دعيني أخبرك شيئًا. إن روحي لا تزهر أبدًا سوي معكِ. عيناي لا تضيء إلا بالنظر إليكِ. أضلعي لا تكتمل إلا بكِ. خلقت بي عشق من نار لا يطفئها سوى قربك. ذلك الشق الناقص بروحي لم يرممه أحد سواكِ. لذا فإن كان طريق الوصول إليكِ مستحيلًا فأخبري ذلك المستحيل أنني قادم. شعر سالم بشيء خلف حديثه ولكنه تجاهل شكوكه وقال بقوة: "لا تخف عليّ. أنا مستعد لأي شيء." "وماله. هجوم آخذ رأيها وأرجع لك."
تحرك عبد الحميد إلى الداخل تاركًا خلفه سالم الذي أخذت تتقاذفه الظنون وصارت الدقائق تلدغه بكل ثانية تمر بها. إلى أن أتى عبد الحميد الذي كانت ملامحه غامضة لا تفسر. ومن ثم قام بإلقاء قنبلته الذي دوى ضجيجها في صدره حين قال بلهجة خشنة وملامح بدا عليها الامتعاض: "العروسة وافقت." **عودة لما قبل عشر دقائق.**
جالسة في الغرفة الخاصة بشقيقتها وكل خلية بجسدها ترتجف من فرط الانفعال والترقب. فالخدم ما انفكوا يتحدثون عن تلك الزيارة الهائلة التي أتوا بها الخاطبين على ديار العائلة. وقد كان من المتوقع أن يتم خطبة أختها أمام أهل البلد وكبارها. ولكن ماذا عنها؟ لأول مرة تثق بشخص بتلك الدرجة. ولكن الكلمات توقفت على أعتاب شفتيها حين وجدت السؤال: ماذا عنها؟
وعدها وتصدقه. تعلم بأنه سيفعل المستحيل لأجلها. ولكن هل يتضمن ذلك المستحيل أن تصبح هي الأخرى عروسًا له في أقرب وقت؟ يا لسخرية القدر. فمنذ بضعة أسابيع كانت تهرب منه ومن عشق جارف يتخلل قلبها إليه. والآن تتلهف على خطوة بسيطة قد تقربها منه! ولما لا؟ فقد ذاقت حنانًا بين أضلعه لم تختبره طوال حياتها. حنان جعلها كالمدمن الذي يريد جميع جرعات مخدرة دفعة واحدة حتى تغمره نشوة الحب ويغرق في بحور السعادة التي لم تختبرها مسبقًا.
ما يزال هناك الكثير من الألم والندوب تحتاج إلى بلسم قربه ليرممها. وأيضًا تلك الندبة الكبيرة التي شوهت قلبها ذات يوم. كان قربه الدواء الفعال لزوال أثرها. شقها الروحي الذي تساقطت منه حروف اسمها دون أن تتذوق منه رشفة واحدة. كانت تحتاج أصابعه الحانية لتحيكها بخيوط من عشق هو الوحيد القادر على إعادة هيكلة كيانها المبعثر.
زفرة قوية خرجت من جوفها مصحوبة بتيارات ندم جارفة على كل لحظة استسلمت لخوفها الذي أبعدها عنه. ولكن شيئًا ما بداخلها ذكرها بكلمته التي كانت كالبلسم على روحها الملتاعة: "روحي قصاد روحك." جملة كانت أكثر من كافية لجعلها تهدأ لثوانٍ وكأنها مخدرًا قويًا سرى في أوردتها. مما جعلها تغمض عينيها متنهدة براحة وداخلها يردد: "يا الله لا تختبر قلبي بخسارته فإنه على روحي عزيز…" مازالت مغمضة عينيها حين ردد قلبها بتوسل:
"أرجوك يا سالم لا تتخلى عني.." أخرجها من بحر هواجسها وتخبطاتها طرقة قوية على باب الغرفة جعلتها تهب من مكانها. وخاصةً حين وجدت جدها يطل من الباب بهيبته التي لطالما بعثت الرهبة إلى أوصالها. إضافة إلى نظراته التي كانت قاتمة بشكل مخيف تشبه لهجته حين ألقى قنبلته على مسامعها: "كنتِ عارفة أن ابن الوزان جاي يطلب يدك اليوم؟
هبت فرح من مكانها لدى سماعها كلمات جدها التي كان وقعها كالقنبلة التي دوى طنينها بقلبها. فأشعرتها لأول مرة بأنها بكماء لا قدرة لها على الحديث. الذي تولته جنة حين تدخلت قائلة: "حضرتك تقصد مين يا جدي؟ أنا ولا فرح؟ تجاهل حديثها بينما كانت نظراته مصوبة على فرح التي حاولت استجماع شجاعتها وبللت حلقها قبل أن تقول بلهجة مهتزة: "لو تقصدني أنا فـ لا، ما كنتش أعرف." عيناها لم تكن مهتزة كـ لهجتها فشعر بصدقها. ولكن
تجاهله حين قال بفظاظة: "أكده يبقى اطلع أبلغهم رفضك.." خرج الحديث من أعماق قلبها الذي ارتعب من فقده: "بس أنا موافقة.." التفت عبد الحميد يناظرها بغضب تجلى في نبرته حين قال: "يبقى كنتِ عارفة وبتكذبي عليّ! أخذت نفسًا قويًا خبأته بداخل صدرها الذي تزاحم به الخوف والألم معًا. واستدعت شجاعة كانت سلاحها لسنوات قائلة بلهجة ثابتة:
"أنا ما كذبتش عليك لما قلت معرفش إنه جاي يتقدملي اليوم. لكن كنت متأكدة إنه هيعمل كده في وقت من الأوقات.." كلمة واحدة خرجت من جوفه الغاضب: "بينك وبينه آية؟ بشجاعة أجابته: "تقصد اللي في القلب ولا تقصد اللي برا؟ تحرك خطوة تجاهها اهتزت لها داخليًا. وخاصةً حين قال بصوت مرعب: "الاثنين!
"أنا مشوفتش منه غير كل حاجة كويسة. حمانا في أكثر لحظات ضعفنا. مسمحش لحد يتحكم فينا أو يبهدلنا. حاول على قد ما يقدر إنه يصلح خطأ ما كانش له ذنب فيه. كل اللي بينا واللي شوفته منه إنه راجل يعتمد عليه. ده لو بتسأل على الظاهر واللي حصل. أما اللي جوايا له فأنا أتمنى فعلًا إني أكون مراته. والوحيد اللي هأوافق إني أتزوجه." كلماتها لامست شيئًا داخل قلبه تجاهله وهو يقول بنبرة قوية:
"اللي بتقوليه ده صح. وأنا موافق عليه. بس أنا مختار لك زينة الشباب. اللي ما تشوفيش في شهامته واصل.." تحدثت معاندة: "بس أنا اخترت سالم.." زمجر معترضًا: "إيه ده عن ولد عمك؟ هنا انفتح باب الغرفة وأطل منه عمار بهيئته الضخمة وملامحه الواجمة يتوجها عينين قاتمة لم تفلح في إرهابها. بل على العكس عززت من شجاعتها حين قالت: "القلب وما يريد يا جدي. وأنا قلبي اختار سالم الوزان ومش عايزة راجل غيره.."
