يتحدثون دائمًا بأن الكتمان مؤلم وضريبته موجعة. ولكن هل اختبر أحدكم مرارة البوح؟ أن تُخرج ما بداخلك وتترك نفسك مثلما خُلقت أمام أحدهم وتكتشف بعد ذلك بأنك أعطيته السلاح الوحيد القادر على قتلك! للبوح أيضًا ضريبة ولكننا لا نملك تكلفتها.
بلغ الوجع ذروته واشتدت آلام المخاض كما اشتد نزيف القلب. فعلاً صراخها حتى دوى رنينه في أرجاء السيارة التي كان يقودها سالم وبجانبه سليم الذي يجلس بقلب مرتاعب ممزق عاجز عن إخماد ألمها وإيقاف نزيف روحها التي لم تفلح كلمات فرح المهدئة في تضميدها. "أهدي يا حبيبتي خلاص قربنا نوصل."
كان سالم ينهش الطريق أمامه كما ينهش الغضب عقله جراء تلك الحقائق المروعة التي انهالت على رأسه دفعة واحدة. وبجانبه سليم الذي كانت عيناه معلقة عليها بألم وقد فاض بقلبه الوجع. فود لو يضمها في تلك اللحظة بقوة حتى تستشعر مقدار شعوره نحوها. فصراخها يؤلمه بقدر ما يؤلمه ضميره الذي أجهز عليها بأحكام صارمة منذ أن عرفها. والآن أجهزت عليه حقيقة براءتها التي كان يراها بعينيه دائمًا. هدأ صراخها وانخفضت نبرتها
حتى صارت خافتة حين قالت: "ابني.. ابني.. يا فرح.. خلي بالك منه." همساتها وضعف نبرتها وحديثها الموجع جعل قلبه يسقط بين ضلوعه وتلاحقت أنفاسه واحتقن الألم بحدقتيه ولونها بحمرة الدم. فزمجر بقوة: "بسرعة يا سالم.." بكل الغضب الذي يملكه ضغط على دواسة البنزين فأصبحت السيارة كوُحش طائر على الطريق. لم تستطع فرح التحمل أكثر فصرخت بانفعال: "لا يا جنة متقوليش كدا. ابنك محدش هيربيه غيرك."
كانت عيناه تلاحقها من آن لآخر من مرآة السيارة. وفي تلك اللحظة تلاقت بعينيها التي لأول مرة يرى بها التوسل الذي تجلى في نبرتها حين قالت: "ارجوك يا سالم بسرعة.." لامس توسلها أوتار قلبه الذي يود طمأنتها بأي طريقة ممكنة. فتوسلها وتلك النظرات الضائعة وعبراتها المسترسلة على خديها ليست بالأشياء الزهيدة. فهي أثمن على قلبه من روحه. في وقت وجيز وصلوا إلى المشفي. وترجل سليم من مقعده صارخًا: "حد يلحقنا بسرعة."
هرول طاقم الطوارئ إلى جنة التي كانت تحاول عدم الاستسلام لتلك الدوامة السوداء التي تجذبها بقوة. وتم وضعها على السرير المتنقل وقاموا على الفور بنقلها إلى الداخل وسط حالة من التوهان كانت تحيط بها نتيجة الدماء التي كانت تتدفق بقوة منها. فأخذت تنادي بهمس على شقيقتها: "فرح. ابني.." "متخافيش يا حبيبتي هتقومي انتي الاتنين وهتبقي زي الفل إن شاء الله."
هكذا تحدثت فرح الممسكة بأحد جوانب السرير. يقابلها سليم الذي لم يستطع تركها للحظة. وبعد أن خلع عباءة الكبرياء جانبًا وترك العنان لقلبه المرتبط بفكرة حدوث أي شيء لها. وقد كانت نظراته المرتعبة شيئًا جديدًا كليًا عليها. فاستقرت عيناها على ملامحه التي تنطق بتوسل صامت لم تفهمه. ولكن قلبها كان أكثر من يعرف ما يحدث. فحين غاب العقل نطقت بهمس استقر في منتصف قلبه: "سليم.." ***
كانت جالسة على آخر درجتين من السلم وعيناها ثابتة على تلك الدماء التي نزفتها تلك المسكينة. تحتضن نفسها بخوف تحاول تهدئة جسدها الذي كان يرتجف من هول ما حدث. حتى أنها لم تكن تشعر بعبراتها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها. فاقتربت منها سما التي تتشارك معها بالصدمة مما حدث منذ قليل. ف قامت بلف يديها حول كتفيها وهي تقول من بين دموعها: "اهدي يا حلا متعمليش في نفسك كده."
