الفصل 13 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
22
كلمة
6,369
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

تجمدت قدماها وشعرت بتوقف النبض في أوردتها حالما وقعت عينيها على تلك الورقة اللعينة التي كانت سبب هلاكها ووقوعها في فوهة ذلك الجحيم، ولكنها لم تكن وحدها بل كانت متبوعة برسالة أخرى أسوأ مما تحمله هذه الورقة. "الورقة دي هتلف على كل مواقع مصر وجرايدها لو تممتِ جوازك من سليم الوزان!!

كانت في تلك اللحظة أشبه بطفلة عاجزة تحيطها الأعين باستفهامات كثيرة وهي لا تستطيع النطق بكلمة واحدة، تشعر بنبضها يحترق ألمًا بعد أن ظنت بأنه سيهدأ ويستكين. كان مظهرها مبعثرًا ضائعًا، فاقترب منها يحاوطها بذراعين صُنعت من عشق غلف نبرته ونظراته حين قال: "مالك يا جنة؟ كان ينطق اسمها بصورة قاتلة اخترقت أقوى دفاعاتها التي اهتزت، فانبثقت دمعة غادرة من طرف عينيها تحكي مقدار وجعها، الذي اهتز له قلبه فشدد على كتفيها مضيفًا

بنبرة أقوى: "ردي عليا؟ في إيه؟ اقتربت منها فرح وهي تنظر إلى سليم نظرات ذات مغزى حتى يتركها الآن معها، ولكن قلبه لم يكن يطاوعه، فقد شعر بأنها كانت على وشك التسليم له، وأنها كانت بصدد إعطائه فرصة لبدء علاقة صحيحة معها، ولكن الآن حدث شيء ما.. وذلك الهاتف اللعين حتمًا يحمل الجواب.

كان مايزال يقف ويناظرها بعينين يغلفهما التوسل ألا تبعده، وأن يكن هو الكتف الذي ترتمي عليه بثقلها، ولكنها كانت عاجزة حائرة تناظره بأعين تشتت بهما الشعور وضاع بهما الأمل. خيبة قوية ارتسمت بعينيه، التي اخفضها قبل أن يقوم بترك ذراعها على إثر حديث أخاه: "سيب جنة وفرح يدخلوا يتطمنوا على محمود، وتعالى ننزل نشوف الدكتور." لا تعلم لما شعرت بخيبة كبيرة احتلت قلبها حين تركتها يداه؟

هل كان صمتها اختبارًا منها على مدى صبره وتمسكه بها؟ أم أنها كانت بحاجة إلى ما هو أقوى من يديه في تلك اللحظة؟ ربما كانت أضلعه التي تمنت لو ارتمت بها تبكي كل ما تحمله من قهر وعذاب وألم. أثقلت خطواتها المتجهة إلى غرفة صغيرها، وما أن همت أن تفتح الباب حتى توقفت إثر صوته الذي قال بقوة: "مستنياكِ هنا، اطمني على محمود وتعالي.."

على قدر ألمها الهائل وخوفها الكبير، ولكن جملته جعلت شعورًا من الأمان يتسلل إلى نيران قلبها فتهدأ قليلًا. "متضغطش عليها أكتر من كده يا سليم.." هكذا تحدث سالم، الذي كان يرى الوضع من الخارج، فلم يكن يشعر بهذا البركان الثائر في صدر أخيه، الذي صاح بغضب: "متتتوليش متضغطش عليها.. أنا هتجنن! في حاجة حصلت وشها اتقلب فجأة لما بصت في التليفون.."

"دا واضح. اللي أقصدُه إنك تديها فرصتها عشان تثق فيك. حتى لو هي بدأت تميل ليك مشوار الثقة لسه طويل بينكوا.." ابتلع جمراته الغاضبة وقال بألم: "أنا بعمل اللي أقدر عليه عشان أقرب منها وأطمنها.. مش عايز حاجة غير إني أحميها وبس.." "عارف. بس اللي هي فيه مش سهل.. خليك جنبها من غير ما تخنقها وصدقني أنت أول حد هتجري تحكيله. لما تهدى وتستوعب.."

انكمشت ملامحه بألم وتبدل غضبه الحارق إلى سكون خارجي، قبل أن يومئ برأسه محاولًا أن يتفهم الأمر ويرضخ للوضع حتى ولو كان مؤلمًا.

