الفصل 7 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
26
كلمة
7,798
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

كانت جنة تجلس على حافة السرير، ترتجف من الخوف أو ترقب ما هو آت. لم تر جدها ولا حلا بعد. أحضروها إلى هذه الغرفة بعد أن أجبروا فرح على تركها بحجة أن حلا تريد رؤيتها. بالرغم من الذعر الذي يملأ داخلها، لم تقاوم أو تتمسك بوجود شقيقتها معها، فقد أيقنت أن جدها يريدها وحدها.

كانت ضربات قلبها تتقاذف بعنف، فهي على وشك خوض أكبر مواجهة في حياتها، مواجهة ستقتلها إما بإنهاء حياتها أو إزهاق كرامتها. منذ أن علمت بمرضها، وهي تخشى النهاية الحتمية له وهي الموت. ولكنها الآن تتمنى لو تداهمها سكراته لتريحها من العذاب الذي ستناله حتماً على يده.

هبت من مكانها مذعورة لسماعها طرقاً قوياً على باب الغرفة، وبدأت ترى نهاية سوداء لباقي حياتها على يد هذا الطاغية. ولكنها تفاجأت بالخادمة التي أخبرتها بأن تتجهز لأن جدها يريد الحديث معها. أخذت عدة أنفاس علها تهدأ من ضجيجها الداخلي، وهي تخطو إلى الخارج مع أحد الحرس الذي أخرجها من باب خلفي للمنزل، سالكاً طريقاً آخر غير الذي جاءت منه. حاولت أن تهدئ من روعها،

وأخذت تردد بشفاه مرتعشة: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." كانت الخطوات تتعثر بها، فمن يستطيع الثبات وهو يسلك طريق الموت، خاصة وأن كانت بطريقة مروعة تشبه عينين ذلك العجوز الصلب الذي كان ينتظرها على ضفة البحيرة الصافية، والتي تعلم بأن نهايتها ستكون مدفونة في أعماقها، هذا إن كان رحيماً بها. توقفت أمام عبد الحميد، الذي نظر إلى الغفير وسأله بنبرة قاسية: "عملت اللي جولتلك عليه؟ الغفير باحترام: "حصول يا حاج."

عبد الحميد بتأكيد: "حد شافكوا وانتوا جايين هنا؟ الغفير بنفي: "لأ، إني جبتها من الباب الوراني ومحدش شافنا واصل." "طب روح انت.. وجهز اللي جولتلك عليه." كان موتاً بالبطيء، تعلم بأن نهايتها بدأت بحرب الأعصاب تلك، وستنتهي نهاية مروعة تليق بجرمها. فأخذ جسدها يرتجف، وأغمضت عينيها بقوة تستجدي الموت أن يخطفها في تلك اللحظة حتى ينتشلها من عذابها المنتظر. "فتحي عنيكي وبصيلي يا بت محمود."

كانت نبرته قوية يشوبها قسوة جعلت فرائصها تنتفض، وتسارعت دقاتها أكثر حتى بدت تسمع طنيناً بأذنيها. جاهدت أن تفتح عينيها التي غزتها خطوط حمراء تحكي مقدار الذعر الذي يجتاح أوردتها. "خايفة مني يا جنة؟ كانت أذناً لعبرات كانت كالفيضان الذي ضرب ثباتها الهش وحطمه في الحال، وتدفقت مياه عينيها حتى أغرقت صدرها الذي كان ينتفض بقوة. فاقترب منها عبد الحميد خطوة، تراجعت على إثرها خمس،

وهي تقول بنبرة متقطعة: "ار.. ارجوك.. مت.. متعملش.. فيا.. حا.. حاجة.. أنا.. غل.. غلطت والله.. بس.. بس.. مفر.. مفرطتش.. في.. نفسي.. لو.. لو هتمو.. هتموتني.. ار.. ارميني.. في.. البحر.. مش.. مش عايزة.. أتوجع.. وأنا.. بمووت.." *** "أبيه سالم…"

قالتها حلا، التي أطلت عليهم من باب الغرفة لترتمي بأحضان سالم الذي عانقها بقوة، وكأنه لا يصدق بأنها آمنة بين ذراعيه. فبالرغم من أنه خاطب، وعمه، ولحسن حظهم، هو لواء ومدير أمن محافظة المنيا، وأخبره باختصار عن الأمر حتى يأتي بنفسه ويطمئن عليها ويطمئنهم. وأيضاً ليعرف ذلك الرجل بأنه لا يخيفهم ولا يشكل خطراً عليهم. ولكنه الآن وأخيراً استطاع أن يتنفس بارتياح. فهو، إن كان من الأشخاص الذين لا يظهرون مشاعرهم بكثرة، ولكنه يحمل بقلبه حباً كبيراً لشقيقته الصغيرة التي تربت على يديه، فصار يعتبرها ابنته التي لا يحتمل أن يلامس الهواء خدها فيجرحه.

"أنتِ كويسة؟ هكذا سألها بصوته الخشن، فأومأت بالإيجاب. فتدخل سليم الذي اختطفها من بين يدي سالم وقال بلهفة غاضبة: "حد هنا ضايقك؟ هزت رأسها بالسلب وهي تقول: "لأ، متخافش." اطمأن قلبه لإجابتها، وقام باحتضانها بقوة، ويده تتحسس خصلات شعرها المسترسلة على ظهرها، وقام باحتواء وجنتيها يناظر ملامحها بشوق، قبل أن يعيدها إلى أحضانه مرة أخرى، وداخله يحمد الله كثيراً بأن شقيقته عادت سالمة.

"اقعدي يا حلا عايزك تحكي لي اللي حصل بالضبط." هكذا أمرها سالم، فخطت بأقدامها لتجلس بجانبه، وأخذت تبلل حلقها الجاف، قبل أن تقول بشفاه مرتعشة: "تقصد إيه؟ تدخل سليم مستفهماً: "الناس دي خطفتك إزاي وحصل إيه من ساعة ما وصلتي؟ عايزين نعرف كل حاجة بالتفصيل."