خرج الكلام من بين شفتيها مرتجفًا متألمًا كحال قلبها تمامًا. "انتي. سمعتي. اللي. أنا. سمعته. صح؟ مش معقول. يكون حازم. عمل. كدا فعلا؟؟ معقول. يكون أذاها بالشكل ده؟ كانت أكثر من يعلم مقدار قذارته. ولكنها لم تستطع الإفصاح عن ما بداخلها فاكتفت بالقول: "للأسف دا اللي حصل." التفتت حلا تناظرها بصدمة وهي تقول بجمود: "انتي مصدقة الكلام دا يا سما؟ سما بألم دفين:
"مصدقة يا حلا.. حازم كان عنده استعداد يعمل أي حاجة في الدنيا عشان يوصل للي هو عايزه." هبت من مكانها بانفعال وصرخت بقهر: "ازاي؟ ازاي يقدر يعمل كده في بنات الناس؟ مفكرش فيا؟ مفكرش إنه ممكن ييجي حد يعمل فيا زي ما هو عمل كده؟ حاولت سما تهدئتها: "اهدي يا حلا اللي حصل حصل وحازم خلاص مات ممنوش فايدة الكلام دا." حلا بغضب ممزوج بوجع:
"مات. للأسف مات. مات قبل ما يكفر عن غلطه مع المسكينة دي. مات قبل ما يدفع تمن غلطاته. مات وراح لربنا وهو عامل كل المعاصي دي. أنا حاسة هيجرالي حاجة. دا كان أقرب حد ليا. ازاي يطلع بالأخلاق دي؟ ازاي يقدر يعمل كده. طب أنا دلوقتي أدعي ربنا أقوله إيه. أطلب من ربنا يرحمه ازاي وهو مرحمش حد." تدخلت همت في الحديث قائلة بسخرية:
"عيبك يا حلا إنك مكنتيش بتشوفي أي عيب في إخواتك أبداً. دايماً كنتِ شايفةهم ملايكة بجناحات. عشان كدا صدمتك كبيرة. لكن أديتك دلوقتي شوفتي عمايلهم. وشوفتي حازم اللي كنا بنقول عليه ملاك أهو عمل إيه." التفتت حلا تناظرها بصدمة من حديثها سرعان ما تحولت لغضب كبير. فصرخت بانفعال:
"متقوليش كده على إخواتي. لو كان حازم غلط فسالم وسليم مش زيه. وأنا مش مصدقة إنه عمل كده. أكيد فيه حاجة غلط. يارب يكون فيه حاجة غلط. يارب يكون فيه حاجة غلط." رددت جملتها الأخيرة من بين دموع غزيرة وقلب محترق للحد الذي جعلها تسقط جالسة على الأرض منكسة رأسها بانكسار لاول مرة في حياتها. ***
كان الوقت يمر على ظهر سلحفاة وكأنه يتحدى ثبات ذلك الذي كان يقف بجمود كتمثال. نقش على ملامحه الوجع واشتد الألم بعينيه التي لونتها الدماء. فقد مر أكثر من ساعة ولم يخرج أحد لطمأنتهم. وكأنهم أقسموا على حرق كل ذرة أعصاب لديه. فهو رجل ذو دماء حارة لا يحب الانتظار ولا يتحمل حرب الأعصاب تلك. فصار يتنفس بحدة كمن يريد إزهاق رئتيه من قوة أنفاسه وبرزت عروق رقبته تعبيرًا عن اعتراضها الصامت الذي لم يتجاوز أعتاب شفتيه. وكان هذا حال
فرح التي لا تريد تذكر مواقف مشابهة انتهت بفواجع تركت ندوبًا قوية بداخل قلبها الذي لن يحتمل فاجعة أخرى. وخاصة أن من بالداخل لم تكن مجرد شقيقة فقط. بل كانت ابنتها. رائحة والديها. ذكرى طفولتها الجميلة وكل عالمها. انكمشت ملامحها بألم لم يتحمله ذلك الذي كانت عيناه تتلقفان كل حركة تصدر منها وكل تعبير صامت يرتسم على ملامحها الواهنة التي لم يرها هكذا مسبقًا. لذا طاوع قلبه الذي كان يستشعر قلبها ومدى احتياجها له. وبخطوات ثقيلة
تقدم منها قائلاً
بخشونة: "تعالي اقعدي. وقفتك كده ملهاش لازمة. تعب على الفاضي." لم تدقق في حديثه. فقد كان يكفيها صوته ووجوده بجانبها في تلك اللحظة. فالتفتت تناظره بعينين هالكتين من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت: "هما اتأخروا أوي كده ليه؟ هو في إيه؟ أنا قلبي واجعني أوي يا سالم وخايفة عليها."
كانت تتحدث بعينين فاض بهما الألم فأمطروا وجعًا سقط على قلبه فأحرقه. فلم يستطع أن يرد عينيها التي تعلن أنها في أمس الحاجة إليه. فاقترب منها خطوتين وأمسك بكفها بيد وبالأخرى لامس وجنتيها ماسحًا عبراتها بحنان تجلى في نبرته حين قال: "أهدي يا فرح عشان خاطري. هتبقي كويسة بإذن الله." "يارب. يارب تبقي كويسة. أنا مش هقدر أتحمل وجع الفراق تاني. المرادي هموت." بلهفة غير مسبوقة له وضع يده أمام شفتيها قائلاً بلهجة قاطعة:
"متكمليش يا فرح. متكمليش. هتبقي كويسة إن شاء الله. خلي عندك ثقة في ربنا. وقولي يارب." أطاعته ويدها تقبض بقوة على يده وكأنها طوق نجاة لقلب يحترق خوفًا وألمًا. "يارب."
كان كل هذا يحدث أمام أمينة التي جاءت بسيارة مروان. فلم يطاوعها قلبها ترك تلك المسكينة التي جعل الله لها نصيباً من المحبة بقلبها والكثير من الشفقة والتعاطف حين علمت ما حدث من ولدها الراحل والذي أدمى قلبها الذي تجاهلت ألمه كثيرًا وأصرت على المجيء للاطمئنان عليها. والآن وهي ترى وضع ولديها وكلا منهم يكتوي بنيران العشق والألم معًا فتألمت أكثر وازداد وضعها سوءًا. ولكنها حاولت التماسك قدر الإمكان وهي تردد
بقلب عليل وشفاه مرتعشة: "يارب نجيها يارب. ربي إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه." أخيرًا خرج الطبيب من الغرفة فهرول الجميع حوله. وكان هو أول من تحدث بلهفة: "إيه يادكتور جنة عاملة إيه؟ كان وجه الطبيب لا يفسر. فصرخت فرح بألم: "إيه يا دكتور في إيه؟ جنة كويسة؟ الطبيب بإشفاق: "الحمد لله العملية نجحت والطفل حالياً في الحضانه عشان هو مولود في السابع. بس وضع الأم للأسف ميطمنش."
