يعلم كل ما حدث في السابق وواجه المعاناة بقوة بسبب والدها يقول هكذا:
-تتجوزها؟ أنت اتجننت.. عايز تتجوز بنت الراجل اللي كان السبب في خراب حياتنا.. بنت القصاص!..
احتدت نظرته وتحولت ملامحه إلى الأسوأ وعقله كان يأتي بكل ذكريات مرت عليه ورأها وللأسف ليس هنا أحد قد ظُلم مثله هو وجاء دور الجميع في تلقي العقاب:
-متحسسنيش إني دايب فيها.. أنا لا طايقها ولا طايق حد من عيلتها وخلي في علمك بقى هي كمان مش بتحبني أنا هارش اللي فيها.. هي بتحب عامر وأنا هحسرهم على اللي بينهم ده وهضيع عمرهم كله بس أنت اديني الفرصة
حرك والده رأسه بالنفي وهو ينطق بكلمات الرفض التام:
-مستحيل.. مستحيل تتجوزها
غمز بعينه الشيطانية وهو يهتف بخطة خبيثة في رأسه كل خيوطها وأبعادها والآن يسرد عليه النتيجة وما بها:
-لما تعرف اللي في دماغي هتوافق.. وبدل ما تموتها وتبرد نارك موتها وخد اللي قدامهم واللي وراهم وزلهم وبكده تبرد نارك وناري وتفرح وتنسى الهم اللي عشناه
أغرى الحديث والده، لما لأ؟ لما لأ يفعل كما يريد ابنه ويأخذ ما يجعله يصبح أكبر وأكبر بكثير، لما لا يجعلهم يتحسرون على أنفسهم ثم يقتلها بدم بارد، لما لأ يفعل ذلك:
-دي آخر مرة هسمع كلامك فيها يا هشام وبعد كده ابقى اقرالها الفاتحة مع اللي ماتوا
ابتسم ابنه بشر وجلس على المقعد بعد أن جلس والده، أردف بخبث ونبرة ماكرة شيطانية مُخيفة:
-هقراها… هقراها وقريب أوي بس على كيفي
❈-❈-❈
كانت “هدى” جالسة على مكتبها، الذي أصبح ملك لها منذ عام ونصف، منذ أن ذهب مالكه الأصلي وتركها وحدها هنا تعاني غيابه، لكنها لم تتركه وحده أصرت على أن تجعله موجود بين الجميع وأمامهم.. أصرت على أن تجعله حي بوجودها مكانه في منصبه وتأدية دوره على أكمل وجه..
دلف “تامر” المكتب بعد أن طرق الباب وأذنت له بالدخول..
شاب ثلاثيني، لون بشرته قمحية، خصلات شعره سوداء حالكة كشقيقها.. ملامحه شرقية جذابة، ملابسه مهندمة ومظهره وسيم للغاية..
سار ناحيتها بخطوات ثابتة وعينيه عليها إلى أن وقف أمام المكتب قائلًا:
-عايز أتكلم معاكي شوية
تركت الأوراق التي كانت بيدها وأشارت إلى المقعد متسائلة باستفهام:
-اتفضل، في حاجه؟
جلس على المقعد التي أشارت إليه وأبصرها بجدية خالصة وداخله أمنيات لو تحققت لكان أسعد البشر:
-فكرتي في كلامي؟
بادلته النظرات ولكن هذه المرة بحدة خالصة داخلها هدوء وانجذاب ولكن لا تريد إظهاره مهما حدث، حدثته بنظرات ثاقبة حادة وداخلها عتاب غير مرئي له:
-كلام ايه اللي هفكر فيه يا تامر.. أنا من أول لحظة قولتلك فيها ردي أنت اللي مش مقتنع بيه وبكده هتعمل بينا مشاكل ملهاش لازمه
أقترب إلى المكتب ونظر إليها بقوة قائلًا باقتراح قاله كثيرًا من المرات مترجي إياها:
-اديني فرصة واطلعي من اللي أنتي فيه ده
أشارت إليه بإصبع يدها السبابة وبنبرة حادة تسائلت:
-أنت راضي عن اللي بتعمله؟ راضي إنك تسيب خطيبتك علشان تتجوز مرات صاحبك
وقف على قدميه عند ذلك الإتهام البشع، هو ليس خائن، ليس بشع إلى هذه الدرجة أن يكون مع أخرى ويتركها فقط لأجلها، لأجل أنها أصبحت غير متزوجة من صديقه:
-لأ يا هدى.. لأ… خطيبتي وأنتي من البداية عارفه أن بينا مشاكل ومش متفقين وكان لازم يحصل أما مرات صاحبي فهو الله يرحمه ومعتقدش أن اللي بتعمليه ده يفرحه
وقفت هي الأخرى على قدميها قبالته من خلف المكتب وصاحت بعناد وتأكيد:
-يفرحه يا تامر.. يفرحه أنا مخلصة في حبي ليه ومعنديش استعداد أشوف حد غيره مهما حصل حتى لو كان الله يرحمه
أقترب إلى المكتب وهو واقف أمامه على قدميه، استند بيده الاثنين ومال ناحيتها ناظرًا إليها بعمق وقوة مقررًا ألا يتركها تذهب من بين يديه لأنها تكن له شيء بداخلها ولكن ترفض أن تخرجه:
-وأنا مش هيأس وهفضل وراكي لغاية ما توافقي وتديني فرصة وتدي نفسك فرصة.. أنتي مش أول واحدة حبيبها ربنا يسترده ليه
تغيرت تعابير وجهها واتجهت إلى الصرامة والحدة، نظرت إليه بعينين قاسية حادة وأردفت وهي تسير إلى باب المكتب:
-لو سمحت كفاية كده وروح على مكتبك.. مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني وإلا مش هيحصل كويس، أنا بحترمك وبقدرك لأنه كان بيعمل كده بردو ومظنش أننا لو اتجهنا لطرق تانية هنرتاح
أومأ إليها برأسه قائلًا:
-تمام.. بس بردو أنا مش هيأس
تركها وأتجه إلى باب المكتب ليخرج منه.. تلك الغبية التي تريد أن تقتل نفسها وهي على قيد الحياة، تُخلص إلى زوجها الراحل، الراحل منذ عامين.. لن يلوم عليها يعلم أنها كانت تحبه للغاية والجميع يعلم بذلك ويقدر ذلك بها ويجعلها تكبر في نظره أكثر وأكثر ولكن عليها أن تستفيق مما هي به..
لن تبقى إلى الأبد وحيدة دون رفيق درب آخر، لن تبقى هكذا تعيش على ذكرى راحل.. الذكريات ستختفي ويتناسها العقل، الذكريات ستمحى وهي وحدها..
ولأنه تعيس الحظ، وقع في حبها من خلال العمل معها، لأنه تعيس الحظ يريد قربها، لأنه تعيس الحظ يريد الزواج منها وهذا بالنسبة إليها من عاشر المستحيلات..
لأنه تعيس الحظ وقع في حب مُخلصة.. ولكنه لن يشعر باليأس مهما حدث سيظل يحاول ويحاول إلى المنتهى..
سيحاول إلى أن يذهب إلى “ياسين” وإلا لن يكون هذا حب بل في تلك اللحظات سيكون وهم.. وسيكون حبها لزوجها الراحل أقوى بكثير منه..
سيبقى خلفها إلى أن ينال ما يريد منها، ألا وهو قلبها..
❈-❈-❈
“اليوم التالي”
كان “عامر” في الشركة الخاصة بهم، يجلس داخل مكتبة على المقعد وأمامه حاسوب وبعض الأوراق التي يعمل عليها.. ينتقل من هنا إلى هنا ونظراته لا ترتفع إلى أي مكان آخر إلى حين لحظة دخولها المكتب..
طرقت على الباب مرتين متتاليتين ثم أدارت المقبض وفتحته، طلت منه بابتسامة عريضة على وجهها ثم دلفت بخطوات ثابتة رشقية وأغلقت الباب مرة أخرى..
كانت “جومانا الصياد” صديقة “عامر” التي اكتسبها في الفترة الأخيرة، والوحيدة التي كانت ترافقه أماكن السهر ويد العون له في العمل كما أنها السكرتيرة الخاصة به..
فتاة جميلة حد الفتنة، بشرتها بيضاء لامعة، خصلات شعرها شقراء طويل خلف ظهرها على عكس حبيبته التي أصبحت خصلاتها قصيرة للغاية، عينيها خضراء وأنفها صغير، شفتيها وردية صغيرة جسدها ممشوق رائع ترتدي فستان وردي وكأنه مفصل على جسدها بالضبط يصل إلى بعد ركبتيها بقليل.. ويتوسطه حزام على الخصر كأنه فضفاض ويحتاج ذلك..
تقدمت منه إلى الداخل ووقفت جوار المكتب ناحيته، لم تقف بعيدًا ولم تتعامل منذ لحظة دخولها أنها هنا سكرتيرة أو عاملة لديه، بل هي صديقة وأكثر بالنسبة لها..
رفعت ملف به بعض الأوراق أمام عيناه التي بقيت عليها باستفاهم ليعرف ما الذي تريده منه، وقد قالت هي بنبرة مرحة:
-محتاجين امضتك يا باشا هنا
أشار إلى الأوراق بعينيه متسائلًا بجدية:
-ايه ده
رفعت كتفيها الاثنين واخفضتهم بدلال ونظرة لامعة من عينيها الخضراء المُبادلة إياه النظرات ثم هتفت تجهل ما في الأوراق:
-أكدب لو قولتلك أعرف
استغرب حديثها الأبلة ورفع حاجبيه الاثنين ناظرًا إليها باستنكار وضيق لما تتفوه به:
-نعم؟ اومال أنا اللي أعرف يا جومانا
أقتربت منه وجلست على طرف المكتب ناحيته، ثم سردت له بهدوء وتروي ما حدث:
-هدى بعتتلي وروحتلها قالتلي أخد امضتك على الورق ده وحتى مفتحتوش والله
قدم إليها يده بجدية بعد الاستماع إلى حديثها مطالبًا بالأوراق:
-هاتي
رفعت الأوراق إلى يده ثم تركتهم معه، أخذهم هو ونظر أمامه يتفحصهم جيدًا، لحظات وأخرى ثم تركهم على المكتب يحضر قلم من عليه ثم بدأ في وضع توقيعه على الورق خلف بعضهم البعض..
ترك القلم وأمسك بالملف مرة أخرى قدمه إليها بجدية فأخذته وبقيت كما هي ثم قالت بتساؤل:
-مش هنسهر بالليل؟
عاد مرة أخرى إلى حاسوبه وعمله وأجابها بجدية شديدة وهو ينظر إلى الحاسوب:
-مش عارف
وضعت يدها على ذراعه وأردفت بدلال ونظرة لامعة من عينيها تنطلق نحوه:
-ايه ده اللي مش عارف خلينا نسهر النهاردة
نظر إلى يدها الموضوعة على ذراعه ثم أبعد نظرة إلى عينيها بعمق وثبات وتسائل بجدية ووضوح:
-اشمعنى
لوت شفتيها باستغراب وأجابت بعفوية وهدوء على سؤاله الغريب فهو دائمًا كان يخرج معها:
-هو ايه اللي اشمعنى ما إحنا مخرجناش من زمان
تهكم على حديثها وعاد ببصره مرة أخرى إلى حاسوبه يهتف بسخرية وتهكم صريح:
-وهو إحنا متعودين نخرج مع بعض كل يوم ولا ايه
احرجها بحديثه المتهكم، جذبت يدها من على ذراعه وابتلعت ما وقف بجوفها ثم تفوهت بنبرة عادية:
-لأ مش كده بس يعني تغيير
أومأ إليها برأسها قائلًا:
-تمام
تسائلت بعد كلمته المقتضبه مضيقة عينيها عليه بدقة:
-هنخرج؟
أردف بانزعاج وضيق بسبب حديثها وذلك الإلحاح به:
-معرفش يا جومانا هشوف
احتدت نظرتها عليه وهي تستمع إلى صوته المنزعج، إنه يفعل ما يحلو له دائمًا ولو كان هو من يطلب منها الخروج لما كان يفعل ذلك أبدًا:
-لو عايز تخرج هتخرج على فكرة بس أنت بتعمل كل حاجه بمزاجك
ابتسم بسخرية واستهزاء ناظرًا إليها بقوة وهتف بنبرة واثقة:
-وايه المشكلة؟
أجابته بقوة وجدية معترضة على طريقته معها التي تجعلها لا تفهم ما الذي يريده، ولكن للحق يكفي أنها تعلم ما الذي تريده هي منه:
-لأ دي مشكلة.. أنا مش بمشي على مزاج حد
حرك عينيه على ملامحها ببرود وبطء ثم أردف بقوة وتبجح لم تتوقعه منه:
-مقولتلكيش تمشي على مزاجي.. إحنا مجرد صحاب
كادت أن تُجيب على كلماته التي خرجت بتبجح منه ولكن باب المكتب قد فُتح في لحظة وهي تجلس هنا على هذا الوضع..
فتحت شقيقته الباب على مصراعيه ونظرت إليه وإلى “جومانا” من الأسفل إلى الأعلى بتقزز واشمئزاز، إنه الذي يدعى الحب على ابنة عمها، إنه من دمر العائلة وأخلف الخراب عليها، وجعل الجميع بتذوق مرارة الأيام وحدتها.
صاحت بحدة وصرامة وهي ترى “جومانا” تنخفض سريعًا بحركات هوجاء من على المكتب فور أن رأتها:
-كل ده بتمضي ورقتين ولا أنتي أصلا مش فاضية بتأدي دور تاني
أقتربت منها الأخرى وهي تقدم إليها الأوراق وحركت شفتيها بخجل لأجل تبرير موقفها ولكن شقيقته منعتها من فعل ذلك وصاحت بقوة أكبر:
-هنا شركة وشركة يعني شغل مش حاجه تانية
بدلت بصرها إليه ودقتت به جيدًا ورأته ينظر إليها مُبتسمّا باستهزاء ولا مبالاة فقالت مرة أخرى:
-ياريت الكل يكون فاهم ده
أبعدت نظرها إلى الأخرى وصرخت بها:
-اتفضلي على مكتبك
خرجت “جومانا” ووجهها بالأرض خجلًا من ذلك الموقف السخيف التي وضعت به أمامه وأمام شقيقته، يا لها من غبية هي الأخرى كيف لها أن ترفع صوتها عليها هكذا ولما ذلك الأحمق لم يدافع عنها..
ألقت شقيقته عليه نظرة أخيرة ثم أمسكت مقبض الباب وخرجت من المكتب صافعة الباب خلفها بحدة وقوة كبيرة..
وتركته هو بالداخل مُبتسم بغرابة من تصرفاتها التي أصبحت أحد عليه وأعنف بكثير منذ فقدانها زوجها.
ليته كان هو من رحل وترك الجميع طالما وجوده غير مرغوب إلى هذه الدرجة
❈-❈-❈
“المساء”
بعد إلحاح دام لأكثر من ساعة من قِبل “إيناس” ومن بعدها ابن عمها “هشام” الواقع تحت مسامع “سلمى” التي شعرت بالضيق والحنق الشديد منهم هم الاثنين بعد كل هذا الحديث المرهق لها، خضعت لرغبتهم التي لم تكن موافقة عليها بالمرة ولكنها اضطرت للخضوع بسبب إلحاحهم المستمر عليها والتي لم تستطع أن تهرب منه بأي حجة قالتها لهم..
كانت رغبتهم قوية في أخذها معهم للسهر في الخارج في مكان ما صاخب كالعادة لديه هو وابنة عمه وهي لا تحب هذه الأماكن أبدًا بل تكرهها وبشدة منذ زمن قد فات وهي لا تهواها وأصبحت تبغضها بضراوة بعد ما شاهدته بها على يد حبيبها..
أصبحت تبغضها بعد أن رأت الخيانة بها على يده..
وقفت أمام المرآة تعدل من مظهرها بعد ارتداء ملابسها بالكامل والانتهاء منها، كانت مرتدية جيب قصيرة قليلًا تصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل، لونها أبيض باهت وبها نقوش خفيفة تكاد تكون مختفية، يتوسط خصرها حزام قماشي يتدلا بشكل رائع على جانب خصرها، يعلوها بلوزة خضراء اللون بحملات عريضة تخفي كتفيها، صدرها واسع قليلًا على شكل رقم سبعة وتختفي أطرافها داخل الجيب، تركت العنان لخصلات شعرها السوداء القصيرة تدلى على جانبي وجهها وخلف رأسها بكثافة..
تضع على وجهها قليل من مستحضرات التجميل التي لا تحتاج إليها من الأساس فهي بملامحها الطبيعية خلابة ورائعة تخطف الأنفاس..
وضعت بمعصم يدها واحدة من الأساور الرائعة، ثم رفعت عينيها إلى المرأة مرة أخرى تقيم مظهرها وهي تضيق عينيها على صورتها المعكوسه بالمرآة..
أطلقت تنهيدة وهي تستدير لتذهب ناحية الفـ ـراش الذي جلست عليه وأمسكت بالهاتف بين يدها تنظر إلى الساعة به التي تخطت التاسعة مساءً، ضمت شفتيها المكتنزة للأمام وتوجهت للناحية الأخرى بجسدها وهي جالسة تجذب الحقيبة الخاصة بها، لونها أبيض باهت كما لون الجيب صغيرة للغاية تأخذ فقط بعض الأغراض الشخصية.. وضعت بها الهاتف ومفاتيح سيارتها ثم أغلقتها وتركتها بجانبها على الفراش..
