الفصل 25 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
22
كلمة
9,899
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

حقًا لا أعرف متى تنتهي معاناتي مع الحياة؟ فتارة تجمعني بأُناس ينطفئ قلبي بوجودهم ولا أتحمل الحياة معهم. وتارة تمنع عني أُناس لا تحلو الحياة إلا برفقتهم ولا يضيء قلبي إلا في حضرتهم. ترى، هل يمكن أن أتصالح معها يومًا ما وأحتضن جزءًا كانت قد بترته مني، فتكتمل به روحي وأروي به ظمأ قلبي؟

ارتعب الجميع حين وقعت أعينهم على مروان، الذي كان يئن بألم وأسفله بقعة من الدماء، وبجانبه سما التي كانت تبكي بانهيار وترتجف ذعرًا مما حدث. ولكن المشهد الأكثر رعبًا كان هذا الرجل المذعور الذي يمسك سكينًا ملطخًا بدماء بريئة لم ترتكب إثمًا لتطالها يد الغدر، تمامًا كما حدث مع ابنته التي تم اغتصابها بوحشية لترقد في غيبوبة لجأ إليها عقلها الذي لم يستطع تقبل تلك الفاجعة التي ألمت بها. "أنت!

هكذا صاح سالم حين رأى محمد، والد لبنى، راكعًا على ركبتيه ممسكًا سكينًا تقطر بالدماء التي امتزجت معها مياه عينيه، والحرس ينهالون بالضرب فوقه. فتفرق الجميع وانقسم جمعهم إلى مجموعتين. إحداها، والتي كانت مكونة من أمينة وهمت وفرح وجنة وطارق، اتجهت إلى مروان الذي كان يئن بألم. والأخرى كانت مكونة من سليم وسالم، الذي قام بجذب محمد من تلابيبه وهو يصرخ بزئير ارتجف له الجميع. "عملت كدا ليه؟ خرجت الكلمات مرتجفة تمامًا كحالته.

"بنتقم منكم لبنتي اللي غدرتوا بيها." زمجر سالم بوحشية. "مين اللي غدر بمين؟ مش انت اللي خدت بنتك ومراتك وهربت بعد ما غيرت أقوالها واتهمت واحد بريء ملوش ذنب؟ شعر بالكلمات كالحوافر التي نبشت في جراح أبت الشفاء، فصرخ من عمق الوجع الكامن بصدره. "كفاية افتري بقى! بنتي غيرت أقوالها بعد ما بعت رجالتك يهددونا! "إيه؟

هكذا تحدث سالم بصدمة، تبددت لحظة اندفاع طارق نحو محمد يحاول الثأر لأخيه، الذي لحسن الحظ لم تكن إصابته خطيرة كما بدت للوهلة الأولى. فقد اخترق السكين كتفه فلم يلامس أي منطقة حيوية في جسده. "هقتلك يا حيوان، وديني ما هسيبك." تدخل سليم، الذي فطن للأمر، وقام بإيقاف طارق وهو يتحدث بصرامة. "سالم هيتولى أمره يا طارق، بينا نودي مروان المستشفى." تدخل سالم آمرًا.

"الحريم كلهم يدخلوا جوه. طارق انت وسليم ودوا مروان المستشفى، وأنا هحصلكم." خرجت الكلمات منها بلهفة. "أنا هروح معاهم يا أبيه سالم، أرجوك. مش هسيبه لوحده." نظرت همت لابنتها بصدمة. فلم تعرها سما أي اهتمام، بل اندفعت حين سمح لها سالم خلف سليم وطارق، الذي كان يسند مروان المتألم. الأعين يشوبها الكثير من الاستفهامات التي لم يفصح عنها اللسان، فقد كان غضبه مريعًا ولم يستطع أحد مناقشة أوامره، حتى هي!

أخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، والأفكار تطن برأسها كالذباب، عن أي شيء يتحدث هذا الرجل؟ ومن تلك الفتاة؟ وعن أي اتهام يتحدث؟ "كفاية لف ودوران، خيلتيني يا فرح! هنا تحدثت أمينة، فحالتها لم تكن تقل عن الجميع توترًا، ولكنها تحاول الثبات قدر الإمكان حتى يهدأ من حولها. فهبت جنة متوجهة إليها قائلة بهدوء. "شكلك تعبان يا ماما، تعالي أطلعك فوق ترتاحي شوية." "لا يا حبيبتي، أنا هستنى أطمن على مروان."

هكذا تحدثت أمينة بلطف. فصدح صوت فرح منادية على أحد الخدم، فجاءت إحداهن لتأمرها بلطف. "اعملي كوباية لمون لماما الحاجة." ثم تقدمت من أمينة وهي تقول بهدوء. "حقك عليا يا ماما، أنا أصلي قلقانة أوي على سالم وهو مع الراجل ده جوا لوحدهم." "ربنا يستر يا بنتي ويجيب العواقب سليمة." *** "عملت كدا ليه؟ وإياك تكذب عليا، عشان وقتها هتشوف مني وش مش هيعجبك."

هكذا تحدث سالم بفظاظة، وهو ينظر إلى محمد، الذي كان منكفًا رأسه، الذي أثقله الذنب. فقد أصاب شخصًا لم يفعل له شيئًا، ولكن اليأس الذي اختلط مع ذلك القهر المستوطن في قلبه، فشوش الرؤية أمامه وغيب عقله، الذي كان يصرخ مطالبًا بالثأر بأي طريقة. "الوضع اللي أنا فيه ميسمحليش أكذب، ولا يسمحلك انت كمان يا بيه. خلاص أنا خسرت كل حاجة، وانتوا السبب." تعاظم الغضب بداخله، وخرج صوته مثقلاً به حين قال. "السبب في إيه؟ انت هتستهبل!

أنا اتفقت معاك اتفاق وانت اللي أخلت بيه وهربت بعد ما بوظت كل حاجة." "هربت بعد ما بعت رجالتك يهددوني ويهددوا بنتي أنها لو مغيرتش أقوالها هيقتلونا كلنا! جيت في المستشفى ضحكت علينا بكلمتين، ودورت من الناحية التانية، وطعنتنا في ضهرنا. ليه عملت كدا؟ مصعبتش عليك البنت اللي قولت عليها إنها زي بنتك؟ يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل."

توقف عقله عند جملته الأولى، التي وضعت سيف الحيرة الباتر على رقبته. فأغمض عينيه للحظات، قبل أن يقول بجمود. "وأيه مصلحتي من دا؟ يعني انت من الأساس مكنتش هتقدر تعملي حاجة عشان اللي عمل كدا في بنتك مبقاش موجود. ليه أنا هعمل معاكوا كدا؟ كنت من الأول مسألتش فيكوا ولا انت إيه رأيك؟ بدأ محقًا في حديثه، للحد الذي جعل الألم والحيرة ترتسم على وجه محمد، الذي وضع رأسه بين يديه بقهر تجلى في نبرته، وهو يقول.

"مبقتش عارف أقول إيه ولا إيه الصح. لطفك يارب." تأثر داخليًا بمظهره، ولكن خرجت كلماته جافة حين قال. "احكيلي اللي حصل بالظبط." ***

مرت الدقائق كساعات مع ذلك الانتظار المميت، الذي كان يأكلهم بصمت، لا يسمع فيه سوى أنفاس متوترة وصدور متأججة بنيران الخوف، الذي تعاظم حين دخل الحرس إلى المكتب ليخرجوا بعد لحظات محاوطين ذلك الرجل. فهرولت فرح إلى سالم، الذي كان يتأهب للمغادرة، فإذا بها تندفع إليه، فحاوطتها يداه بقوة، واتكأ برأسه على كتفها للحظات، قطعها سؤالها المرتبك. "فيه إيه يا سالم؟ ومين الراجل ده؟ زفرة قوية خرجت من جوفه، أتبعها قوله الصارم.

