الفصل 2 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
80
كلمة
7,532
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

كانت خطاه تحمل لهفة قلبه الذي لأول مرة يترك الحذر جانبًا وينساق خلف رغبته المتعطشة لرؤيتها والإطمئنان عليها. بينما هي كانت ترقد بهدوء يتنافى مع ألم جرحها الذي لم يلتئم بعد، وقد زاد من أنينه ذلك الوجع الذي بدأ يتسرب إلى قلبها شيئًا فشيئًا وهي تستعيد ذاكرتها التي توقفت عند تلك الجملة: "حازم مكنش مريض يا جنة". كان بالنسبة لها دربًا من الجنون لم تكن بحياتها تتخيل أن تقع في فخ مثل ذلك.

الأسوأ من الغدر هو أن تتفاجأ بأن ركنك الهادئ ما هو إلا وكر ثعابين طالت قلبك سمومهم. أن تأتيك الطعنة من ذلك الذي أدرت له ظهرك متلحفًا بوشاح الحب، فأجهز على طهارة قلبك متسلحًا بخنجر الخيانة. كان الأمر أصعب من أن يوصف وأقسى من أن يقال، وتحمله كان أشبه بجمرة مشتعلة تحيا بقلبها ويضخها إلى سائر جسدها الذي انتهكت حرمته بدون رحمة ولا شفقة ممن ظنته يومًا حبيبها.

تسارعت أنفاسها وكأنها في سباق مع دقاتها حين تذكرت تلك المأساة التي اغتالت حياتها وحطمت عالمها الوردي. "ممكن أعرف مبترديش عليا ليه؟ هكذا تحدث حازم بحنق تجلى في نبرته وطريقة إمساكه بالهاتف، فأجابته جنة بجفاء: "انت عارف مبردش عليك ليه، ولو مكنتش رنيت من رقم غريب مكنتش هرد يا حازم." ازداد غضبه، ولكن حاول التماسك مختبئًا خلف ستار الضعف حين قال: "بتعملي فيا كده عشان عارفه إني مريض صح؟ انقبض قلبها جراء حديثه وقالت

بلهجة أهدأ من السابق: "بطل كلامك دا، انت عارف بعمل كده ليه؟ حازم بانفعال زائف: "جنة أنتِ مش فاهمه، أنا خايف. خايف من الجلسات دي، خايف شعري يقع زي ما بيقولوا، خايف أتحول لمسخ ووقتها هتكرهيني وتسبيني…" قاطعته بلهفة ونبرة لينة كحال قلبها: "متقولش كده يا حازم أرجوك، قولتلك ألف مرة عمري ما هسيبك، وثبتلك ده بالدليل وانت فاهم قصدي كويس." نجح في استمالة قلبها فقالت بتخابث: "يعني وعد هتفضلي معايا وعمرك ما هتسبيني أبدًا؟

جنة بخجل: "وعد عمري ما هبعد عنك أبدًا والله." "طب إيه رأيك بقى إني حجزت عند الدكتور وهروحله النهاردة عشان أحدد هبدأ الجلسات امتى، بس طبعًا أنتِ هتكوني معايا." جنة بلهفة: "طبعًا هكون معاك، قولي هتروحله امتى؟ فكر قليلًا قبل أن يطيع شيطانه ويقول بتخابث: "كمان ساعتين، انتِ فين؟ "أنا في الجامعة.. خلاص ابعتلي العنوان واسبقني على هناك وأنا هجيلك." "لا طبعًا مش هدخل المكان ده من غيرك، قلبي بيتقبض." فكرت لثوانٍ قبل أن تقول:

"طب انت فين وأنا هستأذن من فرح وأجيلك." تحدث باندفاع غاضب: "لا فرح إيه؟ أنتِ بتهزري!! أوعى تكوني قولتيلا على تعبي؟ جنة بجزع: "إيه يا حازم في إيه؟ لا طبعًا مقولتلهاش، بس إيه المشكلة لو قولنا لها؟ مانتا هتبتدي علاج وهتخف إن شاء الله…" قاطعه بغضب: "قولتلك لأ يا جنة، وقسمًا بالله لو حكيتيلها حاجة لهلغي فكرة العلاج دي خالص، فاهمه؟ قالت مجبرة: "طيب يا حازم اللي تشوفه." زفر بارتياح وقال بلهجة لينة: "هعدي عليكِ ونروح سوا."

كانت حزينة بقدر ما هي غاضبة، ولكنها لم تفصح عن شيء، بل اكتفت بالموافقة، وداخلها تشتعل ألف حرف، فهي بعمرها لم تكذب على شقيقتها أبدًا، والآن فعلت الكثير من الأشياء الخاطئة، على رأسها تلك الورقة التي أمضت عليها مكرهة بأمر من قلبها الذي أشفق على مرضه، وقررت بأنها ستكمل معه الطريق حتى النهاية، فلن تستطيع أبدًا التخلي عنه.

بعد ساعتين، كانت تقف معه أمام تلك البناية، وداخلها شعور قوي بالرهبة، وهناك صوت في أذنيها يتوسل إليها بالهروب. قلبها منقبض بذعر وجسدها يقشعر كلما تقدمت خطوة، وكان الصمت حليفها، إلى أن دخلت إلى الشقة وبجانبها حازم الذي كان يثرثر، ولكنها كانت في عالم آخر، تتمنى لو أنها تعود أدراجها وتطلق ساقيها للريح وتغادر دون رجعة، ولكنها حاولت استجماع شجاعتها وأخبرت نفسها بأنها تقف بجانب إنسان في محنة، وهي بعمرها لم تتخل عن أحد.

