توجه إلى الأعلى وهو يزفر بحنق فقد سأم كل ما يحدث وكل تلك الألاعيب والمؤامرات يريد هدوء وراحة لن يجدهما سوى بقربها. فسار ينهب درجات السلم بقلب يحمل اللهفة والشوق معًا إلى أن وصل إلى غرفته فدخل مباشرة دون أن يطرق الباب فوجدها جالسة على مخدعهما بعينين شاردة ناظرة إلى البعيد فاقترب منها بلهفة وامتدت يديه تقبض على خاصتها جاذبًا إياها لتسكن بين ذراعيه ولكنه تجمد بمكانه حين شعر بها تدفعه وعيناها ترسلان سهامًا حادة
تشبه حدة كلماتها حين قالت: "ابعد عني.." صدمة قوية خيمت عليه حين تفاجئ برد فعلها فهمس باسمها بنبرة لأول مرة تبدو ضائعة: "فرح.." نفضت توسله وقالت بلهجة قاسية وملامح جامدة: "أوعى تقرب مني أو تفكر تلمسني…" تنبه لحديثها الغريب وملامحها الأشد غرابة بينما جذبته تلك الشعيرات الحمراء التي تسللت إلى حدقتيها لتمتزج مع حدائقها الزيتونية فجعلتهم مشتعلتان بصورة صدمته ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته وقال بنبرة خطرة:
"أنتِ سامعة بتقولي إيه؟ من بين أنفاس ملتهبة وقلب محترق أجابته بنبرة حادة كالسيف: "سامعة.. وياريت انت كمان تكون سامع.." كانت حالتها مزرية مما جعله يتجاوز بشق الأنفس عن حديثها المهين وقال بنبرة أهدأ: "حصل إيه يا فرح.. أنا لسه سايبك من شوية مكنتيش كده." "بيتهيألك." "يعني إيه؟ ابتلعت جمرة حارقة بجوفها قبل أن تجيبه بجمود: "يعني لازم نحط النقط عالحروف من أول يوم عشان كل واحد يعرف حدوده وما يتخطاهاش.."
زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة محاولًا التغلب على شياطين الغضب التي تنهش بداخله ثم قال بقسوة: "هاتي اللي عندك.." تلك اللحظة الفاصلة التي ستلقي بها بين فوهات الجحيم كانت أصعب لحظات حياتها ولكنها جاهدت على أن تكون كلماتها منمقة بلهجة باردة تخفي خلفها أعظم خيبة نالتها طوال حياتها:
"عارفة إن كلامي هيضايقك ويمكن متتوقعهوش. بس دي الحقيقة.. الجوازة دي بالنسبالي وسيلة هروب من جوازة تانية مكنتش متقبلاها وأكيد انت فاهم قصدي.. عارفة إنك ممكن تكون شايفني وحشة بس أنا مش هقدر أخدعك وأوهمك بمشاعر مش موجودة من الأساس.."
كانت لحظة توقفت بها جميع حواسه عن العمل.. حتى أنه لأول مرة بحياته يعجز لسانه عن التعبير يفقد السيطرة على انفعالاته التي ظهرت على السطح بشكل لم تتوقعه فقد امتقع وجهه واكفهرت معالمه بينما كست الخيبة نظراته بصورة قاتلة. ولكم تألمت على مظهره ولكنها كانت أول من ابتدئ وكما يقولون البادئ أظلم.
ضحكة قوية أبعد ما تكون عن المرح شقت ملامحه التي بدت مريعة في تلك اللحظة مما جعلها تتجمد لثوان في مكانها خاصةً حين قست نظراته وهو يقترب منها خطوتين قائلاً بقسوة: "الكلمتين دول سمعتك بتقوليهم قبل كده لـ واحد أهبل عشان تنقذي كبرياءك المغرور.." شهقت متفاجئة من حديثه فتابع بنبرة أقسى تشبه عينيه التي أرعبتها في تلك اللحظة: "لكن أنا مش أهبل وأقدر أعرف اللي جواكِ كويس أوي.. ولآخر مرة هسألك حصل إيه؟؟
وقبل ما تفكري تكذبي اعرفي إني ممكن أوريكِ وش عمرك في حياتك ما تخيلتيه مني.." حاولت أن تبدو قوية ولكن رغمًا عنها اهتزت نبرتها حين قالت: "معنديش كلام أقوله…" "انطقي حصل إيه وأنا تحت..؟ صرخ بها بصوت أرعدها بمكانها فخرجت منها شهقة قوية متبوعة بثورة انهيار نابعة من عينيها التي أفصحت عن عبرات غزيرة و شفتيها التي خرج الحديث منها كالطلقات حين صرخت به: "مُصر أوي تعرف في إيه؟؟
يبقي روح اسأل الست شيرين بتاعتك اللي اتجوزتني عشان تنتقم منها.. أنا بالنسبالك كنت كوبري عشان ترد كرامتك قدامها وتاخد حقك لما فضلت صاحبك عليك.. كذبت عليا في كل حاجة حتى مشاعرك وكل دا عشان خاطرها. صح ولا أنا غلطانة.." ازدادت ملامحه قتامة واسودت عينيه غضبًا حتى أن عروق رقبته كادت أن تنفجر في تلك اللحظة فبدا كالوحوش المرعبة و خاصةً حين همس: "شيرين.."
