الفصل 14 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
26
كلمة
8,012
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

انهى جمع حقائبه وأرسلها إلى السيارة، متوجهًا إلى الأسفل. فسمع شهقة قوية خرجت من والدته، التي أخبرها "سليم" بما حدث. صاحت حين وقعت عيناها عليه: "كلام إيه اللي بسمعه ده يا سالم؟ زفر بحنق قبل أن يجيب بجمود: "معنديش معلومات عشان أقولها لك يا ماما. أنا مسافر القاهرة وهشوف بنفسي حصل إيه." كان الجميع يلتزم الصمت أمام غضبه الضاري، وخاصة هي. ولكن قد جاء الوقت لتضرب بيد من حديد، فقالت بغضب مفتعل:

"الكلام ده معناه إن فيه خاين في الشركة! توجهت نظراته إليها، تشملها بنظرة كانت مرعبة، ولهجة تشبهها حين قال بفظاظة: "وعرفتِ ده لوحدك؟ تحركت بخيلاء، تتهادى في مشيتها، قبل أن تقف أمامه وتقول بتهكم: "آه تخيل. أصل أنا واحدة بفكر بعقلي، مش لاغياه وماشية ورا مشاعري." رمقها بسخرية وقال بفظاظة: "غريب عليكِ أوي الموضوع ده! ويا ترى وصلتي لأيه؟ يا عاقلة! قال كلمته الأخيرة بلهجة هازئة أثارت حنقها، فأجابته مندفعة:

"الخاين ده أنت مصر تقربه منك يا سالم. مين معاه إيميل الشركة غيرك أنت وسليم؟ لم تتغير نبرته حين أجاب باختصار: "مين؟ بلهجة مسمومة نابعة من قلب فاض به الشر: "فرح!! شهقات متتالية اندلعت من حولهم، فتابعت "شيرين" بقوة: "مش كانت سكرتيرتك؟ أجابها "سالم" من بين أسنانه: "وهتبقى مراتي. فخلي بالك من كلامك." "وعشان كده هتستثنيها من حساباتك صح؟ المال مش مالك لوحدك يا سالم بيه!! ده مالنا كلنا، يعني اللي سرق سرقنا كلنا."

تراجعت للخلف خطوتين حين هالها مظهره، فتابع بقسوة: "الخاين هعرفه وهعاقبه قدامكم كلكم." شددت على كلماتها حين قالت بتحدي: "ولو طلعت هي اللي خاينه وسرقت الفلوس هتعمل إيه؟ أجابها باختصار: "وقتها هتعرفي!! أنهى كلماته وتابع سيره دون أن تغير غضبها أي اهتمام، ولكن وجهه كان مكفهرًا وملامحه متجهمة. فما أن اختفى عن الأنظار حتى صاحت "أمينة": "أنتِ عمالة تعكي يا بنت همت، وهييجي على دماغك في الآخر." أجابتها "شيرين" بوقاحة:

"عشان بقول الحقيقة أبقى بعكي!! "لا عشان فكرك إنك مش مكشوفة؟ وأننا ناس هبلة هتضحكي عليهم. بس وماله خلينا ورا الكداب." اختتمت جملتها بعد أن ألقت عليها نظرة حانقة محتقرة، وتابعت صعودها للأعلى ترافقها "حلا". فتقدمت "همت" من ابنتها وقالت بنبرة خافتة: "اللي حصل ده ليكي يد فيه؟ لم تجبها شيرين، إنما توجهت إلى غرفة الصالون، فتبعها "همت" التي أغلقت الباب خلفها وهي تقول بنبرة ساخطة: "جاوبيني." "أنتِ بره الليلة خلاص، بتسألي ليه؟

تعاظم الغضب بداخلها، فأجابتها بحدة: "اتعدلي يا بت ناجي! إيه الجينات الزبالة نقحت عليكِ ولا إيه؟ جن جنونها، واستقرت الكلمات في منتصف جرح غائر بداخلها، فصاحت بعنف: "أوعي تغلطي في أبويا.. أبويا اللي اتخليتي عنه ورمتيه لما أخوكي شاور لك. أبويا اللي عمل كل حاجة في الدنيا دي عشان خاطرك وخاطرنا. رمتيه واتطلقتي منه ومفكرتيش تسألي عنه ولا مرة. لو جبتي سيرته مش هسكتلك أبدًا."

صدق ظنها، فابنتها الآن تشبه إلى حد كبير ذلك المسخ الذي أحبته يومًا، بالرغم من أنه كان ابن عمها، إلا أن دماءه كانت ملوثة. يحقد وبقوة على أشقائه. أوهمها ذات يوم بأنه يعشقها، ولكن الحقيقة أنه كان طامعًا بأموالها فحسب، لتستيقظ ذات يوم على صفعة خذلان قوية نالت من قلبها وروحها، وللآن لم تتعافى منها.

"دانا اللي مش هسكتلك يا شيرين.. أبوكي اللي بتدفعي عنه ده سرقنا، وخاننا. اتسبب في موت جدك وجه ياخد عزاه عادي من غير أي إحساس بالذنب. سنين عايش معانا بياكل من خيرنا وهو بيعض الإيد اللي اتمدتله. أبوكي ده أسوأ إنسان على وجه الأرض. اخترتيه ووقفت قدام أهلي عشان أتجوزه، وهو بالمقابل عمل إيه؟ كسرني وكسرهم وخاننا كلنا." كانت تنتفض بحرقة وهي تتحدث، وانهمرت عبراتها حين تابعت بقهر:

"هنا بالظبط اكتشفت خيانته لما جت البت السكرتيرة اللي كان مرافقها وحكت كل حاجة. كان بيخونى من أول يوم جواز.. سرق فلوس أبويا وفلوسي، وبسببه خالك منصور جاله جلطة من الزعل. كنا هنروح في ستين داهية واسم الوزان كان هيبقى في الأرض لولا إن ربنا دايما بيقف مع الحق. وقدرنا نرجع مكانتنا تاني. سالم اللي أنتِ بتجري وراه ده عمره ما هيفكر فيكِ أبدا. عارفة ليه؟

عشان بيجري في عروقك دم ناجي. كنت الأول في صفك وبقول يمكن، لكن دلوقتي لأ.. أنتِ متصلحيش تبقي مراته ولا مرات كبير عيلة زي دي… يا بنت ناجي…" ألقت كلمتها الأخيرة كسبّة، متبوعة بنظرة محتقرة استقرت في صدر تلك التي استنكرت ما سمعته أذناها بشدة، فصرخت غاضبة:

"كذب.. أبويا أشرف من الشرف.. التعابين اللي حواليكِ دول هما اللي سمموكِ عشان كانوا كارهينه وكانوا عايزين ياخدوا تعبه وشقاه.. وأنتِ طول عمرك تابعة لأمينة بتقولي حاضر ونعم وبس. لكن أنا مش زيك. وفخورة إني بنت ناجي. وسالم بيه الوزان نصيبه معايا أنا سواء عجبك أو لأ.. سواء بيحبني أو لأ."

