تحميل رواية بين دروب قسوته بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نظر إليها بعينيه البُنية الخلابة، وفي لحظة تعامد الشمس عليها تصبح عسلية صافية. مد يده يُشير بإصبعه على شاشة الحاسوب الذي تحمله على قدميها، بعد أن انتقل بنظره إليه وهتف بنبرة واثقة مقترحة: - أنا شايف إن ده أحلى. بعد أن أبصرت الصالون الذي أشار إليه، وقد كان حقًا بشعًا بالنسبة إليها، عادت ببريق عينيها الزيتوني الواسعة إليه وهتفت باستنكار وضجر، وشفتيها المكتنزة تتحرك أمامه: - يع، وحش أوي يا عامر. طول عمرك ذوقك بلدي. أقترب بوجهه يُميل بجسده عليها، ناظرًا إليها بعينيه الوقحة الجريئة، يحرك شفتيه الرفيع...
رواية بين دروب قسوته الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندا حسن
صرخ بصوت عالي جهوري اهتزت له أرجاء غرفة المكتب وهو يسبها:
- اخرسي يا زبالة يا وسخـ*، إيه فكراها زيك.. مفكراني هصدقك يا حيوانة.
ابتسمت بهدوء وقالت بجدية والسعادة تكبر مع كلمة تخرج منها إلى أذنه:
- مجبور تصدق يا عامر عشان ده اللي حصل فعلًا.
صرخ مرة أخرى وهو لا يطيق الاستماع إلى هذا الحديث، لا يطيق وضعها في جملة واحدة مع غيره، ماذا عن الذي تتحدث عنه!
- بقولك اخرسي.. اخرسي همـ ـوتك يا إيناس وديني همـ ـوتك.
لوت شفتيها وأكملت ببرود وابتسامة شامته به وبها وقلبها يرفرف فرحًا وسعادة والحقد يكبر وبجواره الغل والكـ ـراهية:
- خليك كده مش مصدق عنها أي حاجة.. هشام دلوقتي عندكم في البيت رايح يطلب إيد سلمى من أبوك وبيعجل في الجوازة عشان اللي حصل.. بيحطوك قدام الأمر الواقع يا أهبل.. غلط معاها يبقى يشيل الليلة وده اللي هما عايزينه وأنت عبيط لسه عايز تتجوزها.
ثقلت أنفاسه بسبب ذلك الاهتياج والكلمات التي يستمع إليها تعصف بكل خلية به، عقله كاد ينفجر ولم يعد يشعر بنفسه حقًا، لكنه أردف بنبرة ثقيلة حادة غاضبة:
- حسابك تقل يا إيناس تقل أوي عندي وأنا مش هحاسبك دلوقتي.. هسيبك للناهية.
أغلق الهاتف بوجهها، ونظر إلى شاشته التي أراد تحطيمها ولكن كان الهاتف يحتوي على كنز كبير سيجعل تلك الغبية تصدق حديثه وتبتعد عنها، وضع الهاتف في جيبه وتقدم من المقعد يأخذ جاكيته بسرعة وبحركات غير محسوبة.
وأخذ مفاتيحه من على المكتب ثم أنطلق سريعًا يفتح الباب راكضًا إلى الخارج تحت أعين “جومانا” المُتسائلة ما الذي يحدث.
أخذ السيارة ليعود إلى المنزل ويرى ما الذي تتحدث عنه، هل هو الآن هناك حقًا يود الزواج منها؟
أول شيء لن يصدقها.. مهما حدث لن يصدقها، “سلمى” لا تفعل هذا.. يستحيل أن تترك نفسها لتنحدر في وادي الحرام وتكن من محبيه وزواره.. لا يعقل، لن يصدق ولن يواجهها بهذا الحديث الآن، لن يزعجها بحديث بغيض مثل ذلك ولن يفتحه أمامها سيفكر في شيء جدي لتلك الحقيرة ومن هنا سيجعل حبيبته تعلم بكل شيء.. ولكن الأكيد والمؤكد أنها لم تفعل ذلك ولن تفعله.. إلا معه.
هناك شيء آخر كيف ذلك الحيوان الآخر في بيتهم يطلب يدها؟ أخذ منهم ميعاد ولم يقول له أحد؟ هل بقيت في المنزل اليوم لأجل ذلك؟ هل تريده حقًا.
أسئلة تتهاوى على عقله ولا يمتلك لها أي إجابة، يكاد قلبه يتوقف بسبب الذي استمع إليه، تشنج جسده بقوة وأصبح لا يدري ما الذي يحدث.
ولكن، هو يعرف ثلاثة أشياء فقط ويتأكد منهم كما أنه متأكد أنه “عامر القصاص” ألا وهما، أن “سلمى” لا تفعل ذلك وأن هذه الزيجة لن تحدث وهي ستكون زوجته، وأن إيناس ستحاسب بقسوة مهما تركها تلهو معهم.
❈-❈-❈
تفهم “هشام” أن “عامر” علم بكل شيء وما كانت تضعه “سلمى” حجة أمامه قد اختفى، فانتهز الفرصة ودون حتى أخبارها بأنه قادم لخطبتها، فجأة قرر ذلك بعد أن أخذ إذن والده أن يقوم بفعلها وحده في البداية.
ثم يستكمل درب الانتقام معه، والذي سيكون شديد القسوة على الجميع وعليها هي ومن يرى نفسه رجـ ـل على الجميع.
إنها ستوافق رغمًا عنها بسبب تعليقها له كل هذه الفترة، الأمر الذي يعيق هذه الزيجة هي موافقة عمها ثم من بعده يضرب “عامر” رأسه في الحائط.
الآن هو جالس في منزلهم يتحاور مع عمها، ويراها تقف في الخارج تكاد تدلف توبخه أمام الجميع على هذه الحركة الصبيانية.
لقد علمت من “هدى” التي صعدت إليها تقول بأن “هشام” ذلك الذي تحدثوا عنه في الأسفل يريد الزواج منها، عقلها توقف للحظات عن العمل، كيف أتى دون اخبارها؟
كيف يقوم بالتقدم لطلبها دون أن توافق من الأساس!
لما وضعها في هذا الأمر الصعب، يضعها أمام الأمر الواقع وأمام الجميع حتى لا تستطيع أن تضع له حجة بعد اليوم.
ولكنها لا تريد!
لا تريد الزواج منه!
هذا العقل المشوش والقلب الخائن لا ينفعوها بشيء، لا ينفعوها بشيء أبدًا، واحدًا منهم يطالب بالزواج منه وهو لا يرغبه من الأساس والآخر يطالب بالعودة إلى الخائن الآخر الذي مثله.
استمعت إلى صوت عمها الجدي الهادئ في نفس الوقت:
- وأنت جاي من غير والدك ليه؟
رفع “هشام” وجهه المهذب الهادئ إليه وأجاب بصوت عاقل رخيم، الجميع هنا يجيد التمثيل ولديهم خبرة به:
- بصراحة أنا جاي آخد الموافقة المبدئية منك وبعد كده والدي هيجي معايا في الزيارة الجاية إن شاء الله.
ضيق “رؤوف” عينيه عليه، وعقله به الكثير من التساؤلات عندما أدرك من هو “هشام الصاوي” لقد كان غافل عن الإسم وما خلفه، لأ يدري كيف لم يفكر في الأمر ولم يخطر على باله سابقًا، هل هذا من أحكام السن؟ أو من كثرة هموم عائلته!
ولكنه عندما عرف نفسه إليه أدركه جيدًا وشعر بالخوف للحظات على ابنة شقيقه وهو ينظر في ملامح ذلك الشاب:
- وأنت واثق إنك هتاخد الموافقة؟
ابتسم بثقة وعينيه ثابتة عليه ثم أجابه:
- أنا واثق من رأي سلمى بس فاضل حضرتك طبعًا الرأي الأهم.
تحدّاه، إنه يعرف هذه النظرة جديًا، يقول شيء وداخله غيره والآن ازداد الخوف أكثر من ناحيته وتذكر أشياء مدفونة من الماضي، يبدو أنها تريد الخروج، تفوه عمها بجدية:
- أنا رأي هيكون على حسب مصلحة بنتي.. سلمى.
أومأ إليه الآخر بنفس الابتسامة وهو ينظر إليه بهدوء:
- أكيد طبعًا.
كاد أن يتحدث “هشام” مرة أخرى ولكن صمت الجميع وهم يستمعون إلى صوت وقوف سيارة بقوة، يصدر عنها صوت مُرتفع أفزع الجميع لوهلة وجعلهم في حالة صمت.
فتح باب الفيلا ودلف إلى الداخل بهمجية واهتياج وازداد بعد رؤيته للسيارة في الخارج، وقف في الردهة ونظر إليها بعمق وقوة ضاغطًا على أسنانه بعنف ووالدته تجلس في صالة الفيلا مع شقيقته خلف “سلمى”.
بادلته النظرات، ولكنها خائفة، مُتوترة مُرتبكة من كل ما يحدث ولم تكن تتوقع أن آخر ما ينهي ختام هذه الليلة هو حضور “عامر” وذلك الأبلة في الداخل.
وقف للحظات ينظر إلى عيناها يعيد على عقله وهو يرى تلك النظرة البريئة أنها لا تفعل ما قالته صديقتها، لا تخونه، لا تخون عائلتها ونفسها، ليست بلهاء لتقدم نفسها إليه بهذه الطريقة.
أخفض عينيه من عليها وسار إلى الداخل، توجه إلى غرفة الصالون ودلف إليهم ليراه يجلس مع والده، كانت الدماء تغلي وتفور داخل عروقه وقلبه ينبض بقوة وجسده بالكامل يريد أن يتعامل مع البشر بعنف وهمجية لأجل كل ما استمعه ويراه الآن ليس لأجل شيء واحد.
سار في الغرفة ببطء بعد أن وضع يده في جيوب بنطاله ثم أردف ببرود تحلى به بعد التفكير قليلًا:
- إحنا عندنا ضيوف ولا إيه؟
والده يريده الآن، يريده وبشدة، فور أن دلف ونظر إليه شعر أن الخوف الذي انقض عليه لن يجعله يذهب إلا “عامر”، وهو والده دوره أن يساند ه في قراره الذي سيتخذه الآن ويرفض ذلك الشاب.
أردف بهدوء وهو يشير بيده إلى “عامر” الذي كان ينظر إلى الآخر:
- اقعد يا عامر عايز أخد رأيك.
نظر عامر إلى والده باستغراب، أولًا بسبب نبرته الغريبة ثانيًا لأنه يريد أن يأخذ رأيه في زواجها!
مستحيل، جلس “عامر” فقط لأجل نظرة والده إليه، فقال مرة أخرى:
- ده هشام الصاوي طبعًا أنت عارفه.. جاي يطلب إيد سلمى، أنت رأيك إيه يا عامر.
نظرة والده ذات مغزى، سؤاله خلفه شيء، ما يحدث ليس طبيعي، نظر إليه بقوة يحاول أن يفهم ما الذي يريد الوصول إليه ولكنه في النهاية أجاب بعد أن نظر عليها في الخارج:
- مش موافق.
عاد والده بظهره للخلف ونظر إلى “هشام” الذي كان يريد الفتك بابنه، هتف بهدوء وصوت جدي عاقل:
- عامر ابني هنا الكل في الكل.. مش بقولك إن كلامي ما بيمشيش لأ، كلامي بيمشي بس عامر ليه نظرة في الناس وفاهم الدنيا والبشر.. وأنا للأسف مش هقدر أخالف كلمته.. طلبك مرفوض.
اعتدل “عامر” في جلسته، اتسعت عيناه على والده، حديثه كاذب، كل ما قاله كذب، إنه لا يستمع لأي حديث منه، لما يفعل ذلك؟ لقد قال إنه سيزوجها لمن تريد وسيقف أمامه إلى الممات ويدافع عن ابنة أخيه، لما جعله يرفضه ووافق هو الآخر.
وهي في الخارج شعرت بالذهول، عمها يتفوه بحديث غريب لم يحدث سابقًا، لم تتوقع من الأساس أن يسأل “عامر” عن رأيه في الزيجة، أتى الرفض في صالحها لأنها تراجعت عن الزواج به ولكن ما الذي يحدث حقًا.
اشتعلت النيران داخل “هشام” وهو يرى ذلك العجوز يقوم بترتيب لعبة لأجله، يحققها مع ابنه الذي لا يطيقه من الأساس، يقفون أمام مخططه هؤلاء الاثنين وهو لن يسمح بذلك.
أردف بقوة ونبرة واضحة مؤكدة أن حديثه صحيح ناظرًا إليه بعينين قوية حادة:
- سلمى اللي هتتجوز مش عامر.. يعني رفضه ما يهمنيش مادام صاحبة الأمر موافقة.
كاد أن يتحدث “عامر” ولكن والده سبقه بالحديث بثقة:
- وأنا لو جبت صاحبة الأمر وقولتلها إني رافض مش هتكسر كلامي.
ابتسم بسخرية وقال:
- ما أعتقدش.
نظر إليه “رؤوف” بتحدي واضح ثم صاح بصوت عالي مناديًا باسمها، أجابته من الخارج ثم دلفت ببطء وارتباك.
سألها بوضوح وقوة وعينيه على ذلك الذي لم يرتاح لدلوفه منزلهم منذ النظرة الأولى:
- أنا رافض الجوازة دي.. عندك مانع يا سلمى ولا اعتراض على رأي.. قولي ومتخافيش أنتي عارفه إن ليكي حرية الاختيار.
نظر إليها “هشام” وكان يشعر بالنصر لأنها لن تخذله ولكن عند الاستماع إلى حديثها الجاد الذي خرج من بين شفتيها بارتجاف:
- لأ يا عمي الرأي الأول والأخير ليك أنت.
وقف “عامر” على قدميه وأشار لها بالذهاب ففعلت ثم أشار للآخر قائلًا:
- ورينا عرض كتافك.
وقف على قدميه، وعينه مثبتة على “عامر” بقوة وقسوة، والشراسة تندفع من داخله ناحيته.
لقد أنهى المهمة الخاصة به بكلمتين فقط؟ وتلك الحقيرة هدمت كل ما بناه هو بالخضوع إلى رأي عمها العجوز!
تحولت نظرته من الهدوء والاحترام إلى نظرة شرسة عنيفة وملامحه تغيرت بالكامل تدل على الشر الخالص القابع بداخله.
كل هذا رآه “عامر” وكان يعلم سببه جيدًا بينما والده نظرته ابتعدت إلى مناطق أخرى ربما يعلم تفاصيلها أكثر منهم.
سار “هشام” خارجًا من الغرفة بخطوات ثابتة قوية تهتز لها الأرضية، وقف على أعتاب الباب بعد أن خرج منه ينظر إليها على جانبه الأيسر تجلس مع زوجة عمها وابنته، ابتلعت ريقها ونظرت إليه بتردد وارتباك فبادلها نظرة حادة غريبة ثم استكمل طريقه مُقررًا داخله أنه لن يترك الأمر يفلت من بين يده.
لن يتركها له بهذه السهولة.. وسيحقق انتقامه مهما كلفه الأمر.
خرج عمها من الغرفة ومن خلفه ابنه، سار إلى أن وقف أمامها فوقفت هي الأخرى بوجهٍ باهت تطالعه بعينين ذابلة فقال هو بجدية يتخللها الحنان:
- هتكلم مع عامر شوية وأجيلك يا سلمى.. أنا عايزك.
أومأت إليه برأسها موافقة على الرغم من استغرابها واستغراب الجميع لما يحدث بين “رؤوف” و “عامر” لأول مرة يطلب التحدث معه ولأول مرة يجعله يتحكم في أمر ما خاص بابنة أخيه.. الأمر داخله شيء مخفي.
سار إلى غرفة مكتبه وخلفه “عامر” الذي لم يكن يقل استغرابه عن أي شخص منهم.
أغلق باب المكتب من خلفه، جلس والده على الأريكة به فدلف إليه “عامر” يشاركه الجلسة.
نظر إليه للحظة ولم يكمل الأخرى إلا وهو يهتف مُتسائلًا باستفهام عاقدًا ما بين حاجبيه:
- ليه عملت كده؟ أنا مش فاهم حاجة.
علق نظره بعينيه وهو يجيب على سؤاله بجدية وعقلانية كي يقنعه:
- مش مرتاح للولد ده ومش هرتاحله وخصوصًا إنه من عيلة الصاوي.
ضيق “عامر” عينيه على وجه والده ولم يدلف حديثه عقله، أجابه مُعقبًا على حديثه بجدية هو الآخر:
- ما إيناس صاحبتها ومن عيلة الصاوي وياما اعترضت على ده وأنت ساكت والكل كده.
أشار والده بيده وهو على اقتناع تام أن “إيناس” مهما كانت سيئة لن تستطيع أن تفعل لها شيء سيء بينما هو يستطيع أن يفعل كل شيء:
- إيناس غير الولد ده.. كفاية أنها لوحدها يعني مش عايشة معاهم وأهي في الأول ولا الآخر بنت متعرفش تأذي سلمى غير أنها كويسة معاها.. لكن الولد ده لأ.
تسائل “عامر” مرة أخرى وهو يريد معرفة كل شيء:
- وأنت إيه اللي يخليك تقول كده؟
لا يريد والده الاستماع إلى كثير من الأسئلة لأنه لن يجيب عليه ولا يريد النبش في أشياء قديمة وهو يعلم عقلية ابنه كيف تكون:
- شكلك رجعت في كلامك، أسألتك بتقول إنك موافق على جوازها منه.
نفى الآخر سريعًا بعنف فور الاستماع لكلمات والده:
- لأ طبعًا أنا مقولتش كده.
تسائل والده مرة أخرى:
- اومال إيه الأسئلة دي؟
اعتدل “عامر” في جلسته ونظر إلى والده بعمق ثم طرح عليه ما يريد معرفته منه وما جعل عقله يشعر بالاستغراب:
- عايز أفهم ليه رفضته، وليه عاملتني قدامه كده مع إنك كان ممكن ترفض من غير أي تدخل مني.
أجابه بصدق وجدية يبادله الحديث كي يتفهم الوضع كيف يكون وما الذي يريد والده فعله حتى لا يخطأ ويحدث أمر آخر:
- قلقان منه وعايزاها تبعد عنه بأي طريقة وأنت الوحيد اللي تقدر تعمل كده بعيد عن أي خلاف بينا، وعملت معاك كده عشان أوريله إنك معايا وواقف في ضهري وأنا في ضهرك.. أكيد هو عارف كل حاجة عننا شكل علاقته بسلمى من زمان.
هنا علم “عامر” أن والده يعلم جيدًا أنه الوحيد الذي يستطيع إبعاد “سلمى” عنه ويعلم أيضًا أن القوة كامنة بيده هو ومن دونه سيكون الأمر صعب، عاد للخلف مُتسائلًا:
- اعتبر ده موافقة مبدئية على جوازي منه.
نفى حديثه بجدية دون خوف منه أو تراجع عما قاله سابقًا هو وابنة أخيه الذي يعتبرها أهم من أبنائه الآن ويريد الحفاظ عليها:
- لأ طبعًا، أنا رفضت الولد ده لمصلحتها وطول ما هي رافضة الجواز منك أنا كمان رافض واللي هي عايزاه هيحصل بس أكون مطمن عليها.
ابتسم إليه بيقين أنه هو من سيتزوجها وقريب للغاية، ثم اتسعت ابتسامته وهو يفكر في كل لحظة مرت عليه هو ووالده وهم مُبتعدبن عن بعضهم وهناك فجوة بينهم، ثم الآن الأمر يختلف كُليًا:
- موافقة سلمى عليا جاية جاية.. المهم دلوقتي إني عرفت المعنى بتاع مثل أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب.
وقف “عامر” على قدميه يود الرحيل بعد أن فهم ما الذي من المُفترض أن يفعله هو ولما فعل والده ذلك، ولكن والده استوقفه وهو يتوجه ناحية الباب قائلًا بصوت خافت حزين:
- عامر.. خد بالك منها وبالراحة عليها.. أنا هعتمد عليك.
استدار له “عامر” نظر إليه للحظات وهو يعيد نبرة صوته داخله يستمع إليها مرة واثنان واستنتج أنه خائف، قال بجدية وعينين حادة تتعمق به:
- كلامك مش مريحني.
ابتلع والده ما وقف بحلقه ثم عاد إليه بنبرة جادة قائلًا:
- لأ ارتاح.. أنا بس حابب أعتمد على ابني وفي الفترة دي هنسى كل خلاف بينا وأفتكر مصلحة بنت أخويا بس، ياريت تعمل زيي.
أومأ إليه بهدوء ثم استدار يستكمل سيرة إلى أن خرج من غرفة المكتب، لم يدلف حديث والده عقله، ما به “هشام الصاوي” يجعله يرفضه هكذا ويريد لها الإبتعاد عنه، إنه كان يعلم بالأمر لما الآن فقط فعل هذا؟ لا يدلف حديثه إلى عقله أبدًا وإلى الآن يفكر ما الذي قد يكون حدث منه ليجعل والده هكذا!
إنه متيقن أن هناك شيء ما جعله يحتاج إليه ليقف جواره في مثل ذلك الموقف التافهه الذي لو كان قام بدوره فيه وحده لانتهى الأمر قبل بدايته.
سار صاعدًا إلى غرفته في الأعلى وعقله يعمل بجدية على استنتاج أي أمر يجعله يفهم ما الذي يحدث، لأنه يعلم أن والده لن يصارحه بهذه السهولة.
❈-❈-❈
جلست “سلمى” في غرفتها بعد صعود زوجة عمها وابنتها إلى غرفهم، ذهبت هي الأخرى إلى غرفتها وجلست بها، تفكر فيما فعله “هشام” وما فعله عمها وتلك الأحداث التي أتت خلف بعضها هكذا دون سابق إنذار وقبل أن تخطط لأي شيء.
ربما ما فعله “هشام” كان مناسب لجعلها تتفهم ما الذي تريده هي، لقد كانت موافقة عليه وتود الارتباط به على الرغم من أنها تحب “عامر” وتريده هو لكن ما بقيٰ منها يرفض ذلك فتركض بخيبة أمل ناحية الآخر لتكمل ما بقيٰ من حياتها معه على أمل أن تحبه يومًا ما.
ولكن حضور “هشام” المفاجئ إليهم ليتقدم لخطبتها جعلها تستفيق مما كانت به وأشعرها بالرهبة والخوف مما تفعله ومما هي قادمة عليه، كيف لها أن تكون بهذه الحقارة؟ تعشق رجـ ـل وتريد الزواج من آخر؟ وما ذنب هو ليتحمل امرأة خائنة القلب مثلها؟ ما ذنبه ليبقى معتقدًا أنا تحبه وتهواه من قلبها وذلك القلب الخائن من الأساس مع رجـ ـل آخر!
لا تريد ذلك، لا تريد الزواج منه، هي لا تحبه، لا تريد تكملة دربها المفقود معه، قلبها إلى اليوم لم يجد أحد آخر غير الخائن حبيبها السابق ليكمل معه ذلك الدرب ومنذ الفراق وهو مفقود.
ما توصلت إليه اليوم وكان من أهم الأشياء التي حدثت أنها لا تريد الزواج من “هشام” تراجعت عن ذلك ولن تفعلها حتى لا تظلم نفسها وتظلمه هو من قبلها بزواجه من خائنة.
بينما ما فعله عمها لا تدري ما الغرض منه، ولما رفضه بهذه الطريقة؟، ولما الآن فقط وأمامه أقترب من “عامر”؟ تساؤلات كثيرة داخل عقلها ليست حاصلة على أي إجابة وربما لن تحصل ولكنها تريد أن تفهم لما قد يحدث كل هذا!
قبل أن تكمل تفكيرها دق باب الغرفة، تقدمت ثم فتحته فطل من خلفه عمها، فتحت الباب إلى آخره وأشارت إليه بيدها ليدلف إلى الداخل ففعل وتوجه ليجلس على الفراش فبقيت هي واقفة على قدميها تنتظر منه الحديث.
لكنه أشار إليها لتأتي وتجلس جواره، تقدمت ببطء وفعلت كما طلب منها ثم نظر إليها وأردف بصوت هادئ حنون:
- سلمى يا حبيبتي أنتي عارفه إني عمري ما أزعلك ولا أأذيكي.. أنا بس عايز مصلحتك وأنا شايف أن مصلحتك مش مع ده.
أردفت بجدية ويقين أنه يفعل ذلك لأجل الحفاظ عليها ولكن في تلك اللحظة داهم عقلها سؤال ألقته عليه:
- وأنت عارف إن عمري ما أكسرلك كلمة لأني عارفة ومتأكدة إن اللي بتعمله لمصلحتي.. لكن سؤالي هنا عايز تجوزني لعامر؟
رد رافضًا ما قالته بقوة داعمًا موقفها مهما كان:
- لأ طبعًا طول ما أنتي رافضة عامر أنا رافضة ومش موافق على جوازك منه.
رفعت حاجبيها للأعلى وتسائلت باستغراب بعد تفهمها أنه مازال رافضًا زواجها من ابنه:
- طب أنا عايزة أفهم ليه رفضت هشام؟ وايه اللي خلاك تقرب من عامر بالطريقة دي فجأة كده؟
أجابها بما صرح به لابنه بالأسفل وأكمل حديثه مُتسائلًا باستفهام:
- هشام ده مش سالك وأنا مش مرتاح ليه نهائي، تعرفي إن ده أكبر منافس لينا؟
تذكرت أن “عامر” كان قد قال لها هذا الحديث سابقًا ولكن ما دخلها بكل ذلك:
- عامر كان قالي قبل كده، بس أنا ماليش علاقة بأي حاجة بتحصل.
استغرب كيف لها أن تقول هكذا، أنها هنا تمتلك مال وبيت وأسهم في الشركة كما الجميع، أوضح لها قائلًا:
- مالكيش إزاي يا سلمى.. أنا خايف عليكي صدقيني الناس دول لو وصلت معاهم للـ ـقتل عشان مصلحتهم يعملوها.
اتسعت عينيها أكثر عن وضعها الطبيعي وتسائلت برهبة:
- يعني إيه؟
وضع يده فوق كف يدها الموضوع على ركبتها وقال بجدية مُحاولًا معها إلى أن تتفهم حديثه وتقتنع به:
- يعني اللي سمعتيه يا سلمى، هما مش زينا وعمرهم ما هيكونوا زينا، أنتي فكرك أنا ساكت عن إيناس ليه وأنا عارف إن عامر معاه حق؟
أكمل بجدية وهي تنظر إليه تستفهم من حديثه أي شيء:
- إيناس مهما راحت ولا جت مش هتعرف تعمل معاكي أي حاجة ولا توديكي في طريق غلط لأن أنا عارف تربيتنا عاملة إزاي.. لكن دلوقتي أنا ملاحظ إنك بداتي تتخلي عن مبادئك.
أنكرت ما قاله بشدة ودافعت عن صديقتها وابن عمها أمامه ولم تكن تعلم أنها بلهاء تدافع عن من يريدون إلحاق الأذى بها:
- لأ يا عمي أنا متخلتش عن مبادئي اللي حصل كان غلطة وإيناس بنت كويسة حتى هشام مشوفتش منه حاجة وحشة.
أردف بصوت جاد وبه بحة من الرجاء الخالص لها:
- سلمى أبعدي عنه الولد ده وخلي علاقتك بايناس محدودة.. علشان خاطر عمك يا سلمى أنا خايف عليكي.
وقفت على قدميها تنظر إليه وعقلها لم يستوعب أي كلمة مما قالها، هتفت بجدية شديدة وهي تتسائل بضيق وانزعاج لما يحدث وهي لا تفهم شيء:
- خايف عليا من إيه أنا مش فاهمه حاجة.. عمي أنت كلامك من الشرق والغرب وبجد مش فاهمه فيه إيه.
رد عليها بتفهم وجدية واضحة مؤكدة حديثه السابق مرة أخرى:
- اللي قولته واضح يا سلمى، ناس مش كويسة يمكن طمعان فيكي يمكن ليه غرض تاني المهم أنهم مش كويسين أنا عارفهم يابنتي.
أكمل بهدوء لكي تقتنع أنه لا يغصب عليها في شيء وأن لها حرية الاختيار:
- أنا لسه عند رأي اللي أنتي عايزاه هيحصل ولو مش عايزة عامر يبقى لأ وليكي حرية الاختيار لكن ده لأ يا سلمى لأ.
وقفت أمامه ونظرت إليه للحظات، ترى صورة والدها به، إنه يحبها ويستحيل أن يلحق الأذى بها ويعرف ما الذي يتحدث عنه، لو كان والدها لسارت خلف حديثه وهي مغمضة العينين ولأنه شقيقه ستفعل ذلك:
- على الرغم من أني مش مقتنعة بالكلام ده لكن كلامك هيمشي.
وقف على قدميه وأقترب منها مُحتضن إياها وهو يحمد الله داخله أنها اقتنعت بحديثه لكي تبتعد عن ذلك الشاب الذي يشعر أن الخراب سيأتي من أسفل رأسه:
- هي دي بنت.
بقيت للحظات ساكنة في أحضانه ولكن عقلها لم يهدأ أبدًا.
بعد خروج عمها من الغرفة استمعت إلى صوت رنين هاتفها، تقدمت منه لتراه هو “هشام” يهاتفها.
أخذت الهاتف وقامت بالايجاب عليه ثم رفعته على أذنها ولم تتحدث بحرف واحد إلا وكانت تستمع لصوته الغاضب عبر الهاتف:
- إيه اللي عملتيه ده.. بعد ما أعملك مفاجأة عشان أفرحك وأجي أخطبك ترفضيني عادي كده عشان خاطر عمك وابنه.
أجابت على حديثه بجدية وعينيها تدور في المكان من حولها قائلة بقوة وتأكيد:
- أنا رفضتش أنا وافقت على كلام عمي لأني مقدرش أكسر كلامه.. عمي هنا يبقى مكان بابا وهو ولي أمري.
يصرخ بعنف وهو يهتف بقوة عبر الهاتف وكانت شرارات الغضب تقطر منه من كل جانب بسبب فشل مخططه:
- يعني إيه ولي أمري هو أنتي عائلة أنتي عندك ستة وعشرين سنة بلاش شغل عيال صغيرة.
ضغطت على حديثها الجاد حرف خلفه الآخر كي يلزم حده معها:
- كلمني بأسلوب كويس ووطي صوتك.
مرة أخرى يهتف بنبرة حادة وفي نهاية حديثه يتسائل باستغراب وقوة:
- أنتي خليتي فيها كويس.. أنا مش متخيل إزاي قدرتي توافقي كده بسهولة معقولة أنتي بتحبيني.. معقولة!
صمتت للحظة كانت بها لا تعرف ما الرد المناسب على حديثه الحقيقي، تقول أنها لا تحبه حقًا؟ أم تكمل في الكذب وتقول أن هذه رغبة عمها:
- هشام الموضوع مش كده.
استمعت إلى صوته الحادة الذي تسائل بقوة وغل استشعرته به:
- لأ كده وأبو كده.. ولا تكونيش لسه بتحبي عامر.
ضغطت على نفسها لتكمل ذلك الحديث الكاذب، فهي لن تستطيع أن تعترف بما فعلته ستكون خائنة وهي تعرف جيدًا معاناتها كيف تكون:
- أنا لو بحب عامر مكنتش هوافق على جوازه.
صرخ مرة أخرى بصوته الحاد على ذكر ابن عمها وقال بقوة واستغراب حقيقي لأنه كان متوقع أن توافق عليه دون تفكير:
- واديكي رفضتي وابن عمك عامل نفسه كبير عليكي وبيرفض بقلب جامد وأنتي ساكتة.. إزاي مش عارف.
جلست على الفراش بضعف ثم أجابته بقلة حيلة وضيق شديد احتل كيانها:
- أنا مكنش ينفع أكسر كلام عمي يا هشام.. صدقني غصب عني اللي حصل ده.
هددها وبنبرة حادة وهو يعلم أثر كلماته عليها الذي سيخفيها بعد قليل وكأنها لم تأتي ولكن ستزرع الرهبة بها:
- كلميه وقوليله إنك موافقة على الجواز مني وبتحبيني وإلا مش هيحصل كويس.
للحظة شعرت بالخوف واستمعت إلى كلمات عمها المحذرة إياها منه في أذنها ولكنها تسائلت باستنكار:
- قصدك إيه؟
أصبحت نبرته لينة ضعيفة، رخيمة تحمل إليها الحب والحنان وما بدر منه ما هو إلا غضب لأجل سرقـ ـتها منه:
- قصدي إني بحبك يا سلمى وأنتي عارفه كده، وعارفه بقالي قد إيه بصبر نفسي عشان تكوني ليا ومعايا وبعد كل ده نبعد كده عادي.
حاولت الحديث والبدأ باعتراف كي تستطيع أن تكمل:
- أنا آسفة بس…
مرة أخرى يلعب على ذلك الوتر الحساس وهو يڨاطعها:
- مابسش أنا مستعد أجي مرة تانية وانسى كل اللي حصل عشان خاطرك.. عشان نكون مع بعض.
يعلم أنها تحب “عامر” ولكن يعلم أيضًا أن ضميرها لا يتركها يوميًا بسببه، بسبب أنها جعلته ينتظرها منذ عام على أمل الزواج منها، لن تكسر خاطره وتكون خائنة كما “عامر”.
- أنا مش هقدر استغنى عنك بالسهولة دي يا سلمى.. مستحيل أنا حياتي كلها واقفة عليكي دلوقتي وأنتي كنتي موافقة من الأول مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.
أجابته بقلة حيلة وهي ترى نفسها المخطئة هنا:
- ولا أنا كنت أعرف إن ده هيحصل.
تحدث بجدية وقوة قائلًا:
- يبقى تتصرفي.. أنا أبويا وافق على الجواز وسألني ومقولتش أنه رفض أنا قولت إنكم هتفكروا ياريت بقى تخلصي الموضوع ده.
أومأت برأسها عدة مرات وكأنه يراها ثم نطقت بكلمة الموافقة من بعدها تهربت لإغلاق الهاتف:
- طيب.. أنا هقفل دلوقتي.
فعلتها دون حتى الاستماع إلى حديثه، أنها الآن في موقف لا تحسد عليه أبدًا، لقد وقعت في شر أعمالها، كانت تحاول أن تنساه فجعلت غيره يقع في حبها وهي تمادت في الأمر وجعلته يتعلق بها إلى درجة بعيدة وأصبح البعد عنه شيء صعب عليها للغاية.
ضميرها لن يتركها ترتاح لأنها من فعلت به ذلك وفتحت له الطريق للإقتراب منها وهي من أعطته الموافقة في بداية الأمر وجعلته يتعايش على أمل الزواج منها.
لم تكن تعلم أنها ضعيفة إلى هذه الدرجة وستعود عما كان في رأسها وتتطالب بشخص غيره وغيره وغيره إلى أن تصل إلى مرادها المرفوض “عامر”.
ليتها رحلت مع من رحلوا منذ عامين، كان الوضع سيكون أفضل من هذا بكثير.. على الأقل لن تكون وحيدة إلى هذه الدرجة.
ليتها تستطيع أن تفهم لما عمها قام بفعل ذلك، ولما تحدث عنه هو ووالده بهذه الطريقة لأول مرة، ولأول مرة بحياتها تراه يتحدث عن أي أحد بالسوء من الأساس، ليتها تستطيع أن تغير ما حدث وما فعله الجميع.
ليتها تستطيع أن تنزع حب “عامر” من قلبها وتضع ذلك الأحمق الآخر مكانه لتستطيع أن تقف في وجه الجميع وتطالب بالزواج منه مهما كانت العواقب.
الشجاعة مسلوبه منها لفعل أمر كهذا والأسباب كثيرة كأنها لا تحبه من الأساس، كأنها لا تريد الزواج منه، كأنها لن تجعل حديث عمها يضرب به عرض الحائط لأجل سواد عيناه.
يطلب منها حل وينتظرة، ما الذي بيدها تفعله؟ لقد وافقت على حديث عمها بل وقالت له أنها ستبتعد عنه من الأساس، وحتى لو لم تقول هكذا ولم يفعل عمها هذا من البداية، “عامر” لم يكن ليتركها تفعل ما يحلو لها معه، لم يكن ليتركها تذهب وتخرج هكذا دون وقفة حادة منه معها، هو من الأساس يتحدث عن الزواج منها بكثرة هذه الأيام وقلبها يرتاب منه ومن أفعاله الدنيئة التي اعتادت عليها.
أتدري ما عليها فعله! الانتظار.. حقًا هذا هو.. أن تجلس بهدوء وحدها في ركن بعيد عن الضجيج المزعج منتظرة العاصفة المُدمرة، التي ستسلب منها كل ما بقيٰ، أو تعطيها حتى ترضى.
❈-❈-❈
“اليوم التالي”
وقفت “سلمى” في غرفة المكتب التي كانت تخص والدها الراحل، وقفت في أحد زوايا الغرفة أمام مكتبة الكتب الخاصة به، تنظر إليها بعينين ذابلة حزينة، توزع نظراتها عليها وهي غير واعية لما تبصره من الأساس.
عقلها منشغل بما حدث معها، وما الذي عليها فعله بعد ليلة أمس وأحداثها الغريبة كُليًا، كم تحاول تصفية ذهنها وعدم التفكير في أي شيء يجعل رأسها يداهمه الصداع الشرس الذي ينهش به.
مدت يدها وأمسكت بكتاب من بين الكتب الموضوعة على رفوف المكتبة أمامها.
أمسكته تنظر إليه بعينيها ثم مرة أخرى وضعته في مكانه بضيق وتشتت واستدارت بجسدها تعود للخلف ذاهبة لكنها اصطدمت به!
منذ لحظات وهو يقف هنا خلفها مباشرة يتابع ما تفعله، تأخذ الكتب وتضعها مرة أخرى في مكانها، يبصر بعينه خصلاتها السوداء اللامعة بالبُنية، يبصر كل زفرة ضيق ويستمع إليها مُستمتعًا بأي حركة تصدر عنها، يستنشق عبيرها الرائع الذي يدغدغ أنفه كلما تحركت خطوة بسيطة.
استدارت تذهب لكنها تعثرت به، وجدته جسد صلب شامخ يقف أمامها ولا يفصل بينهم شيء، عادت للخلف خطوة واحدة لترى أن المكتبة خلف ظهرها فلم تستطع الابتعاد أكثر عنه.
بنظرة من عينيها على خاصته قد ظهر له أنها لا تفكر في أي شيء الآن، نظرة واحدة فقط فهم منها وأدرك أنها حتى لا تريد التفكير، تبدو مُشتتة، حزينة وهو أتى ليزيدها حزنًا ثم سيسلبها منها مرة واحدة دون أي إنذار.
بقيت تنظر إليه، عينيها تبادله النظرات الحزينة، الضعيفة، أزاحت كل شيء عن عقلها وبقيت تنظر إليه، هل هذا يكفيها منه؟ بعض النظرات فقط؟
تنهدت بعمق أمامه مغلقة عينيها بهدوء ثم فتحتهما وأشارت إليه بيدها قائلة بنبرة خافتة:
- عديني.
أخذ دورة للتعمق بنظراته عليها وخاصة عينيها ذات اللون الزيتوني، وقال بجدية مُلقيًا حديثه عليها:
- استني.. عايز أتكلم معاكي.
أجابته بهدوء كما هي تبصره بدقة:
- نعم.
أردف بجدية شديدة ووضوح تام وبعينين قوية فعلها ناظرًا إليها:
- أظن كده كفاية أوي.. إحنا لازم نتجوز.
فتحت عينيها المُتسعة عليه بصدمة وذهول تام، كيف له أن يكون هكذا؟ يتحدث وكأن الأمر حتمي ويجب فعله، ابتسمت بسخرية لاذعة ثم قالت:
- مين قال إنه لازم؟ ومين قال إني هتجوزك يا عامر… أظن أن أنا وأنت والعيلة كلها في غنى عن كلامي اللي بقوله كل شوية واللي هو إني مش هتجوزك مهما حصل.
عاد للخلف خطوة بعد أن وضع يده داخل جيوبه ثم أعطاها ظهره قائلًا بتأكيد وثقة:
- ده كلام فارغ مش هيحصل منه حاجة.
أطلقت الكلمات منها بعنف بعد أن أغضبها حديثه الذي يصر عليه:
- هتتجوزني غصب؟
استدار بهدوء تام ونظر إليها بعينين حادة قائلًا بثقة:
- لأ برضاكي وهاخد الموافقة منك دلوقتي.
رفعت يدها الاثنين أمام صدرها ونظرت إليه بسخرية شديدة ثم أردفت:
- ودي هتعملها إزاي بقى؟
ابتسم هو الآخر يبادلها تلك السخرية ولكنه كان كالصقر الجارح، كان فهد، في تلك اللحظات وبعد سخريته مثلها كان كالصياد الماهر المنتظر القبض على فريسته، أقترب منها ما ابتعده ويده مازالت في جيبه، تحدث ببرود وقسوة ظهرت على منحنيات وجهه:
- أنا مكنتش أحب أخد موافقتك كده لكن أنتي اللي بتضطريني.. بس معلش ولأخر مرة هسألك موافقة على جوازنا يا سلمى؟.. برضاكي؟
أقتربت الأخرى خطوة مثله، تقلصت المسافة بينهم أكثر، وقفت أمامه وجهًا لوجه وبكل عنف وقوة أجابته ماحية كل مرة ضعف شعرت بها:
- نجوم السما أقربلك مني.. إنك تمسك نجمة من السما أقرب من إنك تتجوزني وتلمس مني شعرة واحدة يا عامر.
ابتعدت شفتاه الرفيعة عن بعضهما وهو يبتسم ببرود، نظر إليها للحظات وأخرى بثبات وعيناه تلقي عليها ما لم تفهمه، ثم في لحظة أخرج يده من جيبه ساحبة معها هاتفه ليفتحه أمام وجهه ثم يأتي بما يريد أن تراه وهنا نستطيع القول إنه انخفض إلى أبعد من مستوى الدنائة.
مد يده إليها بالهاتف فنظرت إليه باستغراب وعدم فهم، لكنها بالأخير أخذته منه، أشار إليها بعيناه أن تنظر به ففعلت.
ابتعد عنها وأخذ يُسير في غرفة المكتب ببرود تام، ثم تحدث بكل القسوة الموجودة في العالم، وبكل القهر أشعرها بذلك قائلًا:
- بصوابع ايدك الحنينة الحلوة اللي كنتي بتمسكي بيها إيد هشام الصاوي فري في الموبايل وتأملي نفسك وجمالك الخلاب.
استدار في سيره ينظر إليها بوقاحة وخبث شامتًا بها:
- الصور فيها هضاب ومرتفعات بس جامدة الصراحة، تخيلي بقى بعد موت عمي اللي يرحمه الراجل الطيب الأصيل بنته تعمل فيه وفي سمعته كده؟ لأ لأ ما يصحش.. تعرفي إني الصور دي في صالحي من أي اتجاه.
وقف ثابتًا على بعد خطوات منها ينظر إليها بثبات وقوة ولم يحمل لها في تلك الكلمات إلا القسوة والذل:
- مهو أصل أنا لو نشرتها هتتفضحي وعمي الله يرحمه معاكي والعيلة كلها وبعدها هتجوزك عشان نلم الفضيحة.. ولو حبيتي نمسح الصور هنمسحها وتتجوز من غير فضيحة وكان يعز عليا والله إني احطك في الموقف ده بس أنتي اللي عملتي كده.
انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، تنظر إلى صورها الفاضحة في هاتفه، تستمع إلى حديثه القاسي الذي ينهش بجسدها دون رحمة أو هوادة، انهمرت الدموع بكثرة وهي لم تستطع الحديث أو النظر بوجهه، كيف له أن يفعل بها ذلك؟ كيف؟
بقيت على وضعها لحظات وعقلها لا يطرح عليها إلا التساؤلات الغير موجود لها إجابة، في لحظة خاطفة رفعت عينيها الباكية عليه لتراه يتعمق بالنظر عليها.
فور أن رأته ينظر إليها دون ذرة شفقة بعينيه فارت الدماء بعروقها واشتعل الغضب داخلها، تقدمت منه بخطوات سريعة متعثرة ثم ألقت الهاتف بوجهه لكنه تمسك به جيدًا ونظر إليها مُبتسمًا بسخرية.
أقتربت أكثر ثم رفعت يدها في الهواء لتهوى عليه بصفعة تذكره بمن هي ومن هو ولكنه لم يجعلها تحذر بأن ذلك سيحدث، أمسك بذراعها وثناه خلف ظهرها ثم أمسك بالآخر بعد أن ألقى الهاتف من يده على المقعد جواره، جعلها تستدير إليه لتواجهه بظهرها وضغط على ذراعيها الاثنين بعنف وقسوة هاتفًا بضراوة بجوار أذنها بعد أن قربها منه للغاية:
- الفرح هيبقى بعد شهر من دلوقتي وهتقولي للكل إنك موافقة بمزاجك وإلا أنتي عارفه اللي هيحصل.
استمع إلى نحيبها الذي خرج منها ولم يرأف بها أبدًا متذكرًا خيانتها لثقته وخروجها مع ذلك الحيوان فصاح بعنف وشراسة أكثر وهو يضغط على ذراعيها:
- مش هسيبك تروحي مني مهما حصل.. مش هتكوني لحد غيري.
أردفت بضعف ونبرة خافتة خرجت من بين شهقاتها المستمرة بفعل بكائها:
- أنا بكرهك.
رواية بين دروب قسوته الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا حسن
استمع إلى نبرة صوتها الخافت الباكي يخرج بضعف وارتعاش مُصرحًا بكرهها له!
قربها منه أكثر وبقي بمحاذاة أذنها وقال بتأكد وثقة ونبرته قوية حادة:
- بلاش كدب بقى مش هينفعك بحاجة.. أنا عارف إنك بتحبيني وللنهاردة وبكرة ولبعد سنين بتحبيني.
حاولت جذب يديها الاثنتين منه وابتعدت برأسها للناحية الأخرى مُبتعدة عنه وصاحت بقوة والدموع تنهمر على وجنتيها بقهر وحزن شغر أنحاء قلبها:
- لو كنت بحبك فأنا بعد اللحظة دي بكرهك.. بكرهك أوي، مكنتش أتخيل إنك ممكن تعمل معايا كده في يوم من الأيام.
ابتسم بسخرية والألم داخله يزداد لحظة بعد الأخرى وهتف بانكسار:
- ولا أنا كمان كنت متخيل إنك تعملي معايا كده.
صرخت به وهو يشدد على يدها لتبقى كما هي تحت رحمته:
- بلاش تعيش دور الضحية أنا معملتش فيك حاجة.
اسودت عيناه وابتغى قتلها هي وذلك الأبله الحيوان الذي رافقته دون علمه وتحدث بقسوة وغضب:
- خونتيني! ولا دي كمان بقت عادي.
جذبت يدها في لحظة ضعف منه شعرت بها أن قبضة يده تثقل على يدها، فجذبتهم منه بقوة وابتعدت للخلف خطوة تقف قبالته صارخة بعنف والبكاء لا يتوقف لديها:
- أنا مخونتكش أنت كداب.. أنت اللي خونتني أنت، أنت اللي بعدت عني وخطفت أهلي مني وبكل بجاحة حاولت تخليني أحس إني أنا السبب.. أنت اللي قسيت عليا بدل ما تحتويني.
نظر إليها بذهول وعينين مُتسعة عليها ثم تقدم الخطوة التي ابتعدتها وصاح مُشيرًا إلى نفسه باستنكار:
- أنا؟ أنا قسيت عليكي؟ أنا حاولت معاكي بدل المرة مليون وأنتي اللي كنتي رافضة أي حاجة من ناحيتي.. دا أنتي كنتي رافضة الكلام حتى جاية دلوقتي تقولي قسيت عليكي.
صرخت مرة أخرى بعنف أكبر من السابق وانهمرت الدموع أكثر تهتف ببكاء حاد ونبرة مُرتعشة:
- أيوة قسيت عليا ولسه قاسي والدليل أهو.. أنت اللي سرقت موبايل إيناس.
أكملت وهي تعود للخلف مُبتعدة عنه متذكرة ما حدث منذ عامين قبل أن تنقلب حياتهم رأسًا على عقب:
- الصور دي كانت على موبايل إيناس لما كنت معاها في الرحلة إياها، اتصورتهم وأنا لابسة مايوه زيي زي أي حد وإحنا لوحدنا ووقتها الموبايل انسرق منها وأنت مكنتش تعرف أصلًا لكن جيت وقولتلي ابعدي عنها وأصريت إني أقطع معاها فترة.
نظرت إليه بعمق وعينين ضائعة بين الحقائق الزائفة:
- دلوقتي بس فهمت كل حاجة.. أنت اللي سرقت الموبايل بتاعها ولحد النهاردة شايل الصور دي معاك علشان مستني الفرصة اللي تظهرها فيها.. يعني مكنتش بتحبني أنت بس عايز تمتلكني مش أكتر.
عاد هو الآخر للخلف مثلها بعد أن استمع لحديثها الساخر، أيعقل أن تكون تفضل صديقتها الحقيرة عنه إلى هذه الدرجة! حتى وإن كان خائن، وإن كان حيوان وذئب بشري وإن كان شيطان ألا تعرفه إلى هذه الدرجة؟ ألا تتذكر أنها كبرت معه في منزل واحد؟ ألا تتذكر أي شيء فعله لأجلها؟
ابتسم بسخرية والذكريات تتهاتف على عقله لأجل ما تحدثت عنه، والحقيقة بهذه الذكريات تقول أن صديقتها هي من قامت بإرسال الصور له وقامت بتهديده أنها في أي لحظة تستطيع أن تقوم بعمل فضيحة لحبيبته وابنة عمه فما كان منه إلا أنه يسرق هاتفها ليستطيع حمايتها، وعندما لم يستطع أن يفتحه قام بتكسيره وإلقائه في المياه وبقيت الصور التي أرسلتها إليه معه.
في ذلك الوقت حاول أن يشرح لها ما الذي حدث من قِبل صديقتها ولكنها لم تستمع إليه كالعادة وأظهرت عنادها فعاندها هو الآخر وبقي ما حدث داخله وجعلها تبتعد عنها بالقوة ولكنها عادت إليها مرة أخرى رغمًا عنه.
ابتسم إليها ببرود ثم ألقى الكرة بالملعب الخاص بها لتحصل على الإجابة وحدها:
- ولما أنتي بتقولي إني مكنتش أعرف حاجة سرقت موبايلها بناءًا على إيه؟
حركت رأسها إليه وجذب انتباهها حديثه، تعمقت بعينيها على عينيه الساخرة منها وتساءلت:
- قصدك إيه؟
رفع حاجبيه للأعلى بلا مبالاة ولوى شفتيه قائلًا:
- شوفي أنتي بقى.