احتارت كيف تجيبه وبما تخبره، فتفرقت نظراتها بين شقيقيها اللذان يناظرانها بنظرات ثاقبة تشعر بها تخترق أعماقها، فابتلعت ريقها وتعالت دقات قلبها، وطال صمتها الذي أضاف وقوداً على نيران سليم الذي هب من مكانه قائلاً بغضب: "ساكتة ليه؟ ما تردي علينا. حصل إيه وجيتي هنا إزاي؟ "اهدي يا سليم… حلا يا حبيبتي اتكلمي ومتخافيش من أي حاجة."

ما إن أنهى سالم جملته، حتى اخترق قلبه صوتها الملتاع وهي تصرخ في الخارج. فهب من مكانه وهرول إلى حيث يأتي صوتها، وتبعه كلا من سليم وحلا، فتفاجئوا بفرح التي كانت تصرخ في إحدى الخادمات وهي تقول بغضب: "أنا سيباكِ معاها هنا راحت فين؟ تقدم منها سالم الذي قال باستفهام: "إيه يا فرح؟ ما إن سمعت صوته، حتى شعرت وكأنه الغوث بعد الضياع،

فاقتربت منه قائلة بلوعة: "الحقني يا سالم. جنة سبتها في الأوضة هنا بعد ما قالولي إن حلا عايزاني وروحت قعدوني في أوضة ولا جابولي حلا ولا خلوني آجي لجنة. وبعد ما زعقت سابوني جيت هنا أشوفها ملقتهاش. ومحدش بيرد عليا." "طب اهدي ومتخافيش. محدش هيقدر يأذيها." هكذا تحدث سالم، والتفت إلى الخادمة قائلاً بصرامة: "حالا دلوقتي تقوليلي جنة فين وإلا متلوميش غير نفسك." الخادمة بذعر: "ممم معرفش."

كان يشعر بأن أنياباً حادة نهشت بقلبه بحوافر مشتعلة بنيران الخوف من أن يحدث لها مكروه. فاقترب مندفعاً تجاه الخادمة يمسكها من خصلاتها وهو يهزها بعنف صارخاً بصوت كان كالزئير: "جنة فين؟ انطقي وإلا وشرف أمي هكون دافنك مكانك." الخادمة بشفاه مرتعشة: "هه. هقولك.. إني والله مالي ذنب.. ده مرعي هو اللي جالي أعمل أكده.. ومجاليش حاجة تاني.. بس.. بس إني شفته وهو واخد ست جنة وخارج بيها من الباب الوراني ناحية الترعة."

فاق الألم حدود الوصف، حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه، وعقله يرسم سيناريو مفزع لما قد يصيبها. ولم يستطع سوى أن يصرخ بعنف هز أرجاء القصر: "جنة…" *** كان مظهرها يدمي القلوب و يفتت العظام. بدت كطفلة صغيرة تائهة تساق قسراً إلى المقصلة. ناهيك عن حديثها الذي أجهز على قلب ذلك العجوز، الذي كان بكل ركن به يوجد جرح غائر وألم عظيم. فلأول مرة يفصح عن عذابه الذي تجلى في تسلل بعض العبرات الغادرة من عينيه،

وهو يقول: "ياه يا بتي قد كده شايفاني راجل ظالم وجاسي؟ هالها ما تراه، حتى أنها ظنت بأنها تتوهم ما يحدث. فتعمقت نظراتها به تحمل مزيجاً من الخوف وعدم الفهم، إلى جانب ألمها الكبير. فالتفت عبد الحميد إلى البحيرة ينظر إلى مياهها بشجن، تجلى في نبرته القوية: "بتلوميني على اللي حصل زمان، إني عارف.. الكل كان بيلومني، بس ولا واحد منهم شاف اللي كنت شايفه." التفت

يناظرها وهو يقول بتبرير: "كنت خايف عليكم من غدر الزمن وظلم البشر. مكنتش عايز أظلمكم ولا أظلم ابني. واللي جولت عليه زمان حصل. لو كنتوا وسطنا.. وسط أهلكم وناسكم.. مكنش الكلب ده استجرأ يعمل اللي عمله.. كنت عايز أحاجي عليكم." تفاجأت من حديثه وتبريره لما حدث في الماضي، والذي كانت تستنكره كثيراً. فقالت مدافعة: "يعني حضرتك عشان تحمينا جوزتنا غصب عننا؟ انكمشت ملامحه

باعتراض تجلى في نبرته: "مين اللي جالي كده.. بوكِ كان عنيد وطايش، هو اللي وقف قدامي ومحترمَش حديث أبوه. طول عمره متمرد وشارد. كنت ودي يفضل بيناتنا. تعبت طول عمري وأنا أشده لأهله وناسه وأداري على عمايله. هو يبعد ويجري. حتى لما راح اتجوز.. ساب بت عمه وراح اتجوز من البندر. وصغرنا وكسر كلمتي. لو ما عمك وفيج اتقدم واتجوز تهاني أم ياسين، كان زمانا خسرنا هيبتنا قدام الخلق. طول عمره كان كده، لا بيحترم حد ولا بيقدر، وبيختار يهرب ويسيب غيره يتحمل نتيجة عمايله."

تفاجأت من حديث جدها عن والدها، والذي استنكرته عواطفها كثيراً، فصاحت مدافعة: "ما يمكن مكنش بيحبها.. بابا الله يرحمه كان بيحب ماما أوي." أجابها بغضب: "يبقى من الأول مكنش وافق.. الراجل يا بتي كلمته واحدة. هنا الكلمة بحساب. والحاجات دي مش لعب عيال…" أخفضت نظراتها، فلم تجد ما تقوله. فواصل بجفاء: "نرجع لموضوعنا…" تجعد وجهها خوفاً حين سمعت جملته،

فتابع هو بتقريع: "أنتِ غلطي يا بتي… وغلطك كبير. لكن هغفرهولك عشانك مفرطيش في نفسك. ولو الكلب دا كان عايش كنت قتله بيدي.. بس خلاص غار في داهية وحسابه عند اللي خلقك وخلقه." لم تفهم ما يحدث، فقالت باستفهام: "طب لما انت سامحتني ليه خطفت حلا؟ عبد الحميد بوقار: "مش معنى إني سامحتك يبقى راضي عنك. والناس دي كان لازم يدوقوا الجهرة على بتهم عشان يعرفوا الصح ويعملوه." لونت الدهشة معالمها من حديث جدها،

وقالت بخفوت: "أنا مش فاهمة."

