التفت الجميع لتلك التي ترجلت من السيارة بهيئه مبعثرة وعبرات غزيرة اختلطت بكحلها الفاحم فشكلت لوحة مرعبة لإمرأة أفنت عمرها باكية. تعالت الشهقات من حولهم على شيرين التي كانت نظراتها مصوبة على سالم الذي كان يطالعها بغموض سرعان ما تحول لصدمة حين وجدها تتقدم خطوتين منه قبل أن تسقط مغشياً عليها. فهب من مكانه يحملها بين ذراعيه ويتوجه بها إلى الداخل والجميع خلفه مذعور مما حدث. كان أول من قابله هي همت التي ما أن رأت ابنتها
محموله هكذا حتى صرخت بذعر: "شيرين. بنتي. حصلها إيه؟ لم يجبها أحد وقام سالم بوضعها على الأريكة بغرفة الجلوس ثم تراجع خطوتين واجتمع الكل حولها. ارتمت همت جالسة بجانبها تحاول إفاقتها وهي تقول بلهفة: "شيرين.. ردي عليا يا بنتي.. حصل إيه حد يقولي؟ ما أن سمعت اسم شقيقتها حتى هرولت بقلب مرتعب وهي تقول ملتاعة: "شيرين.. شيرين ردي عليا.. مالها فيها إيه؟ ما حد يرد علينا. ساكتين كدا ليه؟ استنكرت أمينة نبرتها
الغاضبة فأجابتها بصرامة: "والله الوحيد اللي يعرف فيها إيه هي. إحنا لقيناها بتنادي على سالم وفجأة أغمي عليها." كانت تظن أنها امرأة من الجليد ولكن الآن انصهر الجليد وتحولت إلى كرة نارية وكأنها خلقت من رحم النار التي نهشت بصدرها. ما أن رأته يحمل تلك المرأة بين ذراعيه بتلك الطريقة فأظلمت غاباتها تنذر بهبوب عاصفة هوجاء كانت رياحها تتخبط بعنف بين ضلوعها وتجلى ذلك على صفحة وجهها المحمرة وعينيها التي أطلقت أسهم حادة.
لاحظتها شقيقتها التي اقتربت منها قائلة بخفوت: "إنتِ تعرفيها؟ حانت منها التفاته بسيطة ولم تكد تجيبها حتى التقت عينيها امرأة تتهادى في مشيتها وهي تناظرها بعينين تقطران سمًا. سرعان ما تحول لوداعة وهي تنظر إلى سليم قائلة بخفوت: "إزيك يا سليم.." تفاجئت جنة التي لأول مرة تراه متوترًا هكذا ولكنه سرعان ما سيطر على نفسه قبل أن يومئ برأسه لها دون أي حديث. فاقترب منه مروان الذي قال بجانب أذنه ونظرات الشماتة تغلف عينيه:
"أوبا.. شيرين ومروة مرة واحدة دي كدا ولعت زي ما هتولع إنت وأخوك إن شاء الله." زجره سليم بغضب قاطعه كلمات مروة التي قالت بحزن زائف: "شيرين أعصابها تعبانة يا طنط ولما شافت سالم.. أقصد شافتكم متحملتش وأغمي عليها." التفت الجميع إلى صاحبة الصوت الرفيع والجسد الممتلئ بإغراء قاتل جعل أمينة تلوي شفتيها امتعاضاً تجلى في نبرتها حين قالت: "وإيه اللي تعب أعصابها يا مروة؟ مش كانت مع جوزها!
ألقت عليها همت نظرات ساخطة ثم توجهت بأنظارها إلى مروة قائلة بلوعة: "حصل إيه يا مروة طمنيني." طافت أنظارها وشوش المحيطين واستقرت على فرح وجنة وقالت بحرج مفتعل: "شوية مشاكل خاصة يا طنط." فطنت فرح لمحاولتها في إظهارهم وكأنهم دخلاء عليها. فنظرت إلى أمينة قائلة بجفاء: "هنروح إحنا عالملحق يا حاجة أمينة عشان جنة ترتاح شوية. والسلامة عليها." قالت جملتها الأخيرة وهي تشير بعينيها على تلك التي بدأت تستعيد وعيها رويداً رويداً.
وبين اليقظة والمنام همست قائلة: "سالم.." استقر همسها في منتصف قلب فرح التي حاولت الثبات بصعوبة وهي تمر من أمامهم تنوي المغادرة. وبداخلها نيران تحترق غضباً لا تعرف كنهه. ولكنها توقفت حين سمعت صوته الغليظ: "لما تفوق خليها تجيلي على المكتب." ألقى بكلماته وتوجه إلى مكتبه ماراً بها دون أن يعيرها أي اهتمام غالقا باب المكتب في وجه الجميع.
مما جعل شعور من الألم يتولد بداخلها متحدًا مع غضبها الذي ما هو إلا غيرة جنونية على رجل كانت تحارب كل الطرق التي يمكن أن تجمعها به. في الخارج كان ياسين يجري عدة اتصالات ولم يرد الدخول بعد ما حدث. فتفاجئ بتلك التي همست باسمه من الخلف فاستقر همسها بيسار صدره. ولكنه حاول الثبات حين التف يناظرها فاغوته عينيها اللامعة في ضوء الشمس التي توهجت فوق خديها. فأسرته فتنتها للحظات فلم يجبها. فظنت بأنه يتعمد ذلك فقالت بنبرة هادئة:
"كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع لو ما كانش يضايقك.." كان خارجياً يبدو جامداً لا يتأثر بشيء وقد أراد أن تكون نبرته كذلك حين أجابها باختصار: "سامعك.." بللت حلقها وابتلعت ريقها قبل أن تقول بتوتر: "بخصوص الكلام اللي كنت قلته قبل كده. يعني عنك وعن فرح.. أنا.." توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها لا تعلم كيف تصيغها. فباغتها قائلاً بفظاظة: "إنتِ إيه؟ كملي." لا تعرف كيف تخبره بأنها كانت تتلوى بنيران الغيرة والألم معاً.