"جنة. جنة." تنبهت لحازم الذي كان يناديها وهي غارقة بأفكارها، فلم تنتبه له. "نعم." حازم باستفهام: "نعم إيه؟ بقالي كتير بكلمك وأنتِ ولا أنتِ هنا، مالك فيكِ حاجة؟ كانت تود أن تخبره بأنها تريد الفرار من هنا ولا تعلم السبب، ولكنها قمعت ذلك الصوت الداخلي الذي يتوسل إليها بالفرار، وقالت بابتسامة باهتة: "لا أبدًا، أنا كنت سرحانة شوية.. كنت عايز إيه؟

لم يتسن له الإجابة، فقد أحضرت لهم الممرضة زجاجتين من العصير وهي تخبرهم بأن الطبيب سيقابلهم بعد قليل، فتناولهم حازم منها وقام بإعطائها إحداهما، ولكنها لم تكن تريد، فلاحظ ذلك وقال بحزن زائف: "جنة. أنتِ ندمانة إنك جيتي معايا؟ تنبهت جنة لملامحه التي لونها الانكسار ولهجته الحزينة، فقالت بنفي: "ليه بتقول كده؟ طبعًا لا." تابع تمثيله، فنظر أمامه بحزن استطاع أن يتقنه ببراعة ويسكبه في لهجته حين أجابها:

"بصي لشكلك في المراية وأنتِ هتعرفي، دانتِ حتى مش طايقة تاخدي العصير مني.." جنة بلهفة: "والله أبدًا، أنا متوترة بس، إزاي تفكر كده." أومأ برأسه بطريقة توحي لها أنه ما زال حزينًا، فتابعت بلهجة ودودة: "خلاص والله يا حازم، أنا مقصدش أضايقك." نظر إليها وابتسم إحدى ابتساماته الرائعة، قبل أن يقوم بإمساك زجاجة العصير وفتحها وهو يناولها إياها قائلًا بخفة:

"خلاص يا ستي مسامحك.. اشربي بقى عشان تفكي من التوتر ده، إحنا لسه قدامنا مشوار طويل مع بعض، مش هتفرهدي من أول مرة كده.."

لم تنتبه لذلك المكر الذي يقطر من حديثه، فقد ارتاحت حين رأت ابتسامته، فهي تشعر بالشفقة على شاب مثله أن يقع فريسة لذلك المرض اللعين، ولا تعلم أنها هي من وقعت فريسة بين براثن ذئاب لا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلوبهم، فبعد عدة رشفات من العصير، تراقصت الدنيا من حولها، وآخر ما سمعته هو صوت تحطم الزجاجة التي سقطت من بين يديها.

لا تعلم كم من الوقت مر وهي نائمة، ولكنها بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا، وكان أول شيء وقعت عينيها عليه هو سقف الغرفة الأبيض الذي كانت تراه بتشوش في البداية، وبعد ذلك بدأت الرؤية تتضح، ليُهاجمها بعدها ألم قاتل أسفل جسدها، فرفعت يدها تضعها فوق رأسها، فتفاجأت بذراعها العاري!

وبلمحة ضرب عقلها هاجس رفضته بقوة، فأخذت تتلفت حولها بلهفة والعبرات تتساقط من مقلتيها بغزارة دون أن تشعر. فقد أدركت الآن حقارة ما حدث معها، فتشنج جسدها وخرجت الصرخات المستمرة من فمها الذي أخذ يردد دون وعي: "لا.. لا.. لا.. أنا بحلم.. دي مش حقيقية.. لا… لا… لاااااا" توقفت صرخاتها على أعتاب شفتيها حين رأت حازم الذي دخل الغرفة عاري الصدر وهو يطالعها بنظرات غامضة ونبرة مختلفة عن سابقتها حين قال: "أخيرًا صحيتي…"

كان هدوءه يوحي بمدى حقارته، فقد كان هادئًا وكأن شيئًا لم يحدث، بينما هي كانت تحترق بلهيب الغدر والألم والغضب معًا، فصرخت به: "انت معملتش فيا كده صح؟ لم يجبها حازم، إنما توجه إلى أقرب مقعد وألقى بثقله عليه وهو يقول بهدوء: "لا عملت يا جنة. واللي عملته ده مش غلط ولا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي…" لم تستطع تصديق إقراره بذنبه العظيم وفاجعتها الكبرى، والأسوأ من ذلك أن يتحدث بتلك الطريقة ويبرر جريمته النكراء، فصرخت

حتى جرحت أحبالها الصوتية: "انت حيواااان…" لم تشعر بنفسها وهي تمسك بقنينة مياه كانت على الطاولة بجانب السرير وتقوم بإلقائها في وجهه، فتفاداها بصعوبة وتوجه ناحيتها بغضب انطبع على مرفقيها حين أمسك بهما يهزها بعنف: "أهدّي وبطلي جنان. قولتلك اللي حصل ده لا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي يعني كده كده كان هيحصل." بكل ما يعتمل بداخلها من قهر صرخت بوجهه: "اخرس.. انت حيوان وحقير…" لم يتركها، إنما اقترب منها أكثر

وهو يقول بلهجة بدت صادقة: "أنا مش حقير ولا حيوان، أنا بحبك وعمري ما هتخلى عنك، ودي الطريقة الوحيدة اللي هتخليكِ أنتِ كمان متبعديش عني…" صعقتها صراحته الفجة وعدم إحساسه بأي ذنب جراء جريمته معها، فعن أي حب يتحدث بعدما قضى عليها سالبًا منها أغلى ما كانت تملك في هذه الحياة. فجأة هدأت ثورتها وجلست بمكانها وهي تقول بنبرة تقطع لها نياط القلب: "انت ضيعتني. حرام عليك.. حب إيه اللي يخليك تعمل فيا كده…"

كان شعورًا عارمًا بالخزي جعلها تنكمش على نفسها تحتضن كتفها الذي يظهر من ذلك الشرشف الذي يلفها، وأخذت ترتجف كورقة أطاحت بها رياح الغدر حتى أسقطتها في بئر من الوحل، فأخذت تضرب خديها بعنف، إلى أن امتدت يديه تحاول إيقافها وهو يقول بغضب: "خلاص بقى، أنتِ مزوداها كده ليه؟ ما قولتك ده لا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي افهمي." لم تستطع تحمل وجوده أكثر وثباته الذي يضفي نيرانًا فوق نيرانها، فنفضت يده بحدة وهي تصرخ بكل

