حملت الشوق بقلبي لـ ليالٍ طوال. أتألم بعشقٍ جائر لمن اكتد على بالوصال. جُن عقلي وتاه فكري. هل أمن قلبي فلم يعد يبال؟ أم أن قلبك العليل هو الآخر ما زال مقيدًا بالأكبال؟ أعلم أنها معاناة مع قدر مظلم ما أنفك علي يحتال. ولكن بالله عليكِ اشفقي على روح ذبحها الشوق وأجهزت عليها كثرة الأحمال. واعلمي أن حياتي كانت عبارة عن حفنة من الحروب الضارية فلتكوني لي خير الأنفال. يا من شح لقاؤه وكثر غلاؤه وعظمت محبته.
أهلكني التمني وأضناني السؤال! آن الأوان لنلتقي حتى تنتصر خيوط الفجر على دجى الظلام الذي حاوط قلبي كالأدغال؟ انقضت ثلاث أيام من أصعب الأيام التي مر بها في حياته. فقد كان يحاول بشتى الطرق الوصول إليها ولكن دون جدوى، فقد كان هاتفها مغلقًا ولا يعرف أي طريقة أخرى للتواصل معها. غابت عنه وتركته فريسة للغضب والألم والأفكار السوداء ولم تشفق عليه.
يقسم بأنه رأى عشقه بعينيها واضحًا، وهذا ما دفعه للاعتراف لها بمكنونات صدره، فماذا تفعل به هذا الآن؟ فقد كان هذا أكثر شيء يخشاه، الرفض أو الإهانة لمشاعر عميقة لم تخلق سوى لها وحدها. حتى إن كانت ترفضها، فلماذا لم تملك الجرأة لإخباره؟ لم يكن ليجبرها، فله كبرياء عظيم يأبى إجبارها على البقاء معه حتى ولو كان عشقها موشومًا على قلبه. لماذا تفعل به هذا؟ يود الصراخ بهذا الاستفهام الذي كان يؤرق لياليه المنصرمة.
حتى أنه في لحظة يأس قاد سيارته وتوجه إلى حيث مزرعة عمها وظل واقفًا طوال الليل عله يلمح طيفها. يراوده شعور قوي بالشوق المضني والغضب الجارف تجاهها، فما تفعله به ليس عدلًا أبدًا. قاطع أفكاره صوت «مروان» الذي أخذ يدق على الباب كثيرًا ولكنه لم ينتبه له. فتح الباب وتوجه إليه قائلًا بمزاح: "إيه يا كبير بقالي ساعة بهبد عالباب وانت منفضلي." رفع أنظاره إليه وقال بفظاظة: "ولما هبدت عالباب وملقتش رد إيه اللي دخلت؟
تحمحم «مروان» قائلًا بخفوت: "إيه الإحراج ده؟ ثم علت نبرته حين قال بمزاح وهو يتقدم ليجلس على المقعد أمام المكتب: "لأ ماهو أنا جايلك في ست مواضيع مهمة شبه بعض." زفر أنفاسه الملتهبة قائلًا بفظاظة: "هات اللي عندك.." كان مظهره مرعبًا، فلعن «مروان» بداخله قبل أن يقول بتوتر: "أصل أنا… بصراحة يعني كنت عايز أسألك هنعمل إيه مع المطاريد اللي ناسبناهم دول؟ يعني البت حلا البسكوتة دي هتعيش معاهم إزاي؟ «سالم» مغلولًا:
"ومسألتهاش ليه؟ ما الهانم موافقة." «مروان» بغباء: "معلش بقي مراية الحب عامية.. مع إنهم ميتحبوش، جوز البغال دول إن كان ياسين ولا عمار. معرفش فرح رخره عجبها في إيه؟ تحفزت جميع حواسه لدي سماع جملة «مروان» الأخيرة التي اخترقت أذنه مرورًا بقلبه الذي انتفض. قائلًا بهسيس مرعب: "انت قلت إيه؟ فرح؟ إيه علاقتها بعمار؟ «مروان» بغباء: "إيه ده هو أنا مقلتلكش. مش فرح اتخطبت للبغل اللي اسمه عمار ده.." «سالم» بصدمة: "إيه؟؟
"آه حصل. البت جنة لسه قايلالي لما كانت هنا. بس أقولك أنا قلبي حاسس إن البت فرح دي مغصوبة. آه والله.. جنة بتقولي مقطعة نفسها عياط طول الليل والنهار يا قلب أمها.." لم يكد ينهي جملته حتى خرجت صرخة غاضبة من فم «سالم» مما جعل «مروان» ينتفض من مقعده واقفًا وهو يقول بذعر: "إيه في إيه؟ لم يكد ينهي استفهامه حتى تفاجأ من قبضة «سالم» الحديدية التي أمسكت بمقدمة قميصه لتجذبه متسطحًا فوق المكتب بعنف.
تجلى من عينين «سالم» التي تقطران غضبًا يوازي لهجته حين صرخ به: "يا حيوان بقي انت عارف كل ده ولسه فاكر تقولي دلوقتي؟ «مروان» بذعر: "حقك عليا يا كبير. عيل وغلط." «سالم» بصراخ: "دانا هطلع عين أهلك.." «مروان» في محاولة للإبقاء على حياته: "حقك.. بس على ما تطلع عين أمي هيكون البغل ده خطف المزة. أقصد فرح.. نلحقها وأبقى ادبحني عالفرح. أنا معنديش مانع.." تركته قبضة «سالم» فجأة وقد ارتسم الجنون بنظراته حين صرخ بقوة
اهتزت لها جدران القصر: "على جثتي الكلام ده يحصل.." ابتلع مروان ريقه بصعوبة، فقد تم ما أراده وقد أيقظ وحوش سالم الكامنة بداخله. فهو يعلم جيدًا مقدار عشقه لها الذي يوازي كبرياءه اللعين، ولتجاوز هذا الكبرياء فلابد من أن تحرقه نيران الشوق أولًا، وها هي خطته تسير بشكل جيد. "اتصلي على جنة دلوقتي حالًا." هذا كان صوت سالم القاسي الذي أطاعه مروان في الحال دون جدال. فأخذ يهاتف جنة التي ما أن أجابته حتى انفجرت في وجهه غاضبة:
"انت يا زفت معملتش اللي قولتلك عليه ليه؟ فرح كانت هتضيع مننا النهاردة." لم يتحمل قلبه الذي انتفض بداخله بقوة لدى سماعه اسمها، فقام بخطف الهاتف من مروان قائلًا بخشونة: "فرح مالها يا جنة؟ ارتعبت جنة لدى سماعها صوته وخرج صوتها متلعثمًا: "إيه.. هو. هو مين. معايا؟ على صراخه وتعظم غضبه وخوفه عليها، فصرخ مغلولًا: "معاكِ سالم الوزان. انجزي فرح مالها؟ تحلت بشجاعتها وتركت خوفها جانبًا وقالت بلهجة أكثر ثباتًا:
"فرح أغمي عليها النهاردة وجبلها الدكتور بقالها تلات أيام ما أكلت ولا شربت فجالها هبوط حاد في الدورة الدموية. بس الحمد لله بقت أحسن شوية.." سقط قلبه بين قدميه رعبًا عليها وأغمض عينيه لثوانٍ يحاول تهدئة نفسه الثائرة وأنفاسه المتهدجة قبل أن يقول باختصار: "عايز أشوفها.." صمتت جنة لثوانٍ قبل أن تقول بأسف: "مش هينفع أكيد حضرتك عارف إن جدي وياسين هنا، وحتى هي مش هينفع تخرج وهي تعبانة كده.." سالم بهسيس غاضب:
"اتصرفي يا جنة. بدل ما أجي أهد المزرعة دي على دماغهم.." طرأت على عقلها فكرة مجنونة فقالت بلهفة: "هو أنا ممكن أوريهالك فيديو كول دلوقتي لحد ما نشوف هنعمل إيه؟ أوشك على الصراخ بها، فجاءة صوت مروان الذي قال بلهفة وصوت خافت: "وافق. وافق دلوقتي وأنا مجهزلك خطة في دماغي عشان تقابلها." لأول مرة لم يسعفه عقله في العمل، فأجاب مستسلمًا: "طيب.."