"في حاجات في الدنيا دي أكبر من العواطف.. في كرامة لازم الإنسان يحافظ عليها. وأبوكِ الله يرحمه ميستاهلش إن رأسه تتحط في الطين بسببك، حتى لو كان غصب عنك.. أنتِ دلوقتي مرات ابن الوزان رسمي، وهيُعمل لك فرح كبير يليق بيكي وبعيلتك، وهتخرجي من هنا مرفوعة الراس. ولما تروحي حداهم هتتعاملي كده. الخوف اللي في عنيكي ده امحيه، ما أعزّش أشوفه واصل. انتِ مش قليلة ولا إحنا قليلين، وده الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أرضى عنك."

احتارت هل تبكي متأثرة بحديثه أم تصرخ فرحاً. لم تكن تتخيل بعد ما حدث أنها سوف تستطيع أن ترفع رأسها مرة أخرى، فقد ظنت أنها ستقضي الباقي من عمرها منكّسة الرأس، منزوعة الكرامة، حتى اشتهت الموت. ولكنه الآن يهديها الحياة على طبق من فضة. ولكن يبقى سؤال ينهش داخلها بلا رحمة، وقد بدا ذلك على وجهها وتجلى في نبرتها حين قالت: "انت بتعمل كل دا عشاني ولا عشان شكلك، أقصد شكلكم قدام الناس؟

لم يكن شخصاً ليناً أو حنوناً بطبعه، بل كان جافاً طوال حياته. ولكنه الآن يقف أمام نسخة مصغرة من ابنه الراحل، وضحية لحربهم معاً. وللحظة خالطت أفكاره صورة لطفلة صغيرة بجسد ضئيل وعينين كبيرتين تشبهان بحراً أسوداً يحاكي سواد شعرها الغزير الذي كان يصل لمنتصف طولها. كانت الوحيدة التي برغم صغرها لا تهابه، وتهرول دائماً حتى تفوز بالجلوس بين أحضانه، وقد كانت قوته وجبروته تنصهر أمام براءتها وفتنتها. كانت الوحيدة التي تحظى بدلاله، فلاحت ابتسامة خافتة على شفتيه حين تذكرها وهي تتعثر بخصلاتها تستقبله وهو يدخل من باب المنزل، وقد كان هذا أروع استقبال يحظى به.

فبالرغم من كل شيء، كانت تلك الطفلة الجميلة هي الوحيدة التي استطاعت اختراق دوافعه والتربع على عرش قلبه، الذي اعتصره الألم ذلك اليوم وهي تغادر مع والديها، وقد تذكر حين التفتت تناظره من نافذة السيارة تلوح له وتبتسم ببراءة، للحد الذي جعل تلك الابتسامة تنطبع في قلبه. "عمر الضفر ما يخرج من اللحم يا بتي، ومهما حصل أنتِ بت ابني.. ويهمني مصلحتك." فاجأته حين اغرورقت عينيها بالدموع،

وقالت بتأثر: "على فكرة أنا افتكرت آخر مرة شوفتك فيها قبل ما نسافر، لما جيتلك جري وحضنتك وقلتلي متسبش جدك وتمشي.. أنت فاكر صح؟ ابتسم عبد الحميد وهو يقول بحزن: "صح." تقاذفت الدموع من مقلتيها وهي تقول بألم: "ياريتك ما سبتنا نمشي… ياريتك خدتنا في حضنك وقتها مكنش زمان ده كله حصل."

أنهت كلماتها، دافنة وجهها بين كفوفها تنتحب بقوة على حظها العاثر الذي انتزعهم سابقاً من بين جذورهم وأهلهم، ليلقيهم بين فوهات الجحيم الذي كان ختامه فجيعتها التي لو مضى ألف عام لن تستطيع تخطيها. تفاجأت بقوله حين قال نادماً: "حقك عليا يا بتي.. أنا قعدت أدور عليكوا كتير جوي.. ربنا العالم متخليتش عنكوا واصل، بس نصيبنا كده. حقك عليا."

كان شعوراً متبادلاً بالاحتياج من قبل كليهما، جعله يفتح ذراعيه في دعوة شابها التوسل الذي لون عينيه، وجعلها تهرول إلى داخل ذراعيه تنشد الأمان الذي لم يلامس قلبها منذ فراق والدها الراحل، والذي كان أكثر ما تتمناه في هذه الحياة. فأخذت تشدد من احتضانها له، وفعل هو الآخر مثلما فعلت، وقد كان بداخله يلعن كل تلك السنوات التي أبعدتهم عنه.

كان المشهد مروعاً لهؤلاء الأربعة الذين كانوا يأكلون خطواتهم حتى يصلوا إلى تلك البحيرة، وبداخلهم قلوب تتوسل بألا يكون قد حدث لها مكروه، ليتفاجئوا بأنها آمنة لأول مرة منذ سنين بين أحضان جدها الذي كان يطوقها بذراعيه، وهو يشير بعصاه إلى البعيد، وهي الأخرى تتحدث بحماس وكأنها طفلة صغيرة تستمع إلى إحدى قصصها المفضلة. تجمد الجميع في أرضه من صدمة المشهد، إلا هو، فقد تحررت قدماه وناداها بصوت مرعب: "جنة…"

التفتت جنة فوجدت سليم يقف على بعد خطوات منها، وخلفه كلا من سالم وحلا وفرح، التي تخلصت من صدمتها وهرولت إلى شقيقتها تحتضنها بلهفة وهي تحمد ربها على رؤيتها سالمة. "إيه يا فرح مش هتسلمي على جدك ولا إيه؟ هكذا تحدث عبد الحميد ناظراً إلى فرح بعتب خفي أطل من عينيه، مما جعل فرح تتراجع خطوتين وهي تناظره بصدمة جعلت الحروف تتعثر بفمها وهي تجيبه: "لأ.. أنا مقصدتش.. بس أنا.. كنت خايفة على جنة أما ملقتهاش و...