ما يعتمل بداخلها من وجع: "بكرهك… بكرهك يا حازم، بكرهك…" اختلط الحلم بالحقيقة للحظات، شعرت بأنها في ذلك الجحيم مرة أخرى، وتعَاظَم الألم حتى صار تحمله دربًا من دروب المستحيل، فوضعت يديها فوق أذنيها حتى لا تسمع صوت صرخاتها الممزوجة بتبريراته السخيفة، تريد الهرب حتى لا تراه مرة أخرى أمامها، فصارت تغمض عينيها بقوة وتردد دون وعي: "بكرهك.. بكرهك.. يا حازم، بكرهك…"

كانت ملامحها المتألمة تحكي عن أي كابوس تعيش في تلك اللحظة، كابوس لا تستطيع تجاوزه أي فتاة، وخاصة هي. جسدها المرتجف كان يعبر بطريقته عن رفضه لما حدث له وما مر به. يعلم جيدًا أي شعور يجتاحها الآن، فقد كان يشاركها الألم، يشعر بالقهر لما حدث معها، يتألم كما لم يتألم من قبل.

كانت شيئًا ينتمي له، لا يعلم كيف، ولم يعد يتساءل متى، فمنذ أن رآها أول مرة كان يرى نفسه بعينيها، يرى انهياراته وضعفه وهزائمه. كانت تعبر عنه، تشكو همه بلسانها، تذرف عبراته التي تثقل جفونه وتؤلم قلبه، الذي كان يحيط به كبرياء أعمى يمنعه من الانهيار.

كان القدر يلقي بها دائمًا في طريقه، وكأنه يعانده، حتى أسلم قلبه رايته، فأصبحت حربًا ضارية يقف بها أمام قدره الذي أحكم قلبه بين كفيها، ولم يعد له سبيل للمقاومة. وبالرغم من قوته وصلابته، إلا أنه أضعف مخلوق أمام ضرٍ يمسها. والآن يقف عاجزًا، لا يستطيع أن يفعل لها شيئًا وهو يراها تنازع ألمها وعذابها الذي كان هو جزءً منه.

فقط يتمنى لو يضمها، يمتص منها كل تلك الذكريات المؤلمة. لو يقاسمها ذلك العذاب الذي يلون تقاسيمها الرائعة. تمنى لو يصرخ بملء شفتيه وبملء العالم باعتذارات قد يكون فات أوانها. كانت تلك الأمنيات البسيطة أقرب إلى المستحيل منه. لم يستطع تحمل ألمها أكثر، فاقترب منها يربت بحنو على وجنتيها يحاول إخراجها من كابوسها المرعب: "جنة فوقي.. فتحي عينيكِ.. دا كابوس.. فتحي عينيكِ أنا جنبك."

أخيرًا استطاعت أن تفتح عينيها حين وصلها صوته الذي بدا وكأنه قادم من بعيد. فأخذت ترمش بعينيها لثوانٍ قبل أن تصطدم بجمرتين مشتعلتين بنيران دائمًا كانت تحرقها بألسنة اتهاماته المروعة والتي لم تشفق يومًا عليها، فحاولت استعادة نفسها للحظات، لم تقطع تواصلها البصري، ثم نهرته بجفاء: "انت بتعمل إيه هنا؟ تراجع خطوة للخلف بينما عينيه ما زالت مسلطة عليها، وقال مستفهمًا بنبرة هادئة كانت غريبة على مسامعها وخاصة منه:

"عاملة إيه دلوقتي؟ غمغمت بخفوت: "الحمد لله." شعر بجفائها الذي آلمه، ولكنه تجاهل ذلك قائلًا: "حمد لله على سلامتك…" لم تتنازل بالنظر إليه، بل أجابت باختصار: "الله يسلمك…" كان جفاءها أمرًا متوقعًا، ولكنه بالرغم من ذلك كان مؤلمًا. وللحق كان أقل بكثير مما يستحق، هكذا حدثه قلبه، ولأنه لم يكن متجبرًا أو ظالمًا بطبعه، جذب المقعد ووضعه أمام مخدعها يناظرها بعينين لأول مرة تصفو سماءهما، وقال بنبرة رخيمة: "جنة.. ممكن تبصيلي…"

لم تكن أول مرة تسمع اسمها من بين شفتيه، ولكن تلك المرة كان مختلفًا بطريقة أربكتها وجعلت دقاتها تتقاذف بداخلها بعنف. وعلى عكس المتوقع، أخفت كل ما يعتمل بداخلها ببراعة وأطاعته بهدوء ودون حديث، فقط نظرات تتخللها السخرية، بينما ظلت ملامحها جامدة، ليعلم أن تلك الفتاة التي يراها الآن تختلف كثيرًا عن التي جاءت منذ خمسة أشهر لتعيش معهم، فقد حولتها الصدمات والآلام إلى أخرى، لا يعرف إن كان يستطيع التعامل معها أم لا.