رفعت يديها الاثنتين على وجهها ومسحت الدموع المنهمرة عليه بأصابعها، ثم للحظات فقط ركزت عقلها على التفكير فيما حدث في هذا الوقت، لما قد يسرق الهاتف وهو حقًا لا يعرف بما به؟ لما في ذلك الوقت بالتحديد قد يجعلها تبتعد عنها بالقوة! لما يبغضها من الأساس ولما هي لا تحبه؟
أبصرته مُتسائلة باستغراب:
- أنت كنت عارف أن الموبايل فيه صور ليا؟
استهزأ بها وهو يسير أمامها في الغرفة قائلًا بسخرية:
- شوفي إزاي! وياترى بقى أنا بشم على ضهر أيدي ولا في حد قالي ولا في حد وراني؟
وقف أمامها من بعيد وتعمق بالنظر في عينيها وما داخل حديثه كثير من المشاعر العميقة المتألمة منها ومما يحدث:
- عارفة المهم في الموضوع ده إيه؟ هو إني بطلع وحش في الآخر بس مش مهم أنا اتعودت على كده.. حتى منك.
للحظة أخرى فكرت وهو يتحدث، كيف له أن يأخذ الهاتف دون سبب؟ لما لا يحب إيناس ويحذرها منها دائمًا، إن كانت هي من بعثت له بالصور ثم قام هو بأخذ الهاتف لحمايتها فهنا هو معه كامل الحق، تتذكر أنه في ذلك الوقت أراد أن يشرح لها شيء وكان غاية في الغضب وهو يعبث بهاتفه ليريها ولكنها منعته عن ذلك!:
- إيناس بعتتلك صوري؟ ولا قالتلك؟
لوى شفتيه ساخرًا ثم أكمل بحزن لم يظهره لها:
- هسيبك تفكري فيها شوية بلاش أقولك يمكن تخترعي حاجة جديدة تتهميني بيها.
غمزها بعينيه اليسرى وأشار إليها بيده يذكرها بما قاله عن العرس قبل قليل:
- ومتنسيش الفرح بعد شهر.
نادتها باسمه بضعف، بحزن وضيق، والذل طغى على كل هذه المشاعر وأكملت بنبرة خافتة تنظر إليه كامرأة هواها الحب بجماله وتركها لآلامه فقط:
- عامر.. أنا مش عايزة.
بادلها تلك النظرات الحزينة التي تهطل عليه من عينيها، بادلها الضعف، إنها تعلم أنه ضعيف وما خرج منه ما هو إلا تهديد وقح وقذر ليس لديه أي سبيل آخر إلا هو ليحصل عليها، أردف بجدية وقوة وادعى اللا مبالاة بما تريد:
- بس أنا عايز.
خرجت الدموع مرة أخرى بصمت من عينيها منهمرة على وجنتيها المُكتنزة وهي تطالعه بضعف قائلة بتأكيد تعرفه داخلها:
- أكيد مش هتعمل فيا كده.. ولا هتعمل حاجة بالصور دي أنا عارفة إنك بس بتهددني.
أشار إلى صدره بإصبع يده اليمنى ونظر إليها بعمق وقسوة والشراسة تهطل من حديثه بعنف:
- اللي عملتيه من ورايا يخليني أعمل أسوأ من كده.
اقتربت منه وهي تقول برجاء محاولة التوضيح له أنها لم تفعل شيء:
- بس أنا معملتش حاجة صدقني.. أنا حتى أول ما رفضت أنت وعمي أنا كمان رفضت.
اقترب بخطوات هوجاء وارتفع صوته وهو يوضح لها قليل مما فعلته هي وهو يعطي إليها الثقة الكاملة مُعتقدًا أنها مازالت حبيبته البريئة:
- بقالك سنة بتتسرمحي معاه وأنا مديكي الأمان والثقة، سنة بتخوني عامر اللي منع عن نفسه أي معرفة بأي ست تانية غيرك من وقت ما بعدتي.
صرحت بما يعرفه الآخرون وما تقوله لا يمت بصلة إليها:
- أنا مخونتكش.. أنا وأنت مافيش بينا حاجة علشان أخونك لا أنا مراتك ولا خطيبتك.
أبصرها بجدية شديدة وخرجت الكلمات من بين شفتيه كالسيف الحاد على علم بطريقه جيدًا:
- أنتي عارفة أنتي إيه كويس أوي يا بنت القصاص.. أنا مديكي مهلة شهر كده كويس أوي.
تخشى الرفض بعناد كما كانت تفعل دائمًا فتغلبه غيرته وتهوره، وطبعه الغلاب على كل مشاعر داخله ويفعل ما قال عنه، تعلم بقرارة نفسها أنه من المستحيل أن يفعلها أو أن يعرض جسدها بهذه الطريقة الرخيصة ولكن لن تستطيع ألا تخاف، فقالت بنبرة خافتة:
- لا أنت هتعيش ولا أنا هعيش يا عامر.
أخذ هاتفه الملقى على المقعد ووضعه في جيبه وهو يبتسم بسخرية واستهزاء من حديثها وأردف ببرود ولا مبالاة:
- أنا كده مش عايش وكده مش عايش يبقى وأنتي مراتي أحسن.
تساءلت رافعة حاجبيها الاثنتين بذهول منه:
- ورفضي ليك! مالوش أي أهمية.
أردف بجدية وقال الصدق وما كان سيحدث حقًا، فهو من المستحيل أن يجعل امرأة تتزوجه وهي تبغضه ولكنه يعلم أنها تحبه إلى المنتهى ولن تتخلى عنه مهما حدث:
- لو كنتي رفضتي علشان مش بتحبيني مستحيل كنت اتجوزك.. لكن أنا عارف رفضك ليه ومادام بتحبيني وبحبك يبقى خير البر عاجله.
استدار ليذهب من هنا تاركًا إياها ولكنه وقف عند باب غرفة المكتب واستدار إليها ناظرًا إلى عينيها مباشرة بقسوة وخرجت الكلمات منه بغضب وتهديد واضح:
- شهر يا سلمى وإلا وديني المرة دي هتشوفي وش وسـ* معداش عليكي قبل كده.
خرج من الغرفة وتركها بها، يعلم داخله أنه من المستحيل أن يقوم بفعل أي شيء يؤذيها به، من المستحيل أن يترك هذه الصور على هاتفه من الأساس، أنها تدلف طريق ليس مناسبًا لها مع الحقيرة "إيناس" ومهما فعل فهي تعانده وبقوة وهذه هي الطريقة الوحيدة التي بها يجعلها ترضخ إليه وتفعل ما يطلبه منها.. ومن هنا يستطيع أن يجعلها زوجته ليحميها من شر عائلة "الصاوي".
تراه الآن دنيء، حيوان؟ لا يحبها؟ تراه ما تريد هذا لا يهمه المهم إليه الآن أن يحميها من أي شخص يستطيع أن يؤذيها ولو بكلمة والأمر الأهم من المهم أن تكون زوجته.. حلاله وله وحده وهذا ما سيفعله حتى لو طبقت الأرض فوق السماء.
تركها في الداخل، تقدمت وجلست على المقعد وانحنت على نفسها تبكي بقوة، خرجت الدموع من عينيها بغزارة نادمة على ما فعلته مع "هشام" نادمة على عدم استماعها لحديث "عامر"، تشعر أن الحياة تلتف عليها هي وحدها وتريد أن تسلب منها روحها وما بقي منها.
تخاف منه ومن تهديده وبشدة ولكن هي على دراية أنه لن يفعل ما هددها به، ومع ذلك الخوف تربع داخل قلبها والرهبة ارتعشت بجسدها.
والتفكير لم يتركها لحظة واحدة، كيف له أن يفعل ذلك بها؟ كيف له أن يكون دنيئًا إلى هذه الدرجة!
ولكن إن كان حقًا سرق الهاتف من "إيناس" بعد أن علم بما به فهنا سيكون شيء ما زال مخفيًا وهي لا تعرفه، سيكون معه كامل الحق وهي الوحيدة الغبية التي لم تستطع أن ترى الأشخاص بحياتها جيدًا، إن كانت "إيناس" من فعلت ذلك لن تسامحها أبدًا.
"عامر" يحذرها من "إيناس" وعمها يحذرها من "هشام" وعائلته بالكامل، إن كان "عامر" مخطئًا أو يريد إبعاد الناس عنها لتكون معه وحده فعمها لن يكون كذلك!
هناك أمر لا تعلمه هي يخص عائلة "الصاوي" وإلى أن تعرفه عليها أن تقوم بتوخي الحذر من ناحيتهم.
في لحظة خاطفة ترك عقلها كل ما كانت تفكر به وطرح عليها سؤالًا واضحًا وصريحًا، هل ستتزوج من "عامر"؟
***
بعد أن تحدث معها والدها في أمر "تامر" محاولًا إقناعها بالموافقة بحديثه وأنه يريد الزواج منها وأخذ فرصة وحيدة لتكملة حياتها كما أي شخص ينعم بأقل حقوقه. وبعد الحديث مع ابنة عمها وشقيقة زوجها الراحل اكتشفت أنها هكذا تضيع ما تبقى من عمرها. لو لم تكن تشعر بانجذاب ناحية "تامر" لم تكن لتفكر في الأمر من الأساس ولكنه يشغل تفكيرها في الآونة الأخيرة حقًا ويسلب الجزء المفكر داخل عقلها في الليل مستعيدة حديثه بالكامل عن "ياسين" وعنها.
حديثه صحيح! والجميع حديثه صحيح ولكن حبها لزوجها كان يفوق كل الحدود. لم تنعم معه بالسعادة التي أرادت الحصول عليها ولم تبنِ الكثير من الذكريات لتتذكرها. لم تأخذ ما أرادته منه بل هو أخذ كل شيء معه ورحل.
وإلى الفترة الماضية كان هو من يشغل عقلها وقلبها إلى أن شعرت أن الجميع محق وبدأ "تامر" يتخلل ثنايا عقلها بحديثه اللبق ونظراته الصافية المحبة نحوها.
من هنا ستحاول أن تعطي له فرصة ولنفسها وبتلك العلاقة التي أخذت القرار فيها في سواد الليل بعد الاستماع إلى حديث الجميع وترك الذكريات الماضية في ركن بجانب الزاوية. فرصة واحدة فقط لهذه العلاقة وإن لم تنجح فلتعود إلى ما كانت عليه.
أمام الموظفين جلست على الطاولة المستديرة في كافيتريا الشركة مع "تامر" الجالس مقابلًا لها مبتسمًا بسعادة وحب واطمئنان لأجل أنها وافقت على إعطائه فرصة.
حرك شفتيه قائلًا بصوت هادئ وبنظرة مبتسمة:
- أنا مبسوط أوي إنك وافقتي تديني الفرصة دي. لو كنت أعرف أنك هتيجي من بعد الكلام مع والدك كنت عملتها من زمان.
رفعت يدها أعلى الطاولة، نظرت إليه بجدية تامة ثم أردفت قائلة موضحة له ما خطر على بالها:
- مش الكلام مع بابا هو اللي خلاني أديك الفرصة دي بس زي ما تقول كده هو كان زقة.. زقة بسيطة خلتني أشوف الصح واللي المفروض يحصل.
ابتسم بوجهها وأظهر وجهه البشوش وهو يتحدث قائلًا:
- الحمد لله.. على كل حال أنا مش هخليكي تندمي أبدًا يا هدى.
صمت للحظة ثم أكمل بيقين وهدوء وهو يحاول أن يجعلها تتقبل فكرة وجوده هو في حياتها عوضًا عن "ياسين":
- أنا عارف إن ياسين كان فارشلك الأرض ورد وكنتي بالنسبة ليه حاجة كبيرة أوي وعارف بردو إنه لسه مطلعش من حياتك بس أوعدك على قد ما أقدر هحاول أكون أحسن منه وهخليكي تنسيه.
نظرت إليه مطولًا ثم تحركت شفتاها بالرفض وهي تقول بجدية وقوة:
- بس أنا مش عايزة أنساه.
بادلها نفس النظرة ثم بجدية تامة عقب على حديثها موضحًا مقصده مما قال:
- لما ربنا يوفقنا وأكون جوزك لازم تنسيه.. وما تفكريش غير فيا.
رفعت حاجبها الأيمن ونظرت إليه بقوة تدقق في النظر إلى ملامح وجهه لتتفهم تعابيره ثم ألقت عليه سؤالها:
- أنت إيه اللي مخليك مصمم على الجواز من واحدة أرملة؟
أجابها قائلًا بنبرة جادة قوية:
- عايزك يا هدى.. حبيتك وشايفك المناسبة ليا ولا هو عيب؟
لوت شفتيها وضيقت عينيها عليه وما زالت تكرر نفس السؤال:
- ما قولتش إنه عيب بس بقول إنك تقدر تتجوز أي واحدة تشاور عليها ليه واحدة زيي؟
تفوه بكلمات جادة حنونة في ذات الوقت من بين شفتيه ليجعلها تشعر بأنها ليست كما أحد.. بل أفضل منهم:
- أنتي مش ناقصك حاجة علشان تقولي واحدة زيي.. أنتي ست البنات اللي ملت عيني وخلتني مش شايف غيرها.
نظرت إليه بقوة وعيناها مثبتة عليه ثم تدريجيًا بدأت شفتاها في الابتعاد عن بعضهما البعض راسمين ابتسامة واسعة خجلة قد حدثت على أثر استيعابها لما قال.
- الله الله.. قاعد تحبلي؟ علشان كده بقى رميت اللي بينا في أقرب سلة زبالة قابلتك.
استمعت معه إلى هذا الصوت النسائي الذي تردد على مسامعهم يهتف بهذه الكلمات الساخرة بطريقة متهكمة.
وقف على قدميه بعد أن علم هويتها التي ظهرت له من الاستماع إلى صوتها، استدار إليها بجسده وهو يقف أمامها ناظرًا إليها باستغراب جلي:
- أنتي هنا بتعملي إيه؟
صاحت بعنف وصوت عالٍ نسبيًا استمع إليه من حولهم:
- جاية أشوفك وأنت حبيب... هي دي اللي سبتني علشانها؟
وقفت "هدى" على قدميها فور أن علمت أن الحديث يذهب إلى منحدر لا تريده ولن تحبه أبدًا، نظرت إليه متسائلة:
- مين دي؟
أجابها وهو يبعد عينه من على الأخرى باشمئزاز واضح:
- منه.. اللي كانت خطيبتي.. أظن واضح قدامك سبتها ليه أهو.
أردفت الأخرى بصوت عالٍ وطريقة سوقية لا تناسب المكان المتواجدة ولا تناسب الأفراد الذين أمامها أيضًا:
- هو إيه ده اللي واضح.. أنت سيبتني علشان مرات صاحبك اللي مات، هتستهبل ما أنا عارفة كل حاجة.
نظر إليها بغضب وعصبية شديدة ثم صرخ بها:
- اخرسي.
أردفت "هدى" باستغراب واستنكار لما تقوله وقد فهمت الآن لما قال لها "تامر" أنه لا يستطيع التكملة معها فهي مختلفة عنه كامل الاختلاف:
- دي مجنونة.
أجابها وهو ينظر إلى الأخرى بعينين حادتين قائلًا:
- مجنونة وستين مجنونة.
ارتفع صوتها الهائج وهي تقول ملوحة بيديها الاثنتين إليهم:
- أنا مجنونة.. دا أنا هفضحك هنا، خطبتني وسبتني من غير سبب إيه هي بنات الناس لعبة في إيدك؟
أكملت بسخرية وصوت عالٍ متهكمة عليه وأظهرت أن ما تريده منه ما هو إلا أشياء مادية:
- ولا تكونش فاكر إني هبلة وهسكتلك بعد ما تدخل بيتنا وتخرج كده عادي.. لأ مش هطلع من المولد بلا حمص.
ظهر عليه الحنق الشديد فقال بطريقة مهلكة ناظرًا إليها باشمئزاز:
- يا شيخة منه لله اللي كان السبب في إني أعرفك.. ده إيه القرف ده.
هتفت "هدى" وهي تبتعد عن الطاولة بجدية تامة:
- تامر.. الناس بدأت تتفرج أنا طالعة مكتبي ومشي البتاعة دي من هنا.
صرخت الأخرى بها وارتفع صوتها أكثر بعد أن تمسكت بيدها كي لا تجعلها تذهب:
- بتاعة.. بتاعة مين يا أم بتاعة تعالي هنا وأنا أعرفك البتاعة دي إيه.
نفضت "هدى" يدها منها بقوة ونظرتها نحوها لا تعبر عن أي شيء إلا التقزز وقد استوعب عقلها كل شيء حدث حقًا:
- سيبي يا مجنونة أنتي.
جذب يدها التي أمسكت بها الأخرى ونظر إليها بقوة وعمق صائحًا بغضب:
- أنتي بتعملي إيه؟ فاكرة نفسك في الشارع بتاعكم امشي من هنا امشي.
عاندته بوضوح وقوة وهي تضع يديها الاثنتين في وسط خصرها:
- مش همشي مش أنا اللي تاخدني لحم وترميني عضم.
نظر إلى "هدى" وترك الأخرى وهو يقول لها بجدية:
- روحي اطلعي وأنا هتصرف مع دي.
أومأت إليه برأسها ونظرت إليها باشمئزاز وتقزز ثم سارت مبتعدة عنهم ففعل الآخر شيئًا لا يليق به، تمسك بها من معصم يدها ثم سار بها وهي خلفه شاعرًا بالحنق الشديد من وجودها بحياته وكأنها كاللاصق لا تخرج بسهولة.
وصل معها إلى مدخل الشركة ثم ألقاها في الخارج وهتف لأفراد الأمن بقوة:
- الست دي ما تدخلش الشركة تاني.
لم ينتظر حتى أن يستمع أو ينظر إلى ردة فعلها بل استدار وذهب إلى الداخل مرة أخرى لاعنًا الساعة التي تعرف عليها بها والتي كانت غاية في الهدوء والرقة. بها من الأخلاق ما يكفي بنات العالم أجمع ولكن مرة بعد الأخرى كان يظهر كل شيء بوضوح إلى أن طفح الكيل منها ومن عائلتها فلم يستطع الانتظار أكثر من هكذا معها.
حان دور الذي اختارها قلبه، ستكون العوض والعون، سيبادلها بالسند والظهر. وستكون حياتهما معًا جنة الأرض.
***
جلست على الطاولة أمامه بوجه باهت حزين مشتت ونظراتها عليه ضائعة مترقبة لأي حركة قد تصدر منه تؤكد حديث عمها و "عامر" عنه وعن عائلته، منتظرة أن يثبت أنه هو الآخر خائن كاذب ومخادع لا أمان له وهناك غرض آخر خلف معرفته بها.
أصبحت لا تثق بأي شخص في حياتها، لقد تعرضت للخيانة من الجميع حتى من كانت تظنه أقرب الأشخاص إليها ومهما ابتعدت عنه وفرقهم الزمن سيكون سندها والحامي الأول والأخير لها.
انقلبت الموازين وتحلى بوجه آخر فوق وجهه ليصبح قناع دائم من القسوة الذي يخلفها كسرة قلب وقهرة لا نهاية لها.
بعينيها الباهتة نظرت إليه بضعف وقلة حيلة وقد خجلت كثيرًا مما تريد قوله إليه بعد المدة التي أعطته بها الأمل الأكبر بحياته، بشفتين ترتعش ونبرة غير متزنة قالت:
- هشام أنا.. أنا آسفة على كل حاجة بس إحنا، إحنا مش هينفع نتجوز.
اقترب إلى الأمام بعينين متسعتين حادتين عليها تحولتا مئة وثمانين درجة:
- بتقولي إيه؟
فركت يديها الاثنتين بتوتر أمامه محاولة شرح موقفها له بنبرة خافتة حزينة:
- اللي سمعته.. أنا آسفة أقسم بالله ما كان قصدي كده بس اللي حصل وأنا ما أقدرش أكسر كلام عمي.
أبعد من أمامه كوب القهوة الخاص به ونظر إليها بقوة وانزعاج تام صارخًا بعصبية:
- أنتي اتهبلتي ما تكسريه ولا تنيليه بنيلة.
ابتلعت ما وقف بحلقها وأبعدت عينيها ذات اللون الزيتوني عنه ثم عادت بخجل شديد قائلة:
- أنا هتجوز أنا وعامر.
صرخ بعنف مرة واحدة وعيناه منصبتان عليها بتركيز شديد وقد ثار البركان بداخله واشتعلت النيران الذي ستحرقه هو ووالده إن لم ينفذ ما قاله له وخطط إليه:
- لا دا أنتي اتجننتي بقى..
هتتجوزي عامر إزاي؟ مش المفروض إنك بتحبيني ولا كنتي كدابة وخاينة زيه بالظبط وبترسمي عليا الحب؟
ضيقت ما بين حاجبيها وضيقت عينيها هي الأخرى عليه قائلة بصدق وجدية:
-أنت عارف إني مش كده والله العظيم بس الظروف أقوى مني.
عاد للخلف ضاغطًا على فكه بقوة وعنف شديد، ثبت عينيه الحادة على خاصتها وقال بجدية مميتة:
-هنهرب أنا وأنتِ ونتجوز وهنرجع وإحنا متجوزين وبكده تبقي قتلتِ الظروف ونحطهم قدام الأمر الواقع.
نفت ما قاله سريعًا معترضة عليه بقوة وانزعاج:
-لأ طبعًا مستحيل أعمل كده! إيه اللي أنت بتقوله ده؟
أكمل بإصرار ليضعها في موضع الخائنة أمام نفسها وهو يعلم أن هذه عقدة تعاني منها:
-يبقى أنتِ لسه بتحبيه هو وموافقة على الجواز منه.
عارضت ما قاله بشدة وبنبرة جادة:
-أقسم بالله مش موافقة، أنا مغصوبة بس لازم ده يحصل، مضطرة.
صرخ مرة أخرى بعنف وعصبية وهو يرى ما خطط إليه يذهب إلى البعيد المطلق حريته:
-ليه مضطرة؟ ليه؟
ابتعدت عينيها عنه، مؤكد لن تقول أن ابن عمها يقوم بتهديدها بصورها الفاضحة، أردفت بخفوت وضيق احتل كيانها منذ أول لقائها بـ "عامر":
-مضطرة وخلاص يا هشام... مضطرة أوافق.
أشار عليها بإصبع يده السبابة وأردف حديثه الحاد الجارح:
-كدابة وستين كدابة، بتحبي عامر وعايزاه هو وأنا كنت لعبة في إيدك.
لقد كانت تعتقد أنه يفعل ذلك لأجل حبه لها فعارضت مبررة موقفها أمامه مدافعة عن نفسها:
-والله العظيم أبدًا.
لم يصمت للحظة واحدة بل تابع حديثه الحاد وهذه المرة كان حادًا غاضبًا مهددًا لها وبكل جدية ووضوح ناظرًا إليها بعينين صائد سُلبت منه فريسته عنوة لحمايتها:
-أنتِ مفكراني إيه؟ لأ أنا مش عيل صغير ينضحك عليه كده... قسمًا برب العزة إن ما لغيتي فكرة الجواز من عامر لكون متصرف تصرف مش هيعجبك لا أنتِ ولا أهلك.
اتسعت عينيها عليه واعتدلت نبرتها بجدية ووضوح متسائلة باستغراب واندهاش:
-أنت بتهددني؟
أكمل حديثه مجيبًا عليها وأشار برأسه مؤكدًا بقوة:
-آه بهددك ولو منفذتيش يبقى أنتِ اللي جنيتي على نفسك.
وقفت على قدميها وتمسكت بحقيبتها التي كانت موضوعة على جانب الطاولة بينهم، نظرت إليه باندهاش واضح وذهول تام لتحوله المفاجئ ثم قالت باستنكار:
-أنت إزاي بتكلمني كده؟ طلعت زي ما قالوا!
رآها تتركه وتتحرك بعد جملتها فوقف هو الآخر ممسكًا بيدها بعنف متسائلًا:
-رايحة فين؟
نفضت يدها منه بقوة وعنف شديد وصرخت به أمام الجميع في المكان العام الذي يجلسون به:
-أوعى كده سيب إيدي... مش عايزة أشوف وشك ده تاني أبدًا.
نظر إليها بوجه جامد حاد كما أول مرة رأينا بها وجهه الحقيقي، وبنفس نظرة القاتل هذه أجابها بتأكيد وثقة:
-هتشوفيه يا سلمى لكن وقتها مش هيعجبك.
نظرت إليه بنفور ثم استدارت ترحل فاستمعت إلى حديثه المهدد إياها مرة أخرى:
-أقرب رد على اللي حصل دلوقتي هيبقى بالليل استني المفاجأة مني واستحمليها.
خرجت من المكان تسير بقدمين ترتعش وخطواتها غير متزنة بالمرة، صعدت إلى سيارتها وبقيت بها ولم تتحرك، لقد خدعت به! تعرفه منذ الكثير وكان يمثل عليها الحب كما قال عمها! حديثه وانزعاجه الشديد وتهديده الواضح لها يقول أن هناك غرض آخر كان يريده منها غير أنه يحبها...
يا الله ماذا لو كانت تزوجته... ماذا لو لم يرفض عمها هو وابنه الزواج منه، كانت ستكون ضحية لغرض داخله لا تعرف عنه شيء، ستكون مسلوبة الإرادة متزوجة من شخص لا تعرف عنه شيء حتى أنها لا تعرف ما الذي يريده منها...
كيف إلى اليوم وهي تعرفه ولم يظهر عليه أي مما رآه عمها وابنه؟ هل هي إلى هذه الدرجة مخدوعة بالبشر المحاوطين لها؟ أول شخص حبيبها "عامر" ومن خلفه كان شقيقها "ياسين" والآن "هشام"؟!
من هناك غيرهم في حياتها يقوم بخداعها؟ من هناك غيرهم يراها غبية وحيدة لا تستطيع التصرف في الأمور والحكم على الأشخاص يقوم بالضحك عليها بسخرية ويراها ساذجة؟
تحركت بالسيارة بعد أن قامت بتشغيلها وابتعدت عن المكان وعقلها داخله قنابل تفجر به الأفكار لتظل تزداد إلى أن تنفجر رأسها هي الأخرى من كثرة التشتت.
***
في المساء
بعد أن تعرض إلى حرقة قلب وقهره لا نهائية من تلك الغبية التي كان من المفترض قتلها كما أمره والده توجه إلى منزل "إيناس" ابنة عمه لتساعده في الورطة التي وقع بها وليقوم بالانتقام منها ومن ذلك الحقير ابن عمها الذي تحداه بثقة وسلبها منه عنوة... لن يتركهم أبدًا.
دلفت "إيناس" بالصينية الموضوع عليها كوب كبير من عصير الليمون ليقوم بتهدئة أعصابه التالفة منذ أن أتى، وضعت الصينية على الطاولة وجلست مقابلة له ثم أردفت بخبث ومكر مدسوس في حديثها:
-اهدأ بس يا هشام أكيد سلمى عامر اللي غصبها على كده وأنت أكيد مش هتسيبهم يتجوزوا.
-بنت الكلب ضحكت عليا... بقى أنا ينضحك عليا من واحدة غبية زي دي؟
لقد كان قلب "إيناس" يحترق بالفعل وأكثر منه، لن تجعل "عامر" ينعم بالحب معها، لن تجعله يتزوجها بهذه السهولة وتخرج هي من حياتهم الوحيدة الخاسرة، حتى ابن عمها لم يخسر شيء... إن تركتهم يتزوجون ستخرب عليهم كل شيء، سيكون زواج مفعم بالانتقام:
-وأنت هتعمل إيه؟
أردف "هشام" بحرقة وقلبه يزداد في عذابه:
-بنت الكلب دي مستحيل توافق تتجوزني بعد تهديدي ليها ولو وافقت الكلاب اللي عندها مش هيوافقوا هي كده متقفلة بس أنا لازم أشفي غليلي النهاردة قبل بكرة والباقي هعمله على رواق.
رفع نظره عليها مرة واحدة ثم قال بجدية شديدة جعلتها تتفاجأ منه:
-وأنتِ اللي هتساعديني أنا عارف إنك مش بطيقيها أصلًا بس كنت ساكت علشان مصلحتي.
نظرت إليه باستغراب، كيف علم أنها لا تحبها وكل ما تفعله كذب؟ الغبية الأخرى لم ترَ منها شيء سيء هو كيف علم؟
-وعرفت منين بقى؟
تحدث بانزعاج وضيق شديد وهو يشعر بعدم الصبر والتعجل في الانتقام منهم الليلة:
-بقولك إيه انجزي معايا كده أنا عارف اللي فيها بس إيه السبب الله أعلم وهعرفه منك بس مش دلوقتي لازم الأول أتصرف معاهم.
اعتدلت في جلستها ونظرت إليه بتعمق ثم أخرجت كل ما عندها ومحت دور الصديقة المخلصة وكشفت عن وجهها قناع البراءة:
-طب بما إنك بقى عارف إني لا بطيقها ولا بطيقه وهتعرف مني السبب يبقى أنا كمان أعرف أنت بتعمل كده ليه ما أنت كنت راسم عليها دور الحب قدامي وأنا معرفتش أهرش عمايلك.
تحدث بنفاذ صبر:
-كل ده مش وقته دلوقتي.
تفوهت بالكلمات المنجية إياه والذي يريد الاستماع إليها منذ أن أتى إلى هنا:
-ماشي وأنا عندي اللي يدمرهم سوا بس عندي شرط.
مرة أخرى بقوة وانزعاج يردف:
-إيه اخلصي.
ابتسمت بسخافة وقالت بجشع:
-خلي أبوك يزود لي مصروف الشهر.
أومأ إليها برأسه واعتدل في جلسته متقدمًا للأمام منها بقوة منتظر حديثها الذي سيشفيه:
-موافق... قولي بقى.
أردفت بهدوء وهي تعيد ظهرها للخلف تستند إلى ظهر الأريكة:
-هتكلم عامر.
أشار إليها بيده بحدة يلح عليها في الحديث بنفاذ صبر:
-هعمل بيه إيه انجزي.
بمنتهى الخبث والحقد القابع داخل قلبها، وبمنتهى الكراهية والبغض المزروع في قلبها تجاه "سلمى" البريئة من كل شيء سوى البراءة نفسها تحدثت ببرود:
-اتقل... هتكلم عامر وتقوله إن سلمى عملت معاك علاقة وإنك كنت رايح تخطبها علشان كده وأنها رافضة الجواز منه لنفس السبب.
صاح بعنف وانزعاج لأجل الغباء الذي تتحدث به:
-وكده بقى هو هيصدق؟ أنتِ يابت أنتِ عبيطة؟
ابتسمت ببرود وسخرية، وظهر على ملامحها القسوة الشديدة الذي استشعرتها من "عامر القصاص" الذي جعلته مدمرًا لحياتها لتلقيها على حبيبته بالنيران الملتهبة التي تريد أن تشوه بها جمالها، أكملت بنفس الكراهية والقسوة تجاهها:
-ما قولتلك اتقل... أنا سبق وقولت لعامر الكلام ده وهو ما صدقنيش لكن المرة دي أنت هتأكد كلامي وبالدليل كمان وهنا بقى هيصدق وقول عليهم هما الاتنين يا رحمن يا رحيم أصلك متعرفش عامر بيموت في التراب اللي بتمشي عليه وهو أصلًا واحد شهواني ونسونجي بقاله سنين مستني تبقى مراته مش معقول بعد كل ده تتاخد منه كده وبرضاها كمان.
ضيق عينيه بقوة عليها، كم بدت شريرة أمامه بعد الاستماع منها إلى ذلك المخطط القذر، كم من واحدة مثلها في حياة البشر؟ تساءل بصوت جاد بعد أن ألقى تلك الأفكار من رأسه الآن:
-وإيه هو الدليل ده؟
رفعت قدم فوق الأخرى وجلست بأريحية وبدت واثقة من نفسها وهي تقول:
-قوله الحسنة البني اللي في نص ضهرها.
عاد هو الآخر للخلف بعد أن ارتاح قلبه وأخذ داخله وسيلة الانتقام الصغرى منهم ليقول بعدم تصديق:
-يخربيت دماغك.
أكدت حديثه بثقة عالية وهي تتابع:
-أومال... لو كانت أمها تعرف مكان الحسنة فهي ماتت قبل حتى أنت ما تظهر في حياتها وأبوها وأخوها يعني مافيش حد يقولك عليها ولا حتى أنا ده أنا شوفتها بالصدفة كده يعني من الآخر أنت اكتشفتها بنفسك.
ارتسمت الابتسامة على شفتيه واتسعت بقوة واستمعت إلى كلماته المريحة قائلًا:
-حلو أوي الكلام ده... يبقى اتقل زي ما قولتي وأكلمه بالليل.
كل ما أجرمت به أنها لم تستمع إلى حديث حبيب عمرها وسارق أحلامها، كل ما أخطأت به هو أنها تركت طيبة قلبها تتعامل مع البشر وكذبت إصراره على عدم الوثوق بهم... الآن ستكون ضحية لتفكير شيطاني من أشخاص قدمت إليهم كل الحب والاحترام... ستكون ضحية حبيب عمرها... من حذرها من البشر أجمع إلا هو...
***
بعد أن صف سيارته في كراج الفيلا خرج منه وتقدم يسير في الحديقة الخاصة بهم متقدمًا من بوابة الفيلا الداخلية ليصعد إلى غرفته لينعم ببعض الراحة قليلًا... لقد أصبح العمل شاق جدًا بالنسبة إليه في هذه الفترة...
استمع إلى صوت هاتفه يصدر رنين عاليًا ينم عن وصول مكالمة إليه، أخرجه من جيبه ونظر إلى شاشته فوجده رقم غير معروف... ابتسم بسخرية واستنتج أنها ستكون هي كالمعتاد فأجاب مع تحفظه لفعل نفس الشيء كالمرة السابقة ليضمن الدليل القاطع الذي سيكون سيف قطع رقبتها...
خابت توقعاته عندما استمع إلى صوت رجل آخر يهتف بنبرة ساخرة عبر الهاتف:
-إزيك يا أبو الرجولة...
أكيد مش عارفني، أنا هشام.
ابتسم عامر بسخرية وأردف بجدية وتساءل بلا مبالاة:
-أنت أخدت الوسيلة من بت عمك الوسخة ولا إيه؟
استمع إلى صوت هشام على الناحية الأخرى يقول:
-تقريبًا كده، بس المرة دي أنا جاي أحذرك.
عاد عامر إلى الحديقة مرة أخرى يبتعد عن باب الفيلا، ثم نقل الهاتف إلى أذنه اليمنى ليردف بسخرية شامتة وتهديد:
-تحذرني.. إيه، اتحرقت لما قالت لك هتجوز عامر؟ اخلع منها علشان أنت مش قدي، أنا بس اللي بحب الصبر.
ضحك هشام على الناحية الأخرى، بل وتعالت ضحكاته كثيرًا، ثم قال بشماتة يردها إليه:
-إهدى بس على نفسك واسمع البوقين دول.. أنا ما اتحرقتش ولا حاجة.. أتحرق ليه على حاجة مجربها؟
صمت عامر عندما استمع إلى هذه الكلمات الساخرة منه والشامتة به، ولم يجب عليه لأنه لم يستطع تحديد موقفه، فاستمع إلى الآخر يكمل:
-بتسأل مجرب إيه مش كده؟ يا عم مش هخلي فضولك يقتلك وهقول لك.. أصل الحقيقة كده يعني زي ما جه في بالك أنا مجرب بنت عمك.
أردف عامر ألفاظًا دنيئة بذيئة بصوتٍ عالٍ صارخ وهو يثور في الحديقة بهمجية واهتياج والعنف احتل جسده:
-أخرس يا وسخ يا كلب، ووديني هطلع ميتين أمك، هخليك مرة يا ابن الكلب.
قابله الآخر بالبرود التام يؤلف حديثًا من عقله هو وابنة عمه ليجعل القصة كاملة ويصدقها المشاهد مستمعًا بما يحدث للآخر أمامه:
-براحة على نفسك يا ابن القصاص.. أنا بس بفهمك اللي حصل، بنت عمك كانت معايا وأظن بنفسك جبتها قبل كده من بيت إيناس، ما كانش بيتي الحقيقة بس كنا بنتقابل هناك وغلطت معايا، ولما جيت أخطبها كان علشان أصلح الغلط يا نور.. بفهمك بس علشان ما تلبسش.
ضرب الطاولة بقدمه ومن خلفها المقعد ليقع على الأرضية وهو يجيب عليه بعدم تصديق وداخله يعلم أن هذه لعبة قذرة منه:
-آه، أنتم متفقين سوا بقى وعايزني أعمل الغلط.
بمنتهى البرود واللذة الخالصة أكمل بشماتة وكذب ولكنه أحكمها جيدًا ليشعر بالمتعة وليعود الأمر عليه بتحقيق الانتصار:
-لا يا حبيبي، أنا ما اتفقتش مع حد، بنت عمك عندك وتقدر تتأكد كمان بالحسنة اللي في ضهرها بني هي وفي نص ضهرها كمان، أكيد أنت ما شفتهاش.. معلش مش هقدر أقول أي أمارة تانية دي أعراض ناس برضه، وآه هي كانت هتتكلم مع عمها تاني علشان تستر على نفسها، هي بس طاوعتكم علشان منظركم قدامي.
لم يستمع إلى صوت الآخر فأكمل مرة أخرى بنبرة شامتة:
-رفضتك علشان كده يا جامد، خايفة تعرف اللي حصل بينا.. تشاو.
أغلق الهاتف، أبعده عامر عن أذنه نظر إلى شاشته وعينيه لم تكن معه من الأساس، شامة في ظهرها لونها بني؟ هو رآها! يؤكد حديث ابنة عمه الحقيرة ويقول أنه أقام علاقة معها؟ حديث إيناس كان صحيح؟ لقد خدعته! خانته وسلمت شرف العائلة وشرفه إلى ذلك الحقير!
خانته؟ طعنته بظهره بسكين تالمة؟ قتلت كل الحب الموجود بقلبه لها؟
إنه يشعر بالموت الآن؟ يشعر وكأن هناك من يسلب منه روحه بالقوة.. إنه أسفل المياه ولا يستطيع التنفس بشكل جيد.. يغرق في أعماق البحر.. خانته؟
حرك عينه على شرفة غرفتها.. استعاد صورة عمه الذي كان والده أمامه، ثم من بعدها بلحظة أخرى استنتج أنه لن يصدق هذا الحديث!.. لن يصدقه مستحيل، لن يجعل قلبه يكرهها ويموت الحب داخله.. لن يترك هذا الأبلة يفعل بهم هكذا..
إنه كاذب، يؤلف كل هذا فقط لأجل أن يفرق بينهم، حبيبته لا تفعل ذلك.. لا تخونه.. لا ترمي جسدها في أحضان غيره.. لا تخيب ظنه بها.. إنها تحبه..
سيتأكد من كل ذلك، سيتأكد بنفسه ومن بعدها يقرر من الكاذب والمخادع هنا..
ضيق عينيه على شرفة الغرفة ثم تقدم إلى الفيلا بخطوات ثابتة حادة تسير بسرعة شديدة ليصل إليها، سيفعل ما يجب عليه فعله ليتأكد إن كان كاذب أو لا.. ليتأكد إن كانت كما هي ابنة عمه وحبيبته ومن هواها قلبه من بين كل الناس، سيفعل ما يجب عليه فعله ليتأكد إن كانت خائنة أو لا..
دلف إلى الفيلا وقد كانت هادئة للغاية، تذكر أن والديه وشقيقته ليس موجودين هنا، يا حظه السعيد، سيحلو له كل شيء الآن وما سيفعله سيكون في هدوء تام..
فتح باب الغرفة الخاصة بها على مصراعيه بيده اليمنى وتقدم بقدم واحدة إلى داخل الغرفة ينظر إليها..
كانت تقف أمام الفراش استدارت فجأة بفزع عندما وجدت الباب يفتح هكذا وليس هناك أحد معها في الفيلا سوى العاملين بها ولا أحد يتجرأ على فعل شيء كهذا..
نظرت إليه بعينيها الزيتونية وقد رأت مظهره غريب عنها لا يبشرها بالخير، لم تتحدث وتثور عليه وتأخذ أي ردة فعل إلا عندما وجدته يدلف ويغلق الباب من خلفه بعينين صائد ماهر..
صاحت بجدية شديدة وضربات قلبها أصبحت تزداد عنفًا مرة واحدة لتجعلها تشعر بالرهبة:
-في إيه.. أنت داخل كده ليه؟
تقدم إلى أن وقف أمامها دون أي حديث، دون أي إشارة واحدة منه، نظر إلى عينيها مباشرة وكانت عينيه البنية الحزينة تخاطبها بالخوف القابع داخل قلبه.. خوفه أن تكون فعلت ما هتف به ذلك الحيوان هو وابنة عمه.. يخاف أن تكون قد تخلت عن حبه لها ومحت حبه من قلبها..
رهبة تقتله وخوف يهزم كل خلية حية به أن تكون تخلت عنه وعن كل ما كان بينهم، حبه لها جنوني قاتل ينافس به أي شيء، يا ليتها تعلم ذلك..
استحضر لون عينيه الأسود القاتم في تلك اللحظات التي ستكون فارقة في حياة كلاهما، وأمر القسوة أن تتجسد به وبكل حركة تصدر عنه وقد كان ذلك..
جذبها من يدها الاثنتين على حين غرة ثم جعلها تلتف عنوة عن نفسها وقام هو باحتضان جسدها بيد واحدة جاعلًا إياها تلتصق بجسده بقوة مانعًا حركتها مقيدًا جسدها بالكامل بيده اليسرى فقط..
صرخت بفزع عندما وجدته يفعل ذلك وهي لا تفهم أي شيء وحاولت أن تبتعد عنه وتبعد يده عنها وهي تتمتم بالكلمات المتسائلة عن ما الذي يفعله بها..
حاولت بكثرة أن تدفعه عنها ولكنه كان الأقوى وكان محكمًا لقبضته عليها وجعلها لا تستطيع الحراك.
مد يده إلى سحاب فستانها من الخلف وهي تتلوى أسفل يده بفزع ورهبة شديدة، ثم صرخت به بعنف واهتياج:
-أنت بتعمل إيه.. اوعى ابعد عني يا عامر.
هموتك.
في لحظة شعر أنها بعينيها تهتف بكم تحبه وتودعه، وفي اللحظة التي كانت بعدها زاغت عيناها عنه، وثقلت يداها الموضوعة فوق يده تبعده عنها، واختنق وجهها وشفتاها باللون الأزرق الذي وقفت عليه اختلاف الدرجات.
في تلك اللحظة سقطت من عينه دمعة فقط، تتحدث عن كم الألم الموجود بالداخل وهو لا يستطيع التعبير عنه، تتحدث عن ألمه القادم بعد فقدانها.
رواية بين دروب قسوته الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندا حسن
“حاول سلب روحها الخائنة فلم يستطع، لحظات وسُلبت منه روحه”
جلس في حديقة الفيلا الخاصة بهم بعد أن قام بتنفيذ انتقامه ناظرًا إلى السماء ونجومها البراقه، الآن أرتاح قلبه قليلًا بعد أن نال منهم هم الاثنين، يعلم أن تأثير ما قاله سيكون صعب على كلاهما إذًا فهو مُتأكد من أن العواقب ستكون وخيمة..
يريد النيل منهم هم الاثنين معًا، يريد أن يرى كل منهم ذليل أمامه ليمتع عيناه بقهرهم وذلهم، يريد أن يشبع أنظاره من رؤية القهر على وجوههم وملامحهم تتحدث به..
لم يكن “عامر” عدو له من الأساس، إنه كان يريدها هي فقط، يريدها وحدها ليستطيع النيل منها وتشكيل العذاب عليها كما يريد ولكن “عامر” كان الحامي لها، كان “عامر” سـ ـارق قام بسـ ـرقة فريسته منه ليجعل انتقامه متوقف على بعده عنها وقد كان ولكنه كان الأقوى في قربه منها حتى في الفراق..
لم يكن يريد منه شيء ولكن عندما وقف أمامه وقام بتعطيل ما يريده منها جعله من أوائل المُسجلين في قائمة الانتقام لديه من بعد والدها وعائلتها بأكملها..
رفع نظرة إلى السماء مرة أخرى بعد أن اخفضها ونظر إلى النجوم المنيرة بها، وضع يده الاثنين أمام صدره وتكرمش جسده وعيناه تتابع النجوم باهتمام..
عادت ذاكرته لمشهد وقع أمام عيناه منذ سنوات عديدة، مشهد حُفر داخل عقله بالنيران المُشتعلة وهو طفل بعمر الستة سنوات!!..
“كان طفل بعمر الستة سنوات يلعب ويلهو في حديقة منزل والده وعائلته، وهو يضع الرمال في عربته المُحملة بالكثير نظر إلى البوابة ليجد والده يخرج منها بوجهٍ متهجم جامدة تعابيرهه ثم سار إلى الخارج..
بعينين طفل بريء للغاية نظر إلى المنزل وخفق قلبه للحظة لا يعلم لما حدثت وما سببها..
ترك السيارة ورماله التي كان يعتبرها بضاعه تباع وتشترى منه هو وألعابه الكثيرة، وقف على قدميه ثم نفض الغبار عن ملابسه ومسح بيده الاثنين بقوة حتى يدلف إلى والدته نظيف كي لا تعنفه على توسيخ ملابسه التي ارتداها في الصباح ولم يفت عليها وقت طويل.. يعلم هذه الإسطوانة جيدًا..
سار بخطوات هادئة وعيناه السوداء تتابع المنزل والطريق إلى أن دلف إلى الداخل.. كان تارك والدته في المطبخ قبل خروجه تعد له الكيك والحلوى الذي يحبها فتوجه في سيره إلى المطبخ ليراها ولكنها لم تكن موجودة به عند دخوله إليه، اشتم رائحة الكيك الخاصة به فدلف إلى الداخل أكثر ثم مد يـ ـده إلى الطاولة في المطبخ والتي كانت موضوع عليها قطع شهية من مأكولاته المفضلة..
أخذ قطة منهم بيده وبدأ في تناولها بنهم واستمتاع شديد ثم سار إلى الخارج من أخرى وأتجه في سيره إلى الأعلى ليصعد إلى والدته.. همهم في أثناء صعوده الدرج وود شكر والدته على هذا الطعم المثير الذي يجعله يستمتع كثيرًا وهو يتناوله..
وصل إلى الرواق يسير إلى أن وصل إلى غرفة والدته وقطعة الكيك بيده يأكل منها، بيده اليمنى كان يقربها من فمه ليأكل وبالأخرى كان يفتح مقبض باب غرفة والدته..
في لحظة جحظت عيناه السوداء البريئة، وقعت قطعة الكيك الشهية من يده على الأرضية الرخامية، أطبق شفتاه فوق بعضهما مُحاولّا ابتلاع ما وقف بجوفه، ارتعش جسده وانخفضت يده لا إراديًا عن مقبض الباب.. طفل صغير لا يدري ما الشعور الذي يراوده الآن سوى أنه خائف وبشدة ينظر إلى والدته المعلقة في الهواء من عنقها في حبل متصل بسقف الغرفة، بعينين مفتوحة على وسعيهما وجسده مُتدلي لا يتحرك..
بلل بنطاله برعب قفز إلى قلبه وهو يقف عند ايطار باب الغرفة ينظر إليها بعينين دامعة..”
عاد مرة أخرى إلى واقعة، رفع يده الموضوعة أمام صدره إلى أسفل عيناه يزيل تلك الدموع التي انهمرت منه وهو لا يشعر، دموع تسارعت خلف بعضها على وجنتاه وهو لا يدري بها حزنًا على ما مر به في طفولته التعيسة..
تنهد بصوت مسموع وأخذ نفس عميق ناظرًا بسواد عيناه إلى النجوم المنيرة، مُعتقدًا منذ صغره أن والدته واحدة منهما، تنظر إليه في كل وقت وتحدثه وتنتظر منه القدوم إليها ليجلس هذه الجلسة وينظر إليها متحدثًا بقلبه عما يشعر به..
إنه الآن شاب في الثلاثين من عمره، ولم يتخطى تلك الحادثة ولن يتخطاها أبدًا، إنه منذ ذلك الحين وإلى الآن يتيم فقد حنان والدته في لحظة لم يشعر بها، ولكن طفولته التعيسة وعذابه المُستمر منذ أربعه وعشرون عامًا لن يذهب هباء.. سينتقم أشد انتقام وكما تعذب هو كل ذلك الوقت سيجعلها هي في الأيام القادمة تنال عذاب يعادل عذابه لكل هذه السنوات.. سيكون دون رحمة، لم يبقى إلا هي لينال منها وذلك الاخرق ابن عمها الذي أوقع نفسه في طريقه دون مجهود منه..
عليهم الإنتظار والصبر كما قال “عامر” سيتبع هو الآخر طريقته، سيكون هذه المرة صياد ماهر ولن يتخلى عن فريسته..
❈-❈-❈
كان الحُب هو السبيل الوحيد لجعله يعيش بين البشر حيًا بروحه وقلبه، أتى الفراق فمات القلب وسُلبت منه روحه، ولكن الأمل بقيٰ بداخله للعودة والآن وبعد سنوات اكتشف بمرارة قلب عاشق أن من أحبها خانت العهد!..
قلبٍ مفتور حزنًا على حبه الضائع، على ثقته الذي ألقاها عليها من كل جانب قائلًا بأنها حبيبته وروحه الموجودة بجسدها، لم يكن يدري أنها ستطعن قلبه بذلك الخنجر وهي تبتسم..
نظر إليها بعينيه الدامعه، وجدها تبكي بغزارة وتنحدر دموعها على جانبي وجهها ولم تعد تستطيع أن تتمسك بيده لقد خارت قوتها ولم تعد أعصابها تتحمل الضغط عليها، كانت تنظر إليه بعينين ذائغة توضح له كثير من الأشياء وتنظر إليه نظرات خلف الأخرى جميعها ذات مغزى وأولهم أنها تحبه، لم تخونه، وتعذبت من فراقه، تودعه بسلام وتقول بتلك العينين الزيتونة أن لا ينساها ويخلد ذكراها بقلبه وستكون راضية إن مـ ـاتت على يده، فإن لم تنعم بالعيش داخل أحضانه غارقة بحبه وغرامه لها فلا مانع أن تمـ ـوت على يده، كانت على وشك غلق عينيها ففي لحظة واحدة جذب يده عنوة عن نفسه وأبعدها عن عنقها..
لم يكن هو من يخنقها، لم يكن هو من يريد قتـ ـلها كان هذا الحب الذي جمعه بقلبها ليتربع على عرشه في الداخل فعاد مُنتقم بعد أن خانت كل ما حدث بينهم..
جذب يده عنوة وكأن هناك شخص آخر لا يريده أن يبتعد عنها، يريد مـ ـوتها في الحال..