لم تستطع أن تصيغ حديثها، فصمتت. ليتابع هو بتقريع: "وتخافي على جنة ليه وهي وسط أرضها وأهلها وناسها؟ تدخل سالم الذي فطن إلى لعبة ذلك العجوز الداهية، فقال بغضب ساخر: "يمكن عشان فجأة ملقتهاش في البيت واختفت بشكل مريب! عبد الحميد ببراءة لا تشبه نظراته أبداً: "وه وإيه المريب في إنها جت تقعد شوية مع جدها؟ سالم بفظاظة: "يمكن الطريقة اللي خرجت بيها جنة من البيت كانت مريبة، ولا إيه يا حاج عبد الحميد؟

عبد الحميد باستنكار: "كأنك بتحاسبني ولا إيه؟ سالم بجفاء: "لأ مش بحاسبك، بس إيه الغرض إنك تخوفنا بالشكل ده؟ أجابه عبد الحميد بهدوء مستفز: "ولا بخوفكم ولا حاجة، شيعت الخدامة تشوف جنة لو صاحية تبعتهالي، جولت أفرّجها على أرضها على ما ترتاحوا من السفر." انكمشت ملامح فرح باستفهام انساب من بين شفتيها: "أرضها؟ ابتسم عبد

الحميد قبل أن يقول بتأكيد: "أومال يا بتي.. كل الأرض اللي حواليكي دي ملكنا أباً عن جد. وانتوا ليكوا حق فيها. مهينفعش تجوا البلد من غير ما تعرفوا حقكم فين. أنا مش هعيشلكوا العمر كله." "طول العمر ليك يا جدي.. حسك بالدنيا محاوطنا."

انتبه الجميع لهذا الصوت القوي القادم من الخلف، والذي كان لرجل ثلاثيني فارع الطول متناسق الجسد، يرتدي الجلباب الصعيدي، ذو هيبة تشبه كثيراً الأرض التي يمتلكها. يتميز بعنفوان وشموخ تجلى في أنفه المرتفع، والذي يلائم كثيراً عينيه التي لونتها خضرة داكنة تشبه لون العشب المحيط بهم، مع بشرة ذات سمرة مميزة اكتسبها من أشعة الشمس الحارقة التي كان يعمل تحتها دائماً، فجعلته رجلاً صلباً قوياً ينهزم أمامه أعتى الرجال. كما أنه كان يملك ذكاءً حاداً يكلله بعض الدهاء الذي ورثه عن جده، الذي التفت يناظره، فتهللت

أساريره قبل أن يقول بفخر: "هاه.. عمار وصل. أهلاً يا ولدي، جرب عشان تتعرف على بنات عمك." اقترب عمار منهم بخطوات وقورة تلائمه، قبل أن يعرفه جده بجنة، التي مازالت تحت حصار ذراعه، والتي حيته بلطف وتحفظ. إلى أن أتى دور فرح، فقال عمار بوقار: "أهلاً يا دكتورة." تجاوزت صدمتها حين رأته، ولكنها لم تستطع سوى أن تبتسم بعد أن سمعت هذا اللقب منه، فمدت يدها تصافحه وهي تقول بشجن: "إزيك يا عمار.. ياااه لسه فاكر."

لاح شبح ابتسامة بسيطة على فمه، قبل أن يقول بخشونة: "وأنسا ليه؟ وبعدين هي الذكريات الحلوة بتتنسي بردك يا فرح؟ لم يتثنَّ لها إجابته، فقد اخترق مسامعها صوت كان كالزئير في قوته: "حاج عبد الحميد. عندنا كلام لسه مخلصش. أجلناه كتير وأظن جه وقته."

كانت الغيرة تتشعب بداخله كنبات شيطاني يتغذى على دمائه، التي أصبحت تغلي بداخله، حتى جعلته ينفث الهواء ساخناً من أنفه، وقد اشتدت ملامحه بطريقة مرعبة بعثت الرعب بداخلها، حين التفتت إليه، فهالها ما رأت، فقد كان كأنه جمرة مشتعلة بنيران الجحيم، الذي كان يتنافى تماماً مع كلمات عمار الهادئة، حين قال: "ومستعجل ليه يا سالم بيه، لسه قدامنا وقت طويل نتحدث براحتنا." سالم بغضب لون ملامحه

وامتزج بنبرة صوته الفظة: "مش مشكلتي إنك فاضي وموراكش حاجة. إنما أنا وقتي غالي." لم يجبه، إنما انكمشت ملامحه بتعبير ساخر، تزامناً مع نظرات لونها التهكم، فشكل وجهه لوحة عنوانها الاستخفاف به وبحديثه، وقد كانت هذه الإهانة أبلغ رد منه لغطرسة سالم، الذي انتفضت عروق رقبته غضباً، وتحفزت جميع دوافعه للهجوم على ذلك الذئب الماكر الذي يناظره، فصار الهواء من حولهم مغبراً. مما جعل عبد الحميد يتدخل قائلاً

بصرامة: "نتغدى الأول وبعدين نشوفوا المواضيع دي بعدين. لازم تشوف كرم الضيافة عندنا يا سالم بيه." بعد عدة ساعات، تناول الجميع الطعام، وتوجه الجد عبد الحميد إلى مكتبه، يليه سالم، الذي تحدث بفظاظة، قاصداً أن يصل الحديث إلى مسامع الجميع: "عايز أتكلم معاك لوحدنا يا حاج عبد الحميد." "وماله.. اتفضل." لم يحسب حساب لدهاء خصمه، الذي لم يعير حديثه أي اهتمام، بينما تحدث قاصداً أن يصيب أكثر نقاطه حساسية،