كانت جملتها على كرامته تشبه صفعته على وجنتها ذلك اليوم. فهي تفضل آخر عليه حتى لو لم يكن يحمل لها عشقًا خاصًا. ولكن رجل مثله يأبى كبرياؤه المقارنة بشخص آخر. ناهيك عن خسارته النكراء أمام غريمه. ولكنه ابتلع جمراته الحارقة وأردف بسخرية: "من امتى واحنا بناخدوا رأي الحريم يا جدي في الأمور اللي زي دي..؟ زفر عبد الحميد بغضب فالأمور خرجت عن سيطرته. ولكنه لم يحسب حساب لـ فرح التي أرادت سكب النيران فوق بركاته الثائر.
لذا قالت بشجاعة: "لو كانت الأرض هي اللي مانعاك توافق على جوازي من سالم يا جدي فأنا متنازلة عنها.." برقت عيني عمار فقد كان يعلم بتحديها له وبرغبتها في إغضابه. فهي تضحي بالغالي والنفيس لأجل ذلك السالم. وما أن أوشك على الحديث حتى جاءه صوت عبد الحميد الصارم: "اجفلي خشمك يا فرح. أرض إيه اللي هتتكلمي عنها؟! أنا عايز مصلحتك أنتِ وأختك.." في خضم نزالها مع عمار شعرت بأن كلماتها آذت جدها. فاقتربت منه قائلة بصوت رقيق متوسل:
"أنا آسفة يا جدي مقصدتش. بس." قاطعها غاضبًا: "مفيش بس. الحديث خلص خلاص.." التفت ينتوي المغادرة فاستوقفته كلماتها المتوسلة حين قالت: "ورحمة أبويا يا جدي ما تظلمني…" تجمد بمكانه إثر رجائها غير المتوقع والتفت يناظرها بعينين لم تستطيع رد توسلها أبدًا. فلاح بهما الحنان لوهلة قبل أن يقول بصرامة: "ورايا يا عمار." **عودة للوقت الحالي.**
لحظة توقف الزمن حوله. فقد كان يتوقع خوض حربًا ضارية أمام ذلك العجوز الداهية لانتزاعها من بين براثنه. ولكن أن تأتي الموافقة على طبق من ذهب هكذا شيء جعل عقله يعمل في جميع الاتجاهات. فمن الواضح بأن مهرته قد تحلت بشجاعتها ووقفت مدافعًة عن عشقهما. ولأنه كان عشقًا جارفًا لا يعرف الحدود فقد أراد في تلك اللحظة رؤيتها حتى يقبل تلك الشفاه الرائعة التي أعلنت قبولها الصريح ولم تهاب أحد.
"مليون مبروك يا حاج عبد الحميد. إحنا زدنا شرف والله." هكذا تحدث صفوت الذي صاح بتهليل يهنئ عبد الحميد. الذي بدوره كان متجهمًا. لتأتي كلمات سالم المطمئنة. فقد حمل له بعض الامتنان لكونه لم يقهر حفيدته ولم يرغمها على شيء لا تريده. "فرح في عيني يا حاج عبد الحميد. اتأكد إنها في إيد أمينة."
نظراتهم كانت تحمل الكثير. وقد تفهم عبد الحميد أن ذلك الرجل بالرغم من شهامته ومروءته يحمل الكثير لحفيدته. وبالنهاية هو لا يريد سوى سعادتها. لذا تجاهل كل شيء واقترب قائلاً: "بس كده المهر هيبقى غالي قوي يا سالم بيه. يعني عروستين من عندنا خبطة واحدة." ابتسم سالم قائلاً بثقة: "وأنا رقبتي سدادة. اؤمر." تدخل صفوت قائلاً بمجاملة: "كنوز الدنيا كلها تحت رجليكم يا حاج عبد الحميد. وعيلة الوزان معروفة على إيه." عبد الحميد بوقار:
"تسلم وتعيش يا صفوت بيه. وعشان انتوا ناس محترمة هنديكوا بناتنا." تدخل سالم قائلاً بخشونة: "قبل أي حاجة إحنا عايزين نعجل بالفرح يعني أقصى حاجة الأسبوع الجاي." انكمشت ملامح عبد الحميد بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "وليه العجلة؟ ما قولنا آخر الشهر." صفوت بتعقل: "مدام كل حاجة خلصانة وكل طلباتك مجابة يبقى ليه نأجل. الولاد عايزين يستقروا وأظن ده ما يزعلكش ولا إيه؟
انفتح الباب وأطل كل من ياسين وعمار. الذي ألقى السلام بينما عينيه تقتنص ذلك الذي ناظره بغضب قاتم ازدادت شراسته حين قال: "وه. كلام إيه ده يا معالي الباشا. هي مش كل حاجة عايزة ترتيبات ولا إيه؟ دا جواز مش سلق بيض." تجاهل سالم حديثه قاصدًا تهميشه. وهو ينظر إلى عبد الحميد الذي قال بتفكير: "أنا معاك يا سالم بيه إنك عايز تعجل وده رأيي. بس كل حاجة زي ما قال عمار لازملها ترتيب." لم تتغير ملامح سالم إنما قال بنبرة فظة:
"مابحبش أعيد كلامي مرتين يا حاج عبد الحميد. كل اللي عليك تطلب وأنا هنفذ. ويا ريت ننهي أي جدل ملوش لازمة." احتد عمار في الحديث حين قال: "وإحنا لازم نفكروا زين قبل ما ناخدوا أي خطوة. إحنا ما بنرميش بناتنا ولا إيه يا حضرات؟ لم يتيح الفرصة لأحد للحديث. فقد ناظره شذرًا وهو يقول بلهجة مهينة: "لما تحب يكون لك رأي ابقى احضر قاعدة الكبار من أولها. إحنا خلاص اتفقنا."
انتفخت أوداجه غضبًا. وما أن هم بالرد حتى جاء حديث سالم القاطع لـ عبد الحميد حين قال بفظاظة: "تحديد المواعيد ده راجع لينا وإحنا زي ما قلت جاهزين. لو انتوا مش جاهزين أو طلباتنا تقيلة على دكتور ياسين يبقى نشوف وقتها." نجح في غرس سهم في منتصف الهدف. فقد اكفهرت ملامح عبد الحميد الذي هب قائلاً باعتراض: "كلام إيه ده اللي بتقوله. إحنا رجالتنا سدادة ودكتور ياسين كد الدنيا ولو على الفرح أنا موافق الخميس الجاي."