سقطت قلوبهم رعبًا. فتحدث سالم الذي لا يزال ممسكًا بمرفقها: "يعني إيه يا دكتور هي مش داخلة تولد عادي؟ "للأسف يا سالم بيه إحنا اكتشفنا وجود ورم في الرحم وكان لازم نستأصله." شقة قوية خرجت من جوف فرح التي للحظة كادت أن تسقط لولا ذراعيه القوية التي أسندتها. فالتفتت تناظره بصدمة وخاصة حين استرسل الطبيب في الحديث:
"أنا مش عايز حضرتك تتخضي. إحنا عملنا اللازم وبعتنا الورم يتحلل عشان نعرف إذا كان حميد ولا لأ. هي طبعًا نزفت كتير وده غلط. كمان العملية مكنتش سهلة. إحنا اضطرينا نديها جرعة بنج تانية لما أوشكت أنها تفوق. وده طبعًا لما اتصدمنا من وجود الورم. وعشان كدا هتفضل فترة في العناية المركزة. وبعد ما نطمن إن شاء الله هنوديها أوضة عادية." ***
لا شيء أصعب على المرء من أن يقع فريسة بين براثن الندم. أن يتآكل قلبه رغبة في العودة إلى الوراء لتصحيح أخطاء الماضي. فإذا بأصفاد الحاضر تُكبله. فتلك الرفاهية لا يمتلكها. إنما عليه أن يجني ثمار ما زرعته يداه. يا لقساوة ذلك الشعور الذي لا يستطيع وصفه ولا الحديث عنه. فقد تحمله. يقف الآن أمامها وداخله يحترق ندماً على جرائمه معها. فقد كان هو القاضي والجلاد. بينما هي أضعف من أن تكون مذنبًة. وألمًا على رؤيتها بذلك الوجه الملائكي وهذا الجسد الضئيل تتحمل كل ما يحدث معها.
اقترب بخطى مثقلة بالذنوب ووقف إلى جانب سريرها. وأخذت عيناه تطوف على ملامحها الهادئة والتي ترقد بسلام ينافي تلك الحروب والمعارك التي نالت منها حتى أردتها بهذا الشكل. وأخذت عيناه بادرة الاعتذار. فتساقطت حروفه على هيئة عبرات غزيرة أغرقت لحيته الكثيفة وتساقطت على يديها الساكنة بجوارها والتي عانقها كفه برفق قبل أن يقترب واضعًا شفتيه فوق راحتها في قبلة اعتذار طويلة نابعة من قلب أدماه الفراق وأهلكه الوجع. الذي تجلى
في نبرته حين قال بهمس: "آسف!
كان يود لو يصرخ بتلك الكلمة حتى يسمع العالم أجمع اعتذاره الذي جاء متأخراً. وعلى الرغم من أنها أخبرته ذات مرة أنه سيندم وبشدة على كل قذائف اتهاماته التي أدمت قلبها وأحرقت روحها. ولكنه لم يكن يتوقع أن يأتي هذا اليوم. فقد كذبها وكذب قلبه معها وعاند متسلحًا بكبرياء لعين سحقها وأمطرها بوابل اتهاماته المريعة. وها هو الآن يتوسل الصفح منها. بينما هي لا تشعر به. وحتى إن شعرت فهو متأكد أنها لن تأبه له. وكان هذا ألم آخر يضاف إلى لائحة عذابه الذي سيقتله ذات يوم.
"أنا عارف إن الكلمة دي بسيطة أوي على كل اللي حصل والوجع اللي اتسببتلك فيه. بس أنا فعلاً آسف." كان مظهره مذريًا بقدر شعوره بالألم الذي كان واثقًا من أنها شعرت بأضعافه في كل مرة كان يهينها وينال من كرامتها بكلماته السامة. نظراته المحتقرة دون ذرة شعور واحدة. والآن هاهو يعاني مثلما جعلها تعاني وهي حتى لا تراه ولا تشعر به.
"أنا عارف إن طريقي معاكِ طويل وصعب. بس اللي جوايا ليكِ قادر إنه يحارب كل حاجة عشانك. عشان نكون مع بعض." صمت لبرهة. أخذت عيناه تبحر فوق ملامحها الصافية والتي كانت كلوحة جميلة نقشت في جدران قلبه. فتابع بتعب وحيرة:
"اللي جوايا ليكِ غريب أوي يا جنة. قوي لدرجة مخوفاني. طول الوقت حاسس إنك تخصيني والاحساس ده كان كأنه طوق ذنب ملفوف حوالين رقبتي لحد ما دمرني. كنت عايز أبعدك عني بأي طريقة واتضح إنك محفورة جوايا. كنت بحاربك وبحارب نفسي وبحارب كل حاجة فيها ريحتك واتحجج بأخطائك. لحد ما خسرت! خسرت قدام حقيقة براءتك."
أغمض عينيه بألم وهو يتذكر مشهدها حين صرخت بقهر عن حقيقة ما حدث. اهتاج صدره بقوة وود لو كان شقيقه أمامه الآن حتى يلقنه ما يستحقه على جريمته النكراء وأفعاله المشينة والتي طالت قلبه المحترق ألمًا على محبوبته. "يمكن مش هقدر أقولك كلامي ده لو كنتِ صاحية لأني للأسف مش هقدر أجيب لك حقك من اللي ظلمك. ربنا هو اللي هيجيب لك حقك منه."
قال جملته الأخيرة بقسوة ولم يستطع أن يكمل. فقد امتزج الغضب مع ألمه فشكلا غصة صدئة في حلقه منعته للحظة من استكمال حديثه. فامتدت يده ليمسح عبراته التي أغرقت وجهه وتابع بمزيد من الألم: "بس أوعدك هجيب لك حقك مني ومن كل اللي كان لهم يد في اللي حصل. يمكن ده يخفف من ذنوبي.. ويكون.. ويكون بداية لطريقنا سوا! ***
كانت تجلس في غرفتها تنظر إلى الفراغ وهي تتذكر كل ما مرت به منذ أن كانت طفلة وحتى الآن. كل ما تعرضت له من محاولات مروعة لانتهاك حرمة جسدها ودفاعاتها المستميتة في المحافظة على ما هو لها. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم والذي انهدم به العالم فوق رأسها. **عودة لوقت سابق**
لفت إلى الشقة بغضب وهي تنظر حولها بجنون تبحث عنه. فقد طفح الكيل من أفعاله التي لا تعلم سببًا لها. أو لنقل بأنها كانت تتعمد التغافل عن السبب. ولكن ما عرفته منذ قليل غيب عقلها وانتفض قلبها يعلن رفضه. وهرولت إلى هنا وبداخلها تتوسل إلى الله أن يخلف ظنها.