بعد أن أبعد يده تنفست بقوة وعنف، استمع إلى لهاثها بوضوح وهي تأخذ أنفاسها الذي سلبها منها لتلقى حتفها في لحظات ويكن هو الجاني والمجني عليه.. وتكن هي الأخرى كذلك..
مال عليها وجذبها من يدها اليمنى لتقف على قدميها ولكنها كانت في عالم آخر تمـ ـوت وهو لا يدري، أنفاسها مسلوبة وجسدها مُسترخي ولا تستطيع أن تميز ما الذي يحدث في تلك اللحظات..
ولكنه لم يعطيها الفرصة جذبها من يدها لتقف أمامه مُتمسكّا بها ثم وضع الأخرى خلف ظهرها جاعلها تستند عليه وسار بها بثبات وجدية وجسده متصلب، سار إلى باب المرحاض الموجود بغرفتها ودفعه بقدمه ليُفتح..
ثم دلف إلى الداخل بها وجعلها تقف أمام حوض الغسيل ومد يده إلى صنبور المياة يفتحه من بعدها بدأ بملئ كف يده بالماء والقاءه عليها، مرة خلف الأخرى وهي تشهق بعنف كلما فعلها..
سالت الدماء التي كانت على جانب شفتـ ـيها ومحيت بالمياة ولكن مظهرها كان يثرى له، المياة تغرق مقدمة صدرها وما طالته من خصلاتها القصيرة الغير مُرتبة بعد أن جذبها منها عدة مرات..
وجهها باهت حزين، يتحدث بملامحه الجميلة الفاتنة كم هو حزين مقهور مسلوب الإرادة.. يبرر فعله ليست لها بها ذنب…
مرة أخرى دفعها للخارج ليخرج من المرحاض ثم دفعها بيده لتجلس على الفراش وهي في صمت تام، كل تفكيرها به بعد أن استفاقت، لقد صدق أنها تخونه وتخون عائلتها، صدق أنها تخون والدها وتربيتها، تخون حبيب عمرها وسـ ـارق أحلامها؟ تخون عامر؟ من لم تقع عينيها إلا عليه وحده، من اشتهى القلب وجوده وحبه وحنانه..
مرة أخرى تسائلت، قارب على قتـ ـلها؟ خنقها بيد العاشق المُتألم داخله وسمح لنفسه أن يقتـ ـلها؟ يستطيع التخلي بهذه السهولة وتكون قُتـ ـلت على يده!..
عذاب قلبها في تلك اللحظات لا مثيل له، عند الاستفاقة على يد حبيبها تذبـ ـحها حقًا وليست كلمات!..
أقترب منها بوجهٍ لا يوجد عليه أي تعابير سوى القسوة:
-وديني يا بنت عمي لتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه.. لو كنت حبيتك في يوم فأنا دلوقتي بكرهك أضعاف
عقبت على حديثه الذي نغز قلبها بقوة بلهاث ودموع تنهمر دون صوت ولكن قلبها المتحدث:
-صدقني أنا معملتش حاجه.. أنا لسه زي منا أقسم بالله ما عملت اللي بتقوله ده يا عامر أنت ظالمني والله العظيم ظالمني
نظر إليها بعينين حادة قوية، داخلها ألم لا ينتهي وعذاب يكفيه إلى مـ ـوته ولكنه ضغط على نفسه مُنتظرًا خروجه من هنا، أخرج من جيبه هاتفه ثم عبث به أمامها للحظات وهي تنظر إليه باستغراب لما يفعله ولكن لحظة وقد فهمت وهي تستمع إلى صوت صديقتها المقربة “إيناس”.. وهي تطعن بشرفها لإبن عمها وتسبها بألفاظ بشعة.. تقول أنها أقامت علاقة مُحـ ـرمة مع ابن عمها الحقير لذلك أتى لخطبتها..
بكت بقوة مرة أخرى وارتفع صوت بكائها واضعة يدها على فمها لتكتم شهقاتها وهي تستمع إلى ذلك الحديث الذي وقع على أذنها كالسيوف الحادة التي تـ ـذبح بها، لقد حذرها منها! منذ سنوات وسنوات وهو يحذرها منها، يبعدها عنها وهي تقترب، يهتف بأنها ليست صالحة لتكون رفيقتها وهي تعاند، يفعل كل ما بوسعه لتكون بأمان في مكان لا تراها به وهي لا تقتنع فتعود إليها مرة أخرى مُعتقدة أنه كاذب ولا يحبها بدون سبب واضح وصريح.. اعتقدت أنه كان يريدها مجردة من البشر وحيدة أمامه ومعه وحده..
ظهر الحق وأتضح أن “عامر”هو أكثر من خاف عليها، أتضح لها أنها كانت تقهر قلب مظلوم من جميع البشر وينتظر العوض منها فقامت هي الأخرى بقهره..
استمعت إلى سبه لها ونكرانه لما تقوله، استمعت إليه وهو يقول أنها شريفة لا تفعل ذلك ويثق بها أكثر من نفسه والأخرى تُصر على حديثها.. يلا قهرة قلبها الآن!!
رفعت أبصارها إليه بعينين دامعه حمراء بشدة من كثرة البكاء الذي تعرضت إليها اليوم وفهمت من ذلك الحديث أنه كان منذ أن أتى “هشام” ولم يصدقه إذًا ما الذي حدث مرة أخرى..
أخفض عيناه من عليها ثم قام بتشغيل الآخر من خلفه وجعلها تستمع مرة أخرى إلى صوت ذلك الحقير الذي قام بتهديدها اليوم صباحًا وفهمت ما كان قصده عندما قال أن أجابته على ما فعله ستصل إليها في المساء..
من أين علم بالشامة الموجودة بظهرها؟ لا تستطيع أن تقول أن إيناس من قالت له لأنها لم تراها من الأصل!.. عندما كانت ترتدي ذلك الثوب المشؤوم كان مغلق من الخلف فلم يكن ظهرها مُتعري!
لن تفكر في الغدر الذي تعرضت له عليها فقط الآن أن تقنعه أنها لم تفعل ذلك، وقفت عن الفراش واتجهت نحوه بنظرة مُعاتبة مُرهقة ثم أردفت بصدق وألم:
-صدقني يا عامر.. والله العظيم كدابين أقسم بالله كدابين أنت بنفسك اللي كنت بتحذرني منهم إزاي دلوقتي هتصدقهم
بادلها النظرات ولكن خاصته كانت غيرها تمامًا كانت نظرات حادة قوية عليها ونبرته رجـ ـولية مجروحه:
-عندك دليل على كلامك
خرجت الدموع من عينيها أكثر من السابق وانتحبت بقوة وهي تتقدم لتقف قبالته ثم تسائلت من بين بكائها الحاد:
-أنت محتاج مني دليل يا عامر؟ محتاج من سلمى دليل؟ أنت أكتر واحد عارف أنا ايه؟ أكتر واحد عارفني إزاي بتطلب مني دليل ومصدق إني أعمل كده
لحظة خلف الأخرى يتابع الدموع المنهمرة على وجنتيها وينظر إلى عتابها عليه ويستشعر كل كلمة خرجت من بين شفتيها، ولكنه لا يستطيع التمرير بهذه السهولة فأجاب على حديثها بقسوة وجمود:
-أنا معرفكيش!.. أنا كنت أعرف واحدة والظاهر إنها فعلًا ماتت من سنتين مع بقيت أهلها
تقدمت أكثر منه ووضعت يدها على قميص بدلته تجذبه ناحيتها منه وهي تلح عليه بالصدق ليستمع إليها والقهر مُرتسم على كافة ملامحها:
-لأ مموتش.. أنا لسه عايشه وزي منا.. والله العظيم دي لعبة منهم هما الاتنين أنا النهاردة كنت قابلته وقولتله إني مش عايزاه هددني أنه هيعمل حاجه مش هتعجبني وأهو عملها وأنت صدقت
وضع يده فوق يدها وتسائل بعينين حادة دون تفكير:
-المفروض مصدقش؟ قوليلي طيب إيناس شافت الحسنة اللي في ضهرك دي؟
أردفت بعدم تصديق لما يحدث ونفت أنها أظهرتها لها سابقًا وهذا شيء هي متأكدة منه:
-لأ مشافتش أنا والله هتجنن إزاي عرف بس والله العظيم أنا مظلومة معملتش حاجه صدقني
دفع يدها بعيدًا عنه بنفور وعاد للخلف خطوة ناظرًا إليها بقسوة وشراسة ثم أردف ببرود:
-الفرح بعد أسبوع يا بنت عمي مش شهر.. بكرة الصبح تعرفي الكل إنك موافقة جهزتي مجهزتيش مش مشكلتي
تفوهت بضعف وخوف يسيطر على قلبها:
-بلاش يا عامر علشان خاطري
ابتسم بسخرية دون داعي وقلبه ينـ ـذف ألمًا ثم سخر منها وجرح ما تبقى منها قائلًا:
-ايه؟ خايفة؟ خايفة أعرف إنك كدابة؟ متخافيش مش عامر اللي ياخد حاجه مستعملة
حركت رأسها يمينًا ويسارًا تنفي ما تحدث به وما ألقاه على قلبها المُدمر والمخذول منه هو وحده:
-والله العظيم لأ.. لأ والله لأ يا عامر أنت إزاي مصدق أنت عارفني
تذكر ما فعلته معه وعاد بذاكرته للخلف، ثم هتف به ليذكرها هي الأخرى وليجعلها تعلم أن الأيام تستعيد ما حدث مرة أخرى ولكن هي التي في موضع الإتهام:
-وهو أنتي مكنتيش عرفاني؟ ما أنتي كنتي أكتر واحدة عرفاني وبردو كدبتيني وأنا بجري وراكي من مكان لمكان وبحلفلك إني مخونتكيش
أشارت إلى نفسها وهتفت بثقة:
-بس أنا شوفتك
صاح بجنون وعنف وهو يسأل بصوت مرتفع حاد:
-شوفتيني بعمل ايه؟ شوفتيني في السرير
لم يستمع إلى رد منها فقط بقيت بعينيها الباكية تنظر إليه ومشاعر كثيرة تخاطبه فصاح هو مرة أخرى قبل أن تغلبه هي:
-ما تردي!
وضحت له ما حدث في الماضي وما يحدث الآن والاثنان شتان وهو الوحيد الجاني عليها ومن يهمها من بين الجميع:
-أنا مقدرتش استحمل صدقني والله مقدرتش كنت خلاص تعبت من كل حاجه.. لكن دلوقتي غير أنت بتسمع لناس عارف أنهم كدابين وكتير حذرتني بس أنا اللي كنت غبية
قال بجدية وهو يوثق ما حدث منذ لحظات في كلمات بسيطة تدعوه لتصديق ما قاله والنيل منها وأي شخص عاقل أو غير عاقل سيصدق ما استمع إليه كما هي قامت بفعلها سابقًا:
-سألت شاف الحسنة فين مش عارفة طب إيناس شافتها لأ.. نتجوز بردو لأ.. أصدق ولا مصدقش!.. اديني عقلك
نظر إليها بضعف وحزن، بقهر وألم ولكنه لن يكون ذلك الذي اضعفه حب وقتـ ـله أمامها بل سيكون ذلك القائد القوي الذي يهزم وهو وحده، بصوته الحاد وبنبرته القوية الشرسة استمعت إليه يهتف بقسوة:
-الفرح الأسبوع الجاي.. واحدة زيك متستاهلش تلبس فستان أبيض من أساسه بس إكرامًا لعمي اللي كان واخد دور أبويا هعملك فرح متعملش في البلد كلها
خرجت الدموع أكثر وأكثر من السابق وارتعشت نبرتها مرة أخرى وهي تهتف:
-أنت بتظلمني والله العظيم أنا ما عملت حاجه والله والله
عاد للخلف بجسده ومازال ينظر إليها ذاهبًا إلى الباب ليخرج منه، ناظرًا إليها بعيناه السوداء القاتمة ولم يبخل عليها بقوله القـ ـاتل:
-بكرهك يا سلمى.. أنتي من النهاردة بنت عمي وبس
خرج من الغرفة وجذب الباب خلفه بقوة شديدة أصدرت صوتًا عاليًا، بقيت واقفة تنظر إلى الباب بعد خروجه، عيناها لم تتوقف عن البكاء في صمت، لحظات وهي لا تستوعب ما حدث ووقف عقلها هنا عنده هو فقط ثم في لحظة لم تحسب أنها قادمة مرة أخرى بحياتها وقعت جالسة على الأرضية تبكي بقهر وألم حاد داخل قلبها يكاد يقتـ ـلها..
وضعت يدها الاثنين على فمها لتكتم شهقاتها العالية التي ملئت الغرفة عليها، وانحنت على نفسها للأمام والألم داخلها يزداد لحظة بعد الأخرى..
هي لن تفعل شيء، لقد اتُهمت بأبشع الجـ ـرائم، لقد وقع على عاتقها تُهمة لو كان السيف على رقبتها وفعلها هو المنجي لها لن تفعلها.
إنها يا “عامر” لم تستطع الزواج من غيرك ومجرد إقتراب الفكرة عليها دق قلبها بعنف وارتعش جسدها مُفكرًا بك وبغرامك الأبدي القـ ـاتل لقلبها..
على الرغم من أنك سـ ـارق أحلامها ولكنها تحبك! تهواك وأتى الفراق عليكم لعامان ولكن قلبها كان متعلق بكل ذكرى جمعتكم لتبقى أنت فقط في قلبها المغروم…
ازداد بكائها وارتفع صوتها ولم يعد كتم فمها بيدها ينفع بشيء فكان الألم كثير والقهر أكثر، عذاب مُستمر ولم يتوقف عليها إخراجه بتلك الصرخات والدموع المُتتالية…
عندما خرج من الغرفة سند بيده على بابها، وقف للحظات خلف الباب وهو رافض أن تبكي عيناه ولكنه كان ضعيف للغاية، كان أضعف مما يكون فانهمرت الدموع على وجنتيه للمرة الثانية ولكن والله هذه المرة ألمها يفوق الأخرى..
استمع إلى بكائها في الداخل، وبادلها هو في الخارج وقلبه يدق بعنف وقوة شديدة مُحذرة إياه،
الخيانة شعور صعب للغاية ويالا حظك التعيس إن كان من خانك من أعظم احبائك..
لقد ثار قلبه وعقله توقف عن التفكير، تشنج جسده وانخفضت الدماء بعروقه ووالله حينها شعر بأن قلبه قد كُسر..
سلبت نفسها منه عنوة وهو الذي أحبها حد الجنون، باعت ما كان بينهم بأرخص الأتمان وابتعدت عنه جاعلة الفراق يأكل ما كان بينهم أكثر وأكثر منها..
كأنها طعنته في مُنتصف قلبه، أو مُنتصف ظهره لا يدري ولكن في الحالتين هي كانت تبتسم بسعادة، لأنها تبتعد عنه وتقترب من غيره لتسلم إياه نفسها ولتكن أخرى غير حبيبته التي يعرفها..
دمعات “عامر” لم تتوقف عن الهبوط ويده ارتفعت إلى قلبه يضعها فوقه بعد الشعور بأنه حقًا سيتوقف على أثر ضرباته العنيفة المُتتالية، ثم لم يترك نفسه لتلك البقعة فابتعد عن غرفتها وهو مازال يبكي خارجًا من المنزل بأكمله..
❈-❈-❈
أطفأت نيران قلبها قليلًا، فقط قليلًا، ما فعلته بهم الليلة لا يساوي دمعة واحدة خرجت من عيناها في تلك الليالي الحزينة التي سببها إليها “عامر القصاص” كما تسميه قاهر قلوب العذارى..
خمد دخان النيران التي كانت مُشتعلة في قلبها وعقلها وروحها التي كانت مسلوبة منها بقهر وحزن شديد شعرت به لكثير من الوقت بسببه هو وحده ومن بعده ابنة عمه المصون.. التي ستجعل حياتها بمثابة الجحيم..
مؤكد أن “عامر” قال لها أن هي وابن عمها من تحدثوا عن شرفها بالسوء، ستكون غبية حقًا هذه المرة إن لم تصدقه ولكنها على كل حال ستعرف..
فقط ينتظر قليلًا وستقوم بحرقة الأخضر واليابس المُحيط به، ستشعل حياته بالنيران المُلتهبة التي تأكل كل شيء في طريقها من حياته..
ستجعله تعيس إلى المُنتهى وستأخذ منه حبيبة عمره أو أن تجعله حزين العمر كله عليها.. لن تتركه ينعم بحياته هذه المرة فقد طال الإنتظار وهي تمثل الحب عليها فقط لكي تحصل على ما أرادت وما خططت له..
قد أتى وقته وكانت الفتيلة منذ عامان عندما فرقتهما، صحيح لم تكن تعلم أن عواقب فعلتها ستكون موت أهلها وهي ربما كانت تكون معهم ولكن حدث ما حدث.. ستكمل ما بدأته منذ عامان وستسير على نفس هذا النهج وتفرق بين هذان القلبان.. ستجعلهما يتألمان شاعرين بأن نهاية العالم قد بدأت من موضع النبض لديهما.. ستكون ضريبة خيانته لها غالية الثمن.. غالية للغاية..
بعينيها وذاكرتها عادت للخلف قبل خمس سنوات حيث كانت في ذلك الوقت هي وحبيبته في عامهم الواحد والعشرون..
“جلست على مقعد عالي قليلًا أمام البار في داخل الملهى الليلي وبيدها كوب به مشروب مُحـ ـرم تناوله ولكنها في ذلك الوقت كانت فتاة صاخبة كالموسيقى الصاخبة في المكان الجالسة به، مليئة بالحيوية والنشاط في مُقتبل عمرها الذي أضاعته هباء في كل هذه الأفعال المُحـ ـرمة التي قامت بها..
خصلاتها سوداء تتخطى كتفيها، عينيها سوداء حادة حالكة لا تحبها أبدًا، شفتيها مضمومة للأمام بلونها البنفسج البارز هذا، كانت ملامحها حادة ولكن ربما تكن أيضًا جميلة، لكنها أضاعت جمالها بطريقتها المُخفية وتصرفاتها المنافية للآداب والأخلاق..
تتراقص بجسدها العلوي على المقعد وتحرك الكأس بيـ ـدها بطريقة راقصة، تنظر بعينيها في كل إتجاه وكأنها تبحث عن شخص ما.. إلى أن وجدته..
ثبتت في مكانها وتوقفت عن الرقص، رفعت الكوب إلى فمها وارتشفته مرة واحدة ثم تركته على البار أمامها بحدة وعينيها على من يدلف إلى الداخل مُتقدمًا منها وقد ارتسمت الابتسامة على شفتـ ـيها فور أن رأته..
وقف أمامها بعد أن أقترب منها ولم يكاد يتحدث فوجدها هي التي تهتف بقوة وصوت عالي كي يستمع إليها من بين أصوات الموسيقى العالية:
-وحشتني
ابتسم بسخرية شديدة مُحركًا رأسه يسارًا ويمينًا مُستنكرًا حديثها ثم صاح بقوة هو الآخر:
-أنتي لسه عرفاني من يومين وحشتك إزاي يعني
ذمت شفتـ ـيها البارزة بقوة وهتفت بما شعرت به ونظرة جدية:
-وهو أنت زي أي حد بردو.. طب ورحمة أمي من وقت ما شوفتك أول مرة وأنت واحشني
صعد على المقعد المقابل لها هو الآخر وصاح بجدية ناظرًا إليها:
-طب بس بلاش تجيبي سيرة الميتين خليهم في حالهم هما نقصينك أنتي كمان
عاد النادل بملئ الكأس الذي أمامها وقام بملئ واحد مثله إليه فأخذته وارتشفت منه ثم هتفت وهي تنظر إليه بعينين مُدققة به ربما تهواه:
-مش هتعرفني عليك أكتر!..
نظر أمامه بعيد عنها يتابع بعينيه الخبيثة النساء أمامه بطريقة وقحة، أجابها قائلًا بثقة:
-مش كفاية عليكي اسمي
نظرت إليه مُطولًا، إنه محق يكفي اسمه وهيبته، مظهره ووسامته، عقبت على حديثه وهي تراه يُتابع بعينيه الكثيرات أمامه:
-اسمك لوحده هيبة ومركز يا.. يا عامر
عاد بعينيه إليها مُستديرًا برقبته فقط ثم هتف قائلًا بنبرة جادة:
-وأنتي منا بردو معرفش غير اسمك
استندت بيدها على البار واقتربت منه بوجهها ثم أردفت بصوت ناعم يملؤه الشغف تجاهه:
-عايز تعرف ايه تاني وأنا أقولك
ابتسم بسخرية داخلة وهو ينظر إليها ويراها هكذا وهي في مثل هذا السن الصغير، أردف بنفي ثم دللها بعينين خبيثة:
-لأ مش عايز أعرف.. كفاية عليا ناني وحياتك
بادلته نفس النظرة الخبيثة وتفوهت بالكلمات المُبادلة له الدلال والرقة:
-هستغنى عن إيناس ده خالص، ناني طالعة منك فوديكا
تسائل بشفتيه وهو ينظر إليها:
-أنتي ايه اللي جابك هنا النهاردة
أجابته بنعومة ورقة بالغة وهي تريه أنها وقعت في شباكه في لمح البصر:
-جيت أشوفك مش قولت إنك بتيجي حد وخميس.. أنا كمان بقيت باجي الحد والخميس
ابتسم بشفتيه ابتسامة واسعة وهو يعقب على حديثها مُهينًا لكرامتها داخل حديثه:
-دا أنتي واقعة أوي.. طب داري نفسك شوية
عادت للخلف رافعة حاجبيها للأعلى قائلة باستنكار:
-أنت واضح وأنا واضحة يبقى ليه أداري
تحدث مؤكدًا حديثها الكاذب:
-عندك حق وحياتك
تسألت بعينين وقحة وهي تنظر إليه نظرات مراهقة وليست شابة ناضجة:
-طب ايه؟
تسائل بعينيه قبل شفتيه وهو يراها كالمجنونة أول مرة لها أن تتعرف على رجل ولكنه كان واثق في قدراته مع الجـ ـنس الآخر:
-ايه؟
ضغطت على جانب شفتيها بأسنانها بطريقة مغرية للغاية وهتفت برقة ودلال:
-ما تيجي نرقص
نظر إليها بعينيه وكأنه تسلبه نحوها لفعل شيء بشع يود فعله منذ زمن ولكن حبيبته تعوقه، يريده معها هي وحدها وليس غيرها..
ارتفع صوت الهاتف بجيبه ولكنه لم يشعر برنينه ولم يستمع إليه في ظل أنه مُثبت نظره عليها يرى كم هي وقحة أو مجنونة بل شعر باهتزازه داخل جيبه، أخرج الهاتف ونظر إلى شاشته فوجد من يقوم بمهاتفته حبيبته رفع وجهه إلى الجالسة أمامه ثم عاد مرة أخرى إلى شاشة الهاتف ينظر إلى الإسم المدون عليها والذي كان حبيبتي أغلقه ثم أعاده إلى جيبه مرة أخرى ونظر إلى “إيناس” وكأنه فكر بها بعقله فأتت إليه لتجعله يعود عما في رأسه كما كل مرة..
تحدث بجدية ليخلي مسؤوليته بطريقة غير مباشرة وليهتف بحديث ظاهر فقط وعندما يتعمق يقول ها قد قلت لك..
تحدث بحنية ورقة ومعها الجدية الكاملة ليشتتها ويكون فعل ما وجب عليه فعله:
-بصي يا ناني أنا باجي هنا علشان اتسلى.. أي حاجه بتحصل هنا بتبقى تسلية، ماشي يا ناني
نظرت إلى تغيره بعينيها واستشعرته حقًا بعد رنين الهاتف ونظرته إليه وإليها:
-ده أكيد كان حد مهم اللي كلمك علشان كده خوفت
ابتسم بثقة ثم قال بتأكيد:
-مش عامر اللي يخاف أنا بس بعرفك
استشعرت ثقته أيضًا وحديثه المؤكد الواثق، هيئته ونبرته، فقالت مُتسائلة:
-مش هترقص؟
وقف على قدميه وارتشف من كأسه ثم أخرج ورقة مالية وتركها على البار غامزًا له في نهاية حديثه:
-لأ همشي.. وهبقى أكلمك
تحرك من أمامها فتحدثت هي الأخرى وعينيها عليه:
-هستناك…. يا عامر”
عادت إلى واقعها مرة أخرى بعد أن أغلقت ذكرى رؤيته للمرة الثالثة في ملهى ليلي، كانت هذه المرة الثالثة الذي رأته بها، تعرفت عليه، جلست معه، تحدث إليه، تقابلا مرات كثيرة بعدها، وكم كانت الأمور تسير بشكل جيد إلى ذلك اليوم المشؤوم.. ولكنه هو من قام بخداعها!.. هو من فعل كل ذلك فعليه تحمل النتيجة وحده هو وحبيبته..
❈-❈-❈
لم يجد مكان يحتويه سوى الملهى الليلي!.. بعد أن انهارت حصون قلبه ووقعت قلعته مُتدمرة بعد غزو الخائنة حبيبته عليه..
سالت الدموع من عيناه فور أن خرج من الفيلا إلى وصوله هنا وكأنه لم يبكي عندما كان طفل، كأن عيناه لم تعرف البكاء يومًا..
شعوره لا أحد يستطيع وصفه ولا حتى هو يعرف بماذا يشعر، لقد مـ ـات قلبه ودُفن بعد أن اكتشف خيانة وقسوة الحب الذي كان بحياته..
لا يعرف لما يحدث معه هكذا؟ هل هي ليست مكتوبة لأجله؟ هل هي مقدرة لغيره وهو يكابر!، منذ زمن وكلما أقترب من الحصول عليها يحدث شيء يبعدهم الآن بدأ في الإقناع أنها ليست له.. ولكن مع ذلك لن يتركها.. سيجعلها ترتشف من كؤس العذاب كما حدث له..
لا يدري لما يشعر الآن أنه وحيد حقًا، هو كذلك ولكن الآن يشتد عليه هذا الشعور وبقوة، لا والد له ولا صديق ولا هي من كانت له الدنيا وما فيها..
تنهد وهو يبتسم بسخرية مُتذكرًا قبل سنوات وعمه على قيد الحياة ووالده يشتد عليه يوم بعد الآخر…
“عندما كان عمره سبعة وعشرون عامًا، عاد وقرآن صلاة الفجر يقرأ في الثالثة صباحًا صف السيارة ثم خرج منها وهو يترنح بقوة للخلف والأمام بسبب ثمالته التي نتجت عن شربه الكثير من الكحوليات، دفع باب السيارة بقوة أصدرت صوتًا عاليًا ثم سار في وجسده غير مُتزن يترنح من هنا إلى هنا وعقله ليس معه، رفع نظرة إلى شرفة حبيبته التي لا تريد أن تحنن قلبها عليه وتوافق على الخطبة في هذا العام.. يا لها من قاسية كل يوم تأجل زواجهم ليست صغيرة هذه إنها بالغة صاحبة واحد وعشرون عام لما لا تتزوجه وتجعله ينعم معها بكل ما يريد..
أخفض وجهه إلى الأرضية وأكمل سيره إلى الداخل ولكنه وجد عمه “أحمد” يخرج إلى الحديقة ينظر إليه بانزعاج وضيق شديد، وقف أمامه ونظر إليه بقوة قائلًا بجدية:
-ليه كده يا عامر مش كنا اتفقنا إنك مش هترجع للطريق ده تاني
صمت ولم يجب عليه فقط نظر إليه بسخرية وهو من الأساس ليس معه، أمسك عمه بذراعه ليساعده وهو يهتف:
-أمشي تعالى أغسل وشك من الحنفية اللي ورا قبل ما تدخل أبوك مستنيك
أردف “عامر” بنبرة مهزوزة ولكن حديثه يحمل الجدية:
-مش لازم يا عمي هو متعود مني على كده
جذبه من ذراعه بقوة وهو يُسير باتجاه جانب الفيلا حيث هناك صنبور مياة في الأرضية يخص الزرع الأخضر والورود الموجودة بحديقة الفيلا، أخذه إلى هناك ثم فتح الصنبور وبدأ في السكب على وجهه كميات كبيرة من الماء بقوة لتجعله يستفيق مما هو به..
كان الآخر مُنزعج بشدة وحاول الإبتعاد ولكن عمه لم يتركه يفعل ذلك لأن والده إن وقعت عينيه عليه وهو في هذه الحالة لن يحدث خير أبدًا..
صاح “عامر” وهو يبتعد للخلف:
-خلاص فوقت
وضع يده الاثنين على جانبي رأسه يضغط عليه بقوة بسبب الألم الذي داهمه بعنف وشراسة، أغمض عينه ضاغطًا عليهما ثم فتحهما مرة أخرى ووقف معتدلًا ناظرًا إلى عمه الذي هتف بقوة وجدية:
-أبوك قاعد جوا لحد دلوقتي علشان مستنيك، هتدخل معايا وتحترم كلامك يا عامر معاه مهما يقول متردش بطريقتك عليه لأنه المرة دي معاه حق مليون المية
احتدت نبرته وأسودت عيناه وهو ينظر إليه قائلًا بعنف وحدة:
-معاه حق ولا لأ هو أخر واحد ممكن يتكلم معايا
نظر إليه عمه بقوة وهتف بتأكيد يذكره بما كان يحدث:
-متنساش إنه أبوك وإنه حاول معاك كتير وأنت اللي كنت بتعاند وتبجح
تسائل الآخر بعينين حادة مُثبتة عليه ثم أجاب على نفسه بقسوة:
-وبعدين؟ عمل ايه بعدين؟ بقى يطردني برا البيت ويقولي روح للصيع بتوعك، بيسيبني للصيع بتوعي ليه؟ وأنا واثق إنه هيطردني دلوقتي وهتشوف
نظر عمه إلى الناحية الأخرى ثم دفعه مُربتًا على كتفه وهو يقول:
-مش هيطردك يا عامر.. يلا أدخل
سار معه إلى الداخل وهو مُنزعج بشدة والحنق سيطر عليه من كل جانب غير ذلك الصداع الذي احتل رأسه وكأنها مكانه..
دلف من البوابة وعمه معه وهو بتلك الهيئة، طوله الفارع ووجهه الطويل وتلك النظرة الحادة المزروعة بوجهه وملابسه السوداء مبلله ولكن لم يظهر ذلك..
وقف “رؤوف” والده في مُنتصف الصالة عندما وجده يدلف إلى الداخل وضع يده الاثنين خلف ظهره ورفع وجهه إليه بشموخ ثم صاح بقوة:
-كنت فين يا عامر لحد دلوقتي
أجابه الآخر بنبرة جدية مُعتدلة كما قال عمه له في الخارج:
-كنت سهران مع صحابي
استنكر والده حديثه وتسائل بسخرية:
-مع ستات وخـ ـمرة
بجح به الآخر وبقوة وهو يهتف أمامه أنه كان يحتسي الخـ ـمر دون أي خجل منه:
-خـ ـمرة بس ماليش في الستات
صاح عمه من خلفه مُناديًا بإسمه بقوة وحدة كي ينبه أن يعتدل في الحديث مع والده:
-عامر
استهزأ به واستدار ينظر إليه بمزاح ولا مبالاة:
-ايه أكدب يعني
تقدم والده منه بخطوات ثابتة وهو ينظر إليه نظرات حادة تهطل من عينيه عليه قائلًا في سيره بقسوة:
-لأ إزاي متكدبش قول كل اللي عندك ماهو أصل أنا اللي غلطان نسيت اربيك يا عديم التربية
حرك “عامر” يده إليه بلا مبالاة وعدم اهتمام كبير لحديثه وهو يردف بملل:
-اسطوانة كل يوم، لو في جديد قوله علشان ننجز مش معقول كده كل يوم يعني نفس الكلام لازم نغير بردو
أشار والده هو الآخر عليه بغيظ شديد لأنه لم يعد يستطيع أن يفعل معه أي شيء ولم يأتي أي مما قام به معه بالنفع فصاح بقوة وعنف موضحًا له ما يستحقه:
-أنت ولد قليل الأدب ومش متربي والعيشه اللي أنت عايشها دي متستهلش ربعها لأنك بترفص النعمة برجليك وكمان سُكري ونسوانجي دا أنت مليان ذنوب ومعاصي أرحم نفسك
داخله تألم لأن والده يعلم أنه في مثل هذا العمر وملئ بالمعاصي والذنوب ولم يحاول مرة واحدة أن يجعله يعود عنها باللين والهدوء، هتف مرة أخرى بلا مبالاة:
-لو قولتها بطريقة أحسن من كده كان ممكن أقتنع
نظر إلى أخيه في الخلف الذي دائمًا يُدافع عن ابنه وينصحه باللين ولا يفعل بما يقوله له، أشار إليه بغضب وعصبية وهو يقول بصوت عال:
-شايف البيه اللي أنت بتحبه وبتقولي دا طيب وغلبان عايز اللي يحتويه؟ الشحط ده عايز اللي يحتويه ولا هامه واقف يهرج ويبجح في اللي عايش من خيره
أردف “عامر” هذه المرة بجدية شديدة مُتخليًا عن تبجحه ولا مبالاته:
-أنا عايش من خير نفسي بشتغل وبشغلي بتدفعلي فلوس مش باخد منك رحمة ونور
تقدم منه والده وقال بعصبية موضحًا له مركزة:
-لأ وأنت الصادق أنت لسه يدوب من كام سنة شغال لكن طول عمرك عايش في خيري وبتاكل منه
تحدث “عامر” بتبجح مرة أخرى وهو يُشير إليه بعصبية وغضب بعد أن فارت الدماء بعروقه من كثرة ثرثرته يوميًا:
-أنت مش خلفت يبقى تشيل ولا عايز تخلف وتجري
أقترب عمه منه في خطوات سريعة وأمسك به يدفعه للداخل كي يصعد إلى غرفته:
-أخرس يا عامر بقى.. أمشي أطلع اوضتك
أشار إليه والده مرة أخرى وأردف بقسوة وحدة وصوته عالي في منتصف صالة الفيلا:
-عايز تجوزه بنتك يا أحمد.. ده عايز تأمن على بنتك معاه، ده هيبقى أب وزوج ويشيل مسؤوليه!
عاد إليه “عامر” وابتعد عن عمه ليقف أمامه بقوة وعنف متحدثًا بجدية شديدة وشراسة ليوضح إليه أن “سلمى” لن تكون لغيره:
-بقولك ايه.. أعمل أي حاجه وقول اللي أنت عايز تقوله بس كله إلا سلمى علشان أنا هتجوزها غصب عن الكل
أقترب والده منه ليقف أمامه مُباشرةً وتسائل بجدية:
-غصب عن مين
نظر “عامر” في عينيه بقوة وعنف ولم يتراجع عن أي مما يفعله أو يقوله بل أكمل قائلًا بشراسة:
-عنك أنت أول واحد
رد والده عليه بصفعة قوية على جانب وجهه بكفه العريض، التف وجه “عامر” على أثرها الناحية الأخرى..
شهقت بعنف وتفاجئ وهي تراه يصفعه هكذا واضعة يدها على فمها وكتمت شهقتها بها كي لا يراها أحد أو يستمع إليها..
ضغط على شفتيه بأسنانه بقوة شديدة قد جرحت على أثرها وخرجت منها الدماء، كور قبضة يده الاثنين بعنف كي يحاول التحكم بنفسه بعد هذه الصفعة التي تلقاها منه..
عاد ناظرًا إليه ليراه يبعث إليه القسوة الخالصة..
جذبه عمه من يـده بقوة ودفعه إلى درج السلم قائلًا بصراخ:
-أطلع فوق… أطلع
عادت للخلف سريعًا عندما وجدته يصعد وذهبت إلى غرفتها ركضًا حتى لا يراها ويعلم أنه رأته في ذلك الموقف الذي لا يحسد عليه..
بعد أن تأكدت من أن كل منهم دلف إلى غرفته، ذهبت بتلك المنامة إلى الأسفل لتفعل له فنجان من القهوة وتأخذ إليه الحبوب المسكنة للألم.. ليته يعود عما يفعل.. ليته يترك الطريق الذي دلف إليه فجأة دون سابق إنذار..
صعدت على الدرج بهيئتها الفاتنة وجمالها الأخذ، بخصلات شعرها الطويلة قليلًا ذات اللون الذهبي، عينيها الزيتونية وشفتيها الوردية المُكتنزة.. لقد كانت كتلة جمال متحركة أمامه..
دقت باب الغرفة فلم يجب عليها، علمت أنه في المرحاض فدفعت الباب ودلفت إلى الداخل تاركه الفنجان ومعه مُسكن للألم..
عادت إلى باب الغرفة وفتحته لتخرج فوجدته هو الآخر يخرج من المرحاض ناظرًا إليها بعينين خالية من أي مشاعر.. فتركته هي الأخرى بعد أن أشارت له على ما جلبته إليه..
الوحيدة التي تفكر به، على الرغم من كل ما يحدث أمامها مازالت هي ووالدها فقط من يقفون معه.. انحدر بطريق الخطأ ولا يستطيع الرجوع عنه، لما لا يجعله يعود باللين؟.. لما يفعل معه هكذا.. إنه لا يحب نفسه بهذه الطريقة، لا يريد أن يكمل على نفس هذا النهج.. إنه يريد أن يعود “عامر القصاص” كما عاهدوه..”
عاد “عامر” من تذكره لتلك الأمور التي مضى عليها كثير من الوقت والأعوام، ترك الكأس الذي كان بيده وأخرج من جيبه المال وتركه على الطاولة ثم وقف على قدميه مُتحركًا للخلف بظهره ليذهب من هنا..
اصطدام بأحد خلفه وعلى أثر الاصطدام وقع كأس الآخر منه مُتهشم على الأرضية، إلتف ينظر إليه بجدية وكان سيعتذر عن ذلك الخطأ ولكنه وجد الآخر يهتف بتبجح وصراخ:
-ما تفتح يا أعمى ولا تحب افتحك أنا
نظر إليه وإلى من معه بثبات ثم أجابه بثقة:
-عندي اوبشن أحسن، أنا ممكن أعميك أنت
صرخ الآخر عليه وتقدم منه بجسده الصلب العريض وهو يقول بصوت خشن عالي:
-وريني كده يا أبو الرجـ ـولة
رفع عامر يده ليلكمه في وجهه بقوة وعنف عندما وجده يقترب منه ثم قام بدفعه للخلف فدافع عن نفسه بقوة..
أقترب الآخرين منه واحدًا منهم لكمه في وجهه كما فعل هو بالآخر فرد له لكمته بقوة وعنف..
وقف صوت الموسيقى وارتفعت أصواتهم الرجـ ـولية المزمجرة عاليًا وحاول “عامر” أن لا يترك لهم الفرصة في النيل منه وهو يتبادل معهم الضربات..
ولكنه على حين غرة وجدهم يبتعدون عنه تاركين الفرصة لمن تشاجر معه في البداية ليقترب منه بجسده العريض بثبات وثقة ليقف أمامه ثم فجاة ودون سابق إنذار أخرج من خلفه مدية وقام بفتحها ليدفعها بكل قوته في مُنتصف بطنه لتخترق القميص الذي كان يرتديه ومن خلفها خرجت الدماء بغزارة تُسيل مغيرة لون القميص من الأبيض إلى الأحمر..
جذب الآخر المدية وظهر على وجهه الإجرام والقسوة وهو ينظر إليه بثبات كما كان، وضع “عامر” يده على بطنه موضع الجرح الذي يخرج منه الدماء بغزارة وصرخ بقوة متألمًا وتغيرت ملامح وجهه بالكامل ثم وقع على الأرضية وهو لا يحتمل ذلك الألم والدماء تسيل منه بغزارة دون توقف..
رواية بين دروب قسوته الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندا حسن
ألقاها في قاع بئر فارغ في صحراء جرداء، تركها وحيدة مع سواد الليل وصوت الذئاب البشرية التي نهشت في جسدها دون أن تدري.
منذ أن رحل وتركها وهي تبكي على عمر أضاعته في رفقة خائنة كانت تكذب عليها وتقوم بخداعها لأنها غبية.
كانت تقوم بخداع من أحبتها كشقيقة لها، جعلتها صديقة سلمى القصاص، ابنة أحد أهم الأشخاص في البلدة بأكملها.
جعلتها تدلف حياتها وتسرد عليها كل ما يحدث بها وأحيانًا تأخذ رأيها وتقوم بتنفيذه عندما يروق لها.
إلى هذه الدرجة كانت عمياء عنها؟ ولكنها لم ترى منها حقًا أي مما يثير ريبتها، لم ترى أي شيء سيء منها وإلى الآن تعترف بهذا الشيء.
ولكنها كانت تخفيه داخلها، تظهر إليها ورود الربيع وكأنها ملاك مُجنح.
وفي الحقيقية كانت شيطان أسود معذب لقلبها.
الآن تندب حظها العثر وعقلها الغبي الذي لم يصدق عامر متى كان يريد أن يؤذيها؟ متى كان يريد لها الشر؟
لقد كان الحامي الأول لها، كان كل شيء وأي شيء تريده.
لما لم تستمع إلى حديثه المُحذر إياها؟
لا تعلم إن كان هذا تخطيط إلهي أو أنه تخطيط من هؤلاء الحيوانات المُفترسة ليجعلوها تقع في فخهم المنصوب إليها بكل ترتيب.
السؤال هنا هي لما فعلت بها ذلك؟ هي لم تفعل معها أي شيء سيء بل بالعكس، حتى أنها تعرفت عليها في البداية صدفة بحته أو ربما لم تكن صدفة.
كان كل ذلك تخطيط والآن كانت الفرصة المناسبة.
ربما عامر لم يخونها كما قال وهي من أرسلت الفتاة إليه؟
إنه قال لم يراها ولم ينادي إياها بل وجدها فجأة تقف معه وتضع يده عليها والأخرى قامت بتصويره.
هذا متوقع، بل مؤكد هذا ما حدث.
وضعت يدها فوق فمها تكتم تلك الشهقات والقهر المُنبعث من داخلها.
الآن فقط علمت أنها من كانت الخطأ منذ البداية.
لو ابتعدت عنها لم يكن ليحدث كل ذلك، لو حتى وثقت به وقالت أنه بريء كما قال ولم تُصر على الرحيل لم يكونوا أهلها قد تركوها.
لم تكن انفصلت عنه لمدة عامان وجعلت نفسها إليه القاضي والحاكم في قضية ليس له بها ذنب وقامت بالحكم عليه ظلمًا وأعطته المؤبد!
يا الله كيف فعلت كل ذلك، كيف تركت نفسها إلى تلك الحقيرة تحركها بسهولة هكذا!
أنه كان محق عندما قال أنها السبب الأول في موت عائلتها، لقد أتضح أنها السبب في كل شيء.
هي من كذبته فأنفصلت عنه، توفت عائلتها بالكامل بسبب إصرارها على الرحيل، تركته وحده ليعود مرة أخرى إلى معاناته القديمة وليعود إلى المشروب من جديد غير قادر أن يتحكم في نفسه.
لقد قال لها أنها الوحيدة التي يريدها في حياته، الوحيدة التي تفهمه وتستمع إلى حديثه وتداوي ألامه.
لقد كانت قاسية للغاية وهي لا تدري.
كانت قاسية على الجميع وأفقدتهم كل عزيز عليهم.
إنها الوحيدة الجانية وهم المجني عليهم.
استمعت إلى صوت الهاتف يصدر صوت يقول أن هناك رسائل تأتي إليها، اعتقدت أنه هو.
تركت بكائها واعتدلت سريعًا على الفراش وهي تأتي به ثم فتحته لتجده ذلك الحقير الآخر مثل ابنة عمه.
كانت رسائله عبارة عن: "يارب يكون الخبر الأول وصل، التاني هيوصلك قريب بالكتير بكرة الصبح وهتدعيلي".
نظرت إلى الشاشة بعينيها المتكون عليها غمامة من الدموع وقرأت ما به كثير من المرات لتفهم ما الذي سيفعله غير ذلك.
لكنها تركت الهاتف وألقته على الفراش وعادت مرة أخرى إلى بكائها المُستمر وتأنيب الضمير الذي شعرت به منذ أن علمت الحقيقة المُرة.
ليتها كانت ماتت معهم من البداية وتركت كل شيء خلف ظهرها، أو كانت استمعت إلى حديثه وتركت صداقتها مع تلك الحقيرة.
ولو كان حدث هذا اليوم ربما تكون أم لطفل منها ومنه!
ربما كانت كونت أسرة جميلة معه وعاشت أسعد لحظات حياتها وهي في أحضانه.
رفعت الوسادة ووضعتها على ركبتيها لتنحني بجذعها العلوي للأمام دافنة وجهها في الوسادة تبكي بقوة والدموع تنحدر من عينيها بغزارة ندمًا على كل ما فعلته وما قامت به منذ عامان إلى اليوم في حق الجميع ونفسها قبلهم.
❈-❈-❈
هبطت في الصباح بوجه باهت مُرهق إلى الغاية، عينيها مُنتفخة ومظهرها ليس جيد بالمرة ملامحها حزينة مُنكسرة.
هبطت على الدرج بتلك الهئية الغير معتادة منها، مرتدية بنطال أبيض واسع يعلوه قميص باللون البرتقالي الهادئ بداخله نقاط خضراء بأكمام طويلة وتختفي أطراف القميص داخل البنطال، وحذاء رياضي أبيض اللون وفي يدها ساعة نسائية سوداء.
ملابسها لم تكن مُهندمة وخصلات شعرها تركت لها العنان في الإنطلاق ربما تأخذ حظ أفضل من صاحبتها.
دلفت إلى غرفة الطعام في وقت متأخر ولكنهم كانوا في الداخل، لقد كان يوم العطلة الجمعة.
ألقت تحية الصباح بصوت خافت ودلفت لتجلس على مقعدها.
لاحظ عمها تغيرها ونظرتها التي كانت على سفرة الطعام منذ أن دلفت.
رفع بصره عليها وتحدث بجدية: "مالك يا سلمى".
ابتسمت عنوة عن نفسها ورفعت رأسها إليه ثم أردفت قائلة بتصنع: "أبدّا يا عمي مافيش أنا كويسه".
أردف مرة أخرى يؤكد عليها مُتسائلًا: "متأكدة؟".
أومأت إليه برأسها ونظرت إليه بقوة ثم وجدت أن هذه اللحظة المناسبة لتفعل كما قال لها عامر.
"أيوه بس في حاجه عايزة أكلمك فيها".
أكمل طعامه مرة أخرى وتحدث: "خير".
أخذت نفس عميق ثم أخرجته وهي تقول بجدية شديدة: "أنا… عامر عرض عليا الجواز وأنا وافقت".
رفع نظرة إليه مُستغربًا مما استمع إليه للتو منها، حقًا وافقت على ابنه؟
تسائل بذهول واستغراب: "وافقتي؟".
أومأت إليه مرة أخرى وهي تؤكد حديثها أمام الجميع: "أيوة".
استمعت إلى هدى التي ظهر في نبرة صوتها الاستغراب التام والدهشة الخالصة: "أنتي بجد وافقتي يا سلمى".
توجهت إليها بوجهها ونظرت إليها قائلة مرة أخرى بتأكيد: "أيوه".
ترك عمها الطعام ونظر إليها هذه المرة بجدية وحنان في ذات الوقت وأردف دون خوف أو حتى أن يقف مع ابنه بل كان كل الدعم مُقدم إليها: "ضغط عليكي أكيد.. لو عمل كده قولي، سلمى يا حبيبتي طول ما أنتي رافضة الجواز منه مستحيل ده يحصل".
نفت حديثه وقابلته بالرفض وهي تتحدث بشيء آخر غير الذي قاله وغير الذي حدث معها وكان هذا هو الكذب بعينه: "لأ يا عمي عامر مغصبنيش، مهو قدامك بقاله كتير بيحاول وأنا رافضة بس خلاص جه الوقت اللي المفروض أوافق فيه".
سألتها زوجة عمها باستغراب: "هو ده ليه وقت يا بنتي".
أجابتها مُعقبة مُكملة حديثها الذي ربما يثير في نفوس البعض الشك: "أيوه يا طنط.. كفاية كده أنا وافقت عليه هو كان قال إننا هنقولكم وبلاش يعني نطول بعد أسبوع نعمل الفرح".
تسائل عمها حقًا بلهفة غير مصدق ما الذي تتفوه به: "بالسرعة دي؟".
اومات إليه برأسها مرة أخرى: "أيوه".
لم يشعر عمها بأن حديثها صادق، ولم يدلف عقله من الأساس، كيف لـ سلمى التي كانت ترفض ابنه بكل الطرق توافق عليه الآن بهذه السهولة والسرعة.
"كلامك مش داخل دماغي يا سلمى وأنا لسه بقولك قدام الكل لو عامر ضاغط عليكي قولي أنا كفيل أقف قصادك".
نظرت إليهم واحد تلو الآخر ثم وقفت بعينيها على عمها وتحدثت بما أملاه عليها ضميرها وما لم يفهمه البعض: "لأ يا عمي صدقني أنا موافقة عليه.. كان في حاجات كتيرة أوي غلط كنت أنا السبب فيها وجه الوقت اللي اصلحها فيه وأولهم إني أوافق على عامر".
أومأ إليها برأسه عندما وجدها تعي ما الذي تهتف به وتتحدث عنه فقال بجدية يمدها بالدعم في أي وقت أرادت وليجعلها تشعر بالأمان: "أنا بردو معاكي في أي قرار يا سلمى وأنا في ضهرك واللي عايزاه هيحصل ولو رجعتي في كلامك متتردديش".
وقفت على قدميها وتركت سفرة الطعام واتجهت إلى مكان عمها والدموع في عينيها تترقرق بسبب ما يفعله معها وما يقوله إليها ضميرها أنها هي السبب في فقدانه عائلته.
اقتربت منه مُحتضنه إياه بقوة: "ربنا يخليك ليا.. أنا مش عارفه من غيرك كنت هعمل ايه".
قابلها بالعناق هو الآخر وتحدث بحنان: "متقوليش كده يا حبيبتي أنتي بنتي يا عبيطة".
حاولت مداراة ما داخلها قد الإمكان ولكنها لم تستطع فبكيت وهي تقول بآسف: "أنا آسفة لو كنت عملت حاجه زعلتكم مني.. أنا آسفة".
جعلها تبتعد للخلف ونظر إليها بحنان أب لم يمت وأردف بنبرة هادئة: "أنتي بتعيطي ليه يا سلمى أنتي معملتيش حاجه يا حبيبتي".
لم تتحدث فقط نظرت إليه ووقفت جواره وهو مُحتضن إياها، فاستمعوا إلى صوت هدى ابنته المرح وهي تقول: "طيب بالمناسبة دي بقى والجو الأسري ده أنا كمان عايزة أقول إني وافقت على تامر".
أبصرتها والدتها بذهول وفرحة عارمة وهي تتسائل بعدم تصديق: "بجد؟".