أغلق الهاتف على وعد منها بأنها ستذهب إلى غرفتها وتقوم بالاتصال به مكالمة فيديو لتقر عينه برؤيتها، فقد تصدع قلبه بفعل ذلك الشوق الضاري لها. دقيقتان ورن هاتف مروان بمكالمة فيديو ارتج لها قلبه، خاصةً حين قام بالإجابة وظهرت صورتها على الهاتف. فتقاذفت دقات قلبه بعنف وجف ريقه حين رأى ملامحها الباهتة وعينيها المغلقة باستسلام قلما رآه منها.
فقد بدا أنها منهزمة متألمة غير مرتاحة بنومتها تلك، فأخذت عيناه تطوف بحب وشوق على ملامحها الجميلة ووجهها الصافي الذي يود لو يقبل كل شبر به اعتذارًا عن كل لحظة ألم عاصرتها بغيابه. ولكن فجأة توقفت عيناه على آثار زرقاء مطبوعة على وجنتها اليسرى، فغلت الدماء بعروقه وصاح بغضب: "إيه اللي على وشها ده؟ ارتعبت جنة من صوته الغاضب وقامت بإدارة الهاتف على وجه فرح المتألم وقالت بتلعثم: "آآآآ. أصلها اتخبطت. فيه.." تجعدت ملامحه بفعل
الغضب وصاح من بين أسنانه: "جنة. مش هكرر سؤالي تاني.." صاح مروان من خلفه: "قولي الحقيقة يا بت يا جنة. متخافيش سالم ده ييجي يبلع التيران اللي عندكوا كلهم لو حد ضايقكوا." أسكته نظرة مرعبة من عيني سالم قبل أن يعيد أنظاره إلى جنة التي خرجت الكلمات من فمها دفعة واحدة:
"بصراحة عمار ابن عمي ضربها. معرفش مين بعتله صورتكوا سوا ع الموبايل ولما شافها اتجنن وضربها. وجدي قال إنه هيجوزها له. وفرح من وقتها وهي منهارة ورافضة تاكل أو تشرب أو تتكلم مع حد." ارتسم الجنون بعينيه لدى سماعه كلماتها التي تراشقت بصدره، فذلك الوعد قام بضرب حبيبته. وفجأة سقط الهاتف من يده، بينما اكفهرت ملامحه فبدت مريعة، وكذلك نظراته التي توحي لمن يراه أنه عازم على ارتكاب جريمة قتل بأبشع الطرق.
"هقتله.. وديني لهقتل الكلب ده.." هكذا صاح بصوت جهوري ارتجت له جدران القصر، وقد كان عازمًا بالفعل على تنفيذ مخططه وذلك حين قام بإخراج سلاحه من أحد الأدراج. ليرتعب مروان من مظهره وأخذ يحاول تهدئته قائلًا: "اهدي يا سالم ده أنت العاقل اللي فينا. هينفع تحل مشاكلك بالطريقة دي؟ سالم بغضب: "أوعى من وشي.." لم يمتثل مروان لأوامره بل قام بالالتصاق به كالعلقة وهو يحاول ثنيه عن جنونه الذي أول مرة يراه بحياته:
"الأول نعرف مين ابن المؤذية اللي صوركوا ووراه الصور دي." لم تتغير ملامحه بل ازدادت قتامة، وكذلك نبرته حين قال: "مفيش مؤذية غيرها هي واللي من نسله.." انكمشت ملامح مروان بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "تقصد مين؟ معقول تكون…" قاطعه صوت سالم الذي قال بصرامة: "اجمع لي العيلة كلها دلوقتي.." مروان بغباء: "إيه هتخلص عليهم ولا إيه؟ أخرسته نظرة غاضبة من سالم الذي قال بغموض: "هلاعبهم نفس لعبتهم لحد ما أعرف اللي عايز أعرفه.."
مروان بتهليل: "قشطة عليه.. هو ده الشغل.." "روح اعمل اللي قلتلك عليه على ما أعمل تليفون مهم.." أطاعه مروان، وما أن أوشك على مغادرة الغرفة حتى استوقفته كلمات سالم الذي قال بخشونة: "كلم جنة واعرف منها هيتحركوا عالصعيد إمتى؟ أجابه مروان بسلاسة: "بكرة الصبح.." سالم باستفهام: "عرفت منين؟ مروان بغرور: "باشا دانا مروان. مفيش حاجة تخفى عليا. ده أنا أعرف القرد مخبي ابنه فين." سالم بغل:
"طب غور من وشي. واعرف إن حسابنا لسه مخلصش." مروان بذعر: "ليه يا كبير هو أنا عملت إيه؟ سالم بقسوة: "خبيت عليا موضوع الخطوبة." مروان بمزاح: "مانا قولت أتقل ع الرز لما يستوى طعمه بيبقى أحلى.." اكفهرت ملامح سالم وارتسم الإجرام بهما مما جعل مروان يهرول للخارج قبل أن تطاله براثن ذلك الوحش الهائج.