اتبع مبدأ طرق الحديد وهو ساخن إذ قال بفظاظة: "الفرح هيتعمل هنا احترامًا لظروفنا. وأنا وسليم في آخر اليوم كل واحد هياخد عروسته وهيمشي." عبد الحميد بوقار: "موافق. بس زي ما قلت قبل كده هنعملوا فرح يليق بينا." سالم بخشونة: "اعمل اللي يعجبك. وأي مصاريف أنا متكفل بيها." عبد الحميد بسخرية: "يعجبني فيك غرورك بنفسك يا سالم بيه. يمكن متعرفش عاداتنا." سالم بثقة:
"عارف. وموافق. واللي بتسميه غرور ده ثقة بالنفس. رحم الله امرئ عرف قدر نفسه." انتهت الجلسة وجاءت بنتائجها المرجوة. وظفر المحارب بأقوى معاركه. ولكن تبقى انتقام لروحه التي اهتزت بوجع المحبوب. فحين هم الجميع بالمغادرة اقترب بعينيه القائمة التي تخفي غضب مدمر وبهسيس مرعب قال بجانب أذن عمار: "مستنيك النهاردة الساعة 9 بالليل عند شجرة التوت اللي في آخر أرضكم."
صُدم عمار من حديث سالم. الذي لم يزد كلمة واحدة. بل رفع رأسه بشموخ وهو يغادر تاركًا خلفه عمار الذي كان يتخبط بأفكاره.
في غرفتها تنتظر إعلانًا. إما ببقائها على قيد الحياة ولكن تلك المرة ستكون حياة حقيقية. أو بموت محتم إن افترقت عنه. ولكن لم يدم خوفها كثيرًا فقد اندلعت أصوات الزغاريد من الأسفل. فهرولت الفتاتان للخارج لرؤية ما حدث. فإذا بالرجال يخرجون من غرفة المكتب وعلى رأسهم عبد الحميد. الذي أطلق أوامره للخدم حتى تتعالى أصوات الفرحة في القصر. فأخذت تهاني تزغرد فرحة وهي تقترب منهما وتقول بحبور:
"مبروك يا جنة. مبروك يا فرح. والله ودخل الفرح بيتنا من تاني." لدى سماعه اسمها لم يستطع سوى أن يلتفت برأسه ليرسل إليها نظرة عاشقة راضية اخترقت قلبها. الذي أصبح يشعر به دون حديث. فهي تعلم مقدار رضاه وفرحته حين حاربت لأجل عشقهما. فالمعركة لم تكن سهلة. ولكن المحارب كان شجاعًا استند على ذخيرة قوية. ولهذا كانت النهاية الانتصار على قيود القدر التي أحكمت تطويق قلوبهم لسنوات طوال. ***
جاء المساء في هذه القرية الهادئة التي لم يتناسب هدوؤها مع ضجيج قلوبهم. وخاصة تلك التي كانت تحارب عشقًا جارفًا يغزو كيانها بجموح أرهبها بقدر ما ترهبها نفسها التي ذاقت الويلات جراء تلك الكارثة التي ضربت حياتها. فأودتها إلى قاع جحيم مستعر. تجاهد بكل قواها حتى تخرج منه. وطوق نجاتها الوحيد يكن في يد لطخت بدماءها. فهل تستطيع نسيان جرحه وإهانته المؤلمة لها أم ستظل في جحيم عذابها هذا إلى الأبد.
زفرت بتعب وهي تتذكر ما حدث قبل عدة أيام. تحديدًا يوم الحريق الذي اشتعلت نيرانه من قلوب امتزج بها الغضب والشوق معًا. **في وقت سابق.** ترجلت من السيارة بأعين مذعورة تشاهد هذا الدخان الكثيف الذي يحلق في سماء مزرعة عمها. وما كادت أن تخطو خطوة إلى داخل البوابة حتى تفاجأت بذراعين تطوقان خصرها من الخلف. وصوت خافت أصبحت تحفظ تردداته عن ظهر قلب اخترق مسامعها حين قال: "رايحة فين؟ لسه بينا حساب لسه مصفناهوش."
تجمدت جميع خلاياها من فرط صدمتها حين شعرت بوجوده ويده المطوقة خصرها بقوة لم تؤلمها بل جعلتها تترك له نفسها. حين اختفى بها في أحد الأشجار الكثيفة. ومن ثم ترك فمها الذي كانت تكممه يداه. وقام بإدارتها إليه وهو يناظرها بعينين يملؤها العشق واللهفة معًا. فبدت لامعة تحت ضوء القمر الذي يتسلل بخفوت بين غصون الشجر. فكان المشهد يبدو رائعًا لمن يراه من بعيد. وخاصة حين أضاف بلهجة خشنة تحمل شوقًا كبيرًا:
"عاجبك شغل الهجامة اللي إحنا فيه ده؟ بقالي أسبوع مش عارف أوصلك؟ تجاهلت عتابه الخشن ولهفته التي كانت تلون ملامحه وقالت بسخرية: "والله قول لنفسك. إيه اللي بتعمله ده؟ مفكر إنك كده هتجبرني أتكلم معاك؟ تغلبت طبيعته الغاضبة على تعقله فصاح مغلولًا: "إنتِ لسه لحد دلوقتي مشوفتيش إجبار." عاندته غاضبة: "ولا هشوف. ولا عمرك هتقدر تجبرني أصلًا." أكد حديثها قائلًا بفظاظة: "في دي عندك حق. مش سليم الوزان اللي يجبر واحدة عليه."