"في كلام كتير بينا محتاجين نقوله.. يمكن الوقت دلوقتي مش مناسب بس…" قاطعته بجمود: "فعلًا الوقت مش مناسب لأي كلام، أنا عايزة أشوف ابني وأطمن عليه وأرتاح عشان تعبانة." تعلم جيدًا أنها تستفزه، وأنه ليس برجل صبور، وإن كانت تلك الطريقة التي ستسلكها معه، فهو هالك لا محالة. "زي ما تحبي.. خلينا نأجل أي كلام بينا لوقت تاني تكون صحتك اتحسنت." بنبرة أقرب إلى العادية تحدثت:

"مفيش بينا كلام يتقال، عالأقل من ناحيتي، معنديش حاجة أقولهالك، ومعتقدش إني اللي هسمعه منك مهم أو هيفيدني…" أيقظت وحوشه الكامنة بلامبالاتها وجمودها، فهب من مكانه قائلًا بغضب: "لا فيه وهتسمعيني. حتى لو معنديش اللي تقوليهولي، بس هتسمعيني. أنا عارف إني غلطت في حقك…" توقف للحظات لا يعرف كيف يبدأ أو يعبر عما يدور بداخله، لا يريد نبش الماضي ولا خدش جراحها الملتهبة مرة أخرى، ولكنه تابع من أكثر بواطنه ألمًا:

"أنا كنت عارف إن حازم مش ملاك.. وكنت دايماً بختلف أنا وهو لحد يوم الحادث، ساب البيت ومشي بسبب خناقتي معاه. بس كنت بقول شاب وطايش. لكن أنتِ…" تعمقت نبرته ونظراته أكثر حين تابع: "أنتِ كان الوضع بالنسبالك مختلف. بنت حلوة.. جميلة…"

تلعثمت حروف الغزل المغايرة على شفتيه، فتوقف للحظات يشرد بعينيها وملامحها التي نُقشت بسهم الحب المشتعل فوق جدران قلبه، فتسارعت أنفاسه للحظات قطعتها حين أدارت عينيها للجهة الأخرى وكأنها تستنكر نظراته إليها، فتحمحم بخفوت قبل أن يكمل: "وباين عليكِ إنك بنت ناس. ليه تعملي في نفسك كده؟ ليه تقبلي حاجة زي دي وتقللي من نفسك تحت مُسمى الحب." أيدته بلهجة قاسية: "عندك حق.. أنا فعلًا قللت من نفسي. ومش ناوية أعمل كده تاني."

تشابهت ملامحها مع لهجتها في تلك اللحظة، فعلم أنها ما زالت تحت تأثير جراحها، أو هكذا أقنع نفسه، فاطلق الهواء المكبوت في صدره دفعة واحدة، واقترب من مخدعها مرة أخرى، وأقر بهزيمته بنبرة هادئة: "أنا بعتذر على كل كلمة قولتها ضايقتك. بعتذر على كل حاجة حصلت مني ومن…" تشنجات عضلاته ونفرت عروق وجهه وهو يتابع من بين أسنانه: "ومن حازم." أجابته بجفاء وصرامة: "اعتذر فيما يخصك، أما اللي بيني وبين حازم ده هيفضل بينا ليوم الدين."

كان يعلم مقدار حزنها وألمها، فبالرغم من جمود ملامحها ولهجتها، إلا أن اهتزاز حدقتيها كان يوحي بطوفان العبرات الذي يختبئ خلف جفونها، لذا تابع بقسوة: "أقسم لك بالله لو كان عايش كنت هجيب لك حقك منه، ومكنتش هعمل اعتبار لأي شيء، ولا حتى أنه أخويا.. بس أوعدك هجيب لك حقك من الشياطين اللي ساعدوه…" فاجأته حين أردفت ببساطة: "بس أنا مش عايزالك تجيبلي حقي من حد." برقت عيناه للحظات وانكمشت ملامحه بحيرة من حديثها،

لتتابع بصوت متحشرج: "حقي عند ربنا. ولو فكرت آخده هاخده بنفسي. أما أنت عم ابني وبس. ودي حدود العلاقة بينا. أتمنى تكون فهمت قصدي! نجحت في غرس سهمها في منتصف الهدف بقوة، وكان الضحية قلبه! فقد استشعر الآن معنى كلماتها حين أخبرته بأنه سيعض أصابعه ندمًا على ما فعله معها، فهو الآن يود لو يطلق على رأسه ألف رصاصة قبل أن يخرج من فمه تلك الكلمات التي ألقته في الجحيم وحرمته الجنة طوال حياته. أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بخشونة:

"مش هلومك على أي حاجة قولتيها دلوقتي لإني عارف إني غلطت! بس إحنا مش هننتهي عند النقطة دي يا جنة." كانت نظراته تحمل اعتذارات وربما توسلات لم يُفصح اللسان عنها، ولكنها لم تفلح في هدم ذلك الجدار الفولاذي التي أحكمت بناءه حول نفسها، فتابع بنبرة متحشرجة: "حتى لو الطريق كان طويل وصعب، بس أكيد له نهاية. وأنا عمري ما هستسلم أبداً." بعينين جامدتين ورأس مرفوع بعنفوان تجلى في نبرتها حين قالت:

"الكلام ده لو أنا قبلت أمشي معاك في نفس الطريق.. طريقنا مش واحد. لحد هنا وكفاية." اقتصت من كبريائه القدر الذي مكنها من لملمة أشلاء كرامتها التي مزقتها اتهاماته المروعة، فها هي الآن ولأول مرة منذ وقت طويل مرفوعة الرأس بكبرياء كامل لا ينقصه شيء ولا يشوبه شائبة، وتستطيع مواجهته ومواجهة الجميع. ***

خيم الذهول والصمت على الجميع حين ألقت فرح قنبلتها الموقوتة التي كان لآثارها أعراض هائلة حجبتها الصدمة التي قطعتها شهقة قوية من جوف تلك التي كانت تقف خلفهم ترى وتسمع ما يحدث بذهول تحول إلى ألم ممزوج بالغضب حين تذكرت ما حدث قبل قليل. عودة لما قبل نصف ساعة من الآن.

كانت تتجول بالحديقة بخطى مثقلة بالهموم التي تمتزج بنيران الغضب والذنب معًا، تخشى مواجهة الأختين وتملك من الكبرياء القدر الكافي الذي يمنعها من الاعتذار، وأيضًا هناك جرح دامٍ في منتصف قلبها لا يزال ينزف منذ أن رأته معها. حتى تلك اللحظة لم تكن تدرك ماهية مشاعرها نحوه ومقدار عمقها، والذي هو نفس مقدار ألمها الآن، فبكل أسف هي قد وقعت بالمحظور. وعشقت هذا الرجل.