"أيوا شيرين.. حب الطفولة. مش كانت خطيبتك ولما خانتك كرامتك مقبلتش عليك تكمل معاها وعشان تردلها الضربة جوزتها لواحد انت عارف إنه مريض. بس دا طبعًا كان منتهي السعادة بالنسبالك عشان عارف أنه مش هيقرب منها… بحييك بصراحة أبهرتني.." كانت الكلمات تمزق جوفها والعبرات تجرح عينيها التي كانت تبكي دمًا كان مصدره قلبها النازف ولكنها تفاجئت حين سمعته يقول بوعيد: "ولسه.. هبهرك أكتر.."
ألقى كلماته وخرج من الغرفة وبملء صوته صرخ قائلاً: "شيرين…" ارتجت جدران القصر جراء ندائه المرعب ولكنه لم يكتف بل توجه إلى غرفة شيرين التي كاد الرعب أن يقضي عليها وهي تمسك بالهاتف فما أن سمعت نداءه حتى قالت بذعر: "سالم. عرف.. معقول قالت له.. دا ممكن يموتني.." جاءتها الإجابة على الطرف الآخر: "انكري.. أو أوعي تقولي حرف واحد. كل حاجة مترتبة مظبوط وافتكري إنك لو لخبطي هتضيعينا كلنا ومتنسيش تحذفي كل حاجة من ع التليفون…"
لم يتسن لها الإجابة فقد تفاجئت بذلك الوحش الذي اقتحم غرفتها وهو يشملها بنظرات جحيمية جعلتها ترتجف وخرجت شهقة قوية من جوفها حين اقترب يقبض على رسغها بعنف يجرها خلفه عبر الرواق حتى وصل إلى غرفته على مرأى ومسمع من الجميع ولكنه لم يأبه لتساؤلاتهم بل دخل صافقًا الباب خلفه قبل أن يلقي بها أرضًا وهو يقول يزأر بقوة: "حالًا دلوقتي عايز أعرف كل حرف قلتيه في الأوضة دي وأنا مش موجود…"
كانت ترتجف أرضًا تمسك بيدها الجريحة مفرقة نظراتها المذعورة بينه وبين «فرح» المتجمدة بمكانها والتي تعالت شهقتها حين سمعت «شيرين» وهي تقول: "أبدًا. حكتلها ع اللي حصل زمان.. وإزاي غلطت في حقك وطلبت منها تحافظ عليك.. ومتضيعكش من إيدها زي ما أنا عملت." "إيه؟ إيه الكذب ده؟ " هكذا تحدثت «فرح» مستنكرة فلمعت عيون «شيرين» بشر وقالت بانكسار: "كذب إيه يا فرح؟؟ هو ده اللي حصل." "فرح" بانفعال: "حصل إيه يا مجنونة؟
أنتِ مين اللي طلبت مني أحافظ عليه ومضيعهوش من إيدي؟ التفتت «فرح» إليه وقد شعرت بأنها وقعت في فخ محكم وقالت بارتباك: "دي كذابة.." "وإيه الصدق؟ " هكذا سألها باختصار فسحبت نفسًا قويًا داخل رئتيها قبل أن تقوم بسرد ما حدث قبل نصف ساعة من الآن.. **عودة لما قبل نصف ساعة** "مبروك يا عروسة.."