كانت تعلم كيف يدق قلب الأنثى لمن لا يكترث له، تعلم جيدًا كيف يكون ذلك الشعور بأن يفضل أحدهم شخصًا آخر عليك، ولهذا تجاوزت عن كل شيء، واقتربت منها تقول بحنان ولهجة متألمة: "أنا عارفة اللي أنتِ فيه مش سهل… وحاسة بيكي، بس أنتِ اخترتي من الأول وحصل اللي حصل وربنا وحده اللي عداه على خير. بلاش تأذي نفسك وتأذينا معاكِ. سالم مش هيظلمنا حتى لو مدناش أرض هيدينا أضعاف تمنها، أنا عارفاه. بلاش نبقى أعداء، كفاية كده." صرخت بقهر:

"لا مش كفاية.. وحقنا ده أبسط حاجة هناخدها. وكدا كدا هناخده. لكن رد اعتبارنا وكرامتنا وكرامة أبويا اللي خرج من هنا متهان دي مش هتعدي بالساهل…" خربش الشك جدران قلبها، فقالت بترقب: "اشمعنى دلوقتي جاية تدوري على حق أبوكي وكرامته؟ في إيه وراكِ؟ أنا مش مطمنالك؟ "لا اطمني.. أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس أوي…" أنهت جملتها وأوشكت على المغادرة، فقامت "همت" بإمساكها بقوة من رسغها، تديرها إليها قبل أن تقول بلهجة خطرة وعينين

انبعثت منها نيران الغضب: "أنتِ بتتواصلي مع ناجي؟؟؟ ابتلعت ريقها قبل أن تقول بلهجة جامدة: "لا…" *** قد لا تعلم ما ينقصك إلا عندما تراه.. هكذا كان الأمر معها...

فسابقًا كانت الأشياء تتعقد والعالم يظلم ويضيء، وهو ثابت لا يتململ، يدرك مسؤولياته ويحملها دون أي تضرر. يعلم وجهته جيدًا، وبأنه الكتف الذي اعتاد أن يسند الجميع دون أن يهتز. ولكنه الآن لأول مرة يشعر بحاجته للاتكاء. لأن يضع رأسه على كتف أحدهم ينشد الراحة التي تتلخص في قربها. كانت هي الكتف الذي أشعره بحاجته طوال تلك السنوات. لم يتخلل إلى قلبه أي ضعف إلا عندما وقع بعشقها. هي من أضاءت له عتمة حياته، وكأنه برؤيتها وجد ما

كان ينقصه واكتملت روحه بقربها. لهذا، ولأول مرة بحياته، لم يخجل من إظهار ضعفه حين قام بإمساك الهاتف ينوي الحديث معها. فجاءه الرنين الذي كان يتراقص مع دقات قلبه التي تقرع كالطبول، تترقب سماع صوتها الذي لم يتأخر بالإجابة، وكأنها شعرت به.

"سالم…" باغتها حين قال بخشونة: "وحشتيني…" لم يكن اشتياقًا فقط، بل احتياجًا قاتلًا لوجودها. حملته لهجته، فلامس قلبها، لتجيبه بلهفة: "انت كويس؟ أجابها باختصار: "يعني." "فيك إيه؟ طمنّي؟ لأول مرة يحتار كيف يصيغ حروفه؟ كيف يخبرها بما هو أعمق من الكلمات بكثير، ولكنه اكتفى بكلمات بسيطة كانت ملخصًا لكل ما يحمله بقلبه من ثقل: "عايزك معايا…"

كان هذا ما يشعر به في تلك اللحظة، بأن وجودها سبب كاف لانتهاء كل الأشياء السيئة. فلامست كلماته حواف قلبها الذي تعثرت نبضاته من فرط التأثر، فقالت بلهجة خافتة يشوبها الخجل: "هانت. كلها كام يوم ونكون مع بعض…" أضاف مصححًا: "إن شاء الله… دايمًا قدمي مشيئة ربنا قبل أي حاجة." أضافت مصححة: "إن شاء الله.. بس أنا حاسة إن فيك حاجة ومش عايز تقول عليها." أجابها بخشونة: "هتعرفي كل حاجة لما أشوفك.. قوليلي حاجتك هتوصل إمتى؟

"أنا جهزتها، المفروض هتوصل النهاردة إن شاء الله.. بس…" هكذا توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها، فلم تستطع أن تكمل بسبب الخجل، فهي لم تكن تريد لأي شخص أن يطلع على ملابسها أو أشياءها الخاصة. ففطن هو لما تريد أن تقوله، فقال باختصار: "متقلقيش، محدش هيدخل الجناح بتاعك لحد لما تنوريه…" ارتاح قلبها كثيرًا، فقالت بخجل: "طمنتني.. شكرًا بجد إنك فاهمني من غير ما أتكلم."