وقد كان هو الآخر لا يساعدها فغمغمت بخفوت: "أنا مكنتش أقصد.." قاطعها قائلاً بقسوة: "اسمها أنا آسفة.. آسفة على قلة أدبي وعلى إني ظلمتك وظلمت بنت مشوفتش منها حاجة وحشة.. مسمهاش مكنتش أقصد.. ولا بنت الوزان متعودتش تعتذر لما تغلط! باغتها إجابته التي لم تكن تتوقعها أبداً. فتولد بداخلها شعور قوي بالغضب الناجم عن إهانته لمشاعرها التي كانت تظن بأن لها صدى بداخله. مما جعلها تتجاوز قلبها بقسوة قائلة بغرور:
"كويس إنك عارف إن بنت الوزان مبتعتذرش. وضف عليهم كمان إن حتى لو اعتذرت فدا شرف مش أي حد ينوله." اهتزاز حدقتيها المثقلة بالعبرات كان الشيء الوحيد الذي جعله يتراجع عن توبيخها. متعمداً إضفاء السخرية على ملامحه والتي تجلت في نبرته حين قال: "قصدك شرف متمناش إني أنوله.." لأول مرة بحياتها تتعرض لهذا الموقف خاصة وأن كان مصحوباً بهذا الألم. فتمنت للحظة بأن تنشق الأرض وتبتلعها من أمام عينيه التي كانت تشيعها بنظرات قاسية.
ولكنها حاولت أن تتماسك لأقصى درجة حين قالت: "كدا إحنا متفقين.." شعر بثقل كلماته عليها ولكنه كان غاضباً منها وكثيراً خاصة بعد أن قصت له فرح كل ما حدث منها ومن الجميع في هذا القصر. لذلك أراد تلقينها درساً وتحجيم اندفاعها ذلك حتى وإن كان هذا مؤلماً بالنسبة إليه. بنبرة لامبالية قال: "متفقين على إيه؟ لم تستطع أن تمنع كلماتها التي خرجت جريحة غاضبة: "إني مش عايزة أشوف وشك تاني.."
فرت دمعة هاربة من طرف عينيها قبل أن تلتف وتغادره مهرولة للداخل. فاصطدمت بمروان الذي كان ينوي الدخول إلى غرفة سالم. فهاله رؤيتها بهذا المظهر فاقترب منها ممسكاً بيدها وهو يقول بلهفة: "في إيه يا حلا مالك؟ كانت تجاهد حتى تمنع سيل عبراتها مما جعل أنفاسها تضطرب بداخلها حد الألم الذي جعلها تقول بنبرة متقطعة: "مروان.. خدني.. من هنا.. حاسة.. إني هنفجر بجد.. ومش عايزة حد.. يشوفني وأنا كدا." مروان بلهفة:
"طب اهدي. اهدي. تعالي معايا." امتدت يديه تحوط كتفها بحماية والتفت جاذباً إياها إلى الخارج. فوجدت ياسين الذي كان يستند بلا مبالاة على سيارته. ولكنه ما أن رآها وهي بين ذراعي مروان بهذا الشكل حتى تفجرت الدماء الملتهبة بأوردته واعتدل بوقفته وعينيه تلتهمانها وهي تتقدم برفقة مروان. الذي شعر بأن له يداً في حالتها تلك وقد أغضبه هذا كثيراً. فشدد من احتضانه لها وهما يمران به قبل أن يعطيه ابتسامة صفراء وهو يقول بصوت
ماكر أراد أن يخترق مسامعه: "حبيبتي يا لولي ليكِ عندي حتة خروجة. هلففك إسماعيلية كلها. هو أنا عندي كام لولي يعني؟ احتارت قليلاً في أفعال مروان ولكنها لم تعرها اهتمام فقد كان غضبها يطمس كل شعور لديها في تلك اللحظة. وخاصة حين رأته يناظرها حين مرت بجانبه برفقة مروان بتلك الطريقة التي بدت وكأنه يكره رؤيتها.
كانت فرح في طريقها للخارج وبجانبها جنة التي كانت تنازع رغبة ملحة بالعودة لأخذ طفلها من أمينة التي لم تدعه يدها أبداً. ولكنها خائفة بل مرتعبه من رؤيته تخشى أن ترى به صورة مغتصبها. تخشى أن تذكرها رؤيته بلحظات تُجاهد كثيراً حتى تمحيها من ذاكرتها. ولكنها لم تستطع أن تخطو خطوة أخرى بدونه فتوقفت بمكانها. مما جعل فرح تلتفت إليها قائلة باندهاش: "وقفتي ليه؟ لم تعرف كيف تجيبها. ففطنت فرح إلى ما يحدث وتسرب داخلها شعور بالسعادة.
فاقتربت منها خطوتين قبل أن تقول برفق: "مش قادرة تمشي وتسبيه صح؟ أومأت برأسها تعلن موافقة لا تستطيع أن تعبر شفتيها. وتساقطت عبراتها مما جعل يدي فرح تمتد لتزيلهم بلطف لتحتوي خديها بكفوفها وهي تقول بحنو: "محمود ملوش ذنب في حاجة يا جنة. دا ابنك ضناكي حتة منك. أوعي تفكري تعاقبيه أو تبعدي عنه. هو دا الوحيد اللي هي هون عليكِ كل حاجة." جنة بلهفة: "محمود.." فرح بحنان: "أيوا محمود. وعلي فكرة شبه بابا جدا."
اختطف أنظاره مشهد فرح وهي تواسيها محتضنة وجهها بين يديها. فشعر الغيرة منها وتمنى لو أنه من كان يحتضن ملامحها الجميلة بين يديه. يتمنى لو يكون هو حضنها الدافئ الذي يمتص جميع أوجاعها ويبدل حزنها فرحاً. من كل قلبه تمنى في تلك اللحظة لو يكن هو ملجأها الآمن من كل شيء. ولكنه أكثر من يعلم بأن هذا مستحيل. "سرحان في إيه كدا؟ كان صوتاً يبغضه بقدر ما يبغض وجودها في محيطه مرة ثانية وظهورها في ذلك التوقيت بالذات.