وما أن خطى إلى الخارج حتى تفاجئ بسليم الذي كان يطالعه بحنق يود لو يحطم أسنان ذلك الوغد، ولكنه مجبر على معاملته بالحسنى حتى يأخذ ما يريد. ولدهشته فقد ناظره مروان شزرًا قبل أن يغير وجهته قاصدًا غرفة الجلوس، ولكن جاء صوت سليم الخشن ليوقفه في مكانه: "مروان.. استنى عايزك.." "نعم." قالها مروان بضيق قبل أن يتوقف على مضض، فازداد غضب سليم منه، ولكن تجاهل غضبه واقترب منه قائلًا بود مفتعل:
"انت لسه زعلان مني عشان خزقتلك عينك. ده انت قلبك بقى أسود قوي.." مروان بحنق: "شبه قلبك ياخويا.. وبعدين أنا كان ممكن أخزقلك عينك برضه بس أنا قولت أقصر الشر يا واد يا مروان ده برضه أخوك الكبير." ابتسم سليم ابتسامة صفراء اتبعها قائلًا بامتعاض: "لأ أصيل.. المهم كنت عايز أسألك عن حاجة.." فطن مروان إلى ما يريد فارتسم المكر بعينيه حين قال: "عيني.." تضاعف الحنق بداخله، فابتلع غضبه الحارق وقال من بين أسنانه: "انت بتكلم جنة؟
ليجيب الآخر بسلاسة: "طبعًا.." غزا الجحيم عينيه فحولها إلى بركة من الدماء، مما جعل مروان يتراجع للخلف خطوتين وهو يقول بتهديد: "بقولك إيه هتتعامل زي البني آدمين هنتعامل، مش هتتعامل و هتتغابي يبقى انت اللي جبته لنفسك.." اقترب منه سليم خطوتين وهو يعض على شفتيه السفلى بوعيد تجلى في نبرته حين قال: "امممم. لأ سمعني بقي هتعمل إيه؟ كان أذكى من أن يدخل في شجار مع هذا الضخم، لذا آثر اللعب على أكثر النقاط
حساسية لديه فقال بتخابث: "مش هقولك إيه اللي جنة قالتهولي عنك.." ارتخت تعابيره وتحول غضبه إلى لهفة تجلت في صوته حين قال: "قالتلك إيه؟ مروان بسماجة: "مش قايلك غير لما تعتذرلي الأول.." سليم بغضب: "انجزي أحسن ما المرادي هطرملك سنانك.." مروان بحنق: "واحد مفترى.. تستاهل اللي ناوي تعمله فيك جنة.." بلغ الغضب والترقب مبلغه منه، فزمجر غاضبًا: "اخلص ياله.." مروان بنفاذ صبر: "قالت إنها هتفض الجوازة دي! انكمشت ملامحه بصدمة
تجلت في نبرته حين قال: "إيه؟ فتابع مروان باستمتاع: "آه. قالت كمان إنها مش مجبرة تكمل مع واحد خاين وغشاش وكداب وواطي وزبالة زيك.." برقت عيناه واسودت ملامحه أكثر، فبدا وجهه كلوحة مرعبة، خاصةً حين قال بهسيس: "انت بتقول إيه؟ مروان برعب: "هي اللي قالت وربنا.." فصاح سليم مغلولًا: "هو بمزاجه.. جوازة إيه اللي تفركشها. ده أنا أطربق الدنيا على دماغها.." اندهش مروان من حديثه وقال بصدمة:
"إيه ده هو ده كل اللي زعلك وكل الشتيمة دي مفرقتش معاك. يا ريتني كنت شتمتك أكتر من كده.." امتدت يد سليم تقبض على مقدمة قميصه وهو يقول بوعيد: "وله لو عرفت إنك بتكلمها تاني هدفنك حي سامع؟ مروان برعب: "سامع يا باشا.. أنا أساسًا كنت ناوي أقطع معاها دي بت معقدة أصلًا.." تركه سليم بغتة وقد اكفهرت ملامحه بغضب جحيمي كان يحاول تحجيمه كل هذه الفترة حتى لا يخيفها منه، ولكنه الآن لم يعد يحتمل كل ما يحدث.
فقام باقتحام غرفة المكتب ليجد سالم الذي كان ينهي مكالمته، فإذا به يقول بصرامة: "أنا عايز أتزوج جنة في أقرب وقت، معدش عندي استعداد أستنى لحظة واحدة بعد كده.." فاجأه سالم الذي قال باختصار: "أقرب مما تتخيل متقلقش." تفاجئ سليم من حديث أخاه، فقال باستفهام: "حصل حاجة؟ تجاهل سالم استفهام أخاه وقال مغيرًا الموضوع: "وراك حاجة بالليل؟ سليم بنفي: "لأ.. ليه؟ سالم بغموض: "هتعرف كل حاجة في وقتها.. تعالي ورايا.."
كان الجميع جالسًا بغرفة الجلوس في انتظار سالم الذي كان يريدهم بأمر هام بناءً على حديث مروان الذي اقترب من همت قائلًا بسخرية: "عاملة إيه يا عمتي؟ همت بسلاسة: "كويسة الحمد لله.." مروان بتهكم: "خدتي دوا الضغط بتاعك النهاردة ولا لسه؟ "لأ والله تصدق نسيت كويس إنك فكرتني أما أقوم أخده أحسن بقاله يومين واطي.." تابع سخريته قائلًا: "لأ استنى هو هيرفع لوحده دلوقتي. احتمال يضرب من نافوخك كمان شوية.." اندهشت
من حديثه فقالت بعدم فهم: "إيه يا واد انت الهبل اللي بتقوله ده؟ مروان بتسلية وهو ينظر إلى سالم الذي دخل الغرفة للتو: "هتعرفي كل حاجة دلوقتي.." كانت الأنظار كلها مصوبة على سالم الذي كانت ملامحه مكفهرة وعينيه قاتمة تشبه نبرته حين قال بنبرة فظة: "بعد جواز سليم من جنة هوزع التركة زي ما الشرع قال. وكل واحد هياخد نصيبه." قفز الرعب على ملامح همت وشيرين التي قالت باستفهام: "يعني إيه الكلام ده؟ سالم بفظاظة:
"كلامي واضح. اللي له حق هياخده. وكل واحد يتصرف في حقه زي ما هو عايز.." تدخلت همت قائلة بسخرية: "وياترى بقى الكلام ده هينطبق عالأرض برضه يا ابن أخويا ولا هتراضونا بشوية ملاليم عشان أرض العيلة متطلعش للغريب؟ سالم بسخرية خشنة: "أنتِ سألتي وجاوبتي على نفسك. مش محتاجة إجابتي." هبت من مقعدها قائلة بغضب: "بس ده ظلم وميرضيش ربنا. ذنب راجي إيه إنه خلف بنات.." تدخلت أمينة التي كانت غاضبة من الوضع برمته:
"الخاين مالهوش ورث عندنا يا همت." برقت الأعين من حولهم، فصاحت شيرين باستهزاء: "وياترى بقى هتطبقي القاعدة دي على حازم الله يرحمه. وهتحرمي ابنه من أرضه برضه، ماهو يعتبر خاين وحط راسنا في الطين؟ أوقفتها كلمات سالم القاسية حين قال: "محمود وأمه مش أغراب وأرضهم مسيرها راجعالنا ما هي جنة مرات سليم. لكن أنتِ وأختك مسيركوا طالعين برا العيلة يبقى تاخدوا أرض تعملوا بيها إيه!