أخذتها أقدامها إلى غرفة النوم. وبيد مرتعشة قامت بإدارة المقبض وفتحت الباب لتتجمد في مكانها وهي ترى تلك الفتاة العارية التي تتوسط السرير بجانبه وهو ينام بعمق دون أن يرف له جفن من الرحمة ولا الشفقة على تلك التي انهار عالمها في تلك اللحظة. فقد شعرت بطعنة نافذة في منتصف قلبها. فالخيانة أمر موجع وقاتل. وهي لا تملك القدرة على تحمله. فأخذت تصرخ كالمجنونة حتى استيقظ هو والفتاة النائمة بجواره. فصدمته مظهرها. وسرعان ما تجاوز عن صدمته حين علا صراخها أكثر. وهي من نومه يرتدي ثيابه
على عجل وهو ينهرها بعنف: "اخرسي الله يخربيتك هتودينا في داهية. وانتي البسي وغوري من هنا بسرعة." قال جملته صارخًا في الفتاة التي تجمدت بمكانها من فرط الصدمة. ولكن صوته جعلها تهب من مكانها مفزوعة وهي تحاول ارتداء ملابسها أمام ساندي التي جُنت تمامًا. فهرولت إليها وتمسك بخصلات شعرها بين يديها بكل ما يعتمل بداخلها من قهر وغضب وهي تسبها بكل اللغات. فتدخل حازم لمحاولة فض ذلك النزاع خوفًا من سماع الجيران لأصوات صراخهم
وافتضاح أمرهم في البناية: "الله يخربيتك سبيها هتودينا في داهية." قال هذا وهو يدفع ساندي بعنف فوقعت على الأرض وهي تطالعه بصدمة. بينما قام بجر الفتاة من شعرها وأمسك ملابسها يلقيها في وجهها وهو يخرجها من الشقة. ثم عاد أدراجه إلى تلك التي ما زالت تفترش الأرض بصدمة وانهار من الدموع التي لم تلامس قلبه المظلم. حين زجرها بقدمه قائلاً بغضب: "انتي اتجننتِ. إيه اللي جابك هنا؟ جاية تفضحيني." رفعت رأسها تطالعه بعدم تصديق
تجلى في نبرتها حين قالت: "انت بتعمل معايا أنا كده؟ صرخ حازم بنفاذ صبر: "وأعمل أكتر من كده. انتِ مين سمحلك تتجسسي عليا. وعايزة مني إيه؟ انقشعت الصدمة وحل محلها الغضب الممزوج بألم كبير. فهبت من مكانها تقول بعنف: "تصدق إنك بجح. ليك عين تتكلم بعد خيانتك ليا." حازم بسخرية: "خيانة!! على أساس إنك مراتي؟ فوقي يا ماما إحنا متصاحبين. عارفة يعني إيه؟
آخرنا نخرج سوي نتفسح سوي نقضي وقت حلو في السرير. غير كده متحلميش. أنا مش بتاع حب وجواز والكلام الفاضي ده." وكأنه هوى بمطرقة مسننة فوق قلبها الذي تحطم بأقسى طريقة يمكن أن تتخيلها. هل يراها بتلك الطريقة وهي من كانت عزيزة طوال حياتها؟ كانت تحارب الجميع بشراسة ووحده من ظفر بسلامها وظفر بقلبها الذي كانت تبني حوله أسوارًا وقلاعًا. "بتقول إيه يا حازم؟ انت.. انت شايفني كده.. أنا يا حازم؟ لم يرق قلبه لحالها بل تابع بتجبر:
"أيوه أنتِ. كلكم متفرقوش عن بعض وأنا مش مستعد إني أتزوج واحدة كان ليها علاقات قبلي وأنا أساسًا شاقطك من رهان بيني وبين صاحبي اللي كنتِ ماشية معاه قبلي. فمن مليون المستحيل أفكر أتزوجك. فتبقي حلوة وتعرفي حجمك ووقتها تبقي حبيبتي ونقضي يومين حلوين سوي يا أما تغوري من وشي." **عودة للوقت الحالي**
ما زالت تذكر ملامحه المحتقرة ونظراته القاسية ولهجته التي تقطر سمًا نجح في غرسه بقلبها الذي ضخه إلى سائر جسدها. فأقسمت على الانتقام منه على الرغم من عشقها الكبير له. ولكنه آذاها بعنف. فلأول مرة تحني رأسها وهي تخرج من تلك الشقة تلملم أشلاء قلبها وكرامتها التي دهسها بأقدامه والتي لم تنجح كل محاولاتها في أن تواسيها ولا في إخماد نيران عشقها المسموم له. فقد انتوت أن تجعله يدفع الثمن. وبعد ذلك ستعيده إليها بكل الطرق.