استفهمت مستنكرة: "والله. اللي بتعمله ده اسمه إيه؟ فاجأها حين قال بنبرة أهدأ قليلًا: "اسمه إني شايف قلبك وعارف اللي جواه. أنا مش صغير وأقدر أفرق بين الرفض والخوف. الخوف اللي مانعك تسلميلي وتعترفي بمشاعرك ناحيتي." أوشكت على معارضته فتابع بلهجة قاطعة:
"متكابريش يا جنة. عينيكِ معرياكِ. ومخليني شايف قلبك كويس قوي. أنا هقولك كلمتين ملهمش علاقة بيا. إنتِ مش وحشة والغلط ما كانش عندك. إنتِ كنتِ ضحية. بلاش تغيري طبيعتك وشخصيتك بسبب اللي حصل." صاحت بقهر: "ولما يتكرر تاني هتنفعني طبيعتي وشخصيتي بإيه؟ قاطعها بصرامة: "مش هيحصل أبدًا." "وإيه اللي يضمنلي إني ما أتأذيش تاني؟ امتدت يداه تمسكها من مرفقيها بقوة تجلت في نبرته حين قال وعيناه مسلطة كشعاع على خاصتها:
"عشان أنا موجود. وعمري ما هسمح لأي حاجة أو أي حد إنه يأذيكِ." ارتج قلبها لتصريحه القوي ونبرته التي كانت مطمئنة بطريقة كبيرة جعلتها عاجزة عن الحديث. ليتابع هو بخشونة: "أنا مش عايزك عشان أصلح أخطاء اللي قبلي. أنا عايزك عشان محتاجك زي ما أنتِ محتاجاني." انكمشت ملامحها بألم كان صداه حارق بقلبها وتجلى في نبرتها حين قالت: "محتاجني عشان أداوي الجرح اللي جرحتهولك ست مروة صح؟ تبدلت معالمه للدهشة التي تجلت في نبرته حين قال:
"مروة! وإنتِ إيه عرفك بمروة؟ "مش مهم. المهم إني عرفت." تجاهل غضبه وقال بفظاظة: "طب ما تخلي عندك الجرأة وقولي اللي جواكِ بدل ما ترمي الكلام وخلاص؟ عاندته بتهكم: "لما تخلي عندك الجرأة و تقول انت فعلًا كنت على علاقة بيها وحبيتها ولا لأ؟ صمت دام لثوانٍ اتبعه زفيرًا حارقًا خرج من جوفه. وكعادة رجل مثله يتخذ من الصدق مذهبًا طوال حياته أجابها بلهجة قاطعة: "أيوه حبيتها."
لم تتفاجأ بقدر ما تألمت من تصريحه وارتسم ألمها على ملامحها. فقد كان اعترافه موجعًا بحق. ولكنه تابع بخشونة: "في يوم من الأيام مشاعري ناحيتها كانت قوية لدرجة إني فكرت اتجوزها. وهي كمان حبتني أو ده اللي قالته وقتها. بس لما اتعارض الحب ده مع مستقبلها وكريرها قعدت تماطل وأنا ما بحبش كده." أردفت بسخرية مريرة: "قمت سايبها! أيدها قائلاً بقوة:
"أيوه سبتها. ومش ندمان. كان ممكن أحترمها لو كانت واضحة وصريحة. بس هي ما كانتش كده. بالعكس كانت شخص متلون ومراوغ لأقصى درجة. وده اللي خلاني ما ندمتش لحظة عليها." تابع وقع حديثه على ملامحها التي ارتخت قليلًا وتابع بقوة: "مفيش علاقة في الكون ممكن تنجح وهي تفتقر الثقة يا جنة. وهي هزت ثقتي فيها." استفهمت بقلب مرتعب: "عندك حق. بس يعني لما جت؟ واعتذرت ليه مسامحتهاش؟ مش يمكن تكون اتعلمت من غلطها." بلهجة قوية كـ نظراته تمامًا
أجابها: "فات الوقت. خلاص مبقاش ليها جوايا اللي يخليني قادر حتى أبص في وشها. علاقتي بمروة كانت علاقة فاترة. لما انتهت أنا حتى ما اتألمتش. مش هنكر افتقدت مشاعر معينة بس ما اتأذتش. وده معناه حاجة واحدة." "إيه هي؟ هكذا استفهمت بلهفة فأجابها بنفس لهفتها: "إنها ما كانتش مشاعر قوية بالدرجة اللي تخليني أسامحها وأقبل إني أرجع لها." كانت تود لو تستفهم بملء صوتها وتقول: "أهكذا فقط؟
ولكنه استفهام أبى الخروج من بين شفتيها التي ذمتها بألم تجلى في عينيها التي كانت مرآته لقلبها. فتابع بنبرة أجشة: "الحب اللي بجد هو اللي يخلي شخص واحد تقف حياتك عليه. فراقه يعني موتك." توقف وعيناه تتابع وقع كلماته عليها وتابع بلهجة صادقة: "والشخص ده هو إنتِ يا جنة."
ارتج قلبها واهتزت أضلعها التي تحمله جراء تصريح رائع بالحب لم تجرؤ على توقعه يومًا. فانهالت عبراتها تأثرًا واهتز جسدها بين يديه التي احتوتها بضمة قوية كانت أكثر من محببة لها. فأطلقت العنان لمشاعرها المكبوتة للخروج على السطح. فجاءت كلماته الحانية لترمم ثقوبًا وتصدعات شوهت روحها: "خرجي كل اللي في قلبك. عيطي لو ده هيريحك. املي الدنيا صريخ وأنا هسمعك. بس أوعي تكتمي ألمك جواكِ أكتر من كده."
فعلت مثلما أخبرها. فأخذ بكاؤها يرج غصون الأشجار حولهم. ومع كل شهقة كانت تخرج من جوفها يزداد تعلقه بها أكثر. حتى صارت وكأنها جزء من جسده، شقًا من روحه، قطعة من قلبه المتيم بعشقها والذي اخترق جميع دوافعها. فوجدت نفسها تهمس باسمه: "سليم." اخترق همسها قلبه. فقام برفع وجهها يحيطه بكفوفه الحنونة وهو يقول بهمس: "عيونه." أجابته بلوعة:
"أنا خايفة أوي. خايفة من كل حاجة. خايفة أقرب من ابني لأخسره. خايفة لا المرض ده يكون عقاب من ربنا ليا عشان غلطتي. خايفة أتعلق بحياة جديدة تنتهي بكارثة زي ما حصل قبل كده. إحساس الخوف ده هيموتني وأنا مش قادرة أعيش بيه أبدًا." كلماتها الملتاعة كانت أشبه بالجمر على قلبه الذي انتفض بداخله أضلعه ألمًا وعشقًا تجلى في نبرته حين قال: "أوعي تخافي وأنا موجود." تابع ويداه تمسد أكتافها المرتجفة متابعًا بقوة:
"ابنك ده هدية ربنا ليكِ وهيتربي في حضننا. ربنا له حكمة في كل حاجة حصلت. الطفل اللي مش قادرة تقربي منه ده لولاه ما كنتيش اكتشفتي حقيقة مرضك وهو لسه في أوله. اللي هو ابتلاء من ربنا وهتصبري عليه عشان إنتِ قوية وعشان ربنا بيحبك. ربنا بيبعت البلاء للي بيحبهم." أيدته قائلة: "أنا عارفة. بس." قاطعها بحكمة:
"مفيش بس. في الحمد لله على كل حاجة تيجي من عند ربنا. وتبقي قوية عشان إنتِ أحسن من غيرك كتير. إنتِ جنبك ناس كتير بتحبك. أهلك وأختك وابنك وأنا." تعمقت نظراتها أكثر بعينيه التي اقتربت أكثر. فأسند جبهته فوق خاصتها قائلًا بصوت أجش: "إنتِ غالية أوي يا جنة. أغلى عندي من روحي. وجودك يعني إني عايش. وألمك ده بيفتت قلبي." أنهى جملته واضعًا قبلة حانية على أرنبة أنفها قبل أن يتابع بصوت مغلفًا بلهيب الصبوة:
"خليكِ قوية وأنا إيدي في إيدك لحد ما نعدي كل حاجة سوا." "هتصبر عليّ؟ كلمة واحدة منها كانت لها وقع القنبلة على مسامعه. فتراجع يناظرها بلهفة تجلت في نبرته حين قال: "بالرغم من إن سليم الوزان عمره ما عرف يعني إيه صبر. بس إنتِ تستاهلي إني أتعلمه عشانك." "سليم الوزان اختار يدخل النار برجله." هكذا أجابته في محاولة للوصول إلى أقصى مراحل الأمان بقربه. فتفهم على الفور مقصدها فأجابها بخشونة:
"اعتبري سليم الوزان ده ملكك بكل ما فيه. قربي وملكش دعوة." "تقصد إيه؟ "إيه رأيك تعتبريني صاحبك. اللي بتحكي له على كل حاجة تخصك. فرحك، حزنك، ألمك، كل حاجة." أبهرتها كلماته التي انهالت عليها كسيل من المياه العذبة لتروي تربة تصدعت من فرط الجفاء. وخاصة حين أكمل: "اعتبريني البحر اللي بترمي فيه كل مشاعرك." أجابته بنبرة مرتجفة: "وأفرض فهمت كلامي غلط."