تقدمت للأمام قليلًا منحنية على نفسها للأسفل وأمسكت بحذاء موضوع على الأرضية مفتوح من الأمام والخلف به خط واحد رفيع بالمنتصف باللون الأبيض والأسود ذو كعب عالي، بدأت في ارتدائه ثم بعد انتهائها وقفت على قدميها وأخذت الحقيبة بيدها..
اتجهت إلى المرآة وأبصرت مظهرها بها برضاء وحركت خصلات شعرها ثم اتجهت تسير بثبات ورشاقة وجسدها الممشوق يتمايل باتزان…
وصلت بعد وقت أمام ملهى ليلي تخرج منه الأصوات الصاخبة، وقفت أمامه للحظات تنظر إليه بعد أن تركت سيارتها تبصر هيئته، لما قد أتت إلى هنا! أنها تبغض هذه الأماكن بشدة ولا تحب الولوج إليها أبدًا..
لقد فعلتها وأتت، ستكون هذه المرة فقط..
دلفت إلى الداخل بخطوات ثابتة وعينيها حادة واثقة، لم تلتفت إلى أحد من الجالسين أو الذين يقفوا يبصرون هيئتها الفاتنة بنظراتها القاتلة..
كانت تعلم أين هم لذا عندما أبصرتهم أكملت سيرها في اتجاههم بثبات… كان “هشام” مع “إيناس” يقفون حول طاولة مرتفعة للأعلى قليلًا ليست بمقاعد بل تقف جوارها..
تقدمت إليهم فنظرت إليها “إيناس” بابتسامة عريضة وقد ظنت أنها لن تأتي إليهم وصاحت بصوت عالي لكي تستمع إليها من خلال الموسيقى الصاخبة:
-فكرتك مش هتيجي بجد.. قولت بتهاودينا
أبصرها “هشام” بنظرة ثاقبة من عينيه الحادة التي تصبح نظرتها لينة عندما يراها:
-ايه الجمال ده.. خطفتي قلبي وعنيا
ابتسمت ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها المكتنزة وعقبت على كلماته برقة:
-ميرسي يا هشام
صمتت قليلًا ثم أبصرت المكان من حولها ترى الضجة والأصوات الصاخبة التي تزعجها بقوة، والحركة في المكان كثيرة تجعلها مُشتتة:
-ما تيجوا نغير المكان يا جماعة.. أنا بصدع من الوش ده ومش بحب الدوشه
ارتشفت “إيناس” من المشروب الذي بيدها وقالت بجدية ونظرة مستغربة:
-ليه ده حتى الجو حلو وكله حماس
لوت شفتيها المكتنزة بسخرية معقبة باستهزاء:
-لأ واضح
أتجه ناحيتها “هشام” بعد أن ارتشف من كأسه وتركه بقوة على الطاولة مقدمًا لها يده بحماس:
-تعالي نرقص
اعترضت على اقتراحه وأجابت برفض ونبرة متضايقة:
-أنت عارف إني مش بحب الأجواء دي
أمسك كف يدها بقوة وقام بجذبها ناحيته ولم يعطي إليها الفرصة وسار بها إلى ساحة الرقص:
-تعالي بس
حاولت جذب يدها منه وهي تصيح من خلفه بصوت عالي معترضة على ما يفعله:
-هشام استنى
وقف في منتصف ساحة الرقص بين الفتيات والرجـ ـال وجذبها لتقف أمامه وتمايل تحت أنظارها على صوت الموسيقى، وجدها تقف ثابتة كما هي ترسل له بعينيها كم انزعجت منه فلم يُعيرها اهتمام وقام بامساك يدها وجعلها تلتف حول نفسها ووضع يـ ـده على خصرها يقربها إليه..
قبل تلك اللحظة بلحظة أخرى كان يدلف “عامر” إلى صالة الملهى مع “جومانا” ولأجل أن “سلمى” تعيسة الحظ دائمًا لم يجد إلا هذا المكان ليتوجه إليه..
ولج إلى الداخل والأخرى تسير بجواره ولكنه وقف في لحظة ما وعينيه على فتاة على ساحة الرقص تعطي إليه ظهرها تتمايل مع “هشام الصاوي” المُقترب منها للغاية!.. هذه “سلمى”!!.. إنها هي جـ ـسدها وخصلاتها وحركاتها.. إنها هي ومن بين مليون فتاة يستطيع أن يعرفها..
ضغط على يده بقوة وأسودت عيناه التي انخفض عليها غمامة سوداء تساعد مظهره أن يبدو غاضبًا أكثر وهو من الأساس لا يحتاج ذلك..
أصبحت وتيرة أنفاسه عالية للغاية وعينيه مثبتة عليها، يشعر بغضب عارم سيحرق هذا المكان بأكمله..
في الناحية الأخرى وضعت “سلمى” يـ ـدها بضيق على يد “هشام” لتبعده عنها ولكنه ثبت نظره خلفها وابتسم داخله بقوة وفرحة عارمة احتلت كيانه.. ولكن ليس هذا الوقت المناسب لإظهارها..
أردف بجدية شديدة وقلق ظهر على ملامحه بوضوح مُرتسم بدقة وحرك شفتيه بنبرة جادة بجانب أذنها:
-سلمى!.. عامر وراكي
رفعت عينيها المُتسعة على خاصته سريعًا برهبة وانتفاضة، ارتعش جسدها للحظة وهي تسمتع إلى الكلمات البسيطة ودق قلبها بعنف خوفًا من الذي قد يحدث إذا رآها “عامر” حقًا:
-ايه؟ عامر!!..
❈-❈-❈
رواية بين دروب قسوته الفصل الثامن 8 - بقلم ندا حسن
“كيف السبيل للإبتعاد عن روحها الموجودة به”
بدأ “عامر” بالتحرك نحوها، مظهره لا يبشر بالخير أبدًا. لقد غليت الدماء بعروقه بسبب تلك الغيرة التي تنهش داخله بعد رؤيته لها في مثل هذا الوضع القذر بالنسبة إليه، إلا لو كانت معه هو. فالأمر هنا يختلف.
في لحظة والأخرى بينها خطوة، انطفأت الأضواء جميعها وانقطعت أصوات الموسيقى الصاخبة فجأة، وكأن هناك عطل قد حدث دون تدخل أحد.
وقف للحظات فقط، ثم تدارك ما حدث وأراد أن يخرج هاتفه من جيب جاكيت بدلته ليشعل الضوء الخاص به. وقد فعل البعض في المكان مثله، ولكنه لم يكن يحتاج لذلك بعد أن عادت الأضواء مرة أخرى وارتفع صوت الموسيقى الصاخبة مرة أخرى تزلزل المكان.
وضع الهاتف بجيبه ثانية وشعر بالغليان في رأسه إلى آخره بعد أن اختفت من أمامه. يقف “هشام” وبيده هاتف وبجانبه “إيناس” صديقتها الحقيرة. استدار برأسه وعيناه في المكان من البداية إلى النهاية. تحرك خطوات بقدميه لينظر جيدًا، ربما تكن تحاول الهرب منه.
شعر بالانزعاج الشديد والضيق احتل كل خلية به، الغضب كان أكثر شيء يلازمه مع غيرته العمياء عليها. مؤكد كانت هي، أنه لن يخطئ في حبيبته “سلمى”، لن يخطئ. مستحيل، لقد كانت هي وهربت عندما علمت بوجوده. لم تحذر أبدًا، لن يتركها اليوم.
عاد إلى “جومانا” التي وقفت باستغراب تُبصر ما يفعله بعينيها وتتسائل داخلها ما به أو ما الذي يبحث عنه. أردف بجدية:
- جومانا، أنا لازم أمشي.
لم يعطيها الفرصة للرد عليه من الأساس، فقد ذهب وتركها تقف تحاول أن تفهم ما الذي فعله الآن. لقد أتى بها إلى هنا والآن يتركها ويرحل. لم يمر عشر دقائق على وصولهم إلى المكان.
خرج من المكان بسرعة كبيرة وبخطى واسعة، صعد إلى سيارته وبدأ في القيادة بسرعة وعجلة من أمره فقط لكي يراها في الطريق قبل أن تعود إلى المنزل أو حتى قبل أن تدلف إلى الداخل. إنها لن تستطيع أن تصل قبله وهو بهذه السرعة.
الآن هي على علاقة بـ “هشام الصاوي”؟ هل هذا حقًا! هل هي على علاقة معه؟ أنه لأول مرة يكون لا يفهم شيء، ولكن هناك خيط رفيع يربط الأمور ببعضها. وقفتها معه اليوم في تلك الوضعية الدنيئة القذرة منها تقول إن ذلك الشيك كانت هي من أتت به منه وليست ابنة عمه.
هذا يدل أيضًا على أنها تعرفه منذ الكثير. ولماذا قد يعطي إليها هذا الشيك للجمعية في ذلك الوقت بالتحديد؟ وما المقابل له؟ لا يمر عليه أنه تبرع دون مقابل. لا يمر ذلك على عقله أبدًا.
أيعقل أنها تجعله ذلك المغفل وتدلف وتخرج مع ذلك الحيوان من دون علم أحد بالمنزل! أيعقل أنها على علاقة جادة به؟
ضرب المقود بيده بعصبية شديدة وزاد من سرعته، ضاغطًا على شفتيه بغل وحرقة بأسنانها الحادة. لقد نهش المظهر داخل قلبه وهو يراها تقف في أحضانه بهذه الطريقة الرخيصة. كيف لها أن تفعل ذلك؟ كيف لها أن تسمح له؟
لن يجعل هذه الليلة تمر إلا عندما يفهم كل شيء. سيعلم هل هي على علاقة معه حقًا أم لا، هل هي من كانت هناك تقف بين أحضانه أم لا؟ هي هي هي. صرخ عقله بتلك الكلمات مؤكدًا أنها هي. لقد كانت خصلات شعرها السوداء القصيرة بالضبط، جسدها الممشوق المتناسق، وقفتها ومظهرها. لقد كانت هي.
قبل تلك اللحظات التي مرت، وبالتحديد عندما أطفأت الأضواء، شكرت الله كثيرًا وارتفع صوتها أمام “هشام” وهي تتمتم بالحمد لله. واستغلت الفرصة معه سريعًا وأخذها إلى الطاولة في لحظات خاطفة، ممسكًا بيدها يجعلها تسير خلفه إلى الطاولة في تلك العتمة لتأخذ حقيبتها، ثم قادها إلى المخرج سريعًا وعاد إلى مكانه ممسكًا بيده ابنة عمه في لحظات لا يعلم كيف أنجزته هكذا وقادته بتوفيق وأتم المهمة هذه.
خرجت هي سريعًا تركض على قدميها وجسدها يرتعش بالكامل، وهذه ليست مبالغة أبدًا. وقع قلبها بين قدميها عندما علمت بوجوده، “عامر” معها بالداخل. سيكون هناك مذبحة إذا علم شيء من الذي تفعله.
أخذت سيارتها وانطلقت بها في لمح البصر، وكانت قد اختفت عن الأبصار وابتعدت عن الطريق. تعرف كيف يفكر “عامر”. تحفظه عن ظهر قلب. لو كان رآها حقًا وأكتشف الآن أنها اختفت، سيعلم أنها هربت منه وسريعًا سيعود إلى المنزل لرؤيتها. عليها أن تكون هناك وقبله. عليها أن تكون لم تخرج من الأساس من الفيلا.
أخذت الطريق في دقائق معدودة وعقلها لم يتوقف عن التفكير. ماذا لو علم بعلاقتها معه؟ أنها تخفيها وتحاول أن تدبر الأمر حتى عندما يظهر يكون هو وضع أمام الأمر الواقع. ستحاول بكل الطرق أن تجعله يصمت ويبتعد عنها، ولكن بعد رؤيته لها في هذا الوضع، لا تضمن النتيجة. وحتى إن تركها اليوم وأعتقد أنها لم تكن هي، ستظل عينه عليها طيلة الوقت.
يا الله، كيف تتخلص من عذاب حبه وحرقة قلبه؟ كيف تبتعد عن ذلك الهلاك الموجع لقلبها؟ كيف السبيل للإبتعاد عن روحها الموجودة به؟
وصلت إلى الفيلا، تركت السيارة في مكانها كما كانت وفتحت الباب لتخرج منها ومعها حقيبتها الصغيرة. أغلقتها وذهبت سريعًا إلى الداخل بخطوات واسعة. وقفت أمام البوابة الداخلية وأخرجت المفتاح الخاص بها من الحقيبة بأنفاس لاهثة وهي على عجلة من أمرها وقلبها يدق بعنف. فتحت البوابة ثم دلفت وأغلقتها سريعًا خلفها.
قابلت إحدى الخادمات في طريقها إلى الداخل، فوقفت للحظة تقول بجدية ولهفة:
- فايزة، أنا مخرجتش من الصبح، سامعة؟
قابلتها الأخرى بعدم فهم. لقد رأتها للتو تدلف من الخارج، كيف لم تخرج إذًا؟
- نعم!
صاحت “سلمى” بنفاذ صبر وسارت سريعًا بقلق وخوف إلى الداخل وهي تهتف:
- يعني لو عامر سألك أنا خرجت، يبقى لأ، مخرجتش.
استدارت وهي على أولى درجات السلم، تأكد عليها بعينين قلقة ولكنها حادة لتجعلها توافق على ذلك الكذب:
- سامعة!
أومأت إليها الأخرى برأسها بقوة عدة مرات متتالية، وعندما رأتها تصعد على الدرج، حركت رأسها يمينًا ويسارًا باستنكار ودهشة.
عندما قاربت على الولوج إلى غرفتها، قابلت “هدى” شقيقته في طريقها، فصاحت سريعًا تستنجد بها في لحظات الهلاك القادمة عليها:
- هدى.. هدى، أنا مخرجتش، ماشي؟
استغربت هيئتها ونظرت إليها باستغراب وذهول، ثم أمسكت بيدها التي تضعها عليها وتساءلت بجدية:
- مالك؟ في إيه؟
عقبت الأخرى على سؤالها مجيبة بلهفة وسرعة:
- عامر هيجي دلوقتي، لو سألك أنا خرجت، قولي لأ مخرجتش وإني قاعدة هنا من زمان وأنك كنتي فوق عندي، وأنا هفهمك بعدين.
رأت مظهرها الخائف المرتبك، وعينيها تتأمل بها الخضوع لرغبتها وإخراجها من ذلك المأزق التي وقعت به، والتي هي لا تعلمه، فتحركت رأسها إليها بالإيجاب، فابتسمت الأخرى وتركتها وفرت إلى غرفتها ركضًا.
أغلقت الباب خلفها ودلفت إلى الداخل تركض بحركات هوجاء غريبة. ذهبت إلى الكومود بجوار الفراش وفتحت درجه، أخرجت منه أوراقًا كثيرة وقامت برميها على الفراش، ثم ذهبت إلى طاولة في الغرفة صغيرة عليها حاسوب، أخذته هو الآخر وقامت بفتحه ووضعته على الفراش جوار الأوراق.
أخذت الحقيبة وأخرجت منها الهاتف وتركته معهم، ثم انخفضت ودفعتها أسفل الفراش بما بداخلها. رفعت البلوزة التي كانت ترتديها للأعلى تخلعها عن جسدها بسرعة وتعجل، وهي تسير إلى داخل غرفة الملابس. وعلى حين غرة، استمعت إلى صوت سيارته في الأسفل، فركضت للداخل تلقي البلوزة أسفل الملابس تخفيها وفعلت بالجيب المثل بعد أن خلعتها عن جسدها، وأخذت روب كان معلقًا أمامها ارتدته سريعًا تحكم غلقه عليها وهي تخرج إلى الغرفة، ثم صعدت على الفراش تجلس عليه براحة تحاول أن تضبط أنفاسها المسلوبة منها.
أخذت الحاسوب على قدميها، وما كانت أن تجذب السلسال من حول عنقها إلا أن باب الغرفة فتح بقوة مرة واحدة.
ظهر من خلف الباب بوجه جامد، ملامحه حادة قاسية. رفع بصره عليها وتوقفت عيناه السوداء في تلك اللحظات على خاصتها، حتى أنه دلف إلى الغرفة وأغلق الباب من خلفه وعيناه عليها كما هي.
بعد رؤيتها له والنظر إلى مظهره، ارتفعت وتيرة أنفاسها بقوة وصوتها كان واضح، ولأجل أن تخفي ما بها صاحت بقوة وصوتها يرتعش يخرج بغير اتزان:
- قولتلك مليون مرة متدخلش الأوضة كده، خضتني.
حرك لسانه داخل جوفه وظهر هذا من الخارج. رفع يده إلى رأسه من الخلف وحكها بأصابعه وعيناه مازالت عليها بطريقة ثاقبة تجعلها تموت داخلها.
لسانها سليط، عنيدة، شرسة وقوية ولا تهابه، ونعلم جميعًا ذلك، ولكنها تعلم أن هناك حدود لـ “عامر”. إن تخطتها عليها تحمل نتيجة لن تعجبها أبدًا، ولأن حظها عثر، هي الآن ترتعش بسبب هذه النظرات وعقلها على دراية تامة بذلك لأنها تخطت أول وأكبر حد وضع بينهم. ولعبت في أمر مرفوض تمامًا وهو الغيرة.