تراشقت كلماته كالخناجر بصدرها، فقد كانت تحمل رسالة صريحة شديدة اللهجة بأنها لن تنتمي إلى هذه العائلة، أي لن تتقابل طرقهم مرة ثانية. وقد أغضبها ذلك بقدر ما آلمها، فجاءت كلمات همت الهادئة نسبيًا حين قالت: "وأنا موافقة يا سالم مدام مش هتظلمني أنا وبناتي.." هبت أمينة من مقعدها قائلة بغضب: "ووصية أبوك يا سالم؟ سالم بغموض: "متشغليش بالك يا حاجة. كله معمول حسابه." فجأة صدح صوت خلفهم كان ممزقًا بقدر غضبه:
"أبيه سالم. أنا متنازلة عن حقي في كل حاجة. ومش عايزة منكم ولا مليم.." اتجهت الأعين إلى سما التي كانت تحمل حقيبة ملابسها، وكان مظهرها مبعثرًا يحكي مقدار ما تمر به من لحظات عصيبة. فكان أول من توجه إليها هي همت التي قالت بغضب: "أنتِ اتجننتي يا بت أنتِ بتقولي إيه؟ سما بانفعال: "بقول اللي سمعتيه مش عايزة ولا مليم مش هاخد حاجة مش من حقي.." تدخلت أمينة التي رق قلبها لتلك الفتاة اليتيمة:
"سما يا حبيبتي اهدي ومتدخليش في كلام الكبار. وبعدين رايحة فين بالشنطة دي؟ سما من بين انهيارها: "أنا هادية يا مرات خالي. وعارفة بقول إيه. وسيبالكوا البيت ده وهمشي أروح أقعد في بيت أبويا. كفاية عليا كده هنا.." تقدمت شيرين منها تمسكهم من عضدها بعنف قائلة بصياح غاضب: "بت أنتِ اتعدلي وغوري اطلعي فوق.. مش ناقصين دلع بنات ماسخ.." نفضت سما يد شيرين عنها قائلة بانفعال:
"ملكيش دعوة بيا ومش هطلع فوق. ومبقتش عيلة صغيرة أنا كبيرة بما فيه الكفاية عشان أحدد اللي أنا عايزاه وأنا عايزة أروح في أي مكان يبعدني عنكم." اغتاظت شيرين من وقاحتها وقالت بغضب وهي ترفع يدها لتصفعها بقوة: "تصدقي إنك عايزة تتربي من أول وجديد." وما أن همت بصفعتها أن تسقط على وجه سما حتى تفاجأت بيد قوية تمسك بمعصمها تكاد تفتك بعظامها وصوت غاضب ينهرها: "إياكِ تمدي إيدك عليها وإلا هكسرهالك.."
للحظة برقت ملامح شيرين من شدة الصدمة حين وجدت مروان الذي قام بالوقوف بينها وبين شقيقتها التي كانت عينيها تبرق من هول ما حدث. وسرعان ما تحولت صدمتها إلى غضب كبير جعلها تقول ساخرة: "ودا مين اللي بيتكلم وبيزعقلي كمان؟ مروان.. دلوعة ماما! لم تكد تنهي كلماتها حتى تفاجأت من صوت مرعب جمدها بمكانها: "كلمة تاني زيادة وأنا اللي هعيد تربيتك من أول وجديد.." التفتت شيرين إلى سالم الذي كان يناظرها باحتقار آلمها بقدر ما أغضبها،
فقالت بانفعال: "أنا متربية كويس أوي يا سالم بيه. بس للأسف ماليش أخ يقفلكوا ولا أب يوقفكوا عند حدكوا. عشان كده بتمارسوا القهر علينا ما إحنا مالناش حد." اقترب منها خطوتين ويداه بجيوب بنطاله، وبنظرات تقييمية شملتها ومن ثم استقرت على وجهها بهدوء يوازي لهجته حين قال: "دي حقيقة. إحنا مفتريين وجايين عليكوا عشان ملكوش حد. وبلاش تضايقيني أكتر عشان موريكيش القهر اللي بجد عامل إزاي.." تدخلت همت تمسك شيرين من رسغها
تجرها خلفها قائلة بغضب: "كلمني أنا يا سالم.. وخللي بالك أنا مبخافش منك ولا من حد.." سالم بفظاظة: "لأ خافي.. عشان أنا مش هسمي على حد بعد كده.. والغلطة هتبقى بحساب. وأنتِ غلطتي كتير.." تراجعت خطوة إلى الخلف وتزاحمت أنفاسها داخل صدرها من نظراته وكلماته المتوعدة، وانتقلت عينيها إلى سليم الذي ناظرها بخبث، فأيقنت بأنه قد أخبر سالم بأفعالها، فآثرت استخدام الحيلة حين ذرفت عبراتها المزيفة وهي تقول:
"ياه يا ابن أخويا للدرجادي هونت عليك.. هانت عليك عمتك الغلبانة هي وبناتها. بتستقوى علينا يا سالم.. لو كان منصور الله يرحمه عايش كان عرف يوفقك عند حدك. ويجيب حق أخته.." لم يتأثر بحديثها ولا عبراتها المزيفة، فتشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال: "منصور الوزان لو كان عايش مكنتيش اتجرأتِ وفتحتِ بقك أصلًا. بس صدقيني أنا أسوأ منه بمراحل لو صبري نفد.." تدخل سليم لإنهاء ذلك الصراع قائلًا بقسوة:
"الموضوع انتهى وسالم قال كلمته ياريت تأقلموا نفسكم من دلوقتي وبعد كده اللي هيغلط هيتحاسب ومالوش لازمة الكلام الكتير." نظرت شيرين إلى شقيقتها قائلة بسخرية: "شايفه يا ست سما دول اللي عايزة تسيبيلهم كل حاجة وتمشي.." أجابتها سما التي كانت ترتجف بين أحضان حلا قائلة بغضب: "الموضوع بالنسبالي مش فلوس على قد ما هو كرامة يا شيرين.." تدخل مروان مضيفًا على حديثها: "معلش يا شيري مش ذنبها بقي إنك معدومة الكرامة.. "
كانت على وشك الرد عليه حين جاءها صوته الآمر: "ولا كلمة زيادة كل واحد على أوضته.." انصرف الجميع على مضض، فما حدث لم يكن يرضي أحد منهم، و خاصةً شيرين التي ما أن دلفت إلى غرفتها حتى أغلقت الباب خلفها بعنف، ملتقطة هاتفها تجري مكالمة هاتفية وما أن أجاب الطرف الآخر حتى صاحت بغضب: "الوضع خرج عن السيطرة ولازم نتصرف ولو حكمت أنا هقول على كل حاجة وأهد المعبد على دماغ الكل…"
كانت تجلس في الحديقة بملامح واجمة وقلب محترق طالته أسهم الخذلان من كل اتجاه. فكان الألم مروعًا وذلك لأن الطعنات كانت من أقرب المقربين لها. "الأرملة السوداء قاعدة لوحدها ليه؟ لم تلتفت سما إلى مروان الذي كانت قلبه يشعر بأضعاف ألمها ويقدر معاناتها كثيرًا، ولكنه لا يملك من أمره شيئًا. فها هو ينكث بوعده لنفسه بألا يقترب منها، ولكن حزنها يفتت قلبه ويأتي به جرًا إليها لمواساتها. "بتعيطي.. توقعت إنك بتعيطي."