أومأت إليها الأخرى مؤكدة حديثها وداخلها شيء يشعرها بالفرح والسعادة القادمة عليها غير الذي سُلبت منها: "أيوه يا ماما".
ابتسمت والدتها باتساع وهي تقول بسعادة: "ألف مبروك يا حبايبي.. ألف مبروك ربنا يهنيكم ويسعدكم طول العمر".
❈-❈-❈
استمعت إلى رنين هاتفها فأخذته من على الفراش وعادت مرة أخرى إلى شرفة غرفتها.
كان من يقوم بالاتصال بها رقم غير معروف أجابت عليه ووضعته على أذنها لتستمع إلى الطرف الأخرى الذي انبعث منه صوت أنثوي ناعم: "سلمى القصاص؟".
عقدت ما بين حاجبيها وأجابتها ثم تسائلت هي الأخرى: "أيوه مين معايا".
استمعت إلى الطرف الآخر مرة أخرى تهتف بصوت ناعم يملؤه التوتر الذي ظهر بوضوح: "أنا جومانا صديقة عامر والسكرتيرة بتاعته".
رفعت يدها إلى رأسها تعيد خصلاتها للخلف بقوة عندما استمعت إلى اسمه ثم استنكرت المكالمة وهي تتحدث: "أهلًا يا جومانا خير في حاجه".
تحدثت جومانا من الناحية الأخرى بجدية وكأنه تردف بشيء عادي وخصوصًا إلى سلمى: "بصراحة أيوه.. أنا كنت محتاجه منك بس تجيبي لبس لعامر من اوضته وأنا هاجي اخده منك بس حضريه".
هبطت الأخرى واشتعلت النيران داخلها عندما وصل إليها معنى ما تطلبه منها فقالت بصوت عالى مُستنكر للغاية: "نعم؟ هو فين عامر؟ وأنتي ليه تاخديله لبس".
توترت وهي تتحدث معها بعد تحول نبرتها فحاولت الإجابة: "بصراحة يعني…".
صرخت بها وقد فارت الدماء بعروقها وهي لا تدري ما ذلك العبث الذي يحدث منه: "بصراحة ايه اتكلمي هو فينه".
هتفت بجدية وصوت هادئ وهي تسرد عليها ما حدث معه بالأمس: "عامر اتخانق امبارح بالليل مع بلطجية ومضروب بالمطوة في بطنه وهو حاليًا في المستشفى".
شعرت سلمى بالرعب فور استماعها إلى ذلك الحديث الذي يقول إنه في خطر الآن ومنذ الأمس وهي لا تعلم وتلك الفتاة تأخذ مكانها معه.
صرخت بعنف وخوف شديد ظهر بنبرتها: "ايه؟ أنتي بتقولي ايه أنتي".
حاولت جومانا أن تقوم بتهدئتها فـ عامر نبهها بألا تقول لها شيء، قال أنها الوحيدة تستطيع أن تأتي بما يريد ولكن لا تقلقها عليه: "متقلقيش هو كويس دلوقتي والله وهيخرج كمان بالليل علشان كده عايزين الهدوم والله متقلقيش وياريت متقوليش لحد من عندنا".
تسائلت وهي تدلف إلى الغرفة راكضة والقلق بدأ ينهش في جسدها عليه: "انتوا في مستشفى ايه؟".
قالت الأخرى بخوف وتردد: "مش هينفع أقولك".
صدح صوتها الصارخ عبر الهاتف وهي تستنكر أفعالها الغريبة، كيف لا تقول لها مكان تواجده؟، كيف تبقى وهو في مشفى لا تدري ما وضعه.
"أنتي مجنونة يعني ايه مش هينفع قولى".
تراجعت جومانا وقالت بريبة: "طيب هبعتلك اللوكيشن ومتنسيش الهدوم".
أغلقت سلمى الهاتف بوجهها ولم تجعل الوقت يذهب هباء وهي تفكر فيما حدث بل ألقت الهاتف على الفراش وخرجت ركضًا إلى غرفته تأتي بما يريد والقلق زحف إلى قلبها والخوف تربع داخلها وأخذ وضع يليق به.
❈-❈-❈
لم تترك الفرصة لأي شيء يعطلها عن رؤيته، بل أسرعت في الذهاب إليه لاغية منطق التفكير من عقلها.
وعندما كانت بالسيارة تتجه إليه هنا عاد التفكير إلى رأسها والقلق إلى قلبها وكثير من مشاعر الرهبة والخوف تربعت داخلها.
دعت الله كثيرًا في طريقها أن لا يصيبه مكروه، لا يحدث له أي شيء لا يشعر بالألم ولو كانت إبرة.
إنها لا تريد الإقتراب منه، ولكن لا تريد إلا كل الخير له، لا تريد التقدم خطوة إليه وأيضًا لا تريده أن ينظر إلى غيرها بطرف عينيه.
داخلها مشاعر كثيرة لا تستطيع تحديد وصفها أين المحل الصحيح لها.
ما حدث سابقًا والآن شتان بين كل ما يحدث.
لا تستطيع أن تقرر هل ما فكرت به صحيح وأنه كان بريء من كل شيء وهي من ظلمته أم أنه من ظلمها!
ولكن منذ ليلة أمس وهي تشعر أنها هي من قهرت قلبه وتخلت عنه وهو كأنه وحيد دون أحد.
وصلت إلى المشفى وسارت ركضًا إليه بملامح مُتلهفة لرؤيته سليم مُعافى لا غير ذلك.
دلفت إلى الغرفة دون حتى أن تدق الباب، اعتقدت أن مكانتها كما هي لم يأخذها أحد.
فتحت الباب على مصراعيه وبيدها الأخرى حقيبة يد كبيرة قليلًا بها ملابس له وما سيحتاج إليه.
فور أن فُتح وطلت بعينيها عليه ووجهها المُتلهف رأته فورًا ينظر هو الآخر إلى الباب مُستديرًا برأسه ناحيتها.
أغمضت عينيها للحظة وداخلها تقوم بشكر الله على نعمته وأنه مازال بخير.
تنفست بعمق وفتحت عينيها ثم تركت الحقيبة جانبًا بعد أن دلفت بقدمين ترتعش.
سارت ناحيته بعينين خائفة، مُرتبكة عقلها يحاول أن يعيد عليها كل ما عاشته على يده بالأمس ولكنها ترفض، وهو ينظر إليها بعتاب خالص وحزن طاغي يظهر عليه أكثر من ظهور ألمه.
وقفت أمام الفراش وهو جالس عليه نصف جلسة يريح ظهره إلى ظهر الفراش.
تعمقت بعينيها الزيتونية عليه وتحركت شفتـ ـيها المُكتنزة بارتعاش وتوتر ولم تكن تعرف ما الذي تتفوه به: "حمدالله على سلامتك".
تسائل بعينين حادة مُثبتة عليها وتجاهل حديثها ورؤيته لقلقها الذي من المؤكد أنه فتك بها: "جيتي ليه؟".
اقتربت منه أكثر وجلست أمامه على الفراش بخجل وتوتر، بخوف وقلق ثم عقبت على سؤاله قائلة: "جيت أشوفك واطمن عليك".
تبجح بجدية وعيناه تتعمق على عينيها ولم يخجل من أنه يرى خوفها بل أعطاه اللا مبالاة التامة: "أمشي يا سلمى روحي.. أنا كويس".
قدمت يدها إليه وتمسكت بيده الموضوعة على الفراش وهي تهتف بحزن بالغ وندم لا نهاية له: "مش هقدر أمشي.. خليني معاك يا عامر".
جذب يده منها وأصر على حديثه والموقف الذي أخذه منها: "بقولك أمشي".
ترقرق الدموع بعينيها الزيتونية وشفتيها ارتعشت خوفًا من أن يجعلها ترحل عنوة: "أرجوك، أنا اللي محتاجه أكون معاك مش أنت".
مرة أخرى بحدة وتبجح أجابها: "أنا مش محتاجك.. أمشي".
يا الله، أنها جميلة حقًا، خصلاتها ليست مرتبة ولكنها سوداء حالكة لو رأتها من قبل فلم تراها بهذا الشكل، وجهها المستدير الممتلئ وعينيها الواسعة رائعة اللون، شفتيها المُكتنزة ووجنتيها المُكتنزة هي الأخرى، أنفها الصغير ونظرتها البريئة.
ملابسها ليست مهندمة ومظهرها لا يليق بها حتى أن وجهها مع ذلك الجمال ولكنه باهت، تراه حزين أو ربما ذلك من أثر رعبها على عامر.
نعم إنه كذلك إنها حتى لم تشعر أن هناك احد آخر معهم بالغرفة.
كانت جومانا جالسة على الأريكة في زاوية الغرفة لم تقع عين سلمى عليها ولم تشعر بوجود أحد معهم من الأساس بالغرفة، كانت تراه هو فقط.
هو فقط "سارق أحلامها الوردية" أو من أعتقدته سرقها.
عادت بيدها الاثنين تتمسك بكف يـده الذي جذبه منها، وهبطت الدموع من عينيها وهي تحاول إثبات براءتها له بلهفة وصدق: "صدقني أقسم بالله العظيم أنا معملتش حاجه، ورحمة ماما وبابا اللي كان أغلى حاجه عندي ورحمة ياسين ولو عايزني أحلف على مصحف هحلف كمان يا عامر صدقني".
شعر عامر أنها لم ترى جومانا لأنها لو رأتها لم تكن لتتحدث بشيء أمامها فصاح هو ناظرُا إليها ليعرفها بها ويجعلها تنتبه: "جومانا.. دي جومانا صديقتي والسكرتيرة بتاعتي".
شعرت بالتخبط قليلًا، هل هناك أحد معهم؟ استدارت بجسدها تنظر إلى المكان الذي ينظر إليه في زاوية الغرفة، وجدت حقًا فتاة جالسة على الأريكة تستمع إلى ما دار بينهم.
أردفت بعدم انتباه: "أهلًا".
أجابتها الأخرى والغيرة تنهش قلبها من الداخل ولكن حزنها أكبر من غيرتها عليه: "أهلًا بيكي".
عادت إلى عيناه تنظر إليها بعينين دامعة حزينة للغاية، وكأن الأيام تعيد عليها حادثة موت عائلتها، الحزن طغى على قلبها وأصبح أكبر من أي شيء.
وجدته يبادلها ولكن نظرته معاتبة للغاية، حزينة قلقة وكأنه يهتف إليها بعذابة وبما مر به دونها وبسببها.
الاثنين كان جرحهم أعمق من قاع البحار، كان داخل قلبيهما براكين ثائرة بحمم بركانية تدمر كل ما مر أمامها.
عندما طالت نظرتهما لبعضهم البعض وتلك التي تجلس لم تتحرك لتتركهم وحدهم، استدارت إليها وقالت بجدية: "ممكن تسيبينا لوحدنا".
شعرت جومانا بالخجل الشديد منها وهي تطلب ذلك الطلب فوقفت على قدميها بارتباك وصاحت وهي مُتجهة تسير للخارج: "أوي أوي".
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب وراءها، فنظرت سلمى إلى عامر بعد أن كانت تتابعها وتحدثت بخفوت ومعاتبة: "أنا غلطت، غلطت لما مسمعتش كلامك بس مكنش قدامي أي دليل بيقول أنها وحشة، كانت كويسه معايا صدقني.. حتى هو كان كويس أنا محبتوش والله العظيم ولا حتى كنت عايزة اتجوزه بس ده اللي حصل".
عقدت ما بين حاجبيها وتابعت بطيبة قلبها توضح له ما كان يحدث معها: "يمكن أكون ظلمتك ويمكن أكون ظلمتك في حاجات كتير معملتهاش بس أنا كان قدامي دليل لكل حاجه علشان كده كنت بصدق".
أردف بقوة وعينيه على خاصتها قائلًا: "وأنا كمان قدامي دليل".
حركت عينيها عليه وهي تهتف بحزن لأجل الاستماع إلى حديثه: "بس أنت عارفني يا عامر".
هو الآخر تسائل بنفس ذلك الحزن وكأنه يعيد ما فعلته هي به ولكن عليها أشد قسوة: "وأنتي مكنتيش عرفاني؟".
قالت بندم بعد أن اخفضت عينيها من عليه وأبصرت كف يده بين يديها: "أنا أكتر واحدة عرفا".
تسائل بحزم مُنتظر منها إجابة: "اومال ايه؟".
رفعت عينيها عليه والدموع تهطل منها مع إتخاذ القرار بأنها ستعترف بكل ما داخلها له، وستهدم أي حواجز تقف بينهم: "كنت غبية، والله كنت غبية مش عارفه أقولك ايه بس أنا تعبانة أوي والله العظيم صدقني يمكن ده مش وقته بس أنا.. أنا لسه بحبك يا عامر وعمري ما نسيتك ولا روحت من بالي بس اللي حصل بينا صعب.. صعب أوي وكان حاجز بينا مكنش ينفع أرجع".
خفق قلبه بقوة فور الاستماع إلى الكلمات المُنبعثة من شفتيها والتي تنم عن حبها له، ولكنه بقيٰ على وضعه وثباته قائلًا: "ودلوقتي؟ ليه بتقولي الكلام ده".
أوضحت له ما توصلت إليه بعد معرفة حقيقة صديقتها المخادعة: "أفتكرت كلامك افتكرت إنك قولتلي إنك مقربتش من البنت ولا عرفت جاتلك إزاي وأنا عارفه إنك مش كداب ولما بتعمل حاجه بتعترف بيها.. في وقتها مصدقتش وقولت إنك بتعمل كده علشان مبعدش عنك..".
تعمقت بعينيها وهو يتسائل هذه المرة بلهفة وشوق مُنتظر أن يأخذ دليل براءته منها: "بس ايه كملي".
أوضحت له قائلة بجدية: "بس لما عرفت حقيقة إيناس افتكرت أنها هي اللي كانت مصوراك ليا جمعت الخيوط ببعض وعرفت أنها هي اللي كانت عايزة تبعدني عنك..".
أكملت بنفس الجدية ولكن مازالت تلك الفتاة البريئة التي يستغلها الجميع، تظن أن إيناس فعلًا كل ذلك حقدًا وكرهًا لها ولا تعلم ما الذي بينها وبين الماثل أمامها تقدم إليه الاعتذارات: "صحيح هي طول عمرها مش بتحبك ولا أنت بتحبها في الأول كنت بقول إن فيه حاجه غريبة لكن دلوقتي بس عرفت أنها كانت بتكرهني أنا وعايزة تبعدنا عن بعض".
حاول إخفاء توتره، ونجح في الأمر، أنه لا يريد أن تعلم ما الذي كان بينه وبينها، سيحاول جاهدًا أن يخفيه عنها كما فعل في كل هذه السنوات الماضية وإن أتى الوقت سيعترف بكل شيء ولكن عندما يضمن عدم تركها لها.
احتلت عينيه عليها وقال بجدية وصوت رجولي حاد: "نمتي معاه؟".
استغربته بشدة واستنكرت حديثه قائلة بعتاب وحزن لأنه إلى الآن يتسائل عن عفتها وبراءتها: "أنت لسه بتسأل سؤال زي ده؟".
بمُنتهى الجمود أجابها متغاضيًا عن حزنها ومعاتبتها اياه: "ومستني الإجابة".
أجابت بقوة وصدق منتظرة منه أن يعود إلى عقله ويتذكر من هي: "لأ والله العظيم لأ أنا مستحيل أعمل كده أنت مش عارف تربيتي!".
صدمها بإجابته التي انتظرت تغيرها بعد كل ذلك الحديث: "لأ مش عارف".
تابع مُتسائلّا بقوة: "هنتجوز؟".
أغمضت عينيها للحظة ترمش بها وأجابته: "أيوه أنا قولت لعمي النهاردة إني موافقة زي ما طلبت".
تحرك للأمام ببطء وهدوء، رفع يـ ـده اليمنى إليها مُمسكّا فكها بقوة وأقترب بوجهه إليها ثم وهو يستنشق أنفاسها المُفتقد إياها قال بقسوة وشراسة، وعيناه لا تكذب ما قال: "بعد الجواز لو اكتشفت إنك كدابة عارفة هعمل فيكي ايه؟ وديني وما أعبد المرة دي هقتلك بجد.. هاخد روحك في ايديا وبالبطيء لحد ما تطلعي عند أهلك.. خلينا ورا الكداب".
تركته يفعل ما يحلو له ولكنها ألقت عليه سؤال تعلم أجابته جيدًا ولكن قلبها أراد التأكد: "عامر! أنت لسه بتحبني؟".
حرك عينيه على ملامح وجهها، كم كان مُشتاق إلى كل انش بها، كم كان مُشتاق إلى لمسة واحدة منها، نظرة تعبر عن حبها إليه.
الآن يفتقد اللهفة إليها والشعور بأنه يريد القرب منها، الشك داخله مثلما هو لن يذهب إلا على يده: "فيه حاجز واقف بيني وبين حبك يا سلمى هيروح لما نتجوز وأشيله بنفسي".
تفهمت ما الذي يقصده بحديثه فتركت الأمر جانبًا وتسائلت وهي تبتعد للخلف برأسها: "ايه اللي عمل فيك كده".
عاد هو الآخر مثلما كان وأردف بضيق شديد كلما تذكر ما حدث: "اتخانقت في البار مع بلطجية".
لم تكن مجرد حادثة أو مشاجرة بين أشخاص في ملهى بل كانت مُدبرة من ذلك الحقير وهو أكد لها ذلك برسالته في الأمس، لن تجعله يعرف بشيء كي لا يتهور.
تسألت وهي تجوب ملامحه بعينيها: "بس أنت كويس صح".
أومأ برأسه مؤكدًا وهو يُجيب: "ده جرح سطحي وهخرج بالليل".
ابتسمت بارهاق وبحزن مازال معها ولن يتركها فالمشاعر داخلها متخبطة لا تدري هل هذا الصواب أم الخطأ: "حمدالله على سلامتك".
نظر إليها وهو الآخر لا يدري ما الذي من الممكن أن يحدث، وما الذي يفعله، مشاعره حتى لا يستطيع وصفها.
أهو سيكون ملهوف على قربها كما كان في السابق أو سيظل هكذا يريد القرب فقط للتأكد من براءتها، لكنه مازال يحبها، يعشقها، نطقه لكلمات الكره كانت كاذبة هو بحياته لم يعشق ولن يعشق إلا هي "سلمى القصاص" ابنة عمه الفريدة من نوعها، التي لا تتكرر.
❈-❈-❈
دلف من بوابة الفيلا معها، ولكن سيرة لم يكن طبيعيًا وكانت هي قبل وصولهم أخبرت عمها بما حدث ولكن جعلته يطمئن عندما قالت له أنهم في الطريق إلى الفيلا.
وقف والده عندما رآه يدلف إلى الفيلا وتقدم منه سريعًا ومن خلفه والدته وشقيقته.
كانت اللهفة تظهر على ملامح الجميع وأولهم والده أقترب منه بسرعة ووقف أمامه مُتمسكًا به بقوة: "عامر أنت كويس".
أقترب منه مُحتضن إياه بشدة، وجسده يرتعش وقد شعر عامر بذلك وهو داخل أحضانه، إنه يخاف الفقد، يخاف أن يفقد أحد أسرته وهو على قيد الحياة، يخاف أن يتركه ابنه الوحيد ويذهب إلى عمه الذي كان والده.
أردف عامر بجدية وثبات: "أنا كويس".
ابتعد للخلف فاقتربت والدته هي الأخرى بنفس لهفة والده وقلقه وعانقته بقوة وهي تتسائل: "ايه اللي حصل".
أجابها وهو يربت على ظهرها: "خناقة بسيطة متقلقيش".
عادت للخلف مُستنكرة حديثه بقوة وقلبها به لوعة الخوف على ولدها: "كده بسيطة؟".
بقيت هدى بعيدة عنه ولم تقترب لتفعل كما والديها وجدها تهتف قائلة: "حمدالله على سلامتك".
لا يدري ما الذي فعله لها هي الأخرى، إلى اليوم تعتقد أنه السبب في موت زوجها؟
تنهد بعمق تاركًا ذلك التفكير وهو يدلف إلى الداخل بهدوء و سلمى تسير جواره والجميع تقدم للداخل.
قالت والدته بحزن: "ملحقناش نفرح بيكم بابني، يادوب الصبح سلمى قالت أنكم هتتجوزو وهدى قالت موافقة على تامر قوم بالليل يحصلك كده".
لم تكن تعلم أنه منذ الأمس خارج المنزل من الأساس في المشفى، بعد أن نقلوه العاملين بالملهى وهو بالمشفى طلب أن يطلبوا إليه جومانا وليس أحد غيرها.
لأنه من الأساس ليس له غيرها في ذلك الوقت.
بقيٰ صامتًا قليلًا وهم يتحدثون أمامه ولكنه كان في عالم آخر وهي الآخر كانت تتحدث وعقلها معه.
رن جرس الفيلا فذهبت فايزة العاملة بالمنزل وفتحت الباب والجميع في الصالة الخارجة ينظر إلى الباب ليروا من الذي أتى إليهم في ذلك الوقت.
كانت فتاة سمحت لها العاملة بالدخول وأشارت لها على الجميع من بعيد، فتاة شابة في سن العشرون وما بعده قليلًا، دلفت تنظر إليهم واحدًا تلو الآخر وليس هناك أي حد وجهه تحول وملامحه بُهتت وشعر بالصدمة سوى سلمى!
تقدمت الفتاة إلى أن وقفت أمامهم جميعًا ثم صاحت بجدية شديدة: "مساء الخير.. أنا آسفة إني جيت من غير معاد".
استمعت إلى صوت رؤوف القصاص الذي تعرفه جيدًا يرحب بها ثم يتسائل عن هويتها: "اتفضلي يا بنتي أهلّا وسهلًا.. بس أنتي مين".
نظرت إلى سلمى بعينيها القوية وكأنها تقول لها ها قد فعلتها وأتيت.
استدارت مرة أخرى إلى رؤوف وقالت بنبرة جادة قوية واثقة: "أنا غادة يُسري، مرات ياسين القصاص".
نظر إليها الجميع بذهول تام ووقفت هدى على قدميها صارخة بعنف واستنكار: "ايــه؟".
❈-❈-❈
رواية بين دروب قسوته الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا حسن
اقتحمت الصدمة قلوب الجميع في المنزل بعد استماعهم للكلمات البسيطة التي هتفت بها تلك الفتاة ذات المعاني الكثيرة.
هبت "هدى" واقفة على قدميها تصرخ بها باستنكار تام، ومن خلفها والدها ووالدتها.
"سلمى" والجميع ينظر إليها بعينين متسعة رافضة ما تقوله.
بقي "عامر" جالسًا يطالعها بعينين قويتين من رأسها إلى قدميها، يُقيم هيئتها الماثلة أمامه في محاولة منه لفهم ما الذي تتفوه به، وهل هو صحيح أم مجرد افتراء على ابن عمه الراحل "ياسين".
وأي شخص منهم يعرف "ياسين" جيدًا سيقول وهو متأكد مليون بالمئة أن ذلك افتراء وكذب ولا يصدق، وحتى لو خرج "ياسين" بنفسه من قبره واعترف على نفسه.
إنه كان رجل حكيم، عاقل، لا تُغريه النساء وكان يحب شقيقته كثيرًا وأراد الزواج منها وفعلها ولم يكن يرى غيرها.
كان يراه في عمله جاد صارم مع الجنس الآخر ولا تهتز له خصلة معهم، على عكسه تمامًا مرح ويمزح مع النساء في العمل كثيرًا.
ما هذا الهراء!
تقدمت منها "هدى" بخطوات واسعة حادة تدب في الأرضية، وعينيها عليها بثبات وحدة.
واقتربت منها واقفة أمامها بالضبط ثم صاحت بشراسة وعنفوان:
"بتقولي ايه؟ مرات ياسين مين؟ ياسين مين ده اللي مراته ها أنتي بتقولي ايه أنتي؟"
أجابتها بثبات ونظرت إليها هي الأخرى بقوة تبادلها الجدية والتأكيد على حديثها:
"بقول الحقيقة، أنا غادة يسري مرات ياسين أحمد القصاص جوز حضرتك وأخو حضرتها."
أنهت جملتها وهي تُشير بيدها إلى "سلمى" الذي تقف في الخلف لم تبدي أي ردة فعل فقط تنظر إليهم.
صرخت بها "هدى" بعصبية ووجهها أصبح لونه أحمر قاتم بسبب غضبها الذي شعرت به من تلك المجنونة:
"أنتي مجنونة ولا إيه؟ أمشي اطلعي بره أنتي بتقولي ايه؟"
تقدم والدها رؤوف منها وهو يردف بصوتٍ جاد في محاولة منه لفهم الأمر:
"اهدي يا هدى يا بنتي خلينا نفهم."
عقبت بسخرية وغضب ناظرة إليها بعنفوان:
"نفهم ايه يا بابا دي بتقولك مرات ياسين؟"
أكملت وعينيها تقابلها مُباشرة قائلة بسخرية لاذعة:
"يا ترى بقى اتجوزتي ياسين امتى؟ امبارح ولا من شهر ولا من سنة، ولا تكونيش اتجوزتيه في الجنة؟"
وضعت الأخرى يدها الاثنين أمام صدرها ووقفت بجدية أمامها مُعقبة بوضوح:
"أنا مرات ياسين القصاص من تلت سنين، يعني قبلك ومعايا قسيمة جواز وأصلية والآنسة سلمى أخته اتأكدت منها وأهي عندكم تقدروا تسألوها."
أغمضت "سلمى" عينيها بقوة تعتصرهما بألم شديد في قلبها.
لقد وضعتها تلك الحقيرة في موقف لا تحسد عليه أبدًا.
تعلم الآن أن الأعين تنصب ناحيتها في ذهول تام مُستنكرين كيف لها أن تكون على علم بأن شقيقها مُتزوج من أخرى غير ابنة عمه.
فتحت عينيها لتجد كما توقعت عيون الجميع تقع عليها، وأولهم "هدى" الذي قابلتها بعينين مذهولة دامعة، والخذلان يتألق في اللؤلؤ المتجمع في مقلتيها.
ولكنها والله لم تكن تعلم بشيء إلا عن قريب.
لم تكن تعلم!
أبعدت عينيها عنها لتجد "عامر" هو الآخر يتهمها بعينيه ويقول كثير من الأشياء المخفية داخله، عن كون شقيقها خائن، وعن كونها أخفت ذلك الأمر أيضًا وعن كونها خائنة هي الأخرى وسيصاحبها ذلك دائمًا.
صرخت "هدى" ثانيةً بعدم تصديق وهي تتقدم من تلك الفتاة تتمسك بذراعيها بقوة:
"أنتي كدابة إزاي ياسين اتجوزك قبلي.. ولو ده حصل كنتي فين.. كنتي فين كل ده وكنتي فين لما مات؟"
تسارعت "سلمى" في سيرها لتقف جوارها ثم أمسكت بيدها الاثنين المُمسكة بهم الفتاة تطالبها بأن تهدأ وتبتعد بصوت خافت هادئ:
"هدى الموضوع مش زي ما أنتي فاهمه اهدئي."
نفضت يدها عنها بقوة ونفور ونظرت إليها بقهر وضعف شديد ولكنها صاحت بشراسة:
"ابعدي عني يا سلمى.. كنتي عارفه إن أخوكي متجوز، كنتي عارفه ومقولتيش.. متجوز قبل ما يتجوزني!"
لم تعطِ لها الفرصة لتجاوب بل أجابت هي بسخرية لاذعة وقسوة ضارية:
"هقول ايه ما أنتي متعودة على الخيانة."
بادلتها النظرات المُتألمة.
لما لا يشعر بها أحد؟
إنها في الداخل تحترق.
لا هذا ليس احتراق، هناك تخبط في المشاعر يساعد في الداخل على توليد الانفجار الذي يتبعه إنهيار تام لكل خلية بها.
هنا تحدثت "غادة" التي تدعى أنها زوجة ابن عائلة "القصاص" قائلة بجدية:
"الموضوع مش زي ما أنتي فاهمه، ياسين اتجوزني شهامة منه مش حاجه تانية وكان هيطلقني بعد الجواز على طول على فكرة.
وأظن إنك طول الفترة اللي فاتت دي محستيش بوجودي قبل جوازك ولا بعد جوازك لأنه كان معاكي أنتي مش أنا.
متكبريش الموضوع."
صرخت بها بقوة وضراوة والشراسة تنبعث من عينيها:
"موضوع ايه ده اللي مكبروش يا بني آدمه أنتي.. جاية تقوليلي جوزك كان متجوزني ومكبرش الموضوع أنتي مجنونة؟"
أكدت "غادة" حديثها بجدية وثبات وهي تنظر إليهم واحدًا تلو الآخر داخل أعينهم جميعًا:
"أيوه متكبريش الموضوع.. ياسين اتجوزني شهامة قولتلك لاني كنت هموت، لو عايزة تعرفي القصة يبقى تتفضلوا تقعدوا علشان احكيلك ولو مش عايزة يبقى أقول أنا جاية ليه."
أردفت "هدى" بقوة متسائلة:
"وأنتي جاية ليه إن شاء الله؟"
بمنتهى البرود والجدية والثبات نظرت داخل عينيها ثم انتقلت إلى والدها "رؤوف" قائلة:
"جاية أخد ورثي."
دفعتها "هدى" في ذراعها بقوة وهي تصرخ بها بعنفوان والحديث الذي قالته لا يدلف عقلها ولا تصدقه وإن كان حدث فهي أيضًا لن تتقبله:
"ورث مين يا أم ورث.. ورث مين يا بت انتي؟"
رفعت أحد حاجبيها ونظرت إليها باستنكار لطريقتها التي تغيرت مئة وثمانون درجة عن ابنة العائلة المرموقة:
"جاية أخد ورثي من جوزي الله يرحمه ياسين أحمد القصاص."
بعد صمت دام طويلًا تحدث "عامر" وهو يستند بظهره إلى ظهر الأريكة قائلًا يتسائل بجدية شديدة وعينيه مُثبتة عليها:
"وأنتي أفتكرتي دلوقتي إنك متجوزة وليكي ورث؟ كنتي فين من سنتين؟"
رفعت بصرها إليه للحظة وهي تتعمق به ثم أجابته:
"من بعد موت ياسين وأنا بره البلد ولسه راجعه من شهرين بالظبط."
تساءلت والدته هذه المرة بفضول يلح عليها منذ أن أردفت أنها زوجة زوج ابنتها:
"وأنتي عرفتي ياسين إزاي واتجوزك ليه؟"
حركت عينيها إليها هي الأخرى وأردفت:
"قولتلكم لو عايزين تعرفوا اتفضلوا."
أشار إليها "رؤوف" كي تدلف إلى الداخل لتجلس وتقص عليهم الذي حدث في الماضي الذي اتضح له مؤخرًا أنه يخفي أشياء كثيرة ستخرج في الحال خلف بعضها:
"اتفضلي."
صاحت "هدى" بقسوة واعتراض وهي تُشير بيدها بهمجية:
"اتفضلي فين يا بابا؟"
تحدث بهدوء ووقار يناسبه في تلك اللحظات قائلًا بجدية:
"استني يا هدى خلينا نفهم ايه اللي حصل.. متقلقيش أنا هعرف إذا كان حقيقي ولا لأ."
أشار إليها مرة أخرى فدَلفت إلى الداخل وجلست على مقعد مجاور الأريكة التي يجلس عليها "عامر".
تقدم الجميع من خلفها وجلس كل منهم مُنتظرين الاستماع إلى قصتها التي سترويها عليهم ليعرفوا كيف تزوج بها "ياسين".
عندما جلست "سلمى" جوار "عامر" نظر إليها بسخرية مُميتة شامتًا بها وبأن شقيقها الذي كانت تضرب به المثل في كل عراك بينهم أصبح هو الآخر خائن.
نظرت "غادة" إلى "هدى" التي لم تود الجلوس كما الآخرين وبقيت واقفة وثبتت نظرها عليها ثم بدأت في الحديث بجدية وهي تعود بذاكرتها للخلف:
"أنا.. أنا كنت بحب واحد مكنش عليه القيمة وعيلتي مكنتش موافقة بيه بس أنا كنت مخدوعة فيه وفي حبه ليا وهو كان كداب بس عرف يرسم الدور عليا كويس وخلاني فعلًا حبيته واتأكدت إنه بيحبني وحاربت أهلي كتير علشانه وللأسف أنا أهلي ناس شديدة أوي لأبعد ما تتخيلوا و…"
قاطعتها "هدى" بنفاذ صبر ولا مبالاة قائلة:
"وإحنا مالنا ومال القصة دي ما تقولي عرفتي ياسين إزاي؟"
لم تهتم بحديثها الأبلة إنها تعلم شعورها جيدًا في ذلك الوقت لذا لن تأخد حديثها على محمل الجد وإلا لن تمر هذه الليلة مرور الكرام على الجميع وهي أولهم.
لا داعي لذلك.
أكملت مرة أخرى منتقلة بعينيها إلى عيني "عامر":
"ولما أهلي رفضوا مرة واتنين وعشرة جوازنا أنا اعتقدت إني مش هلاقي حد في حياتي يحبني زيه ومش هعرف اعوضه.. هربت معاه وسبت البيت."
نظرت إلى الأرضية ثم رفعت عينيها وأكملت بخجل شديد وندم خرج ليالي طويلة على هيئة مياه مالحة تخالط الوسادة:
"حاول معايا من غير جواز بس أنا كنت رافضة بس هو كان أقوي من رفضي ده بعد كده رماني على الطريق وأنا بين الحياة والموت."
تعمقت بالحديث وتجمعت الدموع بعينيها لا يدري أحد أهي مزيفة أم لا:
"ياسين كان ماشي بعربيته لقاني مرمية اخدني ووداني المستشفى وفضل معايا لحد ما بقيت كويسه ودفعلي حساب المستشفى وبعد كده حاول يكلمني ويرجعني لأهلي لما لقاني بعيط طول الوقت وبقوله معنديش حد اروحله.. حكيتله قصتي وهو اقنعني أنه هيرجعني لأهلي ومش هيعملوا معايا حاجه."
خرجت دمعة من عينها تحت نظرات الجميع المنتبهة لحديثها ما عدا "سلمى" التي استمعت إلى ذلك الحديث سابقًا:
"بس اللي حصل كان غير كده أول ما وصلنا أهلي قاموا علينا وكانوا هيقتلوني ياسين حاول يتكلم معاهم وفعلًا قدر يعمل كده لكن أول ما حكي ليهم اللي حصل أخويا قام جاب سكينة وكان مُصمم يقتلني ولو مكنش ياسين معايا كان ده حصل فعلًا… حتى ياسين يومها اتعور من السكينة وهو بيحوشه عني أضطر يقولهم أنه هو ممكن يتجوزني وهنا كلهم سكتوا ووافقوا لكن هو كان بيعمل كده جدعنه منه مش أكتر، شهامة ورجولة مكنش عايز واحدة تموت قصاد عينه."
أردفت والدتهم مُتسائلة بجدية وهي تتابعها بعينيها:
"وليه مطلقيش بعدها؟"
رفعت نظرها إلى "هدى" بتوتر وارتباك ولم تكن تريد أن تتحدث بهذا الشيء أبدًا أمامها ولكنها ابتلعت ما وقف بحلقها ونظرت إليها قائلة:
"هو كان هيطلقني بعد الجواز بأربع شهور بالظبط وكنا رحنا للمأذون فعلًا.. بس أنا، أنا كنت في الوقت ده حامل."
صدح صوت "هدى" الصارخ بانفعال شديد ووجهها يصرخ قبل شفتيها وصوتها المرتفع:
"حامل إزاي!؟ حامل إزاي يعني؟"
أردف "عامر" بلا مبالاة وسخرية شديدة وهو يمر بعينيه على "سلمى":
"هتكون حامل إزاي يعني! باللاسلكي؟"
حركت "سلمى" عينيها عليه بانزعاج واضح وصريح أظهرته له من خلال عينيها وهي تعرف تمام المعرفة ما المقصود من حديثه وطريقته الساخرة ونظراته التي يلقيها عليها.
أكملت "غادة" موضحة لها بجدية:
"ياسين قربلي هي مرة واحدة طول السنة اللي اتجوزته فيها متقلقيش حتى الطفل اللي كنت حامل فيه مكملش ونزل بعدها.. مقربليش حبًا فيا هو كان متخانق معاكي أنتي وجالي وقتها."
ترقرق الدموع بعيني "هدى" مرة أخرى ونظرت إليها بقهر وحرقة لا نهاية لها يشعر بها قلبها ثم صاحت قائلة:
"قومي أطلعي بره."
وقفت "غادة" على قدميها ثم فتحت حقيبتها الصغيرة ومدت يدها بها وأخرجت منها ورقة مطوية وأخرى غيرها.
أقتربت ووضعتها على الطاولة في المنتصف وقالت بجدية:
"دي قسيمة الجواز تقدروا تتأكدوا إذا كان كلامي صحيح ولا لأ وده كمان عقد شقة كتبها ياسين باسمي بعد الجواز علشان أعيش فيها وكل ده الآنسة سلمى أخت ياسين اتأكدت منه قبل كده وعرفت إني كلامي مظبوط."
تقدمت خطوتين للأمام لتذهب ثم استدارت ونظرت إلى "رؤوف" ومن بعده "عامر":
"أنا هامشي واسيبكم يومين على ما تتأكدوا وهرجع علشان أخد حقي."
رفعت عينيها إلى عيني "هدى" وهي تسير إلى الخارج ذاهبة بعد أن فجرت قنبلة بالداخل لن يشعر بانفجارها أحد سوى "هدى" المُعذب قلبها بعد اكتشافها أن زوجها وحبيبها الذي رفعت حداد قلبها عليه كان خائن ومتزوج من غيرها.
ومهما كانت الأسباب الذي دفعته لفعل ذلك الفعل المشين فهي لن تسامحه لأجل خداعه لها كل ذلك الوقت.
لن تسامحه لأنه خائن مثله مثل شقيقها الذي كان يعذب "سلمى" ليلًا ونهارًا ولكن على الأقل شقيقها لم يكن يخاف أحد وكان يفعل ذلك علنًا ولا يكذب بل يعترف بكل ما يفعله حتى وإن كان خطأ وسيحاسب عليه.
نظرت إلى "سلمى" تعاتبها متحدثة بكم الخذلان الذي تعرضت له منها هي الأخرى وكأنها تضعها في محلها عندما انصدمت في الجميع من حولها.
أقتربت منها بعينين تحولت إلى أخرى حادة صارخة بالخيوط الحمراء داخله مانعة البكاء، تساءلت بجدية:
"كنتي عارفة إن أخوكي متجوز ومقولتيش؟ كنتي عارفه كل ده وسيبتيني على عمايا؟"
وقفت "سلمى" على قدميها تنفي ما قالته بكل جدية وتأكيد وهي تنظر إليها بثبات:
"والله أبدًا وأنا هعرف منين أنا زيي زيك على فكرة الفرق الوحيد إني عرفت من شهرين بس.. هي بنفسها قالتلك أنها راجعة من بره من شهرين ولما رجعت جاتلي الجمعية وكانت أول مرة أشوفها."
صرخت بها بعصبية وغضب شديد وهي تنظر إليها باحتقار:
"بردو مقولتيش.. مقولتيش إن أخوكي خاين؟"
أجابتها "سلمى" بصوت حاد قوي تدافع عن شقيقها الراحل أمام الجميع:
"أخويا مش خاين يا هدى قالتلك إنه اتجوزها علشان متموتش.. كانت هتتـ ـقتل قدامه، كنتي عايزاه يعمل ايه؟"
صدح صوت "هدى" الصارخ مرة أخرى بكره وندم لما اشعرت به نفسها عندما وافقت على "تامر":
"ما تولع.. ما تولع، يعني متجوز من قبلي أصلًا وأنا الغبية رافعة الحداد عليه وبعذب نفسي وأقول إني مكنش المفروض أوافق على تامر علشان كده كأني محبتش ياسين."
خرج صوت "عامر" الساخر من "سلمى" والشامت بما قد ظهر لأجل ألا تتحدث مرة أخرى عن وفاء شقيقها لشقيقته:
"يعني لو اتجوزت واحدة هتتـ ـقتل يا سلمى يبقى دي مش خيانة بالنسبالك! طب الحمدلله كده أقدر أعملها."
استدارت تنظر إليه بحدة وهي التي أتت به من المشفى منذ قليل وحاولت البدأ معه من جديد يعود هو بها إلى نقطة الصفر:
"متدخلش نفسك يا عامر في الموضوع ده وخلينا كويسين مع بعض أحسن."
تنفست شقيقته بحدة وهي تأكد لها أن شقيقها الذي خانها في السابق فعل ما فعله زوجها بها:
"ميدخلش نفسه ليه يا سلمى، مهو ده عامر الخاين بردو.. اللي سيبتيه علشان خاين هو زيه زي أخوكي بالظبط."
استدارت "سلمى" برأسها إليها وأجابتها بحدة وعنف نافية أن "عامر" مثل "ياسين" ولا يجوز من الأساس التشبيه بينهم:
"عامر مش زي ياسين.. عامر حاجه وياسين حاجه."
عارضتها الأخرى بقوة وأشارت بيدها بحدة وهمجية وهي تشعر بالنيران داخلها لأجل ما تعرضت له الآن:
"لأ زي بعض."
مرة أخرى تنفي حديثها وتسرد عليها جزء من مميزاته:
"لأ يا هدى عامر مش زي ياسين والكل عارف كده.. ياسين مش خاين وبيحبك ومايقبلش عليكي نسمة هوا تضايقك."
ترقرق الدموع في عيني "هدى" وهي تستمع إلى هذه الكلمات البسيطة وتأكد أنها صحيحة بالفعل وهو كان كذلك ولكن ذلك لا يمحي أنه خائن وكان متزوج من أخرى غيرها:
"دي الكدبة بتاعته.. متجوزش عليه إلا الرحمة."
استمر "عامر" في السخرية وهو ينظر إليهم ولا يتدخل فيما حدث إلا بحديثه الساخر:
"أحسن حاجة حصلت إني مش لوحدي اللي خاين.. مع إني مش عارف خونتك امتى بس يعني مطلعتش لوحدي."
مسحت والدتهم على وجهها بقوة وطال الصمت الخارج منها أمام الاستماع إلى حديثهم سويًا ثم أردفت بنفاذ صبر:
"كفاية يا عامر قوم أطلع ارتاح يابني وأنتي يا سلمى كمان."
ابتسم "عامر" بسخافة وسخرية وهو يُشير إلى "سلمى" بيده قائلًا:
"اطلع ليه ما تخلونا نتفرج.. دي سلمى بتدافع عن حد خاين لأول مرة في عمرها."
أجابته "هدى" بحرقة لا يشعر بها أحد سواها:
"علشان أخوه."
نظرت إلى "عامر" ثم انتقلت إلى "هدى" شقيقته وصاحت بصوت عالي وعصبية شديدة وهي تريها الجزء الذي تناساته وتجعلها تتذكر ما يفعله شقيقها وزوجها الراحل، تجعلها تتذكر أن المقارنة بينهم مستحيلة:
"انتوا هتعملوا عليا حفلة.. آه ياسين مش خاين ومش زي عامر، ياسين كان قارفك في عيشتك؟ كان بيغير عليكي من طوب الأرض؟ ولا عاقل؟ كان عصبي وأيده بتتمد عليكي؟ كسر قلبك وشوفتيه في حضن واحدة بعينك؟ عينيه زايغة وبتاع ستات؟ سُكري ياسين؟ هاا عامر بقى فيه كل الصفات دي.. إن شاء الله يغيرها لأن اللي فات غير اللي جاي."
لم تتحدث "هدى" بالفعل هي معها حق، لم يكن هناك أحد مثل "ياسين" في أي شيء و "عامر" يختلف عنه كامل الاختلاف ولا يأخذ منه شيء.
لن تنكر أنها رأت معه أسعد لحظات حياتها وأنه أحبها أكثر من نفسه ولكنها مصدومة بما علمته، مصدومة به كثيرًا، اتضح لها أنه كان مُخادع، كان متزوج وأقام علاقة مع زوجته الأخرى قبل زواجه منها هي.
كانت تظن أنها أول إمرأة يقوم بلمسها! أول إمرأة ينام جوارها وأول مرة إمرأة تحمل اسمه وتكون زوجته واعتقدت أنها الأخيرة.
لقد أحبته كثيرًا ودابت فيه عشقًا ولم تكن تتوقع أن تعلم بشيء مثل هذا في يوم من الأيام.
كان "ياسين" بالنسبة إليها شخص لا يخطأ، كان كل شيء لطيف وجميل في دنياها!
عندما رأت نفسها تنجذب إلى "تامر" قامت بتشغيل وضع جلد الذات وتأنيب الضمير وقاربت على العودة عن قرارها فقط لأجل أن تكون زوجة "ياسين القصاص" فقط!
لم تكن تعلم أنه هو منذ البداية خائن مخادع لا يؤتمن.
طال صمتها ولم تستطع الإجابة على حديث ابنة عمها وبقيت تنظر إليها بعينين دامعة وقلبها يحترق من الداخل والصدمة إلى الآن تجعله يدق بعنف وحرقة.
تحدث والدها "رؤوف" بجدية شديدة وهو يُشير إليهم بوجه جامدة تعابيره:
"يلا كل واحد على اوضته.. أنا هتأكد من كلامها يا هدى."
نظرت إليه "سلمى" قائلة:
"أنا اتأكدت يا عمي مالوش داعي تعبك.. هي فعلاً مرات ياسين."
أكد حديثه مرة أخرى يُصر على التأكد بنفسه إن كانت زوجته أم لا:
"هتأكد تاني يا سلمى.. ولو طلعت مراته بجد يبقى تاخد حقها وتمشي."
نظرت "هدى" إلى والدها بصدمة وهي تستمع إلى حديثه وصاحت بعنف وقسوة لا تناسبها:
"حق ايه ده اللي تديهولها.. لأ طبعا مش هتاخد حاجه."
امتص والدها غضبها بالهدوء الذي قابلها به وتحدث بجدية وصدق:
"لو مراته يبقى زيها زيك يا هدى وهتاخد حقها.. إحنا مش نصابين ولا ناس متعرفش ربنا.. هتاخد حقها."
تركها من بعدها وصعد على الدرج بخطوات ثابتة ليذهب إلى غرفته ومن خلفه ذهبت زوجته.
لحظات وقفت "هدى" تنظر إلى "سلمى" بعينين مُعاتبة إياها بقوة قائلة لها بأنها لم تتوقع أن تفعل ذلك بها.
حتى لو كانت تعلم في الأمس.
صعدت هي الأخرى خلفهم ونظرت إليها بنفور واحتقار لأول مرة بحياتها تفعلها وتقابل "سلمى" بتلك النظرات ولكن صدمتها من شقيقها وما تعرضت إليه يؤثر عليها وبقوة وجعلها تفعل ذلك وهي لن تلوم عليها.
استدارت "سلمى" تنظر إليه ووقفت مقابلة له وهو ينظر إليها بلا مبالاة تامة فاردفت قائلة:
"ليه بتعمل كده.. المفروض أننا بنبدأ صفحة جديدة."
ابتسم بزاوية فمه باستخفاف بها وبحديثها ثم أجاب مُتهكمًا:
"وأنا عملت ايه.. بقول أن ياسين الله يرحمه خاين زيي؟"
أشارت إليه بحدة وأردفت تضغط على كل حرف يخرج من بين شفتيها:
"ياسين مش خاين يا عامر وأنت عارف كده كويس، ياسين مش زيك.. عمره ما كان زيك."
وجدته لا يجيب فأكملت تترجاه أن يعود عما يفعله وإن كان حقًا يود البدأ معها حتى وإن كانت زوجته وحتى إن كان ذلك لأجل التأكد مما يشك به:
"بلاش تشتغل بمبدأ دس السم في العسل أرجوك اللي بينا هدى ملهاش دعوة بيه ولا حد ليه دعوة بيه وإحنا قادرين نعالجه وقولتلك كده في المستشفى.. انسى بقى."
أقترب للأمام ببطء لأجل جرحه وأردف هو الآخر بجدية شديدة وعيناه مُثبتة عليها يبادلها نفس الجدية والتأكيد:
"مش هنسى حاجه غير لما اتأكد من اللي في دماغي ومش هتعدل بردو غير لما ده يرجع يشوفك سلمى من تاني."
أكمل بقية حديثه وهو يُشير بيده إلى الناحية اليسرى من جانب صدره موضع قلبه تمامًا.
نظرت إليه بعينيها الزيتونية للحظة ثم قالت:
"تصبح على خير."
توجهت للصعود للأعلى دون الحديث معه بأي شيء آخر، تفكر فقط في القادم عليهم جميعًا، في الفترة الأخيرة أصبح هناك مواضيع كثيرة وأشياء تظهر لم يكن يعلم عنها أحد شيء.
❈-❈-❈
صعدت "سلمى" إلى غرفتها وقد تعمق الحزن داخلها، حتى أنها لم تعد تفهم الذي تفعله مع ابن عمها صحيح أم خطأ، لم تعد تحدد بين الصواب الذي عليها فعله والخطأ الذي عليها الابتعاد عنه، قلبها لا يساعدها بل تغمد الحزن داخله وعقله لا يستطيع التفكير بشكل صحيح.
جلست على طرف الفراش واستندت بيدها الاثنين عليه مغمضة عينيها ترفع رأسها للأعلى، تنفست بعمق محاولة أن تجعل ضجيج عقلها يهدأ لأنه يثور داخلها بلا داعي ولا يأتي بفائدة.
دق هاتفها فأخذته بعد أن فتحت عينيها عليه، وجدت أن تلك الصديقة الحقيرة التي كانت تعتبرها كشقيقتها هي من تهاتفها، أمسكت الهاتف بيدها ونظرت إلى شاشته للحظات بعينيها الزيتونية تسترجع كل لحظة مرت عليها معها لحظة طيبة جميلة وأخرى خبيثة ماكرة لم تكن تدري أنها ستكون كذلك.
أجابت عليها ثم وضعت الهاتف على أذنها ولكن لم تخرج الكلمات من بين شفتيها في انتظار الاستماع إلى الأخرى والذي خرج صوتها بلهفة مصطنعة أصبحت تعرفها:
"سلمى فينك يا بنتي بكلمك مش بتردي."
خرجت الكلمات من الأخرى بنبرة حادة قاسية مُتسائلة:
"نعم عايزة ايه؟"
تصنعت الأخرى الاستغراب وأردفت بنبرة خافتة لينة:
"في ايه مالك؟"
وقفت "سلمى" على قدميها وسارت في الغرفة بثبات وهي تتحدث بجدية وعنف خالص تطلقه ناحيتها:
"لأ بصي هاتي من الآخر وشيلي قناع الطيبة والحنية اللي أنتي لابساه خلاص مبقاش لايق عليكي يا إيناس."