حين قال: "يالا يا فرح عشان أفرّجك أنتِ كمان على أرضك. وبالمرة نوكلك توت من الشجرة اللي على الترعة. لسانك بتحبيه؟ كان الأمر كارثياً للحد الذي جعله يأخذ قراراً بأن يرتدي حزامه الناسف ويخترق حدود العدو، قاصداً الفتك به في عقر داره، فالتفت ينوي إحراق هذا الرجل بنيران غضبه الجحيمي. فتدخل مروان، الذي فطن إلى تلك الحرب الدامية التي على وشك الحدوث،

وقال بلهفة: "آه والنبي خدوني معاكم أنا وحلا. أصل أنا بحب الغيطان والأراضي والحاجات دي أوي." لم تجبه حلا، التي كانت في وادٍ آخر، لا تشعر بما يحدث حولها. فتدخل ياسين قائلاً بغضب دفين: "ما تروح أنت لوحدك، هتجرجرها معاك ليه؟ اغتاظ مروان من حديث ياسين، الذي كان مدركاً لما يحدث ومع ذلك لا يبالي بالعواقب، فقال مندفعاً: "هتروح زي البهايم في الغيط؟ تحب تيجي ترمح معانا." اغتاظ ياسين منه وأوشك بالرد عليه، فجاء

حديث عمار الصارم حين قال: "وماله، سيبهم يا ولد عمي، أهو نفرجهم على البلد عشان يعرفوا هما مناسبين مين؟ كانت كلماته تحمل تحدياً كبيراً لذلك الذي تألمت عظامه من فرط الغضب. فأتى صوت عبد الحميد من خلفه قائلاً: "مش يالا يا ولدي عشان نكملوا حديثنا. كأنك رجعت في كلامك ولا إيه؟ تخلص من الهواء الذي يحرق رئتيه دفعة واحدة، وأعطى نظرة قوية لمروان، الذي فطن إلى ما يقصده، فأعطاه غمزة خفية سرعان ما انمحت، حين سقط كف عمار القوي على

كتفه وهو يقول بسخرية خشنة: "مش يالا بينا يااا.. جولتلي اسمك إيه؟ التفت مروان بلهفة إلى ذلك الرجل القوي، وقال باندفاع: "مروان.. محسوبك مروان."

زفر سليم حانقاً، فكل ما يحدث ويحيط بهم لا يبشر بالخير، فقد كانوا وكأنهم محاصرون في وادٍ مليء بالذئاب التي ينبعث المكر والغضب من بين نظراتهم. لذا كان داخلياً يهيئ نفسه بخوض معركة دامية معهم إن لزم الأمر. وقد حمد ربه داخلياً أنه ألهم أخاه لتنفيذ فكرة زواجه منها، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يجعله قادراً على التنفس للآن. "تعالى معايا عايز أتكلم معاكِ."

هكذا وجه حديثه لجنة، التي لأول مرة كان تنفسها هادئاً وملامحها مرتخية. فبالرغم من كل ما حدث، فهي الآن تشعر بأن خلفها جداراً صلباً يمكن أن تتكئ عليه براحة. "مش دلوقتي يا سليم. الكلام اللي بين جدي وسالم يخصك ولازم تحضره.. يالا بينا." للحظة كان يود لو يلكمه بقوة في أنفه، ولكنه تراجع على مضض متمتماً بغضب: "أغيظ إنسان على وجه الأرض." *** "وبعدين يا شيرين هنعمل إيه؟

هكذا تحدثت همت مع شيرين، التي كانت غاضبة حد الجحيم المستعر بقلبها، وهي ترى تلك المرأة بجانبه. فصاحت بانفعال: "أدينا مستنيين يا ماما أما نشوف هيحصل إيه؟ همت بانفعال: "أنا مش فاهماكي، أنتِ شوية مطمنة وشوية متعصبة، في إيه؟ زفرت بغضب والتفتت تقول بنفاذ صبر: "مطمنة عشان مخططة كويس، لكن هطق من الزفتة اللي لازقة لسالم دي." "أومال أنا أعمل إيه بقى في خيبتي؟ البيه اتجوزها."

كان هذا صوت مروة، التي جمعت حقائبها ووضعتهم بجانب الأريكة التي جلست عليها بإحباط وألم. فصاحت همت مستنكرة: "إيه يا بنتي الشنط دي، أنتِ رايحة فين؟ "ماشية، هقعد أعمل إيه؟ شيرين بغضب: "تمشي فين يا هبلة أنتِ؟ مروة بحزن: "هقعد أوجع قلبي على الفاضي وأنا شايفة اه مع الست هانم. أنا أمشي أحسن." همت بتقريع: "يا هبلة عايزة تمشي وتسيب الجمل بما حمل كده بحتة بت زي دي. دانتِ تستني وتحرقي دمها وأعصابها وتخطفيه ليكي."

شيرين وهي تعبث بهاتفها: "اسمعي كلام ماما، اتضح إنها عندها حق وكلامها صح." "أنا هطق، إيه الحظ ده؟ دانا ملحقتش أقعد كام يوم ولسه هبدأ أتعامل معاه يقوم يتجوز." شيرين بخبث: "متقلقيش، هيطلق قريب." تحفزت مروة والتفتت تناظرها بعينين لامعتين: "تقصدي إيه؟ وتدخلت همت قائلة: "يعني إيه هيطلق قريب دي؟ لم تتحدث، إنما قامت بتوجيه شاشة الهاتف أمام وجوههم، فبرقت أعينهم عندما شاهدوا تلك الصورة أمامهم. ***

كان القلب يئن حزناً، والجسد يئن وجعاً، على الرغم من كل تلك العقاقير التي تأخذها حتى تخفف من آلام جسدها الذي مزقته في نوبة انهيارها. إلا أنها كانت تشعر بوجع عظيم، ربما كان مصدره ذلك الوجع القاطن على يسارها حين تتذكر كل المآسي التي مرت بحياتها، وأخيراً مأساتها الكبرى حين سمعت صوته وهو يتحدث عن علاقة مزعومة بينه وبينها. الآن فقط علمت معنى الظلم، بل القهر. فقد اتهمها ذلك الجرذ، وأيده عدو أثمن هدية أهداها بها القدر. فقد كان دائماً جزعها القوي حصنها المنيع، كانت تستند عليه من كل شيء، ولكنها خذلته حين صدق تلك الافتراءات وتطاول على جسدها ينوي انتزاع أثمن ما تملك في هذه الحياة.