في الداخل، اقتربت من فراش صغيرها بأقدام ثقيلة وخطوات سلحفية، فقد كان الألم بداخلها أقسى من أن يوصف، ممزوجًا بخوف جعل يديها ترتجف حين امتدت تلامس جبهته التي هدأت قليلًا بفعل العقاقير والأدوية، فسكن جسده وهدأ نومه، فأخذت تمرر يدها المرتجفة على ملامحه وجسده وهي تناظره بأعين مشوشة، اختلط مياهها بنيران ألمها الضاري، لتسقط بعنف على خديها المحترق بحمرة قانية، مرورًا بشفاهها التي نطقت هامسة: "سامحني…"

كانت يدها تمر بحنان على جسده إلى أن وصلت إلى كفه الصغير، فمررت إصبعها داخل راحته، فشعر الصغير بها وقام باحتضان إصبعها الصغير بكفه الرقيق، وكأنه يعلن غفرانه وحمايته لها، فارتج قلبها لفعلته وازداد الدمع انهمارًا من عينيها. فاقتربت منها شقيقتها تطوق أكتافها من الخلف وهي تشاركها تلك اللحظة المشبعة بشتى أنواع المشاعر الصادقة، فخرج صوتها متحشرجًا حين قالت: "شوفتِ يا فرح ماسك إيدي إزاي؟ ده مش زعلان مني إني سبته كل ده!

هو كده مسامحني صح؟ شددت فرح من احتضانها وهي تقول من بين عبراتها: "طبعًا مسامحك يا حبيبتي. مين يقدر ميسمحكيش يا جنة؟ التفتت جنة تناظرها بعينين هالكة من فرط الألم، إلى تجلى في نبرتها حين قالت: "طب وأنتِ يا فرح؟ سامحتيني؟ كوبت فرح وجهها بين كفوفها الحانية وقالت بصدق: "طبعًا سامحتك.. أنتِ بنتي يا جنة مش أختي.. أنا اللي قصرت مش أنتِ!

مقدرتش أحميكِ من الوحوش اللي حوالينا. لكن أنتِ مغلطتيش.. أنتِ كنتِ إنسانة في وقت الدنيا فيه بقت غابة.. كلنا مسامحينك يا جنة. جه الوقت اللي أنتِ مفروض تسامحي نفسك بقي. وكفاية وجع وعذاب وألم.." "مش بالسهولة دي يا فرح.. لو أنتوا سامحتوني الناس والمجتمع مش هيسامحوني.."

"ملناش دعوة بيهم.. ميهموناش.. إحنا عارفين إنك مغلطتيش. كلنا ميهمناش غيرك وأولنا سليم.. حبه ليكِ يبان للأعمى.. انسي كل اللي حصل أو سيبيله نفسك وهو هينسيكِ. متخليش الدنيا تغلبك تاني أنتِ عمرك ما كنتِ ضعيفة.." كانت كلماتها كزخات المطر التي سقطت على قلبها الذي تصدعت تربته من فرط الألم، لتعيد إليه عافيته رويدًا رويدًا، وقد بدأت ملامحها بالهدوء قليلًا.

"أنتِ طول عمرك كنتِ أقوى وأجرأ مني. فاكرة لما كنتِ تعملي حاجة غلط وأنتِ صغيرة وكنتِ تجري تقولي لبابا عملت قبل ما حد يروح يقوله. مكنتيش بتخافي حتى لو غلطتي كنتِ بتتعلمي من غلطك. محدش فينا مبيغلطش. الوحش بس اللي ميستاهلش فرصة تانية وأنتِ مش وحشة افتكري الكلمة دي كويس."

أومأت جنة برأسها وعلى وجهها ابتسامة جميلة شقت طريقها من جوف الوجع الكامن بصدرها، وقامت بالارتماء بين أحضان شقيقتها التي قابلتها بأذرع مفتوحة وقلب محب احتضن آلامها إلى أن هدأت ثورة انهيارها تدريجيًا، فقامت برفع رأسها وهي تقول بصوت أجش من فرط البكاء: "شكرًا إنك موجودة في حياتي يا فرح.." ابتسمت فرح بحنان وقالت:

"أنا اللي مفروض أشكرك يا جنة.. وبعدين تعالي هنا هنقضيها عياط بقي مش مفروض إننا عرايس نفرح شوية. ولا هنقضيها حزن وبكى كده؟ كلمات شقيقتها أعادتها إلى نقطة مؤلمة وذكرتها بمصيبة أخرى، ولكنها توقفت حين سمعت توسل فرح: "أنا نفسي أفرح أوي يا جنة. نفسي أستطعم حاجة من اسمي ده. أنا قربت أنسى معناه.." كانت كلمات على قدر بساطتها ولكن وقعها كبير على قلب جنة التي قالت بثقة:

"هتفرحي يا فرح بإذن الله. أنا مش هسيبك حاجة أبدًا تنغص عليكِ فرحتك. خليكِ واثقة في ربنا وفيّا.." كانت كلماتها كبيرة بما تحمله من معنى، فآومات فرح بحنان وهي تقول: "واثقة في ربنا وفيكِ طبعًا.." تحركت جنة من مكانها وقالت بتصميم: "خليكِ هنا مع محمود. دقائق وراجعالك.."