عندما وجدته صامتًا ويقف أمامها بهذه الطريقة، لا يتحرك، فقط عينه عليها، أردفت قائلة بتساؤل وهي تحاول أن تضبط نفسها:
- في إيه؟
أقترب إلى الفراش بخطوات ثابتة بطيئة وجسده صلب شامخ أمامها. تفوه بكلمات خافتة هادئة ولكنها حادة قاسية:
- هو أنتي فاكرة إنك لما تخلي فايزة وهدى يقولولي إنك مخرجتيش كده، أنا هصدق؟
تصنعت الغباء وعقبت قائلة باستغراب وعينيها عليه:
- مش فاهمه؟ قالولك إيه ومخرجتش فين؟
ارتسمت على شفتاه ابتسامة ساخرة ومازال يتقدم منها بهدوء. أجابها يتهكم عليها ثم أكمل بجدية:
- لا يا شيخة؟ أنتي لو في وسط مليون واحدة كلهم نفس الشكل والهيئة دي بردو هعرفك.
ابتلعت ما وقف بحلقها وحقًا لا يهمها أي شيء، ولكن أن يعلم “عامر” أنها من كانت في أحضان “هشام” سيقتله ويقتلها إن لم يفعل الأسوأ.
- أنت بتتكلم عن إيه بالظبط؟
وقف أمامها بالضبط جوار الفراش وتساءل ببرود بعد أن وضع يده الاثنين داخل جيوبه:
- تعرفي هشام الصاوي منين؟
رفعت وجهها للأعلى لكي تستطيع النظر إليه بعد أن أصبح أمامها وهي تجلس على الفراش، وقالت بجدية وبعد أن حاولت الهدوء تحلت بالقوة:
- قولتلك معرفوش.
حرك لسانه على شفتيه يبللها، ووزع بصره على ملامحها المتوترة التي أكدت له منذ أن دلف إليها أن ما فكر به صحيح.
- مش هسألك تاني بعد المرة دي! تعرفي هشام الصاوي منين؟
صاحت بقوة هذه المرة أكثر من السابق وعينيها حادة عليه لكي يتراجع:
- قولتلك معرفوش.
رفع قدمه اليمنى ودفع بها قدمها المتدلية من على الفراش بقوة ألمتها وجعلتها تصرخ بعنف بعد أن اصطدمت بالكومود. أكمل بعد فعلته ببرود:
- اللي في رجلك ده إيه؟ مش كنتي لبساه وأنتي في حضـ ـنه يا حيوانة.
انخفضت وهي جالسة على الفراش تضع يدها على قدمها التي تناست أن تخلع عنها حذائها ذو الكعب العالي التي كانت به في الخارج. يا لها من غبية. حركت يدها بقوة على قدمها والألم مرتسم على ملامحها بفعل ضربته القوية عليها.
القادم أسوأ بكثير. لو كانت أقنعته أنها هنا ولم تخرج، وهذا مستحيل، فالحذاء الخاص بها محى كل ذلك وجعله يتأكد أكثر.
خلعت الحذاء من قدميها الاثنين وألقته على الأرضية، ثم وقفت أمامه بوجه جامد حاد مثله بعد أن وجدت أن الكذب لن يفيدها معه:
- نعم؟
أقترب خطوة واحدة وأصبح لا يفصل بينهم أي شيء، ثم حرك شفتيه يسألها بعمق:
- إيه علاقتك بيه؟
نظرت داخل عينيه بقوة وأجابته بثبات:
- علاقة عادية.
ضغط على أسنانه وحرك فكه وشفتيه بحديث غاضب حاد وعينيه تشتعل بالنيران في الداخل يغطيها ذلك السواد بها:
- علاقة عادية وأنتي واقفة في حضنه وهو أيده رايحة جاية عليكي زي أي واحدة زبالة.
رفعت صوتها عليه وهي تجيبه بحدة وقوة نافية ما يقوله عنها بعد أن أحرقها ذلك التشبيه التي كانت حقًا به:
- احترم نفسك يا عامر، أنا مش كده.. أنا كنت هقع وهو كان بيسندني مش أكتر.
أزعجه صوتها وتلك الحدة التي تتحدث بها. أقترب إلى أن التصق بها بغضب وقسوة يمسك ذراعها بكف يده العريض القوي، يضغط عليه بحدة وقسوة، ثم أردف بثبات وتأكيد ولم يكن تهديد أبدًا:
- كدابة.. كدابة وستين كدابة وسنينك الجاية معايا سودة… لو مفكرة إنك ممكن في يوم من الأيام تتجوزي واحد تاني غير عامر القصاص، وديني وما أعبد اقتلك فيها وهحصلك بردو مش هسيبك.
حاولت جذب يدها منه بالقوة ولكنها لم تفلح. بقيت عينيها الزيتوني عليه وصاحت بعناد:
- اوعا، سيبني كده، أنت اتجننت ولا إيه.. أنا وأنت خلاص مافيش الكلام ده بينا، كل واحد راح لحاله وأنا هشوف حالي بعيد عنك.
أقترب بوجهه منها وابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة يبادلها نفس العناد الذي تتحدث به، ولكنه كان واثق أكثر منها وضغط على ذراعها أكثر:
- مش كل شوية هنقول الكلام ده بقى.. حالك هو حالي وأنتي اللي جبتيه لنفسك، وبما إنك بتفكري في الموضوع بقى يبقى استعدي للي جايك.
كرمشت ملامح وجهها بانزعاج شديد وضيق لا تتحمله. لن توافق عليه مهما حدث. الخائن الذي باع كل ما كان بينهم من حب وود، القاتل الذي أودي بحياة عائلتها.
- مش هيحصل مهما عملت يا عامر.. مهما عملت عمرك ما هتلاقيني موافقة عليك من تاني.. أنت أسوأ قدر قابلني في حياتي ووصمة هتفضل ملزماني بذكريات وفقدان بشع.
حرك سواد عينيه عليها وأردف معقبًا بتأكيد وثبات واضح:
- قولي مهما تقولي.. أنا لحد النهاردة ولحد اللحظة دي وبعد ما رفضتيني للمرة المليون متأكد مليون المية إنك بتحبيني.. أنتي عينيكي فضحاكي قدامي…. وقدام الكل.
صمتت وهي تستمع إليه. ذلك الغبي يحاول أن يكون الأقوى، يحاول أن يجعلها ضعيفة مرة أخرى أمامه وتستسلم لحبه وتقول ما فات قد مات ودُفن. يحاول أن يؤكد بها أنها مازالت تحبه وهو يعلم ذلك. ولكن ليفعل مهما يفعل، ستكون كما هي.
أمسك ذراعها الآخر بيده الأخرى وضغط عليهما معًا بقوة جعلتها تئن بألم وهو يقرب وجهها منه ليردف بقسوة وعنف:
- أنا كان ممكن أحاسبك بطريقة وسخـ* فعلًا على العملة دي، بس وديني ما هتعدي بالساهل.
صرخت بقوة وعنفوان:
- هتعمل إيه ها؟ قول يلا هتعمل إيه؟
صدح صوتها وأنفاسها تلوح أمام وجهه ليستنشقها بحب ورغبة. ثم ابتسم وهتف بنبرة واثقة باردة:
- يا خبر بفلوس.
نظر إليها مطولًا نظرة ذات مغزى ومن بعدها ترك يدها الاثنين وتوجه إلى الباب بخطوات واثقة ثابتة على الأرضية. نظرت إليه للحظات وهو يبتعد وعقلها يحاول التفكير ما الذي يقصده. ثم في لحظة صرخت وهي تقترب منه لتجعله يبتعد بعقله عن “هشام”:
- استنى عندك.. أنا وهشام مافيش بينا أي حاجة، ده مجرد صديق مش أكتر.
استدار وهو عند باب الغرفة، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل ثم العكس ووقف عند عينيها وهتف بنبرة جادة وعينين قاسيتين تنظر إليها:
- منا عارف.. ماينفعش يكون في بينكم أكتر من كده لأنك بتاعتي… بتاعتي لوحدي وقريب أوي هتتأقلمي على الوضع ده وأنا محدش يعرفني قدك يعني لما بقول… بنفذ.
ثم فتح باب الغرفة وخرج منه دون حديث آخر وأغلقه خلفه. لقد كان ما فكر به صحيح وهي من كانت هناك معهم. ولكنها مؤكد ليست في علاقة مع ذلك الغبي، فهي تحبه إلى أبعد حد وحتى لو كانوا بعيدين عن بعضهم. هي لا تستطيع أن تحب أحد غيره وقلبها الذي كبر على عشقه من المستحيل أن يفكر في رفيق آخر غيره.
متأكد من ذلك كما أنه متأكد من كونه “عامر القصاص”. ولكن عليه أن يلقنها درسًا لتتعلم منه كيفية التصرف حتى وهي بعيدة عنه.
وقفت في الداخل تفكر باستغراب. كيف لـ “عامر” بعد أن علم أنها من كانت بين يدي الآخر، يتركها هكذا دون أن يفعل شيء؟ كيف له أن يكون هكذا حقًا؟ وما الحديث الذي تفوه به عن القادم منه وكيفية التأقلم عليه؟ إنها من المستحيل أن توافق عليه وهو لن يفعلها بالقوة. لو كان يريدها هكذا لما كان يتركها كل ذلك الوقت!
أشياء كثيرة داخلها تجعلها مشتتة، وأول ما بها معرفته أنها تعرف “هشام الصاوي”. ولكن حمدًا لله أنه مقتنع أنها لا تحب غيره، لذا ستكون نظرته مبتعدة قليلًا عنه.
❈-❈-❈
“بعد يومين”
بعد تواجد الجميع في غرفهم داخل هذه الفيلا التي فقدت روحها منذ عامين وإلى اليوم، ليس هنا أي شخص داخله تعمل معه. هناك من فقد روحه للأبد، وهناك من تبادل مع الآخر أرواح مأخوذة بالقوة.
كان يرتدي ملابس بيتية، بنطال أسود قطني يعلوه قميص بنصف كم من اللون الرصاصي، حذاء منزلي بإصبع واحد مفتوح من الأمام والخلف. خصلات شعره السوداء مصففة بعناية ومظهره أنيق يتناسب مع هيئته في الخارج ومع اسمه “عامر القصاص”.
سار بهدوء في الصالة ويداه الاثنين في جيب بنطاله. تقدم إلى مكتب والده الذي كان مفتوحًا إلى المنتصف. وقف أمامه للحظة واحدة يأخذ نفسًا عميقًا براحة ووجه هادئ للغاية يحث نفسه على التكملة بنفس هذا الوضع حتى يخرج من الداخل.
دلف إليه وسار إلى أن وقف أمام مكتبه ووالده تحت ناظريه يراه وهو يعمل على أوراق بيده يرتدي نظارته وينظر إلى الأوراق بدقة.
وقف “عامر” أمام المكتب وأصدر حمحمة رجولية من فمه حتى يجذب انتباه والده إليه.
رفع والده عينيه من على الأوراق ونظر أمامه ليجد ابنه يقف هكذا يضع يديه الاثنين في جيوب بنطاله وينظر إليه بجدية. أخفض النظارة من على وجهه واضعًا إياها على المكتب أمامه ثم أخرج كلمة وحيدة مُتهكمة من فمه:
- خير؟
أخرج “عامر” يده اليمنى من جيبه ورفعها إلى جبينه يمسح عليه بحدة. أخفض يده وحمحم مرة أخرى ثم أردف بجدية وعيناه البنية على والده:
- خير، متقلقش.
صمت من بعد هذه الكلمات وبادله والده نفس ذلك الصمت، واضعًا يديه الاثنين على المكتب أمامه متشابكين منتظرًا أن يكمل ويقول ما يريد، ففعل وتفوه بكلمات جادة للغاية ناظرًا إليه:
- أنا عايز اتجوز سلمى.
بقيت نظرات والده عليه، بل اخفضها ليأتي به من الأسفل إلى الأعلى واستقر أمام عيناه بثبات وكأنه في البداية يشعره بكم الاستهزاء الذي وقع عليه:
- ومين قالك أن سلمى هتوافق ولا أنا حتى هوافق؟
وضع “عامر” يده داخل جيبه مرة أخرى ووقف أمامه شامخًا. حرك رأسه للأمام وضم شفتيه إلى بعضهما ثم هتف يتساءل:
- طب سلمى وعارفين مش هتوافق ليه، أنت بقى إيه المانع؟
عاد والده للخلف يستند بظهره إلى ظهر المقعد وأبعد يده عن المكتب قائلًا بوضوح:
- أنت عارف المانع كويس وكان واضح من الأول.
تحدث “عامر” باستهزاء وسخرية وداخله يموت أكثر من مرة في الثانية لأجل ما يفعله معه والده، ولكنه يقابله بالبرود التام:
- آه كان واضح حتى إنك قولت لعمي الله يرحمه بلاش دا ابني وأنا عارفه على أساس محدش يعرفني غيرك.
أكمل على حديثه بنبرة جادة:
- بالظبط كده ولسه عند كلامي.. سلمى متستاهلش واحد زيك، البنت جميلة وبريئة وردة مفتحة محتاجة اللي يظهرها ويظهر جمالها.. مش أنت، كفاية اللي حصلها بسببك.
أهتاج بعد الاستماع إلى هذا الحديث وأخرج يده من جيبه ورفعها أمامه يحرك إصبعه السبابة واثقًا من حديثه الذي أصبح حاد:
- سلمى مش محتاجة غيري ومش هتكون لحد غيري لو هعاند الدنيا كلها وأنت وهي أول ناس بردو مش هتكون لغيري.
أبصره والده بقوة للحظات وهو يعيد ترتيب حديثه داخل رأسه ثم عقب بجدية شديدة:
- أنا لو هقف قصادك العمر كله مادام هي رافضة ومش عايزاك مش هسمحلك تغصبها وتضغط عليها واللي هي تختاره هتاخده، أنا هنا مكان أبوها اللي رماها ليك.
اخفض “عامر” يده ونظر إليه بقوة اجتاحتها القسوة هاتفًا:
- وأنا بقولك يا أنا يا مافيش… اعتبر الرجـ ـالة خلصت لحد هنا.
أكمل حديثه هذه المرة بنبرة عادية ينظر إليه بعمق ليجعله يفهم أنه سيفعل ما يريد مهما حدث ولن تكون إلا له:
- أنا جيتلك الأول احترامًا لأنك أبو البيت زي ما بيقولوا، بس الظاهر إن مالكش رغبة في الموضوع ده.. ننقل بقى لصاحبة الشأن نفسه وهي هتوافق وبكرة تشوف.
وضع يده في جيبه مرة أخرى ونظر إليه بتحدي وعمق ثم استدار رافعًا رأسه يصدر صوت صفير حاد عالي وهو يسير للخارج ببرود. منذ لحظات قليلة كان يشتعل لأجل حديثه الغير مقبول بالنسبة إليه أبدًا، ماذا عن الآن يبدو باردًا، هادئ، يفعل ألحان من ذلك الصوت الذي يصدره من فمه.
سار بثبات وهدوء وكأنه يخطط لشيء ما نتيجته محسومة بالنسبة إليه. نظر إليه والده ورآه وهو يخرج من المكتب دون أدنى اهتمام يعطيه إليه، بل أشعره باللا مبالاة التامة من ناحيته. يخاف على ابنة أخيه منه خوف يقتل داخله. تركها “عامر” عامين ولم يفتح الأمر مرة أخرى وكونه الآن فكر بده فهو سينفذ ولكنه لن يتركه يفعل معها أي شيء لا تريده.
سيقف جوارها ويبقى معاها إلى أن يطمئن عليها. سيكون سند لها وحتى إن اضطر إلى أن يقف أمام ابنه كما قال. لن يتركه يفعل بها ما يريد، ولن يتركها تأخذ القرار وحدها فهو يعرف أنها إلى الآن تحبه وتهوى قربه أكثر من أي شيء آخر ولكن الماضي يؤثر عليها في كل مرة تقرر العودة إليه.
❈-❈-❈
جمعت أشيائها الخاصة في حقيبتها الصغيرة ذو اللون الأسود، ثم وضعت الحاسوب في حقيبتها ووقفت على قدميها تأخذهم الاثنين بيدها اليسرى تسير متجهة إلى خارج مقر الجمعية. ورفعت مفاتيح سيارتها التي كانت تتمسك بها في يدها اليمنى. حركت وجهها للناحية اليمنى بقوة لتتحرك خصلات شعرها القصيرة إلى الخلف كي لا تزعجها.
أثناء سيرها في الرواق وجدت من يتقدم منها بابتسامة عريضة ووجه بشوش. لقد كان “هشام” يدلف ومعه “إيناس” ابنة عمه. وقفت في مكانها بعد أن رأتهم ولم تتحرك خطوة. نظرت إليهم باستغراب وهتفت بجدية:
- إيه ده؟ محدش قال إنكم جاين يعني.
ضيق عينيه عليها بخبث وأردف بطريقة مُعاتبة مازحة ليبقى قناع وجهه كما هو:
- إيه؟ مكنتيش عايزانا نيجي ولا إيه؟
حركت رأسها وابتسمت بهدوء مجيبة إياه بنفي:
- لأ طبعًا مش قصدي.. بس مفاجأة يعني مش أكتر.
تحدثت “إيناس” هذه المرة وهي تقترب منها بعيون حادة كعيون الصياد البارد الذي يدعى البراءة:
- بعد اللي حصل آخر مرة هشام قرر يعوضنا بسهرة حلوة وفي مكان عامر مستحيل يعرفها.
اعترضت على هذا الحديث والإقتراح الغبي المقدم من ناحيتهم:
- لأ لأ يا جماعة معلش أنا بجد تعبانة النهاردة.
أبصر عينيها بعمق وقوة وأردف بنبرة جادة:
- مش هتفلتّي مني يا سلمى، أنا بقالي كام يوم مش عارف أقعد معاكي.