ولكنه كعادته معها لا يحب أن يعطيها أكثر من قدرها. فلم يكلف نفسه عناء الالتفات لها بل قال بجفاء: "ميخصكيش." لم يؤثر بها جفاءه. إنما التفت لتقف أمامه تحاول فرض وجودها أمام عينيه تعاتبه برقة: "طب اسأل عني طيب؟ قولي عاملة إيه؟ أخبارك إيه؟ أي حاجة.." تحدث بفظاظته المعهودة: "ولو إن الموضوع ميخصنيش ولا يفرق معايا بس يلا زي بعضه. عاملة إيه؟ استشعرت قدومها من عينيه التي امتزج بها الشغف واللهفة معاً. فقالت بغنج مثير:
"أحسن بكتير بعد ما شوفتك.. متتخيلش كنت مشتقالك قد إيه؟ اخترقت جملتها مسامع جنة التي شعرت بطوفان من الغضب والإشمئزاز يغزو قلبها بعنف. فتجلى ذلك بنظرة خاطفة ألقتها عليه حين مرت بهم. فتعلقت عينيه به لدرجة أنه التفت لا إرادياً حين تجاوزته ومرت إلى داخل الغرفة حتى وصلت إلى أمينة التي تلهفت عينيها لرؤيتها: "تعالي يا جنة يا حبيبتي." تقدمت منها جنة وعينيها مسلطة على الطفل القابع بأحضانها وقالت بهدوء:
"كنت جاية آخد محمود. حضرتك شايلاه طول الطريق أكيد تعبتي! تعالت دقات قلبها وهي تنظر إلى حفيدها بحب تجلى في نبرتها حين قالت: "هو أنا بردو معقول أتعب منه. دا لو قعد في حضني العمر كله متعبتش." ابتسمت جنة قبل أن تتقدم منها بأقدام مرتعشة وأيدي حاولت أن تتحكم في ارتجافها وهي تقول بخفوت: "ربنا يخليكي لينا." شعرت أمينة بما يعتريها في تلك اللحظة فقالت بحنو وهي تهب من مقعدها: "خليه معايا. هوصلك بيه."
وافقتها جنة التي أمسكت بذراعها الممسكة بطفلها وتوجهت إلى الخارج ماراً بهم. فقالت أمينة: "هبعتلك بنت من البنات تساعدك. متعمليش أي حاجة. خدي محمود في حضنك وريحي." صدح صوت ساخر من خلفهم كان لهمت التي قالت: "والله اشتقنا لحنيتك يا حاجة أمينة.. واخده بالك من مرات ابنك أوي. طب مش تجيبها تسلم على بنت عمة جوزها اللي تعبانة ولسه جاية من السفر." كانت تشدد على كلمة زوجها بطريقة استفزته كثيراً. فتحرك ذلك العرق النابض في رقبته.
ففطنت تلك التي أرادت أن تعيد الزمن مرة أخرى غافلة عن استحالة إحياء الموتى من جديد. توقفت جنة وأمينة بجوارها والتي فرقت نظراتها بين همت وشيرين التي كانت ترتشف من كوب الماء بعد أن استعادت وعيها. فقالت أمينة بتهكم: "لما الناس ترتاح وتفوق كدا تبقى تتعرف يا همت.. خلي عندك نظر." غضبت من إهانتها ولكنها أرادت استفزازها فقالت بنبرة ذات مغزى: "لا في دي عندك حق. وبعدين قدامهم وقت طويل يبقوا يتعرفوا على بعض براحتهم."
كانت تشير إلى أشياء تعلم أنها ستغضب أمينة. التي تجاهلت حديثها وواصلت تقدمها إلى الخارج. إلى أن مرت بسليم الذي كانت عينيه مثبتة عليها بقوة. بينما هي كانت تتفادى نظراته متعمده تجاهله هو وتلك السخيفة التي بجانبه. ولكن باغتها حديث أمينة حين قالت: "سليم تعال عشان توصل جنة الملحق وتشيل محمود عنها." جاءه الغيث في طلب والدته منه مرافقتها فقد كان يشتهي أي فرصة تجمعه بها.
فاندفع يأخذ الطفل منها قاطعاً عليها هذا الاعتراض الذي ارتسم على ملامحها. فلم يمهلها الوقت للحديث حين قال باندفاع: "آه طبعاً. هاتي عنك." اغتاظت من موافقته السريعة وتجلى ذلك بنظراتها النارية له. ولكن استوقفها حديث مروة التي اغتاظت من أمينة فقالت بلهجة ناعمة كالأفاعي: "إيه دا هو الملحق مشغول.. طب أنا الأول لما كنت باجي أزوركم كنت بقعد فيه دلوقتي هقعد فين؟
التمعت عين أمينة بالمكر حين سمعت كلمات تلك الفتاة التي قذفت بعقلها فكرة خطيرة شرعت في تنفيذها على الفور. فقالت بلهجة كمن تذكر شيئاً: "آآه. تصدقي يا مروة عندك حق. إحنا فعلاً عاملين الملحق دا للضيوف. يبقى جنة وفرح ييجوا يعيشوا معانا هنا ما هم من أهل البيت وأنتِ تقعدي في الملحق هناك. عشان بردو متتكسفيش وتبقي براحتك." لم تصدق جنة التي كانت تشاهد ما يحدث بذهول. خاصة حين التفتت أمينة لها قائلة:
"يلا يا جنة يا حبيبتي اطلعي ارتاحي في أوضتك فوق أنتِ تعبانة وأنا هخلي البنات يطلعوا لك الأكل." أوشكت جنة على الاعتراض فلم تمهلها أمينة التي قالت بخفوت ونبرة ذات مغزى وهي تمسك بيدها بقوة وعينيها تمنعانها من الحديث: "يلا يا جنة يا حبيبتي اطلعي واسمعي كلامي وهنبقى نقعد نتكلم براحتنا.. يلا يا سليم طلعها أوضتها وأوعي تخليها تشيل الولد دي لسه جرحها طري." لأول مرة يرحب بأوامر والدته بل ويقوم بتنفيذها فوراً قائلاً بتأكيد:
"طبعاً يا حاجة." ثم وجه أنظاره إلى جنة التي تغلي من شدة الغضب وقال بنبرة هادئة حد الاستفزاز: "إحنا تحت أمر الست جنة هانم.." بلغ غضبها ذروته فقالت بجفاء: "طب وفرح.." قاطعتها أمينة قائلة بصرامة: "أنا هقول لفرح يلا على فوق." أطاعتها بنفاذ صبر وتوجهت برفقة ذلك الذي ارتسمت بسمة راضية على وجهه وهو يمشي بجانبها. حدث كل هذا أمام كلا من شيرين ومروة وسما وهمت التي قالت بحنق من بين أسنانها:
"شفتي إن الوضع ما عادش ينفع يتسكت عليه أكتر من كدا." انقشعت غيمة الضعف من عينيها وحل محلها أخرى خبيثة تجلت في نبرتها حين قالت: "متقلقيش. كله متخططله صح." جعدت سما أنفها وقالت بعدم فهم: "تقصدي إيه يا شيرين؟ شيرين بملل: "أقصد إن الجرابيع دول لازم يطردوا من البيت يا قلب شيرين." فغرت سما فاها وقالت بصدمة: "إنتِ بتقولي إيه؟ شيرين بحنق:
"مش عايزة غباوة يا سما وتعملي اللي هقولك عليه من سكات عشان أنا أساساً هطق منك سامعة ولا لا؟ سما باستنكار: "ليه أنا عملت إيه؟ تدخلت همت بعد أن قامت بإغلاق باب الغرفة جيداً فزجرت شيرين بغضب وهي تقول بهدوء لسما: "معملتيش حاجة يا روحي.. شيرين بتهزر." حاولت شيرين جذب انتباه همت بعيداً عن سما فقالت بغرور: "لا بس إيه رأيك في الدخلة يا مامي؟ قهقهت همت قبل أن تقول بانبهار:
"لا عجبتيني وعجبتيني أوي لما قولتي سالم. البت اللي ما تتسمي دي كانت هتموت من الغيظ." تدخلت مروى بمزاح: "على فكرة بقي دي كانت فكرتي يا طنط." شيرين بتخابث: "على أساس إنك فكرتي كدا لله في لله ماهو عشان حبيب القلب.. سليم باشا." تنهدت مروة بهيام وهي تقول: "دانا أعمل كل حاجة عشان سليم. بس هو يلين." تفرقت أنظار همت بين كلا من شيرين ومروة بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"لا والله منك ليها دلوقتي بقيتوا تفكروا وتخططوا أومال ضيعتوهم من إيديكوا ليه زمان؟ تحدثت شيرين بندم حقيقي: "كنت عيلة ومش فاهمة يا ماما وسالم أنتِ شايفه عامل إزاي مكنش بيبُل ريقي بحرف. كان نفسي أعيش حياتي زي كل البنات." همت بتقريع: "وعيشتيها. اشربي بقى. وابقي وريني هتعملي إيه مع العقربة اللي اسمها فرح." شيرين بغل: "لو وصلت هسمها بإيدي عشان أبعدها عنه هعمل كدا اطمني سالم ليا أنا." مروة بتصميم: "وأنا شرحه."