لم تمهلها الوقت للاستفسار فقد توجهت إلى خارج الغرفة مغلقة الباب خلفها، وإذا به تجد زوج من العيون تتوجه إليها، كانت إحداهما عاشقة متلهفة والأخرى جامدة، والتي كانت لسالم، الذي قال بخشونة: "هنزل لمروان تحت أشوفه بيعمل إيه؟ ولكن كانت دهشته قوية حين سمع صوت جنة التي قالت بثبات: "لا يا سالم بيه. لو سمحت خليك.."

لون الاستفهام معالمه، ولكنه توقف، فقام سليم بالاقتراب منها، وما أوشك أن يتحدث حتى قامت برفع الهاتف بوجهه لتريه تلك الرسالة النصية المتبوعة بصورة زواجها العرفي، وهي تقول بنبرة مهتزة: "الرسالة دي جتني من شوية.." برقت أعين سليم حين وقعت على تلك الصورة والحروف المدونة بعدها، وتحولت ملامحه بطريقة مرعبة، فقام سالم بجذب الهاتف من يده لتنكمش ملامحه هو الآخر بغضب لم يفصح عنه، بينما قام سليم بحمل أحد المقاعد ورميها في الجدار

ليتحطم بقوة وهو يصيح بعنف: "مين ابن الكلب ده؟ تراجعت جنة إثر ثورته المخيفة، فنهره سالم بقسوة: "اهدي يا سليم عشان نعرف نفكر ونشوف هنعمل إيه.." التفت سليم إلى أخيه فوجد عينيه على جنة التي انكمشت رعبًا، وفرح التي هرولت إلى الخارج لتعرف سبب الجلبة، فأخذ سليم يلعن نفسه في سره، وقام بإخراج ثاني أكسيد الغضب المعبأ بداخله، واقترب من جنة التي احتمت بصدر شقيقتها قائلًا بلهجة مبحوحة وأنفاس هادرة:

"متخافيش.. أنا مش متضايق منك.. أنتِ ملكيش ذنب في حاجة.." كان مشهدا مروعًا بقدر روعته، وحشًا ثائرًا يحاول تهدئة عصفور مرتعب. وقد كان هذا المشهد أسمى ما يمكن أن يقال في الحب، فقد كان يبتلع جمرات غضبه الحارقة ويتحكم في طوفانه الأهوج، فقد لأجلها. فنظراتها المرتعبة نحوه كانت تقتله، ولكن نظراته الحانية نحوها جعلت نبضها يستكين قليلًا، فاومأت برأسها حين تابع:

"كل حاجة هتبقى تمام. متخلقش اللي يهددك وأنا موجود.. أوعي تخافي عشان خاطري.." كان لتوسله وقع مختلف على مسامعها وقلبها الذي هدأ بوجوده على الرغم من ثورته الغاضبة، ولكنها كانت تعلم في قرارة نفسها بأنه لن يدع مكروهًا يمسها، وقد كانت أول مرة بحياتها تشعر بهذه الثقة تجاه أحد، وغافلها قلبها حين أعلن عن مكنوناته بلهجة خافتة: "مش خايفة. أنا واثقة فيك.."

بتلك اللحظة شعر وكأنها سلبت فؤاده من بين ضلوعه التي اهتزت لكلماتها التي لم يكن يتخيلها بأحلامه، فأخذ يطالعها بعينين براقتين غير مصدقة لما سمع، وبلمح البصر قام بجذبها لتستقر أسفل ذلك الذي جُن بعشقها، ولم يعد هناك مجال لإفلاتها من بين براثنه أبدًا.

كانت رحلة العودة هادئة فالجميع منهك وكلًا منهم منشغل بالكثير، وما أن خطت السيارة أمام البوابة الكبيرة حتى التفت سليم إلى جنة ليأخذ منها الطفل حتى تستطيع أن تنزل، وقام سالم بالترجل من خلف المقود ليقوم بفتح بابها ويساعدها على النزول، فأرد يده إليها فلم تستطع ردها على الرغم من خجلها الكبير، فحين لامست كفوفها يده الخشنة شعرت بموجة دفء كبيرة تجتاح أوردتها، وقد بدا احتراقها جليًا في عينيها التي تشابكت مع عينيه بنظرة طويلة كان بها الكثير، ولكنه اضطر

إلى قطعها إذ قال بخشونة: "متخافيش من حاجة وقولي لجنة كمان متخافش.. مفيش حاجة هتحصل وأنا بنفسي هأتأكد من ده.." اخفضت رأسها وزفرت بتعب تجلى في نبرتها حين قالت: "تفتكر الورقة دي وقعت في إيد مين؟ وليه بيعمل كده؟ "الورقة موقعتش في إيد حد. الورقتين معايا ومحدش يقدر يوصلهم." "أومال الصورة دي…" قاطعها بصرامة: "متشغليش بالك.. أنا هعرف اللي حصل ده حصل إزاي.."