"متسأليش يا فرح. سبيني أرتاح في حضنك شوية." لم تجرؤ على الحديث أمام تعبه، الذي بدا واضحًا من اتكائه عليها. فأخذت أناملها الحانية تهدهد أكتافه برفق، علها تزيل توتره الذي يأبى الإفصاح عنه. فمرت لحظات صامتة، اختطفها من براثن الزمن ليستكين بين ذراعيها، قبل أن يرفع رأسه قائلًا بخشونة. "هروح أطمن على مروان. خلي بالك من ماما، ولو سألت حصل إيه، قولي لها عداوة مع ناس في الشغل."

لم يعجبها حديثه، فانكمشت ملامحها بامتعاض. تجاهله وهو يقول بصرامة. "مش وقته كلام دلوقتي. فيه حاجات مهمة لازم أعملها." زفرت بقلة حيلة. فاقترب واضعًا قبلة قوية بين عينيها، وامتدت أنامله تتأرجح على شفتيها برقة، حين قال بخفوت. "عايز لما أرجع ألاقيكِ مستناني." بنبرة يشوبها العتاب، أجابته. "أنا دايمًا مستنياك." شعر بعتابها، فقال بخشونة. "حاسس بنبرة اعتراض." "حاسس مش متأكد." استفزته تلك النبرة التهكمية، فقال بفظاظة.

"عدي يومك عشان أنا على أخرى منك." ارتفع أحد حاجبيها بسخط. تجاهله وهو يتقدمها، فأبت الصمت لتقول بنبرة يشوبها المكر. "ابقى طمني على مروان." لونت ملامحه ابتسامة بسيطة، قبل أن يشملها بنظرة متوعدة تشبه لهجته، حين قال. "أفضالك يا فرح، وهربيكِ من أول وجديد. الصبر بس."

لم يعطها الفرصة للحديث، إنما انطلق إلى وجهته، ليتركها خلفه تتنفس النيران من أنفها. فهي تعشقه للحد الذي يجعلها تشعر بالسخط من كل تلك الأعباء التي تقيده وتجذبه بعيدًا عنها، تتلظى بنيران الشوق والغضب معًا. خرجت تتشاجر مع خطواتها، لتصطدم بأمينة، التي قالت بلهفة. "طمنيني يا فرح، قالك إيه؟ عدلت من لهجتها لتبدو عادية، حين قالت. "عداوة شغل يا ماما. اطمني، الموضوع اتحل."

تعلم بأن الأمر تكبر، وترتاب في حديث هذا الرجل عن تلك الفتاة المزعومة، ولكنها لن تناقش الآن. "يالا يا حاجة، اطلعي عشان ترتاحي. الفجر قرب يأذن، وأنتِ منمتيش من امبارح." هكذا تحدثت نعمة، فأومأت أمينة بصمت وتوجهت معها للأعلى. فاقتربت جنة من فرح قائلة بخوف. "فرح، أنا حاسة إن اللي حصل ده وراه حاجات كتير أوي، متطمنيش." احتضنت فرح كتفيها وهي تصعد للأعلى، قائلة بحنان.

"متقلقيش يا جنة. سالم طمني إن الموضوع مجرد عداوة في الشغل، وهو أكيد هيحل كل حاجة." "اومال بنت مين اللي بيتكلموا عليها دي؟ احتارت بماذا تجيبها، فقالت بطمأنة. "متشغليش بالك يا جنة، موضوع بعيد عننا، وإن شاء الله سالم وسليم هيحلوه." جنة بقلق. "خايفة على سليم أوي. غضبه وتهوره بيخليني مش عايزاه يخرج من البيت حتى." كان ألمها يلون ملامحها، فأرادت فرح التخفيف عنها قليلًا، فقالت بمزاح.

"الله الله، اومال إيه التطورات الرهيبة دي؟ والخوف والحنية دول من إمتى يا جنة هانم؟ تجاهلت خجلها قائلة. "أيوة طبعًا، مش جوزي حبيبي، ولازم أخاف عليه! ارتفع أحد حاجبيها الجميلين وهي تقول بمشاكسة. "جوزي حبيبي مرة واحدة، دا في تطورات بقي وأنا معرفش! ويترى الغالي لسه بينام عالأرض، ولا عفيتي عنه خلاص؟ اغتاظت من كلماتها، فقالت باندفاع. "لا طبعًا، أرض إيه؟ بينام في حضني يا أختي." ضحكت فرح بسعادة، وقالت بحماس. "أوبا، يبقي حصل!

فرحي قلبي وقولي إنه حصل." لون الخجل ملامحها، وقالت بحدة مفتعلة. "بطلي يا فرح." "يبقي حصل.. اخس عليكِ وأنا معرفش.. سليم دا غيرك وبقيتي تخبي عني كل حاجة.. أنا لازم أوقع بينكوا." هكذا تحدثت فرح بمزاح. فهبت جنة بلهفة. "محدش في الدنيا يقدر يوقع بينا. وبعدين دي أسرار، يعني أنا مفروض أقول كل حاجة؟

"عندك حق يا قلبي، أنا بهزر معاكِ. أسرارك أنتِ وجوزك متطلعش بره أوضة نومك. ربنا يهنيكوا مع بعض. فرحتلك أوي يا جنة. سليم بيحبك ويستاهل تنسي كل حاجة وتعيشي معاه في سعادة." احتضنتها جنة بحب، وبادلتها فرح العناق بأقوى منه، وهي تحمد الله على سعادة شقيقتها. "اسمحلولي أقاطع الحضن الأخوي ده وأسأل عن مروان؟ برقت عينا فرح حين سمعت صوت شيرين من خلفهم، فحاولت تمالك نفسها قبل أن تلتفت قائلة باختصار. "كويس!

اغتاظت شيرين من حديثها، ولكن لم تعلق. بل التفتت أنظارها إلى جنة، ورقت نبرتها حين قالت. "عاملة إيه دلوقتي؟ خيم الاندهاش على ملامح الشقيقتين، وسرعان ما تجاهلته جنة قائلة بهدوء. "الحمد لله، أحسن. شكرًا على سؤالك." أومأت شيرين بابتسامة بسيطة، قبل أن تقول بلهجة جامدة. "ياريت لو حد اطمن على مروان يطمني. سما للأسف ناسيه فونها هنا، مش عارفة أكلمها." "حاضر، هكلم سليم وأطمنك."

أومأت شيرين وتوجهت إلى غرفتها، لتنظر إلى ريتال التي كانت تتوسط مخدعها نائمة بعمق. فقامت بتناول هاتفها، وقامت بإرسال رسالة نصية، صدح بعدها رنين الهاتف بإلحاح. تجاهلته بحنق، وتوجهت إلى المرحاض لتنعش جسدها بحمام ساخن تحتاجه بشدة. ***

جاء الصباح بنوره ليطغى على ظلام الأمس. فتوسطت الشمس كبد السماء، ناثرة أشعتها الدافئة على برودة قلوب أبت التسليم أمام أصفاد الماضي، لتعلن عن بداية جديدة مع يوم جديد لا تعلم خباياه. فقط تتضرع إلى الله أن يأتي حاملًا معه الخير. "حمد لله عالسلامة." هكذا تحدثت سما إلى مروان، الذي استيقظ لتوه. فكان صوتها العذب بلسمًا لجرحه المؤلم، الذي تجاهل أنينه والتفت إليها قائلًا بمزاحه المعتاد. "إيه الحلويات اللي عالصبح دي؟

ولا أنا بايني مت وجت الجنة؟ تقاذفت الكلمات من بين شفتيها بلهفة. "بعد الشر عنك.. متقولش كدا." ناظرها بصدمة، بينما ارتسم الغباء على ملامحه ولهجته حين قال. "هو الراجل غزني في نفوخي ولا إيه؟ بت يا سما، أنتِ سخنة ولا أنا اللي جعان باين! لونت الإبتسامة ملامحها على مزاحه، الذي يخرجها دائمًا من حزنها. "أنت مفيش فايدة فيك؟ حتي وانت في الحالة دي بتضحك وتهزر؟ مروان بغزل. "دانا اتقلب قرد عشان أشوف الضحكة الحلوة دي."