همت بابتسامة: "تعجبوني." ناظرتهم سما بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت: "خرجوني من أي خطط مقرفة بتفكروا فيها. الليلة دي كلها أنا بره عنها." أنهت جملتها وهرولت للخارج تاركة خلفها الأفاعي التي سيقتلها سمها ذات يوم. في الخارج كانت فرح تقف مع ياسين الذي كان غاضباً من كل شيء. وقد ظنت بأنه غاضب منها فقالت باعتذار: "حقك عليا يا ياسين." ياسين بغضب: "عشان إيه بالظبط يا فرح؟ "عشان خبيت عليك موضوع خطوبتي من سالم بس أصل…"
قاطعه بغضب: "مفيش أصل ولا فصل! ولا في مبرر إنك تخبي عني. حكيتي الأسوأ من كدا إيه اللي يخليكِ تخبي حاجة زي دي؟ أغضبتها لهجته ولكنها كانت تعطيه الحق فتابع بنبرة جافة: "بالنسبالي سكوتك دا معناه حاجتين يا إما إنتِ مجبرة على الموضوع دا. يا إما إنتِ بتحبيه." صعقته كلماته التي جعلتها تتراجع خطوة للخلف. فتابع ياسين قائلاً بخشونة: "وباين قوي إن الاحتمال التاني هو الصح.. أنا مش أهبل وشايف نظراتكوا لبعض." حاولت الإنكار قائلة:
"مفيش أي حاجة من اللي بتقولها دي إنت... تابع بعتب: "أنا مقعدتش كل دا أدور عليكوا غير عشان أحميكوا وألم شملنا من جديد. اتأكدي إن أي حاجة فيها مصلحتكوا عمري ما هقف قصادها. لكن تخلينا نقف قدام الناس زي العيل الصغير لا يا فرح." كان محقاً في حديثه فقد كان لزاماً عليها أن تخبره كل شيء ولا تضعه في هذا الموقف. لذا زفرت الهواء المكبوت لصدرها دفعة واحدة وقالت بجفاء:
"بص يا ياسين. أنا عشت عمري كله لوحدي أنا اللي بسند مبتسندش. أنا اللي باخد قراراتي وقرارات الناس اللي حواليا وأنا المسؤولة عن كل حاجة فمش في يوم وليلة عايزني أغير اللي عشته عمري كله." كانت محقة في حديثها فهو قد بالغ في غضبه منها. فتحدث بلهجة أكثر هدوءً: "عندك حق. أنا مقصدتش أضايقك بس في الظروف دي لازم نكون إيد واحدة عشان نقدر نواجه اللي جاي." شعرت بشيء أخافها في حديثه فقالت باستفهام: "في حاجة يا ياسين قلقتني؟
ياسين نافياً: "لا مفيش حاجة. متشغليش بالك. المهم في حاجة تانية إنتِ مخبياها عني. مش ناقص قنبلة من اللي اسمه سالم دا في وشي تاني." ابتسمت بوهن قبل أن تجيبه: "الحقيقة فيه.. سليم عايز يتجوز جنة." ارتفع حاجبيه باستفهام: "نعم! يعني إيه عايز يتجوزها؟ وده وقته أصلاً يقول حاجة زي دي؟ "هحكيلك." في وقت سابق دخلت إلى غرفة شقيقتها التي كانت غارقة في ثباتها وكأنها لا تريد العودة إلى عالمهم مرة أخرى.