"إزاي مشغلش بالي يا سالم. ولو مشغلتش بالي بالمصيبة دي أشغل بالي بأيه؟ أجابها باختصار: "بيا. في مصيبة أحسن من كده تشغلي بالك بيها؟ رغمًا عنها غافلتها إحدى بسماتها الخجلة التي اخترقت قلبه، فقال بخشونة: "متفكريش في حاجة غير إنك بعد أسبوع من النهارده هتبقي مراتي."

اخفضت رأسها هربًا من عينين كانت تلتهمان خجلها وتنفذان إلى داخل أعماقها بطريقة جعلت حزمة من الوخزات الموترة تتفشى في سائر جسدها الذي اندفعت دماءه بقوة، فلونت خديها بلون التفاح الشهي، فقام برفع رأسها ليعيد عينيها إلى خاصته قائلًا بصوت أجش: "وفي خلال الأسبوع ده عايزك ترمي الكسوف ده على جنب، مانا مش كل ما أقول كلمتين هلاقيكي لونتي كده. كده خطر عليكِ."

اتبع كلامه بغمزة جعلت دماءها تجف في أوردتها وتسارعت أنفاسها بصورة كبيرة حتى بدت تنتفض بين يديه، فقد كانت أمامه كمراهقة تختبر أولى مشاعرها بجانب رفيقها، ويالروعة هذا الشعور خاصةً أمام رجل مثله قادر على إخضاع جميع الحواس والمشاعر. بأعجوبة أفلتت من بين براثن نظراته وحاولت أن تبدو شجاعة حين قالت: "بطل بقى. وبعدين أي خطر دي لا ما تخافش عليا. هات آخرك.." ارتسمت ابتسامة حلوة على ملامحه العاشقة وزينتها لهجته العابثة حين قال:

"ماليش آخر.. وبعدين متستعجليش على رزقك. أسبوع واحد وهشوف الشجاعة دي آخرتها إيه.. يارب منجبش ورا بس." أنهى كلماته وقام بجذبها خلفه ليتوجهوا إلى البوابة، فوجدوا تهاني بانتظارهم والتي قالت بلهفة: "طمنوني المحروس عامل إيه؟ كنت عايزة أصحي الحاج وناجيلكوا المستشفى. فرح قالت إنكوا جايين عالطريق." أومأت جنة بهدوء تجلى في نبرتها حين قالت: "تسلمي يا طنط. الحمد لله بقى أحسن.. كانوا شوية برد."

"الحمد لله.. بقولك إيه الواد ده محتاج حضن أمه. مالوش غيرك يا بتي.. أووعاكِ تجسي عليه مرة تانية.. ربنا بيدينا فرص على طبج من دهب لازمن نستغلها صح كده ولا إيه يا سليم بيه؟ أومأ سليم باحترام وقال مؤكدًا: "طبعًا يا حاجة تهاني عندك حق.. محمود في عنينا أنا ومه. ولا إيه يا جنة؟ شددت من احتضانها للطفل وقالت بخفوت: "عندك حق.."

دخل الجميع إلى الداخل وذهب سالم إلى مروان النائم في السيارة، بينما انتظر سليم ليودعها، وحين دخل الجميع اقترب منها قائلًا بهدوء: "حقك عليا لو خوفتك في المستشفى.. أنا بس لما بتعصب بتفلت مني شوية.." أومأت بتفهم قبل أن تقول بخجل: "عادي ولا يهمك.. ليك حق تضايق.." شدت يده على كفوفها قبل أن يقول بخشونة:

"أوعي تخافي من الرسالة دي. محدش هيقدر يعمل حاجة. والخط أصلًا اتقفل بعد ما اتبعتت. ده حد عايز يضايقنا وخلاص وأنا هعرفه وهوريه شغله.." رفعت أنظارها تطالعه بقوة تجلت في نبرتها حين قالت: "بس أنا عارفة مين اللي بعت الرسالة دي؟ *** حين يكون الإنسان متألمًا يمر الوقت وكأنه على ظهر سلحفاة، نشعر بأن العقارب تلدغنا بكل ثانية تمر بها، ولا نفع للدواء إن كان الداء منبعه القلب.

كانت تتسطح على مخدعها تنظر أمامها بشرود، فقد استقرت حالتها إلى حد ما وشفيت بعض جروحها، ولكنها تركت ندبات كثيرة على جسدها وكذلك روحها التي أصبحت كثوب مهلهل من فرط تمزقه، لم يعد صالحًا لأي شيء.