ما أن مر طيفه على بالها حتى غاب العقل لثوانٍ للحد الذي جعلها تتوهّم حين رأته يقف أمامها في طريقه لباب القصر الداخلي. فبعد أن حاول الاتصال بفرح طوال الأيام المنصرمة وكان هاتفها مغلقًا، لم يستطع الانتظار أكثر وأخذ قراره بأن يأتي بنفسه للاطمئنان عليهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح. وما أن وصل إلى قصرهم وهو في طريقه إلى الباب الداخلي، شاهد حوريته الصغيرة تتجول بخطى مبعثرة في الحديقة، فقاده قلبه إليها قائلًا

بلهجة يشوبها اللهفة: "حلا." كانت تناظره بصدمة سرعان ما تحولت لغضب تجلى في نبرتها حين تحدثت برسمية أدهشته: "أهلًا يا دكتور ياسين." تجاوز عن رسميتها وملامحها المتجهمة، فقد غلب شوقه لها كل شيء، فقال بعتب: "مجتيش الجامعة ليه؟ أنا عرفت إنك فكيتي الجبس من كام يوم؟ كانت لهفة نبرته لها وقع خاص على قلبها الذي تألم حين سمعت كلماته، فمن المؤكد أنه عرف من تلك الفتاة أنها تخلصت من الجبيرة، لذا تحدثت بمرارة: "ومجتش ليه عشان أشوفك؟

كادت تنفجر بوجهه وهي تخبره بأنه أول شخص توجهت إليه من فرط شوقها، ولكنها تفاجئت برؤيته مع أخرى، ولكنها كانت ذات كبرياء قاتل جعلها تقول باختصار: "محبتش أشغلك. وبعدين مفضتش، كنت مواعدة أصحابي نخرج سوا…" نجحت في إثارة غضبه جراء حديثها، ولكنه تجاهل ذلك قالبًا شفتيه بسخرية قائلًا بنبرة عادية: "آه أصحابك.. تمام، حمد لله على سلامتك." غمغمت باختصار: "شكرًا." باغتها حين قال بفظاظة: "فرح جوه؟

شهقت لصراحته الفجة وسؤاله المباشر عنها دون اعتبار لأي شيء، فصاحت غاضبة: "انت كمان ليك عين تيجي تسأل عليها هنا؟ ياسين ببساطة: "وإيه المشكلة؟ جزت على أسنانها بغل تجلى في نبرتها حين قالت: "والله أنا مشفتش بجاحة في حياتي كدا. مش كفاية سامحتها معاك بره، لأ وكمان جايباك هنا وراها…" قاطعها هادرًا بعنف: "عندك.. خلي بالك من كلامك. اعرفي بتقولي إيه وبتتكلمي عن مين. الغلط عندي مش مسموح بيه…" تلظت بآلام قاتلة لم تختبرها مسبقًا،

فصاحت باستهجان: "غلط.. الغلط مش عندي يا دكتور يا محترم. الغلط من عندك انت وحبيبة القلب…" رفع إحدى حاجبيه وقال باستنكار: "حبيبة القلب…" هدرت بغضب ودموع أثقلت جفونها: "أيوه حبيبة القلب اللي عمال تلف بيها في الجامعة ومش عامل حساب لشكلِك قدام تلاميذك، لأ وكمان جاي تسأل عنها هنا." فطن إلى ما ترمي إليه، ولكنه كان غاضبًا من لهجتها وأراد الحد من تهورها قليلًا، لذا قال باستفهام ماكر: "أنا ليه حاسس إن الموضوع ده مزعلك أوي؟!

رفعت رأسها بشموخ يوازي لهجتها حين حاولت أن تنأى بكبريائها عن مرمى كلماته: "بنت الوزان متخلقش اللي يزعلها…" تابع حرب الأعصاب التي شنها عليها قائلًا بتسلية: "وبنت الوزان مشافتش نفسها في المراية وهي بتتكلم! أعتقد لو شوفتي نفسك دلوقتي هتعرفي أنا أقصد إيه! تعاظم الغضب بداخلها، فزمت شفتيها بحنق تكبت بجوفها طوفان السباب الذي تود إغراقه به، فتابع هو بلهجة مغايرة لهدوئه منذ ثوانٍ: "فرح فين؟ "مع أختها بتولد في المستشفى."

ألقت بكلماتها في وجهه قبل أن تفر هاربة حتى لا تجعله يرى عبراتها التي أغرقت وجهها، وما آلمها أكثر حين وجدته يهرول إلى سيارته، فعلمت بأنه حتمًا سيتوجه إلى المشفي، ولم تستطع منع نفسها من أن تتبعه. عودة للوقت الحالي. وقعت تلك الحقيقة على مسامعهم وقوع الصاعقة، والتي كان أول من تخطاها هو سالم الذي كان فريسة للحظات بين غيرة عمياء لصلتها بهذا الرجل، وبين حقيقة تلك الصلة التي لم يستطع تقبلها، فزأر بقوة:

"عايز توضيح فورًا للي سمعته." كانت نظراته موجهة إليها في محاولة منه لتهميش ذلك المارد الذي كان يملك من الدهاء ما يجعله يفطن لما يحدث، لذا ما أن حاولت فرح الحديث، حتى امتدت يديه تتلمس مرفقها بلطف وهو يقول بنبرة صلبة كملامحه: "عنك يا فرح.. توضيح سالم بيه عندي أنا…"

نجح في فرض نفسه وبقوة أمام سالم الذي انتفخت أوداجه غضبًا من تلك اللمسة العابرة التي كانت لها وقع الجمر على قلبه المشتعل بنيران عشق أهوج وغيرة قاتلة، ولم يفته أيضًا ذلك التحدي الذي يقطر من لهجته، فأعلن الوحش عن هياجه الذي حاول كبته بصعوبة حين قال بفظاظة: "هات اللي عندك…" تجاهل ياسين فظاظته ونظراته، وارتدى قناع الجمود الذي غلف نبرته حين قال باختصار:

"عمي محمود والد فرح وجنة كان عايش معانا في الصعيد لما كانوا البنات صغيرين وحصل شوية مشاكل بينه وبين جدي وسافر وساب البلد وعاش بعيد عننا، وللأسف مات قبل ما يتصالح مع جدي، ومن وقت موته وأنا بدور على فرح وجنة، والحمد لله لقيتهم."