التفتت «فرح» مصدومة حين سمعت ذلك الصوت الملئ بالشر ولكنها لم تتفاجأ إذ كانت صاحبته «شيرين» فهي تعلم بأن تلك الفتاة تضع عينيها على زوجها وتريد التفريق بينهم وهي لن تسمح بذلك لذا التفت بهدوء تناظرها بجمود شابه نبرتها حين قالت: "في حد يدخل على حد كده أوضة نومه؟ مش المفروض بنخبط قبلها ولا أنا غلطانة؟ اغتاظت «شيرين» من إجابتها وتشدقت ساخرة: "أوضة نومه!! ياه أوام لحقتي اعتبرتيها أوضة نومك؟ دانتي سريعة أوي." لم تلتفت
لسخريتها بل تابعت بجمود: "أوضة نوم جوزي تبقي أوضة نومي.." اقتربت منها «شيرين» قائلة بسخرية: "جوزك! تعرفي إنك صعبانة عليا أوي يا فرح.." رفعت «فرح» إحدى حاجبيها بتهكم فتابعت «شيرين» بث سمومها إذ قالت بلهجة منكسرة:
"آه والله صعبانة عليا. يمكن لو اتقابلنا في ظروف غير دي جايز كنا بقينا أصحاب. بس للأسف أنا وأنتِ وقعنا في حب راجل واحد. ومن سوء حظنا إن الراجل ده حبه عامل زي الوشم بينطبع في القلب مبيخرجش غير بالدم والقلب لما ينزف تبقى نهايته الموت.." قالت جملتها الأخيرة ورفعت يدها الجريحة لتريه ذلك الضماد الذي يلفها فـ انكمشت ملامح «فرح» بغضب حاولت قمعه قدر الإمكان وهي تقول بجفاء: "ومين قال إني عايزة حبه يخرج من قلبي؟
وبعدين بعد كلامك ده أنا اللي مفروض تصعبِ عليا مش العكس.." «شيرين» بوقاحة: "لا العكس.. عشان للأسف أنتِ دخلتي في لعبة انتقام أنتِ مش قدها.. انتِ تعرفي إن أنا وسالم كنا مخطوبين؟؟ وكنا خلاص هنتجوز." «فرح» باختصار: "عرفت وبصراحة ميهمنيش إيه حصل في حياته قبل ما يعرفني اللي يهمني حياته بعد ما دخلتها.." قاربت على الوصول لمبتغاها فقالت بانكسار:
"كلها واحد يا فرح.. وجودك مغيرش كتير.. سالم بيحبني. ومش بس بيحبني ده بيعشقني لدرجة إنه اتجوزك بس عشان ينتقم مني ويكسرني ويردلي اللي حصل زمان.." كان حديثها مسمومًا للحد الذي جعل قلب «فرح» ينتفض بداخلها ولكنها ظاهريًا بدت هادئة حين أجابتها: "أنتِ تقريبًا الجرح أثر على دماغك ولا إيه؟ تجاهلت «شيرين» حديثها واسترسلت في بث سمومها:
"كبرت واتربيت على إيده مكنتش أعرف راجل غيره. دايمًا كانوا يقولوا شيرين لسالم وسالم لشيرين وكان هو بالنسبالي كل حاجة في حياتي. سالم طول عمره حنين بس مابيحبش يبين. جامد من بره بس أرق إنسان من جواه وإلأني كنت صغيرة ومش فاهمه فكرت جموده ده قسوة وبقيت أدور عـ الحنية اللي مفتقداها معاه بره. لحد ما دخل شيطان بينا ادالي كل اللي كنت مفتقداه مع سالم. كنت مراهقة أقل كلمة بتأثر فيا وهو مكنش يعرف يعمل حاجة غير أنه يتكلم. وأنا طبعًا صدقته. ومن حظي السيء سالم عرف. وشاف بعنيه.. شافني راكبة معاه العربية. وخارجة معاه. كانت خروجة بريئة جدًا جايبلي فيها ورد وبيقول إنه بيحبني. بس طبعًا بالنسبة لسالم كنت وقعت في المحظور.."