كرمشت ملامحها وحاولت الاعتراض مرة أخرى بطريقة أقوى كي تتراجع هي وهو:
- هشام والله مرة تانية بجد أنا تعبانة.
استمعت إلى صوت “إيناس” الساخر منها التي تعلم جيدًا ما هي مخاوفها:
- تعبانة ولا خايفة من عامر؟
حركت وجهها إليها ونظرت إلى عينيها بعمق للحظات بعضها دون حديث، ثم أجابتها بحدة قليلة وضيق ارتسم على ملامحها:
- وأنا هخاف منه ليه يا إيناس؟ قولنا مليون مرة هو من طريق وأنا من طريق. القصة كلها في إنه شافني في وضع وحش.
دخل “هشام” قائلًا بنبرة مُلحة ليجعلها توافق على تطلبه وتتقدم معه إلى المكان الذي يريده:
- طب وأنا اعتذرت عن الوضع الوحش ده وهو مش هيشوفك خلاص بقى.
حركت رأسها بنفي مرة أخرى واعترضت بجدية واضحة:
- بجد مش هينفع.
أقترب منها خطوة وهو يُصر عليها بقوة ضاغطًا عليها أكثر عندما أخذ منها حقيبة الحاسوب ورفع عينيه صوبها ببراءة لا مثيل لها:
- لأ هينفع، هاتي.
أخذت نفس عميق ما أن أخذ حقيبتها ثم أردفت متسائلة وبعدها أشارت إلى ملابسها المكونة من بنطال أبيض يعلوه قميص حرير لونه وردي تختفي أطرافه داخل البنطال وحذاء رياضي مريح:
- طب رايحين فين؟ وبعدين بصوا شكلي.
تقدمت منها الأخرى وأمسكت بيدها قائلة بابتسامة عريضة:
- شكلك زي القمر، وبعدين إحنا هنروح مكان أمان ومحدش هيشوفك.
كتبتها “سلمى” بعينيها وتساءلت:
- فين ده؟
بنفس تلك الابتسامة أجابتها وعينيها تخفي بريق لا مثيل له ليس معروف ما هو أصله:
- شقتي الجديدة.
ارتبكت “سلمى” كثيرًا، كيف لها أن تذهب إلى شقتها ومعهم ابن عمها؟ لن تفعلها أبدًا، ما هذا الهراء:
- لأ خليها مرة تانية بلاش دلوقتي.
اختنق الآخر من كثرة المحايلة في كل مرة يريد منها القرب فقال بنفاذ صبر:
- إيه ده اللي بلاش دلوقتي؟ هو أنتي مالك بجد يا سلمى؟
أشارت بيدها وهتفت بقوة وعينين حادة وهي تصيح:
- ماليكش يا هشام بس مش هينفع أروح معاكم شقة.
استدار يوليها جانبه ونظر إلى ابنة عمه قائلًا بقوة ونبرة حادة متضايقة:
- قصدك إيه بالكلام ده؟ أنتي مش واثقة فيا ولا إيه؟ نبرتك اتغيرت وأنا بجد اتخنقت.
صاحت هي الأخرى مثله:
- مش قصدي يا هشام مش قصدي.
نظر إليها بقوة ثم استدار بجسده بالكامل وسار إلى الخارج بعنف وقوة وجسده متشنج. أنها أصبحت مصدر إزعاج حقًا بالنسبة له، ومنذ أن رآها “عامر” وهي تبتعد عنه بقدر ما استطاعت. ولكنه لن يتركها مهما حدث. سيكون خلاصها من الجحيم بيده هو.. هو وحده.
جذبتها الأخرى بكامل الخبث الذي تحمله داخلها وتحدثت بجدية وعتاب:
- يلا بقى يا سلمى بلاش تزعليه، هي أول مرة يعني نبقى سوا.. وبعدين هنقف نتكلم هنا.
سارت معها على مضض ومازالت تعترض وتتفوه بقوة أن ذلك لا يجوز ولن تفعله:
- مش هينفع صدقوني.
❈-❈-❈
دق باب الشقة التي كانت متواجدة بها بعد رحيل “إيناس”. وقفت على قدميها وتقدمت من الباب لترى من الطارق، ربما تكن هي، ولكن أليست معها مفتاح لشقتها؟
أخذت نفسًا عميقًا ثم وقفت أمام الباب من الداخل. أمسكت المقبض بيدها وأدارته لينفتح الباب مع حركة يدها التي تجذبه للداخل.
كانت الصدمة كبيرة عليها هذه المرة. اتسعت عينيها بقوة وانخفض ضغط الدم بجسدها. ارتمى قلبها أسفل قدميها وتوقفت دقاته هنا، أو تسارعت أكثر وكأنه في سباق عليه الفوز الحتمي به. لا تستطيع تحديد الآن ما الذي يحدث به. لم تستطع حتى أن تبتلع ما وقف بحلقها بعد رؤيته هنا. نظراتها مُثبتة على عينيه، جسدها بدأ بالارتجاف بقوة وانخفضت يدها عن مقبض الباب والخوف احتل كل خلية بها.
الرهبة واللهفة المُتعطشة لأي حركة قد تدلها على الخير وأن القادم لن يكون سيء، ولكن ذلك لن يحدث. لم يكن هو يحتاج لأي نظرة خوف أو عتاب، أو رهبة منها، لأنه لن يتراجع عما يريد. إن كانت مرت عليهم ليالي تحمل من السوء ما يكفي، فهذه الليلة ستكون بداية الأسوأ الذي ينتظرها.
عينيه انخفضت عليها غمامة سوداء حالكة حادة. نظرتها جامدة قوية تحمل من القسوة ما يكفي بلاد الاحتلال. شفتيه لو تراها وهي مضمومة بهذه الطريقة وفكه الذي يتحرك بعنف ضاغطًا على أسنانه في الداخل، ستقول أنه على وشك قتل أحدهم.
صدره يعلو وينخفض بغضب عارم، جسده مُتصلب وبقوة، يضغط على يديه الاثنين بعنف حتى ابيضت مفاصله ونظرته نحوها كانت تحمل كل الشر الموجود بقلبه ناحية كل من أراد التفريق بينهم.
عينيها لم تصدق الذي رأته وقلبها لم يساعدها والتفكير الذي دائمًا موجود برأسها اختفى الآن تاركًا إياها في عطلة لم تكن تريدها أبدًا. رهبتها وخوفها من أن يفهم ما يحدث بأنه خطأ أكبر بكثير من خوفها الذي احتل الموقف بينهم بعد هذه النظرات التي تقول إنه هنا لقتلها لا محالة.
تقدم خطوة والأخرى ببرود تام وعينيه لم ترمش مرة واحدة، حادة عنيفة قاسية كما هي مُثبتة على عيون الزيتون خاصتها، يبشرها بكل عنف وقسوة قادمة إليها منه، يبشرها بكل ما هو سيء قام إليها منه.
تراجعت خطوة خلف الأخرى كلما تقدم هو. ابتلعت ما وقف بجوفها منذ أن رأته ولم تكن تستطيع فعله. حاولت أن تجعل صوتها يخرج لتخفف حدة ما يحدث، لتخفف نظرته نحوها ولتبرر موقفها الذي يحكي وحده عما يدور من دون علمه. وللحق لو أحد آخر غيره لن يصدق أي حديث تقوله.
ابتعدت شفتيها عن بعضهما في محاولة بائسة منها لشرح موقفها العثر، وأصبحت وتيرة أنفاسها عالية لاهثة، تعود للخف وهو يتقدم إلى أن بقيٰ معها داخل الشقة، ثم دفع الباب بيده بقوة وعنف ارتجفت لها الجدران وارتجف جسدها معها. ومازالت عينيه عليها لم تتحرك.
هنا ابتلعت ما وقف بجوفها مرة أخرى ناطقة باسمه بنبرة خافتة تُكاد تكون مختفية من الأساس، وعينين ترتجف كارتجاف شفتيها وجسدها:
- عامر.
رواية بين دروب قسوته الفصل التاسع 9 - بقلم ندا حسن
"كيف السبيل للإبتعاد عن روحها الموجودة به".
بدأ عامر بالتحرك نحوها، مظهره لا يبشر بالخير أبدًا. لقد غليت الدماء بعروقه بسبب تلك الغيرة التي تنهش داخله بعد رؤيته لها في مثل هذا الوضع القذر بالنسبة إليه. إلا لو كانت معه هو.. فالأمر هنا يختلف.
في لحظة والأخرى بينها خطوة، انطفأت الأضواء جميعها وانقطعت أصوات الموسيقى الصاخبة فجأة وكأن هناك عطل قد حدث دون تدخل أحد. وقف للحظات فقط ثم تدارك ما حدث وأراد أن يخرج هاتفه من جيب جاكيت بدلته ليشعل الضوء الخاص به. وقد فعل البعض في المكان مثله، ولكنه لم يكن يحتاج لذلك بعد أن عادت الأضواء مرة أخرى وارتفع صوت الموسيقى الصاخبة مرة أخرى تزلزل المكان.
وضع الهاتف بجيبه ثانية وشعر بالغليان في رأسه إلى آخره بعد أن اختفت من أمامه. يقف هشام وبيده هاتف وبجانبه إيناس صديقتها الحقيرة. استدار برأسه وعيناه في المكان من البداية إلى النهاية. تحرك خطوات بقدميه لينظر جيدًا ربما تكن تحاول الهرب منه.
شعر بالانزعاج الشديد والضيق احتل كل خلية به، الغضب كان أكثر شيء يلازمه مع غيرته العمياء عليها. مؤكد كانت هي، أنه لن يخطئ في حبيبته سلمى، لن يخطئ، مستحيل! لقد كانت هي وهربت عندما علمت بوجوده. لم تحذر أبدًا، لن يتركها اليوم.
عاد إلى جومانا التي وقفت باستغراب تُبصر ما يفعله بعينيها وتتسائل داخلها ما به أو ما الذي يبحث عنه. أردف بجدية:
"جومانا أنا لازم أمشي".
لم يعطيها الفرصة للرد عليه من الأساس فقد ذهب وتركها تقف تحاول أن تفهم ما الذي فعله الآن. لقد أتى بها إلى هنا والآن يتركها ويرحل. لم يمر عشر دقائق على وصولهم إلى المكان.
خرج من المكان بسرعة كبيرة وبخطى واسعة، صعد إلى سيارته وبدأ في القيادة بسرعة وعجلة من أمره فقط لكي يراها في الطريق قبل أن تعود إلى المنزل أو حتى قبل أن تدلف إلى الداخل. إنها لن تستطيع أن تصل قبله وهو بهذه السرعة.
الآن هي على علاقة بـ هشام الصاوي؟ هل هذا حقًا! هل هي على علاقة معه؟ أنه لأول مرة يكون لا يفهم شيء ولكن هناك خيط رفيع يربط الأمور ببعضها. وقفتها معه اليوم في تلك الوضعية الدنيئة القذرة منها تقول إن ذلك الشيك كانت هي من أتت به منه وليست ابنة عمه!
هذا يدل أيضًا على أنها تعرفه منذ الكثير! ولما قد يعطي إليها هذا الشيك للجمعية في ذلك الوقت بالتحديد؟ وما المقابل له، لا يمر عليه أنه تبرع دون مقابل. لا يمر ذلك على عقله أبدًا.
أيعقل أنها تجعله ذلك المغفل وتدلف وتخرج مع ذلك الحيوان من دون علم أحد بالمنزل! أيعقل أنها على علاقة جادة به؟
ضرب المقود بيده بعصبية شديدة وزاد من سرعته ضاغطًا على شفتيه بغل وحرقة بأسنانه الحادة. لقد نهش المظهر داخل قلبه وهو يراها تقف في أحضانه بهذه الطريقة الرخيصة. كيف لها أن تفعل ذلك، كيف لها أن تسمح له؟ لن يجعل هذه الليلة تمر إلا عندما يفهم كل شيء. سيعلم هل هي على علاقة معه حقًا أم لا، هل هي من كانت هناك تقف بين أحضانه أم لا؟ هي هي هي. صرخ عقله بتلك الكلمات مؤكدًا أنها هي. لقد كانت خصلات شعرها السوداء القصيرة بالضبط، جسدها الممشوق المتناسق، وقفتها ومظهرها. لقد كانت هي.
قبل تلك اللحظات التي مرت وبالتحديد عندما أطفأت الأضواء، شكرت الله كثيرًا وارتفع صوتها أمام هشام وهي تتمتم بالحمدلله. واستغلت الفرصة معه سريعًا وأخذها إلى الطاولة في لحظات خاطفة ممسكًا بيدها يجعلها تُسير خلفه إلى الطاولة في تلك العتمة لتأخذ حقيبتها ثم قادها إلى المخرج سريعًا وعاد إلى مكانه ممسكًا بيده ابنة عمه في لحظات لا يعلم كيف أنجزته هكذا وقادته بتوفيق وأتم المهمة هذه.
خرجت هي سريعًا تركض على قدميها وجسدها يرتعش بالكامل وهذه ليست مبالغة أبدًا. وقع قلبها بين قدميها عندما علمت بوجوده. عامر معها بالداخل. سيكون هناك مذبحة إذا علم شيء من الذي تفعله.
أخذت سيارتها وانطلقت بها في لمح البصر وكانت قد اختفت عن الأبصار وابتعدت عن الطريق. تعرف كيف يفكر عامر. تحفظه عن ظهر قلب. لو كان رآها حقًا وأكتشف الآن أنها اختفت سيعلم أنها هربت منه وسريعًا سيعود إلى المنزل لرؤيتها. عليها أن تكون هناك وقبله. عليها أن تكون لم تخرج من الأساس من الفيلا.
أخذت الطريق في دقائق معدودة وعقلها لم يتوقف عن التفكير. ماذا لو علم بعلاقتها معه؟ أنها تخفيها وتحاول أن تدبر الأمر حتى عندما يظهر يكون هو وضع أمام الأمر الواقع. ستحاول بكل الطرق أن تجعله يصمت ويبتعد عنها ولكن بعد رؤيته لها في هذا الوضع لا تضمن النتيجة. وحتى إن تركها اليوم وأعتقد أنها لم تكن هي ستظل عينه عليها طيلة الوقت.
يا الله كيف تتخلص من عذاب حبه وحرقة قلبه، كيف تبتعد عن ذلك الهلاك الموجع لقلبها، كيف السبيل للإبتعاد عن روحها الموجودة به.
وصلت إلى الفيلا، تركت السيارة في مكانها كما كانت وفتحت الباب لتخرج منها ومعها حقيبتها الصغيرة. أغلقتها وذهبت سريعًا إلى الداخل بخطوات واسعة. وقفت أمام البوابة الداخلية وأخرجت المفتاح الخاص بها من الحقيبة بأنفاس لاهثة وهي على عجلة من أمرها وقلبها يدق بعنف. فتحت البوابة ثم دلفت وأغلقتها سريعًا خلفها. قابلت إحدى الخادمات في طريقها إلى الداخل فوقفت للحظة تقول بجدية ولهفة:
"فايزة أنا مخرجتش من الصبح سامعة؟"
قابلتها الأخرى بعدم فهم لقد رأيتها للتو تدلف من الخارج كيف لم تخرج إذًا:
"نعم!"
صاحت سلمى بنفاذ صبر وسارت سريعًا بقلق وخوف إلى الداخل وهي تهتف:
"يعني لو عامر سألك أنا خرجت يبقى لأ مخرجتش".
استدارت وهي على أولى درجات السلم تأكد عليها بعينين قلقة ولكنها حادة لتجعلها توافق على ذلك الكذب:
"سامعة!"
أومأت إليها الأخرى برأسها بقوة عدة مرات متتالية وعندما رأتها تصعد على الدرج حركت رأسها يمينًا ويسارًا باستنكار ودهشة.
عندما قاربت على الولوج إلى غرفتها، قابلت هدى شقيقته في طريقها فصاحت سريعًا تستنجد بها في لحظات الهلاك القادمة عليها:
"هدى.. هدى أنا مخرجتش ماشي؟"
استغربت هيئتها ونظرت إليها باستغراب وذهول ثم أمسكت بيدها التي تضعها عليها وتسائلت بجدية:
"مالك في ايه؟"
عقبت الأخرى على سؤالها مُجيبة بلهفة وسرعة:
"عامر هيجي دلوقتي لو سألك أنا خرجت قولي لأ مخرجتش وإني قاعدة هنا من زمان وأنك كنتي فوق عندي وأنا هفهمك بعدين ماشية".
رأت مظهرها الخائف المُرتبك، وعينيها تتأمل بها الخضوع لرغبتها وإخراجها من ذلك المأزق التي وقعت به والتي هي لا تعلمه، فحركت رأسها إليها بالإيجاب فابتسمت الأخرى وتركتها وفرت إلى غرفتها ركضًا.
أغلقت الباب خلفها ودلفت إلى الداخل تركض بحركات هوجاء غريبة. ذهبت إلى الكومود جوار الفراش وفتحت درجه أخرجت منه أوراق كثيرة وقامت برميها على الفراش. ثم ذهبت إلى طاولة في الغرفة صغيرة عليها حاسوب أخذته هو الآخر وقامت بفتحه ووضعته على الفراش جوار الأوراق.