مرة أخرى تردف بنبرة مستغربة ترفع حاجبيها وكأنها تراها لترسم الدور عليها جيدًا:
"ايه اللي بتقوليه ده أنا مش فاهمه حاجة."
اشتدت نبرة "سلمى" وأصبحت أكثر حدة وهي تلقي كلماتها القاسية عليها:
"لأ أنتي فاهمه كل حاجة وعارفه أنا بتكلم عن ايه وقصدي ايه فهاتي من الآخر عايزة ايه مني."
لم تستسلم الأخرى بسهولة بل أكملت المسرحية التي تقوم بها لتجعلها تصدق ما تتحدث به:
"لأ بجد أنتي غريبة النهاردة.. متخانقة مع عامر ولا ايه؟"
لم تكن تعلم أنها علمت كل شيء وبالدليل التي طالبت به كثيرًا لذا سيكون من الصعب تصديقها مرة أخرى، صرخت بها قائلة:
"متجيبيش سيرة عامر على لسانك الوسخ ده، عايزة ايه مني ومن عامر ها.. عايزة ايه انطق؟"
تغيرت النبرة المُتحدثة لها "إيناس" وخرجت بتهكم وسخرية:
"وأنا هعوز منكم ايه؟"
عقبت "سلمى" على حديثها بحرقة داخل قلبها تكويه كل لحظة والأخرى فقط عندما تتذكر ما الذي قامت به معه ومع الجميع:
"لأ أنا اللي بسألك.. الغريب إني أعرفك من زمان ومعرفتش نيتك القذرة من ناحيتي والغريب أكتر إني أصدقك وأكدب عامر اللي متربية معاه وأنا متأكدة إنه بيحبني.. بجد كنت غبية."
ابتسمت "إيناس" بسماجة وتهكم وهي تُجيب عليها ساخرة منها وقد كشفت القناع عن وجهها:
"ما إحنا عارفين إنك غبية طول عمرك ده مش شيء جديد عليكي."
تحدثت بنبرة حادة تطالب بالابتعاد عنها ثم أخرجت كلمات مُهددة إياها لتزرع الخوف بقلبها:
"اخرسي يا إيناس وابعدي عني أنتي وابن عمك.. أنا لو سبت عامر عليكم مش هيطلع عليكم صبح وأنتي عارفاه كويس."
ضحكت عبر الهاتف مُتهكمة على حديثها توصل إليها أنها لا يهمها كل ذلك ثم قامت بالقاء جزء من القنبلة المخفية عليها لتجعلها تتشوش من ناحيته:
"طب خدي بالك منه بقى وفتشي وراه.. لسه في أسرار كتيرة متعرفيهاش والأسرار دي معايا بس هدوخك شوية يمكن تخفي من الغباء بتاعك ده شوية."
أكملت ساخرة أكثر من السابق وهي تقول:
"سلام يا بطل.. مش كان بيقولك كده بردو؟"
أغلقت الهاتف ثم ألقته على الفراش بعد غلق الأخرى وكلماتها تعبث بها، ما الذي يخفيه عامر عنها إلى الآن؟ ما الذي يخفيه عنها وتعلمه "إيناس" وهي لا؟ هل هناك شيء بينهم وهي الغبية المتواجدة بينهم؟
أسرعت تمحي ذلك التفكير الغبي مرة أخرى من رأسها معنفة نفسها بقوة فـ "عامر" من البداية لا يطيق الاستماع إلى اسمها ولم يكن يريدها أن تكون صديقتها منذ أول مرة وقعت عينيه عليها وأخبرها بها أنها ليست فتاة مناسبة لتكون صديقتها.
غير أن "عامر" مؤكد لن يخونها مع صديقتها هذا من أبعد الأشياء الذي من الممكن أن تفكر بها!
إنه توقف عن خيانتها منذ الكثير وبهذه المرة الأخيرة كانت رأت الأمور بمنظور خاطئ وإن فعلها لن يقوم بفعلها مع "إيناس".
خيانتها لها كانت عبارة عن مهاتفة فتيات من الملاهي الليلية، والنظر بعينيه الخبيثة الوقحة على مفاتنهن في غيابها والسرقة المستلزه في حضورها.
كانت عبارة عن مكالمات قذرة يقوم بها معهن كانت كل هذه أشياء تجعلها تبتعد عنه وتطالب بالانفصال الفوري لأنه لا يكتفي بوجودها بحياته وهو يعلل بأنه يحبها أكثر من نفسه وما يفعله ما هو إلا لهو وتسلية طفيفة.
غير مبالي لمشاعر الأنثى داخلها التي تثور وتنفجر بما يفعله، ويقوم كل مرة بالعودة إليها عن طريق الوعود الكاذبة وهي الخاطئة لم تكن تتعلم أي شيء، يرق قلبها ناحيته وترى الحياة من غيره موت فتعود مُرغمة وقلبها يضغط عليها بالاقتراب أكثر وسيكون في أفضل حال ويقوم والدها بتهدئتها قائلًا بأنها بعد الزواج ستكون المُسيطرة عليه ولن يفعل هذا مرة أخرى.
تعترف أنه قبل الزفاف كان قد توقف عن كل ذلك وما دفعها للموافقة مرة أخرى على زيجته منه هو ذلك ولكن لم تكن ثقتها به كافية لتتأكد من أنه لم يخونها وقد فعلتها "إيناس" في الوقت المناسب ثم من بعدها انقلبت حياتها رأسًا على عقب.
بسبب صديقتها المخلصة التي رأتها دومًا هكذا وقد حظرها منها مرارًا وتكرارًا ولكن العقل لم يكن واعي بالكفاية ليقوم برؤية خبثها عليها.
والآن أيضًا تقوم بفعل ذلك مرة أخرى وتريد أن تجعلها تُشتت من ناحيته بعد أن علمت بكل الحقيقة المخفاه.
لا لن تفعل ذلك ولن تجعلها تأخذ ما تريد عندًا بها وبابن عمها القذر الحقير الذي كان هو الآخر يكذب عليها ستحاول قدر الإمكان أن تصلح علاقتها بـ "عامر" وتعود إليه من جديد وتترك المعاناة إلى أحد آخر غيرها فقد اكتفت منها.
❈-❈-❈
دق باب المكتب عليها في الجمعية التي تديرها، أذنت للطارق بالدخول ورفعت نظرها إلى الباب لترى من بالخارج.
فتح الباب بهدوء وبطء وولج إليها لتقع نظراته الماكرة الخبيثة عليها ووقفت عيناه على عينيها الزيتونية الخائفة والتي ظهرت له ما بداخلها بوضوح.
أغلق الباب بيده بعد أن ولج للداخل وتقدم إلى أن جلس أمامها بغرور وعنجهية، يلقي عليها نظرات حادة ماكرة واثقة، وعقله داخله يبتسم ضاحكًا بصوت مُرتفعًا يصل إلى عنان السماء شامتًا بها مُتذكرًا ما فعله.
انتشلته من ذكرياته القذرة الحقيرة مثله وهي ترتفع بصوتها الحاد ناظرة إليه بعدم خوف والجدية تتحدث عنه:
"جاي ليه يا هشام وعايز مني ايه؟"
ابتسم بسماجة وتهكم واعتدل في جلسته ليستطيع النظر إليها جيدًا:
"وحشتيني بس قولت اجي وأقتل الاشتياق ده."
حدثته بجدية شديدة وحدة قاتلة وهي تنظر إليه بقسوة تنبع من داخلها بعد معرفة حقيقته:
"هات من الآخر وأتكلم على طول.. قول عايز مني ايه؟ وليه بتعمل معايا كدة؟"
وجدته لم يعطيها أي إهتمام فأكملت هذه المرة بنبرة مذهولة وحاجبيها معقودان باستغراب شديد:
"دا أنا حتى مكنتش أعرفك، اللي عرفتني عليك هي بنت عمك يعني لا ليا عداوة معاك ولا عملتلك حاجه من الأصل ليه بقى بتعمل كده وعايز مني ايه.. أنا كنت صدقت إنك حد كويس بجد وفكرت في الجواز منك إزاي تطلع كده؟"
أشار إليها بيده وعقب على حديثها بكلمات قاسية تعرفها جيدًا وقد جلدت ذاتها بها سابقًا:
"اللي حصل ده بسبب غبائك، أنتي واحدة غبية مش ذنبي ده خالص، لو كنتي سمعتي كلام ابن عمك اللي بيحبك ومربيكي مكنتيش وصلتي لهنا، بس أنتي خاينة زيه ويمكن أكتر منه واكيد أنتي عارفه كدة كويس."
ابتلعت ما وقف بحلقها ونظرت إليه بقوة قائلة بثبات:
"كل ده مايخصكش ومالكش دعوة بيه.. أنت عايز ايه وليه بتعمل كده وليه إيناس كمان عملت معايا كده أنا كنت بعتبرها زي أختي."
ابتسم مرة أخرى وهو يرمي عليها بكلمات سامة وقعها عليها حاد وهو يغمز بطرف عينه لها:
"لأ سيبك من إيناس دي حكايتها حكاية وهتصدمك أوي أصلها تخص حد من حبايبك."
أكمل بلا مبالاة تامة وهدوء لا مثيل له وهو يقول بثقة ناظرًا إليها:
"أما بالنسبة ليا بعمل كده ليه؟ بكرة تعرفي مش دلوقتي خالص وبالنسبة لعايز ايه؟ فأنا عايزك متتجوزيش عامر."
تهكمت عليه وعادت للخلف بالمقعد عندما رأته ينحدر بتفكيره في تلك المنطقة محذورة:
"وأنا المفروض اسمع كلامك مش كده؟"
نظر إليها بثقة، عينه الهادئة تحولت إلى أخرى قاسية شديدة القسوة والحدة وهو يقول بنبرة هادئة:
"هتسمعيه، عارفه ليه؟ علشان أنا أقدر أخلي السكينة المرة الجاية تخلص عليه مش مجرد مطوة تالمه تجرحه."
حركت رأسها يمينًا ويسارًا ترفض ما يهتف به ذلك الأبلة وشفتيها تتبعها:
"مش هتعمل كده أكيد."
ابتسم بسماجة على براءتها الغبية التي ترفض أي فعل دنيء من أي شخص يقربها، ألا تعلم أن العالم لا يوجد به إلا ذئاب بشرية؟
"وليه أكيد ما أنا عملتها قبل كده أصلًا أقدر أعملها تاني وتالت وعاشر واجيب أي عيل يلبسها ولا شاكه فيا ومفكره قلبي ضعيف؟"
عارضته بشدة وهي تهتف بجدية وثقة مطالبة بالقرب من حبيبها الذي فرقتهما الليالي الخائنة:
"مش هتعمل كده، مجرد ما عامر يكون كويس هنتجوز، كفاية أوي اللي راح من عمرنا واحنا بعاد عن بعض بسبب بنت عمك الخاينة."
صحح ما تتفوه به ببرود:
"بسبب غبائك وعينه الزايغة."
أكمل بتوعد وجبروت ظهر في عينيه وجميع ملامح وجهه:
"ورحمة أمي لو اتجوزتيه لكون محصرك عليه العمر كله مش بس سنتين فراق."
نظرت إلى عينيه للحظات خلف الأخرى تحاول أن ترى أي شيء من الذي كانت تراه به سابقًا ولكن لم تجد سوى الكبر والقسوة، الخيانة والخبث فتساءلت باستغراب:
"ليه بتعمل كدة!؟"
وقف أمام مكتبها واعتدل في وقفته ثم بدأ في الاسترسال يقص عليها ما كانت تغفل عنه:
"اوعي تكوني فاكرة الشويتين اللي حصلوا بينا دخلوا عليا لأ أنا عارف كويس أوي إنك بتحبيه ومش عايزاني ولا أنا كمان عايزك ولا كنت طايقك أصلًا بس جيتي في الجون بقى أعمل ايه."
أكمل وهو يتوجه للخارج بلا مبالاة ولم يفكر بها، بل يفكر في مخططه الذي حتم عليه بالنجاح أمام الجميع:
"فكري في كلامي.. لو عايزه تتجوزيه ماشي اتجوزيه بس استني عليا وهرد عليكم الرد التمام وبالهداوة واحدة واحدة."
سار إلى أن وقف أمام بابا المكتب وفتحه ليخرج منه بعد أن فعل ما أتى لأجله ولكنه استدار إليها قائلًا بسخرية وتهكم داخله تهديد رأته بوضوح:
"سلام… يا سلمى هانم."
نظرت إليه وهو يخرج وتابعته بعينيها، دق قلبها بعنف بعد خروجه، لقد حبست أنفاسها أثناء وجوده معها هنا في الغرفة، ظهرت بوجه جامد حاد والثقة تنبعث منه ولكنها والله والحق عليها أن تبوح به كانت تموت داخلها، والآن ازداد ألم قلبها الذي يرقص على طبول الخوف والرهبة، كيف لها أن تبعد ذلك المجنون عنهم، أو تترك "عامر" الذي افترقت عنه عامان من القسوة والعنف، عامان من الجفا والحرمان ولم تكن أبدًا أيام تمر بل كانت ليالي يقتلها بها الاشتياق والندم…
رواية بين دروب قسوته الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا حسن
عادت “سلمى” من الجمعية بعد ذهاب “هشام”. لم تستطع تكملة اليوم ولا العمل، وكل ما بقيٰ في خاطرها هو التفكير في حديثه و “عامر”.
كانت تعلم أن “عامر” في المنزل ولم يذهب إلى مكان. استمعت إليه في الصباح يكلف تلك الفتاة التي تُسمى بـ “جومانا” بكل شيء اليوم. ورأت “هدى” أيضًا وعلمت أنها لم تذهب مثله.
بعد أن جلست قليلًا وأخذت أنفاسها، صعدت إلى الأعلى حيث غرفة “عامر”. وقد كانت أخذت قرارها بعد كثرة التفكير الذي داهمها منذ أن رأت ذلك الحـ ـقير.
ولجت إلى الغرفة بعد الاستماع إلى أذنه لها بالدخول. وجدته يدلف من الشرفة إلى الغرفة ويده اليمنى على بطنه في موضع جرحه والأخرى أمام شفتاه يدخن سيجارة بها.
تقدمت وأغلقت الباب من خلفها ثم وقفت تنظر إليه بعينين هادئة مُرهقة.
- التدخين مُضر.. بلاش في الفترة دي حتى، أنت تعبان.
دعس السيجارة بيده في باب الشرفة ثم ألقاها إلى الخارج. وتقدم من “سلمى” ينظر إليها بعينيه البُنية الساحرة. كانت نظرته مُدققة بها ذات معنى.
- بتخافي عليا؟
حركت زيتونية عينيها على جميع ملامح وجهه بتوتر وابتلعت ما وقف بحلقها.
- أكيد بخاف عليك.
أقترب منها إلى الغاية ووقف أمامها يفصل بينهما الهواء المار ليس إلا. علق عينيه على عينيها.
- اومال ليه ده مش باين؟
تنفست بغير انتظام وقالت بجدية وهي تبادلة النظرات المتعطشة إلى أي مشاعر تُرى بينهما.
- أنت اللي مش شايف.
وقف صامتًا ينظر إلى عينيها، متردد كثيرًا. يود البوح بكثير من الأشياء ولكنه لا يستطيع. يخاف أن تكون كاذبة وأصبحت أخرى تكذب عليه كي يتركها تعيش وتنعم بالحياة التي قتلتها. يخاف أن تكون تخلت عنه بالفعل وألقت كل ما كان بينهم كي يتطاير متناثرًا مع النسمات الموزعة في الهواء.
ابتلعت ما وقف بجوفها مرة أخرى، انخفضت برأسها إلى الأرضية ثم مرة أخرى رفعتها تنظر إليه تحاول أن تستجمع شتات نفسها كي تبدأ الحديث معه وتقنعه بما تريد.
- أنا.. أنا عايزة أجل معاد الفرح، وكده كده أنت تعبان.
ابتسم بسخرية وما أتى بذهنه يُلقى عليه الآن منها ويؤكد كل ما كان يكذبه.
- وأنا مش هأجل معاد الفرح.. والجرح اللي في بطني ده مش هيمنعني عن الجواز، ده جرح سطحي أوي متقلقيش أنت.
عادت للخلف خطوة والأخرى خلفها فوقفت وورآها الحائط. زفرت بضيق وأكملت على حديثه.
- طيب أنا عايزة أجل الفرح.. أنا مش مستعدة للجواز دلوقتي.
أقترب منها في لحظة خاطفة ووقف أمامها بعنفوان وقسوة رافعًا يده يقبض على عنقها ولكن بخفه.
- ايه؟ لقيتي نفسك هتتكشفي مش كده؟ ما كان من الأول.. من الأول يا سلمى.
رفعت يدها الاثنين تتعلق بيداه وعينيها تتحرك مع عيناه.
- افهمها زي ما تفهمها بس أنا عايزة أجل وأنت لازم تعمل اللي أنا عايزاه.
ضيق ما بين حاجبيه وأقترب بوجهه منها مُعقبًا بسخرية.
- ليه؟ مجبور على كده؟ لأ ياست هانم أنا هتجوزك وغصب عنك وعن اللي خلفوكي.. عامر مش لعبة في ايدك أنا راجـ ـل وهعرف أتصرف معاكي كويس أوي بس صبرك عليا يا سلمى.
وقفت بزيتونية عينيها على خاصته ونظرت إليه مطولًا بعمق وكثير من الحديث المكبوت داخلها لا تستطيع البوح به. كمثله بالضبط ولكنه في لحظة استفزته نظرتها.
- أنتي عايزة ايه بالظبط؟ عايزة ايه؟ ليه مش حاسه بيا واللي جوايا؟ ليه مش مقدرة اللي أنا فيه؟ أنا بمـ ـوت كل لحظة.. كل لحظة بتعدي قدامي فيها بمـ ـوت من جوايا مية مرة بسببك.. بقول لنفسي يا ترى بتحبني لسه؟ يا ترى خانتني وباعت جسمها لواحد وسـ* زي ده؟ يا ترى لسه بريئة زي ما هي.
وقف عن الحديث وحرك عيناه في إتجاه آخر غيرها عندما شعر أن حرقة قلبه وقهرته تصعد إلى عيناه التي ملئتها الدموع.
- الطريقة الوحيدة اللي أقدر أعرف بيها إجابة الأسئلة دي هي الجواز منك.. وهتجوزك بردو سواء برضاكي ولا غصب عنك وهعمل اللي أنا عايزة ومش هيهمني حد.. ولا حتى أنتي.. كفاية عذاب بقى.
أقترب منها بوجهه وعاد بعينيه التي مازالت بُنية لم تتغير حتى بتغير حديثه القاسي.
- عارفه لو خيبتي ظني فيكي يا سلمى.. هقـ ـتلك، قولتهالك قبل كده والله لاقتـ ـلك يا سلمى، هعيش عمري كله من بعدك وحيد ومش هشوف واحدة تانية غيرك ولا عمري عيني هتبص لغيرك، هعيش ندمان ومقهور على فراقك، بس النار اللي جوايا ساعتها مش هيطفيها حاجه غير إني اقتـ ـلك واقتـ ـله.. أقـ ـتل اللي سرقك مني ولمسك وأنتي بتاعتي أنا وملكي أنا.
عادت دموع عيناه مرة أخرى ويراها تقف بعينين متسعة تنظر إليه خائفة من مجرد حديث يقوله.
- مش عارف وقتها هعملها إزاي، مش عارف إزاي ايدي وقلبي ممكن يطاوعوني واقتـ ـلك، حتى مش عارف عيني إزاي ممكن تشوفك بتروحي مني وتسكت بس بردو هعملها.. لو كنتي خونتيني يا سلمى اخرتك هتبقى على ايدي.. على ايد عامر.
أمسك ذراعيها الاثنين وضغط عليهما بقوة ساحقة.
- أنا بحبك يا سلمى، بحبك حب جنوني عمرك ما تتخيليه.. حاسس إن الحب اللي بينا ده هيكون سبب في مـ ـوت حد فينا.. أنتي عمرك ما شوفتيني غير وأنا بقول بحبك.. وأنا متعصب وأنا مبسوط وأنا مضايق.. لكن مشوفتينيش مرة واحدة وأنا بحبك فعلًا، أنا مجنون بيكي.. مهوس بسلمى القصاص ومش شايف غيرها في حياتي ومش هشوف.
رأت الجنون والهوس بعيناه حقًا، الدموع تظهر وتختفي منها، يأتي شخص ضعيف والآخر قاسي إلى ما لا نهاية، قلبها يدق بعنف وكلماته بعد أن علمت معناها جيدًا قرعت الطبول داخلها والخوف يزفها إلى بوابة النهاية بقلبها.
أهي الآن خائفة من “عامر”!.. وبكل تأكيد نعم خائفة، لقد أظهر لها الآن أشياء كثيرة تغاضت عنها في حياتها معه واعتبرتها غير موجودة أو تصنعت مع نفسها ذلك ولكنه الآن وبكل وضوح يعترف أنه مهوس بها وإن تكون له أو له.. أو للموت!
دقق بها “عامر” ورأى الخوف بعينيها، أنفاسها غير مُنتظمة وتنظر إليه باتساع وتمعن ودقات قلبها يكاد يستمع إليها.
- أنا بحبك وعايزك يا سلمى لآخر يوم في عمري ومستني الإثبات اللي بتمناه كل لحظة.. أنا عارف إنك بريئة وجوايا مقتنع بكده بس في حاجه مُصره تخليني أتأكد خايف يكونوا ضحكوا عليك.
احتــدت عيناه إلى اللون الآخر، الأسود الحالك وتغيرت نبرته كليًا لتصبح قاسية عنيفة غير مرغوبة بالمرة.
- ولو ضحكوا عليكي.. وديني هقتـ ـلك.
لم تستطع التحدث بعد كل ما قاله، لم تستطع أن تجمع أي كلمات لتتفوه بها بل لجم فمها وبقيت فقط تنظر إليه باستغراب كلي وخوف وذهول.
رأته يقترب منها منخفضًا بوجهه عليها إلى أن طبع شفتيه فوق خاصتها يقبلها بهدوء وتروي، ثم احتد قليلًا لتتجه قبلته إلى مُنحنى آخر وهو يقطف منها بنهم شديد حُرم منه لكثيرًا ومازالت تريد أن تحرمه أكثر.
فعل ما يحلو له وهي مُغمضة العينين ليست هنا، بل كانت في مكان ليس به غيرها وصوته الذي يتردد على أذنها بكل كلماته اللينة والقاسية.
عاد للخلف وعيناه تشع بالرغبة القاتلة تجاهها، ومازال يريد أكثر ولكن ليس الآن. نظرت إليه وهي مغيبة تمامًا عن أرض الواقع ثم أخذت خيباتها وكلماته بصوته الحاد والحنون معها وهي تخرج من الغرفة لتتجه إلى غرفتها تعيد مرة أخرى ما قاله على مسامعها. ربما أخطأت!
ولكن الحقيقة المُرة أنها لم تخطئ، لقد جعلها ترتعب خوفًا ورهبةً منه، نظراته! عينيه السوداء، التي تتحول متى شاءت، شفتيه الرفيعة التي تتحرك بحدة لتتناسب مع قسوته ونبرته العنيفة في الحديث. ذلك الخبيث الماكر الذي عرفته دومًا يتحول معها إلى أعنف رجل قابلته على الإطلاق، لقد أقسم أنه سيقوم بقتـ ـلها!؟ هي على دراية تامة أنه بعد ذلك الحديث وذلك القسم سيفعلها مهما كلفه الأمر وستكون نهايتها على يده. ستكون هي من قتـ ـلها حبهم كما قال منذ قليل.
❈-❈-❈
“قبل خمسة سنوات”
صف سيارته بعيدًا عن بوابة الجامعة ثم خرج منها بعد أن أخذ المفتاح منها. وقف على الأرضية في الخارج ثم أغلق بابها ووضع المفتاح بجيبه. نظر إلى البوابة بعينيه البُنية التي تتعمد الشمس عليها في لحظة حرارة عالية فرفع نظارته الشمسية إلى وجهه وقام بارتدائها.
وقف مُعتدلًا يظهر طوله الفارع وجسده الرياضي المُتناسق ثم سار إلى البوابة بخطوات ثابتة معروف بها هنا في المكان. حيث أنه يُعرف بأنه “عامر القصاص” البطل الخاص بـ “سلمى القصاص”.
سار إلى الداخل مُتجهًا إلى مكانها المعروف التي تنتظره به في كل مرة ليأخذها ويذهب بها إلى البعيد مُبتعدًا عن الجميع وخاصة والده.
وقف على بعد خطوات منها ينظر على المكان المتواجدة به بعد أن وقعت عينيه عليها. وقفت عينيه على الفتاة التي تجلس مقابلة لها على الطاولة يتسامرون في الحديث سويًا. وقف جامدًا وجسده تشنج ولم يتحرك. لعب ذلك الموقف على أعصابه كثيرًا.
خلع النظارة عن وجهه بيده اليمنى وأبقاها جوار جسده ينظر إليها بدقة مُتناهية ربما هو المخطئ ويرى ملامح تلك الفتاة في أخرى.
دقق النظر بها كثيرًا واتضح له أنها هي بالفعل. “إيناس”!. ابنة الملاهي الليلية صاحبة السُمعة السيئة والأفكار القـ ـذرة، التي تعرف عليها بمكان قـ ـذر لا يطيق أن تدلفه حبيبته أو شقيقته أو واحدة تابعه له، تلك التي يعرفها على حبيبته ويغازلها بعبارات وقحة خبيثة تتفهمها وتتقبلها جيدًا. ما الذي تفعله مع “سلمى”!
استدارت “سلمى” برأسها وهي تتحدث مع “إيناس” لتراه يقف بعيدًا قليلًا عنها ينظر إليها بدقة وعينيه كأنها مُثبتة تفكر في شيء ما ليس فقط ينظر إليها بل ذهنه شارد.
نطقت اسمه من بين شفتيها المُكتنزة وأعادت خصلات شعرها الذهبية إلى خلف أذنها ثم وقفت على قدميها تتقدم منه.
- عـامـر.
سارت إليه بابتسامة هادئة كما المُعتاد منها عندما يذهب إليها وبعينين بها حيوية وحب لا مثيل لهم.
بينما الأخرى نظرت إلى المكان الذي تنظر إليه سلمى واستمعت إلى الاسم المألوف بالنسبة إليها بدرجة كبيرة تغيرها وتداعب أنوثتها كلما استمعت إليه. وقعت عينيها عليه! إنه هو حقًا! إنه “عامر” ذلك الشاب الذي لا مثيل له صاحب السبعة وعشرون عامًا، ذلك الحيوي والخبيث، بنظراته الوقحة والماكرة، حديثه الخطر ونظراته التي تأتي بالنساء من الأعلى إلى الأسفل.
وقع على رأسها سؤال غريب بعد أن قامت بوصفه بكل ما تحبه به، كيف شخص مثله يعرف تلك “السلمى” البريئة وصاحبة الأخلاق العالية. فاشلة في دراستها ولكنها تتمتع باحترام لا مثيل له هنا.
تابعتهم بعينيها ورأتها وهي تقترب منه إلى الغاية حتى وقفت أمامه مُباشرة.
- أتأخرت عليا ليه كده.
رفع عينه إلى تلك الجالسة خلفها، ووقفت على عيونها هي الأخرى تقابله بنفس التساؤلات الغريبة المتواجدة في رأسه ثم مرة أخرى يعود إلى “سلمى” هاتفًا بجدية.
- الطريق زحمة.
أومأت إليه برأسها قائلة بابتسامة.
- هجيب شنطتي واجي.
ليُجيب عليها وأبعد عينه إلى الأخرى ثانيةً فنظرت إليه بعفوية مُعتقدة أنه يريد معرفة من هي كما كل مرة للاطمئنان عليها بمعرفة مع من تُكون صداقات.
أمسكت يده وسارت مُتجهة إلى الطاولة المتواجدة عليها “إيناس” وهو يسير خلفها وعلى وجهها ابتسامة بلهاء.
- دي إيناس أول مرة تشوفها معايا علشان جايه الكلية جديد.
وقفت “إيناس” على قدميها وعلمت كيف تخفي تعابير وجهها وتابعت مع الأخرى مُبتسمة وقدمت يدها إليه.
- أهلًا وسهلًا.
قدم يده إليها يتبادل معها التحية أمام “سلمى” فقط، حيث أن واحدة مثل “إيناس” بالنسبة إليها ليس لها قيمة من الأساس.
أقتربت منه “سلمى” واحتضنت ذراعه بذراعيها الاثنين قائلة بسعادة وحب.
- ده عامر ابن عمي وجوزي المستقبل.
رفعت رأسها كي تنظر إليه بمرح وأكملت.
- ده لو مغيرتش رأيي يعني.
كان متوترًا وليس خائفًا، لا يريد من تلك الأخرى أن تقول لحبيبته ما الذي يفعله من خلفها، لا يريد من الأساس أن يقول أنها تعرفه، ولكن عقله الخبيث يستطيع أن يقوم بحلها.
ابتسم إلى “سلمى” ورفع يده المُمسكة بها ليتبادلوا الأدوار وحاوطها بذراعه مقربها منه أمامها، ثم نظر إليها قائلًا بخبث ومكر.
- أنا شوفتك قبل كده في نايت.
ابتسمت بسماجة وقد توصل إليها أنه لا يريد لها أن تعلم بما بينهما.
- أيوه وأنا كمان شوفتك فعلًا.
أومأ إليها وقد فعلت ما يريد، الباقي دوره هو، عليه أن يقنع ابنة عمه بالابتعاد عنها لأنها لا تناسبها أبدًا فهي فتاة صاخبة ليست مثل الأخرى بل تعاكسها تمامًا وأخلاقها تالفة.
أخفض وجهه إلى “سلمى” قائلًا بابتسامة وصوت جاد حنون.
- يلا يا حبيبتي.
أومأت إليه وأمسكت حقيبتها ثم نظرت إلى “إيناس” مودعة إياها.
- باي إيناس.
أشارت لها الأخرى دون حديث، أخذها وذهب من أمامها فجلست هي مرة أخرى على المقعد تنظر إليهم وهم ذاهبين، ورأته وهو ينظر إليها بجانب عينه واعتقدت أنه في تلك النظرة يحذرها من البوح بأي شيء.
الوسيم الذي لا مثيل له والذي أعجبها بشدة، صاحب العنفوان المعروف في أي ملهى ليلي يذهب إليه وصديق الطاولة التي يهبط عليها كل المشروبات المحرمة على علاقة مع فتاة لا تستطيع أن تفعل أي شيء سوى أن تتحدث بصدق! شتان بينهما هما الاثنين. كيف “عامر” ذلك بخبثه وجبروته، حضرته ومكره، شغفه ونظراته يحب تلك الفتاة ويريد الزواج منها! إنها جميلة، لأ خلاف على ذلك ولكن الجمال ليس كل شيء، أنه يريد فتاة مثله صاخبة، مفعمة بالحيوية والنشاط، فتاة تفكر بنفس طريقته تبادله كل الجنون الذي يريده ويعيشه. إنه يريد فتاة تكون مثله تشرب الخـ ـمر وتحب السهر للصباح في الملاهي الليلة، يريد لا ترفض شيء وليس لديها مبادئ كي يتبادل معاها كل ما يحب. فتاة تكون بعيدة كامل البعد عن شخصية “سلمى” البريئة المنغلقة تمامًا عن أي شيء آخر سوى الطيبة والصدق، أنها لا تعلم سوى الاحترام والحديث المنمق، ما هذه العلاقة الساخرة. أم أنه يحب أن يكون المُسيطر! تستطيع أن تفعل ذلك أيضًا.
كان في الطريق للعودة إلى المنزل بعد أن وقف عقله إلى هنا، إلى أن علم بعلاقتها مع تلك الفتاة الحقـ ـيرة التي لا يتمناها شقيقة أو زوجة لألد أعداءه.
استدار برأسه ينظر إليها بعينين حادة كي يستطيع رسم الدور جيدًا عليها.
- تعرفي البت دي من امتى يا سلمى.
عاد برأسه إلى الطريق مرة أخرى وشعر بأنها استدارت تنظر إليه ثم استمع إلى نبرتها الجدية.
- من أسبوعين كده.. ليه السؤال.
قال بحدة ونبرته لا تحتمل النقاش.
- تبعدي عنها.
سألته باستغراب مضيقة ما بين حاجبيها وعينيها الزيتونية تتابعه.
- ليه؟
عقب على حديثها يُجيب بجدية شديدة وتأكيد ملحوظ وكأن حديثه صدق بالفعل، ونظر إليها في منتصف الحديث وعاد إلى الطريق مرة أخرى.
- دي صايعة ووسخـ* يا سلمى، بشوفها في أي نايت بروحه وبتقعد مع رجالة وبترقص بطريقة زبالة وبتشرب كمان.. ابعدي عنها أنتي من امتى بتعرفي ناس كدا.
استغربت كثيرًا من حديثه فردت بذهول.
- أنت متأكد؟
لم يُجيب عليها بل وجدته ينحرف بالسيارة إلى جانب الطريق ثم وقف، استدار بجسده ينظر إليها بعمق قائلًا.
- أكيد سمعتيني وأنا بقولها شوفتك وهي كمان قالت أيوه.. ابعدي عنها أنا مش هقول الكلام ده تاني.
قالت بنبرة مُنزعجة وهي تنظر إليه بحزن.
- مكنتش أعرف أنها كده بجد.
تابعه بعينيه الخبيثة الوقحة وقال.
- واديكي عرفتي يبقى تبعدي عنها ودي أول وآخر مرة اشوفك معاها.. سامعة!
أومأت إليه برأسها ثم استدارت تنظر إلى الأمام مرة أخرى، زفر بهدوء وقد انزاح عن قلبه حمل كبير كان لا يدري كيف التخلص منه، بقيٰ فقط تلك الحقـ ـيرة التي أقتربت من ابنة عمه حتى وإن كان بالخطأ. هذه ستكون آخر مرة، عليه أن يبتعد عن الجميع فما حدث لم يكن متوقع أبدًا ومن الممكن أن تحدث مُجددًا. تتقابل مع أخرى يعرفها فترسم النهاية بيدها وهو يعرفها جيدًا.
❈-❈-❈
دلف إلى غرفة شقيقته بعد أن دق الباب وأذنت له بالدخول، وقف أمامها ينظر إليها بعد أن دلف إلى الغرفة وأغلق الباب من خلفه.
يعلم أنها بعيدة عنه منذ وفاة زوجها “ياسين” ويعلم أنها تعتقد أيضًا أنه هو السبب في موته هو وعائلته كما كانت تعتقد حبيبته ذلك، الغريب أنه لم يحاول سابقًا في تبرير ذلك الأمر إليها وتركها تبتعد كما تريد. بل ترك الجميع يبتعد عنه وأصبح في العامين السابقين وحيد تمامًا مجردًا من البشر سوى نفسه.
ولكن بعد أن علم بما فعله “ياسين” وحقيقة زواجه من غيرها شعر أنه يريد القرب منها، رأى الصدمة على معالمها وشعر بأن الحزن تملكها، بالأخص بعد عدم ذهابها إلى عملها. قرر بعد ذلك أن يتحدث إليها. يحاول أن يعود إليهم واحدًا تلو الآخر ربما تكتمل حياته على هذا النحو ولا تطعنه ابنة عمه في ظهره.
ذهب وجلس أمامها على الفراش ببطء وتروي لأجل جرح بطنه، نظر إليها بهدوء ثم تحدث قائلًا دون مقدمات.
- أنا عارف إنك مستغربه دخولي عندك وحتى كلامي معاكي، وعارف كمان إنك مفكرة موت ياسين كان بسببي.. اللي مش عارفه هو أنا ليه سكت كل الفترة دي بس يمكن علشان مكنتش قادر أقرب من حد بعد اللي حصل.. أنا جاي علشان ارجعك تاني ليا أو أرجع أنا ليكي وأقولك إني ماليش دعوة باللي حصل لـ “ياسين” وعمي ومراته كل ده قضاء وقدر.
تابعته وهو يتحدث، رأت الصدق بملامحه وحديثه، نبرته لمست داخلها وشعر به قلبها، حركت شفتيها قائلة ببساطة توضح الواقع الذي كانوا به حينها.
- سمعت بابا وهو بيتهمك إنك أنت اللي قتلتهم.. وكلامه كان صح ومظبوط أنت هددت قبل ما تمشي وقت الحادثة إنك مش هتسكت وسلمى مش هتسافر.. كنت هتعمل ايه؟ أهي سلمى مسافرتش.
تابع عيناها وقد تفهم حديثها والذي تُشير إليه، مازالت تصدق ذلك أو تريد تبرير، أردف قائلًا بخذلان وعتاب.
- أبوكي وأتوقع منه كل حاجه وأي إتهام يقوله ليا، لكن أنتي شوفتي مني ايه وحش علشان تقولي كده أو تصدقي كلامه.
نظرت إلى الفراش وأبتعدت بعينيها عنه، إنه محق! أجابته قائلة بصدق ثم أكملت.
- مشوفتش.. غير إنك متهور.
كرمش ملامح وجهه وضغط على نبرته لتظهر أكثر وضوح يؤكد على كل كلمة ينطق بها ويبرأ نفسه مما أُنسب إليه.
- مش لدرجة إني أقتل حبيبتي ومعاها أبويا وأخويا اللي هو جوزك وأمه.. مش للدرجة دي.. بس أنا مش هعتب عليكي أنا عارف إن اللي مريتي بيه صعب زيي بالظبط.
رفعت وجهها إليه وسألته فجأة دون مقدمات.
- أنت بتحب سلمى يا عامر؟
سألها هو الآخر باستغراب.
- مش عارفه إجابة السؤال ده؟
أجابته بتشتت واضح تُشير بيدها أثناء حديثها.
- محتارة فيه! شوية ألاقيك بتحبها بجنون وشوية ألاقيك أقسى واحد عليها وشوية ألاقيك أحن واحد عليها وشوية تانية ألاقيك شمتان فيه.
نظر إلى الأمام بعيد عنها وتابع على حديثها وهو يقدر أنها لا تستطيع فهم ما بينهم إن كان حب أو غيره.
- اللي بيني وبين سلمى محدش يقدر يفهمه غيرنا.. مهما حصل.
عاد إليها مرة أخرى وأكمل بجدية وصدق معترف بكل ما قاله بينه وبين نفسه.
- متزعليش منها يا هدى إنها خبت عليكي، هي كمان عندها حق ياسين عمره ما كان زيي وطول عمره بيحاول يحافظ عليكي وعلى زعلك.
تنهدت قائلة بحيرة من أمرها.
- المشكلة إني عارفه كده.. بقول مش هسامحه وأفتكر إن كل اللي عمله معايا كان كويس برجع تاني أحن ليه وادعيله.
أومأ إليها مُكملًا على حديثها يشجعها عليه ثم تحولت نبرته إلى الندم.
- بالظبط يا هدى.. ادعيله.. ادعيله وبصي لحياتك بقى كفاية واحد فينا عمره ضاع.
نفت ما قاله وأردفت تنظر إليه بحسرة حاولت أن تُخفيها.
- أنت لسه شباب وهي هتحي شبابك أكتر وأكتر.
تنهد بعمق وزفر يقول بنبرة راجية.
- اتمنى يا هدى.. اتمنى.
تابعها ونظر إلى عينيها مباشرة وهتف بندم وحب ظهر بنبرته تجاه شقيقته الوحيدة والمتبقيه إليه.
- أنا آسف على بعدي عنك.. وآسف على فكرتك الوحشة عني، أنا بحبك يا هدى ونفسي أشوفك أحسن واحدة في الدنيا.
أقتربت منه سريعًا بعد استماعها إلى كلماته وكأنها كانت تريد فقط البداية وهي تكمل الطريق، عانقته بقوة وقالت بحنين وألم.
- أنا كمان بحبك يا عامر، بحبك وماليش غيرك.. كل ما أحط نفسي مكان سلمى واتخيل إنك أنت اللي مش موجود ببقى هتجنن.. أنا مقدرش أعيش من غيرك رغم كل حاجه بتحصل بينا.
بادلها العناق مثلها بقوة وحاوطها بذراعيه ينعم بذلك بعد الحرمان منه وهو يستمع إلى نبرتها النادمه.
- أنا آسفة إني فكرت فيك بالشكل ده.. أنا عارفه قد ايه قلبك طيب وحنين.. بس عصبي ومتهور.
ابتعدت للخلف فتابع وسألها.
- هتتجوزي تامر؟
قالت بهدوء وهي إلى الآن لا تعرف الإجابة الحقيقية على سؤاله.
- عايزة اديله فرصة.
قال بجدية يقدم إليها نصيحة الأخ بعد أن حرمها منها.
- التفكير الصح يا هدى حاولي تعيشي وتفرحي وتنبسطي وانسي ياسين.. ياسين في مكان أحسن من هنا مليون مرة.
أومأت إليه توافق على حديثه ونظرت إليه مطولًا ثم ابتسمت بسعادة بوجهه فبادلها هو الآخر وعاد يحتضن إياها مرة أخرى فرحين هم الاثنين بما آتاهم، فرحين بتلك العودة الرائعة بعد انقطاع دام عامين وأكثر.
❈-❈-❈
بعد أن تخطت الساعة الثانية عشرة ليلًا في ليالي الربيع والجميع نائم، كانت معه في الحديقة الخلفية للفيلا بعيدًا عن الجميع، بعد كثير من المناوشات التي حدثت بينهم اليوم، تجلس على الأرضية العشبية الخضراء تمدد قدميها عليها براحة وهو كان نائم على الأرضية يضع رأسه على قدميها نائمًا على ظهره وينظر إليها بعينين يملؤها الحب المجنون.
حركت يدها على رأسه وأردفت بعقلانية وهي تنظر إليه بعينيها تتابع ملامحه بهدوء.
- مش كل يوم والتاني تتخانق معاه يا عامر حاول تطول بالك شوية.
زفر بضيق لأنه يراها تقف دائمًا مع عمها اعتقادًا منه أنها تتبادل معه الأدوار لأنه دومًا يقف معها.
- بقولك هو اللي اتخانق معايا وطردني قدام الموظفين تقوليلي طول بالك ومتتخانقش.
أدرفت بعدم اقتناع لحديثه الذي قاله لها.
- مهو أصل كلامك مش مقنع بصراحة.
جلس فجأة وأبتعد عنها يقابلها ناظرًا إليها بحدة ثم قال بنبرة ساخرة.
- ما تقولي لنفسك يا سلمى.. ايه السبب في الخناقة دي مافيش أصلًا، كل ده علشان نسيت الملف في البيت وفي اجتماع مع مجلس إدارة الشركة طب ما كان يتأجل نص ساعة على ما أرجع أخد الملف لكن إزاي أنا مُستهتر ومش مركز في الشغل ومش في دماغي حاجه والإسطوانة بتاعت كل مرة قدام الموظفين اللي المفروض كلهم شغالين عندي.
رتبتت على ذراعه وهي تعلم المعاناة التي يعيشها مع والده، تعلم كيف تألم لبعده عنه، كيف يقضي لياليه بعد كل مناوشة تحدث بينهم، هي الوحيدة التي يقص عليها ما يشعر به وما يدق داخل قلبه من حب وحنين. ألم وقسوة.
- معلش، أنت عارف إن عمي راجل كبير و….
قاطع حديثها بعنف وعينيه تقص عليها كم أنه قاسي القلب عليه قبل أن يتحدث حتى.
- لأ مش كبير، مش كبير ولسه مخرفش وحتى لو كبر هو كده من زمان وأنتي عارفه متحاوليش تبرري ليه أي حاجه.. وبعدين مبقاش يفرق معايا.
عقبت بصدق محاولة التخفيف عنه وأيضًا إيضاح الصورة له.
- متنساش إن ده حصل بسببك يا عامر، هو بردو حاول معاك كتير وبعد اللي عملته اتقفل منك وبقى كده.
وقف على قدميه وأبتعد عنها خطوة والأخرى ومن بعدها استدار يشيح بيده بهمجية صائحًا.
- كنت أول واحد يغلط أنا؟ ايه مافيش حد غلط في البشرية دي كلها غيري أنا؟ وبعدين أنتي ليه شايفه الجنب الحلو فيه هو، ما هو عالج غلطي بطريقة غلط أكتر مني.. بدل ما يبعدني عن اللي أنا فيه كان بيطردني بيخليني أروح ليه برجليا.
وقفت على قدميها مثله وتقدمت منه تقف أمامه قائلة بهدوء محاولة امتصاص غضبه.
- طيب ممكن تنسى كل اللي فات.. إحنا ممكن نبدأ من جديد وهو لو لقاك متغير معاه هو كمان هيتغير، محتاج بس البداية.
قال بتكبر وغرور.
- وليه متكونش البداية من عنده.
أجابته بتأكيد وثقة تنظر إليه برجاء مطالبة بالاستماع إليها.
- علشان ده واجبك أنت.. أنت ابنه وهو اللي أبوك.
نظر إلى وجهها، براءتها وحنيتها على الجميع، اشبع عيناه من ملامحها وابتسم بسخرية قائلًا.
- فكرك بقى أنا مش عارف اللي بتقولي عليه ابويا ده اتخانق مع أبوكي من يومين ليه!
اخفضت وجهها بالأرضية، كانت تعلم أن الخبر سيصل إليه، على الرغم من ذلك لم تستطع أن تقول إليه، فهذا لن يفعل أي شيء سوى أن يكبر الفجوة بينهم ويجعل قلوبهم تزداد قساوة على بعضها البعض، بالأخص قلب “عامر”.
أقترب منها خطوة ليكن أمامها تمامًا، رفع يده إلى ذقنها أمسك به رافعًا وجهها إليه ليجعلها تنظر إليه مرة أخرى كمان كانت، أتت عينيه بعينيها الزيتونية للحظة كانت تعبر بها عن كم العشق المجنون داخله لأجلها.
نطقت شفتيه الرفيعة بكلمات قاسية على قلبه، بنبرة خافتة خائفة وعيناه تتابع كل ما يصدر عن ملامحها.
- اتخانق مع أبوكي علشانا.. علشاني أنا وأنتي، مش عايزنا لبعض يا سلمى، بيدور على أكتر حاجه ممكن تكسرني وعايز يعملها، عايز يبعدني عني.
رأت الدموع تتجمع بعينيه، شعرت أن شفتيه تود البوح بأكثر من ذلك عن طريق الصراخ، ووالله شعرت أن قلبه مُحطم من أفعال والده.
رفعت يدها الاثنين على جانبي وجهه تحركها بحنية ورقة وابتسمت ابتسامة بلهاء وهي تُجيبه.
- ده عمره ما يحصل، بابا بيحبك وعارف إنك بتحبني ولو هو حتى سمع كلامه مع إن ده من رابع المستحيلات أنا عمري ما أسمع الكلام ده وأنت عارف كده كويس.
خرجت دمعة من طرف عينه اليمنى والأخرى تهدد بالفرار كمثل شقيقتها وأردف مُتسائلًا بصوت حزين يقطع نياط القلب.
- طب قوليلي ليه بيعمل كده؟ سلمى هو اللي خلاني وحش معاه، هو اللي خلاني بقف ابجح فيه مافيش أب بيعمل كده يا سلمى.. الابن لو غلط أبوه يصلح غلطه ويفضل وراه لآخر يوم في عمره.
أكمل بعد أن خرجت الدموع واحدة خلف الأخرى وهي تومأ برأسها إليه وتمسحها بإبهام يديها.
- أنا غلطت آه هو حاول يصلح مرة واتنين والتالته كانت الأخيرة.. ليه عايز ياخدك مني طيب!.. أنا بحبك.. أنا ماليش غيرك في الدنيا دي.. محدش قريب مني ولا يعرف عني حاجه غيرك أنتي وعمي اللي هو أبوكي.. أبوكي اللي أخد دور أبوي.
مسحت دموعه بيدها أكثر من مرة وانتقلت إليها عدوى الحزن وأصبح صوتها خافت مقهور لأجل ما يشعر به.
- ممكن كفاية بقى بلاش نكد.. دا أنت نكدي أوي ياخي ما أنا معاك أهو، أنت عايزني أعيط.
وضع يده اليمنى على وجنتها يحرك إبهامه عليها بشغف ورقه بالغة، ثم أخذ كفها الموضوع على وجنته هو وقربه من فمه يطبع عليه قبلة ساحرة رقيقة من شفتيه وقال بصوت رجولي أجش.
- أنا مقدرش أشوف دمعة واحدة منك.. أنتي اتخلقتي للحب والسعادة بس يا سلمى.
ابتسمت إليه فابتسم بوجهها هو الآخر وجذبها بيده المُمسكة بوجهها إليه لتقترب منه بهدوء ورقه والشغف يقتل كلاهما، أقترب يضع قُبلة شغوفه على شفتيها الوردية المُكتنزة التي تقتله بالاغراء كلما نظر إليها.
وضع يده خلف رأسها يقربها بجنون ولهفة منه والأخرى على خصرها في الخفاء، بادلته العناق وتركته يقبلها كما يشاء في لحظة ضعف منه لم ترد أن تمنع عنه ما يريد.
وهو لم يبخل على نفسه في شيء بل فعل بشفتيها كل ما يريد وهو مغمض العينين يماثلها يحاول أن ينعم بالشعور المُسكر لكل عضو به، متذكرًا في خياله جسدها الممشوق ومعالمها الأنثوية التي تتمتع بها هي وتفتك به هو كلما رآها واشتهى قربها. يفكر بشيء، والأخرى تفكر بقهرة قلبه وكسرته من والده، تفكر في ضعفه معها وحبه لها، انشغل عقلها برسم لوحة فنية جميلة في أثناء تقبيله لها، مكونه من الحب والشغف المجنون بينهم وفي الخلفية ضعف وحزن لا ينتهي.
مرآة الحب كما لقبها البعض كفيفة، لا نرى فيها إلا من نحب دون عيوب ودون أخطاء لأجل ذلك لم ترى أن حبه المجنون والمهوس بها يعادل شهوته تجاهها، ولم يأتي على خلدها لحظة المقارنة بين حبها الخالص له وحبه المجنون بها.
رواية بين دروب قسوته الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا حسن
هواء بارد يمر عليه ينعش قلبه وجلسته، بينما كان يتذكر ما مر عليه معها في هذا المكان بالتحديد.
كان عامر يجلس في الحديقة الخلفية للفيلا في نفس المكان الذي كان يجلس به معها. يتذكر ما مر عليهم هنا في كثير من المرات، وأكثرها كانت مليئة بالحب والشغف والعطاء، منها ومنه.
فرد قدميه على الأرضية وهو ينظر إلى السماء اللامعة نجومها كنجمته البهية التي يحاول استرادها. ضيق عينيه، يرفع يده للمرة التي لا يعرف عددها إلى فمه بسيجارة، غير الأخرى والأخرى يستنشقها بشرود. فقد كان عقله مازال معها.