لم تنظر إليه إنما أخفضت بصرها قائلة بخيبة أمل: "مش في إيدي حاجة غير العياط." نظر إليها بشفقة وألم ثم أردف بتعقل: "لأ فيه.. وفيه كتير كمان.." انكمشت ملامحها بحيرة وناظرته قائلة باستفهام: "تقصد إيه؟ مروان بصياح: "تفردي بوزك.. تعدلي سحنتك دي. بالك أنتِ لو بطلتي عياط ونعي طول النهار وضحكتي كدا وفرفشتي اللعنة اللي في البيت دي هتتفك.. آه والله هتتفك.."
فاجأتها كلماته التي شقت ابتسامة كبيرة على ملامحها التي لونها الحزن، وسرعان ما تحولت ابتسامتها إلى قهقهات عالية جعلت نبضاته تتعثر بقوة داخل قلبه لدي رؤيته ضحكتها. فقال بإعجاب: "مانتِ بتعرفي تضحكي أهو.. أومال إيه وش البومة اللي مصدراهولنا على طول ده؟ أجابته قائلة باندهاش من بين ضحكاتها: "انت فظيع اقسم بالله.. إزاي بتقدر تضحك في وسط كل الهم والنكد اللي إحنا فيه ده؟ امتعض وجهه وكذلك نبرته حين قال:
"يا بنتِ هم إيه ونكد إيه بس. اضحك للدنيا تضحكلك. كشرلها هتنفخ أهلك. وأنتِ كشرتي كتير جلد وشك كرمش يا ماما.. وبعدين حرام عليكي معاكِ أرواح في البيت لو فضلتِ تنعي كدا طول الليل والنهار هنموت مشاليل كلنا.." امتدت يداها تضربه بعنف في كتفه وهي تقول بغضب: "تصدق إنك جزمة بقي. أنا بنعي وجلد وشي كرمش. طب أنا هوريك.." كانت ضرباتها له أكثر من محببة على قلبه الذي تقبلها برحابة صدر وابتسامة حب كبيرة مرتسمة على ملامحه.
ومن ثم قام بإمساكها من رسغيها بغتة يقربها منه ونظراته العاشقة تحصرانها بينه وبينه جسده، فتسمرت هي الأخرى تناظره مشدوهة أمام عينيه العاشقة ومشاعرها الغريبة التي غزت قلبها، فظلت على حالها لثوانٍ قبل أن تخترق كلماته أعماق فؤادها حين قال بصوت أجش: "من هنا ورايح أوعي تخافي من أي حد. طول مانا موجودة محدش هيقدر يزعلك ولا يضايقك تاني أبدًا.." كان وعدًا بالأمان لم تتوقعه أبدًا، فقد كان يشبه المأوى لمن اعتاد التشرد طوال حياته.
غيثًا على تربة قاحلة تصدعت بفعل الجفاف والإهمال، فأخذت عينيها تتعمق أكثر بحثًا عن أي لمحة خداع بملامحه، ولكن كانت تقاسيمه هادئة وعينيه صافية تؤكدان كلماته التي زلزلت كيانها. وحين أوشكت على الحديث جاء ذلك الصوت الجاف من خلفها: "بتعملوا إيه عندكوا؟ لعن مروان بداخله حين أتاه صوت همت التي غضبت حين رأت قربهم الذي جعل سما تتراجع إلى الخلف كمن أمسكت متلبسة بجرم كبير. بينما التفت مروان يناظر عمته شزرًا قبل أن يقول بسخرية:
"عينها كانت مطروفة وكنت بنفخهالها." اغتاظت همت من سخريته فصاحت غاضبة: "متعملش كده تاني يا عين عمتك ولو حتى عينها اتفختت. متقربش منها تاني يا ابن دولت." نجحت في إثارة غضبه فهب من مكانه وهو يتوجه إليها بخطوات تشبه نبرته المتوعدة حين قال: "بمناسبة دولت هي بعتالك السلام وبتقولك اتكي ع الأصل شوية يا عمتي."
غضبت من كلماته ولم تسعفها كلماتها في رد إهانته، بينما التفت هو يناظر تلك التي مازالت ترتجف جراء ما حدث وقام بإرسال غمزة عابثة من عينيه العاشقة تلقفتها هي بذهول جعل فكها يتدلى إلى الأسفل من فرط الصدمة. جاء الليل الذي كان حزينًا للغاية يشبه ملامحها التي لأول مرة تنهزم أمام ضربات القدر.
فقد ظنت بأنها اعتادت عليها ولكنها وجدت نفسها تهزم أمام ما يحدث معها، وكأنها عجوز مسنة لا تستطيع سوى ذرف العبرات التي انبثقت من عينيها مطلقة العنان لحزنها أن يعبر على هيئة أنهار غزيرة أحرقت جلدها الطري وحفرت وديان من الألم فوق خديها.
كان الجو بديعًا والسماء صافية على عكس سماءها الملبدة بالغيوم التي مهما أمطرت لا تنضب أبدًا، وكأنها تعاند وهنها الذي تمكن منها فأعياها وجعلها لأول مرة تستسلم لدوامات سوداء ابتلعتها وكانت هي أكثر من مرحبة بها. اختارت أن تبقى جالسة مع حزنها على أن تذهب مع شقيقتها حتى تستنشق الهواء النقي، واختارت أن تبقى حبيسة غرفتها التي شهدت على أكثر لحظاتها ألمًا.
وحين كانت غارقة بلحظات حزنها سمعت أصوات هلع في الخارج، فتحاملت على نفسها وهبت من مخدعها وقامت بفتح باب الغرفة لمعرفة ما حدث. فوجدت الخدم يهرولون هنا وهناك، وكان ياسين هو الآخر يهبط الدرج، فلحقته قائلة بلهفة: "في إيه يا ياسين؟ لم يتوقف إنما قال بعجالة: "بيقولوا في حريقة في الأسطبل اللي ورا والخيل كلها هربت بره المزرعة.." شهقت بعنف وقد هالها ما سمعت، ولكن ياسين كان يهرول إلى الخارج.
فأتاها صوت قاسٍ من خلفها يأمرها قائلًا: "ادخلي أوضتك وأقفلي بابك عليكِ ومتخرجيش واصل غير لما نعرفوا إيه اللي حصل." التفتت لتجد عمار الذي كان يطالعها بنظرات تحمل الندم الذي لم يتجاوز حدود شفتيه، فلم تجبه بل توجهت إلى غرفتها تغلق الباب خلفها. وما أن التفتت حتى تسمرت بمكانها لدى رؤيتها لذلك الظل الضخم الذي يقف أمام باب الشرفة. فخرجت منها شهقة قوية حين سمعته يقول بصوت يملؤه الشوق: "وحشتيني يا فرح.."
في البداية تلبسها الخوف حين رأته، ولكن بعد ذلك حل محله شعور من الصدمة حين سمعت صوته وعلمت هوية هذا الضخم الذي أضاء نور القمر جانب وجهه الذي اشتاقته بقوة حتى ظنت أنها تتوهم وجوده. فهمست باسمه في رجاء أن يكون وجوده حقيقي: "سالم.." اقترب منها بخطوات سلحفية تنافي لهفته في رؤيتها، وبنبرة معاتبة خاطبها وعينيه تلتهم تقاسيمها الرائعة: "كده برضه تغيبي عني كل دا؟ متفقناش على كده.."