حاوطت نفسها بسور الوحدة ورفضت الحديث مع أي أحد، تأكل من الطعام ما يسد رمقها فقط. اختارت أن تعيش بـ صومعتها وحيدة تلعق جراحها كحيوان أليف تأذى منه كل من احتواه، فأصبح منبوذًا حتى من نفسه. رفضت وجود الجميع واختارت نفسها فقط على أمل أن يقتلها عذابها ذات يوم وتستريح.

جلبة قوية في الخارج أفسدت وحدتها وخدش سمعها صوتًا كانت تعرفه عن ظهر قلب، فحاولت أن تتحامل على جسدها المنهك والانتصار على أوجاعها الهائلة، واضعة أقدامها على الأرض تتوسل لقواها أن تحملها للخارج حتى ترى ماذا يحدث. أخيرًا وبعد عناء شديد استطاعت أن تصل إلى باب الغرفة، وحين أوشكت على فتحه توقفت كل عضلة بها عن الاستجابة حين سمعت صوته الغاضب وهو يصرخ: "أنا بحبها.. ومحدش فيكوا يقدر يمنعني عنها.."

كان تصريحًا مريعًا بالحب لم تتوقعه أبدًا، وخاصة منه.. كان آخر خيط يربطها بالحياة، ولكنه لم يكتف بسحقه بل دمر الجزء المتبقي من آدميتها حين قام بفعلته النكراء بها. هو من كانت تشتكي له خذلان الجميع ليأتي هو ويعطيها ما هو أقسى وأصعب، أذاقها ويلات الخزي والذل وقضى على المتبقي منها، والآن يدعي محبتها!

حين يأتيك الخذلان من أكثر مواطنك أمنًا تهتز ثوابت الكون بقلبك. كـ سماء تخلت عن ظواهرها الفيزيائية وتحول قوس المطر الخاص بها إلى رمادي ابتلع جميع ألوان الحياة منه. أخرجها من شرودها صوت والدها الصارخ وهو يقول معنفًا: "حب إيه يا كلب اللي يخليك تأذيها بالشكل ده؟ الأشكال اللي زيك متعرفش تحب.." صاح عُدي بصوت مبحوح من فرط الصراخ:

"أنت آخر واحد تتكلم عن الحب.. طب أنا كنت واطي معاها عشان كان مضحوك عليا. إنما أنت كنت واطي معاها ليه؟ أهملت بنتك ورميتها من حياتك ولا كأنها ليها وجود ليه؟

كان صوت بكاء والدتها يؤذي سمعها، بينما لم يستطع صالح والدها إجابة عُدي، بل انكمشت ملامحه بألم، فقد كان مصيبًا في حديثه، وقد كان هذا الجُرم الذي اقترفه بحق ابنته لا يغتفر، ولا يعلم كيف سيصلحه أو أن كان يملك ما يجعله قادرًا على إخراجها من تلك القوقعة التي احتمت بها من بطشهم. تابع عُدي بسخرية مريرة:

"شوفت بقي أنت حتى معندكش إجابة. أنت أسوأ أب شوفتُه في حياتي.. وأنا هاخدها منك هاخدها منكوا وهتجوزها وهعالجها ومش هخليها تعرفكوا أبدًا.." تدخلت الأم المكلومة قائلة بغضب يمتزج به الحسرة: "حتى لو إحنا كنا وحشين ومنستاهلهاش فهي بنتنا، إنما أنت مين؟ أنت غريب عننا وعنها. ولو كنت بتحبها وعايز تعالجها مين قالك إننا هنآمن نديهالك بعد اللي حصل منك؟ "بس أنا موافقة أتجوزه…"

كان صوتها مبحوحًا يفتقر إلى القوة كحال جسدها الذي وهن واهتز بها، فاستندت إلى باب الغرفة، لـ يهرول الجميع إليها، فـ قامت بوضع كفها أمام والديها قائلة بنبرة صارمة بقدر ارتجافها: "محدش فيكوا يقربلي.. خليكوا بعيد عني.." انهالت عبراتهم ألمًا على رفضها لوجودهم، وقال صالح بتوسل: "يا بنتي ارجوكِ سامحينا وادينا فرصة نعوضك عن كل اللي فات.." شوهت ملامحها ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها الملئ بالندبات، وتجلت

سخريتها بنبرتها حين قالت: "أعوضني!! مفيش حد بيعوض إنسان ميت وكان هو السبب في موته.. ابعدوا عني.. وكفاية بقى.."