"استحالة. أنا شايف قلبك. وعارف اللي جواه. ومبسمعش غير له. أي كلام تاني مش هيهزني." انكمشت ملامحها بحيرة. كل ما بداخلها ينطق بالموافقة إلا من شعور دخيل يمنع الكلمات من أن تغادر حدود شفتيها. ولكنه تفهم ما يحدث فقال بتفهم: "متجاوبيش دلوقتي. خدي وقتك وأول ما قلبك يقنعك كلميني. قوللي عايزاني. وأنا هاجيلك لو من آخر الدنيا."
رغمًا عنها ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتيها أضاءت له عمرًا بأكمله. فاقترب بترو واضعًا قبلة هادئة فوق عينيها اليمنى. ثم انتقلت شفتيه إلى العين اليسرى ناثرًا عشقه فوق بحرها الأسود اللامع. فخرجت لهجتها مهتزة حين قالت: "بتعمل إيه؟ بملامح عاشقة وعينين تلتهمان حسنها التهامًا أجابها: "بوثق اتفاقي بيني وبين قلبك." **عودوا للوقت الحالي.**
هبت من مجلسها تنوي بدأ حياة جديدة معه. فقد أضناها العذاب واكتفت من دفع ثمن خطأها غير المقصود. وبالفعل قامت بسحب هاتفها لتراسله. ولكنها احتارت ماذا تكتب؟ هل تخبره بقرارها برسالة لن تحمل مقدار ذرة من مشاعرها التي تجتاح قلبها كالطوفان. أم تخبره وهي تنظر إلى داخل عينيه؟
ظلت تدور بغرفتها غير قادرة على اتخاذ القرار. ولكنها توقفت فجأة حين تذكرت كلمته التي كانت أكثر من كافية للتعبير عن جميع مشاعرها التي لن تستطيع الإفصاح عنها. فقامت على الفور بتدوين ما تريد. والذي اختصرته في عدة حروف بسيطة: "عايزاك."
ما أن همت بإرسالها حتى تعالت صوت بكاء بجانبها. والذي لم يكن سوى طفلها محمود. الذي كانت تخشى كثيرًا الاقتراب منه. فكانت تتركه الوقت بأكمله إما لشقيقتها أو لزوجة عمها للاهتمام به. ولكنهم الآن غير متواجدين والصغير يبكي بحرقة. رق لها قلبها. فاقتربت منه بخطى سلحفية لتجده يتلوى بسريره. وجهه محمر بشدة وملامحه الجميلة مكفهرة بطريقة توحي بأنه يتألم. ودون أن تشعر ساقها قلبها إليه. فقامت بمد يدها المرتجفة تتحسس وجنته. فأحرقتها تلك السخونة المنبعثة منها. فارتعبت وقامت بحمله وداخلها يرتجف رعبًا حين وجدت الطفل ينتفض بين يديها يعاني من ارتفاع شديد في حرارته.
*** كان الغضب شعور بين ألف شعور يجتاحه وهو يقف أمام تلك الشجرة التي تحمل ذكريات لعينة. بين مالك قلبه وبين رجلًا آخر. وكأنه أراد قتل تلك الذكريات في مهدها حين قرر لقائهم أن يتم تحت أنظار تلك الثمار المتدلية بإغراء من الغصون. أراد أن يزودها بذكريات أخرى سيئة قد تأتي أولًا بذاكرة ذلك الذي تجرأ واقترب من محبوبته شرًا كان أو خيرًا. "آه. أديني جيت لك. أما أشوف مواعيد العشاء دي آخرتها إيه؟
هكذا كان حديث عمار موجهًا إياه لـ سالم. الذي كان يعطيه ظهره. وما أن سمع صوته حتى اسودت حدقتاه واكفهرت معالمه وشد قبضته. فبدا مريعًا حين التفت يناظره. وخاصة حين قال بوعيد: "بما إن الشجرة دي ليها معاك ذكريات حلوة. فقولت أحط لك أنا كمان ذكرى تفكرك بيا."
أنهى كلماته وقام بتوجيه لكمة قوية إلى أنف عمار. الذي نزف في الحال. ولم يستطع استيعاب ما يحدث حين وجد اللكمات تنهال عليه من كل حدب وصوب. فهو لم يكن خصمًا سهلًا بالمرة. ولكن كان لعنصر المفاجأة وقعًا قويًا عليه. إضافة إلى أن ذلك الوحش الثائر الذي أمامه كانت تعميه نيران الغضب والغيرة. فأخذ يكيل له اللكمات والضربات التي نالت جميع أجزاء جسده بلا رحمة ولا شفقة. فحي دماءه التي سالت أرضًا لم تشفع له. فقط كل ما يراه هي وجنته التي أصابتها يده القذرة وشوهت جمالها ونالت من كبريائها.