ابتسم بسماجة وهو يتذكر ذلك اليوم الذي أغلق باب غرفتها وأخذ المفتاح ولم يجعل أحد يفتحه إليها بسبب أنها خسرت رهان معه. كانت جلسته هذه عبارة عن ذكريات لا حصر لها مع معشوقة قلبه التي دمرت كل شيء، التي جعلت الفراق يدق بابهم قبل أوانه وابتعدت عنه، جاعلة قلبه يشعر بالنيران بداخله. فراقها له كان بمثابة بركان على وشك أن يثور وينتظر اللحظة المناسبة لفعلها، وكانت هذه اللحظة تركها له. فراقها وابتعادها عنه.
يتحدث الآن مع نفسه بكل وضوح وصراحة. في تلك السنوات التي تركته بها كان يعاني. لقد كانت أشد قسوة منه. يقسم أنه في أكثر الليالي لم يكن يستطيع النوم إلا عندما يأخذ أقراص مهدئة تساعده على النوم. كان يتجه إلى الخمر لينسى كل ما حدث، لينسى أنه أصبح وحيد من بعدها.
لقد كانت كل شيء له. والدته لم تكن قريبة منه ولا شقيقته، ووالده الجميع يعرف ما دوره بحياته. كانت هي الأم والأخت الحبيبة والصديقة وكل ما كان يتمناه. لم يكن يفرغ محتويات قلبه إلا لسواها. لم يكن يبكي بعد كل قسوة يتلقاها من والده إلا داخل أحضانها، ولم يكن يستقبل أي حنان من امرأة سواها.
ووالدها، عمه أحمد القصاص، والده الأول من تبنى حزنه وعنفه، تبنى ضعفه وقهرة، وأخذ منه كل الأشواك ليحاول تحويلها إلى ورود مزدهرة في محاولة بائسة من والده أن يبعده عنه معتقدًا أنه دون إحساس أو مشاعر فقط لأنه يقوم بالرد على حديثه المستفز الذي يحطم قلبه ويجعله ممزقًا كقطعة قماش مهترئة مزقها صاحبها.
سُلب منه عمه وأُتُهم فيه، وهو أول المضرورين بغيابه. ذهبت هي من بعده بموافقة كاملة منها ووجهت كل الاتهامات بإصبعها له وكأنها لم تعرفه يومًا، وكأنها لم تر منه إلا القسوة والعنف. تناست طيبة قلبه التي كانت تتحدث عنها دومًا، ومحت من ذاكرتها تلك الحنية والرقة الذي يستخدمها فقط لأجلها. تناست كل شيء ولم تتذكر سوى أنه خائن قاتل، خان العهد معها ونظر لغيرها بعينه وقلبه ويده، وقتل جميع عائلتها وجردها من الحب والسعادة وترك معها كامل الحزن منذ البداية إلى أن أصبحت وحيدة.
سعل بصوتٍ مرتفع مرة واحدة بعد أن كانت رئتيه قد نالت قدر كبير من الهواء الملوث وتلك السجائر التي تدمر الصحة. وضع يده على جرح بطنه الذي اشتد عليه كثيرًا، جاعلة يكرمش ملامح وجهه من الألم وهو يسعل بقوة.
تنفس بهدوء وحاول أن يضبط أنفاسه ثم وقف على قدميه وحركاته بطيئة بسبب جرحه الذي عاد يؤلمه مرة أخرى. ألقى السيجارة من يده ودعسها بقدمه بقوة ثم سار مبتعدًا من هنا عائدًا إلى الفيلا ليأخذ أدويته ويحضر داخله ماذا سيفعل معها ومتى سيكون موعد الزفاف المنتظر لكلاهما، والذي سيجعله قريبًا جدًا حتى ينالها ويقتل الحرمان بداخله.
❈-❈-❈
اجتمع معهم رؤوف بعد تناول العشاء في صالة الفيلا الكبيرة. كان عامر لم يذهب إلى الشركة كالعادة ليأخذ أكبر قدر من الراحة كي يأتي بموعد قريب لزفافه على ابنة عمه. مدد قدمه على الأريكة وجلس معاكس لهم محاولًا أن يبقى على وضع مريح بعد أن اشتد جرحه منذ الأمس. جلسوا ناظرين إليه منتظرين الحديث الذي يريد قوله لهم جميعًا.
حمحم بوقار وهدوء ثم نظر إليهم واحدًا تلو الآخر في لحظات خلف الأخرى وهتف بجدية قائلًا:
- بخصوص موضوع غادة.. اللي قالت إنها مرات ياسين.
ترقبته هدى ابنته، وودت لو قال أنها كاذبة على الرغم من أنها في جلستها الصافية الأخيرة مع ابنة عمها تأكدت أنها على حق. دق قلبها بعنف في الانتظار القاتل لاستماع بقية حديثه.
وضع وجهه في الأرضية ثم رفعها إليهم يكمل حديثه:
- طلعت على حق.. كانت متجوزة ياسين وزي ما قالت بالظبط هو ده اللي حصل مكدبتش في حاجة.
استرسل في حديثه عندما وجدهم صامتين ينظرون إليه:
- أنا كلمتها النهاردة علشان نخلص كل الإجراءات وتاخد حقها في ياسين الله يرحمه بس..
تساءل عامر مضيقًا حاجبيه ينظر إليه باستغراب:
- بس إيه؟
أبصره والده بهدوء رافعًا رأسه إليه ثم أردف بتردد:
- عايزة تاخد حقها في أي فلوس أو أملاك لياسين وتفضل بأسهم في الشركة وتيجي تشتغل فيها.
في صوت واحد خرج من بين شفتي هدى وسلمى رافضين رفضًا قاطعًا لهذا الحديث:
- لأ.
أكملت سلمى وهي تنظر إلى عامر بتوتر:
- لأ يا عمي.. لأ متوافقش على كده لو عايزة فلوس تاخد حقها وزيادة لكن تفضل قصادنا كده وفي مكاننا لأ.
أعقبت هدى مؤكدة حديثها:
- بالظبط يا بابا.. تاخد اللي هي عايزاه وتمشي وإلا تروح بقى ترفع علينا قضية والمحاكم حبالها طويلة ده لو طالت حاجة يعني.
نظر عامر إلى سلمى بزاوية عينيه البنية يستغرب لهفتها الغريبة ورفضها الأغرب بكل هذه السرعة وهذا التردد والضيق! هل هناك شيء تخفيه؟
رأته ينظر إليها بنصف عينه وعمها يتابع الحديث. لم تعطيه اهتمام ونظرت إلى البعيد معتقدة أنه يدلف على عقله هذه الحركات. لقد رأت نظرة غادة إلى عامر عندما كانت هنا وفي المرة الأولى لرؤيتها لها عندما كانت في الجمعية الخاصة بها. في ذلك الوقت كان عامر ذاهب إليها وهي خارجة من بوابة الجمعية، فوقفت تطلع عليها من نافذة مكتبها وهو يهبط من سيارته. رأت الأخرى وهي تقف تلتف برأسها تتابعه وهو يهبط ثم يسير ليدلف إلى الداخل ولم تدير وجهها إلا عندما اختفى عن نظرها وفي تلك اللحظة ضحكت بخبثٍ استغربته. ثم أعادت نظراتها إليه في المرة الأخرى في المنزل هنا ولكنها كانت أكثر هدوءًا ووقارًا لأن الجميع ينظر إليها، ولكن سلمى لم تغفل عنها وعن أفعالها. لو لم تكن كانت زوجة أخيها الراحل لما تركتها تتقدم وتدلف الفيلا من الأساس. لا ينقصهم شيء إلا أن تقول أنها تريد العيش هنا. تنفست بصوت مسموع متحدثة مع نفسها بأمل عن كون متى سينتهي كل ذلك العذاب.
أنهى عمها حديثه وهو يردف بجدية مؤكدًا على حديثه:
- خلاص كده أنا هكلم المحامي وهو هيجهز كل حاجة ويديها حقه.
رفع وجهه إلى سلمى وقال:
- بالمناسبة، أنا هوزع كل حاجة وأنتي يا سلمى هتاخدي حقك في أبوكي وياسين.
تساءلت باستغراب تنظر إليه بعينين متسعتين أكثر من طبيعتها:
- ليه يا عمي؟
تابعه عامر الذي تفاجأ من حديثه:
- كده يا بنتي كل واحد بقى ياخد حقه محدش يعرف إيه اللي ممكن يحصل بكرة. كل ممتلكات أبوكي هتتنقل ليكي واللي ليه في الشركة أنتي طبعًا متفهميش في الكلام ده لو حبيتي اعملي توكيل لعامر وهو يسويلك أمورك فيها.
قالت سلمى بهدوء:
- ليه متسيبش كل حاجة زي ما هي؟
أجابها بعينين حزينتين خائفًا من المستقبل القادم على أبنائه وهي:
- أنتي عارفة إن أنا وأبوكي كنا واحد في الأملاك والفلوس وكل حاجة. أنا مضمنش هعيش لامتى ومش عارف من بعدي هتاخدي حقك ولا لأ، يبقى تاخديه دلوقتي.
اعتـدل عامر في جلسته وقد اغتاظ من حديثه الفظ البشع الذي يلمح لأنه سيأكل حقها:
- قصدك إيه؟
أجابه بجدية شديدة مثبتًا عينه عليه:
- مقصدش حاجة أنا كل اللي عايز أضمن حق سلمى.
صاح عصبية ظاهرة:
- وهو أنا اللي هاكله؟
أردف والده ومازال صوته جاد هادئ:
- وهو أنا جبت سيرتك.
تابع نظرات عيني ابنه له، التي كانت تشتعل بالغضب لأنه لمح لكونه لن يعطيها حقها، وقد كان يريد أن يقول هذا الحديث في حضوره ليستفزه فيفعل معها العكس كما كان يفعل دائمًا معه. يتمنى أن تكون هذه العادة لم تتغير بعد.
وقف على قدميه وقال بصوت غاضب:
- أنا طالع.. الواحد بيسمع كلام سم.
ثم ذهب خارجًا يصعد على درج الفيلا ذاهبًا إلى غرفته بعد أن مس حديث والده رجولته. يعتقد أنه سيأخذ منها مالها ويحلله له! إنه لو كان مجردًا حتى من ملابسه لن ينظر يومًا ما إلى مال يخصها.
ذلك الرجل سيجعله يذهب إلى الجنون قريبًا. في الفترة الأخيرة كان قد اعتاد على تغيره الذي أصبح أفضل بكثير من السابق. هل عاد مرة أخرى إلى ما كان عليه سابقًا؟ يبدو أنه كبر في العمر وأصبح يأتي على عقله تخاريف كما كان يقول لابنة عمه. الآن هو هكذا حقًا.
ابتسم وهو يدلف إلى غرفته بسخرية شديدة متذكرًا عندما كانت تعلل أفعاله بأنه قد كبر بالعمر. الآن يستطيع حقًا أن يقول أنه كبر وكبر وكبر. يا له من رجل لا يُفهم.
❈-❈-❈
بعد أن تأكد عامر من أن الجميع صعدوا إلى غرفهم وهي من ضمنهم، توجه إلى غرفتها لكي يتحدث معها بعد أن نظم كل شيء داخل رأسه. ولأول مرة بحياته يفعلها معها ودق باب الغرفة قبل الدخول. يبدو أن كل شيء تغير بينهم حتى أبسط الأمور العفوية.
سمحت للطارق بالدخول فدلف إليها وأغلق الباب من خلفه. وقفت على قدميها وابتعدت عن المقعد تقترب منه تاركة الحاسوب مفتوحًا على الطاولة. وقفت بالقرب منه متسائلة:
- في حاجة؟
تابع نظرات عينيها الزيتونية وأجابها بهدوء قائلًا:
- أسبوعين بالظبط يا سلمى. يوم حداشر في الشهر الجاي هيبقى فرحنا. تلحقي تعملي كل اللي أنتي عايزاه وهجيب مهندس هو اللي يفرش الجناح وقتها.
تساءلت مرة أخرى بعد أن خفق قلبها وبقوة، شاعرة أنه يود الصراخ عليه، ولكنها تحكمت بنفسها جيدًا:
- أنت خلاص قررت؟
بتلك العينين البنية وبصوته الرخيم أجابها:
- أيوه وده آخر كلام يا سلمى ومش هيتغير.
رفعت يدها إليه وكرمشت ملامح وجهها التي دلت على الرجاء مع حديثها ذي النبرة البريئة:
- عامر أرجوك اسمعلي مرة واحدة.
أعقب على جملتها التي بالنسبة إليها عفوية للغاية، لكن داخله تساءل أهو استمع إلى أحد غيرها طوال حياته؟
- دي مش مرة، أنا طول عمري بسمعلك.
رجته مرة أخرى والخوف داخلها يزداد من ناحية ذلك الحقير هشام. عقلها يقول لها أن تقص عليه كل ما حدث وقلبها يرفض ذلك بضراوة وقسوة خوفًا عليه مما يحدث، فمازال جرحه يذكرها بما يستطيع فعله.
- المرة دي بس.
ضيق عينيه عليها بوضوح وأردف بشكٍ لم يخفيه عن عينيها بل إذاعه إليها:
- ليه عايزة تأجلي الفرح يا سلمى إلا لو علشان اللي في دماغك؟
نفت ذلك بقوة وهي تتقدم منه قائلة بصوت مليء بالحيوية والطاقة الآن كي تستطيع أن تدافع عن نفسها أمامه:
- لأ والله لأ.. أنا عايزة أجل دلوقتي بس شهر واحد حتى.
بمنتهى البرود أجابها:
- يبقى مفرقتش شهر من أسبوعين.
رجته ثانيةً بعينين بريئة وشفتيها ترتعش:
- علشان خاطري.
وقف شامخًا ولم يهتز لأجل الدموع المتكونة بعينيها والتي رآها بوضوح، ولم يهتز لأجل نبرتها المترددة المرتعشة، بل قال بحدة وقسوة:
- مش هأجل.. الفرح يوم حداشر يا سلمى وأنا هتعامل على الأساس ده من دلوقتي حالًا.
أكمل ناظرًا إليها بعمق محاولًا أن يتوصل إلى سبب رفضها الزواج منه في هذا الوقت:
- ياريت أنتي كمان تعملي زيي علشان متتعبيش.
عادت للخلف خطوة وقالت بصوت خافت تنظر إليه بعينين خائفة:
- ولو قولت إني مش موافقة؟
ابتسم بسخرية ونظرته توحي بالشر المُميت وذكرها بقليل من فمه يؤكد أنه سيفعل ما لا تطيق تحمله:
- هتوافقي غصب عنك وإلا أنتي عارفه أنا هعمل إيه مع أني مش مضطر لكده.
أقتربت مرة أخرى واتجهت إلى أسلوب آخر معه ألا وهو اللين والرقة البالغة في حديثها معه:
- أنا عايزة نكون كويسين ونبدأ صفحة جديدة.. أنا فكرت… أنت هتتجوزني علشان أثبتلك أنا خونتك ولا لأ.
كرمش ملامح وجهه ونظر إليها بقوة مذهولًا من حديثها الغير منطقي بالمرة، فحتى إن كان كذلك ولكن حبه لها أكبر بكثير:
- اعترافي بحبك ده إيه بالنسبالك؟
عارضت وهي تبعد وجهها عنه وتهتف بحديث كاذب فقط كي تأخذ وقت أكبر منه وتحاول التصرف مع ذلك الأبلة:
- مش كفاية.
قرب يده اليمنى دافعًا إياها بخفة على كتفها الأيسر وهو مذهول من حديثها الذي لا يستوعبه:
- هو إيه ده اللي مش كفاية، أنتي مجنونة.. أنا تقريبًا مافيش حاجة مقولتهاش ليكي.. أنتي إيه؟
مرة أخرى للين كي تستطيع السيطرة عليه مضيقة حاجبيها وعينيها الزيتونية:
- أنا ولا حاجة.. محتاجة بس فرصة.
ربت على كتفها بخفة وهو يتابع نظراتها التي تتحول من اللين إلى القوة، وهو متأكد تمامًا من أنها تخفي شيء عنه:
- أنا قولت اللي عندي.. تصبحي على خير يا عروسة.
استدار وذهب تاركًا إياها تنظر في أثره تقف مكانها لم تتحرك. وبعد أن قام بفتح الباب والخروج منه استدار برأسه لها مرة أخرى بعينين بها الشغف والحنين إليها يمزقه قائلًا بصوت خافت أجش:
- على فكرة.. أنا كمان محتاج بداية جديدة معاكي مش أنتي لوحدك اللي بتتعذبي يا بنت عمي.
نظر إليها نظرة أخيرة ثم خرج من الغرفة وتركها تصارع مخاوفها من ذلك الحيوان الذي قام بمحاولة قتله سابقًا. هذا يعني أن تهديده ليس تهديد فقط بل يعني ما يقوله. إنه من دون شيء حاول قتله، ماذا عندما يكون حذرها؟ سيفعلها لا محالة.
كيف تستطيع أن توقف هذا الزواج؟ حدثها قلبها بكيف تريد أن توقف سعادتها التي تكمن في الزواج من عامر والبدء بحياة جديدة، وهو نفس ذلك القلب الذي رفض البوح إليه. ولكن عقلها اللعين قدم حياته على كل شيء. تستطيع باتحاد روحها وقلبها وعقلها أن تتخلى عن كل سعادة مكتوبة لها مقابل حياته، مقابل أن تراه أمام ناظريها يتنفس وهالته الفريدة تحاوطها.
جلست على الفراش تفكر بجدية كيف ستخرج من هذه الورطة وهو لا يقبل حتى النقاش في أمر تأجيل الزفاف. ماذا إن قالت إنها لا تريد من الأساس؟ سيقتلها!
تنفست بعمق وارتمت بجسدها على الفراش تنظر إلى سقف الغرفة داعية الله عز وجل أن يساعدها في هذا المأزق الذي وقعت به.
❈-❈-❈
"بعد مرور الأسبوع الأول"
عاد عامر إلى العمل مرة أخرى. الآن يعمل لأجله ولأجل زوجته المستقبلية، لا ليست مستقبلية بل ستكون زوجته بعد أيام وهذا بعد أن قام والده بإعطاء غادة زوجة ياسين حقها في الميراث منه وإعطاء شقيقته هي الأخرى حقها في زوجها الراحل ثم بعد ذلك نقل إلى سلمى كل أملاك والدها وحقها الشرعي منهم غير ما كانت أخذته عن والدتها.
قد قامت هي بإعطاء توكيل منها إليه ليقوم بإدارة ما يخصها في الشركة، وهذا بعد أن قالت له أنها ستسلم نفسها إليه فلن تخاف على مالها معه.
دلفت إليه جومانا بوجه باهت حزين لاحظه منذ أن أتى ولكنه تغاضى عن ذلك. لا يود الاستماع إلى أي شيء يعكر صفو مزاجه خاصة إذا كان يعلم ما هو هذا الشيء.
وقفت جومانا أمام المكتب بعينين حزينة بها الدموع متجمعة مستعدة للفرار بأي لحظة. أردفت دون مقدمات بنبرة خافتة:
- هتتجوز؟ طب وأنا؟
تفاجأ من حديثها بهذه الطريقة، أعتقد أنها لن تقوله مباشرة هكذا. وضع عينيه على خاصتها دون خوف أو خجل وتساءل مصطنعًا الاستغراب:
- أنتي إيه؟
حاولت أن تضبط دموعها داخل عينيها وأجابته بحزن عميق:
- أنا ووجودي في حياتك؟ أنا جومانا يا عامر.
وقف سريعًا مبتعدًا عن المقعد ونظر إليها بقوة غير مبالٍ لمشاعرها لأنه عارضها كثيرًا بأفعاله ولكنها هي التي تغاضت عنها. صرح بعدم حبه لها:
- علشان أنتي جومانا أنا لا عمري قولتلك بحبك ولا وعدتك بحاجة.
فرت دموع عينيها بعد معاناة معها ونظرت إليه بقهر وحلم حياتها يفر من أمام عينيها بعد أن كانت نالته بابتعادها عنه:
- بس أنا بحبك وصعب عليا أقف الوقفة دي.
نفى أنه مذنب في ذلك الأمر وصرح بحبه لابنة عمه أمامها دون حرج أو خجل بل فعلها كثيرًا. هي التي لم تعطي للأمر أهمية:
- مش ذنبي أنا بحب سلمى وأنتي عارفه أنها في حياتي من زمان وأنتي عارفه بردو إنك كنتي بتقاومي في ده.
تابـعته بعينيها وهو يتحرك ليقف أمام نافذة المكتب يعطي إليها ظهره ينظر إلى الخارج، فقالت هي والدموع تخرج منها بغزارة وقلبها يموت من الألم بداخله:
- عارفه أنها كانت خطيبتك وبعدين سيبتها وأنا اللي كنت معاك مش هي.
استدار إليها وهذه المرة نظر بعينين حادة قاسية لأنها بدأت في الكذب عليه وعلى نفسها فقال بجدية ولا مبالاة لها:
- عارفه إن سلمى هي اللي سابتني وعارفه إني من وقتها عايش على أمل أنها ترجعلي وعارفه إني محبتش غيرها ومش هحب غيرها وعارفه أن سلمى مافيش زيها ولا هيكون فيه من أول يوم بدأت صداقتنا فيه وأنتي عارفه الكلام ده يا جومانا الذنب مش عندي المرة دي.
دق قلبها بعنف أكثر وشعرت بالألم بداخله عن حق. ارتعشت شفتيها ومازالت تبكي أمامه تنظر إلى حلمها الذي يضيع منها ولا تستطيع فعل شيء. حاولت التحدث قائلة:
- بس أنا….
قاطعها عامر بقسوة ضارية وهو ينظر إلى عينيها الباكية بحدة واضحة وقال بوضوح:
- أنتي السكرتيرة بتاعتي وواحدة من صحابي المقربين يا جومانا ولو قربتي أكتر من كده تبقي أختي.. تتعاملي معايا على الأساس ده وأنا أعتبر نفسي مسمعتش حاجة ولا الحوار اللي حصل ده حصل من أصله.
أشار إليها بيده إلى الخارج:
- اتفضلي يلا على شغلك.
قابلت عينيه بعد أن كانت واضعة إياهما في الأرضية. نظرت إليه لحظة والأخرى والدموع تنساب منها بغزارة ثم خرجت وتركته غالبة الباب من خلفها.
وقف عامر أمام النافذة يفكر فيما فعله معها! هل عليه أن ينقلها إلى مكان آخر كي لا تكون طيلة الوقت في وجهه ويكبر ذلك الشعور داخلها؟ لا.. لا يعتقد ذلك. أنه كان قاسيًا معها وأنهى ذلك النقاش هذه المرة بطريقة حازمة ليست كما المرات السابقة بأفعاله الهادئة وحديثه الدائم عن سلمى.
هذا التصرف الصحيح عليها أن تنظر إلى حياتها بعيدًا عنه. أنه هو الآخر لديه حياته وهو أناني للغاية في هذا الأمر. لن يلتفت لسعادة الآخرين بل سيسعد نفسه أولًا. فهو حُرم منها كثيرًا.
جلست الأخرى على مكتبها في الخارج تبكي بقوة وتنتحب. لقد كان عامر بالنسبة إليها حلم صعب المنال. أحبته من قلبها، شعرت أنها لا ترى أي رجل في حياتها غيره. عامر فقط من تستطيع النظر إليه.
حاولت دومًا بالحديث أن تجعله يبتعد عن ابنة عمه ولكنه يحبها حب مجنون لـ ليلى. ما هذا يا الله، أول رجل يدق قلبها إليه يريها العذاب بهذه الطريقة. لقد جعلت نفسها رخيصة أمامه وليس لها ثمن. واستكبر هو عليها وكان جلادًا قاسيًا للغاية.
قلبها يؤلمها بشدة بسبب ذلك الشعور المميت الذي أخذته منه، وبسبب أنه رسميًا سيكون لأخرى غيرها وهي التي حملت عنه كل الصعاب ووقفت جواره في كل شيء. مؤكد لم تفعل هي ذلك معه بل هي تخلت عنه وتركته. هي تركته. ليس على القلب سلطان، وذلك الحب الغبي الذي يأتي لأشخاص لا تريدنا يكون هو عذاب جهنم على الأرض. هو النهاية المحتومة لقلوب أرهقها الحب من طرف واحد.
قلبها أحبه وهو لم يبالي، من طرف واحد شاهدته ولم تستطع أن ترى أن قلبه مع غيرها معلق، بل هي تغاضت عن ذلك معتقدة أنها تستطيع جذبه إليها.
قهرة قلبها لا تساوي شيء في هذه اللحظات المميتة. لقد كان قاسي القلب معها، لقد عامل كرامتها بلا مبالاة، بل هي من عاملت كرامتها بهذه الطريقة عندما ذهبت باكية تعترف بحبها له وهي تعلم أنه يحب أخرى. هي من فعلت ذلك وليس أحد غيرها. عامر ليس مذنبًا بل معه كامل الحق. إنه يريد السعادة مع من اختارها قلبه وفرقتهما الأيام والليالي الباردة.
لقد ابتعد عنها وأخذ الفراق حيزًا كبيرًا بينما، تاركًا له قلبه فارغًا والحياة مثله، تاركًا ينام في فراشه وحده دون أن يتخيل طيفها معه.
لقد عانى كثيرًا في غيابها وفراقها. الآن يستحق أن يعيش السعادة بجوارها، وهي ستحاول أن تبتعد عن حياتهما قدر الإمكان ولكن.. لن تبتعد عنه هو. وستظل بجواره.. صديقته وحبيبته بالنسبة إليها، في وقت غياب الأخرى ستكون هي له، ستعيش معه ما يريد وستقبل بكل ما يقول. ستكون ملكه هو فقط يفعل بها ما يحلو له.
فقط عامر القصاص صاحب الشخصية والنظرة الرائعة، ذو الجسد والنبرة القاتلة، مالك كل شيء وأي شيء، ذلك الخبيث الماكر الذي يفتت أجساد النساء بنظراته، والحبيب الوفي الذي لا يرى سوى سلمى القصاص ابنة عمه صاحبة الحظ السعيد.
❈-❈-❈
ذكريات الماضي المؤلمة لرجل قاسي القلب مثله لا تذهب من عقله. الانتقام كان همه الأكبر منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي مر عليه مع زوجته الراحلة.
وياليتها كانت زوجة بل كانت امرأة خائنة بائعة للود والحب الذي قدمه إليها فتحول عليها من رجل رؤوف رحيم إلى آخر قاسي القلب حاد الطباع. لأنها تستحق.
عاد والد هشام برأسه للخلف ناظرًا إلى سقف الغرفة وهو يعود بذاكرته القوية التي تأتي بكل حرف نطق وكل حركة صدرت بينهما منذ سنوات وسنوات.
وقف أمام زوجته ضاغطًا على ذراعيها بقسوة هاتفًا بعنف:
- أنتي عايزة إيه بقى؟ عايزة إيه دي مبقتش عيشة.
ردت بوجهه صارخة بعنف وهي تنظر داخل عينيه بقوة:
- عايزك تطلقني أنا مبحبكش.
أردف هاتفًا بقسوة ضاغطًا على حروف كلماته مستنكرًا:
- أنتي جايه تفتكري إنك مش بتحبيني بعد سبع سنين جواز وعندك عيل صغير.. كنتي فين وأنا بتجوزك ولا علشان هو كمان اتجوز؟
دقق بعينيه باستغراب متسائلة وهي تعتقد أنه لا يدري بحبها لرجل آخر غيره:
- هو مين ده اللي بتتكلم عنه؟
ضغط على ذراعيها بقسوة أكبر وهو يجذبها ناحيته يصرخ أمام وجهها:
- هتستهبلي، بتكلم عن أحمد القصاص حبيب القلب اللي أهلك رفضوه ولبسوكي فيه.
عاندت رافعة رأسها للأعلى تنفي حديثه:
- أنت اللي جيت طلبتني محدش لبسني فيك.
تحدث بقهرة رجل يتعرض للخيانة الزوجية من امرأة أحبها وأعتقد أنها هي التي ستكون شريكة حياته في الحزن والسعادة:
- كنت أعمى القلب والبصيرة، كنت شايف واحدة محترمة مش خائنة.
عارضته بقوة رافعة أنفها وكأنها لم تفعل أي شيء بل هو المذنب:
- أنا مش خائنة.
صدح صوته الصارخ بوجهها بعنف وعصبية شديدة بعد أن ترك يديها وقال:
- لأ خائنة وستين خائنة، كنتي قولي قبل الجواز إنك مش عايزاني بدل ما نظلم نفسنا ونظلم عيل معانا أنتي إيه يا شيخة.
خرجت الكلمات من فمها تقذفه بألفاظ لا تقولها زوجة مثلها مذنبة أبدًا ولكنها كانت تبجح به:
- أنا بردو اللي إيه يا قاسي أنت.. أنت مفكر نفسك إيه دا أنت حيوان.
قبض بيده على خصلات شعرها الغجرية يجذبها بقسوة ناظرًا إليها بغضب يسب إياها:
- هو مين ده اللي حيوان يا خائنة يا زبالة يا تربية الشوارع.
أكمل متسائلًا باستنكار:
- بقى أنتي أهلك ناس محترمة المظاهر خداعة بردو.
وضعت يدها أعلى يده فوق رأسها لتخفف من حدة قبضته على خصلاتها ولكن ذلك لا يعني أنها تشعر بالألم وتتراجع بل رفعت وجهها إليه وبأنف مرفوع قالت:
- محترمين غصب عنك.
تكمم عليها ساخرًا وصوته يخرج منه ضاحكًا بألم:
- لأ واضح الاحترام بنتهم بتحب واحد غير جوزها.. دا أنا مش عارف أعيش بسببك.. مش عارف أعيش.
نظرت إليه بجدية وكأنها تعقد معه اتفاق أو بينهم عمل موثق:
- طلقني وعيش حياتك براحتك.
ابتسم بشر وغضب، والحزم لازم عيناه ولكنه يحاول أن يخفيه وقال بقهره وحرقة كبيرة بداخله:
- مش هطلقك.. هزلك وأعذبك لحد ما تقولي حقي برقبتي.. مش أنا اللي يتعمل معايا كده.. مش أنا.
سبته وهي تنظر إليه بتقزز وقرف:
- أنت حيوان وزبالة.
صفعها على وجهها بكف يده بقوة كبيرة جعلتها تصرخ بين يده وهو يعقب على كلماتها بكلمات تماثلها:
- مفيش أزبل منك يا قذرة.
عادت إليه برأسها تضع يدها على وجهها ناظرة إليه باستنكار ودهشة تقول:
- كمان بتضربني.
ابتسم مرة أخرى قائلًا بسخرية وغضب:
- هو أنتي لسه شوفتي حاجة.
ثم أنهال عليها بالضربات الموجعة إليها الصفعات المتتالية على وجنتيها الاثنتين بقوة كبيرة والغضب يعمي عيناه عن الواقع وما فيه، لا يرى إلا أن زوجته خائنة، تخونه مع رجل آخر يعرفه جيدًا.
"عاد من ذكرياته المؤلمة إلى واقعة الأشد ألم، واقعة المقيد بالانتقام ممن كانوا السبب في تخريب حياته، وكانت أولهم هي زوجته التي حولته من رجل حنون هادئ إلى آخر يسمى بالذئب البشري. كانت أولهم في الانتقام منها ولكن لم يمسها بسوء هو فقط جعلها تقدم على الانتحار بقدميها من أفعاله بها والتي كانت تستحقها وتستحق أكثر منها أيضًا.
ومن بعدها أراد النيل من عائلة الخائن الآخر وقد فعل ولكن نسله بقي منه فرد واحد لن يتركه مهما كلفه الأمر. ولن يبقى على وعده مع ابنه الأحمق بل سيتصرف هو قريبًا. لن يترك أي منهما يعيش سعيدًا بحياته وهو من قام بتحمل العقوبة وحده. لقد خربت حياته وهو شاب صغير في بداية عمره، لقد وقفت حياته إلى هنا على ابنه وأبتعد عن النساء جميعًا، فقط لأنه لم يكن يجعلها تريد شيء. بدايةً من حبه وحنانه نهاية بالمال والمجوهرات وكل ما كانت تحتاج إليه ولكنها قابلته بأبشع العقوبات على الإطلاق فـ إلى هنا وقف قلبه عن العمل من ناحية الحب والتقرب إلى النساء، يكفي واحدة أتت أخلفت من بعدها دمار ليس بعده دمار."
❈-❈-❈
"بعد مرور الأسبوع الآخر على موعد الزفاف"
يحضر عامر جيدًا إلى يوم زفافه الذي سيكون في الغد. لقد كان على أتم الاستعداد لهذا اليوم منذ الكثير من السنوات، ولكن دائمًا كان يحدث ما لا يتوقعه أحد إلى أن وصل معها إلى هنا. أصبح جناحهم الخاص جاهزًا والذي كان من المفترض أن يكونوا ساكنين به منذ عامين. أصبح هو وضعه على ما يرام ولم يعد يشعر بآلام، وكل تفكيره الآن في يوم غد اليوم المنتظر والذي جعل قلبه يخفق ليلًا ونهارًا كلما اقترب الموعد.
الآن سعادته متوقفة على شيء واحد ألا وهو براءتها. يود أن يقول بينه وبين نفسه أن هذه البداية ستكون رائعة، ستكون زوجته وحبيبته وكل ما يملك مرة أخرى وهذه ستكون الأخيرة، دون فراق، دون بعد، دون أي شيء يأخذها منه ولكن.. ينتظر أن يحصل على ما يريد ويتأكد من أنها مازالت له ثم بعد ذلك لن يقول هذا الحديث بينه وبين نفسه فقط! بل سيقوله لها وستكون الأيام القادمة أسعد الأيام عليهما.
جلس عامر على المقعد أمام مكتب والده الذي استدعاه إليه في المساء قبل صباح يوم الغد وتساءل بجدية:
- نعم مالك.
تابعه والده بهدوء ناظرًا إليه بعينين هادئة يود أن يقول له حديث كثير ولكن سيقتصر كل ذلك في كلمات بسيطة كي يتفهمها عامر ويتقبلها منه:
- بكرة فرحك على سلمى.. أنا عارف إنك مش محتاج توصية عليها، بس أنا في مقام أبوها وجبتك دلوقتي بصفتها بنتي وعايز أوصيك عليها.
أعتدل في جلسته ونظر إليه جيدًا وعاد إليه نفس الشعور ذلك الذي أتاه عندما كان هشام هنا. قال بهدوء:
- أنت قولت في بداية كلامك أن أنا مش عايز توصية على سلمى.
أعقب على حديثه بهدوء محاولًا أن يظهر له كل ما عليه فعله في الفترة القادمة مع ابنة عمه:
- ده واجبي يا عامر.. أنا مش هعيش العمر كله معاكم لازم أوصيك عليها ومهما عملت خدها بالراحة وطبطب عليها وخفف من العنف اللي أنت فيه.. دي بنت رقيقة محتاجة ريشة تخفف عنها بها ولما تبقى مراتك مش زي ما كانت خطيبتك والكل حواليها دلوقتي هي لوحدها معاك مافيش ياسين ولا أحمد تشتكيله منك.
أكمل حديثه بجدية وهو يتابعه بعينيه ويرى نظراته الواضحة تجاهه وتعقبه لكلماته:
- حسسها إنك مكان ياسين ومكان أحمد وحسسها إنك عامر جوزها وصاحبها خليك ليها كل حاجة علشان ميحصلش زي اللي حصل قبل كده.. لو بقيت حاجة غير كده هتدور على غيرك.. مش راجل لأ علشان متفهمش غلط.
مرة أخرى يتوقف عن الحديث ثم يكمل بعقل رجل كبير مر عليه الكثير ويعطي لابنه الأكبر نصائح ما قبل الزفاف عن كيفية التعامل مع زوجته بالمودة والرحمة:
- هتدور على واحدة زي إيناس من تاني ويا عالم هتبقى كويسة ولا لأ.. تستغلها ولا لأ.
وقال أخر كلماته وهو ينظر إليه بعينين تترقرق بها الدموع كلما أتى على ذكر رحيل عائلته:
- خليك ليها كل حاجة وعاملها بحنية أنت طيب وأنا عرفت ده وهي كمان طيبة و… ويتيمة.
نظر إليه عامر بجدية وأحب ما قدمه إليه من نصائح وأراد اتباعها ووعد نفسه بداخله وهو يستمع إلى والده أن يفعل ذلك قدر ما استطاع فقط ليتبين له الحق من الباطل.
رأى والده وهو يقف مقتربًا منه يلتف حول مكتبه ليقف أمامه باسطًا ذراعيه:
- ألف مبروك يا عامر ربنا يسعدكم.
وقف عامر يقابله ثم بادله العناق يربت على ظهره ونطق قائلًا بهدوء ورزانة:
- الله يبارك فيك.. يا بابا.
وكانت هذه الكلمة لها تأثير غير عادي على والده الذي يستمع إليها منه كل فترة زمنية بعيدة. وكثيرًا يتناسى صوته ونبرته وهو يهتف بها.
أحب عامر كثيرًا ما حدث بينهم الآن وأحب حديثه معه بهذه الطريقة ووجه عيناه وعقله على أشياء لم يكن يعرفها. الآن في انتظار انتهاء الساعات القادمة لبداية حفل الزفاف الذي سيظهر هل دنس الثوب الأبيض؟ أم مازال ببراءته!
رواية بين دروب قسوته الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندا حسن
في صباح يوم الزفاف، كانت جميع العائلة في فندق من الفنادق الملكية باهظة الثمن منذ الصباح الباكر للتحضير لزفاف أبنائهم الذي ستتحدث عنه البلدة بأكملها. لقد تم الاتفاق أن الزفاف سيكون هنا، في قاعة ملكية رائعة تسر الناظرين إليها بلمحة واحدة فقط.
أقتربت "هدى" تسير متقدمة من الطاولة في ساحة الفندق في الخارج والذي يجلس عليها "تامر" لتتحدث معه عن أمرهما.
بعد أن فكرت في كل شيء وتحدثت إلى "سلمى" مرة أخرى بعد آخر نقاش حدث بينهم وأخذت رأيها في كثير من الأمور التي تخصها وقررت أنه أولًا أنها تريد أن تعطي فرصة لذلك الرجل الذي يهتف بالحب إليها ويظهر ذلك في كل تعابيره المُقدمة إليها أو إلى أي شخص آخر من طرفها. تريد أن تنعم بالسعادة بعد أن حرمت منها بموت زوجها والذي أنبت نفسها كثيرًا بعد تفكيرها بهذه الطريقة الصعبة والسيئة بحقها وحقه وكادت أن تعود عن قرارها وتكمل بقية حياتها على ذكراه كما كانت تريد منذ البداية.
ولكن فعلته التي علمت بها مؤخرًا وخزت قلبها وجعلتها امرأة مجروح كبريائها ومخدوعة به وبكل ما كان يفعله حتى ولو كانت متأكدة من حبه لها. وحتى لو كان ما فعله بدافع شهامته ورجولته فهي الأخرى تستحق فرصة ثانية لتنعم بما حرمت منه وستفعل ذلك وتحاول قدر الإمكان أن تتناسى كل شيء. فقد قالت والدتها مثال شعبي لتشجعها على ما أرادت في النهاية بعد معرفتهم لما فعله هو "الحي أبقى من الميت" وستكون كذلك.
جلست أمام "تامر" بابتسامة وهدوء ناظرة إليه بعينيها قائلة بتساؤل:
"ازيك عامل ايه؟"
أجابها مبتسمًا باتساع يبادلها النظرات الهادئة:
"أنا بخير طول ما أنتي بخير."
ابتسمت قائلة:
"شكرًا."
قد قالت له ليلة الأمس أنها قد قررت شيء ما تريد إخباره به بعد كل تلك المدة التي كانت مشتتة بها تعود وتبتعد. تسائل قائلًا:
"قوليلي بقى ايه اللي قررتيه وكنتي عايزة تقوليلي عليه؟"
أقتربت من الطاولة رافعة يديها الاثنتين عليها متشابكين ببعضهم وقالت بجدية وهدوء:
"أنا كنت عايزة أقولك إني موافقة نتجوز مش بس تعارف ولا خطوبة."
تابعها بعينيه وهي تتحدث هكذا ببساطة شديدة فنظر إليها مستنكرًا مذهولًا يقول:
"بجد؟"
أومأت إليه برأسها قائلة بابتسامة عريضة وهي تتابع حركاته المستغربة:
"آه بجد."
مرة أخرى بعدم تصديق يقترب هو الآخر من الطاولة ليقابلها بالقرب منها قائلًا بنبرة خافتة مرتعشة:
"قولي والله العظيم!"
ابتسمت أكثر باتساع وقالت كما يريد:
"والله العظيم وافقت."
اندفع قائلًا بقوة ولهفة عاشق ينظر إليها بعينين لامعة للغاية:
"أنا بحبك أوي.. بحبك جدًا."
وضعت عينيها على الطاولة تنظر في الفراغ بها بعيدًا عن عينيه بعد نطقه لهذه الكلمات التي من المفترض أن تبادله بمثلها ولكنها إلى الآن لم تشعر بذلك.
رفعت وجهها قائلة بهدوء وبساطة:
"طيب بص.. بعد فرح عامر نكتب الكتاب بس، أنا مش عايزة أعمل فرح إحنا نعمل كتب كتاب عائلي وبس."
اندفع مرة أخرى بلهفة موافقًا على حديثها بجدية:
"وأنا موافق طبعًا.. أصلًا الأفراح ملهاش لازمه."
عاد مرة أخرى ينفي حديثه السابق يستثني شقيقها ناظرًا إليها:
"ما عدا فرح أخوكي طبعًا."
أجابته ساخرة محركة رأسها للأمام باستنكار بعد عودته في حديثه:
"يا شيخ!"
أومأ إليها قائلًا بجدية ثم مرة أخرى أعاد عليها السؤال بلهفة أكبر غير مصدق لما قالت من حديث:
"آه والله.. أنتي بجد موافقة خلاص كده هتجوز؟"
أومأت إليه مرة أخرى برأسها مستمتعة بحركاته وعدم تصديقه ذلك وكأنه فاز بشيء ثمين ولا يصدقه:
"آه."
ابتسم هذه المرة بجدية وتحدث بصوت رجولي واضح وصريح إليها وهو يتابعها بنظراته المحبة:
"مش هتندمي أبدًا إنك وافقتي تديني فرصة يا هدى.. أنا هشيلك في عنيا."
ابتسمت قائلة بمجاملة بعد حديثه ذلك:
"تسلم عيونك."
جلست معه كثير من الوقت تتحدث في أمور عدة ببعض المرح منه والخجل منها، تهتف بكل ما يخطر على بالها مع التحفظ الشديد على الحديث الآخر الذي ربما يصدر عفويًا منها مثله، وتحفظت أيضًا على كل ما علمته عن زوجها الراحل لأنه لا يخص أحد غيرها هي وعائلتها ولا تريد أن يظهر أمامه بأي صورة قد تخدش صورته الأصلية الأولى لدى الأشخاص القريبين منه والذي يعرفونه جيدًا.
بعد ذلك ذهبت إلى "سلمى" التي كانت تتجهز منذ الصباح مع فريق كامل لفستان الزفاف وزينة وجهها ومصففي الشعر الذين جلبهم "عامر" خصيصًا لأجلها. لأجل أن تكون ملكة متوجة في ذلك اليوم الذي لا يعرف كيف ستكون نهايته عليهم.
***
بعد أن طلبت "سلمى" من جميع العاملات معها أن تستريح قليلًا جلست على الفراش في الغرفة تعبث بالهاتف الخاص بها تبصر كل هذه المواقع التي تعلن عن حفل زفافهم الليلة. إلى هذه اللحظة قلبها لم يسكن داخل قفصها الصدري لحظة واحدة.
في البداية وحتى بعد أن قرر "عامر" موعد يوم الزفاف ظلت تحاول وتحاول في الفترة الماضية أن تؤجل ذلك، افتعلت المرض، والانشغال، وتحججت بنفسيتها السيئة ولكنه كان على علم أنها كاذبة فقط تريد تأجيل الموعد ويجهل السبب في ذلك.
حاولت كثيرًا وهو لم يرضخ ولو مرة واحدة، كان الخوف ينهش قلبها كلما تذكرت وتزقزق عصافير معدتها من التوتر والقلق. لكن ما بيدها أي حيلة كي تفعلها، لقد يأست وتركت الأمر إلى الله بعد أن حاولت معه كثيرًا.
ثم بعدها حاولت في التفكير لفعل شيء بعيد عن "عامر". فكرت في "هشام" الذي يقلق منامها ويوتر قلبها وعقلها، ذلك الذي هددها أنه لن يتركه لو تزوجت منه، ما الذي تستطيع فعله معه؟ ما الذي من الممكن أن يوقفه عن حده ويبعده عنها إلى الأبد.
تستغرب كثيرًا، هي لم تفعل به شيء، كان الممكن أن تقول أنه يحبها وهي من ابتعدت عنه بعد أن وعدته أنها ستتزوج منه ولكنه اعترف أنه لا يحبها من الأساس إذًا لما كل ذلك؟ لما ينتقم منها بهذه الطريقة!
قلبها كان كشمعة مشتعلة في الأيام المنصرمة، تحترق كل لحظة والأخرى وتتأكل تاركة من خلفها بقايا قلقها ورهبتها.
استسلمت لواقعها المرير بعد كثير من المحاولات مع عقلها والاثنين، قطعت علاقتها بذلك الحقير وابنة عمه وابتعدت نهائيًا كي لا يصلها منه أي معلومات تزعجها أو يحاول تعكير صفوها وتركت الأمر بأكمله إلى الله داعية إياه أن يمر اليوم على خير ويخرج الجميع من هنا سالمين ثم بعد ذلك تفكر فيما سيحدث.
لا يشغلها أكثر من ذلك، حتى ما سيحدث بينها وبين "عامر" لا يشغلها نهائيًا لأنها متأكدة من أنها ما زالت ذلك الملاك البريء الذي كان دومًا يتحدث عنه ويقول إنه يخصه هو وحده. ما زالت نفسه.
وقفت عن الفراش وابتعدت عنه واقفة أمام المرآة تنظر إلى هيئتها الجديدة، لقد اكتسب شعرها في الفترة الأخيرة طولًا ملحوظًا ولم تكن تقوم بتقصيره كما كانت تفعل منذ وفاة والديها بل فعلت المفاجأة الكبرى ألا وهي قامت بصبغه باللون الذهبي وهذا كان لون خصلات شعرها الأصلية منذ البداية ولكنها كانت تحب التغيير الدائم جعلته أسود حالك، وجعلته بني يخالطه الذهبي وجعلته بني فقط وقامت بتقصيره ومرة أخرى بترك خصلات قصيرة على جبهتها وهذا ما كان يكرهه "عامر" كان يطالبها دائمًا بترك خصلاتها طويلة بلونها الأصلي لذا بعد وفاة والديها ومعرفتها خيانته قامت بتقصيره إلى نهاية عنقها ملامسًا أكتافها. واليوم أرادت أن تجعله سعيدًا. مقررة أنها حقًا ستكون بداية جديدة.
تابعت هيئتها في المرآة بابتسامة، لقد كانت الخصلات الذهبية رائعة على ملامح وجهها الخلابة، البريئة والجريئة بذات الوقت.
نظرت إلى جسدها المخفي معظمه داخل ثوب أبيض حرير يصل إلى ركبتيها، لم يبق سوى أن تعود ذلك البطل الذي كان يناديه وتستقبل وزنًا آخر غير الذي فقدته لتبرز معالم أنوثتها من جديد بعد أن فقدتها قليلًا بفقدان وزنها.
نظرت إلى الساعة ووجدتها تقترب من الموعد بسرعة، فذهبت إلى الخارج لتستدعي الفريق المتكامل الذي كان معها لتبدأ بالاستعداد إلى الحفل المنتظر والمقام على شرفها.
دلفت إلى الداخل بعد أن قامت باستدعائهم من الغرفة المجاورة وجلست على المقعد أمام المرآة للاستعداد لما هو قادم. تشعر أنها في اللحظات القادمة عليها ستكون كفراشة أخذها أحدهم قاسي القلب وقام بوضعها في علبة محكمة الغلق لمدة عامين وما كان منها إلا أن تستسلم، والآن أتى آخر رقيق القلب وقام بفتح العلبة لتخرج بأجنحة مهترئة تحاول الصمود وتتطاير فوق الورود المزدهرة في حديقة ليس بها إلا أشواك. تحاول أخذ الجميل منها فقط.
وعدت نفسها أنها ستبذل كل جهدها لتكون سعيدة معه وبقربه، وعدت نفسها أن تعوضها عن كل ما مر عليها، عن فراق عائلتها التي تفتقد وجودهم في يوم كهذا، تفتقد والدها كثيرًا فقد كانت تتمنى أن يقدمها إلى "عامر" بيده ويقوم بتوصيته عليها، فهو يستمع إلى حديث والدها ولو كان سيفًا على رقبته، كانت تود والدتها أن تراها بثوب الزفاف، شقيقها يراقصها على الأنغام.
تنهدت بصوت مسموع وتمتمت بالدعاء لهم بالرحمة تصبر نفسها بأنهم في الأعلى بأفضل حال وأنها في يوم من الأيام ستذهب إليهم.
الآن لتتناسى كل ما يعكر صفوها وتبتسم لما هو آت مع رفيق دربها.
***
تابع اقترابه من والده الجالس على الأريكة بوجه مكفهر قاسٍ يظهر عليه الغضب الشديد.
رآه وهو يجلس على الأريكة المقابلة له بوجه خجل ناظرًا في الأرضية مبتعدًا بوجهه عنه بعد فشله الذريع الذي كان لا يتوقعه.
عاد للخلف برأسه وظل يتابعه بعينيه القاسية ولم يتركه إلا وهو يردف بنبرة ساخرة:
"ايه.. شايفك باصص في الأرض، فين اللي أنت تعمله وواثق منه؟"
تابع حديثه ساخرًا أكثر مستهزئًا به يعزز عقدة النقص بداخله أكثر وهو يجعله يشعر بمدى فشله:
"آه دا أنا نسيت أن فرحها النهارده، يلا تعوضها المرة الجاية بقى."
اندفع الآخر يهتف بعصبية وحرقة ظاهرة بوضوح على ملامحه وفي نبرة حديثه:
"هعوضها.. هعوضها وهتشوف."
تكمم عليه والده في بداية حديثه ثم أكمل ساخرًا:
"يا واثق أنت.. بلاش فشخرة كدابة هو أنت عارف تعمل حاجة يا خايب؟"
صاح "هشام" بصوت عالٍ وغضب شديد يتبعه لأجل حديث والده الذي يقلل منه:
"متقولش خايب.. هو ابن عمها ده اللي لحقها مني."