كان يود لو يحطم ذلك الهاتف ويذهب إليها ويخبرها كم أنه يحتاجها ويشعر بكل ما يدور بداخلها، حتى أنه يعلم تمامًا كيف صارت ملامحها وكيف نبت محصول التفاح الشهي ليضيء وجنتيها الجميلة. ولكنه اكتفى بإخراج زفرة حارة من جوفه قبل أن يقول مازحًا: "ولسه لما تعرفي إني ناوي أرتب معاكِ كل حاجة. ماهو مش معقول هسيب عروستي الحلوة تتعب وأنا موجود…"

تلاحقت أنفاسها وهي تتخيله يجلس بجانبها ليرتب معها أشياءها وبعض الملابس الخاصة بالعرائس التي لا تعلم كيف أقدمت على شرائها، فودت في تلك اللحظة لو تختفي من العالم من فرط الخجل، فخرجت الكلمات متلعثمة من بين شفتيها حين قالت: "إيه.. لا، طبعًا. وتتعب نفسك ليه؟ أنا هعمل. كل حاجة." نجح ارتباكها في رسم ابتسامة خافتة على ملامحه المتصلبة، فأجابها بخشونة: "ياريت كل التعب يكون بالشكل ده…" "نعم.. يعني إيه؟

هكذا سألته باندفاع، فخرجت منه ضحكة خافتة قبل أن يقول بفظاظة: "هبقى أشرحلك عملي. المهم اللاب توب بتاعك هييجي مع حاجاتك صح؟ "اها هبعته. في حاجة ولا إيه؟ هكذا استفهمت، فأجابها بلامبالاة: "لا عادي. الجهاز بتاعي حصل فيه مشكلة فهاخد بتاعك فترة لحد ما يتظبط. أنتِ حذفتي أي حاجة من عليه تخص الشغل." "لا خالص، حتى إيميل الشركة لسه مفتوح عليه. أنا تقريبًا مقفلتوش." ابتسم بهدوء قبل أن يجيبها ببساطة:

"خلي بالك من نفسك. ولو احتاجتي حاجة كلميني. واستخدمي الكريديت اللي سبتهالك يا فرح، وده أمر مش طلب." أرادت مشاكسته قليلًا، فقالت بغيظ مفتعل: "مابحبش حد يأمرني." أجابها بفظاظة صارت محببة على قلبها كثيرًا: "أنا مش أي حد." خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها حين قالت: "دي حقيقة على فكرة." "معترفة يعني!! ابتسمت بحب قبل أن تقول بتأكيد: "آه معترفة، مبقاش في مجال للإنكار."

زفر بتعب قبل أن يقول بأنفاس متهدجة وقلب يشدو بعشقها ويهلك من فرط شوقه الضاري لها: "جهزي نفسك بقي عشان كلها كام يوم وهسمع اعترافاتك كلها، والإنكار هيكون له عقاب شديد." ابتسمت بخجل قبل أن تقول بخفوت: "خلي بالك من نفسك." كان اهتمامًا لم يكن يعلم أنه في أمس الحاجة إليه، لذا شعر في تلك اللحظة بامتنان كبير لوجودها في حياته، فأجابها بخشونة: "حاضر." أنهى مكالمته وقام بإجراء أخرى، وما أن أتته الإجابة على الطرف

الآخر حتى قال بفظاظة: "مروان تسمع اللي هقولهولك وتنفذه بالحرف الواحد، ومش عايز مخلوق يعرف حاجة." ***

في اليوم الثاني، كانت تنهي بروفة فستان الزفاف الذي كان أكثر من رائع ويلائمها كثيرًا، وقد شعرت بالفراشات تطير في معدتها من فرط السعادة التي جعلتها تضع يدها فوق قلبها وتتمنى أن تدوم تلك السعادة ولا يحدث أي شيء يعكر صفوها. ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد دق هاتفها برقم غير مسجل، فشعرت بنغزة قوية في قلبها تنذر بأنه هناك شيئًا سيئًا قد حدث، لهذا أخذت نفسًا قويًا قبل أن تجيب بنبرة حاولت أن تكون ثابتة:

"مين معايا؟ أتاها صوت شيرين الساخر حين أجابت: "شيرين الوزان." حاولت تهدئة نفسها قليلًا قبل أن تقول بلامبالاة: "أقدر أعرف سبب اتصالك؟ في حاجة أقدر أساعدك بيها؟ حاولت شيرين إخفاء غضبها قبل أن تقول بهدوء: "الصراحة أنا اللي عاوزة أساعدك." "بس أنا مش محتاجة مساعدتك! هكذا أجابتها فرح، فتحدثت شيرين تهكمًا: "مش لما تعرفي الأول أنا عايزاه في إيه؟ وقتها تبقي تحددي."

بداخلها شعور قوي بالشر تجاه تلك الفتاة، وكان قلبها يتوسل بصمت ألا تستجيب لفضولها وتعطي لتلك الفتاة فرصة لتخريب سعادتها. وقد استجابت لتوسله هذا وقالت بلهجة قوية:

"مش عايزة أكون قليلة الذوق، بس أنا مش فاضية خالص دلوقتي. أنتِ عارفة فرحي كمان كام يوم، فهاضطر أجل كلامي معاكِ لبعد الفرح، وزي ما أنتِ عارفة إحنا هنعيش في بيت واحد، قدامنا وقت طويل عشان نرغى براحتنا. بس دلوقتي أنا حقيقي مش فاضية، فمعلش هقفل معاكِ ونبقى نتكلم بعدين. عن إذنك." هكذا أنهت حديثها وأغلقت الخط، بل الهاتف بأكمله. ولكن هناك شعور قوي داخلها يريد معرفة ما كانت ستخبرها به، فإذا بها تسمع صوت

شقيقتها التي قالت بتشجيع: "عين العقل يا فرح.. البنت دي مش كويسة خالص، وأكيد مش هتكون عايزالك في خير." التفتت فرح إلى جنة التي كانت هي الأخرى تقوم بعمل البروفة الأخيرة على فستانها، التي ما قبلت أن ترتديه سوى بعد إلحاح كبير من الجميع، وخاصة ذلك المجنون الذي أخبرها بصرامة لا تقبل الجدال: "من غير يمين يا جنة.. لو ملبستيش الفستان هاجي أشيلك على كتفي قدام الناس كلها وأدخل ألبسهولك بنفسي."