"أنت قرد من غير حاجة، مش محتاج تتعب نفسك." اخترق صوت سليم الساخر حديثهم، فبدد أجوائه الرومانسية، مما جعل مروان يناظره بحنق تجلى في نبرته حين قال. "دمك يلطش، وكلنا عارفين إيه لازمته تستخفه بقي؟ سليم ساخرًا. "شوية من اللي بتعمله فينا! تمتم مروان بحنق. "عملك أسود ومنيل يا بعيد." "لسانك الطويل رجع تاني، يبقي أنت كده خفيت." كان هذا صوت سالم الساخر، الذي دخل الغرفة، يتبعه طارق، الذي قال بتهكم.

"على أساس أنه كان فيه حاجة أصلًا، ولا الخربوش ده يعتبر جرح." وافقه سالم، موجهًا حديثه إلى مروان. "أجمد شوية، هتشمت فينا الأجانب." طافت عينه على ثلاثتهم، وقال بحنق. "آه انتوا اتفقتوا عليا انتوا التلاتة.. فاكرين أن مفيش حد يدافع عني.. براحتكوا، بس حقي هعرف آخده." طرقة خفيفة على باب الغرفة لفتت انتباههم، وسرعان ما لونت الدهشة ملامح الجميع، حين أطلت شيرين برأسها من الباب، وهي تلقي التحية، ثم تنظر إلى مروان قائلة باهتمام.

"عامل إيه دلوقتي؟ تمتم مروان بسخرية. "آه، هي ابتدت تندع.. تعالي يا شيري يا حبيبتي، أنا الحمد لله بقيت أحسن لما شوفتك." قال جملته الأخيرة بنبرة أعلى، وعينه تلتقط تلك التي لون الامتعاض ملامحها، فابتهج قلبه كثيرًا، بينما اجتاحت شيرين موجة من الذبذبات المتوترة، التي تفشت في سائر جسدها، حين مرت بذلك الذي غافلته عينه، وحاوطتها باهتمام كبير، تحول لحنق لا يعرف كنهه، حين توجهت تجلس بجانب مروان، وهي تقول بالقرب من أذنه.

"بطل لسانك الطويل ده، واحترم نفسك، البت قاعدة جنبك من امبارح." مروان بخفوت. "بس يا بت، أنتِ من معسكر الأعداء، يبقي تخرسي خالص. أنا عارف بعمل إيه؟ ناظرته بصدمة، سرعان ما تحولت لحزن، بددته كلمات طارق، الذي قال ساخرًا. "ما تعرفونا بتقولوا إيه؟ ولا إحنا مش قاعدين معاكم؟ "آه صحيح، انتوا إيه اللي مقعدكوا معانا؟ ما تهوونا شوية؟ تحدث مروان، موجهًا كلماته للجميع، فنهره سالم قائلًا. "اسكت أحسنلك."

"ماهو زي القرد أهو، كان لازم تجرجرونا ع المستشفيات وخلاص." التفت الجميع على صوت همت، التي دخلت إلى منتصف الغرفة، وخلفها أمينة، وبجانبها كلًا من جنة وفرح، التي اشتبكت عينيها مع عينيه المشتاقة، فلبت دعوته على الفور، حين مد يديه لتتقدم وتجلس بجانبه، فحاوط كتفها بحب، لم تفصح عنه شفتاه. "إيه اللي جاب الولية دي هنا؟ كان هذا صوت مروان الممتعض، فحاول الجميع كبت ابتسامته، وخاصة أمينة، التي اقتربت تعانقه، وهي تقول بجانب أذنه.

"احترم نفسك واتلم، خليها تعدي على خير." "أيوة بردو، يعني مش مكفيكم اللي أنا فيه، رايحين جايبنهالي هنا كمان." هكذا تمتم بخفوت، ثم رفع عينيه لينظر إلى همت بابتسامة مزيفة، تشبه نبرته، حين قال. "أهلاً يا عمتي، خطوة عزيزة. النجف بيرقص من الفرح عشان جيتي والله.. دا حتى جرحي التهب أول ما شوفتك." همت بسخرية. "عقبال لسانك يا قلب عمتك، لما يلتهب هو كمان عشان نرتاح." تمتم مروان بخفوت. "حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم."

أجلس سالم والدته بجانب فرح، وهو يقول بعتب. "تعبتي نفسك ليه يا ماما؟ "وهتعب نفسي لاعز من مروان؟ صاح مروان، يرد على أمينة. "تعيشي يا مرات عمي يا أصيلة." تغلب عليه شوقه حين رآها، وتقدم ليحتضنها بحنان، تجلى في نبرته، حين قال بجانب أذنها. "أعمل فيكِ إيه على عدم سمعانك الكلام ده؟ مش قولتلك خليكِ، وإحنا هنجيبه ونيجي عالبيت." ناظرته جنة بخجل من أفعاله أمام الجميع، وقالت بخفوت.

"مقدرتش أستنى في البيت لوحدي، قولت أجي معاهم، وبالمرة أطمن عليه." "أهو زي القرد قدامك أهو." تحدث سليم بصوت عالٍ، فصاح مروان بحنق. "هو في إيه؟ انتوا جايين تزوروني ولا تقروا عليا؟ أجابته فرح بمزاح. "لا جايين نطمن عليك طبعًا، عندك شك في كدا؟ مروان بسخرية. "صدقتك، أنا وأنتِ قاعدة جمب حبيب القلب، ولا حتى قولتيلي سلامتك.. وكل مخططاتنا راحت في الفاضي صح؟ تدخل سليم، موجهًا حديثه إلى سالم.

"على فكرة، كان بيوقع بينك وبينها طول ما أنت كنت مسافر، وعمال يسخنها عليك." صاح مروان بإندفاع. "اتقي الله يا مفتري.. بتحطني قدام القطر، ماشي ليك يوم." اشتدت يديه المحيطة بها، وهو يشدد على كل حرف يخرج من بين شفتيه. "محدش يقدر يوقع بيني وبين فرح.. ولا إيه؟ لحظة تعانقت بها نظراتهم المشتاقة، قبل أن تجيبه بتأكيد. "أكيد طبعًا." "ما خلاص بقي. انتوا كلكوا عليه ولا إيه؟

طب والله البيت من غيرك وحش لدرجة أن محدش فينا قدر يقعد وأنت مش فيه، وجينا كلنا على هنا." هكذا تحدثت جنة، فتمتم سليم حانقًا. "الصبر من عندك يارب."

انطلقت الضحكات وسط مزاح مروان ومشاكسته للجميع. ولدهشتها، وجدت نفسها مستمتعة لجو العائلة الدافئ المحيط بهم. ولكن بدد الجو حولها اهتزاز هاتفها. فنظرت للمتصل، وهوى قلبها رعبًا. فحاولت تجاهله، ليعيد الهاتف اهتزازه، فتوجهت للخارج للإجابة على هذا الاتصال الملح، ظنًا منها أن لا أحد يلاحظ غيابها. ولكنها كانت مخطئة، فقد كانت عينه تلتقط كل همسة تصدر منها بلا وعي منه. ولم يستطع مقاومة فضوله حين رآها تخرج، فما هي إلا لحظات حتى قادته قدماه خلفها، ليجدها تتحدث إلى الهاتف وهي تقول بحنق.