كان همسه وعتابه الخافت أكثر ما يمكن أن تتحمله في تلك اللحظة، فاندفعت العبرات من مقلتيها بغزارة وخارت قوتها فأوشكت على الوقوع أرضًا. ولكن ذراعيه القويتين التي احتضنتها بقوة حالت دون ذلك، فقامت بدفن رأسها في كتفه تبكي قهرًا ووجعًا وشوقًا. كان اضعافه بقلبه الذي للمرة الثانية يحتوي ألمها ويمسد بحنانه جراحها.
فقد كان وجوده الآن بمثابة معجزة لم تجرؤ على تمنيها من فرط استحالتها، ولكن من تقع بعشق رجل حقيقي يجب أن تعلم بأن المعجزات تتحقق والمستحيل يخر خاضعًا أمام طغيان عشقه الجارف. هدأت ثورة انهيارها أخيرًا بعد لحظات بفعل حنانه الذي أغدقها به، لتقوم أخيرًا بالتراجع خطوة إلى الخلف ورفعت رأسها تناظره من خلال ذلك الضوء البسيط الذي ألقاه ضوء القمر على الغرفة. فبدا الأمر رومانسيًا أي أبعد درجة، خاصةً حين قال بنبرة خافتة:
"حاسة بإيه دلوقتي؟ أجابت دون أن تعي ما تقول: "حاسة إني مرتاحة.. وأنت؟ أجابها بخشونة ونظرات تحمل التمني واللهفة: "حاسس إني عايز أقفل عليكِ هنا ومخرجكيش أبدًا." كان يشير إلى داخل صدره، فدغدغت إجابته حواسها وسرت حزمة من المشاعر القوية في أوردتها. فاخفضت رأسها تخفي عينيها التي تفضح عشقًا فاض به القلب، فإذا بيده تمتد أسفل ذقنها ترفع رأسها إليه وهو يقول بخشونة: "بلاش تداري عيونك عني ده أنا جاي مخصوص عشانهم.."
هنا تنبهت لما يحدث وتحول ثباتها إلى ذعر تجلى في نبرتها حين قالت: "آه صحيح. انت دخلت هنا إزاي؟ وإيه اللي جابك أصلًا. يعني أقصد جيت ليه. أقصد…" قاطعها نبرته العاشقة حين قال بصوت قوي: "جيت عشانك.. عشان أقولك متخلقش اللي يبكيكِ وأنا عايش على وش الدنيا." اخترقت كلماته جميع حواسها حتى خدرتها، فقالت بهمس: "انت عرفت اللي حصل؟ سالم بغضب نجح في إخماده حتى لا يخيفها: "عرفت. وحق القلم اللي خدتيه هيرجع عشرة.." ارتعبت
من حديثه فقالت بلهفة: "سالم ارجوك اوعي تأذي حد. عمار معذور أي حد في مكانه كان هيعمل كده. يعني يشوف بنت عمه واقفة مع واحد.." قاطعها غاضبًا: "ليه مقولتيلوش إننا مخطوبين؟ ليه مقولتيش لجدك لما قال اللي قاله؟ رفعت رأسها تناظره بصدمة، فقد كانت تريد اخبارهم بذلك ولكنها كانت خائفة من مكروه قد يصيبه على يد أحدهم، وأيضًا تخشى من نوبة عناد قد تجعلها تخسره للأبد. ولكنها لم تريد أن تخبره بكل هذا حتى لا تثير حنقه أكثر من ذلك،
فقالت مخادعة: "ماهو انت مكررتش طلبك تاني من وقت اللي حصل. فقلت مينفعش افرض عليك وضع ممكن تكون غيرت رأيك فيه.." لوهلة امتلأ صدره بالغضب تجاهها، ولكنه لاحظ اهتزاز حدقتيها ويدها التي كانت تتحرك بعشوائية. وطبقًا للغة الجسد الذي يجيده، فقد أيقن كذبها، لذا تجاهل منحنى الغضب وقال بجمود: "ممكن أعديلك أي حاجة إلا كذبك عليا. بس حظك المرة دي إنك تعبانة، لكن أي كذب تاني مش هتهاون فيه يا فرح."
كرمشت ملامحها بشكل طفولي، عرى روحها التي تفتقد إلى الدلال والحنان، وقالت بشفاه مزمومة: "أنا كدابة يا سالم." غزت ابتسامة جميلة ملامحه، ولكنه حاول قمعها ليبدو مازال غاضبًا منها وقال بخشونة: "أنتِ أدرى... وياريت بطلي شغل العيال الصغيرة ده، لما تقطعي الأكل والشرب محدش هيتعب غيرك." اغتاظت من فظاظته فقالت باندفاع: "أتعب ولا أموت بقى أنا حرة." قاطعها بلهفة غاضبة: "لأ مش حرة ومتقوليش كده تاني."
عاندته غاضبة مشتاقة لأي بادرة حنان وحب من جهته، فهي مثله ابتلت بكبرياء لعين يمنعها من استجداء عشقه. "براحتي على فكرة مش هتعرفني أقول إيه ومقولش إيه. بطل شغل الديكتاتورية ده." "قولتلك قبل كده أنا ديكتاتور. عجبك أو لا فده أمر واقع مش هتعرفي تغيريه." أشعلت إجابته فتيل غضبها الذي جعلها تقول من بين أسنانها: "وأنا بقي مش مضطرة أقبل بالوضع ده."