هكذا أذعنت لأمره، وقبلت بارتداء هذا الفستان الساحر الذي خطف قلبها فور أن وقعت عيناها عليه، كما أعجبها كثيرًا فستان شقيقتها والذي كان يلائمها كثيرًا. ولأول مرة تراها سعيدة بتلك الطريقة، إلى أن أتاها ذلك الاتصال اللعين من تلك الفتاة، والتي بالتأكيد تريد أن تخرب حياة شقيقتها. "أيًا كان اللي هي عايزاه أنا مفيش بيني وبينها حاجة عشان أسمع لها.. كبري دماغك منها. المهم خلصتي؟

"آه خلصت.. متتغيريش الموضوع يا فرح. لازم تقولي لسالم عالي حصل عشان لو فكر يعمل حاجة يمنعها." "خلاص يا جنة كبري دماغك منها، مش طالبة مشاكل وأفلام هندي قبل الفرح، أنا من غير حاجة متوترة. يالا بينا."

زفرت جنة بغضب من عناد شقيقتها، ولكنها لم تعلق بشيء، ولكن بداخلها رهبة كبيرة من شيء سئ قادم. وقد كان شكلها بمحله، فقد كانت شيرين تكاد تجن من رد فعل فرح تجاه حديثها. فقد استغلت غياب سالم وقامت بحجز تذكرة ذهاب وعودة إلى المنيا، حتى تتيح لها فرصة مقابلة فرح. فأتت الأخيرة لتخرب مخططها، فأخذت ترغي وتزبد، لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. وللحظة طرأ على بالها فكرة، شرعت في تنفيذها على الفور، فقامت بالتقاط الهاتف وإجراء مكالمة، وما أن أتاها

الرد حتى أجابت باندفاع: "محتاجة مساعدتك ضروري." كانت كل عضلة به تؤلمه، ناهيك عن غضبه الضاري الذي جعله يقول بحنق: "صرعتي راسي رن رن. عايزة إيه يا حرمة أنتِ؟ صاحت شيرين غاضبة: "اتكلم معايا عدل يا عمار.. ومتنساش إني أنا اللي عرفتكوا طريق ولاد عمك والمصايب اللي عملوها." "ضربتك على إيدك عشان تاجي تقولي لي ولا أنتِ اللي عملتي أكده من نفسك؟ "يعني هتتخلى عني بعد ما ساعدتك؟ زفر غاضبًا وخرج صوته حادًا:

"إيه اتخلى عنك دي يا بت الحلال، هو أنا جوزك وأنا معرفش. وبعدين أنتِ عايزة إيه؟ خلاص عرفنا كل حاجة واتحلت كل المشاكل. عايزة إيه مني؟ صاحت بانفعال: "لا متحلتش.. سالم هيتجوز فرح! عادي عندك إنه ياخدها منك؟ مش دي بنت عمك وأنت أولى بيها؟ صاح بانفعال: "أنا محدش يجدر ياخد حاجة مني. وفرح أنا مرايدهاش من الأول وإن كانت عايزاه ف أنا مش هوقف في طريقها تشبع بيه."

"عادي كدا.. مش سالم دا اللي اتخانق معاك وضربك قدام الناس كلها. ووقف قدام جدك شكلك إيه لما الناس تعرف إنه خد خطيبتك؟ هتعدي الموضوع بالساهل كدا؟ تعاظم الغضب بداخله وغلا دمه في عروقه، ولكنه توقف للحظة وقد أضاء عقله بفكرة خبيثة، فاستطرد قائلًا: "لاه مهيعديش بالساهل.. أنتِ عندك حق.. بس الحديث مهينفعش في التليفون، إحنا لازم نتجابل." "وأنا موافقة. أنا هنا أصلًا قدامي 3 ساعات على ميعاد الطيارة، أنت فين؟

قهقه عمار بشر قبل أن يقول: "دانتي مبتضيعيش وقت واصل.. جولي لي فينك وأنا هاجيك." أخبرته شيرين عن مكانها، فوعدها بملاقاتها. وبعد أن أغلقت الهاتف، قام هو بإجراء مكالمة يتلهف كثيرًا لها، وجاءه الرد على الطرف الآخر: "حمد لله عالسلامة. خفيت بسرعة وبقيت قادر تتكلم؟ هكذا تحدث سالم بسخرية، فأجابه عمار بمثيلتها: "وهي الخرابيش دي تمنع الحديث بردك؟

"معلش عندي دي. المرة الجاية لو فكرت تقرب من حاجة تخصني هتأكد إنك لا هتقدر تتكلم ولا تتحرك خطوة واحدة." قهقه عمار بشر قبل أن يقول ساخرًا: "الحقيقة إن اللي يخصوك هما اللي بيجربوا مني مش العكس؟ انكمشت ملامحه بغضب وقال بفظاظة: "وضح كلامك.. وخلي بالك عشان هتتحاسب عليه."

"يا راجل حساب إيه ده، أنا مادد لك إيدي بالصلح. ويعلم ربنا لو ما كنت غالي عليا ما كنت كلمتك. بس إني جولت إحنا بقينا نسايب ولازم أنبهك. مينفعش أسيبك أكده مختوم على جفاك." صاح سالم بعنف: "كلمة زيادة وهاجي بنفسي أقطعلك لسانك. الحق نفسك وقول اللي عندك." "حقك.. أنا عارف إن كلامي تقيل بس زي ما جولت لازم أنبهك.. السنيورة بت عمتك. شيرين. لسه جافلة معايا دلوق وعايزاني أروح أجابلها في فندق (..)

وطبعًا أنا راجل بفهم في الأصول، فجولت أكلمك الأول أستأذن منك أروح أجابلها ولا لأ؟ أنت إيه رأيك؟ تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفسه على هيئة نيران، فخرج صوته مرعبًا حين قال: "عارف لو طلعت بتكذب علي هعمل فيك إيه؟ "وه أكذب لي؟ وبعدين هو أنت هتغلب، مانت تجدر تتأكد بسهولة. هو إني بردو اللي هعرفك. وبعدين ولا تزعل نفسك، أنا هروح بنفسي وناخدو صورة حلوة مع الأمورة وأبقى أبعتهالك عشان تتأكد."

لم يتحمل سماع كلمة أخرى، فقام بإغلاق الهاتف وإجراء مكالمة هاتفية بمديرة مكتبه لمعرفة ما إن كان هناك حجز باسم شيرين الوزان على متن خطوط الصعيد. فأخبرته الأمر منها بعض الوقت لتخبره بوجود حجز اليوم باسمها. فتجمدت عضلات جسده من فرط الغضب، وقام بالاتصال بها، فأتاه صوتها المرتجف: "آلو. سالم؟ "اطلعي على فيلا صفوت الوزان دلوقتي، وإياكِ تخرجي منها لحد ما أجيلك."