فتفاجئت بذلك الذي يجلس أمامها بهدوء ويديه تداعب أصابعها الساكنة بينما عينيه بدت وكأنها في حديث خاص مع ملامحها الهادئة. فاحتارت لوهلة فيما تراه وأخذت تسترجع لهفته عليها وخوفه الشديد وإنقاذه لها الذي تكرر أكثر من مرة. وأخيراً ملازمته لها طوال تلك الفترة ورفضه أن يغادر المشفى بالرغم من أنها كانت ترفض رؤيته كلما أخبرتها بوجوده ولكنه لم ييأس ولم يغادر. "بتعمل إيه هنا يا سليم؟ تفاجئ بوجودها ولكنه لم يتأثر
إنما قال بلهجة هادئة: "محبتش أسيبها لوحدها." صححت حديثه قائلة: "قصدك مبتعرفش تشوفها وهي صاحية فبتيجي وهي نايمة صح؟ فاجئها حين لم ينفِ حديثها إنما أجاب ببساطة: "صح." لم تجد أمامها مفراً من الحديث بصراحة فقالت مستفهمة: "عايز منها إيه يا سليم. مش كفاية كل اللي حصلها منكوا." إجابها ببساطة تتنافى مع حجم ما تفوه به: "عايز أتجوزها." "إيه؟ لفظ الهواء بقوة من رئتيه قبل أن يترك يدها ناصباً عوده وهو يتوجه إلى باب الغرفة قائلاً
بفظاظة: "لما تكون قادرة تتكلم عرفيها اللي قولتهولك دا." اغتاظت من حديثه فقالت ساخرة: "حتى بعد ما عرفت إنها ممكن متخلفش تاني." لم تهتم ملامحه وكذلك نبرته حين أجابها: "هتجوزها يا فرح. حتى لو فضلت نايمة كدا عمرها كله. خلفة وغيره مش فارقلي كتير." صاحت تحذره: "بس هي أكيد مش هتوافق وإنت عارف كدا وأنا بصراحة لو مكانها مش هوافق." بدا تصميمه جلياً في نظراته وتضمن لهجته التي كانت فظة كثيراً:
"احتفظي برأيك لنفسك. وبعدين أنا معنديش مشكلة أقعد العمر كله أقنعها توافق." عاندته كما أغضبها: "قصدك تزهقها لحد ما توافق." بلامبالاة أجابها: "مش هتفرق المهم في الآخر توافق." "عودة للوقت الحالي. حاولت استفزه كتير عشان أعرف سبب رغبته في الجواز منها بس طبعاً مقالش أكتر من كدا." هكذا تحدثت فرح فأجابها ياسين ببساطة:
"باين أوي إنه بيحبها. وبالرغم من اللي حكيتيه بس سليم مش وحش. الموضوع صعب وأي حد في مكانه كان هيبقى دا موقفه." زفرت بتعب قبل أن تقول باذعان: "عندك حق. بس جنة لا يمكن هتوافق." سليم بتفكير: "هنشوف… المهم اعملي حسابك تجهزوا حاجتكوا كلها كام يوم وجنة تروح تعمل الفحوصات وهتطلعوا على عندنا. أنا لولا حالتها مكنتش سمحت بكدا أبداً." شعرت بحزمة من الوخزات الموترة تضرب عمودها الفقري حين سمعت كلماته عن المغادرة وقالت بتوتر:
"تمام.. اللي.. تشوفه." ياسين بتهكم: "آه مانا شايف." فرح باستفهام: "شايف إيه؟ أجابها ساخراً: "شايف عينين بتطق شرار وهي بتبص علينا من الشباك اللي هناك دا." أوشكت على الالتفات فنهرها قائلاً: "متبصيش. خليه يطق شوية. أنا أساساً مش طايقه وفرصة أضيقه." خطت إلى داخل الغرفة وهو خلفها. فوقفت أمام الباب تشاهده وهو يتقدم ويضع الطفل فوق المخدع قبل أن يقبله قبلة حانية فوق جبينه الناصع.
جعلت قلبها يدق بعنف فهي للآن لم تقبل طفلها ولم تشم رائحته. لم تحظى بلحظة دافئة معه على عكس الجميع. وقد كان هذا مؤلم كثيراً لقلبها الذي تجلى ألمه على ملامحها وعينيها التي أغمضتها للحظات. قطعها صوته الذي تشوبه لهفة كبيرة حين قال: "إنتِ كويسة؟ كانت تود الصراخ قائلة لا ولكنها تجاهلت ألمها وتقدمت تلتقط محرمة ورقية من فوق الطاولة تجفف بها دمعة خائنة تسللت من طرف عينيها قبل أن تقول بجفاء: "كويسة.. شكراً. تقدر تنزل."
أغضبته كلماتها والأكثر أنها كانت تعطيه ظهرها تحاول وضع جدار فاصل بينهم لكي لا تتألم أكثر من ذلك. سمعت صوت الباب يغلق فعلمت بأنه غادر فالتفتت بلهفة. فإذا بها تتفاجئ به يقف ممسكاً بمقبض الباب وهو يقول بعينين تكاد تنفجر من شدة الغضب الذي تسلل إليها جراء تهوره. فقالت بجفاء: "اتفضل اخرج بره." أجابها بصرامة: "عايز أتكلم معاكِ." جهرت معاندة: "وأنا مش عايزة أتكلم معاك." تحدى بفظاظة: "يبقى تسمعيني."
كان الفضول بداخلها يأكلها لمعرفة ماذا يريد أو لنقل بأنها كانت ترغب بحديثه. ولكنها تأبى الإفصاح عن ذلك لذا هبت أن تصيح معارضة. ففاجئها حين قال بخشونة: "أنا طلبت إيدك من فرح. قالتلك؟ تسمرت للحظات في مكانها فشقيقتها لم تخبرها شيئاً كهذا. ولكن تلك فرصتها لتجعله يتذوق نيران أحرقها بها سابقاً. لذا توجهت إلى المقعد تجلس بهدوء فقد كانت ملامحها جامدة تغلفها بقناع من الثلج الذي يتنافى مع تلك النيران التي تحيط بهم.
وبنبرة جافة أجابته: "آيوا قالتلي. وأظن إن إجابتي وصلتك من زمان." كانت عينيه تطالعها بشغف واشتهاء نابع من احتراقه بالشوق المضني الذي فاقت حرارته النيران المندلعة بالخارج. وقال بهمس خافت: "عايز أعرف الإجابة منك." نظراته وهسهسه وأنفاسه المحيطة بها كانت كفيضان مباغت ضرب سداً هشاً فأجهز عليه. فانهارت داخلياً ولكنها أبقت القشرة الخارجية جامدة لا تتأثر بشيء. وبعينين ثابتتين ونبرة قوية أجابته:
"لو آخر راجل في الدنيا عمري ما هتجوزك! لم تكن تلك المرة الأولى الذي يستمع فيها إلى هذا التصريح. ولكن الآن بعدما أُزيلت كل الحواجز التي تمنع اجتماعهم كان الأمر بالنسبة له كارثياً. لذا تقدم خطوتين منها وقال بنظرات يملؤها التصميم الذي تضمن لهجته حين أجابها قائلاً: "طب اعرفي بقى إن أنا الراجل الوحيد في الدنيا دي اللي هينفع تتجوزيه." صاحت معاندة: "يبقى هشيل فكرة الجواز من دماغي خالص."