"اللي حصل قولتهولك.. وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ حتى دا كمان ليا فيه؟ بدأ أنها تستمع إلى الطرف الآخر بحنق، تجلى في نبرتها حين قالت. "أعتقد أن دي مش مشكلتي، ومش هتدخل تاني في حاجة زي دي.. كفاية اللي حصل قبل كدا." أنهت جملتها، وقامت بإغلاق الهاتف، والتفتت لتنفلت منها شهقة خافتة، حين رأته يقف بطلته الخاطفة، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، يناظرها بجمود، خالط لهجته حين قال. "بتكلمي مين؟

تجاهلت شيئًا مزعجًا يجذبها إليه، وقالت بجفاء. "ميخصكش." "مين قالك كدا؟ دا يخصني، وأوي كمان." استفهم بفظاظة، فخرجت منها ضحكة مستنكرة، حين قالت. "ده بأمارة إيه؟ جاءت نبرته فظة دون أن يقصد، حين أجابها. "بأمارة أنك اتطلقتي، وبقيتي من ضمن مسئولياتي! "مسئولياتي؟ استفهمت باستنكار، متجاهلة تلك الضربات المتلاحقة بصدرها. فصحح كلماته قائلًا. "أقصد مسئولياتنا! زفرت بحنق، تجلى في نبرتها حين قالت.

"أنا مش لسه طفلة صغيرة ولا مسئولية حد.. أنا مسئولة من نفسي، وياريت تبعد عني أحسنلك." "وإلا؟ نبرته كان يشوبها تحدٍ، أربكها. فقالت بتوتر. "تقصد إيه؟ طارق بفظاظة. "كملي الجملة.. ابعد عنك أحسنلي، وإلا؟ لم تجد ما تقوله، فقالت بنفاذ صبر. "معنديش رد.. وماليش خلق للأفلام بتاعتك دي.. أنا ماشية." أوقفتها يداه، التي قبضت على رسغها بقوة، شابهت نبرته حين قال. "بما أنك معندكيش رد.. يبقي تسمعي المفيد." سخرت قائلة. "اللي هو؟

تجاهل سخريتها، وقال مشددًا على حروفه. "أنا واخد بالي منك أوي.. وبالمناسبة، أنتِ مش عجباني.. فخلي بالك من كل حاجة بتعمليها، عشان هحاسبك عليها.. ومن هنا ورايح، كل حرف وكل خطوة محسوبة عليكِ.. حطي كلامي ده حلقة في ودنك." دق قلبها بقوة، لم تختبرها مسبقًا، وزحفت دماءها المحتقنة إلى خديها. فحاولت السيطرة على مشاعر غريبة اجتاحتها، حين لجأت إلى استفزازه، قائلة. "وإلا؟ نجحت في مسعاها، فشدد من قبضته ليؤلمها، قبل أن يقول بفظاظة.

"هكسر دماغك." "بأي حق؟ سؤالًا لا يعرف إجابته، ولا يحاول البحث عنها. لذا لجأ إلى المراوغة، حين قال. "لو كنتِ ناسيه، أنتِ بنت الوزان، وده كفيل يديني ألف حق، إنك لما تتعوجي أعدلك." سحبت يدها بعنف من يديه، وقالت غاضبة. "أوعى تفكر تلمسني تاني.. ولا اسم الوزان بيديلك الحق تقل أدبك كمان؟

للحظة، استرجع مذاق قبلتها، فسرت قشعريرة لذيذة بجسده، ولا إراديًا توجهت عينه إلى شفتيها، لتعبر قشعريرته إلى جسدها هي الأخرى، ودون وعي، تراجعت للخلف. فلونت ملامحه ابتسامة خافتة، قبل أن يقول بخشونة. "كانت غلطة.. بس مندمتش ولا هندم عليها أبدًا." لا تعرف ما عليها أن تفعله، فقد ضرب ثباتها في مقتل، ولعب على نقاط ضعفها ببراعة. لذا لم تجد مفرًا أمامها من الهرب، فتجاوزته وهرولت إلى الخارج، تنوي الابتعاد عنه قدر الإمكان.

"سالم، أنا جهزت عقود الصفقة، فاضل بس تشوفها وتقول لو عندك أي تعديل." هكذا تحدث سليم، موجهًا حديثه إلى سالم، الذي قال بامتنان. "عملت فيا خير.. لما أروح، هبقى أراجع عليها، وجهز نفسك عشان أنت اللي هتتولى إدارة المجموعة الفترة الجاية دي." خرج استفهامها رغمًا عنها. "ليه؟ وأنت هتكون فين؟ نظر سالم إليها بطمأنة، قبل أن يقول بغموض. "لما نروح هنتكلم."

أزداد توترها ما أن سمعت حديثهم، فقد جاء وقت التنفيذ، لذا تجاهلت ارتباكها، وقالت. "عايزة أتكلم معاك يا سالم.. لوحدنا! التفت سالم إلى همت، إثر حديثها الذي أثار استفهام الجميع، فقال بفظاظة، قاطعًا أي مجال للحديث الجانبي. "تعالي معايا." خرج سالم برفقة همت، فتمتمت فرح بقلق. "يا ترى عايزها في إيه؟ أجابتها أمينة بنبرة مختنقة. "أياً كان اللي عايزاه فيه، فهو مش خير."

لون الحزن معالمها، فتألم لرؤيتها هكذا، واستغل انشغال الجميع، فيما امتدت يديه تجذب انتباهها، وحين التفتت إليه، اقترب منها قائلًا بخفوت. "بحبك." برقت عينيها وهي تناظره، وانفلت اسمه من بين شفتيها دون وعي. "مروان." احتضنتها عينيه بحب، لا تعرف كيف غفلت عنه سابقًا، وانسابت الكلمات من بين شفتيه. "عارف أنه مش وقته، بس أنا فعلًا بحبك.. عارف أني اتأخرت عشان أقولهالك، بس قلبي كان محتاج يطمن الأول."

خرجت الكلمات همسًا من بين شفتيها، حين قالت. "وقلبك اطمن؟ غازلتها عينيه، حين قال بهمس. "لسه محتاج شوية إقناع." اخفضت بصرها خجلًا، فتابع بخفوت. "مش هتقنعيه طيب؟ "تقنعك بإيه؟ صدح صوت سليم خلفهم، مما جعل سما تنتفض إلى الخلف، وهي تنظر في كل الاتجاهات من فرط الخجل، بينما سب مروان بخفوت، قبل أن يلتفت قائلًا بحنق. "وأنت مالك.. رامي ودنك معانا ليه؟ سليم باستفزاز. "أصلك غالي عليا، وفيه دين في رقبتي لازم يتسدد."

لكزته جنة في كتفه، قائلة بتقريع. "بطل ترخم عليه بقي! أقترب من أذنيها، قائلًا بهمس. "هاتي بوسة، وأنا أبطل." غمرها الخجل، وروى خديها، فنبت الزهر فوقهما. فبللت حلقها الذي جف من كلماته، فقالت بخفوت. "سليم، متستهبلش! غمرتها عينيه العاشقة، وشدد من احتضانه لكتفها، قبل أن يقول بغزل. "سليم هيعمل إيه بس، ما أنتِ اللي حلوة وزي القمر.. حد قالك تبقي حلو كدا؟ نهرته قائلة. "بطل بقي، الناس حوالينا." استغل كلماته ليقول بلهفة.

"يعني المشكلة في الناس.. طب يالا بينا." أمسك يديها، وهب واقفًا، وهو يقول بعجالة. "هاخد جنة وأروح عشان ترتاح.. هتيجي معانا يا ماما؟ أمينة بسعادة من رؤيتهما. "لا يا حبيبي، أنا هرجع مع السواق.. روحوا انتوا." التفتت جنة، ناظرة إلى مروان بخبث، تجلى في نبرتها، حين قالت. "كان نفسنا نقعد معاك أكتر من كدا، بس لازم نسيبك ترتاح.. ارتاح بقي وريح هاه! هب مروان مغتاظًا.