ارتعبت كل خلية بها من حديثه ومعرفته بمكان وجودها، فحاولت خداعه قائلًا: "إيه؟ أنت بتقول إيه؟ عايزني أروح الصعيد لوحدي؟ خرج صوته كالسيف حين قال صارخًا: "بطلي كذب واعملي اللي قلتلك عليه حالا. وحسابك على اللي عملتيه ده هيكون غالي أوي." ارتجف جسدها ذعرًا من حديثه، فقالت في محاولة لتهدئته: "أنا عملت إيه؟ لو كانت كلمتك تقولك…" "اخرسي.. العربية هتجيلك دلوقتي وحسابنا لما أجيلك." ***

قهقه "عمار" بسعادة من بين جروحه التي أخفت ملامحه وشوهت وسامته، مما جعل الاندهاش يسيطر على تلك التي كانت تراقبه من بعيد، فقالت بخفوت: "يا مرى.. دانت إبليس يجولك يا خال." تنبه لصوتها من على باب الغرفة، فصرخ بها: "واقفة عندك بتعملي إيه يا بت أنتِ؟ ارتعبت حين لاحظ وجودها، فتقدمت تحمل إحدى الصواني التي كان عليها إفطاره، وقالت باحترام: "ست تهاني بعتالك الوكل." "حطيه وغوري من هنا." اغتاظت من وقاحته، فخرجت الكلمات من

فمها مندفعة كما هي العادة: "دلوقتي بتشخط وتشخط اللي يشوفك من يومين وأنت مجدرش تصلب طولك ميشوفكش وأنت كيف الجطر أكده." اغتاظ منها حين سمع كلماتها غير المفهومة، فصاح بغضب: "بتبرطمي بتجولي إيه يا مخبلة أنتِ؟ تراجعت خطوتين إثر صراخه وقالت باندفاع: "مبجولش. اجصد حمد لله عالسلامة، صوتك رجع طلع أهو بعد ما كنا مرتاحين منه."

كانت كارثة بحق، لسانها السليط يتنافى مع جمالها الخارجي، والذي يظهر على استحياء من بين ملابسها المهلهلة ومنديلها الباهت الذي يظهر بعضًا من خصل شعرها الأسود اللامع، الذي أثره لثوانٍ وخطفت انظاره، ولكنه تجاوز عن سحرها الخفي الذي يجذب أنظاره إليها، وقال بتقريع: "طب غوري من وشي، روحي شوفي وراكِ إيه." اقتربت منه والامتعاض بادٍ على ملامحها حين قالت: "موراياش غيرك." "وه كيف دا؟ بنبرة مغتاظة أجابته:

"الست تهاني أمرتني متعتش من جنبك طول مانت عيان، وادي لي كام يوم قاعدة جارك بخدم جنابك." ابتسم ساخرًا، وتجلت سخريته في نبرته حين قال: "اترحمتي من خدمة البهايم أومال؟ "أنا عن نفسي مش شايفة إنها فارقة كتير، خدمتك من خدمتهم." هب "عمار" من مكانه وهو يصيح بغضب: "بتجولي إيه يا بت المركوب أنتِ؟ تراجعت للخلف وهي تقول بجزع: "مبجولش.. اجصد يعني مش هتفرق، أهي كلها خدمة." "آه بحسب.. بت لسانها عايز جطعه." تحدثت بخفوت ولهجة ممتعضة:

"مكنش الراجل الطيب اللي ضربك ده جطع لك لسانك أنت وريحنا." صاح مرة أخرى: "بتبرطمي بتجولي إيه يا بت؟ أنا بكره البرطمة دي." "ولا حاجة، بكح.. كح كح." حاولت أن تمثل السعال أمامه، فكان مظهرها يوحي بالضحك، فغافلته ضحكة ارتسمت على ملامحه المتورمة، جعلتها تتحدث دون أن تعي: "لهو أنت بتعرف تضحك زيينا؟ "أومال مش بني آدم ولا إيه؟ أجابته بعفوية مضحكة: "أيوا بني آدم ظالم وجبار." "وه ليه أكده؟

"لاه، وأنا مالي. أخاف أقولك لا تطخني عيارين المرة دي." ابتسم على مظهرها وقال بهدوء: "لا جولي وأنا هديك الأمان." "الصراحة بقى، أنت راجل مفتري وظالم ومتعرفش ربنا. وده مش كلامي، ده كلام كل الفلاحين." هكذا تحدثت بلهفة، فارتسم الذهول على محياه وقال بصدمة: "بتجولي إيه يا بت؟ اقتربت منه تجلس بجانبه وهي تقول باندفاع:

"مش أنا اللي بجول. ده كل الناس، بس هما بيخافوا منك. فكرك يعني أنا هطوع عشان مخليني أخدم على البهايم، لاه. أبداً والله، داني بسمع عنك كتير. هقولك إيه بس، دا الناس بتسب وتلعن فيك طول الليل والنهار ويقولوا الظالم جه الظالم راح.. آه والله." فطن إلى غضبها من هذا العمل الشاق الذي كلفها به، ولأنها كانت عفوية بدرجة كبيرة، فقد أخطأت بالحديث ليعرف ماذا يدور بخلدها، فارتسم الخبث على ملامحه وقال مرددًا حديثها:

"بجي بيقولوا عليه الظالم راح المفتري جه؟ "أيوا…" "وبيسيبوا ويلعنوا فيا طول الليل والنهار؟ "أيوااا…" "يعني ده مش كلامك، ده كلامهم هما؟ "أيوااا…" هب من مكانه وهو يصيح بها: "جاكِ أوا في سنانك. بجى أنا الفلاحين يشتموا عليا ليل نهار.. دانا هخلي يومك أسود." تراجعت بذعر تجلى في نبرتها وهي تقول: "ليه بس، وأنا كنت عملت إيه؟ الحج عليا اللي بنورك؟ "بتنوريني!!