كانت الشيء الوحيد الذي اشتهاه بكل جوارحه والتنازل عنه درب من دروب المستحيل. فتحدث بلهجة تحمل الهدوء والخطر معاً: "وماله شيليها براحتك وأنا هعرف بطريقتي أدخلها تاني في دماغك." كان لتمسكه بها وقعاً مثيراً على قلبها ولكنه لم يفلح في تخدير أوجاعها التي عادت إلى السطح بقوة. جعلتها تقول بنبرة ساخرة: "بصراحة فاجأتني وعجبني إصرارك أوي وعشان كدا هسلهالك. في سؤال لو جاوبتني عليه بصراحة هنزل دلوقتي أقولهم إني موافقة أتجوزك."
تنبهت حواسه لحديثها الذي جعل أنفاسه تتضارب في صدره بعنف حتى أوشكت على تحطيم ضلوعه. وبأنفاس مقطوعة أجابها: "سؤال إيه؟ وضعت سيف الحيرة الباتر على رقبته حين قالت بملامح متألمة ولهجة مجروحة: "لو مكنش حازم ضحك عليا وكان كل شيء حصل بينا برضايا كنت هتفضل مصر تتجوزني كدا بردو؟ كانت كمن حفر بئراً من الجحيم وألقاه به؟
أوهمته ببلوغ الجنة وأحكمت غلق بابها بأصفاد نارية ولزاماً عليه عبوره أو الاحتراق بنيران الفراق الذي كان أقوى من استطاعته على التحمل. أغمض عينيه للحظات قبل أن يعيد فتحها من جديد زافراً الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة وهو يقول بنبرة ثابتة استقرت في منتصف قلبها: "لا!! تجمدت الدماء بأوردتها حتى صارت جليداً فقد كانت تتوقع تلك الإجابة ولكنها كانت ترفضها بشدة. كانت تتمنى لو أنه يقول بأنه يتقبلها بكل شيء مهما بلغ سوءه. ولكنه
فاجأها حين قال بلهجة قوية: "الموضوع مش شخصي يا جنة. ولا ينفع نحكم فيه بمشاعرنا." هبت غاضبة وقالت بنبرة ساخطة: "مش هتفرق معايا حكمت بإيه المهم الجواب النهائي." "تبقي غلطانة.. قوليلي يا جنة لو شوفتي شخص بيقتل قدامك مهما كانت مبرراته هتقدري تأمنيله؟ يعني هتقدري تديله ضهرك وإنتِ مطمنة؟ ورجاءً جاوبيني من غير جدال." جذب انتباهها بكلماته التي أخمدت ثورتها للحظات وأجابته باختصار: "أكيد لا." فتابع مستفهماً:
"طب ولو عرفتي إنه قتل أغلى شخص عنده في الدنيا عشان سبب تافه. هتقدري تعيشي مع الشخص دا وتأمنيله عادي؟ أجابته بفضول لمعرفة ما وراء حديثه: "أكيد لا. مينفعش آمنله بعد ما عمل كدا." أجابها بلهجة منتصرة: "شوفتي بقى. الموضوع كله هنا في الأمان.. لما بنت تقبل تتجوز عرفي عشان سبب تافه زي إنها بتحب دا اسمه قتل. قتل لكرامتها وعزة نفسها وسمعتها. تحت مسمى تافه اسمه الحب. دي ينفع يتأمنلها إزاي؟
إذا كانت هي أصلاً مكنتش أمينة على شرفها اللي مفروض أغلى حاجة عندها في الدنيا يبقى هتبقى أمينة على شرف جوزها؟ وقعت كلماته عليها كصاعقة برق أصابتها في أكثر نقاطها ألماً. فهبت معارضة بلوعة: "بس أنا معملتش كدا. أنا قبلت أمضي على ورقة تضمن إنه يتمسك بالحياة عشان يتعالج. عمري ما كنت هوافق إنه يتمادى معايا أكتر من كدا. أنا عمري حتى ما سبته يمسك إيدي."
كانت ترفق كلماتها المجروحة بعبرات سقطت كجمرات فوق قلبه الذي أعلن إسلامه أمام عشقها الضاري. فاقترب منها خطوتين ويديه تقترب منها تحاول تهدئتها. فتراجعت هي إلى الخلف بجزع أصابه في الصميم فقال بلهفة: "أنا عارف إنك معملتيش كدا. أنا بس حبيت أفهمك إن زي ما الست بتبقى محتاجة من الراجل الأمان هو كمان بيبقى محتاجه منها." لانت نظراتها قليلاً حين تحدث هكذا وبداخلها شيء قوي يخبره بأنه على صواب في كل كلمة قالها.
ولكنها أبت التراجع عن موقفها فتابع سليم بخشونة: "صدقتي أو لا أنا كان عندي إحساس كبير إنك متعمليش كدا. بس لسبب جوايا كنت بكذبه أو بمعنى أصح بقاومه. لكن دلوقتي.." قاطعته بصرامة: "دلوقتي مفيش أي حاجة اتغيرت. إحنا زي ما إحنا. ولو أنا رفضت الجواز منك قبل كدا مرة. فأنا دلوقتي هرفضه ألف مرة." كانت طريقة احترافية في الانتقام وقد تقبلها هو بثبات على عكس ألمه الداخلي والذي حاول قدر الإمكان أن يتجاوزه حين قال بثبات:
"طلبتِ مني إجابة صريحة وجاوبتك. وإنتِ وعدتي إنك هتوافقي لو جاوبتك بصراحة." اغتاظت منه بشدة فحاولت أن تغضبه فهي تعلم أنه ليس برجل صبور أبداً ولن يتقبل سخريتها. "هو أنا مقولتلكش. أصل أنا عيلة وميتأخدليش على كلام والحق عليك إنك صدقتني.. ودلوقتي أعرف إني عمري ما هوافق أتجوزك أبداً." كان يعلم محاولتها في استفزازه فتجاهل ذلك. وبدلاً من الغضب عليها فقد راقت له تعابير وجهها الطفولية.
فتأكد بأنه أمام طفلة لم تكبر روحها فابتسم بخفوت قبل أن يقول ساخراً: "طب كويس إنك عرفتيني إنك عيلة وما يتخدش على كلامك." تنبهت لمغزى حديثه فانتفضت أوردتها غضباً وقالت بانفعال: "لو سمحت اتفضل عشان تعبانة وعايزة أنام." أراد إغضابها فقال ساخراً: "هبعتلك حد ييجي يقعد معاكِ أصل إحنا مبنسيبش العيال الصغيرة يقعدوا لوحدهم."