كان حديثها طربًا على أذنيه، وعلى الرغم من علمه بعدم غفرانها له وبأنه وسيلة لتؤذي به أبويها، إلا أنه لم يستطع منه شعور الفرحة العارمة من التسلل إلى قلبه، خاصةً حين توقف بجانبها وقام بوضع يده أسفل ركبتها والأخرى خلف ظهرها حاملًا إياها بسهولة متجهًا بها إلى مخدعها دون أن يعطيها الفرصة للاعتراض، وسط ذهول من والديها على طريقة تقبلها له. حين انتهى من وضعها سألها برفق: "مرتاحة دلوقتي؟ أجابته بحنق وعينين تشعان كرهًا:

"لما أموت هرتاح.." كان يتوقع إجابة عنيفة منها، فابتسم بخفة قبل أن يجيب: "لما أطمن عليكِ الأول." كان يستفزها بطريقة لا توصف، فصرخت حانقة: "أنا بكرهك.." ظاهريًا لم يتأثر على عكس قلبه الذي ارتج بفعل كلمتها، ولكنه تابع حديثه بهدوء: "لو ده هيريحك أنا موافق." "متفكرش إني وافقت عشان عايزة أتزوجك. أنا وافقت عشان أوجعهم زي ما وجعوني.." اقترب يجلس بجانب مخدعها وهو ينظر إلى عينيها برفق تجلى في نبرته حين قال:

"عارف.. وقابل إني أكون أداة تنتقمي بيها منهم.. وزي ما طول عمري بساعدك هساعدك المرة دي كمان.." صاحت مغلولة: "وأنا مش عايزة من وشك حاجة." تجاهل غضبها وقال بخفة: "مش بمزاجك. طول عمرك كنتِ بتختاريني إني أكون جنبك ومكنتش برفض. المرة دي أنا اللي أختار بقي. مرة مني قصاد ألف منك. بيتهيقلي كده فير أوي.."

كان دائمًا بجانبها رغمًا عن كل شيء، كان يحيطها بسياج آمن طوال السنوات الماضية لم يخترقه سوى رغبتها بالابتعاد عنه، والآن جاء وقته وهي بأقصى درجات ضعفها لا تجرؤ على الاعتراض، فقط تتألم وتحترق حين تتذكر فعلته النكراء معها، ولكنها تعرف أين يكمن عقابه، لذا قالت بصوت يحمل السم والكراهية:

"عارف أنت أحسن عقاب ليك إنك تشوفني كل يوم قدامك وأنا مشوهة كده.. تشوف جريمتك كل ما تبص في وشي. وأنا بردو مش هبطل أفكرك بيها كل لحظة عيني تشوفك فيها.." كانت كلماتها مؤلمة على قلبه الذي لا يرى بها أي تشويه، على العكس يعشق كل ندبة تزين وجهها، يتمنى لو أنه يستطيع لملمة جراحها أو امتصاص ألمها، يريد في تلك اللحظة تقبيل كل جرح ألم بها حتى يلثمه ببلسم عشقه الجارف لها.

"بس أنا مش شايف أي تشويه فيكِ بالعكس.. حلو النيو لوك وجديد كمان.. فكريني لما يخف أبقى أعورك تاني." لم تتحمل حديثه الهادئ والذي عكست عينيه مدى صدقه، فصرخت غاضبة: "اخرج بره.. مش طايقة أشوف قدامي." أطاعها بصمت، فقد كان صراخها بحد ذاته تقدم ملحوظ، وهو بكل الأحوال أفضل من صمتها المطبق الذي كاد أن يقضي عليه طوال الأيام المنصرمة.

أطل برأسه من الباب فوجد والداها على حالهما من الألم والحسرة يكللهما عبارات غزيرة، فتألم لحالهم ولكنه لم يظهر أي تأثر وقال بصوت قاس: "أنا هتجوز ساندي. وياريت حتى لو كارهين بعض نبقى إيد واحدة عشان نقدر نساعدها تخرج من محنتها.. وأظن انتوا شوفتوا بعينكوا إنها اختارتني وإني شخص مهم عندها.. بالرغم من كل شيء.." ***

كان الأمر على صفيح ساخن، فمثلما هناك قلوب داواها العشق، هناك قلوب أخرى أفسدها. فقد كانت تذهب وتجيء بالغرفة كمن مسه الجنون، لا تعلم كيف تتصرف، فبعد أن علمت بخطبته لتلك الفتاة انهارت جميع أحلامها. وقد فطنت إلى لعبته الحمقاء حين جعلها تتهيأ بأمر إرثهم المزعوم حتى يضرب ضربته دون أن تستطيع عرقلته، وقد أتم خطته بنجاح.