أخذت الحقيبة وأخرجت منها الهاتف وتركته معهم ثم انخفضت ودفعتها أسفل الفراش بما بداخلها. رفعت البلوزة التي كانت ترتديها للأعلى تخلعها عن جسدها بسرعة وتعجل، وهي تسير إلى داخل غرفة الملابس. وعلى حين غرة استمعت إلى صوت سيارته في الأسفل فركضت للداخل تلقي البلوزة أسفل الملابس تخفيها وفعلت بالجيب المثل بعد أن خلعتها عن جسدها وأخذت روب كان معلق أمامها ارتدته سريعًا تحكم غلقه عليها وهي تخرج إلى الغرفة ثم صعدت على الفراش تجلس عليه براحة تحاول أن تضبط أنفاسها المسلوبة منها. أخذت الحاسوب على قدميها وما كانت أن تجذب السلسال من حول عنقها إلا أن باب الغرفة فُتح بقوة مرة واحدة.
ظهر من خلف الباب بوجهٍ جامد ملامحه حادة قاسية. رفع بصره عليها وتوقفت عيناه السوداء في تلك اللحظات على خاصتها حتى أنه دلف إلى الغرفة وأغلق الباب من خلفه وعينيه عليها كما هي.
بعد رؤيتها له والنظر إلى مظهره، ارتفعت وتيرة أنفاسها بقوة وصوتها كان واضح. ولأجل أن تخفي ما بها صاحت بقوة وصوتها يرتعش يخرج بغير اتزان:
"قولتلك مليون مرة متدخلش الأوضة كده خضتني".
حرك لسانه داخل جوفه وظهر هذا من الخارج. رفع يده إلى رأسه من الخلف وحكها بأصابعه وعينيه مازالت عليها بطريقة ثاقبة تجعلها تموت داخلها.
لسانها سليط، عنيدة، شرسة وقوية ولا تهابه ونعلم جميعًا ذلك. ولكنها تعلم أن هناك حدود لـ عامر. إن تخطتها عليها تحمل نتيجة لن تعجبها أبدًا. ولأن حظها عثر هي الآن ترتعش بسبب هذه النظرات وعقلها على دراية تامة بذلك لأنها تخطت أول وأكبر حد وضع بينهم. ولعبت في أمر مرفوض تمامًا وهو الغيرة.
عندما وجدته صامتًا ويقف أمامها بهذه الطريقة لا يتحرك فقط عينه عليها، أردفت قائلة بتساؤل وهي تحاول أن تضبط نفسها:
"في ايه؟"
أقترب إلى الفراش بخطوات ثابتة بطيئة وجسده صلب شامخ أمامها. تفوه بكلمات خافتة هادئة ولكنها حادة قاسية:
"هو أنتي فاكرة إنك لما تخلي فايزة وهدى يقولولي إنك مخرجتيش كده أنا هصدق؟"
تصنعت الغباء وعقبت قائلة باستغراب وعينيها عليه:
"مش فاهمه؟ قالولك ايه ومخرجتش فين؟"
ارتسمت على شفتاه ابتسامة ساخرة ومازال يتقدم منها بهدوء. أجابها يتهكم عليها ثم أكمل بجدية:
"لا يا شيخة؟ أنتي لو في وسط مليون واحدة كلهم نفس الشكل والهيئة دي بردو هعرفك".
ابتلعت ما وقف بحلقها وحقًا لا يهمها أي شيء. ولكن أن يعلم عامر أنها من كانت في أحضان هشام سيقتله ويقتلها إن لم يفعل الأسوأ.
"أنت بتتكلم عن ايه بالظبط؟"
وقف أمامها بالضبط جوار الفراش وتسائل ببرود بعد أن وضع يده الاثنين داخل جيوبه:
"تعرفي هشام الصاوي منين؟"
رفعت وجهها للأعلى لكي تستطيع النظر إليه بعد أن أصبح أمامها وهي تجلس على الفراش وقالت بجدية وبعد أن حاولت الهدوء تحلت بالقوة:
"قولتلك معرفوش".
حرك لسانه على شفتيه يبللها، ووزع بصره على ملامحها المتوترة التي أكدت له منذ أن دلف إليها أن ما فكر به صحيح.
"مش هسألك تاني بعد المرة دي! تعرفي هشام الصاوي منين؟"
صاحت بقوة هذه المرة أكثر من السابق وعينيها حادة عليه لكي يتراجع:
"قولتلك معرفوش".
رفع قدمه اليمنى ودفع بها قدمها المتدلية من على الفراش بقوة ألمتها وجعلتها تصرخ بعنف بعد أن اصطدمت بالكومود. أكمل بعد فعله ببرود:
"اللي في رجلك ده ايه؟ مش كنتي لبساه وأنتي في حضـ ـنه يا حيوانة".
انخفضت وهي جالسة على الفراش تضع يدها على قدمها التي تناست أن تخلع عنها حذائها ذو الكعب العالي التي كانت به في الخارج. يا لها من غبية. حركت يدها بقوة على قدمها والألم مرتسم على ملامحها بفعل ضربته القوية عليها.
القادم أسوأ بكثير. لو كانت اقنعته أنها هنا ولم تخرج وهذا مستحيل فالحذاء الخاص بها محى كل ذلك وجعله يتأكد أكثر.
خلعت الحذاء من قدميها الاثنين وألقت به على الأرضية ثم وقفت أمامه بوجه جامد حاد مثله بعد أن وجدت أن الكذب لن يفيدها معه:
"نعم؟"
أقترب خطوة واحدة وأصبح لا يفصل بينهم أي شيء ثم حرك شفتيه يسألها بعمق:
"ايه علاقتك بيه؟"
نظرت داخل عينيه بقوة وأجابته بثبات:
"علاقة عادية".
ضغط على أسنانه وحرك فكه وشفتيه بحديث غاضب حاد وعينيه تشتعل بالنيران في الداخل يغطيها ذلك السواد بها:
"علاقة عادية وأنتي واقفة في حضنه وهو أيده رايحه جايه عليكي زي أي واحدة زبالة".
رفعت صوتها عليه وهي تُجيبه بحدة وقوة نافية ما يقوله عنها بعد أن أحرقها ذلك التشبيه التي كانت حقًا به:
"احترم نفسك يا عامر أنا مش كده.. أنا كنت هقع وهو كان بيسندني مش أكتر".
أزعجه صوتها وتلك الحدة التي تتحدث بها. أقترب إلى أن التصق بها بغضب وقسوة يمسك ذراعها بكف يده العريض القوي يضغط عليه بحدة وقسوة ثم أردف بثبات وتأكيد ولم يكن تهديد أبدًا:
"كدابة.. كدابة وستين كدابة وسنينك الجاية معايا سودة… لو مفكرة إنك ممكن في يوم من الأيام تتجوزي واحد تاني غير عامر القصاص وديني وما أعبد اقتلك فيها وهحصلك بردو مش هسيبك".
حاولت جذب يدها منه بالقوة ولكنها لم تفلح، بقيت عينيها الزيتوني عليه وصاحت بعناد:
"اوعا سيبني كده أنت اتجننت ولا ايه.. أنا وأنت خلاص مافيش الكلام ده بينا كل واحد راح لحاله وأنا هشوف حالي بعيد عنك".
أقترب بوجهه منها وابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة يبادلها نفس العناد الذي تتحدث به ولكنه كان واثق أكثر منها وضغط على ذراعها أكثر:
"مش كل شوية هنقول الكلام ده بقى.. حالك هو حالي وأنتي اللي جبتيه لنفسك وبما إنك بتفكري في الموضوع بقى يبقى استعدي للي جايك".
كرمشت ملامح وجهها بانزعاج شديد وضيق لأ تتحمله. لن توافق عليه مهما حدث، الخائن الذي باع كل ما كان بينهم من حب وود، القاتل الذي أودي بحياة عائلتها.
"مش هيحصل مهما عملت يا عامر.. مهما عملت عمرك ما هتلاقيني موافقة عليك من تاني.. أنت أسوأ قدر قابلني في حياتي ووصمة هتفضل ملزماني بذكريات وفقدان بشع".
حرك سواد عينيه عليها وأردف مُعقبًا بتأكيد وثبات واضح:
"قولي مهما تقولي.. أنا لحد النهاردة ولحد اللحظة دي وبعد ما رفضتيني للمرة المليون متأكد مليون المية إنك بتحبيني.. أنتي عنيكي فضحاكي قدامي…. وقدام الكل".
صمتت وهي تستمع إليه. ذلك الغبي يحاول أن يكون الأقوى، يحاول أن يجعلها ضعيفة مرة أخرى أمامه وتستسلم لحبه وتقول ما فات قد مات ودُفن، يحاول أن يؤكد بها أنها مازالت تحبه وهو يعلم ذلك. ولكن ليفعل مهما يفعل ستكون كما هي.
أمسك ذراعها الآخر بيده الأخرى وضغط عليهما معًا بقوة جعلتها تئن بألم وهو يقرب وجهها منه ليردف بقسوة وعنف:
"أنا كان ممكن أحاسبك بطريقة وسخـ* فعلًا على العمله دي بس وديني ما هتعدي بالساهل".
صرخت بقوة وعنفوان:
"هتعمل ايه ها؟ قول يلا هتعمل ايه".
صدح صوتها وأنفاسها تلوح أمام وجهه ليستنشقها بحب ورغبة، ثم ابتسم وهتف بنبرة واثقة باردة:
"يا خبر بفلوس".
نظر إليها مطولًا نظرة ذات مغزى ومن بعدها ترك يدها الاثنين وتوجه إلى الباب بخطوات واثقة ثابتة على الأرضية. نظرت إليه للحظات وهو يبتعد وعقلها يحاول التفكير ما الذي يقصده. ثم في لحظة صرخت وهي تقترب منه لتجعله يبتعد بعقله عن هشام:
"استنى عندك.. أنا وهشام مافيش بينا أي حاجة ده مجرد صديق مش أكتر".
استدار وهو عند باب الغرفة، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل ثم العكس ووقف عند عينيها وهتف بنبرة جادة وعينين قاسية تنظر إليها:
"منا عارف.. ماينفعش يكون في بينكم أكتر من كده لأنك بتاعتي… بتاعتي لوحدي وقريب أوي هتتأقلمي على الوضع ده وأنا محدش يعرفني قدك يعني لما بقول… بنفذ".
ثم فتح باب الغرفة وخرج منه دون حديث آخر وأغلقه خلفه. لقد كان ما فكر به صحيح وهي من كانت هناك معهم. ولكنها مؤكد ليست في علاقة مع ذلك الغبي فهي تحبه إلى أبعد حد وحتى لو كانوا بعيدين عن بعضهم. هي لا تستطيع أن تحب أحد غيره وقلبها الذي كبر على عشقه من المستحيل أن يفكر في رفيق آخر غيره.
متأكد من ذلك كما أنه متأكد من كونه عامر القصاص. ولكن عليه أن يلقنها درسًا لتتعلم منه كيفية التصرف حتى وهي بعيدة عنه.
وقفت في الداخل تفكر باستغراب كيف لـ عامر بعد أن علم أنها من كانت بين يدي الآخر يتركها هكذا دون أن يفعل شيء؟ كيف له أن يكون هكذا حقًا؟ وما الحديث الذي تفوه به عن القادم منه وكيفية التأقلم عليه؟ إنها من المستحيل أن توافق عليه وهو لن يفعلها بالقوة لو كان يريدها هكذا لما كان يتركها كل ذلك الوقت!
أشياء كثيرة داخلها تجعلها مُشتتة وأول ما بها معرفته أنها تعرف هشام الصاوي. ولكن حمدًا لله أنه مقتنع أنها لا تحب غيره لذا ستكون نظرته مُبتعدة قليلًا عنه.
❈-❈-❈
"بعد يومين"
بعد تواجد الجميع في غرفهم داخل هذه الفيلا التي فقدت روحها منذ عامين وإلى اليوم ليس هنا أي شخص داخله تعمل معه. هناك من فقد روحه للأبد وهناك من تبادل مع الآخر أرواح مأخوذة بالقوة.
كان يرتدي ملابس بيتيه، بنطال أسود قطني يعلوه قميص بنصف كم من اللون الرصاصي حذاء منزلي بإصبع واحد مفتوح من الأمام والخلف، خصلات شعره السوداء مصففة بعناية ومظهره أنيق يتناسب مع هيئته في الخارج ومع اسمه "عامر القصاص".
سار بهدوء في الصالة ويده الاثنين في جيب بنطاله. تقدم إلى مكتب والده الذي كان مفتوح إلى المُنتصف. وقف أمامه للحظة واحدة يأخذ نفس عميق براحة ووجه هادئ للغاية يحث نفسه على التكملة بنفس هذا الوضع حتى يخرج من الداخل.
دلف إليه وسار إلى أن وقف أمام مكتبه ووالده تحت ناظريه يراه وهو يعمل على أوراق بيده يرتدي نظارته وينظر إلى الأوراق بدقة.
وقف عامر أمام المكتب وأصدر حمحمة رجولية من فمه حتى يجذب انتباه والده إليه. رفع والده عينيه من على الأوراق ونظر أمامه ليجد ابنه يقف هكذا يضع يده الاثنين في جيوب بنطاله وينظر إليه بجدية. أخفض النظارة من على وجهه واضعًا إياها على المكتب أمامه ثم أخرج كلمة وحيدة مُتهكمة من فمه:
"خير؟"
أخرج عامر يده اليمنى من جيبه ورفعها إلى جبينه يمسح عليه بحدة. أخفض يده وحمحم مرة أخرى ثم أردف بجدية وعيناه البُنية على والده:
"خير متقلقش".
صمت من بعد هذه الكلمات وبادلة والده نفس ذلك الصمت واضعًا يده الاثنين على المكتب أمامه متشابكين منتظر أن يكمل ويقول ما يريد. ففعل وتفوه بكلمات جادة للغاية ناظرًا إليه:
"أنا عايز اتجوز سلمى".
بقيت نظرات والده عليه بل اخفضها ليأتي به من الأسفل إلى الأعلى واستقر أمام عيناه بثبات وكأنه في البداية يشعره بكم الاستهزاء الذي وقع عليه:
"ومين قالك أن سلمى هتوافق ولا أنا حتى هوافق".
وضع عامر يده داخل جيبه مرة أخرى ووقف أمامه شامخًا حرك رأسه للأمام وضم شفتيه إلى بعضهما ثم هتف يتساءل:
"طب سلمى وعارفين مش هتوافق ليه أنت بقى ايه المانع".
عاد والده للخلف يستند بظهره إلى ظهر المقعد وأبعد يده عن المكتب قائلًا بوضوح:
"أنت عارف المانع كويس وكان واضح من الأول".
تحدث عامر باستهزاء وسخرية وداخله يموت أكثر من مرة في الثانية لأجل ما يفعله معه والده، ولكنه يقابله بالبرود التام:
"آه كان واضح حتى إنك قولت لعمي الله يرحمه بلاش دا ابني وأنا عارفه على أساس محدش يعرفني غيرك".
أكمل على حديثه بنبرة جادة:
"بالظبط كده ولسه عند كلامي.. سلمى متستاهلش واحد زيك، البنت جميلة وبريئة وردة مفتحة محتاجه اللي يظهرها ويظهر جمالها.. مش أنت، كفاية اللي حصلها بسببك".
أهتاج بعد الاستماع إلى هذا الحديث وأخرج يده من جيبه ورفعها أمامه يحرك إصبعه السبابة واثقًا من حديثه الذي أصبح حاد:
"سلمى مش محتاجة غيري ومش هتكون لحد غيري لو هعاند الدنيا كلها وأنت وهي أول ناس بردو مش هتكون لغيري".
أبصره والده بقوة للحظات وهو يعيد ترتيب حديثه داخل رأسه ثم عقب بجدية شديدة:
"أنا لو هقف قصادك العمر كله مادام هي رافضة ومش عايزاك مش هسمحلك تغصبها وتضغط عليها واللي هي تختاره هتاخده، أنا هنا مكان أبوها اللي رماها ليك".
أخفض عامر يده ونظر إليه بقوة اجتاحتها القسوة هاتفًا:
"وأنا بقولك يا أنا يا مافيش… أعتبر الرجـ ـالة خلصت لحد هنا".
أكمل حديثه هذه المرة بنبرة عادية ينظر إليه بعمق ليجعله يفهم أنه سيفعل ما يريد مهما حدث ولن تكون إلا له:
"أنا جيتلك الأول احترامًا لأنك أبو البيت زي ما بيقولوا بس الظاهر إن مالكش رغبة في الموضوع ده.. ننقل بقى لصاحبة الشأن نفسه وهي هتوافق وبكرة تشوف".
وضع يده في جيبه مرة أخرى ونظر إليه بتحدي وعمق ثم استدار رافعًا رأسه يصدر صوت صفير حاد عالي وهو يسير للخارج ببرود. منذ لحظات قليلة كان يشتعل لأجل حديثه الغير مقبول بالنسبة إليه أبدًا، ماذا عن الآن يبدو باردًا، هادئ، يفعل ألحان من ذلك الصوت الذي يصدره من فمه.
سار بثبات وهدوء وكأنه يخطط لشيء ما نتيجته محسومة بالنسبة إليه. نظر إليه والده ورآه وهو يخرج من المكتب دون أدنى اهتمام يعطيه إليه، بل أشعره باللا مبالاة التامة من ناحيته. يخاف على ابنة أخيه منه خوف يقتل داخله. تركها عامر عامين ولم يفتح الأمر مرة أخرى وكونه الآن فكر بده فهو سينفذ ولكنه لن يتركه يفعل معها أي شيء لا تريده.
سيقف جوارها ويبقى معاها إلى أن يطمئن عليها. سيكون سند لها وحتى إن أضطر إلى أن يقف أمام ابنه كما قال. لن يتركه يفعل بها ما يريد، ولن يتركها تأخذ القرار وحدها فهو يعرف أنها إلى الآن تحبه وتهوى قربه أكثر من أي شيء آخر ولكن الماضي يؤثر عليها في كل مرة تقرر العودة إليه.