كان هذا كله يحدث أمام مرأى ومسمع من سليم ومروان. الذان يجلسان بالسيارة في انتظار سالم. الذي أمرهما بعدم التدخل. حتى لو أزهقت حياته. فزفر مروان بملل قائلاً: "وبعدين بقى في فيلم الأكشن اللي مش هيخلص ده؟ ما تيجي نضربوا أخوك اللي شبه الثور ده هيموت الراجل في إيده وبدل ما نشتبك نتكلبش! أجابه سليم بضجر: "مانت سمعت تنبيهاته إن محدش يدخل. مش ناقصين غضبه." أطلق مروان زفرة حانقة قبل أن يقول:
"على رأيك وبصراحة اللي اسمه عمار ده ابن حلال ويستاهل." أنهى مروان جملته تزامنًا مع رنين هاتف سليم برسالة نصية. كان لها وقع الطبول على قلبه الذي انتفض بين أضلعه حين قرأ محتواها: "عايزاك." "بقولك إيه يا مروان. خدمة لأخوك عايزك تستناني هنا لحد ما أرجع." مروان بامتعاض: "إيه يا خوي؟ وأنا كنت أكلت إيه عشان أشرب عليه. مابعملش خدمات لحد." تابع سليم بلهجة يشوبها التوسل: "عيب عليك. ده أنا حبيبك. وزي أخوك." مروان باستنكار:
"أخويا مين؟ أنا ما عنديش غير أخ واحد واتبريت منه هو وبنته اللي لسانها عايز قطعه ده." زفر سليم بحنق ثم تابع بإقناع: "قدم السبت تلاقي الحد. وأنا وشرف أمي هشيلهالك جميلة." تلألأت عيناه بمكر قبل أن يقول باستمتاع: "وماله مدام حلفت بالغالي. واهي الجميلة البيضة تنفع في الليلة السودا." سليم باحتقار: "اتفو."
ترجل من السيارة تاركًا مروان خلفه. والذي أخذ يتابع تلك الحرب الطاحنة التي انتهت أخيرًا. وجاء سالم تاركًا خلفه عمار جثة تنازع للبقاء على قيد الحياة. فما أن استقل السيارة بجانبه حتى قال بخشونة: "سليم فين؟ مروان بسخرية: "المزة بعتت له رسالة فخلع. أما إيه ده يا راجل. دانت طلعت أجدع من ذا روك. يا رافع راسنا إنت." سالم بفظاظة: "بطل رغي كتير ويلا بينا." انكمشت ملامح مروان بصدمة وقال باستفهام: "يالا إيه يا راجل؟
الواد ده لو سبناه كده للصبح مش هيطلع عليه نهار." سالم بجفاء: "شالله ما طلع." مروان محاولًا تهدئته: "لا يا كبير متعودتش منك على كده. حقها وجبته بس إنت عمرك ما كنت ظالم. بلاش غضبك يتحكم فيك. على الأقل نسعفه. وخلي بالك إنت ممكن تخسر كتير." لون المكر ملامحه قبل أن يقول باستمتاع: "عندك حق. على الرغم من إنه عمره ما هيقول إن أنا اللي عملت فيه كده عشان صورته ما تتهزش. بس أنا هطلع أجدع منه." "تقصد إيه؟ ترجل
من السيارة وهو يقول بأمر: "خد العربية وروح وديه أقرب مستشفى. خليهم يسعفوه. ولو حد سألك قولهم إنك لقيته مرمي بيموت وجبته على هنا." مروان بتهليل: "آه يا نمس. إنت عايز تعمل عليه نمرة وتوصل لعبد الحميد إنك أنقذت حياة حفيده اللي عمره ما هيقدر ينطق ويقول إنك خرشمته. لا كبير بصحيح." سالم بفظاظة: "نفذ اللي قلتلك عليه."
كانت تذهب إلى بيتها بجلبابها الملوث بروث البهائم ورائحة النتانة التي كانت تلاصقها منذ أن أمر هذا الطاغية بأن تقوم بتنظيف الحظائر. ذلك العمل الشاق الذي كان كعقاب قاس لها جعلها تقول بغضب: "الهي يجيلك و يحط عليك يا عمار يا ابن أم عمار. الهي يحكم عليك الجوي. ياللي تنشك في بطنك. الهي يدك تتكسر يا بعيد. بقيت كيف البهايم من كتر الجرف اللي أنا فيه. روح يا شيخ الهي أشوف فيك يوم يا ظالم."
هكذا خرجت دعواتها من أعماق قلبها الغاضب وملامحها الممتعضة وهي تسير عائدة إلى منزلها بعد يوم شاق. لتتوقف فجأة وهي ترى ذلك الملقى على الأرض غارقًا بدمائه. وبجانبه شخص ما بدا وكأنه يجهز عليه. فتسللت على أطراف أصابعها مقتربة منهم. لتتفاجئ بـ عمار ووجهه الذي كان منتفخًا من كثرة الضرب. فقالت هامسة بغباء: "هو باين استجاب ولا إيه؟ ثم تابعت اقترابها منهم فتبينت ملامحه بالفعل كان هو. فما منها إلا أن تعالت صرخاتها بقوة:
"يا حومتي. الحقونا يا خلق الحقونا يا هوه. الكبير اتقتل. والقاتل أهو. الحقونا." كان يحاول رفع جثته الضخمة بصعوبة. وما أن استطاع تحريكه من على الأرض حتى تفاجأ بتلك الصرخات الآتية من خلفه. والتي أفزعته. فترك عمار بغتة ليصطدم جسده بالأرض محدثًا صوت تألم قوي لم يأبه له. إنما التفت إلى تلك المجنونة التي كانت تصيح هنا وهناك دون وعي. فاقترب منها قائلًا بلهفة: "اقفلي بقك يا ولية إنتِ هتلمي علينا الناس. والله ما عملت حاجة."
صاحت نجمة بتوبيخ: "يلا يا كذاب يا ناقص. أنا بعيني شايفاك وأنت بتقتله. ورب الكعبة لهلم عليك الخلق. الحقونا. الحقونا." ذعر مروان من حديثها وقال بصياح وهو يحاول تكميم فمها: "شايفة مين يا بنت الهبلة هتلبسيني مصيبة وربنا ما عملت حاجة. أنا جاي ألحقه يخربيتك." نجمة بتهكم ونبرة مرتفعة: "ألحقه! عليا أنا بردك. يا سفاح." مروان بصراخ واندهاش: "سفاح مين يخربيت أهلك هتضيعي مستقبلي. والله ما لمسته. ولا جيت جنبه."
"إني هوريك يا قاتل. لازم تاخد عذابك يا سفاح." اقترب مروان منها محاولًا كتمان فمها واضعًا يده خلف رقبتها يثبتها والأخرى على فمها. وهو يقول بغضب: "سفاح يسفحك يا شيخة. دانتِ شيختي أهلي. منك لله يا بعيدة. مش أنا السفاح طب وحياة أمي لو نطقتي بحرف واحد لهكون دافنك هنا."