وها هي الآن تجني ثمار ما فعلته. فقد آذت وتأذت وطال الأذى عقلها الذي أضاء لها بفكرة هوجاء وهو أن ذلك الجسد هو السبب في كل ما يحدث معها وهو من جعل زوج خالتها يطمع بها ويحاول النيل منه. وهو ما غوى حازم وعدى من بعده. ولهذا أرادت التخلص منه. فهبت من مكانها تبحث كالمجنونة. وسرعان ما وقعت عيناها على كوب الماء الذي التقطته وقامت بقذفه ليرتطم على الأرض بعنف حتى تناثر لأشلاء. فامتدت يدها تأخذ إحدى قطعه المتناثرة وبعقل مغيب
وجسد اعتاد على الألم فلم يعد يشعر. قامت بإفساد كل ما يميزها كانثى ولم تهتم لدمائها التي تناثرت من كتفيها وصدرها. ولم تشفق على نفسها وهي تقوم بالتمثيل بساقيها وما يعلوهم. قد كان كل همها أن تنتقم من نفسها. من جسدها. من ملامحها ومن ألمها الذي لم يخمد. فصارت تضحك بقوة مما فعلته. فقد تشوه جسدها ووجهها بالكامل وانبثقت الدماء من كل جزء به حتى صارت الغرفة غارقة في بحيرة دموية. اقشعر لها جسد منال التي سمعت صوت ضحكاتها. فهرولت
لرؤيتها. فهالها ما رأت وانخرطت في نوبة صراخ جلبت جميع الخدم وعلى رأسهم زوجها الذي سقط فكه من الصدمة مما رآه. ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته حين التفتت ساندي تناظره بخيبة أمل كبيرة من بين ضحكاتها. وما كادت أن تسقط حتى التقطتها
يداه وهو يصرخ بقهر: "بنتي…" اخترقت صرخته آذان ذلك الذي اعتاد الجلوس أمام قصرهم طوال الليل والنهار ينتظر أن تلمحها عينيه. التي من فرط بكائه تحولت لبحيرة من الدماء. فقد ظلمها ودمرها بالكامل وهو أكثر من يعرف ما مرت به. ولكن ذلك الشيطان أوهمه بأنها بالفعل عشيقته ونجح في استثارة كرامته التي أعلنت فرمان بالتخلي عنها وإسقاطها من لائحة المقربين منه بعد أن تحولت بعينيه إلى غانية لا تعلم معنى الشرف.
"ساندي حصلها حاجة يا مؤمن. أنا متأكد." ضاق ذرعه من صديقه الذي منذ أن أخبره بما حدث وهو يجلس أمام قصرهم بأمر من قلبه الذي لا يشتهي شيئًا سوى الغفران. "يا ابني ارحمني بقى الناس طردتها خمسين مرة والراجل حلف ستين يمين إنه هيطلبلك البوليس لو شافك تاني قدام بيته وانت لسه مصر تستنى هنا. انت بتتفنن إزاي تضيع مستقبلك. ارحمني بقى." تجاهل توبيخ صديقه وقال بقلب ملتاع: "قلبي وجعني أوي وحاسس إنها فيها حاجة. أنا لازم أشوفها."
ما أن تقدم خطوتين حتى تفاجأ بمؤمن الذي تقدم يقف أمامه وقام بلكمه بكل قوة في وجهه. ولكمة تلاها الأخرى حتى خارت قواه. وقام مؤمن بجره إلى داخل السيارة وهو ينوي إنقاذه من تلك الهوة السحيقة التي ابتلعته حتى لو كلفه الأمر للسفر إلى والديه وإعلامهم ما يحدث. ***
كانت تقف أمام زجاج غرفة العناية بالأطفال حديثي الولادة. وبداخلها ألف شعور وشعور. لا تعلم هل تفرح بوجوده أو تحزن. فبسببه هو ووالده تدمرت حياة شقيقتها. ولكن بمجيئه أنقذ حياتها فحسب كلام الطبيب. الحمل والولادة في هذا الوقت هما سبب اكتشاف الورم الذي اتضح أنه في مرحلة متقدمة كثيرًا حتى يصعب اكتشافه ومعالجته. وبفضل هذا الطفل أنقذت حياة شقيقتها. لا تعلم لماذا القدر يلعب بهم بتلك الطريقة. يجعلها تقف عاجزة حائرة لا تعلم حتى ماهية شعورها. زفرت بتعب ورفعت رأسها للأعلى وهي
تقول بقلب مثقل بالهموم: "يارب.. يارب هونها من عندك." فجأة تصلب جسدها وشعرت برجفة قوية تسري في عمودها الفقري حين وجدته بقربها. ولمست أنفها رائحته التي كان لها وقع قوي على قلبها الذي يهدأ كثيرًا بوجوده بالرغم من كل شيء. "بتفكري في إيه؟ هكذا سألها بنبرة خشنة بها قساوة أيقظت الألم بداخلها. فتجاوزت تلك الغصة التي تقف بمنتصف حلقها وقالت بجفاء: "أنا مصدقة جنة في كل كلمة قالتها." لم يلتفت إليها إنما قال بفظاظة:
"مش وقته. تقوم بالسلامة ونطمن عليها وكل حاجة هتبان." اغتاظت من إجابته فالتفتت تقول باستفزاز: "لا وقته. جنة اتظلمت بس انت مش قادر تعترف. معرفش بقى يمكن عشان اللي عملته فينا." قاطعها بقسوة: "وإيه اللي أنا عملته فيكوا؟ لوهلة لاذت بالصمت. فهي عندما تبحث بداخلها فلن تجد له أي خطأ. فقد حمى شقيقتها ووعدها بأنه سيحمي طفلها وسينسبه لأباه وسيعطيه حقه. والأكثر من ذلك أنه منعها من ارتكاب جريمة القتل حين أوشكت على التضحية به.