❈-❈-❈
جمعت أشيائها الخاصة في حقيبتها الصغيرة ذو اللون الأسود، ثم وضعت الحاسوب في حقيبته ووقفت على قدميها تأخذهم الاثنين بيدها اليسرى تسير متجهة إلى خارج مقر الجمعية. ورفعت مفاتيح سيارتها التي كانت تتمسك بها في يدها اليمنى. حركت وجهها للناحية اليمنى بقوة لتتحرك خصلات شعرها القصيرة إلى الخلف كي لا تزعجها.
أثناء سيرها في الرواق وجدت من يتقدم منها بابتسامة عريضة ووجه بشوش. لقد كان هشام يدلف ومعه إيناس ابنة عمه. وقفت في مكانها بعد أن رأتهم ولم تتحرك خطوة. نظرت إليهم باستغراب وهتفت بجدية:
"ايه ده محدش قال إنكم جاين يعني".
ضيق عينيه عليها بخبث وأردف بطريقة مُعاتبة مازحة ليبقى قناع وجهه كما هو:
"ايه مكنتيش عايزانا نيجي ولا ايه".
حركت رأسها وابتسمت بهدوء مُجيبة إياه بنفي:
"لأ طبعًا مش قصدي.. بس مفاجأة يعني مش أكتر".
تحدثت إيناس هذه المرة وهي تقترب منها بعيون حادة كعيون الصياد البارد الذي يدعى البراءة:
"بعد اللي حصل آخر مرة هشام قرر يعوضنا بسهرة حلوة وفي مكان عامر مستحيل يعرفها".
اعترضت على هذا الحديث والإقتراح الغبي المقدم من ناحيتهم:
"لأ لأ يا جماعة معلش أنا بجد تعبانة النهاردة".
أبصر عينيها بعمق وقوة وأردف بنبرة جادة:
"مش هتفلتي مني يا سلمى أنا بقالي كام يوم مش عارف أقعد معاكي".
كرمشت ملامحها وحاولت الاعتراض مرة أخرى بطريقة أقوى كي تتراجع هي وهو:
"هشام والله مرة تانية بجد أنا تعبانة".
استمعت إلى صوت إيناس الساخر منها التي تعلم جيدًا ما هي مخاوفها:
"تعبانة ولا خايفة من عامر".
حركت وجهها إليها ونظرت إلى عينيها بعمق للحظات خلف بعضها دون حديث ثم أجابتها بحدة قليلة وضيق ارتسم على ملامحها:
"وأنا هخاف منه ليه يا إيناس قولنا مليون مرة هو من طريق وأنا من طريق القصة كلها في إنه شافني في وضع وحش".
دخل هشام قائلًا بنبرة مُلحة ليجعلها توافق على تطلبه وتتقدم معه إلى المكان الذي يريده:
"طب وأنا اعتذرت عن الوضع الوحش ده وهو مش هيشوفك خلاص بقى".
حركت رأسها بنفي مرة أخرى واعترضت بجدية واضحة:
"بجد مش هينفع".
أقترب منها خطوة وهو يُصر عليها بقوة ضاغطًا عليها أكثر عندما أخذ منها حقيبة الحاسوب ورفع عينيه صوبها ببراءة لا مثيل لها:
"لأ هينفع هاتي".
أخذت نفس عميق ما أن أخذ حقيبتها ثم أردفت متسائلة وبعدها أشارت إلى ملابسها المكونة من بنطال أبيض يعلوه قميص حرير لونه وردي تختفي أطرافه داخل البنطال وحذاء رياضي مريح:
"طب رايحين فين وبعدين بصوا شكلي".
تقدمت منها الأخرى وأمسكت بيدها قائلة بابتسامة عريضة:
"شكلك زي القمر وبعدين إحنا هنروح مكان أمان ومحدش هيشوفك".
كتبتها سلمى بعينيها وتسائلت:
"فين ده؟"
بنفس تلك الابتسامة أجابتها وعينيها تخفي بريق لا مثيل له ليس معروف ما هو أصله:
"شقتي الجديدة".
ارتبكت سلمى كثيرًا، كيف لها أن تذهب إلى شقتها ومعهم ابن عمها؟ لن تفعلها أبدًا ما هذا الهراء.
"لأ خليها مرة تانية بلاش دلوقتي".
اختنق الآخر من كثرة المحايلة في كل مرة يريد منها القرب فقال بنفاذ صبر:
"ايه ده اللي بلاش دلوقتي هو أنتي مالك بجد يا سلمى".
أشارت بيدها وهتفت بقوة وعينين حادة وهي تصيح:
"ماليش يا هشام بس مش هينفع أروح معاكم شقة".
استدار يوليها جانبه ونظر إلى ابنة عمه قائلًا بقوة ونبرة حادة متضايقة:
"قصدك ايه بالكلام ده؟ أنتي مش واثقة فيا ولا ايه؟ نبرتك اتغيرت وأنا بجد اتخنقت".
صاحت هي الأخرى مثله:
"مش قصدي يا هشام مش قصد".
نظر إليها بقوة ثم استدار بجسده بالكامل وسار إلى الخارج بعنف وقوة وجسده متشنج. أنها أصبحت مصدر إزعاج حقًا بالنسبة له ومنذ أن رآها عامر وهي تبتعد عنه بقدر ما استطاعت. ولكنه لن يتركها مهما حدث. سيكون خلاصها من الجحيم بيده هو. هو وحده.
جذبتها الأخرى بكامل الخبث الذي تحمله داخلها وتحدثت بجدية وعتاب:
"يلا بقى يا سلمى بلاش تزعليه هي أول مرة يعني نبقى سوا.. وبعدين هنقف نتكلم هنا..".
سارت معها على مضض ومازالت تعترض وتتفوه بقوة أن ذلك لا يجوز ولن تفعله:
"مش هينفع صدقوني..".
❈-❈-❈
دق باب الشقة التي كانت متواجدة بها بعد رحيل إيناس. وقفت على قدميها وتقدمت من الباب لترى من الطارق ربما تكن هي، ولكن أليست معها مفتاح لشقتها؟
أخذت نفس عميق ثم وقفت أمام الباب من الداخل. أمسكت المقبض بيدها وأدارته لينفتح الباب مع حركة يدها التي تجذبه للداخل.
كانت الصدمة كبيرة عليها هذه المرة، اتسعت عينيها بقوة وانخفض ضغط الدم بجسدها، ارتمى قلبها أسفل قدميها وتوقفت دقاته هنا، أو تسارعت أكثر وكأنه في سباق عليه الفوز الحتمي به. لا تستطيع التحديد الآن ما الذي يحدث به. لم تستطع حتى أن تبتلع ما وقف بحلقها بعد رؤيته هنا، نظراتها مُثبتة على عينيه، جسدها بدأ بالارتجاف بقوة وأنخفضت يدها عن مقبض الباب والخوف احتل كل خلية بها.
الرهبة واللهفة المُتعطشة لأي حركة قد تدلها على الخير وأن القادم لن يكون سيء، ولكن ذلك لن يحدث. لم يكن هو يحتاج لأي نظرة خوف أو عتاب، أو رهبة منها، لأنه لن يتراجع عما يريد. إن كانت مرت عليهم ليالي تحمل من السوء ما يكفي فهذه الليلة ستكون بداية الأسوأ الذي ينتظرها.
عينيه انخفضت عليها غمامة سوداء حالكة حادة، نظرتها جامدة قوية تحمل من القسوة ما يكفي بلاد الاحتلال. شفتيه لو تراها وهي مضمومة بهذه الطريقة وفكه الذي يتحرك بعنف ضاغطًا على أسنانه في الداخل ستقول أنه على وشك قتل أحدهم.
صدره يعلو وينخفض بغضب عارم، جسده مُتصلب وبقوة، يضغط على يده الاثنين بعنف حتى ابيضت مفاصله ونظرته نحوها كانت تحمل كل الشر الموجود بقلبه ناحية كل من أراد التفريق بينهم.
عينيها لم تصدق الذي رأته وقلبها لم يساعدها والتفكير الذي دائمًا موجود برأسها اختفى الآن تاركّا إياها في عطلة لم تكن تريدها أبدًا، رهبتها وخوفها من أن يفهم ما يحدث بأنه خطأ أكبر بكثير من خوفها الذي احتل الموقف بينهم بعد هذه النظرات التي تقول إنه هنا لقتلها لا محالة.
تقدم خطوة والأخرى ببرود تام وعينيه لم ترمش مرة واحدة، حادة عنيفة قاسية كما هي مُثبتة على عيون الزيتون خاصتها، يبشرها بكل عنف وقسوة قادمة إليها منه، يبشرها بكل ما هو سيء قام إليها منه.
تراجعت خطوة خلف الأخرى كلما تقدم هو، ابتلعت ما وقف بجوفها منذ أن رأته ولم تكن تستطيع فعله، حاولت أن تجعل صوتها يخرج لتخفف حدة ما يحدث، لتخفف نظرته نحوها ولتبرر موقفها الذي يحكي وحده عما يدور من دون علمه. وللحق لو أحد آخر غيره لن يصدق أي حديث تقوله.
ابتعدت شفتيها عن بعضهما في محاولة بائسة منها لشرح موقفها العثر، وأصبحت وتيرة أنفاسها عالية لاهثة، تعود للخف وهو يتقدم إلى أن بقيٰ معها داخل الشقة، ثم دفع الباب بيده بقوة وعنف ارتجفت لها الجدران وارتجف جسدها معها. ومازالت عينيه عليها لم تتحرك.
هنا ابتلعت ما وقف بجوفها مرة أخرى ناطقة باسمه بنبرة خافتة تُكاد تكون مختفية من الأساس، وعينين ترتجف كارتجاف شفتيها وجسدها:
"عامر".
رواية بين دروب قسوته الفصل العاشر 10 - بقلم ندا حسن
تحرك جسده ناحيتها بعنفوان وقوة وظهر طوله الفارع أمامها عندما وقف قبالتها، لا يبالي بأي من الواقفين، قائلًا حديثه بتأكيد:
- على جثتك ولا مش جثتك، أنا قولتلك وبقولك وهقولك أنتي ليا وبس، وأعلى ما في خيلك اركبيه.
منذ أن أردف بكلمات الزواج تحولت إلى أخرى، صاحت أمامه بعينين قويتين عنيفتين حادتين، وهي تضغط على صدره بأصابع يدها اليمنى:
- غصب عنك مش هتجوزك، وهشوف حياتي مع حد غيرك ومش هوقفها عليك ولا على تهديداتك دي.
أظهر موهبته في الاستفزاز والتبجح قائلًا لها وهو يومأ برأسه للأمام بابتسامة ساذجة:
- حياتك مش هتقف فعلًا.. هتمشي بس معايا.
استفزها بشدة مظهره وحديثه الذي يلقيه أمامهم بتأكيد تام، وكأنه يعلم أن ذلك سيحدث بالفعل، قالت مؤكدة هي الأخرى بجدية:
- قسمًا بالله لو آخر واحد في الدنيا.. أنا مستحيل أرجعلك وأكون معاك حتى لو روحي فيك.
ابتسم ببرود وأشار إلى الواقفين قائلًا بثبات:
- روحك فيا وهترجعيلي قدام الكل.
رفعت يدها الاثنين إلى صدرها ودققت النظر به داخل عينيه بالتحديد، وبادلها ذلك تحت أعين والده وشقيقته، ثم أردفت بصوت حزين خافت:
- أرجع للي كسر فرحتي بحياتي وخطف مني أهلي؟
عاد للخلف خطوة، هل مازالت تفكر به هكذا؟ حتى بعد أن استفاقت من صدمتها بموتهم!، إلى اليوم تعتقد أنه كان السبب بموتهم وهو من جعل حياتها حزينة؟
تنهد بعمق مُجيبًا بقوة:
- أنا لا عملت ده ولا عملت ده.. أنتي بتبرري لنفسك.
نظرت إلى الناحية الأخرى لترى عمها يقف جوار ابنته فقط يستمع إليهم، وإلى الآن لم يتحدث مرة أخرى، لقد كان واقعًا بصدمة تخص ابنة أخيه.
هتفت ببرود:
- ولو ببرر لنفسي أنا مبقتش عايزاك.. مش شيفاك شريك حياتي، أنت مجرد ابن عم.
رفع إحدى حاجبيه ونظر إليها بعينيه السوداء الخاصة بالغضب، والتي أصبحت هكذا في أغلب الأوقات، أراد أن يجعلها تغضب أكثر فصاح:
- أنا مش شريك حياتك وبس.. أنا جوزك وعملك الأسود اللي هيلمك من الشقق والشوارع.
صرخت بعنف وقوة بعد أن مزقها حديثه البغيض:
- احترم نفسك وشوف أنت بتقول إيه.. بلاش أنت تتكلم على الشقق علشان إحنا عارفين اللي فيه.
بدون أدنى اهتمام أردف بكلمات غبية لا تؤخذ من رجل عاقل ولم تروقها أبدًا:
- أنا راجل براحتي وأعمل اللي أنا عايزه، مافيش حاجة تمنعني، لكن أنتي ست وعندك الموانع كتير وأولهم أنا.
تساءلت ويداها الاثنين أمام صدرها:
- بصفتك إيه؟ ها.. الوحيد اللي ليه كلمة عليا هنا هو عمي.
ابتسم بسخرية ووضع يديه الاثنين داخل جيوب سترته، ونظر إليها بعمق مُردفًا بتأكيد:
- بكرة نشوف مين اللي هيكون ليه كلمة عليكي.
أخفضت يدها من على صدرها ونظرت إليه بعينين لا تدري ما المعاني التي داخلها وترسلها إليه، بادلها النظر مُطولًا بعينين ضائعة غبية تسير وراء أهوائها.
صدر صوت رؤوف، والده، بقوة بعد صمت دام طويلًا وتحرك للصعود إلى غرفته وعقله به شيء واحد يريد التفكير به:
- اطلعوا أوضتكم يا سلمى.. اطلعوا يا هدى.
تحركت سلمى قبلها إلى الأعلى تاركة إياه يقف في المنتصف وحده، ومن خلفها صعدت هدى، وعقل كل شخص بهذه العائلة مُنشغل بكثير من الأمور الذي تكاد أن تفجره.
صعدت على الدرج بسرعة وخطوات واسعة ثم دلفت إلى غرفتها ودفعت الباب من خلفها بقوة إلى درجة أنه أصدر صوتًا عاليًا للغاية، أبعدت الحقيبة عن كتفها وألقتها بقوة على الفراش ثم ذهبت إليه وجلست على حافته.
انخفضت بجذعها للأمام وهي جالسة، تضغط بيدها الاثنين على خصلاتها تعيدها للخلف بقوة، بدأت الدموع تخرج من عينيها بهدوء وبطء، في صمت تام ولم يخرج منها أي صوت، فقط دمعاتها تنهمر خروجًا من مقلتيها لتمر على وجنتيها المُكتنزة في طريق لا نهاية له.
حزنها الأول والأكبر كان من نفسها، لقد وضعت نفسها في موضع الاتهام وهي لم تفعل شيئًا، كان من المفترض أن ترفض الذهاب معهم بكل قوتها حتى ولو كان الانزعاج مصيرهم. كان من المفترض أن تبقى تلك الفتاة التي لديها مبادئ تسير عليها وتكمل نهج والدها وعائلتها، كان من المفترض أن تظل إلى الأبد بتلك الصورة التي قام والدها بتربيتها عليها.
الآن عمها ينظر إليها بشك، وابنته وذلك البغيض الذي لم يرأف بها وقام بالإفصاح عما حدث ليكون الموقف بصالحه. الآن يفكر بها السوء، لا يهم إن علم الآن بعلاقتها مع هشام، ولكن أن يراها هناك ويظن أن المنزل له، هذا غاية في القسوة والحزن الضاري.
جعلته بفعلتها يظن بها السوء ويرفع يده عليها، شيء لم يفعله والدها ولا أي شخص بحياتها، تعلم أنه متهور غبي ولكن لما يفعل ذلك؟ ويود الآن الزواج منها! مهما حدث وإن كان هذا الخيار الأخير بحياتها ومن بعده الموت، فلتأخذ الموت قبله.
رفعت رأسها للأعلى واستندت بكفي يدها على الفراش تنظر إلى سقف الغرفة، لقد كانت مشفقة كثيرًا على عقلها الذي لا يمر عليه لحظة ويكن يفكر في أمر غير الآخر، مُشتت بطريقة مُرهقة للغاية، مُشتت ضائع مخدوع وقلبها المثل ينتظر الجبر بعد كل هذا الصبر، ينتظر العوض الجميل.
صعد الآخر إلى غرفته، دلف إلى شرفة الغرفة وأخرج سيجارة من علبته الغالية الخاصة به، أشعلها ووقف ينظر إلى الفراغ أمامه على الأوراق الخضراء أعلى الأشجار، عينيه سوداء تماثل السماء فوقه، بدأ عقله في التفكير المميت فأخذ يدخن السيجار بشراهة وقوة غريبة.
نفذت منه فقام بإلقائها على الأرضية ودعسها بقدمه ثم أخرج غيرها وهو كما هو ينظر إلى تلك الأشجار، بدأ في التدخين مرة أخرى بشراهة أكبر.
عقله يأخذه إلى أماكن محظورة بالنسبة إليه، لو كان فقط لديه شك واحد بالمئة منها لكان قتلها قبل دلوفها إلى الفيلا، بل قبل خروجه من الشقة. تحبه ويعلم هذا ومتأكد منه، لذا لا يصدق أنها تهوى غيره وتريده، هذا ليس من طبعها، لا تجيد التمثيل أبدًا ولا تستطيع أن تكون ذلك الشخص ذو الوجهين، وإن كانت لا تريده فلن تستطيع النظر بوجهه.