عند هذا الحد هدأت وهدأ صراخها. ولكن ارتسم الرعب بنظراتها وهي ترى ملامح مروان. الذي أتقن رسم التهديد على ملامحه. وانبثقت من بين عينيه نظرات إجرام جعلتها ترتجف بين يديه. فتركها قائلًا بنبرة صارمة: "إيدك معايا نرفع البغل ده ونوديه المستشفى. خليهم يلحقوه." "لهوي لهوي إنت منهم؟ مروان: "هما مين؟ "اللي يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته." قام بلكزها في كتفها وهو يقول بتقريع:
"قتيل إيه يا متخلفة ما هو صاحي وبيتوجع قدامك أهو. جايبة الغباء ده منين؟ "حاضر. حاضر. يلا وأنا هساعدك. بس سايج عليك النبي ما تعمل حاجة. داني اللي بجري على إخواتي وبوكلهم من عرق جبيني." زفر مروان بغضب واستغفر في سره قبل أن يقول من بين أسنانه: "حاضر. اتفضلي يلا معايا وأنا وعد مش هقتلك. هقطع لسانك بس لو نطقتي تاني. هي إيه الريحة دي؟ هكذا تحدث بعد أن اخترق أنفه رائحتها القذرة. فتراجعت خطوتين إلى الخلف قبل أن تقول بحرج:
"ما قلت لك إني بوكل خواتي من عرق جبيني." مروان باستنكار: "وعرق جبينك ريحته قذرة ليه كده؟ اتنيلي امشي قدامي." أطاعته وبصعوبة قاموا بنقل عمار إلى السيارة. فبدأ يستعيد وعيه قليلًا فقال بتأوه: "أنا فين؟ تهكمت نجمة التي كانت تجلس في الكرسي الخلفي بجانبه في السيارة: "في جهنم الحمرا." "بتجولي إيه يا حرمة إنتِ؟ قالها بشفاه مرتعشة جراء كدمة قوية شوهتها. فتابعت تهكمها قائلة:
"عمايلك العفشة جابتك جهنم. عشان تبجي تفترى على واحدة غلبانة زيي." قهقه مروان على حديثها وقال بمزاح: "دانتي باين عليكي بتحبيه أوي." "حبك حنش إنت التاني. مانتوا سفاحين بتشبهوا بعض. هقول إيه ربنا على الظالم." "مين اللي حبه حنش ياللي تحبك سحلية إنتِ؟ هتخليني أطلع كتاكيتي عليكي. اتلمي يا بت." سخرت قائلة: "لا وعلى إيه. مش مستاهلة كتاكيتك إنت التاني كفاية البهايم اللي ابتليت بيهم. مش ناقصة كتاكيتك كمان."
"وإنتِ اسمك إيه أومال؟ هكذا سألها مروان فأجابته بامتعاض: "نجمة! تهكم مروان قائلاً: "نجمة. نجمة إيه دي إن شاء الله دانتي نيزك." تدخل عمار بألم: "حد يرد عليا يا أغبية. أنا فين؟ أجابه مروان بملل: "إنت في عربيتي راح أوديك المستشفى بعد ما سالم طحنك علقة محترمة." خرجت كلماتها دون وعي: "شالله يسلم عمره." تجاهل عمار حديثهم وقال بتألم: "وقف يا ولد إنت. مستشفى إيه اللي توديني عليها. اتصلي بياسين ابن عمي ييجي ياخدني."
زفر مروان بغضب وبالفعل هاتف ياسين الذي أجاب ممتعضًا: "عايز إيه؟ مروان بجفاء: "ابن عمك مضروب ومتمرمط. جيت أوديه المستشفى مرديش قالي كلمك. إحنا واقفين على ورا القصر بتاعكم اطلع عشان تاخده." هكذا تحدث مروان ثم أغلق الهاتف في وجه ذلك الذي جن جنونه حين سمع حديثه وهرول من الباب الخلفي فوجد سيارة مروان التي صفها بالقرب منهم. فتوجه إليها وصدمه مظهر عمار الغارق بدمائه. فصاح بعنف: "مين اللي عمل فيه كده؟ أجابه مروان بملل:
"اهو عندك اسأله. اتفضل شوف هتوديه فين عشان مستعجل عايز أمشي." اغتاظ ياسين من حديثه. ولكن جاءه صوت عمار المتألم الذي قال: "ياسين. وديني البيت الصغير اللي في آخر الأرض وكلم مرعي وهو هينصرف." "لازم تروح المستشفى إنت مش شايف حالتك." هكذا تحدث ياسين معترضًا. فصاح عمار من بين جراحه: "اسمع اللي هقولك عليه. أنا مش قادر أتكلم."
زفر ياسين بحنق وأطاعه بعد أن أرسل نظرة متوعدة لـ مروان. الذي لم يهتز. وقامت نجمة بالسير خلف ياسين. ولكنها توقفت بقرب مروان قائلة بتوبيخ: "قادر وفاچر. سفاح بحق وحقيقي." "طب اختفي من وشي عشان هطير رقبتك دلوقتي." هكذا قالها مروان بصراخ جعلها تهرول من مكانها ذاهبة في إثر ياسين. ***
كانت تهرول في المنزل حاملة طفلها المرتجف بين يديها وهي تصيح هنا وهناك. فظهرت لها إحدى الخادمات التي أخبرتها بأن شقيقتها وزوجة عمها في الحديقة. فتوجهت إلى باب المنزل تفتحه. وإذا بها تجده أمامها وكأنه جاء كالغوث بعد تضرعات قلبها إلى الله بالنجدة التي تمثلت بكلماته حين قال بلهفة: "جيت لك زي ما وعدتك." كانت كلماته كالبلسم الذي لم تكن تحتاج سواه. فتناثرت عبراتها من مقلتيها وخرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
"محمود بيضيع مني يا سليم." ارتعب من مظهرها والطفل الذي يرتجف بين يديها. فتناوله منها بلهفة لتصعقه حرارته القوية التي جعلته يقول بذعر: "ده بينتفض من شدة السخونية." كانت كلماته مرعبة لقلبها. فتجمدت بمكانها وخرجت الكلمات منها بطريقة آلية: "هيموت!!! امتدت يده الأخرى تمسكها من رسغها بقوة أعادتها إلى رشدها. وقال بصوت قوي: "متقوليش كده تاني. إن شاء الله بسيطة. يلا نوديه المستشفى."
أومأت برأسها قبل أن تطيعة وهرولت خلفه إلى الخارج. فقابلتهم فرح التي استوقفها مظهرهم. فقالت بقلب مرتعب: "حصل إيه؟ تحدث سليم وهو يتجاوزها: "محمود سخن مولع ورايحين بيه المستشفى." لم تستطع أن تجيب شقيقتها. فقط أخذت تومئ برأسها بهستيريا وهي تلحق به. فتبعتها فرح وهي تصيح لزوجة عمها: "طنتي تهاني محمود تعبان ورايحين نوديه المستشفى. عرفي جدي والباقي." أجابتها تهاني بلوعة: "ربنا يطمنكوا عليه يا بتي. روحي ولا يهمك."