بكل ما تملك من ألم، كانت تتمنى إخباره بأنها لازالت شريفة الجسد، على الرغم من أن روحها تدنست بسبب أفعالها مع جنة وكرهها لها. لا تعرف هل كان ذلك غيرة منها أم حنقا، لإن الجميع دائماً ما يفضلون عليها أشخاصاً وأحياناً أشياء. لا تعلم، ولكنها تتألم، وقد خرج صوتها جريحاً حين قالت: "أنا مش وحشة.. هما اللي وحشين.. أنا مفرطتش في نفسي يا عدى متصدقهوش."

كان هذياناً من فرط الألم، ولكنه لامس قلب ذلك الذي كان يجلس أمام سريرها يناظرها بعينين يملؤهما الألم والندم، الذي كاد أن يجعله يجن. آه لو يعود الزمن للخلف، يقسم أنه سوف يقوم بترميم جراحها ويحاوطها بأجنحته حتى تنعم بالأمان الذي افتقدته طوال حياتها. كان ليغدق عليها من بحور عشقه حتى تطيب جراحها، ولن يدع أي شخص يؤذيها ولو كانت هي، ولن يسمح لأحد بالاقتراب منها. ولكن هذا الكبرياء اللعين هو ما جعله يفرط بها حين أخبرته أنها تحب صديقه!

امتدت يديه تمسك بيديها بقوة وهو يقول بألم يقطر من بين حروفه: "عارف.. عارف كل حاجة. أنتِ أشرف بنت قابلتها في حياتي. أنا عارف. سامحيني.. ارجوكِ سامحيني." "انت بتعمل إيه هنا يا حيوان؟ لم يلتفت على الفور، إنما قام بوضع قبلة دافئة على الجزء البسيط الذي يظهر من بين ضمادها، ثم التفت ينظر إلى والدها وهو يقول بجمود: "المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده.. سايب مشاغلك ومؤتمراتك وقاعد هنا ليه؟

صاح بغضب: "إنت يا حيوان بتحاسبني بصفتك مين؟ دي بنتي." عدى باستنكار: "بنتك! تصدق أول مرة آخد بالي. ويُاترى لسه عارف الموضوع ده النهاردة ولا باين من كام يوم؟ لكنه قوية من يده طالت فك عدى، الذي تراجع خطوتين للخلف وهو يقول بوعيد: "أنا ممكن أرد الضربة عشرة، بس عشان خاطرها مش هعمل كده." "إنت بجح وقذر جاي بعد عملتك دي ومش مكسوف تقف قدامي."

عدى بجرأة: "لأ مش مكسوف. ومستعد أقف قدامك وأحط عيني في عينك ومش هاممني حد. أنا اللي المفروض أكون جنبها مش أنت. هي محتاجة أنا مش أنت. ولو أنا غلطت في حقها مرة فأنت غلطت ألف مرة. أنا اللي كنت واقف في ضهرها على طول. وأنا اللي ساعدتها تنتقم من الكلب جوز خالتها اللي كنتوا راميها عندها، وأنا اللي ساعدتها عشان تنتقم من حازم، وأنا اللي مستعد أموت عشان خاطرها. وإن كنت جرحتها فأنا هصلح غلطتي معاها وهتسامحني عشان ليا رصيد كبير عندها، أما أنت عمرها ما هتسامحك عشان مفيش في قلبها ليك غير الوجع والخذلان."

سقط على الكرسي بألم أنهك صدره، فهذا الشاب محق، فهو لم يكن أباً حقيقياً ولو لمرة واحدة، حتى أنه تناسى أمرها في الآونة الأخيرة، وهرول خلف نجاحاته ونقوده ومكانته العلمية التي لا تساوي شيئاً أمام ما حدث مع ابنته الوحيدة التي خسرها وخسر كل شيء بفقدانها. "أنا عايز اتجوز ساندي! *** "عرضك مرفوض يا حاج عبد الحميد." هذا كان صوت سالم القوي وهو يناظر عبد الحميد، بغضب لم يتعد حدود شفتيه، مما جعل

عبد الحميد يقول باستفهام: "بترفض نسبنا يا سالم بيه؟ عند هذه الجملة، انفتح باب الغرفة وأطل منه ياسين، يتبعه سليم، الذي قال باستفهام: "نسب إيه يا سالم؟ لم تهتز عيناه عن عبد الحميد وهو يجيب شقيقه قائلاً: "الحاج عبد الحميد طلب إيد حلا لياسين، وأنا رفضت." تدخل ياسين غاضباً: "أقدر أعرف السبب؟ سالم بفظاظة: "مش عاجبني."

على نقيض شعوره، ابتسم قبل أن يجلس أمام سالم وهو يقول ساخراً: "أنا عارف إنك مبتحبنيش. بس معقول هتظلم أختك عشان أهواءك." لم يتحرك جبل الجليد، بل وضع قدماً على ساق، وقال بنبرة هادئة ولكن قوية: "بلاش اللعبة دي معايا." أنهى جملته والتفت إلى عبد الحميد قائلاً بتهديد مبطن: "لو فاكر إنك كده بتضمن سلامة جنة تبقى غلطان. وإن كان حازم غلط فخد جزاءه، ودلوقتي بين إيدين ربنا، هو أولى بيه." تحمحم عبد

الحميد قبل أن يتحدث بوقار: "اسمعني يا ولدي.. إحنا صعيدة ودمنا حامي، وإني راجل كبير شفت كتير وعشت كتير. يمكن لو كان اللي حصل ده من عشر سنين كان زمان الحرب جايمة والدم للركب. إنما دلوقتي إني بحل الأمور بعقلي ودايس على غضبي عشان ما أعزّش خساير زيادة، اللي راحوا. لينا حق عندكوا." قاطعه سالم قائلاً

بصرامة: "خدتوه.. لو فاكر إنك باللي بتعمله بتعزز جنة قدامنا فأنا عززتها قبلك. وجبتها تعيش وسطنا وابنها اكتب باسمنا، وفي اليوم اللي اتولد فيه حقه في أبوه اتسجل باسمه. مع إن مش أي حد هيعمل كده، بس أنا مش ظالم. ودلوقتي جنة مرات سليم. وأنا واثق إنك عارف إنه عمره ما هيأذيها ولا هيبهدلها."