طب انچري روحي شوفي شغلك. لو لقيت الزريبة فيها أي حاجة همسحها بخلجتك العفشة دي." غضبت وانهارت أحلامها بأن يثنيها عن هذا العمل الشاق، فقالت تحاول ردعه: "لا سايجة عليك النبي. دانا زهرة شبابي انجطفت وأنا بترب للبهايم." عاندها قائلًا: "عقبال رجبتك لما تتكسر ولسانك الطويل ده يتجطع هو التاني." شيعته بنظرات الخسة، قبل أن تقول بقهر: "لك يوم يا ظالم. حسبي الله ونعم الوكيل." "اخفي من وشي…" ***

في اليوم الثاني، كان يوم السفر، فتحضر الجميع للذهاب إلى الصعيد، ومن بينهم "أمينة" التي حاول "سالم" ثنيها عن الحضور، ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا بأنها تريد ذلك من كل قلبها، فخضع لرغبتها، وبالفعل غادروا المنيا ليجدوا "صفوت الوزان" في استقبالهم، وقد كان استقبالًا حافلًا من جهته: "الصعيد كلها نورت يا حاجة أمينة.. متتخيليش فرحتنا بيكوا قد إيه." "تسلم وتعيش يا صفوت بيه.. كلك ذوق وطول عمرك صاحب واجب."

"تسلمي يا حاجة.. اتفضلوا ارتاحوا، وأنا هشوف سهام جهزت ولا لأ." كان يتحدث بحرج تفهمته "أمينة" على الفور، فقالت بوقار: "متضغطش عليها. إحنا مش غرب عن بعض.. سيبها براحتها لحد ما تحس إنها عايزة تشوفنا."

ارتسمت ابتسامة امتنان على ملامحه التي أهلكها وجع دفين، فأومأ برأسه بتفهم، قبل أن يأتي صوت الخادمة لتخبرهم بأن "ياسين عمران" في الخارج، فأمرها "صفوت" بأن تدخله على الفور، وما هي إلا لحظات حتى وجدوه يطل عليهم، فتنبهت كل ذرة من حواسها لذلك الفارس الذي تمنته ذات يوم، ولكنه أتاها بأكثر الطرق رفضًا لقلبها الذي كانت نبضاته تدق بجنون، حاولت التحكم به قدر الإمكان ورسم اللامبالاة على ملامحها، حين جاء دوره في السلام عليها، فمدت يدها بثبات يتنافى مع

اهتزاز حدقتاها وهي تناظره: "حمد لله على سلامتك…" "الله يسلمك." هكذا أجابته ببرود لا يشبه عينيها أبدًا، فそのتجاهلها وهو يلتفت مرحبًا بالجميع، وكان آخرهم "مروان" الذي كانت نظراته مُتهكمة تشبه نبرته حين قال: "مواعيدك مظبوطة بالثانية، إحنا لسه يا دوب واصلين." كانت كلماته تحمل سخرية، تجاهلها "ياسين" قبل أن يقول بلامبالاة: "مفيش وقت نضيعه، الفرح كمان يومين.. ولسه فيه حاجات كتير مفروض تتعمل."

تنبه "سالم" إلى حديثه، فتدخلت "أمينة" لتلطف الأجواء قليلًا: "ربنا يعينك يا ابني.. حلا كانت عايزة تروح تشوف آخر بروفة للفستان، تقدروا تروحوا تشوفوه، وكمان صور كتب الكتاب قلنا تتصورها هنا." كانت حججًا واهية، ولكنها تريد أن تكسر هذا الحاجز الذي تراه أمامها، ولهذا ارتسمت بعينيها نظرات خاصة لـ "سالم" الذي ابتلع غضبه ووافق على مضض. فتحدثت "أمينة" بلطف: "يالا يا حلا مع خطيبك عشان تخلصوا اللي ورانا.. معدش فيه وقت."

أومأت "حلا" بهدوء يتنافى مع ضجيج أفكارها وصخب قلبها، وتقدمت أمامه إلى الخارج، فقادها بهدوء إلى السيارة، وما أن استقلتها حتى قادها بسرعة كبيرة مبتعدًا عن المكان بأكمله. بعد وقت ليس بقليل، أوقف السيارة أمام إحدى المقاهي، فالتفتت حولها قبل أن تقول: "وقفنا هنا ليه؟ تحمحم بخفوت قبل أن يجيب بلهجة هادئة: "كنت عايز أتكلم معاكِ شوية." باختصار أجابته: "اتفضل." "طب مش تبصيلي عشان أعرف أتكلم."

هكذا تحدث بهدوء، فحاولت السيطرة على دقات قلبها التي تدق كالطبول، قبل أن تستدير برأسها تطالعه بصمت وعينين تحوي عتبًا كبيرًا، لامس زوايا قلبه، فقال بلهجة رقيقة: "أنا عارف إن كل حاجة جت بسرعة. وملحقناش حتى نستوعب إيه اللي بيحصل.. وعارف كمان إن موضوع الجواز ده كان صدمة ليكِ، بس…" قاطعته بسخرية يشوبها المرارة: "بس مكنش صدمة ليك." انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "تقصدي إيه؟

"أقصد إنكوا خططتوا لكل حاجة صح، وعرفتوا إمتى تضربوا ضربتكوا. بصراحة، لما قعدت مع نفسي وافتكرت كل اللي حصل، انبهرت بذكائك. كنت مقنع جدًا.. حتى وأنت بتواسيني وبتخفف عني، أنا صدقتك أوي على فكرة." لحظة صمت طويلة خيمت على المكان، فقد كان مصدومًا من كونها تظن بأنه خطط لكل شيء، ولكنها فسرت صدمته على أنه تفاجأ بمعرفتها لما حدث، فأردفت بسخرية: "إيه اتصدمت لما عرفت إني فاهمة كل حاجة؟ إيه ده معقول أنا باين عليا الغباء كدا؟

تجاوز عن صدمته، وحل محلها الغضب الذي دفعه للقول: "تبقى غبية فعلًا لو فكرتي إني خططت لكل ده.. أنا معرفتش إن جنة وفرح ولاد عمي غير يوم ما قابلتها في الجامعة.. يوم ولادة جنة تقريبًا." أجابته باندفاع: "مش هيفرقلي كتير." "أومال إيه اللي فارقلك.. أوعي تكوني مفكرة إني كان ليا يد في خطفك؟! قال جملته الأخيرة باستنكار جعل ابتسامة ساخرة ترتسم على ملامحها، قبل أن تقول بقهر داخلي: "مفكرة إنك ليك يد في خطفي!!