اندفع للأمام على حين غرة وهو ينظر إليه بقسوة داخل عيناه المتشابهة معه وقلل منه وهو يكبر في الآخر:
"علشان ناصح.. طول عمره وهو ناصح بيعرف يلتقطها في الوقت المناسب."
هذا ما كان ينقصه، أن يقارن بذلك الأبله السكير من قبل والده الذي من المفترض أنه يعرف بكل ما عاناه.
"تمام قول براحتك، بكرة تشوف هعمل إيه."
عاد والده للخلف مرة أخرى وابتسم قائلاً:
"بكرة بقى لما تتقابلوا في الجنة."
عقب على حديثه الآخر بثقة:
"لأ على الأرض وحياتك."
ضاق ما بين حاجبيه واستهزأ به مرة أخرى ساخرًا:
"ايه هتخليها تخون جوزها معاك! دا أنت معملتهاش قبل الجواز."
تابع الآخر بنفس الثقة والتأكيد الذي لا يعرف من أين يأتي بهم:
"هتشوف أنا هعمل إيه."
قال والده بلا مبالاة وعدم اهتمام لحديثه الذي استمع إليه كثيرًا من المرات:
"لأ ابقى شوف أنت لوحدك.. ده لو لقيتها عايشة."
لكن نظر إليه بجدية واعتدل في جلسته بعد حديث والده الذي عبث بأذنه فسأله بجدية:
"أنت عملت إيه؟"
ابتسم والده بغل وحقد كبير، لم يكن يومًا يعرفه ولكن قسوة الأيام عليه هي من قادته إليه:
"النهاردة هتسمع خبرها.. في الفرح هنسمع الصويت بدل الهيصة ويبقى مات نسل أحمد القصاص."
انتفض واقفًا بلهفة وخوف وصرخ بوالده عاليًا والغل انتقل إليه في لحظة واحدة ليظهر كذئب يريد الانتقام من فريسة هاربة:
"اوعى تعمل كده.. اوعى أنا لسه معملتش اللي أنا عايزه.. أنا ليا حق عندها لازم آخده بإيدي."
تكمم عليه والده أمامه هو الآخر يجادله في الحديث مذكرة بعدد المرات التي تركه بها يفعل ما يشاء ولم يستطع:
"أنا اديتك الفرصة مرة واتنين ومعرفتش."
لم يهتم بما قاله بل تابع عيناه متسائلاً بلهفة:
"وصيت حد يعمل كده؟"
أومأ إليه والده بالإيجاب مؤكدًا حديثه:
"آه."
أشار إليه بيده بعصبية وغضب وصوته عالٍ وهو يقدم قدم منه ويؤخر الأخرى:
"إلغي.. إلغي ده سلمى ماينفعش تموت دلوقتي.. لازم انتقم.. لازم آخد حقي."
عارضه والده وقال بجدية وقسوة معترفًا بخيبة ابنه الوحيد الذي لازمه الشعور بالنقص:
"مش هلغي حاجة.. أنت خايب مش عارف توقعها بقالك كتير المرة دي جه دوري."
أقترب منه ووقف جاعلًا عينه بعين والده بقسوة شديدة تماثله، لازمه الشعور بالانتقام منذ الصغر على يد والده، ليس الآن وقت التخلي، هدده بجدية شديدة وقسوة في الحديث:
"لو مرجعتش هروح القسم دلوقتي حالًا وأعترف بكل اللي عملناه."
صرخ عليه والده وهو يتقدم منه ممسكًا بذراعه بقسوة وعنف متابعًا عيناه بعينين متسعة مذهولًا مما يفعله ولده:
"أنت اتجننت؟"
نفض ذراعه منه وأردف صارخًا بجنون وعنفوان وعقله رافضًا التخلي عن فكرة الانتقام بيده:
"اه اتجننت إلغي بقولك."
وقف والده ناظرًا إليه بجدية وعيناه لا تتحرك من على خاصته والآخر بادله ذلك مقررًا أنه لن يتراجع مهما كلفه الأمر وحتى إن وقف أمام والده بهذه الطريقة، لحظات والأخرى ولم يتراجع فلم يجد والده حل آخر غير أن يتراجع هو عما أراد فعله، لا يريد خسارة ابنه بهذه الطريقة وتكون ابنة "أحمد القصاص" هي السبب بذلك كما كان والدها السبب في كل شيء سابقًا.
عاد للخلف وأخذ الهاتف من على الأريكة ثم عبث به وهو يرفع نظرة إلى ابنه كل لحظة والأخرى بغضب لأنه جعله يفعل ذلك رغمًا عنه.
وضع الهاتف على أذنه وأردف بعد لحظات بجدية ووضوح:
"إلغي اللي اتفقنا عليه النهارده."
أخفض الهاتف من على أذنه بعد حديثه ثم نظر إلى ابنه وتابعه بعينيه بشك وقلق وهتف بما جال بخاطره بتساؤل:
"أنت حبيتها ولا إيه؟"
استنكر "هشام" حديث والده الغير منطقي بالمرة، ألا يعلم أنه لا يريد منها شيء غير الانتقام! الانتقام الشديد الذي يجعلها تتمنى الموت ولا تراه. قال بقسوة وغل والحقد يسير بدمه:
"حبيت مين دا أنا هشرب من دمها.. مش هموتها كده بالساهل.. لازم تتعذب، تتعذب زي ما أنا اتعذبت."
أكمل بقهر وداخله يخطط أن يجعلها تشعر بذلك الشعور الذي لازمه طوال حياته بسبب والدها ووالدته! أليس من العدل أن تشعر هي الأخرى مثله!
"لازم تتمنى الموت على إيدي.. لازم تحس باللي حسيت بيه بسبب أبوها.. لازم تشوف الويل مش تموت كده بالساهل."
ردد بكره وقسوة وهو يجلس على الأريكة تحت بصر والده الذي يرى الانتقام والعنف يشعان من عيني ابنه:
"مش بالساهل أبدًا."
***
أتت اللحظة الحاسمة، بعد كثير من الوقت الذي مر عليها في الغرفة تتحضر إلى ليلتها الأولى وبداية دخولها عش الزوجية، بعد أن أصبحت أجمل عروس على الإطلاق قد يراها أي شخص.
انبهر الجميع بها وبمظهرها الخلاب بعد أن انتهت من كل شيء ووقفت أمامهم عروس ملاك خارجة من الجنة، ذهب الفريق الذي كان معها خارجين من الغرفة إلى الأخرى، لن يذهب منهم أحد حتى إذا احتاجت لهم تلقاهم.
دلفت "هدى" ومعها والدتها والاثنتين عندما وقعت عينيهما عليها حل عليهم الانبهار الفظيع، لقد ظهر ذلك على ملامحهم بوضوح ورأت كأن الصاعقة حلت عليهم.
اتسعت عيني زوجة عمها وهي تقترب منها بلهفة قائلة بحنان وقلق:
"بسم الله ما شاء الله.. يغذي العين قول أعوذ برب الفلق."
تقدمت من خلفها "هدى" ناظرة إليها باتساع كوالدتها تهتف:
"ايه ده يا سلمى ما شاء الله ولا شوفت ولا هشوف عروسة في حلاوتك يا بخته عامر والله."
كانت تعلم أن مظهرها رائع لقد انبهرت هي نفسها بعد أن تجهزت، تعلم أنها ملامحها بريئة وجميلة ولكن زينة الزفاف الهادئة والثوب وكل ذلك جديد عليها فظهرت به في أحسن صورة.
تسائلت تنظر إليهم بتوتر:
"بجد؟"
أجابتها "هدى" بثقة وتأكيد:
"آه والله العظيم."
تسائلت ثانيةً تتابعهم بعينيها:
"فين عمي؟"
عقبت على سؤالها زوجته تشير إلى الباب:
"واقف مستنينا على آخر الطرقة عند السلم.. والفرح مليان معازيم من كبارات البلد."
أردفت بنبرة قلقة وعينيها تلتفت من هنا إلى هنا:
"الحراسة واقفة واللي بيدخل بالكارت بس صح؟"
أومأت إليها "هدى" وقالت:
"يلا بينا عامر وبابا والناس مستنية."
تحركت "سلمى" خطوة للأمام فاوقفتها زوجة عمها وهي تضع يدها فوق رأسها قائلة:
"استني لما أقرأ عليكي قرآن أخاف من الحسد."
وقفت "سلمى" مبتسمة تبادلها "هدى" منتظرة أن تنتهي زوجة عمها مما تفعل.
لحظات ثم انتهت وأخذتها تسير بها إلى الخارج، ذهبت بالرواق المؤدي إلى درج السلم والذي يقف في بدايته عمها لكي يأخذها ويسلمها بيده إلى ابنه الذي أوصاه عليها في الأمس وسيفعل اليوم أيضًا. لم يكن معها أي شخص آخر سوى زوجة عمها وابنته، لم تفلح يومًا في تكوين صداقات قوية على الرغم من أن الجميع يتمنى ذلك، ولكن لم تستطع هي فعلها كانت فقط لديها صديقة قامت بتخريب حياتها.
وقفت أمام عمها الذي وصلت إليه وعندما نظر إليها تتالت الدموع خلف بعضها من عينيه وهو يراها بتلك الهيئة الفاتنة التي تخطف الأنفاس.
ذكرته بوالدها، شقيقه ورفيق عمره الذي ذهب وتركه وحده وترك له أمانه في رقبته إلى يوم أن يذهب إليه، وكم كانت هذه الأمانة رائعة جميلة مطمع للجميع.
أخذها في عناق طويل وهو يبكي كثيرًا ويهتف معترفًا بجمال صنع الله بها:
"سبحان الخالق.. سبحانه يا سلمى."
قالت مازحة والدموع ترفرف بعينيها الزيتونية:
"عمي أنا هعيط والميكب آب بتاعي هيبوظ."
ابتعد عنها ضاحكًا ثم مسح على وجهه يزيل دموع عينيه ونظر إليها:
"لأ وعلى إيه.. ألف مبروك يا حبيبتي."
ابتسمت إليه وبادلته كل الحب الذي يلقيه عليها قائلة:
"الله يبارك فيك."
سارت زوجته وابنته في الخلف وهبطت هي من أعلى الدرج تتأبط ذراع عمها "رؤوف" مرتدية ثوب زفافها الأبيض ذو المظهر الرائع الخلاب، يلمع من الأعلى إلى الأسفل وكأنه مرصع بحبات اللؤلؤ والماس، يتناسب مع قوامها الممشوق يلتصق عليها ضيق من الخصر يظهر قوام جسدها جيدًا ويهبط فقط من الأسفل باتساع طفيف يلتف حولها على الأرضية بطوله الملحوظ، ومن جانبيه مع ظهره من الخلف طبقة أخرى رائعة المظهر تعطيه الشكل المنفرد من الخلف بشدة، ذراعيه من القماش الشفاف اللامع كما مقدمة صدره، يعلو خصلات شعرها الذهبية طرحة الثوب الأبيض الذي تهبط من فوق رأسها إلى الأرضية بشكل دائري رائع.
كل هذا وأكثر تحت نظرات العاشق الملهوف الذي يقف في نهاية الدرج ينتظر إياها تأتي إليه، كل هذا وأكثر مؤثرًا على عينيه، لقد رأى عروسه ولكنها خارجة من الجنة متنكرة في هيئة أجمل ملاك متواجد بها. عينيه رأت خصلات شعرها الذهبية، متى فعلت ذلك؟ متى قامت بتغير لون خصلاتها إلى الذهبي المفضل إليه؟ تركت العنان لخصلاتها في الخلف مع دبوس شعر به لؤلؤ وماس كما الفستان يسلب أنفاسه منه.
يعلم طوال حياته أنها لا مثيل لها بجمالها الطبيعي والخلاب ولكن إلى هذه الدرجة؟ قلبه هكذا لن يتحمل! لقد بدت رائعة المظهر، جميلة وبريئة، كيف له أن يكون قاسٍ على ريشة بريئة كهذه؟ كيف له أن يفعلها. هي الأخرى تهبط الدرج وتنظر إلى وسامته، شعره الأسود اللامع المصفف بعناية، ذقنه النابتة الذي لا يقوم بحلاقتها فقط عدل عليها، هيئة ككل وبدلته السوداء الرائعة عليه، لم يكن هذا جديد بل هو هكذا دائمًا، وسيم ورائع وفارع الطول لن تنسى هذا.
وصلت إليه ووقفت امامه مع والده، نظرت إليه تبتسم بخجل وكأنها فهمت كل ما يقوله داخلها، لقد أطال النظر بها حقًا.
استمع إلى والده يقول بجدية:
"سلمى معاك يا عامر مش هوصيك عليها أنا قولتلك كل اللي عندي امبارح."
نظر إليها بانبهار ومازال في حالة تخبط من هيئتها ثم عاد إليها مقتربًا منها يقبل أعلى رأسها بحنان بالغ وشغف لا نهائي يدعوه لترك الزفاف الآن، أردف بصوت مبحوح داخله:
"سلمى في عيوني."
أخذها من ذراعها بعد أن أعطاها باقة الورود البيضاء التي كان ينتظرها بها ثم ذهب بها ليدلف إلى قاعة الزفاف الكبيرة والشاسعة، ومن هنا بدأ العرس وليلة الزفاف الرائعة تحت أصوات الموسيقى والأغاني التي تعبر عن كل لحظة تمر عليهم مع فرحة الجميع وسعادتهم.
لقد كانت القاعة في أكبر الفنادق في البلدة، مرتبة ومنظمة وهيئتها رائعة بها ورود ومفروشات وأضواء لا مثيل لها، حتى الطاقم المتواجد بها رائع ويؤدي واجبه بحب، لم يكن بها أي شيء ملحوظ تستطيع أن تقول لقد غفلوا عنه.
لحظات تمر والأخرى عليهم والجميع في حالة سعادة لا نهائية، كل المتواجدين هنا من الأهل الأحباء والأصدقاء والمشاركين لهم في عملهم، لم يقوموا بدعوة فرد واحد يعلمون أنه لا يكن لهم الحب وللحق كان لهم التوفيق في ذلك. كل من هنا سعيد لأجلهم. إلا شخص واحد!
رأتهم وهم يقفون وتمسك بيدها تعدل معها ثوب زفافها وأخذها إلى ساحة الرقص لتتراقص بين يده مقتربة منه على أصوات الموسيقى الهادئة التي تدلي بالكلمات الرومانسية وهي تدندن معها وتنظر داخل عينيه وتلمسه بكل حرية وهو يفعل المثل بعد أن قاموا بعقد قرانهما قبل لحظات.
كانت "جومانا" الوحيدة التي تتابع ما يحدث بحزن شديد، وحرقة قلب لم تشعر بها إلا عندما تعرفت عليه وأحبته. هو من أخلف كل ذلك بها ولكنها لن تصمت، لن تترك حبها يذهب هكذا لو مهما كلفها الأمر، لن تخرب حياته وتكسر سعادته فقط ستجعله يحيي سعادتها هي الأخرى.
وهو يرقص معها ويده تلامس خصرها محاوطًا إياها رفع عينيه البنية الملهوفة عليها يقول:
"شكلك خطفني.. مشوفتش ولا هشوف عروسة بالجمال ده."
ابتسمت بخجل وكأنه أول مرة يغازلها وقالت متابعة عينيه:
"أنت كمان شكلك عريس بجد."
تناسى كل ما كان يهتف به ورأى نفسه يريد قول هذه الكلمات والآن:
"سلمى أنا عايز أنسى كل اللي فات، كأنه محصلش كأننا لسه زي ما إحنا وده معاد فرحنا من سنتين.. أنا بحبك أوي يا سلمى."
اتسعت ابتسامتها بقوة ولمعت عينيها بتلك المبادرة الذي خفق لها قلبها وقالت:
"أعتبرني نسيت يا عامر.. أنا كمان بموت فيك."
لحظة فقط كان ينظر إليها بها ومن بعدها وجدت نفسها في عناق حاد يكاد أن يكسر أضلاعها ومن خلفه أخفى صوت التصفيق الحار صوت الموسيقى العالية.
ابتسمت بسعادة شديدة وبادلته العناق متناسية كل شيء قد حدث سابقًا.
***
دلف خلفها من باب الجناح الخاص بهم، الذي كان مجهز منذ عامين لاستقبالهم فيه كزوجين، انتهى العرس الذي خطف أنفاس الجميع، لقد كان مجهز على أعلى مستوى وهو من حرص على فعل ذلك، لقد كان عرس رائع بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بداية من المكان الذي كان أكبر فندق في البلدة، وتصميم القاعة والتجهيزات المتواجدة بها، وما جعل العرس أجمل وجودهم مع بعضهم البعض وظهورهم في أحسن صورة.
وقد حدث كل ذلك بعد أن تأكد من براءتها وعلم أن كل ما حدث كان مجرد خطة قذرة رسمت من قبل صديقتها وابن عمها ليفترقوا عن بعضهم ولتكن هي وحدها منفصلة عنه، لتقترب منهم ولينالوا ما أرادوا منها.
وقد علمت هي الأخرى أنه بريء ولم يخونها، لم يفعل أي شيء وحاول طيلة الوقت أن يجعلها تتفهم ما الذي تفعله صديقتها من خلفها لكنها لم تستمع إلى حديثه. إنما الآن كل شيء اختلف وعادت الأمور إلى طبيعتها وأفضل من السابق، الاختلاف الوحيد هو عدم وجود عائلتها معها ولكن كان هذا قضاء الله ولا تستطيع الاعتراض عليه. رحمة الله عليهم.
أغلق باب غرفة النوم بعد أن دلف إليها معها، استدارت تنظر إليه مرتدية فستان عرسها الرائع عليها، مظهره يخطف الأنفاس مع جمالها الغير طبيعي بالمرة بعد أن أعادت لون خصلاتها الطبيعية مرة أخرى وأصبح لونها ذهبي.
بعينيها كانت تلقي عليه النظرات المصاحبة للخجل المُميت خصوصًا بعد تصالحهما معًا وعودة الأمور إلى طبيعتها واعترافهم بالحب لبعضهم من جديد، اخفضت عينيها الزيتونية عن خاصته إلى الأرضية بخجل واضح وابتسامتها مهزوزة ولكنه رأى القلق واضح أكثر من كل شيء على ملامحها الرقيقة.
أقترب منها بخطوات ثابتة وعيناه عليها لم تتحرك، وقف أمامها وأمسك بيديها الاثنتين بين يديه، عينيه تهتف بالحب الموجود داخله لها، ملامحه توزع تبسمات رائعة خلابة إليها.
حمحم بخشونة ثم ضغط على يديها الاثنين محركًا شفتيه وعيناه البنية عليها قائلاً بحنان مبالغ فيه:
"ألف مبروك يا بطل.. أخيرًا بقيتي ليا وبرضاكي."
ارتعشت شفتيها المكتنزة وهي تجيبه قائلة وعينيها تنظر في الأرضية:
"الله يبارك فيك.. مسمعتش يا بطل دي من زمان أوي."
ترك يد من يديها الاثنين وقدم كف يده إلى وجهها أسفل ذقنها ليرفعه إليه ويجعلها تنظر إليه بعينيها دون خجل وبحنان خالص وشغف لا نهائي ناحيتها:
"اتعودي عليها بقى من يوم ورايح."
ابتسمت بخجل وقلق أكثر منه، وخوف أتى من بعده لتقع في موقف لا تحسد عليه، زقزقة عصافير بطنها وهي تراه يقترب منها ويده مازالت تتمسك بوجهها.
زحف الخوف ببطء إلى قلبها وتربع داخله، القادم لا تطمئن له!
ترك يدها وعاد بيده اليسرى إلى خلف خصرها يتمسك به ضاغطًا عليه مقربها منه ويده اليمنى مازالت تتمسك بوجهها ليجذبها ناحيته أكثر، استنشق عبير أنفاسها الساخنة التي تخرج بلهث لا يدري ما سببه.
أقترب منها بشفتيه واضعًا إياهم على خاصتها بحنان ورفق، بشغف وجنون وكل الكلمات متضادة في ذلك الموقف. قلبه لا يطيق الانتظار وجسده يحترق شوقًا للمساتها الحنونة الذي حُرم منها منذ زمن. لن يستطيع أن يكون هادئ أكثر من ذلك.
أقترب منها بلهفة عاشق قتله الانتظار للتمتع بأحضانها وقربها منه، أقترب بشغف مجنون عاش بعيدًا عن حبيبته في حين أنه كان يحترق بالنيران المُلتهبة وهو يراها أمامه ولا يستطيع الاقتراب وكأنها منطقة محظورة.
لحظات وأخرى مرت، أخرى وغيرها مرت، أصبحت دقائق وخلفها دقائق لتكون وقت ليس بقليل أبدًا، نهش القلق قلب الاثنين، بل كل منهم وضع قلبه على كف يده في الانتظار المحكوم عليه بالإعدام قبل بداية العد.
بعد كل هذا كان "عامر" يقف في شرفة الغرفة بعد أن ارتدى بنطال بيتي وقميص داخلي فوقه، بيده سيجارة لا يعلم ما عددها أهي الخامسة أم السادسة التي لا تأخذ دقيقتين بيده وتنتهي!
عينيه كان الشرر يتطاير منها، قلبه مطعون بخنجر ليس بحاد ولم يكن خنجر من الأساس بل كان سيف من السيوف الذي تستخدم في الحروب، تأتي على رأس الشخص من بعيد تحتم عليه بالقتل.
الغضب أعمى عيناه والكره احتل قلبه المقتول، أصبح السواد يملؤه وبشدة إلى نهايته، رجولته مطعونة كقلبه تمامًا، واسمه مدوس بالأقدام الموسخة.
ألقى السيجارة الأخيرة على الأرضية أسفله ودعسها بقدمه دون أن يكون مرتدي حذاء بها، لم يشعر بحرقة أو جرح في قدمه بل شعر بالحرقة هذه في قلبه، وقف شامخًا، بجسد متشنج ووجه مكفهر غاضب بشدة، ملامحه الآن ملامح مجرم قاتل لا مثيل له.
استدار ودلف إلى الغرفة بعينين سوداء ليست بنية، حادة قاتلة، وقف أمامها بثبات وهدوء ورآها مرتدية روب أبيض اللون! كان من المفترض أن يكون أسود كالذي سيحدث الآن.
خفضت وجهها في الأرض وتبكي بقوة كان يستمع إليها في الخارج ولكن هذا لن يغفر لها، أقترب منها ببطء وهدوء ما قبل العاصفة، إلى أن وقف أمامها بجوار الفراش، أمسك بذقنها وجعلها تستدير بوجهها إليه ليرفعه ناظرًا إلى عينيها ثم قال بجدية شديدة وقسوة لا نهائية:
"مش قولتلك لو اكتشفت إنك كدابة هاخد روحك؟ ولا أنتي مكنتيش مصدقة إني أعملها!"
نظرت إليه بعينيها الباكية المقهورة مما حدث، تبكي وتنتحب بقوة وشفتيها ترتعش بل جسدها بالكامل يرتعش خوفًا منه وهو ليس هينًا أبدًا هذه المرة.
جعلها تنظر إليه وفي لحظة صمت لا يستمع بها إلا لشهقات بكائها لطم وجهها بكف يده بقوة شديدة جعلتها ترتمي بجسدها على الفراش، فازدادت في البكاء أكثر وهتفت بقهرة وخوف وقلبها يرتعد منه:
"وأقسم بالله ما عملت حاجة.. والله مخونتكش يا عامر صدقني."
يضحك بسخرية شديدة وتعالت ضحكاته في الغرفة وهو يجذبها من ذراعها مرة أخرى قائلاً بحرقة:
"أصدقك آه.. اومال لو مكنتش اتأكدت بنفسي كنتي هتقولي إيه؟"
مرة أخرى هبط على وجهها بصفعة غير الأولى فصرخت بعنف وخوف شديد وهي تبتعد عنه زاحفة بجسدها إلى الناحية الأخرى من الفراش وصوتها يعلو ببكاء حاد لكنه لم يستمع إلى كل هذا ولم يراه هو فقط الآن يراها وهي تخونه وتلقي شرفه وعرضه في أحضان ذلك الحقير القذر التي تركته وركضت إليه.
استند بقدمه اليمنى على الفراش وأقترب منها جاذبًا إياها من خصلات شعرها القصيرة التي تغير لونها إلى ما يحب ولكنه كاد أن يقتلعها بيده وهو يجذبها بعنف وقسوة شديدة:
"تعالي.. قولتلك هقتلك ولا لأ؟"
هاتك بخصلاتها بيده بشراسة وهو يجذبها إلى أسفل الخلف كي يستطيع رؤية وجهها بوضوح، ورمت وجنتها من أثر صفعاته، رآها تبكي بعنف شديد للغاية وتنتحب أكثر والخوف على ملامحها يحكي بكل ما أخفته عنه، لقد كان مظهرها يثير له.
صفعها مرة أخرى بيده بقوة وأخرى خلفها تحت صراخاتها ويدها التي تحاول إبعاده عنها وصوتها الذي يستنجد بأي أحد ولكن لا يوجد.
خرجت الدماء تسيل على جانب وجهها من شفتيها المكتنزة بغزارة واختلطت مع دموع عينيها الباكية بارتعاش.
دفعها للخلف فاصطدم ظهرها بالفراش تنام عليه، ظهرت ساقيها من ثوبها الذي لم تحكم إغلاقه ولكن هذا لم يكن إغراء بالنسبة إليه فهو يشعر بالنفور منها، نظر إليها، إلى رعبها منه وخوفها الظاهر بقوة، واستمع إلى حديثها الذي يكذب ما حدث منذ قليل ولكنه الآن في حالة اللا وعي، نظراته كانت ثابتة حادة عينيه عليها بقوة لم تشفق على أي مما صدر منها.
أقترب ينحني فوقها ثم في لحظة لم يشعر بها إلا بشراسة حبه وقسوة غرامة عليها لف يده الاثنين حول عنقها كالسابق ولكن هذه المرة لن يستفيق سيفي بوعده ويقتلها. سيغسل عاره بيده الاثنين هذه. سيجعلها تصعد إلى بقية عائلتها فهو لا يحتاج إليها بعد الآن، توسلته وصرخت كثيرًا إلى أن ضاعت أحبالها الصوتية، حاولت بيدها المرتخية أن تبعد يده عنها.
نظراته نحوها لم تكن حزن أو عتاب كما المرة السابقة بكل كانت كره خالص. كراهية لا مثيل لها ولم تراها بعينه سابقًا، شراسة وقسوة لم تتعامل معهم من قبل هذه المرة الأكثر عنفًا على الإطلاق.
لم تستطع فعل أي شيء معه، ذهب صوتها بعد البكاء والصراخ، جفت الدموع من عينيها واقتربت النهاية، ارتخت يدها كليًا ووقعت جوارها على الفراش، انقطع نفسها في لحظة واحدة لم تكن اثنتين. وبقيت عينيها مفتوحة على وسعها كما هي دائمًا.
هنا انتهت "سلمى القصاص" زوجة "عامر القصاص" هنا انتهى الحب الذي كان بينهم. انتهت العلاقة السامة التي كانت تجمعهم سويًا. انتهت وهو متأكد من أنها خائنة دنست حبهم وقتلت البراءة داخلها بقذارة أفعالها.
نظر إليها بعينين دامعة خائفة، عاد للخلف بخوف وارتعاب مما قد حدث، أيعقل أنه قتلها؟ قتل حبيبته؟ زوجته؟ قتل "سلمى" مناه الوحيد من الدنيا، ضرب وجنتها بيده بخفة وهو يهتف باسمها بخفوت والرهبة تقتله بعد أن دق قلبه بعنف:
"سلمى! سلمى؟ أنا مكنش قصدي.. سلمى قومي."
يحاول معها كثيرًا ولكنها أمامه جثة هامدة، تنام على ظهرها عينيها متسعة مفتوحة إلى آخرها وقد توقف قلبها عن النبض وهو سلب منها أنفاسها، وجهها متورم من ضربه لها والدماء على جانب وجهها، والدموع على جانبيها تترك أثر يقتله.
تركها وعاد للخلف بجسد يرتعش، وقف على قدميه على الأرضية ولكنها لم تحمله فوقع على الأرضية جالسًا عليها ينظر إليها بعتاب خالص وخوف ورهبة، بحب وعشق، ينظر إليها بندم وقهر. حرقة قلب لرجل عاشق خانة الحب ومن حبه.
خرجت الدموع من عينيه وكانت هذه المرة الثالثة والمتسبب الوحيد بها هي كسابقها. جلس ينظر إليها باكيًا بصوت ارتفع عاليًا ليملأ المكان من حوله، انتحب بعنف وقوة وتتالت شهقاته القاسية العنيفة وهو يهتف:
"ليه يا سلمى ليه.. أنا كنت بحبك أكتر من نفسي.. ليه."
ارتفعت شهقاته وازداد بكائه وهو ينظر إلى جثة حبيبته التي وعدها بالقتل وقد قام بتنفيذ وعده، كانت علاقتهم سامة ولكن الحب بها عميق، قتلهم الحب، قتلهم الحب وأبعدهم الفراق وابتعدت الأرواح عن بعضها لأسباب غريبة لا يصدقها أحد. ماتت "سلمى القصاص" على يد زوجها وحبيب عمرها، سارق أحلامها "عامر القصاص" وكتبت بالجرائد جريمة "ومن الحب ما قتل".
رواية بين دروب قسوته الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندا حسن
تعرق بكثرة في نومته، المياه تُسير على وجهه وعنقه ومقدمة صدره بغزارة، يضغط على عينيه بقوة وهو نائم على ظهره يشاهد كابوسًا بشعًا مر أمامه في نومته.
فتح عينيه على مصراعيهما وانتفض جالسًا على الفراش يتنفس بصوت عالٍ وأنفاسه مسلوبة منه بغير إرادة.
مر شريط كابوسه على عقله وهو جالس على الفراش يحاول أن ينظم وتيرة أنفاسه، والتفت برأسه إلى الطرف الآخر من الفراش بقلق ولهفة ليراها تنام جواره سالمة بوجه صافٍ بريء.
تنهد بضيق وهو يمسح على وجهه ثم وقف على قدميه وتوجه ناحية المقعد أمام الفراش وجلس عليه.
ألقى ظهره للخلف يستند إلى ظهر المقعد وجسده مُرتخي للغاية مازال مُتأثرًا مما شاهده.
لقد كان كابوسًا بشعًا للغاية، لقد قتـ ـلها به وجلس يبكي جوارها.
قـ ـتل حبيبته بعد أن أصبحت زوجته وملك له ثم جلس على الأرضية ينظر إليها باكيًا يندب حظه معها.
يا الله.. لقد كان عذابًا شديدًا للغاية.
شعر بذلك الشعور الذي لطالما تمنى أن لا يتوصل إليه بحياته، حتى عندما تأكد من براءتها في الحقيقة، أتى المنام ليجعله يشعر بوخزة رجولته وطعنته الذي أخذها في ظهره منها.
يعتقد أن ذلك عقاب.. عقاب كبير لا يستطيع أن يعترض عليه.
مسح على وجهه ثانيةً ونظر إليها وهي نائمة كملاك، والله هي ملاك لا مثيل له منذ البداية وهو يقول عنها هكذا، تنام على الفراش تأخذ حيزًا صغيرًا للغاية بقميص أبيض كان رائعًا عليها، بعينين بريئتين مغمضتين وشفتين مضمومتين، يا لروعة هاتين الشفتين.
تلك الأهداب ووجنتيها المُكتنزة وكل ما بها.. خيال يسبح به، صنع خالق يتأمله بتمعن وبطء وتروٍ، كي يفهم الحكمة من كل هذا الجمال.
وقف على قدميه وجلب علبة سجائره من على الطاولة ثم ذهب إلى شرفة الغرفة وفتحها بهدوء كي لا تستفيق ودلف إليها ومرة أخرى أغلق بابها ساحبًا إياه.
وقف في الشرفة وأشعل سيجارته ينظر إلى الخارج ورفع يده إلى فمه يشتنشق الدخان بشراهة متذكرًا ما حدث بينهما منذ ساعات.
نال منها ما يريد وشعر بأنه يسبح في عالم خيالي ليس موجودًا على أرض الواقع الذي يعيش به معها، أخذ ما طلب ونال مُراده وليته لم ينله يومًا.
هذه كانت المرة الأولى وحدث من خلالها إدمان لوجودها معه بتلك الطريقة، شعور لا يوصف مع زوجته حلاله وملكه.
شيء لم يكن يأتي على خُلده في يوم من الأيام والشعور باللذة فاق كل شيء.
تأكد من براءتها وعفتها، تأكد من أنها ابنة عمه البريئة النقية التي لطالما كانت وستكون كما هي.
تأكد من أن كل ما حدث ما كان سوى خطة قـ ـذرة من صديقتها وابن عمها للتفرقة بينهما بهذه الطريقة.
إيناس لديها عنده مفاجأة ولكن هو صبور للغاية ويحب ذلك.
ابتسم وهو يقترب منها على الفراش ناظرًا إليها بشغف وحب كبير وهناك رغبة حادة تلح عليه أن يأخذ المزيد.
"ألف مبروك.. دلوقتي بس أقدر أقولك."
رفعت عينيها إلى عينيه بهدوء وخجل بتلك الحمرة المشتعلة على وجنتيها.
"الله يبارك فيك."
تابع قائلًا هذه المرة بجدية.
"أنا عايز أتكلم معاكي."
أجابته وهي تتابع عينيه بهدوء وتروٍ تهتف بنبرة خافتة.
"أنا كمان عايزة أتكلم معاك."
رفع يده الذي كان يستند بها على الوسادة مقدمًا إياها إلى يدها على ركبتها، تمسك بها جيدًا ونظر إليها بهدوء وجدية بذات الوقت.
"سلمى أنا بحبك.. بحبك دي كلمة قليلة على اللي جوايا ليكي.. أنا بدمنك، مكنتش أتمنى نبعد أبدًا مهما حصل بس أنا عايز أقولك إن والله العظيم أنا مخوفتكيش لما شوفتيني في النايت، أنا معرفش البنت اللي كانت معايا جت إمتى وإزاي، أنا حتى وأنا سكران وبقعد مع ستات ببقى أنا اللي جايبهم وبحس باللي بعمله، لكن دي لأ، أنا مش كداب، أنا عمري ما كدبت عليكي.. أنتي حتى على طول بتقولي إني بجح بسبب إني بقول الحقيقة حتى لو وحشة."
أومأت إليه برأسها وعيناها ما زالت تتابع عينيه بتركيز، تود أن تستمع إلى كل حرف يأتي منه وتقتنع به، لا تريد الفراق مرة أخرى فهي قد اكتفت.
قالت بعقلانية.
"أنا فهمت بعدين إن إيناس اللي عملت كده وقولتلك إن هي اللي صورتك ليا وقالتلي على مكانك."
أغمض عينيه على ذكرها، لديه ماضي معها لا يريد ذكره ولا تذكره، قد يكون القشة التي قسمت ظهر البعير.
"عارف يا سلمى.. دي حاجة، لأ دي أهم حاجة واللي خلقت كل ده بينا، أنا مخوفتكيش.. الحاجة التانية الصور اللي هددتك بيها.. الصور دي إيناس اللي بعتتها ليا وأنا فعلًا اللي سرقت موبايلها بس علشان أحميكي مش علشان حاجة تانية."
تسائلت بنبرة جادة متابعة لملامحه.
"وليه فضلت الصور معاك؟"
أخفض وجهه للحظة على الفراش ويدها بين يديه ثم رفع وجهه وعينيه إليها قائلًا.
"فضلت يا سلمى.. لكن عمري ما كنت هأذيكي بيهم مهما حصل."
عقبت على حديثه بثقة وتأكيد وهي تعلم جيدًا أنه لا يستطيع فعلها ويقوم بإلحاق الأذى بها.
"أنا كنت متأكدة من ده بس كلامك وطريقتك خوفتني وفي نفس الوقت فوقتني."
أكملت ناظرة إليه بعتاب ونظرتها منكسرة من عينيها الزيتونيتين تجاهه تلومه على تفكيره وكل أفعاله.
"أنا كنت واثقة فيك وعارفة إيه اللي ممكن تعمله وإيه اللي لأ.. بس أنت! أنت شكيت فيا بدل المرة كتير في حاجة مستحيل أعملها ولو على رقبتي."
برر موقفه ودافع عن نفسه وهو يسرد عليها كل خطأ توجهت نحوه وفعلته وهي بعيدة عنه.
"شكيت فيكي لأنك اتخليتي عن مبادئك، سهر وبقيتي بتسهري وفي أماكن وحشة إنتي كنت طول عمرك بتكرهيها، شقق وبقيتي تروحي ومتقوليش مع ناس عرفاهم.. كان معاكي راجل لو هو تمام التمام وإيناس كمان زيه أقل مسكة إيد منك كان هيبقى عايز يقربلك."
تابع بحرقة وكره شديد لكل ما حدث بينهما في هذه الفترة.
"غير اللي إيناس قالته ليا وأنتي بنفسك سمعتي أول مرة أنا مصدقتش على الرغم من إن كلامها كان صح ولقيت الزفت ده عندنا في البيت بيتقدملك.. بس قولت لأ مش سلمى اللي تعمل كده، لكن هو كمان يقول ويقول على حاجة فيكي أنا نفسي معرفهاش وألاقيها لأ صعب يا سلمى صعب."
نظرت إليه وهو يسرد حرقته ولهفته، حديثه به منطق وأي شخص مكانه لفعل، هي نفسها لم تكذب فكرة أنه يخونها ومن بعدها حدث كل هذا الخراب.
قالت بنبرة مُستنكرة وهي رافعة حاجبيها للأعلى تتحدث بجدية.
"أنا لحد النهاردة معرفش هو إزاي عرف مكان الحسنة اللي في ضهري."
تابع على حديثها قائلًا باندهاش.
"أهو ده اللي جنني، إنتي قولتي كمان إن إيناس مشافتهاش لما سألتك.. حتى لو كنتي كدبتي وقولتي شافتها كنت أنا هسكت وأعرف أنها هي اللي قالتله لكن إنتي قولتي لأ."
صمتت للحظة وهي تنظر إليه، الحديث بهدوء كهذه اللحظات من أفضل أنواع النقاش والتفاهم، ماذا لو كان حدث ذلك قبل عامين؟
في لحظة خاطفة طرحت عليه سؤالًا غير متوقع أبدًا.
"إنت ليه كنت متأكد من إن إيناس هي اللي عملت كل ده بينا.. وأنها وحشة أوي كده؟"
نظر في عينيها مُباشرة، أيتحدث؟ لا سيكون سخيفًا للغاية إن تحدث الآن وقال لها ما كان بينهما، ترك يدها وحك أرنبة أنفه بإصبعه الإبهام ثم هتف.
"من أول يوم شفتها معاكي فيه وأنا قولتلك إنها بنت مش كويسة.. واحدة بتسكر وتسهر مع رجالة في أماكن وحشة هتبقى إيه؟"
أومأت برأسها مُقتنعة بحديثه ولكنها مرة أخرى قالت.
"طب هي ليه كانت عايزة تفرقنا.. ليه عملت كل ده أنا معملتش فيها حاجة أنا حتى عرفتها بالصدفة.. يعني مكانتش مرتبة إن هي اللي تعرفني لأ أنا اللي كلمتها الأول."
حرك كتفيه للأعلى والأسفل بعدم معرفة ولوى شفتيه ثم قال.
"مش عارف بس يمكن تكون مزقوقة علينا ودي كانت خطتها.. إنك إنتي اللي تعرفيها الأول وتكلميه."
تسائلت وهي تحرك رأسها باستغراب.
"مزقوقة من مين؟"
قال بعفوية كي ينتهي من الحديث عنها ويتجه إلى شيء آخر لأنه لا يضمن مدة سكوته.
"من عمها وابنه مثلًا، منا قولتلك قبل كده دول منافسين كبار لينا ومش بس كده ناس قادرة متعرفش الحلال من الحرام نهائي كل شيء عندهم مباح حتى القـ ـتل."
مرة أخرى تردف بغباء.
"وهما مالهم بيا؟"
ابتسم ساخرًا من كتلة الغباء المتحركة الموضوعة أمامه.
"علشان إحنا مثلًا.. علشان يوصلولنا."
صمتت بعد أن انتهى من حديثه وعقلها كان يعمل والتفكير داخله يدور بآلات في الداخل لا تتوقف أبدًا.
استمعت إليه مرة أخرى يقول بنبرة رجولية خشنة.
"أنا بحبك ومش مستعد أخسرك لأي سبب.. عيني عمرها ما فرحت بنظرة واحدة غيرك ولا قلبي عمره دق لواحدة غيرك.. من دلوقتي بقولك إني رميت كل اللي كان عندي عليكي وببدأ من جديد ومستني موافقتك."
جذبت يدها منه فنظر إليها بخوف وقلق لما قد تبتعد! ولكنه وجدها هي من تتمسك بيده فارتاح قلبه وتابع نظراتها المليئة بالحب وهي تقول.
"وأنا بحبك ومش مستعدة أخسرك لأي سبب.. أنا خسرت كتير ومفاضلش غيرك نقطة ضعفي.. نفسي تتحول لقوة وأضمن وجودنا مع بعض طول العمر."
أبعد يده منها وأقترب جاذبًا إياها إليه واضعًا يده الاثنين خلف ظهرها يدلف بها في عناق أبدي وكأنه ملحمة ملتهبة للعشاق وأردف بثقة وهو على هذا الوضع بجوار أذنها.
"أنا نقطة قوة ليكي مش ضعف.. معاش ولا كان اللي يضعفك، أنا جنبك وفي ضهرك طول العمر مهما حصل بينا ولحد آخر نفس فيا."
عادت للخلف وهو الآخر واضعًا يده الاثنين حول وجنتيها يعيد خصلاتها الذهبية الرائعة إلى خلف أذنها وينظر إليها بعينين لامعة بالحب والسعادة.
ثم أراد أن ينهي ذلك قائلًا.
"لو عايزة تقولي أي حاجة أنا هسمعك.. مش عايز حاجة مستخبية بينا."
ترددت وهي تتابع عينيه، شعرت بقبضة داخل قلبها وقفصها الصدري يضيق عليها كلما تذكرت ذلك التهديد الذي سيأخذه منها.
تشجعت ووضعت يدها الاثنين فوق يده تبصر عينيه البُنية بشغف، وتحدثت بجدية.
"أنا بحبك وعمري ما عرفت الحب ده غير معاك، علاقتي بهشام كانت عشان أنساك.. كنت بأنب نفسي كل يوم أنا إزاي عايزة اتجوز واحد غيرك بس كان في حاجز كبير بينا.. مـ ـوت أهلي كان صعب كنت متخيلة إنه بسببك.. كنت بس عايزة أضحي وأخرجك من حياتي وكانت الطريقة دي بس اللي تنفع معاك."
أومأ برأسه وابتسم ضاحكًا.
"عارف كل ده."
ابتلعت ما وقف بجوفها وتابعت تترقب عينيه جيدًا.
"أنا كنت عايزة أجل الفرح عشان حاجة أنت متعرفهاش."
أبعد يده الاثنين عنها فهبطت بيدها هي الأخرى واضعة إياهم على فخذيها، تابعها بدقة وقد كان يعلم ذلك منذ أول رفض لها ولكنه غفى عنه.
"ايه هي؟"
"هأردفت تسرد إليه بهدوء وشفتيها المُكتنزة تتحرك أمامه بإغراء يحاول ردعه.
"هشام جالي الجمعية.. هددني إني لو اتجوزتك هيموتك وهو يقدر يعمل ده عشان…."
بترت حديثها ونظرت إلى يداها مُخفضة رأسها فاستغرب هو ورفع وجهها بيده مُتسائلًا.
"عشان إيه يا سلمى؟"
رأت الاستغراب بعينيه، الدهشة والغيرة، العتاب والتساؤلات المستمرة.
"عشان في المرة الأولى اللي ضربك بالمطوة هو اللي زقه عليك."
تسائل باندهاش مُضيقًا عينيه عليها.
"وإنتي عرفتي إزاي؟"
أردت بهدوء.
"هو اللي قالي."
تابع عينيها التي تريد أن تبتعد عنه وقال بعد أن فهم سبب إصرارها على وضع حارسة مشددة على أبواب الفندق ومعهم إلى الآن في الخارج.
"علشان كده أصريتي نعين حراسة؟"
أومأت برأسها إليه فتابع الحديث.
"إنتي لسه على تواصل مع حد فيهم؟"
نفت مُسرعة ذلك السؤال رافعة رأسها إليه.
"لأ طبعًا أنا غيرت رقمي ومحدش يعرفه خالص غير ناس مهمة في الجمعية وانتوا."
أومأ برأسه إليها ثم جذب رأسها إليه لتميل به على صدره فقال مُمازحًا إياها.
"كنتي خايفة عليا بقى؟"
رفعت يدها على صدره وقالت برقة وحب.
"لو مخوفتش عليك هخاف على مين؟"
صاح بصوتٍ عالٍ وهو يبعدها عنها مُنتفضًا على الفراش.
"إلعب.. إيه الحلاوة دي؟"
غمزها بعينه الوقحة الجريئة مُشيرًا برأسه على الفراش.
"ماتيجي؟"
صاحت وهي تبتعد عنه للخلف.
"إيه الجنان ده بقى؟"
قبض على يدها جاذبًا إياها يلقي بها على الفراش تنام على ظهرها وأعتلاها في لمح البصر.
"بعدين إيه.. ده حرمان سنين."
مال عليها وهي تضحك بصخب على طريقته المازحة وابتلع باقي ضحكاتها في فمه بعد أن وضع شفتيه على خاصتها يقدم إليها تلك القبلة المشتعلة بالرغبة والحب مُتخفيًا في ثناياه حنانه عليها.
والذي لا يظهر في أي وقت بل له مع "عامر القصاص" مواعيد محددة كهذه الآن ليجعلها تعشق اقترابه منها.
أبعد "عامر" أنظاره إلى الساحة الخضراء الذي في الأسفل أمام الفندق المُقيم به بعد أن عاد بتفكيره مرة أخرى بعد انتهاء تذكره لما حدث مع انتهاء سيجارته، فأخذ غيرها من العلبة مرة أخرى يشعلها ويقربها من فمه.
دارت دوامات عقله مرة أخرى خلف بعضها تحاول أن تتفهم ما الذي يفعله الجميع من خلفه وما الذي عليه فعله هو الآخر، وهذا كان يعلمه جيدًا.
أول شخص عليه أن ينال ردًا رادعًا منه، "إيناس" عليها أن ترى الوجه الآخر له، تركه لها إلى اليوم ليس ضعفًا منه ولا خوفًا منها، إنه فقط تركها تفعل ما يحلو لها ليرى إلى أين ستصل بعد كل ذلك، تركها لأنها فتاة ليس لها عائلة من الأساس يراها يتيمة ويخاف أن يقوم بأذيتها فيحمل ذنبًا أكبر على ذنوبه الكثيرة، يخاف أن يعود الأذى إلى شقيقته أو زوجته بما كما تدين تدان.
تركها ولكن تركه لها جعلها تفكر أنه ضعيف أو خائف أو ليس لديه أفكار ليقوم بالرد عليها بها.
بل هو شيـ ـطان على الأرض ولن تتوصل أبدًا إلى مستوى تفكيره في الانتقام.
لقد فعل معها كل ما هو جيد وتركها إلى النهاية، تركها الآن ستجد الرد الصادم لكل ما فعلته به وبحبيبته، وسيكون أشد وأعنف من أي شيء قد مرت به في حياتها بالكامل وعليها أن تتحمل.
"عامر القصاص" ليس بهين أبدًا.
فقط صبرًا هو لا يحب التعجل في الأمور الحازمة.
بينما ذلك الأخرق ابن عمها، هو حقًا مُتحير في أمره! لما قد يفعل ذلك به ولما قد يفعل ذلك بـ "سلمى"، ما الذي يريده منهم.
هو لا يحبها ولن يحبها إذًا ما الذي يريده، لا يتذكر يوم أنه واجهه في شيء، ولا يتذكر أنه كان عدوًا له أو عمل معه، تفكيره يقول إن هناك شيء لا يعرفه هو.
ويعرفه والده، كيف لا يدري ولكن هذا ما توصل إليه، والده عندما تحدث معه في وجوده كان غريبًا وبعد رحيله كان أغرب وعلاقته به منذ ذلك اليوم وهي في تحسن دائم، لم يرتاح قلبه لما قاله وشعر أنه يخفي شيئًا عنه والآن قد تأكد من ذلك حقًا.
عليه أن يعرف ما الذي حدث أو ما السبب في كون "هشام الصاوي" يكرههم إلى هذه الدرجة ويريد الأذى إليهم والذي يوصله إلى قتـ ـله، أيعقل أن يكون السبب "إيناس"؟
قد تكون قصت عليه ما كان بينهما؟ ولكنه لم يتقدم خطوة واحدة خطأ معها عاد عن الأمر في لمح البصر.
ويعتقد أن "إيناس" لم تقل لأي أحد بل السر بينهم هما الاثنين فقط.
ما الذي من الممكن أن يكون مخفيًا عنه؟! حتمًا سيعرفه الآن أو بعد عام.
سيعرف كل شيء.
انتهت السيجارة فدعسها على سور الشرفة بيده وتوجه يدلف إلى الداخل بهدوء كما خرج كي لا يزعجها، أقترب إلى الفراش مكان نومه ثم صعد إليه وأقترب إليها في نومته جاذبًا إياها في أحضانه، تلملت وهو يجذبها فأقتربت منه ونامت بالقرب منه تحتضنه كما فعل تشعر بالأمان والراحة في قربه وسكينته.
بعد أسبوع.
فراشات أجنحتها ملونة بألوان زاهية وأخرى بأشكال رائعة، تطير في حديقة شاسعة بها كثير من الزهور ذات المظهر الخلاب وكانت هي من بين تلك الفراشات تحلق وتعلو وتهبط على إحدى الزهور لتسرح وتستنشق عبيرها.
كانت هذه حياتها في الفترة التي عبرت بها معه الطريق بعد زواجهما.
كانت كعصفور طائر ظل لأعوام في سجن صغير تناساه من وضعه به ورحل ثم دون أي مقدمات تذكر وجوده وأطلق سراحه فحلق مبتعدًا في السماء بين السحابة الزرقاء ينظر إلى الأرض من الأعلى ويتأمل سعادته.
كانت مثل امرأة هواها الحب وبعد أن تركها لألامه جدد ما تركه لها بالسعادة والحب الخالص.
بعد النقاش الطويل الذي حدث بينها وبين زوجها وإيضاح كل منهما ما فعله للآخر وما سبب فعله، بعد أن أعترف كل منهما بحبه للآخر وحزنه في بعده نالوا سويًا جزءًا من السعادة التي حلموا بها.