ألقى جملته الساخرة في وجهها قبل أن يغادر وعلى فمه ابتسامة مستفزة جعلتها تصرخ بغضب وصل إلى مسامعه وهو يغادر إلى الأسفل. طرقات خافتة على باب الغرفة جعلته يدرك من القادم. فتوجه إلى مقعده خلف المكتب و بداخله نيران تود لو تحرق الجميع وعلى رأسهم هي! لم يفلح أحد في إثارة غضبه كتلك المرأة التي لا يعلم كيف يتعامل معها ولا يفلح في تجاوزها. وكأنها وقفت بالمنتصف بينه وبين قدرته على التحكم في كل شيء يدور حوله.
زفر معاناته بغضب قبل أن يأمر الطارق أن يدخل فانفتح الباب وأطلت شيرين التي صلحت زينتها واستعادت وعيها بالكامل قبل أن تدلف إلى غرفته. فقد كانت تخشى هذا اللقاء كثيراً بالرغم من أنها من خططت له. "قالولي أول ما فوقت إنك عايزني." تحدثت بوداعة ورقة تميزها كثيراً فأجابها بفظاظة: "عاملة إيه دلوقتي؟ حادثته بخفوت: "الحمد لله." أومأت برأسه قبل أن يقول بخشونة: "إيه اللي حصل؟ تدحرجت العبرات على خديها قبل أن تقول بخفوت:
"مبقتش قادرة أتحمل اللي بيحصل." بدا غير متأثر بعبراتها وقال بفظاظة: "اللي هو إيه؟ انفعلت بنبرتها الرقيقة تزامنًا مع عبراتها الغزيرة علها تؤثر به: "خيانة وإهمال وبهدلة وآخرهم.. الضرب! توسعت عينيه من حديثها وارتسم بهم غضب مخيف تجلى في نبرته حين قال: "ضربك! أومأت برأسها دون حديث فتبدلت ملامحه إلى أخرى مكفهرة. فأتاه صوتها المجروح حين قالت بألم: "ارجوك متقوليش إنتِ اللي اخترتيه؟ ظلت ملامحه على حالها ولكن
لهجته كانت موبخة حين قال: "إنتِ اللي قولتي مش أنا." هبت من مكانها قالت بانفعال: "اخترته عشان قدملي أكتر حاجة كنت محتاجاها. كان أكتر حد بيهتم بيا وبيقف جمبي في حين إن خطيبي كان مشغول بأمور العيلة والفلوس والشركات وناسيني." لم تتأثر ملامحه شبرًا واحدًا ولا حتى نبرته حين خاطبها: "خدتي نصيبك اللي تستاهليه. الموضوع ملوش علاقة بيا أو بغيري." اغتاظت من حديثه فقالت بإنفعال: "بس إنت عارف إني عمري ما حبيت…" قاطعها بصرامة:
"تقدري تخرجي وأنا هشوف شغلي معاه." لم تجادله إنما قالت بغضب: "أنا عايزة أطلق منه." أجابها بلامبالاة وعينيه موجهة على الحاسوب أمامه: "هربيه الأول وتبقي نشوف بعد كدا." اقتربت من مكتبه إلى أن وصلت أمامه مباشرة وقالت بهمس: "سالم." رفع أنظاره الجامدة إليها دون حديث فتابعت بعينين يملؤهما الضعف والامتنان الذي شكلا مزيج خطر لا يقاوم: "ميرسي عشان متخلتش عني وأنا في عز ضعفي."
أرفقت جملتها بعبرات زائفة كزيف حديثها وضعفها المفتعل. فأجابها باختصار: "العفو." طرق على باب الغرفة جعلت جميع حواسه تتأهب فقد علم هوية صاحبتها التي كانت هي بطلة أحلامه نوماً ويقظة. والتي كان يعاني من أجلها منذ دقائق والآن أتت بقدميها إليه. فتقاذفت دقاته وتجلى ذلك للحظة في عينيه. وقد لاحظت ذلك تلك الأفعى التي تتلون بلون الضعف لتأثره في شباكها مرة أخرى. وقد أنوت تلك المرة أن تصيب هدفها بإتقان.
أطلت فرح برأسها من الباب وتفاجئ بشيرين التي تقف أمام مكتب سالم الذي كانت نظراته منصبه فوقها بتركيز. فقد أوشك أن يقع فريسة لسحرها منذ ساعات ويفصح عن ما يجيش بصدره نحوها ويؤرق لياليه. ولكن أنقذه القدر باللحظة المناسبة. وقد عنف نفسه بشدة وقرر أن يتجاهل وجودها حتى يعلم أي طريق عليه أن يسلك معها. ولكنها كعادتها تفاجئه وتأتي إلى عرينه. "أهلاً يا… تقريباً فرح؟ هكذا تحدثت شيرين وهي تطالع فرح بهدوء ونظرات صافية.
فأجابها فرح باختصار: "أهلاً." كانت لهجتها يشوبها العدائية. فتراجعت شيرين خطوتين إلى الخلف وأعادت أنظارها لسالم الذي لم يندهش لطريقتها إنما شعر بالانتشاء للحظات. فقد رأى ما خلف نظراتها. ولكنه لم يعلق بل ابتسم لشيرين قبل أن يقول بنبرة هادئة: "اطلعي أنتِ عشان ترتاحي أنتِ جاية من سفر وأكيد تعبانة." لم تتفاجئ شيرين من حديثه معها فهي تدرك جيداً ما يحدث. لذا أكملت لعبته حين قالت برقة:
"أنا فعلاً تعبانة جداً. مرة تانية ميرسي يا سالم حقيقي أنتِ مفيش منك." كان الأمر مثيراً للضحك فكلاهما يلعب مع الآخر حتى يصل إلى مبتغاه. وهي وحدها من تقف بالزاوية تحترق للحد الذي جعلها لا تستطيع الصمت. فما أن غادرت شيرين الغرفة حتى تحدثت ساخرة: "ياااه تصدق اللي زيك خلصوا من زمان." كانت النيران مشتعلة بحدائق الزيتون الذي يلون حدقتيها. وقد كان هذا يروق له فمن العدل أن تتذوق قليلاً مما تجرعه في الأيام المنصرمة.