كان يتعمد اختصار حديثه ليستفز ذلك الوحش الذي يحاول بشتى الطرق إخماد غضبه الذي تجلى في عروقه النافرة وعينيه الداكنة والتي تحوي رغبة قوية في لكم هذا الرجل ومحو تلك الابتسامة البسيطة المرتسمة على فمه، الذي لم يعطه كل ما يريده، ولكنه نجح كعادته في السيطرة على ما يعتمل بداخله قائلًا بسخرية يشوبها الكثير من الجفاء: "بالبساطة دي؟! ياسين باختصار: "بالظبط.. ولو مش مصدقني أعتقد إنك تقدر تتأكد من كلامي. وإيه يا سالم بيه؟

معقول يكون السيط ده كله فنكوش؟! كانت جملته الأخيرة كعود ثقاب على أرض مشبعة بالوقود، لم يكن ينقصها سوى شرارة واحدة حتى تشتعل بنيران لن ينجو من بطشها أحد، ولكن جاء تدخلها السريع في اللحظة القاتلة حين شاهدت تغير ملامح سالم إلى أخرى مرعبة، فهبت قائلة: "اكيد طبعًا سالم بيه يقدر يعرف في دقايق حقيقة الموضوع. وبعدين إحنا أكيد مش هنكذب عليه…"

كانت بعينيها نظرات ضائعة مرتبكة، لا يعلم ما بها، لأول مرة يقف عاجزًا هكذا أمامها، نفذ صبره الذي ظن أنه ليس له آخر، ولكنها استنفذت كل ذرة جلد لديه، فود لو يهزها بعنف ملقيًا كل تلك الأقنعة التي أجبرته على ارتدائها حتى يستطيع التعامل معها، وبالنهاية لم تفلح أيضًا، ولأنها كانت بداخلها تتضرع إلى ربها حتى يمر هذا الأمر بهدوء، فقد أتاها صوت مروان المنقذ والذي شعر بتلبد الأجواء حولهم حين قال ساخرًا:

"ياخي شوف القدر وترتيبه. يعني عمال تدور عليهم ليك سنين وجاي تلاقيهم دلوقتي، والله البنات دول مرزقين…" زجرته أمينة بنظراتها قبل أن تقول بوقار: "إحنا اتشرفنا بيك يا دكتور ياسين. وكونك تبقى خال حفيدي ده شيء طبعًا يفرحنا." تحدث ياسين بلطف: "ده من ذوقك يا حاجة…" لم تتمهل حتى يعاد تدوير الحديث مرة أخرى، بل سارعت بالقول: "بقولك يا ياسين ما تيجي تسلم على جنة، هي فاقت." "ياريت. وأهو بالمرة نكسب وقت." لامست كلماته أوتار غضبه،

فقال باستنكار: "يعني إيه تكسب وقت؟ مفهمتش! ياسين بتوضيح: "يعني يا سالم بيه حضرتك أكتر واحد تعرف الأصول، والأصول بتقول إن مينفعش بناتنا تقعد عند ناس غرب أكتر من كده." كان الأمر برمته كارثيًا منذ أن وطأت أقدامه المشفي والإعلان عن هويته إلى تلك الحقائق الصادمة، ولكن كانت نيته في انتزاعها منه أشبه بانتزاع قلبه من مكانه، لذا تجاهل كل شيء واقترب منه قائلًا بزئير أفزعهم جميعًا:

"اسمعني كويس عشان شكلك متعرفنيش. محدش هيمشي ولا هيروح في أي مكان. ولحد ما أتأكد من الأفلام الهندي دي مشوفش وشك قدامي." نجح بجدارة في إغضاب خصمه، والذي ناطحه بقوة قائلًا: "خلي بالك من كلامك." زمجر سالم مقاطعًا: "أنا عارف كويس بقول إيه، واللي بقوله هو اللي هيمشي، وخلي بالك حتى لو كلامكوا طلع صح، ابن الوزان هيتربى وسط أهله. ده شيء مفروغ منه." تحدث ياسين بلهجة لا تقل عنه جفاء:

"ابنكوا محدش يقدر يمنعه عنكوا، زي ما أنت متقدرش تمنع بناتنا يرجعوا لأهلهم. لو ليك فاأنت عليك. والوضع هنا ميسمحش بالكلام، وأعتقد إنك فاهم قصدي كويس." لم يخلق من يقف أمامه، أو هكذا ظن، لذا احتدت لهجته وقال بتهديد مبطن: "وعشان فاهم قصدك بقولك محدش هيروح في أي مكان. هيفضلوا معانا وتحت عنينا. ولو أنت مش فاهم فدي مشكلتك." صدق حدسه، فقد ظن أن هناك شيء من البداية في نظراته لفرح لم يريحه، لذا تابع بدهاء:

"بالرغم من إن كلامك مرفوض بالنسبالي، بس لو هنتكلم عن جنة وابن أخوك، فهلتمس لك العذر. أما فرح متجمعهاش معاهم، ملهاش مكان وسطكوا، مكانها وسط عيلتها." نجح في نصب المكيدة للوحش، ولم يحسب حساب لضراوته في الحصول على مبتغاه، فخرج زئير سالم مع اقترابه خطوتين ليبقي على بعد عدة سنتيمترات من ياسين، الذي لم تتحرك بداخله خلية واحدة، على الرغم من تفاجئه بسالم الذي هدر بعنف: "فرح تخصنا زي ما جنة تخصنا بالظبط." ياسين بقوة:

"وضح كلامك. عشان معناه مش مفهوم بالنسبالي." سالم مغلولًا: "فرح خطيبتي! انكمشت ملامحه بغضب، ولم يجبه، إنما نظر إلى تلك التي كانت تتابع ما يحدث بقلب مرعب، ولأول مرة بحياتها شعرت بالضعف للحد الذي جعلها تريد الهروب من المكان بأكمله، ف نظرات هذان الوحشان مرعبة بحق، وكل منهما ينتظر أن تنحاز له، وهي تخشى النتائج، فكانت تتضرع داخليًا إلى ربها أن ينقذها، ولكن زاد الطين بلة حين قال سالم بلهجة يشوبها السخرية:

"تقدر تسألها لو مش مصدق! كانت تريد لكمه بقوة، ولكنها تسمرت بمكانها حين هدر ياسين بعنف: "حتى لو أكدت على كلامك، فالموضوع ده غير مقبول. اللي عايز واحدة يروح يطلبها من أهلها وناسها، وأديك عرفتهم دلوقتي، والأصول متزعلش، ولا إيه يا حاجة؟!

كان الوضع متأزمًا للغاية، فقد تعاظم الغضب بداخله، وخاصة حين وجدها صامتة، هذا يعني أنها توافق على حديث ذلك الرجل الذي يود لو يحطم رأسه في تلك اللحظة، وتكورت قبضته حتى ابيضت عروق يده، وكأنه يتأهب لأول مرة في استعمال العنف حتى ينتصر في إحدى معاركه، ولكن تفاجئ بوالدته التي تدخلت قائلة بوقار: "انت شايف الوضع يسمح باللي انت بتقوله ده يا دكتور؟ بدل ما تدخل تطمن على بنت عمك اللي راقدة جوه دي وحالتها متسرش."

تبدلت معالمه للقلق من حديثها، وقال باهتمام: "مالها جنة؟ حصل إيه؟ "وانت مالك بجنة؟ لم يكد يتلقى إجابة حتى باغته سؤال خشن مصدره سليم المتجهم الوجه، مفطور القلب والروح، والذي تفاجأ بوجود ياسين وسؤاله عن معذبة قلبه، فكان أول من تحدث مروان الذي تمتم ساخرًا: "كملت. كانت ناقصاك تيجي تنطحلك نطحتين إنت كمان." تحدثت أمينة بنبرة يشوبها التعب: "دكتور ياسين يبقى ابن عم جنة وفرح." تبدلت معالمه إلى صدمة واستنكار، فصاح مروان قائلًا

بتهكم: "لا مفيش وقت للاندهاش، مش هنعيد الليلة دي كلها من تاني." تحدثت فرح بنفاذ صبر فقد بلغ منها التعب ذروته: "ياسين يالا ندخل لجنه نطمن عليها." قطع ياسين حرب النظرات المتبادلة بينها وبين الأخوين وتقدم قائلًا باختصار: "اتفضلي."

حانت منها نظرة خاطفة لسالم، الذي كانت عروقه النافرة وملامحه الواجمة خير دليل على غضبه الكبير، والذي كان يخيفها، على الرغم من أنها لم تخطئ بشيء، أو لنقل أنها حاولت إقناع نفسها بذلك، ولكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أنها على وشك خوض معارك دامية أمامه، فكل شيء تغير كليًا. ***

في الداخل كانت تحارب عبراتها التي كانت كالأنهر لا تنضب أبدًا مهما ذرفتها، بل تتجدد كما تتجدد جراحها التي فقدت الإيمان بأنها سوف تلتئم ذات يوم، فقد كرهت كل شيء يحيط بها حتى نفسها وغباءها وقلبها الغض الذي كان يتحمل الكثير والكثير لأجل إخفاء أمر ذلك الكاذب والمخادع الذي ظنت بأنه إنسان، وبالرغم من كل شيء كانت على وشك مسامحته، فقد أقسمت داخليًا بأنها لن تحمل ضغينة لأي أحد، وخاصة هو، من أجل طفلها الذي، وبالرغم من أنها لم تكن تتردد ثانية في أن تضحي بنفسها لإنقاذه، ولكنها الآن تخشى رؤيته، لا رغبة لديها في أن تراه، تشعر بأنها حطام امرأة لا تهوى أي شيء في هذه الحياة.

يد قوية تقبض على قلبها تعصره مخلفة آلامًا تغلبت على آلام جسدها، فاحتضنت نفسها بقوة وهي تنظر إلى الأعلى وتقول بنبرة تقطر وجعًا: "يااارب.. ماليش غيرك.. خفف عني وجعي مبقتش قادرة أتحمله…"

تخبطت السحب بعينيها فأمطرت ألمًا حفر وديان الوجع فوق خديها، تزامناً من دخول فرح يليها ياسين، الذي ما أن رأى مظهرها حتى اختلج قلبه بشعور قوي تجاه تلك الطفلة البريئة ذات الأعين السوداء التي كان يحملها ويداعبها، وكانت ضحكاتها تملئ بيتهم الكبير الذي اتشح بالسواد منذ رحيلهم، والآن تبدلت إلى شابة أهلكها الوجع وأطفأ وجه ابتسامتها، فصارت باهتة لا حياة بها ولا روح.

تألم بشدة ولعن بداخله كل تلك العاهات والتقاليد التي فرقتهم عن بعضهم البعض لتطالهم يد القدر بتلك القسوة. "جنة…" كان هذا صوت فرح الحاني الذي لامس قلب جنة، التي فتحت عينيها المشوشة بعبرات الوجع، فاقتربت فرح منها تحتضن وجهها بكفيها وتكفكف عبراتها قائلة بحنان: "فتحي عينيكِ واحمدي ربنا على كل اللي يجيبه. ربنا دايماً له حكمة في كل حاجة بتحصلنا." "الحمد لله على كل حاجة."