كانت أمامه ككتاب مفتوح يحفظه عن ظهر قلب، فاقترب منها حتى أصبحوا يتشاركون الأنفاس سويًا، وقال بنبرة رغم خشونتها ولكنها اخترقت أعماق فؤادها: "مش بمزاجك.. كلك على بعضك كده بتاعتي وأنا حر فيكِ أعمل اللي أعمله وأقول اللي أقوله وأنتِ تقولي حاضر ونعم." كانت كلماته بامتلاكها تشعلان نيرانًا من عشق غزا سائر جسدها، ليناطح بقوة كبريائها الذي أبى عليها الخضوع، فثار عنفوانها وقالت بتحدي:
"ده يعينك. إنك تتحكم فيا وتمشيني على مزاجك يا سالم يا وزان." كان أكثر ما يجذبه إليها ذلك العنفوان القوي وتلك الروح الثائرة التي تمتلكها، فقام بتطويق خصرها يقربها إليه قبل أن يقول بلهجة تحمل من الغزل ما جعل عظامها تذوب بين يديه: "وحياة سالم الوزان الحلوة دي لههد الدنيا وأبنيها عشان خاطرك يا فرح." بعثر كيانها بكلماته العاشقة التي جعلت دقاتها تتقاذف بعنف داخل صدرها، فبللت حلقها الذي جف وقالت بأنفاس مقطوعة:
"يعني مش هتتخلى عني أبد؟ أجابها بقوة: "روحي قصاد روحك." "طب قولي هتعمل إيه؟ أجابها بغموض لم يروي ظمأ تساؤلاتها: "اللي بيعمل مابيقولش." فرح بتوسل: "طب طمني وحياة أغلى حاجة عندك." سالم بصرامة: "وحياتك عندي هاخدك لو من بق الأسد." كان هذا أكثر ما يشتهيه قلبها في تلك اللحظة، فارسمت أجمل ابتسامة يمكن أن تهديه لقلب متيم بعشقها. فأخذ يعبئ صدره بأكسجينها الدافئ قبل أن يقول بصوت أجش:
"ضحكتك دي في الوقت ده بالذات خطر عليا أكتر من ضرب النار اللي بره ده." شهقت متفاجئة حين اخترقت أذنيها عدة طلقات نارية، ولكن جاءت يداه لتكمم فاهها وهو يقول آمرًا: "من هنا لحد ما ترجعوا البلد مش عايز لسانك يخاطب أي حد وأظن أنتِ فهماني كويس." اغتاظت من أوامره فقالت مندفعة: "مابحبش الأوامر بتاعتك دي ولو كانت دي طريقتك في الحوار معايا فأنا بعترض." كان يعطيها ظهره متوجهًا النافذة وهو يعبث بهاتفه، والتفت يناظرها قائلًا
بفظاظة: "أجلي اعتراضك لما أشوفك المرة الجاية." انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت: "اشمعنى المرة الجاية." ارتسم العبث بنظراته التي شملتها بطريقة بعثت الرجفة إلى أوصالها، خاصةً حين قال بوقاحة: "عشان هتكوني مراتي ووقتها هعرف أكسر دماغك الناشفة دي أو ألينها.. بطريقتي." قال جملته الأخيرة بعد أن أرسل إليها غمزة عابثة اخترقت أعماق قلبها وأشعلت بجوفها زوبعة من المشاعر العاتية التي لا يخمدها سوى قربه.
كانت النيران مشتعلة في الحظائر الفارغة بعد أن قام أحدهم بإفراغها من الخيل. الذي ما أن رأى النيران المندلعة حتى انتابه الذعر وهرول إلى الخارج معلنًا حالة من الهرج والمرج في الأرجاء. وخرج الجميع لمعرفة ما يحدث، بينما كانت هناك أعين تشاهد ما يحدث بإستمتاع، خاصة حين رأت عمار الذي كان يحاول السيطرة على الخيل الهائج ولكن دون جدوى. وصارت النيران تشتعل أكثر، فقام عمار بالصراخ في الغفر:
"ابعدوا الخيل عن النار أوعاكوا لاحاجة تتصاب." وكان ياسين على الجانب الآخر يحاول أن يطفئ النيران عن طريق طفايات الحريق وهو يقول صارخًا: "اتصلوا بالمطافي بسرعة…" ولكن ألسنة اللهب كانت وكأنها تعاندهم وتزداد أكثر وأكثر في كل مكان. والجميع متأهب ومرتعب في محاولة للسيطرة عليها ولكن دون جدوى. "تحفة.. تحفة يا لولو الأيس كريم طعمه تحفة.."
كان هذا صوت مروان الذي يقف أمام عربته يأكل المثلجات، وعلي يمينه حلا، وعلى يساره جنة، وفوق كتفيه ريتال. فقد كانت الفتيات تشاركه أكل المثلجات التي كان طعمها أكثر من رائع. فصاحت جنة قائلة باستمتاع: "عندك حق يا مروان الأيس كريم ده رهيب." جاء صوت حلا التي كانت مستمتعة بأكل خاصتها من المثلجات التي كانت بنكهة التوت: "خلي بالك دي كانت فكرتي. أنا اللي عرفته على المحل ده." لكزها مروان بيده قائلًا:
"فكرتك آه بس أنا اللي عازمكوا." سقطت إحدى قطع المثلجة فوق رأسه، فنظر للأعلى قائلًا بسخرية: "خدي راحتك يا ريتال. لو عايزة ترجعي عبي موجود ياختي. ماهو أنا العبد الصومالي اللي جابهولك أبوكي." إجابته ريتال بسخرية: "متقلقش يا عمو واحدة راحتي على الآخر." مروان بامتعاض: "خدك ربنا يا بعيدة." تدخلت حلا تسأله بخبث: "ألا قولي يا ميرو أومال إيه طقم الحنية اللي شفته النهاردة العصر ده فى الجنينة.. هو الحب القديم صحي تاني ولا إيه؟
تبدلت ملامحه إلى أخرى مشدودة وقال بغضب: "إيه يا بت الكلام الأهبل ده؟ طقم حنية إيه وحب قديم إيه؟ هتخبطي في الحلل." تدخلت جنة قائلة بصياح: "اسكت انت. إيه ده بجد يا حلا.. مروان بيحب ولا إيه؟ حلا بتخابث: "ده واقع لشوشته يا بنتي. أنتِ متعرفيش. ده بيحب…" "اخرسي يا كلب البحر يا بتاعت الجاز أنتِ بحب مين يا عنيا.." "سما.. بيحب سما يا جنة.."
هذا كان صوت ريتال التي كانت تلعق المثلجات باستمتاع غير منتبهة لتلك القنبلة التي ألقتها في التو. فتسمر مروان مصدومًا بما سمعه، فصاحت جنة معترضة: "إيه ده معقول.. سما. ملقتش إلا سما وتحبها يا مروان." فاندفعت حلا غاضبة: "جنة إحنا بقينا حبايب آه لكن سما خط أحمر. سما دي وربنا ما في أطيب منها هي الظروف المنيلة اللي خلتكوا تزعلوا من بعض." قامت جنة بإرسال غمزة خبيثة إلى حلا، فهدأت الأخرى وتابعت جنة حديثها إذ قالت بتقريع:
"بقي ملقتش إلا البت المصدية اللي شبه البومة دي عشان تحبها." هنا اهتاج مروان وقام بجذب ريتال من فوق كتفيه وإلقائها بعنف على مقدمة السيارة قائلًا باعتذار: "لامؤاخذة يا ريتال." وجه حديثه الغاضب إلى جنة: "لأ بقي.. أنا ساكتلك من الصبح. هي مين دي اللي مصدية وبومة يا كلب البحر أنتِ.. أي نعم هي كئيبة ونكدية بس مسمحلكيش تغلطي فيها أنا بس اللي أقول عنها كده."