عبد الحميد بتأييد: "عارف. بس الدم لسه بيغلي والنار لسه شاعلة. وعشان تنطفي لازم العيلتين يبقوا بينهم دم واحد. يمنع المجازر اللي ممكن تحصل. صدقني إني بعمل اللي فيه الصالح للعيلتين. وبقتل الفتنة قبل ما تنتشر." سالم بخشونة: "محمود وجوده يمنع أي فتنة. ومش لوحدك اللي خايف على أهلك. أنا كمان خايف ومعنديش أغلى من أختي، ولو على رقبتي مش هجوزها غصب عنها." ضيق عينيه

بمكر قبل أن يقول بهدوء: "ومين جالي إن احنا عايزينها غصب عنها. ما يمكن هي رايدة ياسين زي ما هو رايدها. اسألها." سالم بجفاء: "انت عايز توصل لإيه؟ "عايز الحق وبس. لو بنتكم مش رايدة ابننا يبقى خلاص على هواها." تشابهت لهجته مع ملامحه حين قال: "وماله. هسألها."

التفت سالم ناظراً إلى أخيه، الذي فهم ما يشير إليه، وأومأ برأسه وهو يتوجه للخارج. فمنذ البداية كان سليم صامتاً، لا يعلم إن كان غضباً أم حزناً. فبالرغم من أن قلبه وجد طريق الحب معها، ولكن الطريق كان متعباً بل مؤذياً للجميع، وها هو الأذى يصل إلى شقيقته. فللحظة وضع نفسه مكان هذا الرجل، فسيفعل مثلما فعل وأكثر. وعلى الرغم من مقاومة أخاه الأكبر، إلا أنه كان يدرك بأن ما فعله حازم وضع الجميع في منعطف خطر، إن لم يتلطف بهم القدر، فوقعوا جميعاً في الهاوية.

"موافقة يا أبيه." هكذا أجابت حلا على سؤال سليم حين أخبرها برغبة ياسين في الزواج منها. وقد تفاجأ بقبولها الصريح، الذي جعل ملامحه تنكمش بريبة، تجلت في نبرته حين قال: "موافقة!! أنتِ في حاجة بينك وبينها يا حلا؟ تراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تقول بتلعثم: "لأ.. والله. يا أبيه. حاجة إيه دي اللي هتكون بيني وبينه؟ اقترب منها سليم وهو محتفظاً بيديه داخل جيوب بنطاله، قائلاً باستفهام: "موافقتك السريعة دي مش مريحاني بصراحة."

كان الضياع والخوف يغلفان نظراتها إليه، وهي تتذكر ما حدث البارحة. عودة إلى وقت سابق.

كانت خطواتها تحمل الخوف والرهبة، وهي تمشي خلف الخادمة التي أخبرتها بأن هناك من يريد الحديث معها، ولاذت بالصمت بعد ذلك، فلم تعد تجيب على أسئلتها. فأجبرت نفسها على المضي خلفها، وهي تناظر المكان حولها بفضول، إلى أن وصلت إلى باب ضخم فتحته الخادمة، ودخلت، وتبعها إلى داخل تلك الغرفة العريقة، فتفاجأت من وجود رجل عجوز، ملامحه خشنة بل قاسية، تحيط به هيبة بدائية، بثّت رعباً قوياً بداخلها،

زاد حين قال بصوته القوي: "واقفة عندك ليه.. جربي يا بتي." بللت حلقها الجاف، وهي تخطو بأقدام مرتعشة إلى حيث يجلس، وبشفاه مرتعشة سألته: "أنا فين وأنت مين؟ عبد الحميد بخشونة: "أنتِ في الصعيد.. تحديداً في المنيا.. وإني أبقى عبد الحميد عمران.. أنتِ متعرفنيش ومتاخديش بالك من الاسم، بس أنا هعرفك.. إني أبقى جد جنة وفرح.. أكيد تعرفيهم." تعاظم الخوف بقلبها من حديث ذلك الرجل، وقالت بصدمة: "إيه؟ إزاي؟

إحنا منعرفلهمش أهل.. يعني أقصد…" قاطعها بخشونة: "فاهم قصدك.. وأديني بعرفك بنفسي إن إني جدهم." "وليه جبتني هنا؟ هكذا سألته بلهجة مرتعشة، فأجابها بهدوء يتنافى مع خطورة كلماته وما تحمله من معانٍ: "بصراحة جولت آخد رأيك وأشهدك على اللي حصل.. يرضيكِ يا بتي اللي أخوكي عمله في بت ابني؟ سقط قلبها بين قدميها من فرط الرعب، فابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تقو على الحديث، فقط هزت بسيطة من رأسها بالسلب.

فصاح عبد الحميد بصوت قوي: "على صوتك.. مش سامعك يرضيكِ؟ صرخت بلهفة: "لأ لأ ميرضينيش." "حلو.. طب يرضيكِ إن بت زي جنة تقضي عمرها كله موطية راسها بسبب واحد خسيس زي أخوكي.. لاه طبعاً ميرضكيش. إني بجي لازم آخد حق بت ابني وحق شرفنا اللي حطه أخوكي في الوحل." أجابته بلهفة: "بس حازم مات." "ماني عارف.. الله لا يرحمه ويحرجه في جهنم الحمرا. بس ده مش هيشفع لينا قدام الخلق ولا هيرفع راس بتنا." قفزت العبرات من مقلتيها،

قبل أن تقول برعب: "يعني هتعمل إيه؟ عبد الحميد بتهديد: "مضطر آخد تاره من خواته." "لأ أخواتي لأ.. أبوس إيدك إلا أخواتي. اقتلني أنا بس هما لأ. بالله عليك أخواتي لأ. ادفني صاحية بس أوعد تقرب منهم." قفزت الكلمات من بين شفتيها ممزوجة بعبرات غزيرة تابعة من قلب يحترق رعباً على أشقائها الذين لا تقوى على فراقهم، فأجابها عبد الحميد بفظاظة: "للأسف يا بتي مبناخدوش تارنا من حريم."