كانت منخرطة في بئر أوجاعها، فلم تلحظ ذلك الذي كان يتابع ما يحدث بقلب مفتوح وملامح متجهمة، ولم يستطع تحمل المزيد، فتحمحم بخفوت قبل أن يقول بنبرة قوية: "حمد لله على سلامتك يا جنة…" تنبهت لوجوده، فالتفتت تناظره بصدمة، وتفرقت عيناها بينه وبين شقيقتها، التي قالت بلهجة هادئة: "في موضوع مهم لازم تعرفيه. بس اوعديني إنك تفضلي هادية وأوعي تخافي من أي حاجة في الدنيا وإحنا جنبك…" خربشت كلماتها فضولها للحد الذي جعلها تقول بلهفة:

"إحنا.. تقصدي إنتِ ومين؟ تشجعت وألقت قنبلتها قائلة: "أنا وياسين. ياسين يبقى ابن عمو وفيق. يبقى ابن عمنا يا جنة…" *** في الخارج كان الموقف على صفيح ساخن، خاصة بعد أن علم سالم هوية ياسين ونيته، فهب صارخًا بغضب: "ده بيحلم.. لو فكر يقرب منها خطوة واحدة هدَفنه مكانه." تحدث سالم الذي قال بفظاظة: "أنا هفوقه على كابوس يليق بيه." تدخلت أمينة التي قالت بنبرة حادة كالسيف:

"اسمعني إنت وهو كلمة واحدة، مش هتنيها ابن ابني مش هيبعد عن حضني لحظة واحدة. اللي فيكوا غلطان يصلح غلطه قبل فوات الأوان. وتحرموا عليا إنتوا الاتنين ليوم الدين." تفاجأ الجميع من حديثها ونبرتها الغاضبة، فتحدث مروان الذي كان يلاحظ حالتها التي تحاول إخفاءها عن الجميع: "اهدي يا مرات عمي. إن شاء الله مفيش حاجة من دي هتحصل…" "مروان تعالي ورايا عشان عايزك."

هكذا تحدث سالم بجفاء، فتبعه مروان دون حديث، تزامناً مع مجيء الطبيب الذي هرول إليه سليم قائلاً بلهفة: "نتيجة تحليل الورم ظهرت يا دكتور؟ الطبيب بعملية: "لسه ظاهرة من شوية. للأسف الورم طلع.. و خبيث، بس الحمد لله إحنا قدرنا نكتشفه في وقت بدري أوي بسبب الولادة، وإلا كان هيبقى فيه خطورة كبيرة إنها تشيل الرحم."

استقرت كلمات الطبيب في منتصف قلبه الذي جفت أوردته للحظة من فرط الصدمة، ولم يستطع الحديث، فتدخلت حلا التي لسبب تجهله تساقطت عبراتها وهي تتحدث مع الطبيب: "يعني يا دكتور فهمنا هي إيه وضعها دلوقتي. حضرتك لخبطتنا." "هشرحلك. إحنا دلوقتي استأصلنا الورم، بس لازم هتخضع لفحوصات عشان نتأكد إذا كانت هتحتاج كيماوي أو لا." تدخلت أمينة بنبرة مرتعبه: "يعني يا دكتور هي كده. ممكن تخلف تاني ولا؟ الطبيب بعملية:

"طبعًا الموضوع ده مستبعد جدًا في الوقت الحالي. بس مفيش حاجة بعيدة عن ربنا." ألقى بقنبلته تزامناً مع خروج فرح وياسين من الغرفة، فتفرق الوجع بين الجميع كالفيروس القاتل الذي أدمى قلوبهم جميعًا على تلك الفتاة التي تمتلك أسوأ حظ في هذا العالم من وجهة نظرهم، ولأن لكل شخص طريقته في التعبير عن ألمه وقدرته في التحمل، خارت قوى أمينة التي سقطت مغشية عليها، فتلقفتها يد سليم بلهفة وهو يصرخ برعب: "أمي…"

بعد مرور أسبوع، استقرت أوضاع الجميع، ولأول مرة يتفقون على شيء ما، وهو ضرورة عدم إخبار جنة بحالتها حتى يتأكدوا من الأمر، فلا طاقة لها باحتمال خبر كهذا، خاصة وأنها تعاني من حالة انعدام الرغبة في كل شيء، حتى أنها لم تطلب أبدًا أن ترى طفلها. على عكس أمينة التي لم تستقر حالة قلبها سوى عندما علمت بأن حفيدها أصبح بصحة جيدة وسيغادر غرفة العناية بالأطفال اليوم، وقد قرروا الذهاب لتسميته، ولسوء حظها أو لحسن حظها لا نعلم؟

فقد كان هو من أتى معها حتى يقدم الأوراق الرسمية ويقوم بكتابة الطفل، وقد كانت تحمل همًا بحجم الجبال عن أسئلة ستواجهها ولا تملك لها أي إجابات في الوقت الحالي، فأخذت تضم الطفل إليها بحنان تشم رائحته علها تشتت تفكيرها الذي كان ينهش بعقلها، ولكنها كالعادة تخلف ظنونها، فقد التزم الصمت طوال الطريق، ولدهشتها فقد أغضبها هذا التجاهل المريع، ولكنها تابعت الصمت إلى حين وصلوا إلى وجهتهم، ولم يقطع صمته سوى سؤاله المقتضب:

"جنة قررت تسمي الولد إيه؟ كان يناظرها شزرًا، وقد أغضبها ذلك للحد الذي جعلها تود أن تنفجر في وجهه لتخبره أن يذهب إلى الجحيم، ولكنها تراجعت في آخر لحظة، وقد قررت اللعب على طريقتها، فقالت بمكر يغلفه الهدوء وشددت على كل كلمة تفوهت بها: "ياسين.. جنة قررت تسمي البيبي ياسين…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...