ولكن الجانب الآخر يقول عكس ذلك، لقد علم من طرف يخصه أنها تقابله، تتحدث معه ومنذ الكثير وهو الأبلة لم يكن يرى أي من هذا ويعطي إليها الثقة الكاملة قائلًا أنها ليست مثله. الخيوط هنا متداخلة ولم يفهم إلا أنها ربما ومن المحتمل الأكيد تحاول أن تراه في مكانه. وهذا لن يحدث إلا عند موتهما.
جعل قلبه يبكي قهرًا داخله، ويشعر بحرارة النيران المُشتعلة بالقوة في الداخل يخرج لهيبها عليه هو رؤيتها هناك في منزله! لقد كان يتحدث بثقة مع الحقيرة الأخرى اعتقادًا أنها لا تفعلها، ولكنها طعنته بخنجر في ظهره بالخيانة وهي هناك!
شعر بأن الخنجر غرز في منتصف ظهره خيانة وقسوة من حبيبة عمره ومن هواها قلبه إلى أعوام طويلة. يالا قسوة الأيام ومرارة الفراق، اشتعلت النيران داخله وتضاخم صدره وشعر بأنه على وشك الاختناق وإلقاء حتفه فور أن تأكد فقط من أنها هناك وذهب عقله إلى الأماكن البعيدة التي تشير إليه بفعل أشياء دنيئة.
ولكنها لا تفعلها، ولن تفعلها، ما يقوله لها ما هو فقط إلا حديث بغيض يخرج في ساعة غضبه، لكنه يعلم أن حبيبته ليس هناك أنقى منها، ولن يكون هناك. مهما حدث لن تفعل ذلك الخطأ إلا معه ولن يكن حينها خطأ ستكون زوجته، حلالًا له وحده.
ألقى السيجارة كما الأولى وفعل بها المثل، وأردف عقله داخله بأن ما حدث لن يمر هكذا، ما فعله الليلة وتلك الفزعة التي تعرضت لها على يده كانت كافية لتجعلها تستفيق مما هي به. وما بقي له هو، يستطيع التصرف به. سيأخذ ذلك الخنجر الذي طعنته به ويحوله إلى أولى تذاكر الحب بينهم بعد الفراق الذي تعرضوا إليه.
في الصباح
هبطت سلمى من غرفتها في الأعلى إلى الأسفل في الصباح الباكر، لحظة وجود الجميع في غرفة الطعام يتناولن الفطور، سارت في ردهة المنزل بملابس رياضية مكونة من بنطال رصاصي اللون يلتصق عليها، وتيشرت يماثله في اللون مخطوط على صدره كلمة بالإنجليزية باللون الأبيض، مرتدية في قدمها حذاء رياضي أبيض.
وعقدت خصلات شعرها الأسود القصير رافعة إياه في الخلف فظهر أكثر قصرًا. وجهها أبيض نقي خالي من أي شيء سوى مرطب شفاه وواقي من أشعة الشمس الذي استخدمته قبل أن تهبط إلى هنا. قبل أن تقرر أنها ستبدأ من جديد وستنظر إلى نفسها وترى حياتها ماذا تريد وتفعله، ولتنظر إلى عقلها قليلًا وتخطو خطوة ناجحة تكن فارقة معها.
دلفت إلى الغرفة بهيئتها الغير معتادة، فلا تفعل هذا إلا كل فترة طويلة، عندما تدلف بهذه الملابس يكن اليوم مخصص لها وحدها لا يوجد به عمل ولا حتى أشخاص. تصفي ذهنها وتبقى جالسة مع نفسها لتأخذ قرارات فارقة معها.
ألقت عليهم تحية الصباح فأجاب من كان يجلس في الغرفة، عمها وابنته وزوجته عزة. نظرت إلى عمها بخجل واضح ثم سارت إلى الداخل وهم يتناولون الطعام. جلست قريبة منه في مقعد عامر الذي كان فارغ.
ابتلعت ما بجوفها، ورفعت عينيها الخجولة منه إليه مخططة داخلها أنها ستعتذر عما بدر منها في الأمس:
- عمي أنا آسفة.. أنا عارفة إني غلطت بس والله العظيم أنا عارفة حدودي كويس ولا يمكن أتعداها.
ترك الطعام من يده ونظر إليها والباقين كذلك، تحدث بجدية وعقلانية:
- أنتي عارفة إني بخالف عامر كتير، لكن امبارح لأول مرة بتفق معاه، ولو هو معملش كده كنت هشك في رجولته لأنه مش المفروض يسمحلك تروحي بيت راجل غريب.. ولا قريب حتى.
رفعت يدها تشير بها بخجل وهي تلح عليه بنظرتها وحديثها المرهق:
- صدقني والله العظيم دي شقة إيناس.. أنا حتى مش عارفة ليه بيقول أنها شقة هشام.
أكملت حديثها شاردة بنبرة جدية:
- أنا كنت في الجمعية وجاية على هنا والله إيناس أصرت عليا أروح أشوف الشقة الجديدة وابن عمها معاها، أنا عارفة إني غلطت وأعترفت بغلطي، لكن دي شقة إيناس وهشام ابن عمها شخص محترم وأنا أعرفه من زمان.
رد عليها بجدية أكثر:
- تعرفيه ولا متعرفيهوش مكنش المفروض تروحي معاهم.
تنهدت بقوة ثم أجابت قائلة:
- أنا آسفة أنا غلطت ومش هكرر الغلط ده تاني، متزعلش مني.
هتفت عزة بابتسامة بشوشة واسعة وهي تقول:
- مش زعلان طبعًا يا حبيبتي، في حد يزعل من بنته وهي قمر كدا.
استدارت لها بوجهها وابتسمت إليها بحب واحترام ثم عادت إلى عمها مرة أخرى قائلة بتساؤل:
- زعلان؟
نظر إليها بعينين تمتلئ بالحب لها، عينين العطاء بها يكاد يخرج منها رميًا بسبب كثرته، هتف بحنان بالغ ونظرة محتوية إياها:
- أنا مش زعلان منك يا سلمى.. أنا بس زعلت إنك حطيتي نفسك في الموقف ده وكنت عايزك تخلي بالك من نفسك أكتر من كده.
وقفت على قدميها وأقتربت منه وضعت شفتيها أعلى رأسه تقبله بحب بالغ ثم انتقلت إلى يده قبلتها كما رأسه، ترى والدها الراحل به وهو يرى شقيقه وعائلته بها.. وكل منهم يحاول مداراة النقص الذي يشعر به والفراغ المُميت الذي انقض على حياتهم عنوة.
قالت بابتسامة عريضة وصوت ناعم:
- متقلقش عليا يا حبيبي أنا بخير وهبقى بخير طول ما أنت موجود.
ربت على يدها وابتسم إليها بحب، نظرت هي إليهم جميعًا مُمررة عيناها الزيتونية عليهم قائلة بحماس:
- يلا عن إذنكم هخرج أجري شوية.
أردفت زوجة عمها بنبرة حنونة قلقة عليها:
- مش تفطري الأول يا حبيبتي.
رفضت الأخرى وهي تخرج من الغرفة:
- ماليش نفس والله يا طنط.
تركتهم ورحلت إلى الخارج، وعقلها فارغ تمامًا عن أي موضوع أو حديث استمعت إليه سابقًا، اليوم سيكون خالي من أي انزعاج فقط يوجد راحة لها.
خرجت من بوابة الفيلا ثم بدأت بالركض بطول الشارع الموجود به الفيلا، مُبتعدة عنها بمسافة كبيرة للغاية.
بعد مرور الوقت عليها وهي تركض في الشوارع في الصباح الباكر عادت مُنهمكة تتنفس بقوة ووجهها مُتعرق للغاية. وقفت في حديقة الفيلا مُنحنية على نفسها تضع كفي يدها الاثنين على ركبتيها تقف قليلًا لتأخذ أنفاسها المسلوبة منها أثناء الركض في الخارج.
وقف الأخر على بوابة الفيلا في الداخل ينظر إليها، كان خارج بعد فطوره للذهاب إلى عمله، ولكن هناك جنية تنحني على نفسها أمام البوابة في الداخل تأخذ أنفاسها وسلبت أنفاسه هو.
رفعت وجهها لتراه يقف عيناه مُثبتة عليها بقوة، نظرته ناحيتها ليست طبيعية وليس بها من الحب شيء، بل الرغبة التامة المعهودة في نظراته.
سارت أمامه تقترب منه للدلوف إلى الداخل، وكلما سارت ظهرت ملامحها أكثر، شفتيها المُكتنزة الوردية مُنتفخة أكثر مما هي عليه، عيناها تسلبه بنظرتها ولونها. وجهها مُتعرق تلهث ببطء بعد أن استجمعت أنفاسها وقد عبث به هذا أكثر. جسدها يغريه وهو مُحدد بتلك الملابس الرياضية، سيرها، حركاتها وكل ما بها وآه من قلبه وعقله، وآه أكبر بكثير من جسده الذي يطالب بالقرب العاجل منها.
كادت تعبر من جواره لتدلف إلى الداخل ولكنه أمسك بذراعها وهي تسير جواره، جذبها منه لتقف أمامه تنظر إليه باستغراب فتحدث بعد أن أخذ نفس عميق:
- عايزك في كلمتين.
ردت بلا مبالاة تامة:
- نعم.
شعر بأنها لا تعطيه اهتمام، ولكنه يعرف كيف يأخذه منها، أردف بجدية وتساءل:
- أنتي مفكرتيش أنا عرفت مكانك منين؟
وقفت مُعتدلة، استدعى انتباهها حقًا، نظرت داخل عينيه بدقة وفكرت في حديثه، أنها لم تتساءل عن ذلك أبدًا اعتقادًا منها أنه كان يراقبها:
- منين؟
أجاب بجدية شديدة وهو يضع يديه الاثنين داخل بنطاله:
- من اللي عملاها صاحبتك يا سلمى.
تغيرت تعابير وجهها مئة وثمانون درجة وهي تهتف بذهول مُستنكرة:
- إيناس!
أومأ إليها برأسه مُؤكدًا حديثه بقوة:
- آه إيناس.
أشارت بيدها ولوت شفتيها وهي تُعقب على حديثه بعقلانية خاصة بها تراها صحيحة من وجهة نظرها:
- مش مصدقة.. إيناس ليه تعمل كده مثلًا دي هي اللي أصرت عليا أروح معاها.
ضغط على يديه داخل جيوبه بقوة واستنكر أنها لا تصدقه وهو يقف يحادثها بهدوء ولين، أردف بقوة أكبر وهو يتقدم للأمام خطوة:
- مش مصدقة ليه هو أنا هكذب عليكي.. الست بتاعتك كلمتني وقالتلي إنك معاه لوحدكم وفي شقته هو مش شقته.
تساءلت باستغراب جلي وعيناها مُثبتة عليه لا تصدق أن صديقتها تفعل بها ذلك:
- أنت بتقول إيه؟
دقق النظر بعينيها وجمالها، ثم أردف بما يندس في العسل المسموم ليجعلها تخجل أكثر مما حدث:
- اللي سمعتيه.. أنا كذبتها وقولت إنك متعمليش كده، ولكن لما شوفتك هناك حسيت إني مكنش لازم أتسرع وأدافع عنك.
رفعت حاجبيها وعقبت بقوة تؤكد له أنها حقًا هكذا مثلما قال:
- لأ متسرعتش الشقة بتاعت إيناس وهي كانت معايا وأنا مستحيل أكون مع واحد في مكان لوحدنا.
قال مرة أخرى بعقلانية وتفهم، بعد أن فهم هو بالأساس ما الذي فعلته وتحرى من حديث سلمى:
- بعد ما قولتي الكلام ده امبارح أنا اتأكدت منه وفهمت هي عملت كده ليه.. زي ما عملتها زمان وبعتتك ليا وهي اللي بعدتك عني بتعملها دلوقتي علشان أشوفك خاينة.
لما قد تفعل كما يقول! لماذا؟
- أنا مش مصدقة إزاي إيناس لأ دي كانت معايا طول الوقت حتى لو كانت كلمتك بعد ما نزلت أنت مكنتش هتلحق تيجي.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله بحدة وهو يراها إلى الآن لا تصدق حديثه وتتغاضى عن أفعال الحقيرة صديقتها، فتحه وعبث به ثم رفعه أمام وجهها وأردف:
- ده رقم معرفوش مش بتاع إيناس هو ده الرقم اللي كلمتني منه امبارح بصي على الوقت أهو.
أشار إليها بجانب الرقم على وقت الاتصال ثم لأجل أن يجعلها تصدقه لأن هذا ليس دليل كافي اقترح قائلًا:
- تحبي أكلملك الرقم ده وتسمعي صوتها بنفسك؟
صمتت ولم تتحدث ففعل هو وضغط على زر الاتصال ثم فعل وضع مكبر الصوت وتمسك بالهاتف بيده واضعًا إياها في المنتصف بينهم لتستمتع إلى صوت جرس المكالمة.
أجاب صوت رجولي خشن يتحدث بلهجة غريبة عنهم قائلًا بحدة:
- ألو مين معاي.
أبصر الهاتف سريعًا حيث أنه كان لا يستطيع التركيز سوى عليها هي، ولكن الآن جذبه ذلك الصوت الخشن فاردف سريعًا بجدية:
- مش ده رقم إيناس بردو.
أجابه الآخر بنفس تلك النبرة واللهجة التي تبين أنها صعيدية أصيلة:
- لاه يا أبو عمو دِه رقم محسوبك عبده.
ضغط على أسنانه بقوة والدماء تغلي داخله، رفع الهاتف بيده إلى أمامه شفتيه قليلًا وأردف بقوة وعصبية:
- عبده مين ده رقم إيناس الصاوي.
انزعج الرجل وظهر هذا في نبرة حديثه الحادة الذي رد بها عليه:
- إيناس مين ما قولتلك دِه رقمي وبقاله عشر سنين معاي.
ثم انقطعت المكالمة من قبل الرجل الآخر، نظر إليها بقوة وقد خاب أمله في أن يجعلها تبتعد عنها باللين ليس القوة كما كان يفعل معها، لقد هاتفته تلك الحقيرة بالأمس من هذا الرقم كيف تغير هكذا في ليلة.
بينما الأخرى تراجعت سريعًا عما كان في رأسها وحمدت الله أنه أجرى هذه المكالمة فلو كانت واجهت صديقتها بحديثه الغريب هذا لكانت انقطعت علاقتهم وأبتعدت عنها بسبب شكها الغير منطقي بها.
قالت بنظرة حزينة تنبعث من عينيها إليه وعتاب تخلل صوتها:
- ليه عايز تبعدني عنها.. البنت كويسة معايا وعمرها ما عملت حاجة تدينها، ليه عايز تاخد كل حاجة في حياتي؟ علشان يبقى أنت بس الشخص الوحيد اللي معايا.. اللي أجري عليه في كل وقت! ليه عايزني أبقى عرـ ـيانة قدامك من كل حاجة؟
يالا الحظ وروعة معه. لقد لعبت معه حقًا وفازت عليه وأخذت منه الكأس ولكنه لن يتركها مهما حدث وسيكون عقابها عظيم.
أخرج يده من جيبه ونفى ما قالته بقوة قائلًا هو الصدق:
- وديني ما فكرت في اللي بتقولي عليه ده.. البت دي فعلًا مش كويسة يا سلمى بكرة تقولي عامر قال وأنا اللي مسمعتش كلامه.. لكن علشان بحبك مش هسيبك تنقرصي منها وتقولي ياريت اللي جرا ما كان، أنا هفضل في ضهرك مهما كنت مش طايقك ولا طايق عمايلك.
أبصرها للحظات وفعلت المثل تقلب الأمور داخل عقلها الذي بدأ بالتأفأف، لقد ضاع يوم إجازته، تود أن تصدقه ولكن ستجعل صداقتها تنتهي لأجل حديثه. أنه يكرهها، يبغضها ولا يحبها، لقد جربت الصدق منه سابقًا لن تأخذه مرة أخرى منه.
أخفضت عينيها عنه ثم سارت إلى الداخل تاركه إياه. وضع الهاتف بجيبه وتوعد إلى الأخرى بأشد عقاب ولكن صبرًا، صبرًا فقط.
جلس في مكتبه، منذ أن أتى إلى الشركة وهو لم يعمل، فقط يجلس على مقعده خلف المكتب ينظر في الفراغ يفكر كثيرًا وأكثر من الكثير، ويذهب بعينيه إلى صورتها الموضوعة على المكتب أمامها، ذات النظرة الساحرة والابتسامة الرائعة، بخصلاتها القديمة الذهبية ومظهرها الخلاب.
لم يستطع أن يجعلها تصدقه، إن وضع نفسه في محلها سيكون نفس الشيء لأنها لم تجد منه أي شيء صادق حتى الوعود. ولكنه مع ذلك كان يطمع في أن تصدقه وتبتعد عن تلك البغيضة على قلبه.
كان يريد أن يحميها منها بالإبتعاد عنها، لن يتركها وحدها وسيكون معها دائمًا ولكنها تترك لها الأمر وتفتح لها المجال أكثر وهي جوارها طيلة الوقت.