صرخت بذعر: "لأ أبوس إيدك.. أنا أهو معنديش مشكلة أموت وهما يعيشوا. طب أقولك أنا هموت نفسي بإيدي ويبقى كدا انت خدت تارك بس أخواتي لأ." قالت جملتها الأخيرة بصوت مبحوح من فرط الألم، فتابع عبد الحميد بلهجة هادئة: "فاجأتيني يا بتي. وصعبتي عليا. وعشان كده هريحك. وهديلك فرصة تفديهم، ما هما بردك ملهمش صالح باللي حصل." "فرصة إيه؟ أنا موافقة على كل اللي تقوله."

عبد الحميد بلهجة منتصرة: "بالظبط.. هو ده اللي عايزك تقوليه لأخواتك لما يجوا يتكلموا معاكِ." "أنا مش فاهمة يعني إيه؟ عبد الحميد بصرامة: "بكرة تفهمي.. وافتكري إني مبديش الفرصة مرتين يا بت الوزان." عودة إلى الوقت الحالي.

الآن فهمت ما معنى حديثه، وبالرغم من كونها ارتاحت لهذا الطلب، إلا أنها أنثى حرة تربت على الكبرياء والعزة، تأبى الخضوع حتى ولو اشتهاه قلبها. بالرغم من عشقها له، إلا أن إجبارها بتلك الطريقة آلمها كثيراً، وخاصة وهي تراه يتجاهلها، وحتى لم يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليها، وهذا يعني بأنه مشترك بتمثيلية خطفها ولم يبالي بألمها ولا خوفها، ولهذا السبب أقسمت بداخلها على الانتقام منه ومن جبروت قلبه الذي لم يهتم لألمها. فهي إن خضعت خارجياً لهذا الأمر، فهي تنوي أن تجعله يندم أشد الندم.

"أنا موافقة يا أبيه. دكتور ياسين إنسان محترم وأي حد يتمناه.. أتمنى متكسفنيش أكتر من كده." لم يراجع لتعابير وجهها ولا لنظراتها، ولكنه اكتفى بالقول: "ماشي يا حلا. اللي تشوفيه.. أنا هنزل أقول لسالم ونشوف رأيه إيه." *** ارتاح عبد الحميد لما آل إليه الأمر، وتجلى ذلك في نبرته حين قال: "تتكلموا في المهم." سالم بسخرية: "هو في أهم من كده؟ "طبعاً أومال إيه؟

هتاخدوا من عندنا عروسة كده. من غير أي حاجة دي تبقى عيبة في حقنا وحقكم. وإحنا عروستنا تتأجل بالدهب."

منذ البداية كان سليم صامتاً، لا يعلم إن كان غضباً أم حزناً. فبالرغم من أن قلبه وجد طريق الحب معها، ولكن الطريق كان متعباً بل مؤذياً للجميع، وها هو الأذى يصل إلى شقيقته. فللحظة وضع نفسه مكان هذا الرجل، فسيفعل مثلما فعل وأكثر. وعلى الرغم من مقاومة أخاه الأكبر، إلا أنه كان يدرك بأن ما فعله حازم وضع الجميع في منعطف خطر، إن لم يتلطف بهم القدر، فوقعوا جميعاً في الهاوية.

"اللي تطلبه كله مجاب يا حاج عبد الحميد. من غير نقاش… شوفوا أنتوا سلوكوا إيه وأنا رقبتي سدادة." هكذا تحدث سالم، فأجابه عبد الحميد قائلاً بخشونة: "أول حاجة بتنا لازم يتعملها فرح. الخلق كلها تحكي وتتحاكي بيه." غضب سالم بشدة وقال باستنكار: "الكلام ده مش هيحصل قبل سنوية حازم. والدتي مش هتتحمل الكلام ده دلوقتي." "وماله نستنى. على ما تكون كماني اطمنا عليها وعملت فحوصاتها وتحاليلها." "انت عرفت كل ده منين؟

هكذا استفهم سالم، الذي كان يشعر بأن هناك شيئاً يُحاك من خلفهم، فأجابه عبد الحميد: "متشغلش بالك انت يا عريس. أهم حاجة دلوقتي نقعد ونتفق على المهر والدهب والذي منه." شعر سالم بأن هذا الداهية يخفي الكثير، ولكن لزم الصمت، وداخله ينوي كشف كل الأوراق، وإن لزم الأمر حرقها. ***

خطى سليم إلى الخارج، وبداخله العديد من الأسئلة التي لا يعلم إجابتها، وقد شعر بأن العالم بأسره يضيق به. فأخذت عيناه تبحث عنها، وهو يتمنى لو يلمح طيفها حتى يبدد هذا الشعور المقيت. فأخذ يبحث عنها إلى أن وجدها تقف بالحديقة تنظر إلى شبيهاتها من الورود. ولأول مرة يرى ضحكتها التي لونت ملامحها، فبدت فاتنة، خاصة حين تعامد الغروب على خصلات شعرها الذي بدا كليل طويل حالك السواد حول وجهها الذي كان قمراً ساطعاً. فأغمض عينيه للحظة يتخيله يتلمس تلك الملامح الفاتنة، يشتم عبيرها الأخاذ حتى تمتلئ رئتيه، يتمنى أن تطرب أذناه بهمسها باسمه مرة ثانية، كما حدث ذلك اليوم بالمشفى. وفجأة خرج من تخيلاته العاطفية على صوت عالٍ

يخترق أذنيه: "الحقونا. الحقونا عمار بيه بيتخانج مع الضيف ومقطعين بعض…" يتبع…..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...