"بالسلامة، أنستونا ونورتونا.. اتكلوا على الله يالا.. يا بخت مين زار وخفف." *** هل يمكن لقلب اعتاد القلق ألا يكن ممتنًا لمن رواه الطمأنينة بكفوف صُنعت من حب؟

طافت عينه العاشقة على ملامحها الهادئة، التي رواها الحب، فزادها بهاء. فوقع في عشقها للمرة التي لا يعرف عددها. فكل ما بها يجذبه كالمغناطيس. فقد كان يظن بأن النظر إليها مسرة، إلى أن خطى بقلبه إلى جنتها في الليلة الماضية. فقد تذوق معها النعيم، وعرف الهناء الطريق إلى قلبه، الذي هجره النعاس خشية أن يكون قربها حلمًا ساحرًا يتبدد بآخر حين يغلق جفونه. "حلا…"

صدح صوته المشتاق، ليحثها على الاستيقاظ. فقد طغى شوقه وفاض به القلب. فتململت بنعومة، سلبت أنفاسه. فتابع بصوت أجش. "اصحي بقي.. وحشتيني! اخترقت جملته قلبها، الذي اهتز حين طافت يديه بحرية تلامسها. فتدفقت الدماء بقوة إلى سائر جسدها، قبل أن ترفرف برموشها، ليأثره ذلك الشعاع الأخضر، الذي يطل من عينيها. فاقترب، واضعًا قبلات متفرقة فوقهما، قبل أن يقول بلهجة مبحوحة. "وحشوني…" أخجلتها كلماته وأفعاله، فقالت بخفوت. "لحقوا؟

ياسين بخشونة. "لحقوا! دانا شوية وهحسد النوم اللي خدك مني." حلا بإندهاش. "أنت منمتش؟ "لا؟ "ليه؟ أنت كدا هتتعب.. اليوم طويل." راقت له لهفتها، فعانق شفتيها بخاصته، قبل أن يرفع رأسه قائلًا بخفوت. "مش مهم.. المهم إنك موجودة معايا، وده في حد ذاته راحة." نقشت كلماته حروفها فوق جدران قلبها، الذي تقاذفت دقاته، فاهتزت نبرتها حين قالت. "قد كدا بتحبني؟ "بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."

ارتج قلبها بعنف جراء كلماته الرائعة، والتي لم ترتوي منها أبدًا. فقالت بدلال. "قولها تاني؟ دلالها كان أكثر ما يمكن احتماله، فتبدد اخضرار عينيه، وازداد قتامة، وقال بأنفاس محمومة. "أنا بقول كفاية كلام بقي.. فيه حاجات تانية أهم." حلا بدلال. "اللي هي؟ "إنك وحشتيني."

حوت كلماته شغفًا قاتلًا، أتقن سكبه فوق تقاسيم وجهها، قبل أن يجرفها تيار عشقه إلى عالم ساحر، يقتصر على كليهما فقط.. عالم لم تستطع حكايات العشق أن تسطره أو تصل إليه. كان بارعًا في سلبها أنفاسها واللعب على ثباتها، الذي طار أدراج الرياح. فأي ثبات أمام رجل مثله!

يعرف جيدًا كيف يجعلها تصل إلى قمة السعادة. تتقلب بين يديه على جمرات الشوق ولهيب الهوى. يعزف على أوتار قلبها بلمساته، التي تارة قوية شغوفة، وأخرى حانية مراعية. يقودها إلى الجنون، الذي تعزفه أناتها العاشقة. فيتجدد شوقه مرة أخرى، ويتعاظم الشغف بداخله، فيبثها إياه بكل ما أوتي من عشق لا ينضب أبدًا. فقد عرف الطمأنينة بجانبها، فهي الشخص الوحيد الذي احتوى جراحه وتخبطاته، وامتص جميع أوجاعه. ***

أخيرًا وصلا إلى غرفتهما. فقد ظن بأن ذلك اليوم لن ينتهي أبدًا. فقام بإغلاق الباب، مستندًا بكامل ثقله عليه، وهو يقول بتعب. "مش مصدق أني وصلت لأوضتنا أخيرًا." لامست تعبه الواضح، فقالت بحنو. "معلش، عدت الحمد لله.. أدخل خد شاور على ما أجهزلك حاجة سريعة تاكلها، ونام لك شوية."

تأرجحت ابتسامة ساخرة على شفتيه، فأبرزت بعمق غمازتيه الرائعتين. واقترب منها بخطوات هادئة، تنافي قوة ذراعيه، وهي تحيط بخصرها، ليقربها منه، مستنشقًا أنفاسها العذبة، قبل أن يقول بخشونة. "نوم إيه بس؟ دا إحنا يدوب هنقول كلمتين وهنزل، ورايا شغل كتير." ناظرته بإستفهام، وشاب القلق نبرتها، حين قالت. "فيه إيه يا سليم؟ قلبي واجعني أوي، وحاسة إن فيه حاجة كبيرة حاصلة، وإن موضوع مروان ده وراه مصيبة كبيرة.. ومين البنت دي؟

قاطع حديثها اشتداد حصاره عليها أكثر، وهو يقول بخفوت. "سلامة قلبك من الوجع.. متخليش دماغك الحلوة دي تفكر في حاجات وحشة.. وإن شاء الله كل اللي جاي خير." قرب رأسه منها ليروي ظمأه، فإذا بهاتفه يرن. فحبس أنفاسه الغاضبة، وأسند جبينه على خصرتها، وهو يتمتم. "حتى الكلمتين مش لاحق أقولهم." لون الخجل ملامحها، واخفضت رأسها، فزينه بقبلة قوية، قبل أن يبتعد قائلًا بغضب، مخاطبًا هذا المتصل، الذي يعلم هويته جيدًا.

"خلاص يا سالم، هتوضى وأصلي.. ارحمني من العيلة دي يارب." توقف إثر سماعه ضحكتها، والتفت مغازلًا. "طب بزمتك حد يسيب الضحكة القمر دي، ويروح للأشكال الغلط دي؟ اختلطت ضحكاتهم، وخرج سليم من الحمام، فتوجهت إليه قائلة بنبرة يشوبها الحرج. "سليم…" "لا سليم إيه؟ أنا متوضي يا بنتي." اندهشت من كلماته، وصاحت مستفهمة. "طب فين المشكلة؟ وأنا كنت عملت إيه؟ سليم مغازلًا. "كلك على بعضك مشكلة." راق له خجلها، فتابع يشاكسها.

"طب يعني لما تقوليلي سليم الحلوة دي، مفروض اسكت مثلًا! حد قالك إني مابحسش ولا حاجة؟ ارتدت قناع الجدية، وهي تقول. "والله لو ما بطلت، ما هقولك عايزة إيه؟ "لا وعلى إيه.. أؤمر يا قمر." خرجت الكلمات من بين شفتيها بتمني، راق له كثيرًا. "أنا نفسي نصلي جماعة مع بعض." تعابيرها الطفولية، وطريقتها اللطيفة في الحديث، إضافة إلى طلبها، الذي أسعده بشدة. كل تلك الأشياء لها وقع السحر على قلبه، الذي يود لو يختطفها من العالم أجمع.

"انجلي يا جنة، روحي اتوضي." قهقهت على لهجته، وتقاسيمه، التي لونها القهر، واتجهت إلى الحمام، توضأت، وخرجت، لتجده ينتظرها. وسرعان ما ارتدت جلباب الصلاة، وتوجهت لتقف خلفه. وما هي إلا ثوانٍ، حتى أقام الصلاة، ركعة تلو الأخرى، وسجدة تليها سجدة، ودعائها الذي لا يفارقها.

"سبحان الذي رزقني هذا من غير حول لي ولا قوة. يا مديم النعم، أدمه لي في حياتي، وأصلحني به، وأصلحه بي.. وهبنا ذرية صالحة، واحفظ لي ابني واجعله قرة عين لي وله، وأعنا على تربيته، واجعله ذرية صالحة لنا، واعفو عن أباه واغفر له، إنك أنت العفو الغفور." لا تعلم لما كانت تدعو له، ولكنه، وبالرغم من كل سيئاته، فهو السبب لكل شيء جيد حدث لها، بداية من محمود، طفلها الحبيب، إلى سليم، رفيق الروح ووتين القلب.

أنهى سليم الصلاة، والتفت ناظرًا إليها، وقام بمد يده لها، فناولته يدها، لتتفاجأ به، وهو يقوم بختام الصلاة على أناملها، مرددًا. "سبحان الله -الحمد لله -الله أكبر -لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير." انبثقت العبرات من مقلتيها تأثرًا، حين أردف بخشونة. "عايز نكون سوا في الجنة.. عايزك مراتي دنيا وآخرة." أفصحت عينيها عن عشق جارف، وترجمته شفتيها، حين قالت بتأثر.