صرخة غاضبة خرجت من جوفها تحكي مقدار القهر الذي تشعر به في تلك اللحظة، وقامت بالعبث بهاتفها تنوي الاتصال بأحدهم، وقد كان رنين الهاتف بأذنيها يزيد من إشعال غضبها أكثر، فبعد أن انقضت مدة الرنين دون إجابة قامت بإلقاء الهاتف بعنف، فكان أن ارتطم بوجه هَمَت التي دخلت إلى الغرفة للتو. "إيه يا شيرين في إيه؟ أنتِ اتجننتِ؟ "اتجننت بس. دانا هتشل.. شفتي اللي حصل؟

البيه كان بينيمنا. فتح في موضوع الورث عشان يلهينا ويخلاله الجو مع الكلبة بتاعته." قالت جملتها الأخيرة صارخة، فاقتربت منها هَمَت تربت على كتفها بحنان قائلة بمواساة: "اهدي شوية ومتعمليش في نفسك كده.. من وقت طويل وأنتِ عارفة إنه بيحبها. وأنتِ كنتِ متجوزة وعايشة حياتك مع جوزك. كل اللي كنا عايزينه إنه ميظلمناش في موضوع الورث. وأهو قال إنه مش هيظلمنا يبقى ليه بقى كل ده. ما ناخد حقنا وكل واحد حر في حياته.."

انتفضت شيرين أسفل كفوف والدتها التي تربت فوق ظهرها وقالت بانفعال: "أنتِ بتقولي إيه؟ ورث إيه اللي كنا عايزينه؟ وجوز مين اللي كنت عايشة حياتي معاه. أنتِ أكتر واحدة عارفة إني عمري ما حبيت غير سالم. أنا رجعت هنا عشانه. عشان ده حقي. أنا بحبه وهو كان بيحبني." قاطعتها هَمَت بصرامة: "وأنتِ اللي ضيعتيه من إيدك بعملتك السودا ولولا إنه شال الليلة وداري عليكِ كان هيبقي شكلنا زي الزفت قدام الناس.." صرخت شيرين بقهر:

"غصب عني كنت صغيرة. وملقتش حد يوجهني. وهو طول عمره صعب وقاسي. وبعدين أنا معملتش جريمة. إيه يعني قابلت أحمد مرة ولا مرتين مكنش حب دي كانت مراهقة.." "ماهو حظك الأسود اللي خلاه يشوفك وهو البيه ماسك إيدك.. تفتكري أي واحد في مكان سالم كان هيعمل إيه في الموقف ده؟ "ماهو عمل.. وحكم عليا بالموت يوم ما فض الخطوبة وقال لبابا وخالي إني بحب واحد تاني عايز أتزوجه. وجوزني ليه من غير حتى ما يسمع مني."

"كان لازم يعمل كده. أي راجل في مكانه كان هيعمل كده. متنسيش إنك خليتي شكله قدامنا زي الزفت إن خطيبته تبقي بتحب واحد تاني غيره." "أنتِ معايا ولا ضدي؟ "يا بنتي أنا معاكِ بس مش عايزآكِ تعلقي نفسك بحبال دايبة. ساعدتك بكل اللي أقدر عليه بس ده ابن أخويا وأنا عارفاه. إحنا جبنا آخرنا معاه.. مش هنوصل لأبعد من كده.." تجاهلت حديثها وقالت بغضب:

"أنا بقى هوصل. بس افتكري إنك ادتيني ضهرك على الرغم من إنك كان عندك استعداد تقتلي ابن جنة عشان سما. لكن أنا محاولتيش تعملي أي حاجة عشاني.." شهقت هَمَت من حديث ابنتها القاسي وتجهم وجهها قائلة بنبرة مرتعشة: "اخرسي. دي كانت لحظة شيطان وندمت عليها وكله من لسانك أنتِ اللي قعدتي تسخني فيا." اقتربت منها شيرين بغل تجلى في نبرتها حين قالت: "أنا مش هسكت واستحالة الجوازة دي هتتم. حتى لو هعمل إيه؟

"أنا ليه حاسة إن اللي قدامي واحدة معرفهاش. مش دي شيرين بنتي اللي ربيتها. وكبرتها. في إيه؟ مش مظبوطة وعمالة كل شوية تعملي في مكالمات سرية زي الحرامية وتحلفي وتتحلفي! مين وراكِ؟ مسنودة على إيه يا بنت بطني؟ قالت جملتها الأخيرة بصراخ لم يردع شيرين التي كانت عينيها مغلفة بطبقة من الغضب الممزوج بالشر الذي تجلى في نبرتها حين قالت:

"هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب.. بس خليكِ فاكرة إنك اتخليتي عني زي ما اتخليتي عن أبويا زمان.." ***

انقضت الثلاث أيام الماضية بسرعة، فقد كانت التجهيزات في البلد على أكمل وجه، بينما غادر أولاد الوزان إلى مسقط رأسهم حتى يتجهز الجميع مع الوعد بالقدوم قبل الزفاف بيومين، وقد كان هناك ترقبًا من نوع خاص لأي حركة قد تصدر عن ذلك الشخص المجهول الذي أرسل رسالته، ولكن لم يحدث شيء، وقام سالم باتخاذ كافة احتياطاته مستخدمًا نفوذه حتى تكن الأمور تحت سيطرته، في حين قام أحدهم بفعل أي شيء قد يخرب ذلك الزفاف.