لا، أنا متأكدة إنك أنت اللي دبرت وخططت لخطفي. طبعًا، أومال تكسر مناخير ولاد الوزان إزاي وتجيب حق بنت عمك؟ صاح بغضب فقد تجاوزت الحدود: "حلا بطلي جنان." تابعت بألم تجلى على ملامحها بوضوح:

"عارف. أنا مكنش عندي مشكلة إني أصحح غلط حازم. ومعنديش مشكلة إني أبقى كبش الفدا اللي هيضحوا بيه عشان كل حاجة تبقى تمام. وقبل ما جدك يهددني، أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة عشان أخواتي محدش فيهم يتأذى. بس إنك تكون السبب في العذاب اللي عشته والرعب اللي مريت بيه دا كان صادم بالنسبالي أكتر من موضوع الجواز نفسه! كان ألمها أضعافه بقلبه، ناهيك عن غضبه لظنها به، ولذلك حاول أن يصحح ذلك الوضع، قائلًا بخشونة:

"صدقيني، أنا مكنتش أعرف موضوع الخطف ده، ولا حتى كنت أعرف إن جدي عرف باللي حصل." "وإيه اللي يخليني أصدقك؟ "عشان أنا مبكدبش.. ومش مضطر أكذب. لو فعلًا عملت كدا هقول، مش هخاف منك." هكذا أجابها بوضوح، فـأردفت بقوة: "ولا أنا كمان هخاف منك، ولازم تعرف كويس أوي إني مجبورة عليك وعلى الجوازة دي عشان بس أفدي أخواتي. لكن لو هيخيروني، فـ أنا عمري ما كنت هقبل ارتبط بيك…" لامست بحديثها منعطفات خطرة، وخدشت جدار كبرياءه

الذي جعله يقول بجمود: "يبقى ملهاش لازمة الجوازة دي، وأنا هعفيكِ من التضحية." لا تعلم هل كانت خيبة تلك التي زارت قلبها في هذه اللحظة، أم أنها كانت مصدومة فقط!

ولكن كان هناك شعور قاسٍ يفترس قلبها دون رحمة، للحد الذي جعل دمعة غادرة تنبثق من طرفي عينيها، فسقطت على قلبه المغرم بها، ولكنه آذت كبرياءه كثيرًا بكلماتها تلك، ناهيك عن ظنها السئ به، فحاول ردع نفسه عن أخذها بين ذراعيه، خاصةً وهي تناظره بتلك الطريقة التي تحمل عتابًا صريحًا لم يفشل في فهمه، فوجد يده تتسلل إلى أسفل وجنتها لتقوم بمسح دمعتها التي أدمت قلبه، وخرجت الكلمات معاتبة من بين شفتيه حين قال: "بتعيطي ليه؟

مش ده اللي أنتِ عايزاه…؟ كانت لمسته كـ صاعقة برق أصابت أسفل ظهرها، فشعرت بـ جسدها يتصلب بقوة، حبست الأنفاس بصدرها، فأخذت ثوانٍ حتى استعادت كامل ثباتها قبل أن تقول بلهجة مهتزة: "ده من الضغط بس.. أنت عندك حق، ده اللي أنا عايزاه. لو عندك فرصة توقف المهزلة دي، أنا معاك."

شعر بأنه آلمها دون أن يدرك، فهو للآن لم يخبرها كم هو يعشقها، على الرغم من يقينه بأنه هناك مشاعر قوية بداخلها له، إلا أن الوقت لم يمهله أي فرصة معها، لذا أخذ قراره بأن يتجاوز عن كل ما حدث ويحاول أن يبدأ معها مرة أخرى، حتى لو كان بتلك الطريقة، لذا قال بلهجة خافتة ولكن قوية: "للأسف مفيش فرصة إني أوقف حاجة." اهتزاز حدقتاها وانتباه ملامحها كانا خير دليل على أن حديثه لاقى صدى بداخلها، وخاصة حين قالت بنبرة مرتجفة:

"يعني إيه؟ احتضنتها عينيه بدلًا من ذراعيه، وتعمقت نظراته بطريقة مربكة لها كثيرًا، وخاصة حين قال بتلك النبرة التي يغزوها التملك: "يعني بعد بكرة هتبقي مراتي.. ومفيش أي حاجة في الدنيا هتمنع دا…" *** "مكشرة ليه يا أم أربعة وأربعين؟ كان هذا صوت "مروان" الذي تقدم ليجلس على الأرجوحة في الحديقة بجانب "ريتال" العابسة والتي لم تعر حديثه اهتمامًا، فأردف وهو يعبث بخصلات شعرها: "ماتردي يا برنسيسة، هو بيكلمك؟ ناظرته بامتعاض

تجلى في لهجتها حين قالت: "هو إيه ده؟ أنت كنت هتوقع المرجيحة وأنت بتقعد." "قصدك إيه يا بت أنتِ؟ أنا تخين ولا إيه؟ "لو مكنتش شايف بكرشتك تبقي محتاج نظارة." "يا بت أنتِ راضعة سم فران. بتطلعي بكابورت من بقك.. ارحمي أمي شوية." ناظرته "ريتال" بأعين ممتلئة بالدموع، وقالت بلهجة تهدد بالبكاء: "كده ماشي، مش هكلمك تاني." شعر بالقلق عليها، فقال باندهاش: "ودا من امتى الإحساس ده؟ دانتِ أسقع من الديب فريزر.. أوعي تكوني زعلانة بجد؟

هنا انفجرت "ريتال" في البكاء وهي تقول من بين نهنهتها: "زعلانة.. أوي.. يا.. عمو." احتضنها "مروان" برفق وهو يقول: "مدام احترمتيني وقولتي عمو، يبقى زعلانة بجد.. حصل إيه يا بت مين زعلك وأنا أنفخهولك." "الدنيا.. يا عمو." هكذا أجابته من بين عبراتها، فقال بصدمة: "الدنيا.. إيه يا بت الكلام ده؟ أنتِ لسه روحتِ فين ولا جيتي منين؟ دنيا إيه؟ يكونش توم وجيري قتلوا بعض وأنا معرفش؟ صاحت به غاضبة: "توم وجيري إيه؟ شايفني عيلة قدامك؟