"أنا مكنتش أتخيل أن عوض ربنا ليا هيكون كبير أوي كدا." سليم بحنو. "عايزك تعرفي حاجة مهمة أوي يا جنة.. ربنا لما بيبتلي حد، بيبقى بيحبه، ولما بينزل البلاء، بيكون على قدر طاقة الإنسان. لقوله تعالي (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) تعلقت عينيها بحديثه المريح للنفس، فتابع بخشونة.

"ولما الإنسان يصبر، يقوم يشتد الكرب أوي، عشان ربنا بيختبر مدى قوة إيمان الإنسان فينا، ومدى تحمله، مع العلم أنه الكرب ده ممكن يكون باب خير كبير، بس إحنا منعرفش. ربنا قال (عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) . وشوفتي هو ابتَلانا، بس بيطمنا في الآية اللي بتقول (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) . تخيلي ربنا بعظمته بيقولك أنتِ في عنيه." ترقرق العبرات في مقلتيها تأثرًا، فأضاف بحنو.

"وفي عز ما إحنا موجوعين وصابرين على الابتلاء، تقوم تنزل رحمة ربنا وتلطف بينا (إن مع العسر يسر) . اوعي تفقدى إيمانك بربنا مهما حصل.. ربنا عوضه عظيم فوق ما تتخيلي.. سلمي أمورك ليه، ودايمًا قولي افوض أمري لله، والله بصير بالعباد. ده بقي راحة ما بعدها راحة."

كانت تناظره بعينين مشدوهتين بما تسمعه. فهذا الرجل تجاوز كل تخيلاتها بمدى روعته، فقد كانت كلماته تصف كل ما تعرضت له، وقد كان هو عوض الله الذي وعد بها بعد طول الصبر والألم. لم تمنع نفسها وهي تستكين بين أحضانه، واضعة رأسها فوق موضع نبضه، الذي يخفق بقوة تأثرًا بقربها. وقام بوضع قبلة دافئة على مقدمة رأسها، حين سمعها تقول.

"الحمد لله على أنك موجود في حياتي.. أنا كنت طول عمري بصلي وبقرأ قرآن، بس بعد كلامك ده حسيت إني فايتني كتير أوي.. أنا محتاجة أعيد حساباتي من تاني وأقرب من ربنا بقلبي أكتر." اشتد حصاره لها، وهو يقول بحنو. "أول حاجة تبتدئي بيها، أنك دايمًا تحمدي ربنا على كل حاجة، عشان ربنا يباركلك فيها. ربنا قال (ولئن شكرتم لأزيدنكم) همست بخفوت. "الحمد لله." تابع بلهجة دافئة.

"واوعي تألفي النعم، فتشوفيها عادية، ولا تسلمي للشيطان، لما يقعد يشوهلك كل النعم اللي حواليك.. فيه ناس كتير تتمنى تعيش نص حياتنا دي." التفتت تناظره، بحلا عينيها، التي توهجت فأضاءت وجهها الفاتن، وهمست بعذوبة. "مش أنت وعدتني أننا هنحفظ قرآن سوي؟ سليم بحب. "وعدتك وهنفذ في أقرب وقت إن شاء الله." عادت إلى أحضانه، وهي تهمس بحب. "ربنا ما يحرمني منك أبدًا."

قاطع لحظاتهم الجميلة رنين الهاتف، فاستغفر سليم في سره، وانتزع نفسه منها على مضض، ليجيب. فجأة صوت سالم الصارم. "دقيقة وألاقيك قدامي." "طيب." أغلق الهاتف، والتفت قائلًا بمزاح. "ربنا عالظالم.. قولي لفرح، سليم بيقولك أنتِ مش مسيطرة خالص.. وشكلك وحش جدًا." *** نزلت خطوات الدرج متوجهة إلى المطبخ لمتابعة الأعمال هناك، فتفاجئت جنة، التي نادتها. "فروحة." "قلب فروحة."

حاوطت جنة خصرها، كما اعتادت أن تفعل في السابق، وبادلتها فرح باحتضان كتفيها. فإذا بـ جنة تقول بمزاح. "سليم باعتلك رسالة، ومحلفني أوصلهالك." "خير.. العاشق الولهان باعتلي إيه؟ جنة بمرح. "بيقولك أنتِ مش مسيطرة.. وشكلك وحش." انكمشت ملامح فرح بصدمة، فأردفت جنة باندفاع. "والله سليم اللي قالي أقولك كدا." "وأنتِ أي حاجة سليم يقولها، تيجي تقوليها كدا عادي؟

لم تكد تجيبها، حتى سمعت صوتًا حادًا من خلفهم، فالتفتت الاثنتان، تناظران سالم، الآتي من غرفة مكتبه. فناظرته فرح بحنق لم تخفيه، وعلى عكسها، ارتعبت جنة من رؤيته، وقالت بإرتباك. "والله يا سالم بيه.. ما كنت أقصد، أنا.." سالم بحدة مزيفة. "إيه؟ سالم بيه!! غلطاتك كترت يا جنة.. أنا مش هعاقبك.. هعاقبه هو." "لا بالله عليك، بلاش هو.. ده طيب والله." هكذا تحدثت جنة بإندفاع. فواصل سالم مزاحه، قائلًا.

"هو اللي طيب، ولا أنتِ اللي هبلة؟ ابتسمت جنة، وقالت متصنعة الصدمة. "أنا هبلة؟ تدخلت فرح بمرارة. "مش لوحدك يا حبيبتي.. إحنا الاتنين أهبل من بعض." كانت تناظره بحنق لم تخفيه، فقابل حنقها بابتسامة مستفزة، فقد كانت تروقه بكل تعبيراتها، وخاصة الغاضب منها. لذا استغل هروب جنة، واقترب منها قائلًا بخشونة. "متقوليش على نفسك كدا. فيه حد أهبل وحلو بالشكل ده؟ سخرت بمرارة. "تخيل! واصل استفزازه، قائلًا.

"أوعي تقولي إنك زعلانة من كلام سليم." "وأزعل ليه، إذا كان بيقول الحقيقة؟ لم يكن لا المكان ولا الزمان يسمحان له بأن يريها كم تؤثر به، ومدى سيطرتها على قلبه. لذا اقترب خطوة، وتحدث بلهجته الخشنة المثيرة. "بقي أنتِ مش مسيطرة؟ أومال مين اللي واخد قلبي لحسابه؟ لا تنكر أن كلماته أثرت بها كثيرًا، ولكنها لم ترد الاستسلام أمامه، لذا قالت بتهكم. "لما تبقي تعرف، ابقي قولي." أجابها بنفاذ صبر. "فرح!! "عن إذنك…"

هرولت للأعلى، لا تعلم لما شعرت برغبة قوية في البكاء، ولم ترد لأحد أن يراها وهي تبكي، لذا قصدت غرفتها، وتحديدًا غرفة الملابس، التي أغلقتها بالمفتاح من الداخل، وهوت على السرير، لتنخرط في نوبة بكاء عنيفة. *** دلف الثلاثة إلى المكتب، فصاح مروان باعتراض. "بقي يا ربي تاخدوني من الدار للنار على طول كدا؟ تجاهله سالم، وناظر سليم بحدة، تجلت في نبرته، حين قال.