كان عليه السفر إلى مقر شركته في القاهرة يبحث أمور تخص العمل، حين جاءه ذلك الطرق على الباب والذي لم يكن سوى لـ سليم، الذي ما أن خطى بأقدامه إلى الداخل حتى قال بانفعال: "لا ساندي ولا عُدي هما اللي عملوا كده زي ما قالت جنة." "اتأكدت؟ "أيوا. وأنت اتأكدت إن محدش دخل مكتبك وسرق الورق؟ "الورق زي ماهو. وارد يكون حد صوره و وارد يكون حد كان معاه نسخة منه من أيام ما اتأمضى.." "تقصد إيه؟ "تليفون حازم.."

انكمشت ملامح سليم بحيرة، فتابع سالم وهو يخرج الهاتف ويلقي به أمام المكتب: "التليفون كان عليه نسخة من الورقة. والنسخة دي اتبعتت وبعد كده اتحذفت. خليت حد راجع عليه.." استشاطت غضبًا حين سمع حديث أخاه وقال بانفعال: "التليفون وحاجة حازم كلها مع ماما." "كانت مع ماما! "يعني إيه؟ "حلا. خدت التليفون والمحفظة وكل حاجة من ماما من حوالي عشر أيام." "انت بتقول إيه يا سالم؟ معقول حلا تكون هي اللي؟

"منقدرش نجزم بدا. ممكن تكون سما، شيرين، أو حتى عمتك. ومع الأسف منقدرش نسأل، ده اتهام خطير لحلا." جن جنونه وقال منفعلًا: "أومال هنعرف إزاي؟ "الخاين هيكشف نفسه. هنستنى أما نشوف هيعمل إيه؟ ووقتها هنقدر نتصرف.." زفر سليم بغضب وقال حانقًا: "أنا واثق إن حلا متعملش كده. الحوار ده مش هيخرج غير من سما أو شيرين." "هنعرف بس الصبر…"

أنهى كلماته تزامنًا مع مجيء رسالة على البريد الإلكتروني الخاص بالشركة، فتوجه سالم إلى حاسوبه يستطلعه، فإذا به يصدم حين وقعت عيناه على تلك الرسالة، والتي كانت شكر من إحدى الشركات التي يتعاملون معهم في الخارج وأخبارهم بأن المبالغ تحول للحساب الجديد وتتمنى عقد صفقات أخرى معهم. "معناها إيه الرسالة دي؟ هكذا قال سليم حين قرأ النص المدون في الرسالة، فلم يجبه سالم وقام بإمساك الهاتف لإجراء اتصال، وما

أن أتاه الرد حتى قال بأمر: "في أي شحنة خرجت من المخازن الشهر اللي فات؟ أتاه الصوت الآخر على الهاتف: "أيوا يا سالم بيه إحنا مسلمين شحنتين للشركة الألمانية الشهر اللي فات.." هب سالم من مجلسه قائلًا بغضب: "انت بتقول إيه؟ ومين أمرك تعمل دا؟ أجابه الموظف بهلع: "حضرتك إحنا جالنا إيميل التسليم كالعادة من إيميل الشركة الأساسي وبناءً عليه سلمنا الشحنات في معادها.. هو في إيه يا فندم؟

خرج غضبه عن السيطرة، فقد وقعوا فريسة للعبة قائدها مجهول، مما جعل سالم يطحن أسنانه غضبًا قبل أن يقول بأمر: "ابعتلي الإيميل اللي جالك دلوقتي على الميل الخاص بيا.. وأي تعاملات بعد كده هتكون منه إيميل الشركة محدش يتعامل معاه خالص." أغلق سالم الهاتف فصاح سليم باستنكار: "اللي أنا بسمعه ده بجد؟ إحنا بيتنصب علينا من شخص مجهول؟

زفر سالم بحنق وجلس يبحث على حاسوبه، فتفاجأ حين أتته رسالة العامل والتي تفيد بخروج بضاعة تتعدى العشرين مليونًا من مخازنهم، فبرقت عيناه من شدة الصدمة التي كانت من نصيب سليم أيضًا، والذي قال بذهول: "عشرين مليون! ده خراب بيوت.." تغلب سالم على صدمته وقال بقسوة: "هتواصل مع الشركة وأعرف الحساب اللي اتحولت عليه الفلوس باسم مين، وأنت جهز نفسك عشان هنسافر القاهرة."

نفذ سليم أوامر سالم دون اعتراض، بينما الأخير اشتدت ملامحه غضبًا واكفهرت تعابيره بشكل مريب، وقام بجذب هاتفه وإجراء أحد الاتصالات، وما أن أجاب الطرف الآخر حتى قال سالم بقسوة: "عايز أعرف مكان ناجي عبد السلام الوزان؟ يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...