جاءها صوته القاسي يشوبه التهكم حين قال: "سكوتك طال يا فرح. إيه أخطاء كتير أوي كده ولا بتدوري ومش لاقية." اغتاظت من وقاحته التي تحمل من الصدق الكثير. ولكنها كعادتها تأبى الانهزام أمامه. فهبت معاندة: "ولما تجبنا على ملء وشنا وتخلينا نسيب حياتنا وبيتنا وتجبرنا نعيش معاكم ومع ناس بتكرهنا ده يبقى اسمه إيه؟ سالم بقسوة:
"اسمه إني بحميكوا من نفسكم. والناس اللي بتكرهكوا دول أرحم ألف مرة من الناس اللي كانت هتاكل وشكم وهي شايفة أختك وبطنها قدامها من غير جوزها." للمرة التي لا تعرف عددها يكون مصيبًا بكلماته. ولا تعلم بما تجيبه. فهي بحاجة ماسة للراحة. فقد أنهكها كل شيء وهو لا يرحمها. ولكنها أنثى لا تعرف معنى الانحناء. لذا رفعت رأسها بشموخ تجلى في نبرتها حين قالت:
"والله إحنا كبار بما فيه الكفاية عشان نعرف نتصرف. ومكناش محتاجين منك حاجة يا سالم بيه! اغتاظ من ذلك اللقب الذي كان وكأنه جدار تضعه بينهم. وخاصة حين تابعت بسخرية: "متقلقش أنا فاكرة حدودي وبحاول متخطاهاش! كالعادة تنجح في إثارة غضبه النفسي. فآثر الانسحاب لأول مرة حتى لا يؤذيها. فقط اكتفى بنظرة غاضبة ولهجة تحمل مذاق التهكم والمرارة معًا: "كويس خليكي فاكراها." ما أن هم بالالتفات حتى استوقفته كلماتها الغاضبة:
"أكيد هفضل فاكراها. بس انت كمان متتعداش حدودك معايا." رفع إحدى حاجبيه وقال باختصار: "بمعنى؟! صاحت بانفعال وغضب نابع من قلب يشتهي ما لا يستطيع الإفصاح عنه: "بأي حق تطبطب عليا وتمسك إيدي قدام الناس كلها؟ تشابهت نظراته مع لهجته الجليدية حين قال: "بنفس الحق اللي خلاكي تلجئيلي لما كنتي ضعيفة وعايزة تتسندي على حد." نجح في تعرية مشاعرها وقراءة نظراتها. مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تقول باستهلال:
"انت تقريبًا بتتوهم وتصدق أوهامك صح؟ شيعها بنظرة خبيثة لامست حواف قلبها قبل أن يقول بقسوة: "أنتِ اللي جبانة. للأسف شوهتي صورتك اللي كنت راسمهالك في خيالي." كلماته أهانته قبل قلبه قبل كرامتها التي كان لزئيرها وقع كبير عليها. فرفعت رأسها وهي تبتسم ابتسامة مرة لم تصل لعينيها التي لم تعد تحتمل ثقل عبراتها أكثر. بينما هي تحدثت بتهكم: "طب كويس والله. معنى كده إنك خلاص صرفت نظر عن فكرة الجواز المجنونة بتاعتك."
كان بارعًا في قراءة تعابيرها من فرط ماهو مولع بها. فلاحظ اهتزاز حدقتيها التي تحمل عبارات غزيرة تهدد بالانفجار. فتحدث بلهجة أهدأ قليلًا: "قبل ما أجاوبك عايز أعرف الدموع اللي في عينيك دي سببها إيه؟ لن تبكي ولن تخضع أبدًا وستظل صامدة لآخر نفس. هكذا كانت تردد بداخلها قبل أن تقول بلا مبالاة: "أبدًا. أنا بس متضايقة عشان جنة." خرجت كلماته غاضبة كملامحه حين قال: "كذابة!
جبانة وكذابة يا فرح. بس اللي يضايق إنك مش مضطرة تكوني كده." انفعلت من حديثه ومن كل شيء فقالت بنفاذ صبر: "انت عايز مني إيه؟ أجابها بصرامة: "واجهي. قولي إيه اللي جواكِ وتأكدي إني هحترمه أيًا كان هو إيه." لن تبكي ولن تخضع أبدًا وستظل صامدة لآخر نفس. هكذا كانت تردد بداخلها قبل أن تقول بلا مبالاة: "أبدًا. أنا بس متضايقة عشان جنة." خرجت كلماته غاضبة كملامحه حين قال: "كذابة!
جبانة وكذابة يا فرح. بس اللي يضايق إنك مش مضطرة تكوني كده." انفعلت من حديثه ومن كل شيء فقالت بنفاذ صبر: "انت عايز مني إيه؟ أجابها بصرامة: "واجهي. قولي إيه اللي جواكِ وتأكدي إني هحترمه أيًا كان هو إيه." اجتمع الألم مع الخوف بعينيها حين طرأ على ذهنها ما حدث عصر اليوم. **عودة لوقت سابق** كانت تجلس في المقهى أمام ياسين الذي انتظر حين أتى النادل بقدحين القهوة. ثم انفجر قائلاً: "احكيلي كل حاجة حصلت مع جنة لو سمحتِ."
لم تعتد على إلقاء الأوامر أو الامتثال لها. لذا قالت بحنق: "بأي حق؟ بأي حق بتطلب مني ده؟ ياسين بغضب: "تحبي أوريكي البطاقة عشان تعرفي؟ عاندت بغضب: "ما انتوا رميتونا زمان. رميتوا لحمكم راجعين تدوروا علينا دلوقتي ليه؟ تراجع ياسين قليلاً وتفهم موقفها وأجابها بلهجة أهدأ: "محدش رماكوا يا فرح واعتقد اللي حصل إنتِ عرفاه. وعارفة كمان جدي وجبروته."