"من بكرة هتنزل القاهرة، فيه شغل كتير متعطل لحد ما أخلص من موضوع الانتخابات ده." سليم باختصار. "تمام. طمني، عملت إيه مع الراجل المجنون ده؟ سالم بفظاظة. "هييجي هو وعيلته يعيشوا هنا في المزرعة." أنهى كلماته، ثم توجهت أنظاره إلى مروان، وهو يقول بأمر. "تشوفله شغل كويس وسكن يكون جنب شغله." برقت عينا كلًا من مروان وسليم، الذي قال بصدمة. "سالم، أنت عايز تجيب الراجل اللي كان عايز يموت ابن عمك يعيش هنا هو وعيلته؟

تدخل مروان ساخرًا. "أيوا، أصله معرفش ينشن المرة اللي فاتت صح، وجابها في كتفي. نديله فرصة المرة الجاية، يمكن تظبط معاه ويجيبها في قلبي." تجاهل سالم سخريته، وقال بغموض. "الراجل ده ضحية.. واللي ظلمه لازم يتعاقب." مروان بسخط. "اللي تشوفه.. اومال طارق فين؟ سالم باختصار. "في مشوار، وعالأغلب مش هيرجع في خلال يومين." سليم باستفهام. "مشوار إيه؟ سالم بنفاذ صبر. "سيبك من طارق، وخلينا في المهم." سليم بسخط. "وهو إيه المهم؟

سالم باختصار. "عمتك عايزة حقها.. وأربع أضعاف تمن الأرض بتاعتها." خرجت صيحات الاستنكار من كلًا من سليم ومروان، الذي قال. "أنا قولت الولية دي اتهطلت، محدش صدقني.. يا جدعان خطبوها ولا جوزوها، ولا شوفولها أي حاجة تتلهي فيها عننا. دي حالفة لا تشل العيلة كلها." سليم بتهكم. "أول مرة تقول حاجة صح في حياتك." قاطع حديثهم، طرق الخادمة على باب الغرفة، تعلن عن وقت الطعام، فتحدث سالم آمرًا.

"طلعي العشاء بتاعي على أوضتي.. وانتوا يالا روحوا اتعشوا." انصرف الجميع، فتوجه إلى الأعلى بخطٍ يحمل اللهفة. فقد مرت ساعتان منذ أن تركته، وصعدت للأعلى، وقد قرر إنهاء ذلك الخصام اللعين ومراضاتها. فقد انشغل عنها كثيرًا، ومن المؤكد أن كل ما تمر به جراء شوقها إليه، فهو مثلها يرغب في تحطيم كل تلك الأشياء التي تبعده عنها.

خطي إلى داخل الغرفة، فوجدها خالية، فاعترته الدهشة. فتوجه إلى الحمام يبحث عنها، فوجده خاليًا. فلونت وجهه ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وهو يعيد خطواته إلى غرفة الملابس، وقد تعاظم الغضب بداخله، حين لمح نورها المنبعث من أسفل الباب. فقام بالطرق عليه بقوة، فلم يأتيه رد. وما أن هم بالطرق مجددًا، حتى سمع صوت أنغام آتية من الداخل، تلاها صوت فايزة أحمد، وهي تشدو معاتبة. "بتسأل ليه عليا وتقول وحشاك عينيا؟

من امتا انتا حبيبي وداري باللي بيا. ياللي بتسأل عليا ملكش دعوة بيا… ياللي بتسأل عليا.. ملكش دعوة بيا.. بتسأل ليه ليه ليه بتسأل ليه عليا؟ دهشة عارمة تملكتـه، حين سمع كلمات الأغنية، فقد شعر في تلك اللحظة بأن تلك المرأة تنوي إصابته بجلطة دماغية. "هي حصلت يا فرح؟ مشغلالي فايزة أحمد؟ تابع الطرق بصورة أقوى على الباب، وهو يزمجر غاضبًا. "افتحي الباب يا فرح، بلاش شغل عيال." شهقت مغتاظة منه، وتمتمت بحنق. "شغل عيال!

أنا بعمل شغل عيال.. وبيزعق كمان! طب والله ما أنا فاتحة.. مش فاتحة يا سالم، ومش عايزة أتكلم معاك." علا صوتها، حتى وصل مسامعه، حين قالت جملتها الأخيرة. فانكمشت ملامحه بغضب قاتم، وبلحظة قام بضرب الباب بكتفه، لينفتح على مصرعيه. فهبت من مخدعها بصدمة، حين رأته يتوسط الغرفة، ويناظرها بعينين يتطاير منها الشرر، وهو يعض على شفتيه السفلية بوعيد. فحاولت تمالك نفسها، واستجمعت شجاعتها، قائلة بوقاحة. "اخرج بره."

تجاوزت حدود المسموح بالنسبة إليه، فبرقت عينيه بدرجة أرعبتها، وبرزت عروق رقبته، وتجعدت ملامحه، قبل أن يزمجر بوحشية، وهو يقترب منها، ممسكًا برسغها، يهزها بقوة. "أنا ميتقاليش أخرج بره.. فاهمه ولا لأ؟

شهقة خافتة شقت جوفها جزعًا، فلأول مرة تراه غاضبًا بتلك الدرجة، فتقاذفت العبرات من مقلتيها، وشعرت بثورة عارمة في معدتها، فوضعت يدها فوق فمها، وانتزعت يدها الأخرى من بين يديه، وهي تهرول إلى الحمام، تفرغ ما في جوفها. فتابعها بخطوات قلقة، فوجدها تجثو على ركبتيها بتعب، فهوى بجانبها، يحتضنها بخوف، تجلى في نبرته، حين قالت. "فيه إيه يا فرح؟

لم تجبه، إنما أرسلت عينيها سهام العتب، الذي نال منه، فشعر بتأنيب الضمير تجاهها، وقام بحملها، متوجهًا إلى المرحاض، وفتح المياه، وأخذ يبلل وجهها بلطف. والتقط المنشفة، وجفف وجهها بحنو، ثم قام بحملها ليضعها على السرير، وهو يتوجه إلى الباب، ينادي بغضب. "سليم…" أطل سليم برأسه من الأسفل، فهدر سالم بأمر. "اطلبلي دكتور بسرعة." تنهي كلماته، وأغلق الباب خلفه، والتفت يناظرها، فقالت بخفوت.

"الموضوع مش مستاهل كل ده، ممكن شوية برد ويروحوا لحالهم." أجابها بفظاظة. "مش مهم بالنسبالك، لكن مهم بالنسبالي." تمتمت بخفوت. "ماهو واضح." "فرح، أنا ماسك نفسي عنك بالعافية." هكذا تحدث بحنق، فأجابته بانفعال. "أنت اللي ماسك نفسك صح؟ أنت اللي بتدور عليا ومش لاقيني صح؟ اقترب منها قائلًا بعتب. "وهو ده بمزاجي؟ ولا أنا مبسوط وأنا بعيد عنك؟ خرجت كلماتها متألمة، حين قالت بانهيار.

"طب شاركني، عرفني فيه إيه.. أنا معرفش حاجة ومش لاقياك، وحاسة إني مش طايقة نفسي ولا طايقة حد." رق قلبه لحالها، فاقترب يحتويها داخل أحضانه، قائلًا بحنو. "عندك حق.. بس صدقيني، أنا معنديش وقت أتنفس." صاحت معترضة. "مليش دعوة، عايزة وقت ليا لوحدي." من ذا الذي يجد كل هذا الحب بعيون تشبه خاصتها، ولا يذوب! "كل ده عشان وحشتك؟

أومأت برأسها دون حديث. فزين جبهتها بقبلة اعتذار، لم تتجاوز حدود شفتيه. فحاوطت خصره بذراعيها، وقالت بخفوت. "أنا حاسة إنك شايل حمل كبير أوي يا سالم. شاركني أرجوك، مش أنا مراتك حبيبتك؟ "أنتِ روحي يا فرح." اخترقت كلماته أعماق قلبها، ودكت جميع حصونها، فوجدت نفسها تحوي وجهه بين يديها، وهي تقول بخفوت. "طب إيه بقى؟ امتدت يديه تجلسها بين أحضانه، وقال بجفاء ونبرة تقطر حزنًا. "مروان بيتجسس علينا لحساب ناجي." ***

حين يسكن اليأس في قلوبنا، فأنه ينهيها ببطء، يتغذى على دماء الروح، التي انشطر عنها أحد شقيها، فتناثرت دماءها قهرًا، لا يحكى ولا يُشكى، فقط يبكي! لا يعلم إلى أين عليه الذهاب، فقد تقصى عنه في كل أرجاء البلد، لعله يجد طرف خيط يوصله لها، ولكن دون جدوى.