انبثقت دمعة حقيقية من عينيها مسحتها بطرف إصبعها قبل أن تكمل:
"اليوم ده اتحولت حياتي لجحيم.. سالم يومها ضربني قلم لسه معلم في قلبي. وراح لبابا وخالي وقالهم إن متقدملي عريس وإني موافقة عليه. وأجبر أحمد إنه يتقدملي.. وأجبرني إني أوافق. عملت المستحيل عشان يسامح لكنه رفض بالرغم من إني سمعته بيبكي عشاني لكن كبرياؤه منعه إنه يكمل معايا. الحقيقة إنه كان شهم وداري عالموضوع ومحدش عرف اللي حصل غير ماما ومرات خالي بعد كده وطبعًا انتقامًا له منعتني إني أجي البيت بعد ما اتجوز. وفعلاً حصل.. طبعًا هتسأليني وتقولي إزاي هو اتحمل تكوني لواحد تاني غيره لو هو بيحبك.. أقولك أنا.. أحمد كان عنده ضعف جنسي. وتعب في القلب يمنعه إنه يقربلي. وسالم كان عارف ده عشان كده جوزني له وهو مطمن.. اتصدمتي صح؟
كانت «فرح» تقف مشدوهة لا تقوى على الحديث أمام حديثها ولكن ما زاد من صدمتها حين قامت «شيرين» بمد تلك الورقة أمام عينيها والتي ما أن التقطتها حتى شاهدت ذلك التقرير الذي يفيد بأنها مازالت عذراء:
"متستغربيش.. بس الوجع يعمل أكتر من كده. وأنا وجعته. ووجعته أوي كمان.. ومش زعلانة منه أنا أستاهل أكتر من كده. واتحملت بهدلة ومرمطة من شخص مريض بالنقص اللي عايز يعوضه بأنه يذلني طول الوقت عشان عارف إني مقدرش أرجع لأهلي.. بس اللي كان بيهديني لما كنت بعرف إن سالم بيسأل عني.. كنت بتأكد إني لسه في قلبه.. على فكرة كان بيسأل مروة. اللي قابلتوها في شرم. يوم ما قالها إنه هيخطبك.. كان قاصد إن الكلام يوصلني.."
كانت الكلمات كـ طلقات نارية استقرت في منتصف قلبها الذي كان ينازع للبقاء حيًا فخرج صوتها مبحوحًا حين قالت: "كل ده ميهمنيش. ومش مجبرة أصدقه. يعني قصتك تخصك. لكن أنا واثقة إن سالم بيحبني دلوقتي. وشخص عاقل زيه عمره ما هيتجوز لمجرد إنه يضايق حد واللي حصل ده ميدينوش في حاجة إنك تبقي خاينة ده عيب فيكِ مش فيه." نجحت في غرس سهم إهانتها جيدًا فتجاوزت «شيرين» عن تلك الإهانة وقالت بنبرة لينة:
"عندك حق خيانتي متقللش منه. بس موضوع ثقتك في حبه ده أنتِ فعلًا غلطانة فيه.. وعلى الرغم إني فعلًا مكنتش عايزة أوجعك بس أنا هسمعك بودانك سالم وهو بيعترف لي بمشاعره." قامت بجذب هاتفها وتشغيل مقطع صوتي له حين كانت تمسك الشفرة وتهدده بأنها ستقطع شرايين يدها: "وحياة أغلى حاجة عندك تجاوبني حتى لو مش هتكون ليا.. وحتى لو جوازك هيكون في موتي بس عايزة أعرف الحقيقة أنت حبيت فرح فعلًا؟
كانت اللحظة الفاصلة بين سؤالها وإجابته مرعبة والأكثر رعبًا حين سمعته يقول: "لا ماحبتهاش.. لو عايزة تعرفي الحقيقة أنا محبتش حد غيرك." صدح صوت «شيرين» المتألم: "يعني هتتجوزها بس عشان تأذيني؟ جاءها صوته القوي الذي قضى على أحلامها دفعة واحدة حين قال بفظاظة: "أيوا.. هتجوزها عشان أوجعك. زي ما وجعتيني وزي ما قضيت سنين بتعذب وأنتِ في بيت راجل غيري جه وقتك عشان تتعذبي أنتِ كمان وأنتِ شيفاني معاها.." صرخت «شيرين» بقهر:
"بس ده ظلم.. حرام. طب هي ذنبها إيه؟ أجابه قاسية خرجت من شفتيه حين قال: "حظها السيء رماها في سكتي. والوقت مفيش وقت للكلام معاد فرحي قرب وعروستي مستنياني.."
أغلقت «شيرين» التسجيل الصوتي تزامنًا مع سقوط «فرح» على المخدع خلفها فقد خارت جميع قواها وانهار عالمها فوق رأسها فقط كان هو.. صوته. فظاظته. قسوته التي رأتها سابقًا.. انهمرت عبراتها ممزوجة بنزيف روحها التي اشتهت الموت بكل جوارحها في تلك اللحظة. واقشعر جسدها حين شعرت بيد «شيرين» التي تربت على كتفها في مواساة مزيفة تشبه كلماتها حين قالت:
"مش قولتلك صعبانة عليا. دخلتي في حرب مش قدها.. وللأسف أنتِ الضحية الوحيدة. بس صدقيني أنا كمان بعاني لدرجة إني حاولت أموت نفسي قدامه. وعلى الرغم من إنه قلبه كان بينتفض خوف ولهفة وهو شايلني يوديني المستشفى إلا إنه مقدرش يقاوم قدام جبروته.. وكمل الفرح للآخر." لم تستطع أن تخرج حرفًا واحدًا من بين شفتيها فقط نظرات ضائعة معذبة وقلب ينتفض مذبوحًا بخنجر الغدر الذي لم تتوقعه منه أبدًا.