"لا لا سمح الله، آنسة عندها ست سنين وبتقول الدنيا مزعلاني. أفهم من كده إيه؟ "تحس بيا عن كده." "يخربيتك خوفتيني. هيكون حصل إيه سبونج بوب خلى بيكِ؟ طب غيروا نوع البامبرز المفضل عندك ولا حصل إيه، مانا مش فاهم." ازداد نحيبها وقالت بنبرة متقطعة: "الفستان.. بتاعي.. مش.. عاجبني.. ومش لاقية.. حد.. ييجي.. معايا.. أجيب.. واحد.. جديد." احتضنها "مروان" بقوة، فقد شعر بالشفقة عليها، وقال برفق:

"كل ده عشان حتة فستان. طب كنتِ قوليلي وأنا كنت جيت معاكِ نقيتلك أحلى فستان." رفعت رأسها تناظره، وبشفاه مذمومة أجابته: "لا، أنت ذوقك وحش أوي." "اتفو عليكِ يا شيخة.. أنا غلطان إني بصالحك…" أنهى كلماته تزامنًا مع رؤيته "سما" التي كانت تخرج من الباب تبحث بعينيها عنهم، فقال بلهفة: "هجبلك ست فستانين بس تخدمي عمك." برقت عينيها وقال بحماس، متناسية حزنها: "موافقة." "وطبعًا أنتِ بتحبي سما؟ "طبعًا." "وطبعًا سما ذوقها حلو؟

"طبعًا." "إيه رأيك لو ناخدها معانا ونروح نشتري أحلى فستان في الدنيا لأحلى ريتا؟ برقت عينيها وقالت بحماس: "موافقة طبعًا." "بصي هي جاية علينا، عايزك تعيطي وتهبدي لحد ما تقنعيها تيجي معانا." "بس دي خدمة كبيرة أوي، يعني فستان قليل عليها." ناظرها بصدمة قبل أن يقول بصدمة: "يابت أنتِ بتساوميني؟ يخربيتك جايبة الدماغ دي منين.. دانا وأنا قدك كنت برياله." "طب أنت كنت أهبل يا عمو، أنا ذنبي إيه؟

"طب اكتمي بقى واعملي اللي قلتلك عليه، هي جايه أهيه." بالفعل، ما أن أطلت عليهم "سما" حتى أتقنت "ريتال" رسم دور الحزن، فاقتربت منها "سما" قائلة بحنان: "مالك يا ريتا؟ بتعيطي ليه؟ انفجرت "ريتال" في البكاء، و "مروان" يحاول تهدئتها: "متعمليش في نفسك كدا يا ريتا.. اجمدي ياختي." "إيه يا مروان في إيه؟ مالها ريتا؟ "مروان بيدوب هنا." "بتقول إيه؟ لكزته "ريتال" في جنبه خفية، فاعتدل في جلسته وهو يلملم نفسه، قائلًا بلهجة حزينة:

"أبدًا يا ستي، ريتال مقهورة عشان مجبتش فستان حلو.. ومش لاقية حد يروح معاها يختار لها فستان حلو." اقتربت من "ريتال" تحتضنها وهي تقول بحنان: "يا روحي.. بس كدا، طب ليه مقولتيش وأنا آجي معاكِ." اندفعت الكلمات من فمه حين قال: "إحنا لسه فيها، يلا نروح دلوقتي نختار لها الفستان." "بس إحنا منفهمش حاجة هنا، هنروح فين؟

"عيب تقولي كدا وأنتِ معاكِ مع مروان الوزان.. دانا أعرف دهاليز الصعيد دي دهليز دهليز.. يا بنتِ دانا أصحابي مسميني خط الصعيد." "إذا كان كدا.. يبقى يلا بينا…" بعد مرور ساعتين، تأففت "سما" من درجة الحرارة العالية وقالت بضيق: "بقالنا ساعتين بنلف. هنوصل إمتى؟ "أنا عارف، باين إننا تهنا ولا إيه؟ انتفضت "سما" تناظره بغضب وهي تصيح: "توهنا!! أنت بتستهبل.. أومال عمال تقول خط الصعيد وأعرف دهاليزها دهليز دهليز.. أنت بتشتغلني…"

صدح صوت "ريتال" من الخلف حين قالت: "الصراحة آه. بيشتغلني. هو أساسًا تاني مرة ييجي هنا. هيعرفها منين؟ "اخرسي يا قدرة الفول أنتِ." "على فكرة يا سما ده كان اختبار لمدى ثقتك فيا. وسقطتي فيه." "يعني إحنا مش تايهين؟ "يا بنتي عيب.. نتوه إزاي يا جاهلة. إحنا في عصر الإنترنت الأندرويد، مستبلناش مساحة للغلط، التليفونات التاتش ملت البلد. فيه اختراع اسمه الـ GPS يا جاهلة." أنهى كلماته وهو ينظر إلى "ريتال" قائلًا بأمر:

"هاتي التليفون يا ريتا أما نشوف إحنا فين؟ ارتسم الذعر على ملامح "ريتال" حين سمعت حديث "مروان" وارتبكت نبرتها حين قالت: "إيه ده. هو أنت كنت محتاج تليفونك يا عمو؟ "نعم ياختي!! هكذا تحدث "مروان"، فأجابته "ريتال" بعفوية: "أصل كنت زهقانة فلعبت جيم بابجي وفصل شحن وأنا في نص الجيم." "بابجي.. الطم ولا أجيب لطامة." هكذا صرخ "مروان"، فناظرته "سما" بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:

"دانا اللي هلطم بحجارة عشان سمعت كلامك ورضيت آجي معاكوا.. أنا هنزل أوقف أي عربية ماشية وأعرف إحنا فين." و بالفعل، ترجلت من السيارة تنوي العبور للجهة الأخرى، فلحق بها "مروان" الذي قال بصراخ: "استني يا بت.. خدي يا هبلة. تتخطفى هنا. هيؤدوكي الله يخربيتك." ولكن فجأة تسمر الاثنان بمكانهما حين شاهدا… يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...