لذا تابع اللعب على أوتار غضبها قائلاً بغرور: "أنا مفيش زيي أصلاً." اللعنة على غروره فقد كانت تسخر منه لا تجامله. ذلك المتغطرس الوغد كما كانت تسميه يعود إلى ألعابه السابقة. ولكنه لم تجعله يستفزها لذا قالت ساخرة: "دا من رحمة ربنا بينا." حاول كبت ضحكة كادت أن تظهر على شفتيه. فقد كان مظهرها وهي تكظم غيظها مثيراً للحد الذي جعله ينسى كل شيء ويستمتع بنزاله معها الذي اشتاقه بكل جوارحه. "كنتِ عايزة إيه؟
باغتها سؤاله الفظ الذي لم تكن تتوقعه. فهي كانت مترددة في إخباره بما تريد وكان تخشى أن يتطرق الأمر إلى ما حدث صباحاً عن سبب رغبته في الزواج منها. فقد شعرت بأنه سيخبرها بشيء مهم. ولكن اتصال ياسين حال دون ذلك أو لنقل أنقذها من شيء لن تستطيع تحمله. طال صمتها كثيراً مما جعله يستمتع بمراقبتها دون أن تشعر. وبداخله رغبة ملحة في الاقتراب منها والاستمتاع بمراقبتها عن قرب. كان يشتهيها بقوة. يريد منها كل ما يتاح له أخذه.
يريد محادثاتها وإغضابها مراضاتها والعبث معها بالكلمات وربما بالأفعال. يود احتضانها حتى يستمع إلى صوت طقطقة عظامها بين ذراعيه. يود تقبيلها حتى يدمي تلك الشفاه الرائعة من كثرة التقبيل. يود لو يعاقبها على شوقه الضاري نحوها ومن ثم يراضيها بطريقة تشبع جوعه الشديد لها. للحظة تخيل أن تخضع تلك المهرة الأبية تحت سيطرته. يبثها مشاعر عاتية قد لا تتحملها قوتها التي تدعيها.
"كنت عايزة أطلب منك تقنع الحاجة أمينة إنها متضغطش على جنة في موضوع إننا نفضل هنا." ضربه قوية اخترقت خيالاته الجامحة تجاهها حين سمع ذلك الحديث الذي لم يكن يتوقعه أبداً. فتبدلت ملامحه المرتخية إلى أخرى مشدودة. جعلتها تدرك أنه غاضب بشدة وقد هالها مظهره. حين نصب عوده الفارع وتقدم منها بخطى سلحفية بينما عينيه تحمل وعيداً تجلى في نبرته حين قال: "إنتِ عايزاني أقنع الحاجة إنها تسيبكم تمشوا من هنا!
كان استفهامه يحمل تهديداً صريحاً بينما عينيه تتحداها أن تؤكد على ما تفوهت به. فجاهدت ألا تتراجع إلى الخلف قائلة بنبرة هادئة: "مش بالظبط بس جنة من وقت اللي حصل وهي مش مظبوطة وخايفة لو ضغطنا عليها في أي حاجة تتعب أكتر أو تنهار. دا كلام الدكتور النفسي لينا." لم يفلح حديثها في إخماد غضبه فقال بلهجة خطرة: "وإنتِ إيه رأيك؟ إجابته بتوتر: "في إيه؟ هسهس بغضب: "عايزة تمشي من هنا؟
احتارت بما تجيبه أو لنقل لا تعلم بما تجيبه فاخفضت بصرها قبل أن تقول بلهجة يشوبها الحزن: "كدا ولا كدا هييجي يوم وأمشي. دا مش مكاني. وبصراحة أكتر أنا كنت جايه عشان أقولك إني همشي مع ياسين دلوقتي. وجودي مبقالهوش داعي. أتمنى تكون فهمتني…" شهقة قوية خرجت من جوفها حين تفاجئت بيده تقبض على معصمها تجذبها إليه بعنف. جعلها ترتطم بسياج صدره الذي كان يخفق بجنون. لا يعلم غضباً أو شوقاً.
جل ما يدركه في تلك اللحظة أن هذه المرأة قضت على مخزون الصبر لديه. فضرب بكل شيء عرض الحائط وليذهب التعقل إلى الجنون: "مكانك هنا. سواء اتقبلتي دا أو لا؟ إنتِ آخر واحدة ممكن تمشي من القصر دا." كان قريباً منها بدرجة مرعبة يحاوطه بقوة جعلتها ترتجف داخلياً. وخاصة حين شدد من قبضته على رسغها فقالت بارتباك: "سالم مينفعش كدا." قاطعها بصرامة أخافتها: "سمعتيني؟ ولا أسمعك تاني؟
غضبت من ضغطه الشديد عليها وودت لو تخبره بأنها تخشى تلك المشاعر التي يقذفها بداخلها. تخشاه ولا تضمن نفسها بجواره تخشى كل شيء. لذا قالت بحدة: "مسمعتش ومش هسمع و بالنسبالي مش هقبل إنك تفرض سيطرتك عليا لمجرد إنك مفكر نفسك الطرف الأقوى." ود لو يطلق ضحكة ساخرة من جوفه الذي يحترق بقربها في تلك اللحظة. تظن أنه يرى نفسه أقوى؟ ولا تدرك بأنه لأول مرة بحياته أصبح ضعيفاً أمامها.
كان يشعر تجاهها بإنتماء وكأن ضلعه الأعوج يحن إلى تلك التي خلقت منه. نعم هي له ومنه وبها سيكتمل. "مين قالك إني شايفك ضعيفة. أو إني أقوى منك. لو كنتِ عايزة تسمعيها مني فأنتِ أول ست أقابلها وانبهر بقوتها." كان يتحدث هامساً ولكن ذلك الهمس كان يخترق قلبها بقوة ويستقر في أعماق فؤادها الذي تعثرت نبضاته. حين أكمل: "إنتِ الوحيدة اللي حققتي المعادلة الصعبة وجيتي زي ما كنت عايز بالظبط."
هنا تذكرت جملته أمام والدتها حين أخبرها بأن الرجل يريد امرأة معه ورجل في غيابه. ترى هل كان يقصدها وقتها؟ هل يحمل بداخله شيئاً خاصاً لها؟ سري الضعف بأوردتها وخارت قواها في القتال. فقد كانت تخشى من تكرار جرحاً لم تحتمله مرة أخرى خاصة وأن كان منه. فخرج همسها خافتاً: "انت عايز مني إيه؟ "عايزك يا فرح." كانت إجابته قوية بقدر وضوحها تخفي الكثير بين طياتها. مما جعلها تشعر بالرغبة في الهرب.
وكأنه شعر بما تنتويه فشدد من قبضتيه فوق ذراعيها قبل أن يقول بعينين التي تلتهمان تفاصيل وجهها الرائع: "عايزك بكل ما في الكلمة من معنى…" قاطع حديثهم صوت طلقات نارية اخترقت مسامع الجميع وووويتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!