أنهى كلماته وقد فطن للتو إلى حقيقة اندفاعه في الدفاع عنها، ولكن قد فات الأوان فانطلقت الضحكات حوله. وقالت جنة بمكر: "بتصيع علينا يا ميرو. مكنش العشم يا راجل." وتابعت حلا تقريعها حين قالت بسخرية: "لأ وقال أنا اللي زي الهبلة بحكيله على كل حاجة. اتفضلي البيه بيخبي عليا." تدخلت ريتال قائلة ببراءة: "والله قلتله مينفعش تخبي على حلا ولا جنة دول أصحابك. قولتلي استنى لما أشوف ردها الأول." شهقت حلا وقالت بصدمة:
"إيه ده انت فاتحتها في الموضوع من غير ما أعرف؟ التفت مروان يناظر ريتال بغضب ثم قال بحسرة: "أروح منك فين فضحاني في كل حتة. مبستريش عليا أبدًا." "تستر على مين ده إسماعيلية كلها هتعرف النهاردة.. اتفضل جاوب." كان هذا حديث جنة الذي جعله يطلق الهواء المكتوم بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول باختصار: "مفيش حاجة تتحكي أنا لمحتلها وخلاص." أوشكت حلا على الحديث فصاح غاضبًا:
"ولا كلمة وربنا ما هقول حاجة تاني. ويالا انجروا قدامي على البيت. أنا ناقص عنيكوا المدورة دي ترشقلي في الموضوع تجيبه نصين." وبالفعل قام بإيصال جنة التي ما أن وصلت إلى مزرعتهم حتى تفاجأت من مشهد الدخان الذي يلون سماءها. وما أن همت بالذهاب لمعرفة الأمر فإذا بها تجد يد قوية تطوق خصرها وأخرى تكمم فاهها وصوتًا خافتًا يتسلل إلى أذنيها بوعيد ذو نبرة رقيقة: "رايحة فين.. بينا حساب لسه مصفناهوش.."
حلت نهاية الأسبوع وقد كان الجميع يتأهب لتلك الزيارة التي ستضع النقاط فوق الحروف. وأخيرًا وصلت السيارات أمام منزل عبد الحميد الذي كان ينتظرهم على باب القصر. ولكنه تفاجئ بكل تلك السيارات التي كانت تحمل ما لذ وطاب أكثر بكثير مما كان يتوقع. وقد شاع في البلد بأكملها بأن ابن عائلة عمران سوف تتزوج بابن أخ صفوت الوزان مدير أمن المنيا.
لا يعرف كيف تسرب الخبر ولم يكن هو من سربه، فشعر بشيء يحاك من خلف ظهره ولكنه أتقن إخفاء شكوكه وقام بالترحيب بضيوفه قائلًا بصوت جهوري: "يا مرحب. يا مرحب.. شرفتونا ونورتونا.." "نيرة بأهلها يا حاج عبد الحميد." هكذا أجابه صفوت ليقول عبد الحميد بمزاح: "تسلم يا صفوت بيه.. بس مكنش له لزوم تكلفوا نفسيكوا أكده." تدخل سالم قائلًا بمكر: "كل واحد بيجيب قيمته يا عمده. وبعدين إحنا جبنا على قد ما هناخد. ولا أنت بخيل." قهقه عبد
الحميد قبل أن يقول بمزاح: "عارفين إنك تجيل يا سالم بيه. وقيمتك أكبر بكتير. وأنت بردك عارف كرمنا إزاي.. اتفضلوا." بالفعل دخل الجميع إلى البيت الكبير ونُقِلت الهدايا إلى داخل المنزل وسط نظرات ذهول من الفلاحين. ف لأول مرة يروا زيارة بمثل هذا الحجم وكأنها إحدى المعونات التي تبعث للدول المعدومة. فقد أتقن سالم لعبته كثيرًا للحد الذي جعل عبد الحميد يشك فيما يحدث حوله، خاصةً نظرات سالم التي كانت تحمل الكثير. وقد صح ظنه حين
سمع صفوت الذي قال بوقار: "يا حاج عبد الحميد إحنا جينا النهاردة عشان نطلب إيد بنتي فرح لابني سالم قولت إيه؟ برقت أعين جميع الموجودين من حديث صفوت الذي كان كدلو من الماء سقط فوق رأس عبد الحميد الذي قال بذهول: "مش ده اتفاجنا جبل سابج يا صفوت بيه. إحنا كان كلامنا كله على جنة." صفوت بمجاملة: "ماهو إحنا بصراحة يا حاج عبد الحميد ملقناش أحسن من نسبكوا وقلنا ناخد الأختين. إنتوا تشرفوا أي حد."
كانت محاولة جيدة منه لإحراج عبد الحميد الذي تأكدت ظنونه الآن، وقد حمد ربه كثيرًا حين جنب حفيده تلك المقابلة. فهو يعلم بأنه لو كان موجودًا لاحترق المكان بأكمله، ولكنه آثر استخدام الحكمة حين قال: "تسلم يا صفوت بيه.. وأني على عيني أرفض طلبكوا. بس البنت مخطوبة." هنا تدخل سالم الذي قال بفظاظة: "وده من إمتى يا حاج عبد الحميد؟ أجابه عبد الحميد بجفاء: "وده يخصك في أي؟ جولتلك البنت مخطوبة.. وده المفيد." تشابهت عينيه
مع نبرته الجامدة حين قال: "لأ يخصني. البنات في يوم من الأيام كانوا تحت حمايتي ويهمني أمرهم. عشان كده بسألك. ولا أنت إيه رأيك؟ علم جيدًا أين يضربه، فقد كانت الغرفة تعج بالحاضرين من أقربائهم ورجال البلد، فقد كان هذا طلبه أن يأتي بأهله جميعًا لطلب يد ابنتهم وقد نفذ ما أراد واستغله لصالحه. فعبد الحميد لن يجازف بالخوض فيما حدث أمام كل هؤلاء الناس، ولكنه أيضًا لم يرضخ لاستغلاله.
وما أن أوشك على إجابته حتى تدخل صفوت لتهدئة الموقف قائلًا بوقار: "يا حاج عبد الحميد إحنا جايين وقصدنا خير. وأنت طبعًا متكرهش الخير. وزي ما عملت مع بنتي حلا هعمل مع بنتي فرح ولا أنت إيه رأيك؟ انكمشت ملامح عبد الحميد بالغضب وقال ساخطًا: "تصدق إيه! تدخل سالم قائلًا بصرامة وعينين تملؤها الشماتة: "نسألها." صاح عبد الحميد معارضًا: "كلام إيه اللي عم تجوله ده؟ تدخل صفوت قائلًا:
"هو ده الصح يا حاج عبد الحميد زي ماعملنا مع حلا نعمل مع فرح. نسألها والرأي الأول والأخير ليها." هنا ارتسم الغضب على ملامح عبد الحميد الذي تجاهله وقال بوعيد: "وأني موافج.. خلونا نشوف رأيها إيه. بس أوعاك تزعل لو جالت لاه إني حاولت أفاديك الإحراج." شعر سالم بشيء خلف حديثه ولكنه تجاهل شكوكه وقال بقوة: "لأ متخافش عليا.. أنا مستعد لأي حاجة." "وماله.. هجوم آخذ رأيها وأرجعلك."
تحرك عبد الحميد إلى الداخل تاركًا خلفه سالم الذي أخذت تتقاذفه الظنون وصارت الدقائق تلدغه بكل ثانية تمر بها. إلى أن أتى عبد الحميد الذي كانت ملامحه غامضة لا تفسر، ومن ثم قام بإلقاء قنبلته الذي دوى ضجيجها في صدره ووووو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!