"جبروته ده ضيعنا كلنا. ماما ماتت وسابتنا عيال صغيرة. كنا محتاجين حد يطبطب علينا أهل يقفوا جنبنا وبابا الله يرحمه كان أكتر حد محتاجكم. عارف تعب إزاي من الوحدة والوجع اللي واثقة إنه بسببهم مش بسبب المرض. جنة لو كنتوا موجودين مكنش هيحصل معاها كده. إحنا اتدمرنا بسبب جبروته. جاي تدور علينا بعد إيه يا ياسين؟ كان يعلم أنها محقة ويشاطرها الوجع بل أكثر. وقد تجلى ذلك في نبرته حين قال:
"مش لوحدكوا اللي اتدمرتوا يا فرح.. مسألتش نفسك أنا هنا بعمل إيه في إسماعيلية؟؟ أخويا راضي مات يا فرح. أو بمعنى أصح اتقتل." شهقت بعنف مرتدة إلى الخلف. فتابع ياسين بلهجة مريرة: "كان في خناقة بين عيلتنا وعيلة تانية كبيرة على قطعة أرض وقامت خناقة وراضي اتقتل فيها. وماما تعبت جدًا ومتحملتش تقعد في البلد وبابا نفس النظام. وسبنا جدي والبلد وجينا على هنا ومن وقتها وأنا بدور عليكوا." انكمشت ملامحها بألم
تجلى في نبرتها حين قالت: "البقاء لله يا ياسين. أنا مش عارفة حقيقي أقولك إيه.. ربنا يصبركوا." زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بخشونة: "الحمد لله على كل حاجة. هتحكيلي اللي حصل لجنة؟ زفرت بتعب وقالت بمراوغة: "انت عرفت إيه؟ تحلى بفضيلة الصبر وأجابها بصدق: "عرفت إنها كانت متجوزة عرفي وحامل وجيتي إنتِ وهي تعيشوا هنا مع أهل الحيوان ده بعد ما غار في داهية."
أغمضت عينيها بتعب. فقد علم كل شيء ولا مجال للكذب أو المراوغة. فشرعت تقص عليه ما حدث. ولكنها كانت تحتفظ ببعض التفاصيل لنفسها. خاصة وهي ترى ملامحه التي تفيض غضبًا وأنفاسه التي تعلو تزامناً مع حديثها الذي أنهته قائلة بحزن: "وادينا مستنيين أما جنة تولد ونشوف هنعمل إيه." صاح ياسين بغضب: "هتعملوا إيه يا فرح؟ من اللحظة دي ملكوش عيش مع الناس دي. جنة ليها أهل وهما هيعرفوا يجيبوا حقها كويس." فرح بمرارة:
"يجيبوا حقها من مين يا ياسين إذا كان هو مات." "الحيوان أقسم بالله لو كان عايش لكنت دفنته بإيدي." فرح بحزن: "يالا راح عند ربنا هو أولى بعقابه." ياسين بنبرة لا تزال تحمل الغضب: "سالم الوزان ده شكله مش سهل. أنا مش مرتاحله." تغيرت تعابيرها بشكل مريب وارتجفت نبرتها حين قالت باستفهام: "ليه.. بتقول كده؟ ياسين بريبة: "مالك يا فرح؟ أنتِ في حاجة مخبياها عليا؟ فرح بتلعثم: "لا طبعًا… حاجة إيه؟ "وشك اتقلب ليه لما جبت سيرته؟
فرح بمراوغة: "أبدًا. أنا بس خايفة من فكرة إننا نسيب البيت ونروح عند عمي. هنقول إيه على حمل جنة وجوازها. انت عارف الموضوع مش سهل وعمي…" قاطعها بغضب: "عمك تعبان وحالته متأخرة. السؤال هنا هنقول إيه لجدك وعيلتك اللي في البلد؟ جدك من وقت ما عرف إن عمي محمود مات وهو عايز يشوفكوا عشان يرجعلكوا حقكوا ويعوضكوا عن اللي حصل زمان." "بالسهولة دي؟ هكذا صاحت مستنكرة. فأجابها بتقريع:
"مش وقته يا فرح.. خلينا نشوف حل في المصيبة دي. لا جدي ولا بابا ولا حد لازم يعرف باللي حصل مع جنة. ده هيفتح علينا بحر دم ملوش آخر. جدك صعب وأظن إنك عارفه ده." لون الفزع تقاسيمها واحتل نبرتها حين قالت: "طب والحل يا ياسين." ياسين بطمئنة: "متقلقيش يا فرح. أنا هشوفلها حل حتى لو لزم الأمر هقف قدام جدي. كفاية البهدلة اللي حصلتلكوا وكله بسبب جبروته وقسوته."
"المهم متعرفيش جنة ولا حد حاجة خالص على ما أظبط أموري وأشوف هنعمل إيه. وكلها بالكتير يومين تلاتة وهكلمك تجهزي نفسك إنتِ وجنة عشان تمشوا. بناتنا ميقعدوش عند الغرب أكتر من كده." **عودة للوقت الحالي** طافت عيناها بملامحه. فكيف تخبره بما حدث وهي قطعت وعدًا لابن عمها بأنها لن تتحدث؟ كيف تخبره وهي بصدد مواجهة دامية مع عائلتها التي لفظتهم سابقًا وتنوي استردادهم الآن؟ فكيف تقابلهم بذنب عظيم وإثم كبير مثل هذا.
"مفيش حاجة أقولها. أنا أعصابي تعبانة من اللي حصل وبيحصل. حقيقي مبقتش قادرة أتحمل أي حاجة." تفشت بداخله خيبة قوية حين رأى نظراتها المراوغة وكلماتها الغير مرتبة. فشيعها بنظرات الخسة قبل أن يقول بتهكم: "وماله. سلامتك." لمست السخرية في نبرته. ولكن خالته نظراته التي تخفي شيئًا غريبًا. أيمكن أن يكون احتقارًا أو ربما ازدراء. لم تعد تعرف إجابة. ولكن هناك شيء بداخلها يؤلمها بقوة فاقت حدود تحملها. ***
توقفت سيارته أمام تلك البناية الملعونة بعد أن قطع ساعات من السفر في طريق المجهول باحثًا عن الحقيقة والانتقام. أخيرًا وصل إلى وجهته. وصار يأكل الدرجات حتى وصل إلى تلك الشقة التي يود تدميرها بكل ما تحمله من ذكريات مقززة تصبر غضبه وجنونه. الذي جعلوه يدق بابها بعنف. وما أن انفتح وأطل منه مؤمن حتى أنهال عليه سليم بالضربات والركلات دون أن يتيح له الفرصة لاستيعاب أي شيء. فبلمح البصر وجد هذا الوحش الهائج أمامه ينهال عليه بالضرب المبرح وهو يسبه بأفظع أنواع السباب حتى هلكت قواه.