لحظة وأخرى وأكتشفت أنها لم تفرح في حياتها قد، لم تبتسم ولم ترى السعادة، كانت خطيبته وحبيبته ولكن ما هذا الشعور الغريب وهي زوجته؟
ما تستطيع قوله فقط أنها لا تريد الابتعاد عنه بعد أن ذاقت لذة قربه، لا تريد النظر إلى اليمين وهو يقف في اليسار فقد ترهق عينيها بالنظر إلى شيء ليس له قيمة.
ذاقت قربه وحبه، حنانه ولهفته عليها، شغفه وحنينه لها، تعرفت معه على كثير من الأشياء وهي زوجته، كانت أول مرة لها أن تعلم كل ما علمته وأن ترى فيه كل ما رأته.
كان شخصًا آخر وبادلته ذلك.
كان كتلة من الحب المتحرك والمرح الرائع، كان زوجًا وحبيبًا وصديقًا وكل ما تشتهيه المرأة، في الفترة الصغيرة المنصرمة شعرت بكم من المشاعر بقربه لن تستطيع التخلي عنها بعد الآن.
وخاصة قربه الرومانسي منها.
يقتلها به ويعلم جيدًا ما الذي يفعله معها ليجعلها تود القرب أكثر منه.
خبيث كما قالت عنه.
عادت معه بالأمس إلى الفيلا، العلاقة مع الجميع أصبحت أهدأ وأفضل من السابق حتى والده، "هدى" أيضًا وقد علمت منه أنه تحدث معها.
كل شيء يسير الآن كما تريد وتتمنى، فقط تطالب بدوامه من الله.
ولكن بعد كل ذلك هل غفى عقلها عن صمته بعد أن صارحته بأفعال "هشام"؟
لم يهدأ عقلها عن التفكير للحظة واحدة أنها تعلم أنه ليس ذلك الشخص المسالم الذي يصمت عن حقه، ليس ذلك الشخص الذي يجعل كل هذا يمر دون العقاب الحاد منه.
تعلم أنه يفكر في شيء ما يريد فعله ولكن لم يصارحها به، لم يقل ما الذي سيفعله وما الذي أتى على عقله، وهي تخاف وتموت رهبة داخلها من أن يحدث له مكروه.
لن تتحمل ابتعاده هو الآخر، هذه المرة ستكون القـ ـاتلة لكل شيء بها أن لم تكن ذاهبة خلفه.
تخاف من تهوره المعروف دائمًا ولكن ذلك الصبر الذي يتحلى به يجعلها تفكر بجدية أكثر ما الذي يريد فعله معه؟ ولما قد يصمت إلى الآن؟
هل يريد أن يجعل الأيام الأولى لهم تمر بخير ثم يقوم بالبداية الناهية له؟ وما تفكيره من الناحية الخاصة بـ "إيناس"؟
فقط لو يريح قلبها ويقص عليها ما الذي يريد فعله ولكنه يجعلها تقلق أكثر وأكثر بذلك الصمت الذي يرهبها.
في لحظة صمت بينها وبين عقلها وجدت من يجذبها من ذراعها بحدة، التفت لتنظر خلفها فرأته هو واستمعت إليه يقول.
"تعالي عايزك."
سألته مصطنعة الاستغراب بعد أن جذبت يدها منه وعلقت عينيها بعينيه.
"عايز إيه؟"
أقترب منها خطوة فوقف أمامه لا يفصل بينهم سوى مسافة صغيرة للغاية فرفعت رأسها كي تستطيع النظر إليه بحكم طوله الفارع وقال هو بتهكم.
"هتستهبلي؟ مش قولتي لما أفطر ادينا فطرنا؟"
مرة أخرى تصطنع عدم الفهم وتنظر إليه محركة أهدابها عدة مرات.
"هو إيه ده اللي لما أفطر؟"
علم ما الذي تحاول فعله بالابتعاد عنه لتحاول رد له ما فعله معها بالأمس هنا، فصاح ضاحكًا بعد أن فهم مخططها وقال بجدية.
"وربنا أجيبها عليها واطيها هنا.. إنتي مش عملتي نفسك مقموصه امبارح ونمتي؟ والصبح قولتيلي أفطر؟ حصل ولا محصلش؟"
هذه المرة أجابته بدلال ورقة.
"ماليش مزاج."
ابتسم وأكمل حديثه موضحًا لها مقصده غامزًا بعينيه الخبيثة وحديثه الوقح.
"لأ وحياتك دا أنا عريس جديد وعندي طاقة مكبوتة لو طلعتها عليكي دفعة واحدة هتقتلك لكن أنا بطلعها بحنية فاهدي كده وقصري."
صرخت بوجهه وهي تنظر إليه باستغراب جاد بعد أن اعتدلت في وقفتها أمامه وتركت تلك الألاعيب الخاصة بها.
"طاقة إيه يا أبو طاقة إنت.. هي لسه مطلعتش."
فعل صوت بفمه ساخرًا عليها وأردف من بعده بثقة ونظرة متأكدة واثقة من قدراته الرجولية معها.
"تؤ تؤ اللي شوفتيه خمسة في المية منه."
توسعت عينيها الزيتونيتين عليه وأردفت مندهشة تحرك شفتيها المُكتنزة ثم قالت مقترحة عليه.
"خمسة!؟ على آخر الشهر أكون موت؟ لأ بقولك إيه أنا ماليش في الجو ده إحنا خلصنا أسبوع العسل الحلو بتاعنا نعمل جدول بقى."
تابع عينيها وحديثها الأخرق وقال بجدية.
"جدول.. هو أنا كنت متجوز عشان أعمل جدول.. تعالي بدل ما أجـ ـدولك أنا."
عادت للخلف خطوة رافعة كتفيها الاثنين قائلة بدلال وغنج.
"طب خلاص ابقى شوف مين هيقابل الطاقة بتاعتك بقى."
أشار إليها بيده وابتسم ضاحكًا بثقة وغرور.
"إنتي وحياتك."
عادت للخلف مرة أخرى بسرعة أكبر وهي تهتف بمرح.
"لما تشوف حلمة ودنك."
تسائل باستنكار وهو يبتسم.
"بقى كده؟ طب قابلي بقى."
وجدته يقترب منها وعينيه الخبيثة تنوي على فعل شيء ما فذهبت مُسرعة تركض في الحديقة مُبتعدة عنه تضحك بصخب وصوتًا عاليًا للغاية، تطلعت خلفها وجدته يركض ناحيتها هو الآخر ويصر على الإمساك بها.
أخذت تركض في الحديقة بأكملها من هنا إلى هنا وهو خلفها بأقصى سرعة ولكن لم يستطع الإمساك بها.
صاحت وهي تركض بعيدًا عنه قائلة بصوت ضاحك.
"معقول مش عارف تمسكني؟"
أجابها وهو يركض خلفها قائلًا بوعيد.
"وديني منا سايبك النهاردة، هوريكي الوش التاني شكل الحنية معجبتكيش نتجه بقى لحاجة أنا بحبها."
وقفت حول الطاولة تلتقط أنفاسها الضائعة أثناء ركضها فوقف هو الآخر الناحية الأخرى يفعل المثل ناظرًا إليها ليستمع إلى سؤالها بنبرتها اللاهثة.
"حاجة إيه اللي بتحبها؟"
غمزها بعينيه وضحك بشدة لأجل انتباهها لذلك وقال بخبث ومكر.
"العنف."
صرخت به بضيق بعد أن كرمشت ملامحها وتوصل إليها مقصده.
"عـامـر لم نفسك إيه ده؟"
ما زال يضحك وأجابها بعدم اهتمام لانزعاجها من حديثه.
"هو أنا قولت حاجة ولا بكلم حد غريب.. جربي بس مش هتندمي."
أمسكت بالمزهرية البلاستيكية الموضوعة أعلى الطاولة ثم ألقت بها ناحيته ولكنه هو كان الأسرع وتمسك بها وألقى إياها خلفه من بعدها وقال بتوعد ناظرًا إليها بشر.
"وحياتك منا سايبك وهعمل بردو اللي أنا عايزة.. لأ بس بطل بطل يعني."
تركت الطاولة عندما وجدته يتقدم منها وصرخت عاليًا بصوت مُرتفع وذهبت راكضة تبتعد عنه وهو خلفها يُصر على الإمساك بها والنيل منها وأخذ ما يريد.
وكل ما يريد.
دَلفت إلى الفيلا ركضًا وقلبها يدق بعنف خوفًا من أن يقوم بإمساكها، ولجت إلى غرفة الصالون التي يجلس بها عمها وزوجته وذهبت سريعًا لتقف خلف المقعد الجالس فوقه قائلة بلهث عندما وجدت الآخر دلف الغرفة.
"بقولك إيه أنا في حماية عمي."
استدار ينظر إليها عمها باستغراب ثم وقف على قدميه يبادل ابنه الآخر خوفًا من أن يكون حدث بينهم شيء.
"في إيه مالكم؟"
لم يعلق ابنه على حديثه بل نظر إليها بغل وحرقة وأردف قائلًا بثقة.
"تعالي هنا ولمي نفسك أصل في الآخر هتعملي اللي أنا عايزة هي يعني أول مرة."
أدار عمها وجهه إليها وتسائل وهو ينظر إليها باستغراب.
"عايز منك إيه ده؟"
اندفعت تتحدث بجدية كي تشكيه إلى والده ولكنها بترت حديثها في المنتصف.
"شوف يا عمي عايز…."
تهكم عليها وابتسم ساخرًا يُشير إليها بيده وهو يقف في بداية الغرفة.
"ما تقولي له عايز إيه.. ولا علشان عارفه إنه هيقف معايا ولا تكونيش مكسوفة؟"
صرخت عليه بصوت حاد مغتاظ من أفعاله وحديثه ونظرت إلى عمها مرة أخرى ببراءة تحاول الكذب.
"أسكت بقى.. أسكت.. ده عايز، عايز مروحش الجمعية ينفع ده؟"
أتفق معها في حديثها الكاذب وهو على علم تام بالذي يحدث بينهم فحديثهم واضح للغاية ولكنه جارى حديثها قائلًا بجدية.
"لأ طبعًا بس يعني إنتوا لسه متجوزين يا سلمى."
تفوه الآخر بنفاذ صبر وضيق شديد قائلًا حديثًا خاصًا مسترسلًا فيه بتبجح.
"قولها.. قولها إننا لسه متجوزين وعرسان والعرسان بتقعد في أوضة النوم، وبيناموا على السرير، وبيعملوا…."
قاطعه والده قبل أن يكمل حديثه الوقح أمامهم قائلًا بعنف ونبرة حادة.
"إيه إيه ما تخرس شوية."
أشارت إليه "سلمى" على والده وابتسمت بشماتة.
"أهو قالك أخرس."
ضحكت والدته الذي كانت تتابع في صمت والإبتسامة على وجهها.
"صلوا على النبي يا ولاد الله."
عقبت "سلمى" بهدوء وأكملت بجدية وهي تتجه إلى الأمام تجلس على الأريكة بجوار زوجة عمها تتهرب منه.
"عليه أفضل الصلاة والسلام.. أنا هقعد هنا مع عمي."
رفع أحد حاجبيه مُستنكرًا ينظر إليها بجدية وثقة.
"بقى كده؟"
أومأت إليه وابتسمت وداخلها تعتقد أن عمها لن يتركها تذهب معه مادامت لا تريد ذلك.
"آه."
تدخلت والدته ثانيةً وهي الأخرى تتفهم ما الذي يحدث ولكن أرادت أن تضيف بمرح وخبث.
"هو أنا ليه حاسة إنكم بتهزروا أو في حاجة تانية بينكم؟"
أجابها "عامر" بسرعة ليقوم بعناد الأخرى.
"بصراحة آه أصل سلمى مش عايزة…."
صرخت سريعًا عليه قبل أن يكمل حديثه فهي تعرفه جيدًا لا يوجد عنده خط النهاية ليتوقف عليه بل كل شيء مباح.
"لما نفسك يا كداب."
أقترب منها وهو يصيح بتوعد وعيناه تحكي ذلك.
"أنا بردو اللي كداب طب تعالي بقى."
جذبها من يدها لتقف على قدميها وأخذها تُسير خلفه إلى الخارج تحت أنظار والديه المستمعين بما يحدث بينهم والإبتسامة على وجوههم.
ضغط على يدها بقوة كي لا تفلت منه هو يرى ذلك بعينيها وهي تضحك إليه ببراءة كاذبة، صاحت بدلال وحديث كاذب وهي تصعد معه الدرج إلى الأعلى حيث جناحهم الخاص.
"مش عايزة."
قلد نبرتها المتدلة عليه لتضحك هي بصخب خلفه وهو يُسير بها ثم أكمل حديثه مذكرها بكيف تكون معه.
"مش عايزة.. هي مين دي اللي مش عايزة؟ أومال مين اللي بتدوب زي السكر في الشاي بين إيديا؟"
استمرت ضحكاتها ولم تجب عليه، أنه يعلم أنها كاذبة وهي تعلم أنه يمزح، وكل ذلك ما هو إلا مرح ليس له معنى بينهم لتعكر صفوه فقط ويقوم هو برد الصاع صاعين لها.
ولكنها تخاف من طريقته الأخرى حقًا.
دفعها إلى الداخل قبله ثم دلف وأغلق الباب من خلفه، أمسك بذراعيها الاثنين وجذبها إليه ومال على شفتيها المُكتنزة يأخذهم منها بعنف وقوة ضاغطًا عليهما معاقبًا إياها بطريقة لذيذة ومحبة بينهما.
رفع إحدى يديه خلف رأسها متشبسًا بخصلات شعرها الذهبية مُتعمقًا أكثر في قبلته الشغوفة الخبيثة، سار بها إلى الداخل ولم تنقطع تلك القبلة التي دامت طويلًا، وقف بها في غرفة نومهم ثم ابتعد للخلف بوجهه فقط بعد لحظات يهتف بلهث ورغبة خوفًا من أن يكون حديثها صحيح.
"مش عايزة بجد؟"
ابتسمت بخجل وسعدت لأجل أنه يريد موافقتها بالبداية، لم تجب عليه بالكلمات بل أقتربت منه مرة أخرى تكمل تلك القبلة القاتلة لكلاهما واضعة يدها خلف رأسه تجذبه من خصلاته.
أكمل قبلته الدامية وتحركت يده وتوسعت أكثر في طريقها ثم دفعها للخلف ليبدأ ما أرادها هو.
وليس هي.
ألن يقولوا كل شيء مباح في الحرب والحب؟ هو يقول كل شيء مباح في الحب والرغبة.
طفل صغير، تعرض إلى الوحدة المُميتة بعد ترك والدته له، تخلت عنه وذهبت راحلة إلى الأبد ولم تفكر به أو تجعله يخطر على بالها، طفل في سنه الصغير ما الذي سيفعله من بعد والدته مصدر الحنان والأمان والشخص الوحيد الذي على دراية تامة بكل مطلباته.
رحلت تاركة إياه خلف ظهرها ولم تفكر في أي شيء سوى أن تبتعد عن والده فقط لأنها لم تستطع أن تكون مع حبيبها السابق.
وما ذنبه هو؟
لو كانت تكره والده وتحب غيره لما وافقت عليه من البداية؟ أم أن الأموال أغرت عينيها؟ ولو وافقت لما قد تنجب منه بعدما استمر الكره بينهما؟ لما فعلت كل ذلك به؟
لما أتت به إلى العالم القاسي هذا وتركته ورحلت غير شاعرة بأي مما يشعر به.
فضلت نفسها وذلك الخائن على ابنها، فضلت الجميع وهو لا.
كيف يلقبها بالأم هذه؟ كيف!
شعوره الدائم بالنقص لم يكن هين عليه، شعوره بأنه وحيد قاسٍ، مخادع وخبيث، لم يكن يريد كل ذلك ولكن والده أراد الانتـ ـقام من الرجل الذي أخلف الخراب في حياته، فدفعه هو الآخر للانتقام معه وقد كان على حق.
هل هو والدته تتخلى عنه ويبقى وحيدًا من بعدها دون صديق أو حبيب والآخر ينعم بالسعادة مع عائلته.
العين بالعين.
استدار برأسه ينظر إلى تلك الأخرى الغبية ابنة عمه، الذي كلفه والده بها اعتقادًا منه أنها بريئة لا يعلم أن ابنة أخيه فتاة برأس حية.
وجهها على شاشة هاتفها تنظر إلى صور "عامر" و "سلمى" في الزفاف، بعد أن لعب عليها وألقاها في أقرب سلة قمامة بعد أن علم أنها على علاقة بابنة عمه ولو من بعيد.
كم كان ذكيًا للتخلص منها.
أقترب إلى الداخل ووقف خلفها ينظر هو الآخر إلى الصور التي تمررها، كم كانت تلك "السلمى" جميلة للغاية، أيعقل أن هناك جمال بهذا الشكل، الشيء الغريب الوحيد أنه لم يغرم بها ولم يفكر في يوم من الأيام أن تكون شريكته حقًا.
على الرغم من كل ما تتمتع به إلا أنه لا يريد غير الانتـ ـقام وجعلها تبكي بقهر وذل مثل ما حدث به.
ومهما فعل لن تصل لذلك الشعور لأنه حينها كان طفلًا صغيرًا يتقلب على الجمر ولا أحد يشعر به.
قالت "إيناس" وهي تترك الهاتف بجوارها بحقد وانزعاج حقيقي بسبب فساد كل ما فعلته.
"مش معقول بعد كل ده يتجوزوا.. مش معقول."
عقب بجدية وتفكير صحيح.
"لأ معقول.. إحنا اللي مقرصناش الست سلمى كويس."
نظرت إليه وهي جالسة رافعة وجهها إليه بجدية وأردفت تبادله قائلة ما تعلمه جيدًا.
"سلمى طالما رجعت لعامر مش هتقدر تقرصها.. اسألني أنا خلاص كده هتستقوى بيه."
يسخر منها وهو يلوي فمه يسير للخارج مرة أخرى.
"في لمح البصر أقدر أضيعه وتبقى توريني هتستقوى بمين."
ضيق عينيها عليه باستغراب تحاول أن تفهم ما الذي يريد فعله.
"إنت ناوي على إيه؟"
ابتسم وأردف قائلًا بثقة وتأكيد.
"على كل خير.. ناوي على كل خير بس هما يستحملوا."
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بجدية تحاول أن تجعله يفهم تفكير "عامر" جيدًا قبل التصرف فهو إلى الآن يعتقد أنه لا وجود له.
"خد بالك عامر مش سهل وسكوته مش ضعف أنا عارفه ده كويس هو بس تقيل."
رد بهدوء موضحًا ما كان في مخططه.
"ده كويس أوي.. أنا بحب العدو التقيل مش الأهبل مع أنه مكنش في دماغي بس هو وقع في طريقي عافية."
ابتسمت هي الأخرى في لحظة وعقلها يدور به شرائط قديمة لهما هما الاثنين معًا، لو خرجت ستدمر الأخضر واليابس.
"فاضله كارت معايا.. بس كارت أحمر لو طلع هيجيب عليها واطيها."
قابله بعينيه بنظرة هادئة تقول لها صبرًا لكل شيء أوان.
"خليه دلوقتي هنحتاجه."
ابتسمت بسعادة معتقدة أن اللعبة ستنتهي في آخر محطة بالفوز لهما لا يهم أي شيء المهم أن تكون الفائزة على "عامر" بابتعاد "سلمى" عنه إلى الأبد.
بتركها له أو ذهابها إلى عائلتها.
لأ يهمها أكثر من ذلك.
نظر إلى الطريق جيدًا وهو يقوم بالقيادة ثم أردف مُجيبًا على زوجته عبر الهاتف.
"خلاص أنا جاي أهو في الطريق."
استمع إلى صوتها الناعم على الطرف الآخر تقوم بسؤاله.
"بتقول جايبلي إيه بقى معاك؟"
ابتسم باتساع ولمعت عيناه في لمحة وأجابها قائلًا بخبث.
"جايبلك حاجة حمرا فرايحي كدها."
استنكرت جملته مُكرمشة ملامح وجهها وأردفت مندهشة.
"فرايحي!؟"
أومأ برأسه ضاحكًا بصخب وصوت مرتفع في أذنها عبر الهاتف مُعقبًا عليها بلامبالاة.
"أنا بيئة عارف."
أكدت حديثه قائلة بثقة.
"جدًا."
ظهر أمامه على بعد مسافة أشخاص تقف في مُنتصف الطريق تقطعه عليه عمدًا واحدًا منهم يحمل بيده عصا كبيرة، وجوههم يظهر عليها الإجرام الشديد كالذين من قبلهم.
تغيرت نبرته إلى الجدية وأردف قائلًا.
"طب بقولك اقفلي بقى."
استشعرت تغير نبرة صوته مئة وثمانون درجة فتسائلت.
"في حاجة ولا إيه؟"
أجابها بجدية كاذبًا كي لا تقلق عليه وهو يتابع اقترابه منهم.
"لأ داخل على كمين.. سلام."
أغلق الهاتف دون أي حديث آخر وجذب السماعة من أذنه وألقى بها جوار الهاتف على المقعد المجاور له، ثم فتح تابلوه السيارة وهو يهدي من سرعته لدخوله عليهم وأخذ المسدس الذي حصل عليه في الفترة الماضية تحسبًا لأي ظروف.
كهذه.
وضعه خلف ظهره في البنطال ثم وقف بالسيارة أمامهم ونظر إليهم من خلال الزجاج، كانوا أربعة أشخاص يقفون متربصين له بعيون إجرامية وكل ما بهم يدعوا إلى ذلك.
فتح الباب واندفع خارجًا منه بثبات وهدوء ناظرًا إليهم بجدية.
رواية بين دروب قسوته الفصل العشرون 20 - بقلم ندا حسن
وقف جوار باب السيارة بعد أن أغلقه وعيناه التي تحول لونها إلى الأسود القاتم مُثبتة عليهم، واحدًا خلف الآخر ينظر إليهم بثبات وجدية والقسوة بادية على ملامحه وعدم الخوف منهم ظهر إليهم وانبعث في لمح البصر.
وجه حديثه إلى واحدًا منهما قائلًا بجدية مُصطنع الغباء:
- إيه يا رجالة.. ما تفتحوا الطريق.
أجابه ذلك مُعقبًا بنظرة ذات معنى قوي قد تفهمه الآخر:
- طب ما تشخلل علشان تعدي الطريق.
ابتسم “عامر” بتهكم واضح ووزع بصره عليهم قائلًا بسخرية ولا مبالاة تامة:
- أشخلل بايه طيب.. فلوس؟ ما بشيلش كاش، موبايل؟ عليه شغل والله مقدرش أتنازل عنه.. العربية لأ موديل السنة دي غالية وجديدة.. مكنش يتعز والله.
عدم الإهتمام الذي تحدث به وظهور لا مبالاته وعدم خوفه منهم استفز داخلهم بشدة فصاح واحدًا منهم ساخرّا مثله:
- أنت مثلًا.
اتسعت ابتسامته وهو يقف غير مُعتدلّا مُوضحًا له أنه لن يعود عليهم بالنفع أبدًا:
- لأ معتقدش إني انفعكم.. انتوا عايزين واحدة حلوة مقطقطة من شارع الزنقة.
تقدم ذلك الرجل المُمسك بتلك العصاة بيده ووقف أمامه قائلًا وهو ينظر إليه مباشرة بعيون إجرامية خالصة:
- لأ تنفعنا.. تنفعنا أوي كمان.. إحنا بس عايزين عاهة.
لوى شفتيه وحرك رأسه من الأعلى إلى الأسفل يستمر في اللا مبالاة الخاصة به مُتسائلّا:
- قولتيلي.. عاهة وهتبقى مُستديمة بقى ولا نص نص.
أجابه نفس الرجل بثقة كبيرة:
- مستديمة إن شاء الله.. لو قمت منه.
تحرك “عامر” وهو يستدير إلى السيارة مرة أخرى قائلًا بفتور وسخرية:
- طب يلا يا شاطر أنت وهو افتحوا الطريق.
أقترب منه أول من تحدث معه ووقف أمامه مباشرة ثم ابتسم ساخرًا بسبب ذلك البرود المأخوذ منه، لكنه أدار وجهه للناحية الأخرى ثم أخرج من جيبه مدية ورفع إياها في لمح البصر أمام وجهه مُتحدثًا بعنف وشراسة:
- ولا.. أرجع كده بدل ما تزعل بجد وإحنا ناوين يبقى زعل على خفيف.
رفع “عامر” عيناه على تلك المدية المرفوعة في الهواء على استعداد تام أن تهبط على وجهه:
- المفروض إن البتاعة اللي في ايدك دي هتخوفني.
أومأ إليه الآخر ساخرًا:
- اه تخيل بقى.
تابعه “عامر” بشجاعة وهتف قائلًا:
- طب شيل اللعبة دي ولو عايز تعملي عاهة خليها بايدك.
عارض الآخر وأكمل على نفس النحو قائلًا:
- لأ بقى هي بيدي.
ثم رفع يده إلى الأعلى قليلًا وهبط بها إلى وجه “عامر” ولكنه أمسك بمعصم يده سريعًا وباليد الأخرى قام بلكمة في وجهه بقوة وغل شديد نابع من قلبه ليرتد الآخر إلى الخلف قليلًا مُستديرًا بوجهه.
تقدم الآخرين بلهفة وسرعة لينالوا منه ولكن الأول أوقفهم رافعًا يده إليهم يمنعهم من العبور إليه.
تابعه بنظرات إجرامية، وعيناه حادة للغاية ينبع منها الغل وظاهر بها رغبة الانتقام، لا تدري على ماذا ولكن كونه تعرض إليه فيجب الانتقام.
أقترب منه مرة أخرى ونظرات “عامر” إليه حادة مثله يبادله العنف والغل الذي سيجعله يخرج من جسده عليهم واحدًا تلو الآخر.
رفع المدية مرة أخرى عليه ولكن “عامر” لم يستطع الإمساك بيده فارتد هو إلى الخلف بجذعه العلوي فاقترب الآخر مكررًا نفس الحركة فعاد “عامر” بكامل جسده ثم حاول الإمساك بها ولكنه جرح ظهر يده بها.
عاد مرة أخرى إلى الخلف ثم تقدم وأمسك بيده في المرة الثالثة يضربها أكثر من مرة إلى أن وقعت منه المدية.
ولكمه في وجهه عدة مرات متتالية ثم في بطنه بقدمه والآخر لم يتركه يفعل ذلك مُستسلمًا بل ضربه هو الآخر لكمة في وجهه أسفل عينيه.
ولكن “عامر” كان الأقوى حيث أن الآخر لم يكن شابًا بل كان رجل أكبر من عامر ببضع سنوات فلم يكن بنفس تلك اللياقة والسرعة التي تحلى بها الآخر.
تقدم ذلك الذي كان مُمسكًا بعصاة من خلف “عامر” حيث أنه وهو يتشاجر مع الآخر استدار مُعطيًا إياهم ظهره، وقد كانت الضربة موجهه إليه في منتصف ظهره.
خرجت منه آنه وكرمشت ملامح وجهه مُتألمًا بشدة فاضطر إلى الانسحاب من المعركة الذي ستكون خاسرة هكذا ففي أي حال الكثرة تغلب الشجاعة وهو لا يريد الخسارة ولا يريد أن يقوم باذية أحد منهم.
دفع الآخر عليهم بقوة واستدار إليهم بوجهه ثم أخرج المسدس من خلف ظهره رافعًا إياه عليهم صارخًا بهم:
- وديني اللي هشوفه قدامي ما هحله.
حاول الإقتراب منه بعناد اعتقادًا منه أنه مسدس يقوم بالعبث معهم به أو أنه لا يقوى على استخدامه ولكن “عامر” لم يسمح له بالاقتراب فقام بالضغط على زناد المسدس بعد توجيهه إلى الأسفل على إحدى قدميه وقد كان.
أصيب الرجل برصاصة في قدمه اليمنى فوقع على الأرض صارخًا بعنف والـ ـدمـ ـاء تخرج من قدمه بغزارة.
ارتعب الآخرين بخوف ورهبة منه بعد أن رأوا أنه على أتم الاستعداد للقـ ـتل ليس فقط التهويش، تقدم أحدهم واضعًا يده الاثنين أسفل ذراعي الرجل وقام بسحبه إلى الخلف بعد أن أبتعد الآخرون ليجعلوه يمر وذاك بعد أن فشل ما يريدون منه.
صاح “عامر” بقسوة وعنف قائلًا بتأكيد وثقة:
- قولوا للي باعتكم ردي عليه هيوصله بعد يومين بالكتير.. بالكتير أوي.
أدلف إلى السيارة ومازال رافعًا المسدس عليهم تحسبًا لأي حركة غذر قد تصدر عنهم فهو لن يضمن خوفهم منه، ولكن عندما رأوه يقوم بإطلاق النار على من معهم رأى العرق يتصبب منهم جميعًا.
أدار محرك السيارة وأبتعد بها وهما أيضًا يبتعدون عنه بذلك الذي لا يستطيع تحمل الألم الذي لحق به وظل يصرخ بعنف غير قادر على التحمل، ولكن نظرة الانتقام خاصته ورفعه المدية عليه أتى إليه هو بالاذى الشديد والذي لن يعوضه عنه أحد إن أصابت قدمه مكروه. وهذا سيحدث لا محالة.
أبتعد “عامر” وأكمل طريقه إلى البيت وعقله مشغول بما حدث، هو شجاع ولم يخاف مما حدث، يستطيع أن يتصدى لهم ولكن الكثرة تغلب الشجاعة وهو معترف بذلك لن يكون بطل خارق يستطيع أن يتحدى أربعة أشخاص مسلحون ويقوم بالفوز عليهم.
لو لم يكن معه ذلك المسدس لكان الآن كما يقولون، بعد الدفاع عن نفسه إلى آخر نفس به ملقى على الأرضية لا أحد يعرف عنه شيء ينزف إلى الموت، حمدًا لله أنه كان معه.
وذلك الأخرق، لقد خطط له شيء لن يأخذه أحد سواه، سيكون ذلك مفصل لأجله وعلى القياس المضبوط. سيقوم بالتفريغ عن غضبه وتعويضًا عن ذلك الكتمان والصبر الذي تحلى به، فقط هو الآخر صبرًا وسيريه ما الذي سيفعله به وإن نجى منه لن يستسلم، سيكون هناك البديل والبديل بعد البديل. لن يعجز عن شيء هو فقط صبور إلى أبعد حد.
كرمشت معالم وجهه وهو ينظر إلى المرأة في السيارة بينما يقوم بالقيادة لقد أخذ لكمة قوية في وجهه أسفل عينيه من ذلك الحيوان، وظهره يؤلمه للغاية، ألم لا يطاق. يحاول الصمود الخمس دقائق الباقية للوصول إلى الفيلا. لقد أخذ ضربة قوية على ظهره في منتصفه على عموده الفقري أفقدته صوابه ولكنه تحمل أمامهم. تحمل كي لا يعطي إليهم الفرصة للنيل منه.
نظر إلى المسدس الملقى جواره ثم أعاد بصره إلى الطريق وعقله لا يكف عن التفكير في كثير من الأمور وكلما أعادها يجعلها تزداد مرة أخرى إلى أن يؤلمه رأسه من كثرة التفكير ويطالب بالانفـ ـجار بسببه.
❈-❈-❈
فتح باب جناحهم الخاص في الطابق العلوي، دلف بهدوء بجسد يتألم ينحني إلى الأمام قليلًا غير قادر على الاعتدال بسبب تلك الضربة التي تلقاها على ظهره، يمسك جاكيت بدلته في يده المجروحه التي قام بلفها بشاش أبيض ليس إلا. ووجه مرهق وهناك كدمة أسفل عينه.
دلف إلى غرفتهم بارهاق شديد فوجدها تدلف من الشرفة تنظر إليه باستغراب:
- اتأخرت كده ليه.
تابعت النظر إليه ودققت بملامحه وهيئته الغريبة ثم أقتربت سريعًا ناظرة إليه بلهفة وخوف عندما أبصرت يده:
- ايه ده مالك.. ايه اللي عمل فيك كده.
أجابها وهو يجلس على الفراش بكذب ومراوغة يلقي جاكيت البدلة:
- قطاع طريق طلعوا عليا وكانوا عايزين يقلبوني.
فك رباط حذاءه بسرعة ثم ارتمى على الفراش يقوم بفرد جسده كي يحاول الشعور بالراحة أكثر فظهره يؤلمه، كرمشت ملامحه وهو ينام على الفراش وأخرج آنه بسيطة تنم عن ألمه.
أقتربت منه سريعًا وجلست على ركبتيها جواره على الأرضية، نظرت إليه تحاول الفهم ما الذي حدث وما الذي يعاني منه:
- مالك طيب ايه بيوجعك.. وعملت ايه معاهم.
أغمض عيناه وهو ينام على ظهره ورفع ذراعه على رأسه يخفي وجهه عنها ثم تحدث بجدية وضيق:
- قطاع طريق يا سلمى كانوا عايزين ياخدوا العربية اتخانقت معاهم طبعًا واخدت ضربه على ضهري بس ده كل اللي حصل.
تسائلت بخوف ورهبة، تنظر إليه بقلق قد جال بخاطرها أنه ذلك الغبي يطاردهم:
- وأنت عرفت منين أنهم قطاع طرق ما يمكن….
قاطعها لأنه يعلم ما الذي ستفكر به حتمًا فقال كاذبًا بفتور:
- لأ مش اللي في دماغك.. دول قطاع طريق بجد أنا عارفه.
نظرت إليه بتشتت وعقلها لا يصدق هذه الكذبة، مؤكد أنه هو من قام بفعل ذلك لاذيتهم، قالت بقلق وهي تضع يدها فوق كتفه:
- مالك طيب ضهرك بس اللي بيوجعك.
أومأ إليها برأسه دون أن يُجيب، فوقفت على قدميها تتقدم من درج مفتوح بالناحية الأخرى وهتفت قائلة:
- طيب قوم بالراحه كده أنا معايا كريم كويس هيخفف الألم لحد الصبح تبقى تكشف عليه.
عادت إليه بعد أن أخذته، جلست أمامه على الفراش ثم أقتربت منه بهدوء قائلة برقة وحنان:
- عامر.. قوم معايا.
اعتدل في جلسته بهدوء وبطء شديد فقد اشتد عليه الألم، أمسكت بيده وجذبته إلى الأمام ثم فتحت إليه أزرار القميص واحدًا تلو الآخر وقامت بنزعه عنه تنظر إليه بحزن لأجل أنه يشعر بالألم وهذا واضح وبشدة.
وقفت على قدميها وذهبت الناحية الأخرى عائده إلى الخلف ليظهر إليها ظهره وتستطيع أن تقوم بوضع الكريم إليه بهدوء.
أخذت منه على أطراف أصابعها ثم قامت بتدليك ظهره به بهدوء وخفه من يدها وأثناء ما تفعله رأسها لا يكف عن التفكير فيما حدث معه، هل هو لا يتحدث لأجل أنه يتألم أم هناك شيء آخر.
عادت وجلست أمامه بعد أن انتهت وقالت ناظرة إلى عيناه بهدوء وحزن:
- خليك كده شوية ضهرك ياخد الكريم ده وهتبقى كويس.
أومأ إليها برأسه بجدية:
- ماشي.
أمسكت يده بحنان ورفعت حاجبيها تتسائل بقلق:
- بيوجعك أوي؟
ابتسم بهدوء وهو ينظر إلى وجهها وهي تتسائل بهذه الطريقة الرقيقة التي تبدو بها خائفة للغاية عليه فقال هو:
- لأ يا سلمى أنا كويس ده وجع خفيف من الضربة.
تهكمت على حديثه حيث أن مظهره كان يقول غير الذي يهتف به تمامًا:
- كل ده وخفيف.
تابعت النظر إليه وقالت بمزاح ومرح محاولة التخفيف من حدة الموقف:
- دول شلفطوك بص وشك عامل إزاي.
رد ساخرًا هو الآخر محركًا رأسه بفخر لما فعله بهم:
- ماله وشي دي يادوب ضربه واحده إنما أنا ظبطه.
نظرت إلى ظهر يده التي غفلت عنها وأمسكت بها تجذبه إليها تهتف بنبرة جادة:
- طب وريني ايدك فيها ايه.. شكلها متعورة جامد.
اعترض على حديثها وجذب يده منها قائلًا:
- لأ سيبيها زي ما هي مش هتعرفي تعمليها، أنا بكرة هروح المستشفى هتحتاج خياطة تقريبًا.
صمتت لبرهة والأخرى خلفها ثم نظرت إليه بجدية تحاول أن تقول ما أتى برأسها عله يتفهمها ويرى الذي تراه هي:
- عامر.. ما يمكن يكون هو، أنا كده قلقانه وبجد خايفة عليك أنا مش هعرف أعيش كده كل ما تخرج أحط ايدي على قلبي وأقول هيحصله ايه.
ابتسم بهدوء حتى لا يثير ربيتها وأقترب بخفة إليها جاذبًا إياها إلى صدره تنام برأسها عليه وهتف بجدية وثقة كي يجعلها تهدأ وتطمئن لحديثه:
- أنا عايزك متخافيش وتثقي في كلامي.. أنا متأكد أنه مش هو دول ناس أنا عارفها بيعلقوا أي حد ماشي وبعدين هو مايقدرش يعملي حاجه أنتي مش واثقة في قدراتي ولا ايه.
أجابته بعقلانية وتفكير مشتت:
- أنا كل اللي عرفاه إني خايفة عليك يا عامر.
ربت على ذراعها يحتضن إياها وحاول أن يكون حديثه صادق، يعلم أنه يكذب ولكن بثقة كي لا تثور وتقلق عليه وتجعل عقلها الأخرق يخاف منه ليلًا ونهارًا:
- متخافيش يا سلمى.. مش هيعمل حاجه ولو عمل ياستي أنا جامد قدامك أهو.. كده كده هو جايله يوم وهيختفي خالص من حياتنا.
حركت رأسها على صدره قائلة بتمني:
- يارب يا عامر بجد نفسي أعيش معاك مرتاحه مش بفكر في حاجه غير فينا إحنا.
ابتسم وهو يبعدها عنه يتحدث بلهفة وشوق ناظرًا إليها داخل تلك الزيتونية:
- وايه اللي مانع حضرتِك.
بادلته الابتسامة وحاولت أن تكون مثله، ستطرد تلك الأفكار البشعة من رأسها وتنعم بكل لحظة معه:
- حالة حضرتك اللي منعاني.
عقب على حديثها بخبث ومكر تعرفه جيدًا وقد أصبح غير ذلك الذي كان تعرفه بالسابق:
- لأ يا بطل حالة حضرتي زي الفل ورينا أنت بس جمدانك ده.
غمزته بعينيها قائلة بدلال:
- ما بلاشت.
تسائل باندهاش مُضيقًا عينيه عليها يحاول أن يرى أين الخطب الذي به.. وهو يعرفه جيدًا لكن يظهر العكس أمامها:
- وبلاش ليه الله ما أنا جامد قدامك أهو وبعدين حتى لو تعبان أجمدلك يا بطل.
ابتسمت بخجل وهو يغمزها بطرف عينيه اليسرى وتذكرت قائلة تتسائل:
- فين الحاجه الفرايحي اللي جبتها.
رد بفتور ونبرة جادة فلم يكن مبالي بأي شيء أثناء قدومه بسبب آلام ظهره:
- في العربية.. مكنتش قادر بضهري كان واجعني أوي مجبتش حاجه كنت محتاج أطلع بس.
قابلته بعينيها الحنونة مُردفة بصوت أم ملهوفة على طفلها:
- حاسس بايه دلوقتي لسه بردو تعبان؟
قدم يده يتمسك بيدها جاذبًا إياها إليه ثم رفعها إلى فمه بهدوء وحنان يبادلها إياه وقام بتقبيلها بشغف ورقة ونظر إليها باتمان:
- بقيت كويس بفضلك يا حبيبتي.
ابتسمت إليه وأقتربت منه ومازال يمسك يدها:
- وربنا يخليك ليا يا عامر.. حاول تكون كويس علشاني أنا ماليش غيرك.
أومأ إليها برأسه وأقترب هو الآخر إليها بوجهه يطبع قبلة أعلى جبينها حنونة رقيقة وناعمة يحاول أن يبث الأمان بها وأن يجعلها تهدأ وتطمئن لوجوده الدائم معها:
- أنا معاكي يا سلمى متقلقيش.. معاكي.
مالت برأسها إلى صدره تنام عليه تحاول بذلك أن تأخذ الأمان منه وتشعر بوجوده الدائم معها كما قال، تحاول أن ترى الجانب الرائع في الحقيقة المرة بينهم.
بينما هو حاول بقدر الإمكان بحديثه وأفعاله بعد ذلك أن يجعلها تطمئن ولا تفكر في أي شيء سيء قد يحدث فهو في الوقت القريب جدًا سينهي كل هذا وما بقي إلا قليل عليها فقط الانتظار معه. وما كان به داخل عقله إلا أشياء يسعى لتنفيذها على أكمل وجه.
❈-❈-❈
بعد مرور يومان.
جلس “تامر” مع “رؤوف” في صالون منزلهم ومعهم “عامر” الذي جلس مُستمعًا فقط واستمع إلى والده يقول بجدية:
- تمام كده يبقى إحنا اتفقنا على كل حاجه.. بس أنا عندي شرط واحد بس علشان كل ده يتنفذ.
ابتسم “تامر” متابعًا إياه في اعتقاده أنه سيطلب شيء عادي يستطيع تنفيذه بسهولة:
- أوي أوي اللي حضرتك تطلبه هيتنفذ.
أجابه الآخر بمنتهى الجدية والهدوء ناظرًا إليه بعمق:
- تقعدوا معانا هناك.
كرمشت ملامح وجه “تامر” وتسائل باستغراب وكأنه استمع إليه خطأ:
- نقعد فين؟
مرة أخرى بجدية وهدوء تحدث قائلًا بسلاسة وهو لا يرى أي مشكلة في بقائهم هنا:
- هنا في الفيلا.. أنت شايف فيلا طويلة عريضة محدش فيها غيرنا وأنا بصراحة مش عايز حد من ولادي يبعد عني ولو أنت عايز هدى أقعد معانا هنا.
استغرب “عامر” كثيرًا من حديث والده وود الاعتراض عليه بشدة، كيف له أن يقول مثل هذا الحديث ولما قد يعيش معهم هنا، هكذا لن يجعل زوجته تأخذ راحتها في منزلها وهو سيكون ضاغطًا عليها بشكل كبير خوفًا من أن يحدث نظرة أو أخرى من قبل “تامر” ولو عن طريق الخطأ. ما هذا الذي يهتف بها.
استنكر الآخر حديثه واعترض بأدب واحترام محاولًا ألا يجرح مشاعره:
- أيوه بس أنا بعد اذنك يعني مش موافق على الكلام ده.
أكمل موضحًا بجدية:
- أنا عندي بيت نقدر نعيش فيه.
حرك الآخر رأسه إلى الأسفل والأعلى موضحًا مثله ومحاولًا نيل استعطافه:
- أنا عارف إن عندك ومقولتش غير كده بس أنا بطلب منك كأنك ابني تكون معانا هنا في البيت أنا مش عايز ولادي يبعدوا.. كفاية اللي بعدوا.
لوى الآخر شفتيه ببغض وضيق ثم هتف قائلًا موضحًا أكثر ربما هو لم يتفهم مقصده بعد:
- أنا آسف بس أنا مش هقدر على كده أنا هبقى جوز هدى.. مش هقدر أعيش معاها في مكان كانت عائشة فيه مع ياسين.. حتى لو هو ميت بس.. بس كفاية الذكريات.
محى المشكلة التي تحدث بها ببضع كلمات وقال مقترحًا عليه:
- هنغير المكان كله يا تامر من ألوان لفرش وعفش وأبواب حتى، كل حاجه هتتغير على ذوقكم انتوا وتعملوا ذكريات غيرها.
عارضه مرة أخرى بجدية وهو لا يعلم كيف السبيل للهرب من مثل هذا الحديث الأبلة، فكيف يكون عنده بيته ويعيش هنا في بيت زوجته:
- بس أنا مش هكون مرتاح كده.
هنا تدخل عامر بعد حديث “تامر” وأعجب بإصراره وأكمل عليه هو لأنه لا يود ذلك هو الآخر فوالده يفعل اشياء غريبة هذه الفترة:
- ما تسيبه براحته.. هو من حقه يعيش في بيته مع مراته.
أجابه والده بصرامة وقوة قائلًا حديث محدد وواضح:
- أنا محتاج إن الكل يكون معايا هنا يا عامر.. مش هسمح لحد منكم يبعد.
أبعد نظرة إلى “تامر” وأكمل ليجعله يرتاب لأمر عدم إتمام الزيجة وهو على حافة الهاوية:
- ده شرطي علشان الجوازة تتم.
نظر إلى الأرضية دون حديث ثم عاد مرة أخرى إليه برأسه يتسائل:
- هدى موافقة على الكلام ده.
أجابه بفتور يدلي بموافقة ابنته على عدم تركها له:
- أيوه موافقة ومستنية رأيك.
تشتت “تامر” بالأخص بعد أن تفاجئ هنا، لو كان على علم مسبق بذلك الأمر كان رتب له الحديث الذي سيقوله مع أنه لا يرى أكثر من رفضه حديث:
- بصراحة أنا.. أنا مش عارف.
مرة أخرى يحاول أن يجعله يرق قلبه ناحيته واتجه إلى اللين المنكسر قائلًا:
- أنت شايف إحنا عيلة عاملة إزاي.. وبجد أنا محتاج كل ولادي جنبي، خليك معانا.
نظر إليه “تامر” وأراد ألا يحدث أمرًا مكروهًا بسبب عدم قبوله، أو ينزعج والدها منه بسبب عدم احترامه وتلبية رغبته فقال بعد تفكير للحظات:
- أنا موافق، بس لو لقيت إني مش هرتاح هنا هاخد هدى وأروح بيتي.
يهتف الآخر بجدية موافقًا على حديثه:
- وأنا موافق يا تامر.
وكان “تامر” يقول ذلك كي يكون أعطى له سابق إنذار بذهابه من هنا سواء شعر بالراحة أم لم يشعر، فقط شهر بالكثير هنا في هذا البيت معهم ثم يأخذها ويذهب إلى بيته.
ود “عامر” في هذه اللحظات أن يقوم بخـ ـنق نفسه، لما قد يجعل شخص غريب عنهم يجلس بينهم في المنزل حتى ولو كان سيصبح زوج شقيقته!؟ لما؟
❈-❈-❈
- كنتي وحشاني أوي.
نطق بتلك الكلمات الرقيقة والخارجة من بين شفتيه بشغف وهو مُحتضن إياها تنام بين ذراعيه على الفراش في وقت متأخر من الليل.
دست نفسها في أحضانه تخفي وجهها في صدره العاري قائلة بحب وخجل تسيطر عليه مع الوقت:
- وأنت كمان.
ابتسم ضاحكًا بصوت عالي وهو يحرك يده على جسدها:
- بس ايه.. بطل بطل يعني مافيش كلام.
تابعت الحديث معه بمزاح ومرح وعينيها تلمع بالحب والسعادة:
- بطل بيتفرهد من صاحب البطلات.
اتسعت ابتسامته وهو يضغط عليها بيده يقربها إليه من منطقة خاصة:
- وما له.. طعم السعادة غالي بقى.
جذبت يده الموضوعة خلفها واعتدلت في نومتها تقوم بتوبيخه بجدية:
- لم ايدك أنا عايزة أنام مش مستعدة أقوم تاني إحنا بقينا الصبح.
أبتعد بيده مرة أخرى وهو يقول بلا مبالاة متناهية:
- لمي ايدك أنتي.. إحنا عريس وعروسة اعتبرينا بنلعب.
رفعت وجهها إليه وتسائلت باستنكار وبعينين متسعة بطريقة مضحكة:
- هو لعبة عريس وعروسة بتفرهد أوي كده؟
أخفض وجهه إليها عندما شعر أنها اعتدلت تنظر إليه وقال بابتسامة عريضة مازحًا معها:
- يوه دي بتفرهد أوي خصوصًا بقى لو كانت من الدرجة الأولى.
أكمل موضحًا أكثر يكذب عليها وكأنها تصدق حديثه:
- تعرفي إحنا بنلعب الدرجة التانية.. تعالي بقى نجرب الدرجة الأولى وهتشوفي الفرق كبير قد إيه.
رفعت إحدى حاجبيها الاثنين ونظرت إليه بتهكم واضح وسخرت منه:
- وده بقى ظهر بعد ما ضهرك بقى كويس ولا ايه علشان ابقى فاهمه؟ ما أنت مكنتش قادر تتحرك دلوقتي هتفوق عليا.
ضغط بيده عليها مرة أخرى وهو يجذبها ناحيته لتلتصق به أكثر وصاح قائلًا بسخرية وثقة:
- أفوق عليكي وعلى اللي يتشددلك.. بس أنا اللي طيب وحنين.
استنكرت حديثه وصاحت قائلة بصوت عالي:
- حنين! حنين مين يا أبو حنين.. الحنية ماتت من زمان كانت مرة ولا اتنين.
ابتسم وجذب رأسها إلى صدره مرة أخرى ليكي يجعلها تصمت وهتف باستفزاز:
- ما أنتي اللي بطل اعملك ايه.. وبعدين نامي بقى بقينا الصبح وأنا عندي شغل نامي.
- تصبح على خير.
قالتها بنبرة خافتة مُبتسمة وهي تحتضنه كما يفعل المثل وأجابها قائلًا بنبرة رجولية خشنة:
- وأنتي من أهل الخير يا بطل.
ثم أغمض عينه كمثلها وهو يشعر براحه غريبة للغاية ويوم رائع ينتظره بالغد.
❈-❈-❈
اليوم التالي قد أتته الأخبار التي يريدها حقًا بعد أن ذهبت عناصر الشرطة إلى شركة “الصاوي” المعروفة حيث أنها قامت بتفتيش بعض المكاتب بعد أن قد فيها بلاغ موصى به من بعيد كي لا يظهر في الصورة أمام الناس ولكن أمامهم كان معروف من فعلها.
تم القبض على “هشام” الصاوي بعد أن وجد في مكتبة كميات كبيرة من الممنوعات والذي صرخ كثيرًا بأنها لا تخصه ولا يعلم عنها شيء. ولسوء حظه وحسن حظ “عامر” أنه فكر في إيقاف كاميرات المراقبة جميعها قبل دلوف الشخص الذي وضع له هذه الأشياء الذي كلفته مال كثيرًا ولكن حقًا كان يستحق الدفع ولو كان أكثر لدفع.
مقابل دفع المال والتخطيط لهذا الأمر حبس “هشام” مدة ستكون قاتلة له، وفضيحة رائعة لعائلة الصاوي وهذا ما يريده ومن بعده سيأتي الدور على ابنة عمه. فقط صبرًا لتنال شيء كهذا يليق بها وبما ما تفعله.
❈-❈-❈