انطلق الثلاثة إلى الخارج ليجدوا سالم الذي كان بصدد مهاتفتها يريد رؤيتها. فإذا به يجد سليم يهرول بالطفل إلى الخارج وهي وجنة خلفه. فتقدم منهم قائلًا بصوت قلق: "فيه إيه؟ أجابه سليم بلهفة: "محمود سخن مولع. فين مروان؟ لم يكد سالم يجيبه إذ ظهر مروان. الذي جاء بسيارته ليجد الجميع موجود. فأذا به يتفاجأ بسالم. الذي توجه إليه فاتحًا باب السيارة وهو يأمره: "انزل اركب جنبي. سليم اركب جنب جنة وفرح ورا."
أطاعه الجميع وفعلوا مثلما أمر. وبأقصى سرعته قاد السيارة إلى المستشفى. الذي ما أن وصلوا إليه حتى هرول الجميع يطالبون بطبيب في الحال. فانتشر الهرج والمرج داخل المستشفى. ووصل الطبيب بعد وقت قليل. وقام بالكشف على الطفل وسط حالة من الرعب المخيم على قلب جنة. التي كانت تشعر بأصفاد الذنب الساخنة تعتصر فؤادها. فذلك الطفل الذي رفضته يهددها القدر بفقدانه. هذا هو حال كل من يعارض مشيئة الرحمن ويجحد بنعمه.
كان الجميع بالخارج ينتظر خروج الطبيب بقلوب مرتعبه وأجساد مرتجفة. فقد كان هذا هو حال جنة. التي اقترب منها سليم يحتضنها بقوة حانية. ولدهشته فقد قامت برمي رأسها على كتفه بكامل ثقلها وما يحمله من ضجيج دوى طنينه بقلبها. الذي احتضنه بحنانه حين قام بوضع قبلة قوية فوق خصلات شعرها. اتبعها بكلمات مهدئة: "هيبقى كويس بإذن الله. قولي يارب." خرجت الكلمة من جوفها وأعماق قلبها: "يارب."
كان حالها يبكي الحجر. فتناثر الدمع من عيني فرح. التي أشْفَقَت على حال شقيقتها من عذابها الذي لا ينتهي. فكان لها هي الأخرى نصيب من حنانه الذي تجلى في صوته الذي تهادى بهمس على مسامعها: "مينفعش العيون الحلوة دي تعيط عمال على بطال كده." دغدغتها كلماته التي كانت بنبرة عاشقة اخترقت قلبها. فالتفتت تناظره قائلة بحزن: "جنة صعبانة عليا أوي. مبتلحقش تتهنى. نفسي القدر يعوضها عن كل اللي شافته." تابع بنبرته العميقة ولهجته الخشنة:
"بصي كويس هتلاقيها مش لوحدها. وده في حد ذاته عوض من ربنا." كلماته وصفت الوضع بدقة. فقرب سليم من شقيقتها بتلك الدرجة كان عوضًا كبيرًا. خاصة وهي تراها تستند عليه بكامل حزنها وثقل آلامها. فخرجت الكلمات خافتة من شفتيها: "يارب يهديهم لبعض. ويقدر يعوضها عن كل اللي شافته." أجابها بهمسه الخشن: "هيحصل إن شاء الله."
ودت لو تروي عينيها من تفاصيله التي اشتاقتها كثيرًا. فالتفتت تناظره بخجل سرعان ما تحول لذعر كبير حين رأت بعض الدماء على ملابسه. فقالت بصدمة: "سالم إيه الدم ده؟ انكمشت ملامحه وبدا الملل على وجهه. ولكنه أجابها بفظاظة: "متشغليش بالك. خلينا في المهم." بقلب مرتعب أجابته: "سالم متقلقنيش. إيه أهم عندي من سلامتك." ناظرها بعينين غازلتها قبل أن تغازلها شفتيه حين قال بهمس: "فيه طبعًا. عيونك الحلوين اللي وحشوني دول."
كلماته العاشقة دغدغت حواسها. ولكنها كانت تعلم محاولاته في صرف انتباهها عن ما حدث. فتابعت بعناد: "أرجوك متهربش وجاوبني. الدم ده إيه مصدره؟ أطلق زفرة حانقة قبل أن يقول بخشونة: "الأيد اللي اتمدت عليكِ كسرتها." شهقت بعنف جراء كلماته وقالت تعاتبه: "كده يا سالم ده اللي اتفقت معاك عليه؟ مش قلت بلاش." قاطعها بحزم: "قلتِ. لكن أنا مش مجبر أسمع كلامك يا فرح. الموضوع انتهى. كان حساب واتصفى." غضبت من تسلطه وقالت باستنكار:
"وإن خسرنا كل حاجة بسبب تهورك ده إيه الحل؟ أجابها بملل: "مفيش أي خسائر. أنا عارف أنا بعمل إيه. وبعدين يحصل اللي يحصل. آخرها هولع في البلد واللي فيها وأولهم جدك وأخدك بردو." كان اعترافًا عنيفًا بالحب الذي لم تحلم به طوال حياتها والذي اخترق قلبها المتيم بنيران عشقه. ولكنها أرادت التمنع قليلًا. فتمتمت بغضب مفتعل: "كائن بدائي. محسسني إننا عايشين في غابة." ابتسم على ملامحها التي تخفي ولعًا كبيرًا به وبتملكه.
فتابع بهسيس خطر: "قولت لك هاخدك من بق الأسد. إنتِ اللي مفهمتيش." نجح في رسم ابتسامة غادرة غافلتها وارتسمت على ملامحها. فالتفتت تنظر أمامها وهي تقول: "عارفة إني مش هغلبك." ابتسم بخفوت قبل أن يجيبها بصوته الأجش: "كل ده وماغلبتنيش! دانتي جبتيني على جدور رقبتي من بحري لحد الصعيد." امتلئ قلبها بسعادة طاغية لدي سماعها كلماته العاشقة ومدى تأثيرها به. وخرجت الكلمات متوعدة من بين شفتيها: "ولسه."
قاطع حديثهم خروج الطبيب من الغرفة. والذي أخبرهم بأن الطفل يعاني من الحمى. وطمأنهم بأنهم سيطروا على الأوضاع وسيبقى لبضع ساعات تحت الملاحظة. ومن ثم يمكنهم المغادرة. فزفر الجميع بارتياح وهدأت دقات قلب جنة المرتعبة. فرفعت رأسها تشكر ربها على إنقاذه لها. وفجأة جاء صوت رسالة نصية على هاتفها. فرفعته تنظر إليه. وإذا بها تتجمد من فرط الصدمة حين وقعت عينيها على. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!