حتى أنه كان يسأل الناس من حوله، كما لو أنها طفلة صغيرة تاهت عن والدها. يشعر وكأن القدر يعاقبه على ظلمه لها وتجبره عليها. ولكن عقله اللعين كان جاهلًا بتلك المشاعر العميقة، التي جرفته نحوها. وحين فطن إلى مدى تعلقه بها، اختطفها منه بمنتهى القسوة، ليتركه بين براثن العذاب، الذي ينهش بصدره، حتى كاد أن يدميه. أخذ يمشي ويمشي، دون أن يستطيع الاستقرار على وجهة آمنة، تحتضن خوفه، أو يد حانية تربت على جزع قلبه.

فجأة، وجد نفسه بالمقابر، تحديدًا أمام قبر والدته، التي غادرتـه هي ووالده، وهو طفل صغير، لم يكد يتجاوز الثالثة من عمره. طفل صغير بائس، يشعر بالشفقة عليه كل من حوله. لن يدركوا مقدار احتياجه للحنان والاحتواء. أن يمرر أحدهم يده فوق خصلاته ويخبره بأن كل شيء سيكون بخير. لم يعرف معنى الدفء يومًا، فقد رباه جده، الذي بذلك الوقت كان مثالًا للقوة والجبروت. فأخذ يبثه طباعه الحادة وقسوته اللا متناهية، ظانًا منه أن هذا يجعله رجلًا. ولكن حتى أعتى الرجال يحتاج، ولو لمرة واحدة في هذه الحياة، أن يلقي برأسه على صدر أحد يخبره بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

"جوليلي، أعمل إيه يا أمه؟ جلبي واجعني جوي. حاسس بروحي بتروح. واني عاجز." تدفقت العبرات من مقلتيه، تحفر وديان الألم فوق خديه. وقد خلع عباءة الكبرياء جانبًا، وأطلق العنان لضعفه أن يظهر على السطح. فلم يعد في الروح متسع، ولم يعد الجسد يتحمل أكثر من هذا. فالألم فاق حدود المعقول. "نفسي أصرخ وأقول آه.. بس عارف إن محدش هيسمعني. جيتلك يمكن تسمعيني أنتِ. جوليلي ياما، أعمل إيه عشان أرجعها تاني؟

تعالت شهقاته، التي تتنافى مع هيبته وضخامة جسده، الذي سقط على الأرض، لا حول له ولا قوة. وتابع بنبرة منكسرة. "إني عارف إنك كنتِ قاسية عليها جوي. بس إني اتربيت عالقسوة. معرفش غيرها. لو ده عقاب من ربنا، إني راضي أتحرم منها، بس ترجع سالمة. جلبي بيحترق كل ما أتخيل إن حد ممكن يأذيها." خرجت منه آه مشتعلة، قبل أن يتابع بقهر. "هتجنن ياما.. عقلي هيشت مني. جلبت البلد حتة حتة، ملهاش أي أثر. نفسي أعرف مين اللي خطفها؟

مين اللي مد يده ونزع جلبي من بين ضلوعي وخباه مني؟ تعالت أصوات بكائه، وهو ينظر للسماء، قائلًا بتضرع. "أروح لمين بس يارب؟ يارب ماليش غيرك، دلني عالصح." مرت الساعات مؤلمة، وكان عقاربها تلدغه، فصار يبكي دمًا، حتى هدأت ثورته قليلًا. وفجأة، طرأت على باله فكرة، لا يعرف كيف غابت عن عقله، وشرع على الفور بتنفيذها. فقاد سيارته بجنون، يتسابق مع الزمن. فكل دقيقة تمر بها وهي بعيدة عنه، لا يعرف مكانها أو مع من، تزيد من جنونه أكثر.

أخيرًا وصل إلى وجهته. فصف سيارته أمام ذلك المنزل الكبير، وهرول إلى الباب، يدقه بعنف. ففتح له الغفير، ليتجاوزه إلى الداخل، وهو يصيح. "صفوت بيه.. يا صفوت بيه." "إيه يا أخينا انت؟ البيه مش موجود." سب عمار في سره، وهو يقول للغفير بحنق. "وهيجي إمتى؟ "معرفش." "طب إني هستناه."

أدخله الغفير إلى المنزل، وأجلسه بغرفة الاستقبال. فقام بإخراج سلسالها الجميل، الذكرى الوحيدة الباقية منها. فأخذ يناظره باعتذار صامت. وما هي إلا دقائق، حتى أتى صفوت. فقام عمار بوضع السلسال في جيبه، وهب لملاقاته. فوجده يقول باندهاش. "عمار.. فيه إيه؟ حلا حصلها حاجة؟ عمار بنفي. "لأ، متقلقش، حلا كويسة.. إني عايزك في موضوع يخصني أنا." "موضوع إيه؟ عمار بقلب محترق. "فيه حد يعز عليا جوي. بدور عليه ومش عارف أوصله."

صفوت بعدم فهم. "لا، أنا مش فاهم. اقعد كدا وفهمني تقصد إيه؟ قص عليه عمار ما حدث، وأنهى كلماته، قائلًا. "إني مستعد أدفع مال الدنيا كله، وأفديها بعمري، بس ألاقيها." تذكر صفوت تلك الفتاة صاحبة المشكلة، التي قصها عمران عليه باختصار. فقد شعر بالأسى حولها، وازداد شعوره حاليًا. فنظر إلى عمار بشفقة، تجلت في نبرته، حين قال. "طب هدي نفسك واشرب الليمون، وأنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله خير."

ناوله صفوت كوب الليمون، فأمتدت يده تلتقطه باهتزاز، فسقط الكأس على جلباب عمار. فقال صفوت بلهفة. "معلش، حصل خير.. اقلع الجلابية، هخليهم ينضفوهالك ويجيبوها على طول." عمار برفض. "لأ، سيبك من الجلابية دلوقتي، و خلينا في المهم." صفوت بعناد. "على ما أعمل كام تليفون، هيكونوا نضفوها وجففوها.. اسمع الكلام من غير نقاش."

أومأ عمار بصمت، وقام بوضع يده في جيبه، ملتقطًا سلسالها، وهو يخلع جلبابه. فتحدث صفوت، ممازحًا في محاولة منه لتهدئته. "ده الموضوع طلع كبير بقي." تشكلت غصة صدئة بجوفه، وقال بمرارة. "دي آخر حاجة بجيت منها. رفضت أديهالها، زي ما يكون كان جلبي حاسس."

لا يعلم السبب، ولكنه وجد نفسه يمد يده إليه، ليرى السلسال. فتفاجأ عمار من فعلته، وقام برفعها أمامه، دون أن يلمسها. فتراقص السلسال أمام أعين صفوت، التي تحولت ابتسامته إلى صدمة قوية، وشعر بأن الكون توقف للحظة عن الدوران، حين رأى تلك النجمة، التي تتمايل أمامه. فامتدت يديه تنتزعها من يد عمار، الذي صاح بغضب. "إيه يا سيادة اللواء، هات السلسال ده بتاعي."

لم يستطع الحديث، فقد اهتزت يديه، التي قامت بفتح السلسال، لتظهر صورة تلك الصغيرة، التي لم تفارق خياله أبدًا منذ أن فارقها. نعم، كانت طفلته، التي انتزعتها أيادي الغدر من بين يديه، دون شفقة أو رحمة. يتبع…. بعد ما خلصتوا قراءة، ياريت تدعوا لأخواتنا في فلسطين ربنا ينصرهم وينتقم من عدوهم. أتمنى ألاقي تفاعل مرضي على البارت، عشان فعلًا تعبت فيه. متنسوش تعملوا (فوت + كومنت + فولو ليا ❤️ و كومنتات بين الفقرات اللي حبتوها ❤️)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...