لم يكن يتوقع أن تفعل ذلك ويكون الرقم إلى شخص آخر، أو ربما هي أعطته لشخص آخر لا يفهم حقًا كيف تم الأمر بهذه السرعة والرجل يبدو عليه من مكان آخر بعيد عنهم. لن يفكر في هذا كثيرًا، سيترك كل شيء حدث على جانب ويتمسك بالمهم فالأهم، عليه أن يفكر في كيفية الزواج منها بمحض إرادتها.
لديه خطة لن يلجأ إليها إلا عندما يرى الرفض التام من قبلها وهذا واضح وبقوة، ولكن سيحاول لمرات أخرى حتى إذا قرر تنفيذ خطته لا تحزن من بعدها.
مد يده على المكتب وأمسك صورتها الموضوعة هنا منذ الكثير، أخذها ناحيته وأخذ يتأمل بها، هذه من كانت خطيبته، تعلم عنه كل شيء، يقص عليها كل ما كان يضايقه. يهتف بما يخفيه قلبه وعقله لها وحدها. يسرد لها المرارة التي تغص حلقه كل يوم عندما يرى والده وهو يبغضه ويبتعد عنه. من كانت تقرب له كل بعيد، وتربت على ذراعه قائلة بأن كل جميل ينتظره.
لقد كانت النصف الجميل له، الحلوى الذي يأخذها في فمه كل يوم بعد أخذ دواء بشع للغاية، هذه كان من المفترض أن تكون زوجته اليوم لو لم يكن سار وراء أهوائه واتبع المشروب وسال لعابه لغيرها. على الرغم من أنه لا يتذكر أنه فعل ذلك ولكنه المخطئ هنا. لو لم يكن حدث ذلك كانت اليوم زوجته، كان أخذ منها وارتوى بما يريد، كان كل يوم رأى كل ما هو جميل بغرفته، بحياته، كانت أيامه ستكون مُزهرة بالورود كما السابق.
أطال النظر عليها وهو يعيد الذي مضى ويندب حظه ويتخيل ماذا لو؟ في كل سؤال، فتح باب المكتب من دون استئذان ودلفت جومانا إليه وهو شارد بصورتها وفكره.
أغلقت الباب من خلفها وبقيت واقفة تنظر إليه وترى نظرته المعلقة عليها والحزن المُرتسم على ملامحه. منذ أن أتى وهو هكذا يبدو عليه الإرهاق والحزن، الآن تفهمت ما الذي أخفاه عند سؤالها عنه.
يالا حظها، عامر القصاص بنفسه وبشخصيته التي لا مثيل لها، نظرة عينيه ومظهره، جسده وحديثه ونبرته، وسامته وعصبيته، ابتسامته وحزنه كل ذلك كان ملك لها وحدها وتركته؟ قهرت أعتى الرجال حبًا بها وعشقًا لها، قهرت قلبه والهوى يزداد داخله مُشتعلًا مع النيران المشوهة دروبه الذي سار بها وحده بعد فراقها.
لما لا ينظر خلفه ويرى من تقتل نفسها لأجله، ليس لأجل مال، أو مظهر، أو أي شيء سواه، لما لا يدور بعينيه ويرى حبها المرئي للجميع سواه!
رفع عامر عيناه وتنهد زافرًا بقوة، استدار برأسه ناحية الباب بعد أن شعر بأن هناك أحد معه فوجدها تقف أمامه. تحدث بجدية مُتسائلًا مُستنكرًا وجودها دون أن يشعر:
- أنتي هنا من امتى؟
تقدمت سريعًا بابتسامة على وجهها ماحية كل ما كان في رأسها منذ لحظات وأردفت قائلة:
- لسه داخلة حالًا أهو أنت اللي كنت سرحان.
وقفت جوار المقعد الخاص به أمام مكتبه، نظرت إلى الصورة بيده ثم هتفت بنبرة خالية من أي مشاعر وتعابير:
- هو ده اللي مضايقك؟
رفع نظرة عليها، أبصرها جيدًا وهي تقف جواره ثم سألها بهدوء:
- هو إيه؟
أشارت بعينيها على صورتها التي بيده، للحقيقة هي جميلة، جميلة للغاية، جمالها طبيعي غير معهود يسلب القلب وللحق قد سلبتها تلك البراءة والشراسة الممزوجة معها منذ أول يوم وقعت عينيها عليها.
أبعد بنية عيناه التي عادت لطبيعتها مرة أخرى إلى الصورة ونظر إليها بحسرة وندم، وقلبه في الداخل يجعله يندم أكثر وأكثر كلما رآها أمامه.
أقتربت منه الأخرى على حين غرة وأخذت من يده الصورة ثم وضعتها على المكتب، لم تجعلها كما كانت بل وضعت الصورة بوجهها على سطح المكتب لكي تختفي من أمامه.
صاحت قائلة بقوة ناظرة إليه بعمق:
- أنت ليه موقف حياتك عليها؟ هي خلاص يا عامر مش عايزاك ليه بتعمل في نفسك كده؟
قدم يده إلى الصورة مرة أخرى بضيق، لقد تضايق من فعلتها ولكنه صمت فقط كي لا يزعجها، رفعها مرة أخرى ووضعها في موضعها الصحيح أمام وجهه كي يستطيع رؤيتها.
ثم عاد بظهره إلى ظهر المقعد وجلس بعنجهية يتسائل بنبرة ساخرة:
- وأنتي مين قالك أنها مش عايزاني؟
رفعت حاجبيها باستغراب وأجابته:
- كل ده ولسه هستنى حد يقول.. ما واضحة زي الشمس.
نظر في سقف غرفة المكتب وهو يعود بظهره للخلف أكثر، ثم قال بهدوء ونبرة واضحة مؤكدة:
- مافيش حاجة واضحة لأي حد غيري أنا وسلمى.. إحنا الاتنين فاهمين الدنيا ماشية معانا إزاي إنما اللي حوالينا مش فاهمين أي حاجة.
انتفض جسدها بعد استماع أذنيها إلى تلميحاته التي تقتلها من الداخل، والداخل أشد قسوة:
- قصدك إيه؟ يعني هترجعلك؟
اعتدل ونظر إليها من الأسفل إلى الأعلى قائلًا بسخرية وهو يبتسم:
- مالك اتخضيتي كده!
رفعت كتفيها وأخفضتهم بلا مبالاة مُصطنعة وهي تحرك رأسها قائلة بهدوء ونبرة جعلتها ثابتة قدر ما استطاعت:
- متخضتش أنا بسألك.
أغمض عينيه وعاد كما كان مرة أخرى وقال بسلام نفسي شعر به فتحدث به إليها:
- سلمى راجعة راجعة يا جومانا.
ابتعدت عنه وسارت حول المكتب لتقابله وصاحت بقوة وعنف:
- بس سلمى متستحقش تكون معاك.. أنت تستاهل واحدة أحسن منها تقدرك.
فتح عينيه وأبصرها من بعيد وليجعلها تصمت عن ذلك الحديث الذي تلقيه عليه منذ أول يوم علمت به بقصته مع حبيبته قال بتأكيد:
- سلمى تستحق الأحسن مني، ده شيء أنا معترف بيه من البداية، لكن لنفسي مش لحد لأن مهما حصل مش هسيبها تكون لغيري.. قدرها وقعها مع واحد زييا.
استنكرت حديثه عن نفسه بهذه الطريقة فقالت باندفاع:
- واحد زيك! أنت أي ست تتمناك.
بنفس ذلك السلام قال وبنبرة رخيمة:
- وأنا متمناش غير سلمى.
شعرت بالنيران تشتعل داخلها، حديثه يقودها للجنون، كيف لا يرى مثلها، كيف هذا الرجل ينظر إلى واحدة فقط ويتناسى كل النساء وياليتها تريده.
- عملالك سحر!
ابتسم بهدوء، ابتسامة رائعة، خلابة اختفت من على وجهه منذ الكثير، ولكنه ابتسم وهو يردف بكلمات كان يتذكرها في تلك اللحظات:
- كانت صغيرة أوي لما وقعتني، مكنتش تعرف السحر يا جومانا.
وقفت غير مُعتدلة ونظرت إليه بقوة ثم قالت بعنف وشراسة:
- تعرف إني غيرانة منها.
أبصرها واتسعت ابتسامته أكثر الذي استفزتها بشدة وهي تستمع إلى نبرته الهادئة الحانية التي تصفها:
- حقك.. أي واحدة مهما كانت جميلة لازم تغير منها.. فريدة من نوعها، مافيش زيها، مبتتكررش.
لحظة صمت منها ومنه ثم قال اسمها بكامل الحب والجنون، بكل الضعف والشغف الذي بداخله، خرجت حروف اسمها بمعزوفة خاصة من بين شفتيه:
- سلمى القصاص.
نظرت إليه بقوة والصدمة على ملامحها لم تستطيع أن تخفيها فوجدت أن الهروب هو الحل الأمثل:
- عن إذنك.
خرجت من المكتب بخطوات سريعة، وذهبت إلى مكتبها في الخارج، ترقرق عينيها بالدموع الغزيزة وعقلها يكرر عليها حديثه المادح لها في الداخل، عينيها تريها مرة أخرى مظهره وهو يتحدث عنها بطريقة العاشق الولهان.
لما هي لا، هي من تحملت حزنه، ثمالته، كل الخرافات الذي كان يلقيها في منتصف الليل في الملاهي الليلية، هي من استمعت إلى كل شيء ووقفت جواره، ساعدته، ساندته واستمعت إليه، هي من كانت معه في لحظات كانت الأخرى تبعده بقوة. كانت الأخرى تبغضه وتعنفه، تكره وجوده ولا تريده وللسخرية منها مازال يحبها وهذه أخذت دور خيال المآت.
تحبه بضراوة، تحبه بقوة وقسوة، وصلت معه إلى القسوة في الحب ولكنها لا تستطيع أن تدلي له بذلك الاعتراف القاتل وهو يهوى غيرها كل لحظة. وصلت إلى تفكير دنيء ستفعله لو عرضه عليها لا شك، تكون حبيبته الأخرى، أو زوجته الأخرى، عشيقته حتى لن ترفض ذلك. فقط تكون معه بعيد عن لقب الصديقة المنقذة التي تنفذ له الأعمال المتأخرة، فلا تريد هذا مرة أخرى، تريد القرب أكثر. وتناست كل ما هو حلال وحرام. يجوز ولا يجوز!
جلست هدى في مقابلة سلمى منذ ربع ساعة تقريبًا تقص عليها ما يحدث معاها هذه الفترة، تحاول أن تأخذ النصيحة من شخص قريب منها كـ سلمى شقيقة زوجها الراحل وحبيبته قبل أي شيء آخر.
أردفت سلمى بعقلانية ونظرة جادة من عينيها الزيتونية خافية خلفها حزنها على شقيقها وعائلتها:
- أنا عارفة إنك كنتي بتحبي ياسين الله يرحمه.. كلنا عارفين، بس ياسين راح مبقاش موجود وأنتي فعلًا زي ما عمي قال لازم تشوفي حياتك.. مش هتفضلي العمر كله لوحدك يا هدى.
نظرت إلى الفراغ ثم إليها مرة أخرى، كرمشت ملامح وجهها في محاولة منها لتوضيح ما تشعر به وما تريده.
- أنا مش عايزة حد ياخد مكان ياسين، مش عايزة أنساه.. منكرش إني بدأت أحس بحاجة ناحية تامر بس ده بسببه يمكن بسبب إلحاحه.
وضحت لها الأخرى بجدية وتأكيد تلقي في عقلها الأفكار التي تهرب منها:
- بسبب إلحاحه ولا لأ المهم إنك بدأتي تحسي بوجوده وحباه.. ياسين مش هيكون راضي عن حالك كده أبدًا.
نظرت إليها بدقة وبعينين ثابتة عليها ثم أردفت قائلة:
- ولا حالك يا سلمى.
سخرت الأخرى منها مُبتسمة بزاوية فمها قائلة بتوضيح أكثر ربما هي لا تفهم ما الذي تريده:
- أنا مالي؟ أنا مش زيك مش رافضة الموضوع وركناه ومقررة أكون لوحدي أنا هتجوز وهعيش وهشوف حياتي.
تساءلت شقيقته باستغراب ونظرتها نحوها متعطشة لأي حركة تطمئنها عليها بها:
- وأنتي بتحبيه؟!
راوغت في الحديث بعد أن نظرت إلى الأرضية مُبتعدة بعيناها عنها:
- أنا وهو مبقاش في حاجة بينا ولا بقينا ننفع لبعض.
هتفت شقيقته بما سيفعله حتمًا:
- بس هو مش هيتنازل عنك.
أبصرتها بقوة قائلة بجدية شديدة:
- وأنا مش هسمحله يكمل في اللي بدأه.
بعد أن مر عليه الوقت وهو منهمك في عمله الذي لم يكن في عقله من بداية اليوم بسبب تفكيره في ابنة عمه وما سيفعله معاها لتكن زوجته.. استمع إلى رنين هاتفه فجأة في وسط صمت مُحيط به، رفع عينه من على الأوراق أمامه وصبها على الهاتف، مد يده إليه وأخذه، أبصره جيدًا ليرى من المتصل ولكن كان رقم غير معروف هويته.
نظر إليه للحظات وعقله به أشياء كثيرة تدور داخله في دوائر ثابتة، وأكثر ما به سؤال عن هوية المتصل، انقطع الاتصال ولم يكن أجاب عليه فرفع عينيه إلى الفراغ ومازال يفكر. ولكن مرة أخرى رن الهاتف بنفس ذلك الرقم فقام بالايجاب عليه ورفعه على أذنه يهتف بجدية:
- أيوه، مين؟
أتاه من الناحية الأخرى صوتها البغيض المعروف، تُجيبه بسخرية:
- معقول بقى مش عارفني.. إحنا هنتعامل مع بعض كتير الفترة الجاية من أرقام مجهولة.
أمسك عامر الهاتف بيده الأخرى ونقله إلى أذنه اليمنى، ثم قال بصوت قاسي جاد، تهديد خرج من بين شفتيه كالسيف الحاد الواثق من حديثه:
- تعرف أنتي لو وقعتي تحت ايدي هعمل فيكي ايه؟ فاكرة اللي أنتي كنتي عايزاه يحصل من كام سنة؟ هعمله بس على طريقتي، هخليكي تكرهي نفسك أكتر ما أنتي كرهاها.
أحرقها ما هتف به، وذكرها بما فعله معها، وأتى أمامها صورتها المنكسرة أمامه ودمعاتها المتساقطة قهرًا على حالها ولكنها أجابت بعنف وكراهية:
- ايه رأيك لو حبيبة القلب هي اللي اتعمل فيها كده؟
استمع عامر إلى حديثها لانه لم يعطي لها الفرصة لتخرب علاقته أكثر بـ سلمى فهي من الأساس متدهورة، أغلق الهاتف بوجهها ثم ألقاه على المكتب أمامه وعاد للخلف بظهره يمسح على خصلات شعره زافرًا بعنف.
لحظة والأخرى وقد أتت إليه رسالة نصية علم أنها كذلك عند الاستماع إلى رنة الهاتف البسيطة. تقدم للأمام وأمسك الهاتف وفتحه ليرى أنها من نفس الرقم إلا وهو إيناس عن طريق تطبيق الواتساب، تقول فيها "هرن عليك رد عليا.. أنا مش هفرق بينكم المرة دي أنا هقولك حاجة مهمة أنت لازم تعرفها قبل أي خطوة والمرة دي اللي هقوله حقيقي وتقدر تتأكد من سلمى".
بعد أن قرأ الرسالة مرة وأخرى وينظر في الشاشة وجدها قد محتها من المحادثة، يا لها من محتالة.
رن هاتفه مرة أخرى فعلم أنها هي، أخذه وأجاب عليها بنفاذ صبر وحدة:
- عايزة إيه؟
أجابته بهدوء وبرود تام، تضغط على حروف كلماتها والشماتة تطرق باب أذنه:
- أنا عايزة مصلحتك.. والمرة دي هديك معلومة ونصيحة وهنسى اللي بينا، مش هاين عليا أشوفك كده مختوم على قفاك.
عاد للخلف كما كان ورفع رأسه للأعلى يحدثها ببرود وتهديده لها واضح للغاية:
- احترمي نفسك وإلا وديني هطلع عليكي القديم والجديد كله.. متفكريش إني مش قادر عليكي لأ دا الصبر حلو دورك جاي.
أردفت بجدية ومكر عابث به:
- هعتبر نفسي مسمعتش حاجة.. اسمع أنت بقى مني المفيد.
صمتت للحظات والصمت اجتاز المكالمة بينهم، ثم أكملت ناطقة باسم حبيبته بمكر وخبث:
- سلمى القصاص، بنت عمك.
مرة أخرى تصمت، اعتدل هو سريعًا على المقعد ودق قلبه خوفًا من أن يكون حدث لها شيء على يد تلك الحقيرة، فصاح بعنف ونفاذ صبر:
- مالها انطق.
بمنتهى البرود واللا مبالاة أجابته ولكن برودها يتخلله نبرة قوية حادة، لتصل إليه بجدية تامة والغل داخلها يزداد:
- سلمى عملت علاقة مع هشام ابن عمي.. غلطت معاه يعني.
انتفض واقفًا في لمح البصر بعد الانتهاء من جملتها الخبيثة القذرة، دق قلبه بعنف أكبر واهتاجت رجولته فقط لأنه استمع إلى هذا الحديث، ماذا لو تخيله؟ كيف لها أن تفعل به ذلك؟ تخونه! تبيع كل ما لديها من شرف لأجل ذلك الحقير. انتفخت عروقه بالدماء الذي تغلي داخلها وقلبه كاد أن يتوقف، فعلت ذلك!