وإذا به يصرخ بوجهه بعنف: "احكيلي اللي حصل يا حيوان. ضحكتوا عليها إزاي؟ مؤمن بمن بين آلامه وتورم شفتيه: "أنا.. مش.. فاهم.. حاجة.. أبوس إيديك. سيبني." سليم بصراخ: "مش هسيبك إلا لما تقولي كل حاجة." لم يكد مؤمن يتحدث حتى صدح صوت من خلفهم: "سيبه. مؤمن ميعرفش حاجة. أنا هحكيلك اللي حصل." التفت سليم بجمرتيه المشتعلتين إلى ذلك الجسد الهزيل والملامح المتورمة التي تعود لعدي. الذي ما أن نجح في جذب انتباه سليم إليه
حتى قال بصوت لا روح به: "أنا اللي كنت مع حازم في كل حاجة. وأنا اللي خليته يوهمها إنه مريض وبيموت لما ساندي قالتله إنه مدمن. اقترحت عليه يقولها كده عشان متبعدش عنه وجبتله الورق كمان اللي يثبت ده. وعرفته على دكتور صاحبي اتفقت معاه إنه يقول لجنة إنه حازم مريض سرطان وبيموت عشان توافق تتجوزه عرفي."
توجه سليم إليه بخطى متوعدة تشبه نظراته وملامح وجهه. ولكن ذلك لم يردع عدي الذي اشتهى الموت لعله يرتاح من عذابه الذي فاق حدود التحمل. فتابع يسرد خطاياه:
"حازم عمل المستحيل عشان يجيب رجل جنة وياخد اللي عاوزه منها. بس هي كانت دايماً توقفه عند حده. ولما مضت على ورقة الجواز بحجة إنه مش هيتعالج غير لما يضمن وجودها جنبه. حازم فكر إن الدنيا بقت سهلة معاها وبقي يتحجج بالمرض عشان يقرب منها. بس هي كانت بتصده وأصرت تروح معاه جلسات الكيماوي. ولما قعد يتحجج اتخانقت معاه وهددته إنها هتقطع الورقتين عشان كانوا معاها وهتبعد عنه. حازم اتجنن وحلف لا يجيب مناخيرها الأرض واتفق معايا إنه هيجيبها هنا على أساس إنه مركز وهيقابل دكتور. وفعلاً ساعدته وكلمت ناس أصحابي ساعدونا في التمثيلية دي. وفي بنت عملت إنها ممرضة وهتدخلهم للدكتور وجابت لجنة عصير كان فيه مخدر شربته وأغمي عليها وحازم اعتدى عليها."
لم يكد يكمل جملته حتى أنهال عليه سليم ضربًا مبرحًا وهو يصرخ حتى جرحت أحباله الصوتية: "يا ولاد الكلب… انتوا إيه مش بني آدمين…" تحدث عدي من بين ضربات سليم المتلاحقة: "موتني وريحني من كل العذاب ده.. خد حقها مننا كلنا.." توقفت يد سليم في الهواء وقال بعنف: "وشرف أمي ما هنهولهولك بالسهولة دي.. الموت راحة ليك. انت حبك تفضل تتعذب زي الحيوانات كده." ***
بعد مرور يومين استفاقت جنة فوجدت فرح بجانبها تتلو آيات الذكر الحكيم. وما أن رأتها تفتح عينيها حتى هبت من مكانها مقتربة منها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت: "جنة. حبيبتي أنتِ فوقتي أخيرا." جنة بلهجة متحشرجة: "أنا فين؟ فرح بلهفة: "إنتِ في المستشفى. ولدتي وجبتِ بيبي زي القمر يا جنة." ارتسمت ابتسامة خافتة على ملامحها قبل أن تقول بخفوت: "عايزة أشوفه." "حاضر.. هنادي على الدكتور أشوف ينفع تروحي له ولا لا؟ جنة بلهفة:
"ليه هو فين؟ فرح بطمأنة: "هو اتولد قبل معاده عشان كده دخلوه الحضانه بس اطمني الدكتور قال إنه كويس.. ثواني هناديهولك." هرولت فرح إلى الخارج فوجدت الجميع. فهرولت إلى أمينة تقول بفرح: "جنة فاقت يا حاجة أمينة." ثم التفتت إلى مروان مرددة بفرحة: "جنة فاقت يا مروان." أمينة بفرحة: "الحمد لله.. أحمدك وأشكر فضلك يارب." وأضاف مروان بفرحة: "الحمد لله أخيرًا."
لم يجبها سليم إنما اندفع إلى داخل الغرفة بأمر من قلبه الذي أخمد صوت العقل. فكل ما يرجوه رؤيتها وبحرها الأسود الذي وقع غريقًا بعشقه. أما عنه فقد كان يريد الاقتراب منها. يريد مشاركتها فرحتها وكل شيء. ولكن تسمى بمكانه حين سمع ذلك الرجل يناديها: "فرح." التفت الجميع يناظره بصدمة. إلا هو. ارتسم الإجرام بنظراته واقترب منه مزجرًا بوحشية: "انت إيه اللي جابك هنا؟ وتحدثت أمينة بصدمة: "دكتور ياسين؟
تفاجأ الجميع من تلك التي تجاوزتهم لتقف بجانب ياسين وهي تقول بعنفوان: "ياسين أكتر واحد له الحق إنه يكون موجود هنا." سقط قلبه بين ضلوعه من فرط الألم الذي عصف به في تلك اللحظة واستنفذ كل قوته ليظل على جموده حين قال: "يعني إيه؟ إجابته بنبرة هادئة وعينين يرتسم بهما القوة: "الدكتور ياسين وفيق عمران يبقى ابن عمي أنا وجنة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!