"أنا قولت اللي عندي عشان مقدرتش أشوفك مخدوعة أكتر من كده. وصدقيني مش عارفة إيه الحل. وبتمنى من ربنا إنه ينزل رحمته علينا احنا الاتنين. عن إذنك.." **عودة للوقت الحالي…** انتهت من سرد ما حدث بأكتاف متهدلة وأنفاس مقطوعة وعينين تناظره بتوسل سرعان ما تحول لصدمة حين سمعت «شيرين» تقول: "إيه الهبل ده؟ فويس إيه؟ أنتِ بتألفي؟ التفت «سالم» ينظر إلى «شيرين» التي أتقنت رسم الصدمة على ملامحها وهي تفرق نظراتها بينهم فتحدث قائلاً
بخشونة: "تسجيل إيه اللي بتتكلمي عنه؟ «فرح» بانفعال: "اسأليها.. كانت هنا وفتحت موبايلها وسمعتهولي وأنت بتقولها إنك بتحبها واتجوزتني عشان تنتقم منها.." ارتسمت السخرية على ملامحه حين تذكر إجابته على ذلك السؤال وما أن أوشك على الحديث حتى تحدثت «شيرين» بلهجة تقطر ألمًا انهمر من بين عينيها أولًا: "ياااه.. هو أنتِ متخيلة إنه لو قالي كده أنا كنت سبته يجيلك؟ التفتت تناظره بعينين شامته تتنافى مع لهجتها المعاتبة
حين قالت وهي تتقدم منه: "شفت بقي إنك زيي معرفتش تختار.. وأن كلنا معرضين إننا نغلط.." كانت لهجته قاطعة كالسيف حين قال: "شفت..! خرج صوتها جريحًا حين همست باسمه: "سالم…" رمقها بنظرة حوت القسوة والألم معًا ثم التفت إلى «شيرين» قائلاً بصرامة: "ارجعي أوضتك.."
أومأت برأسها باستسلام قبل أن تتوجه إلى باب الغرفة وحين فتحته حانت منها التفاتة شامته إلى «فرح» متبوعة بابتسامة ماكرة استقرت بقلب تلك التي كانت كل خلية بها تنتفض ندمًا ووجعًا على غبائها ووقوعها كالشاة في هذا الفخ المحكم بعناية… "هو في كده؟ في شر في الدنيا كده؟ كان سؤالاً يحمل الجواب بين طياته ولكن الإجابة القاتلة جاءت منه حين قال: "بعد الي شفته منك من شوية أقدر أقولك إن كل حاجة ممكنة في الدنيا دي.." ***
كانت تقف بمنتصف الغرفة لا تعلم ماذا عليها أن تفعل كل خلية بها تنتفض ذعرًا فقد غادر أهلها وبقت وحدها في مواجهته ولكنها مواجهة لم تكن عادلة فقلبها وروحها ينتميان إليه فأي جهة عليها أن تقاتل؟ وبأي سلاح ستقاتل فكل شيء خاضع وبقوة لعشقه الجارف. "هتفضلي واقفة عندك كتير؟
أخرجها من أفكارها صوته الخشن فهي لم تنتبه للباب حين انفتح واطل منه يطالع عروسه الجميلة التي كانت شاردة تتطلع أمام النافذة غافلة عن قلبه الذي ارتج بين ضلوعه حين رآها بثوب العرس كانت مثال للفتنة والجمال الذي لم ينقصه ضياع نظراتها وهي تطالعه فقد بدت شهية مغوية وهو ليس بناسك ليقاوم فاقترب منها بخطوات ثقيلة زادت من رهبتها فـ تراجعت خطوة للخلف وكادت أن تتراجع الأخرى لولا يديه التي امتدت تقبض على رسغها تجذبها لـ تصطدم بسياج صدره الخافق بعنف بين ضلوعه.
"هتهربي تروحي فين؟ أنفاسه كانت حارقة على وجهها مما جعل الدماء تفور في أوردتها وتندفع إلى خديها الشهيين بقوة فنبت محصول التفاح على وجنتيها مما أشعل بـ جوفه نيران الرغبة الممزوجة بالشغف فانحني ناثرًا شغفه فوق خديها تباعًا فجاء صوتها ضعيفًا مبحوحًا حين قالت: "لو سمحت ابعد." لم يتزحزح من مكانه بل على العكس امتدت يديه تحاوط خصرها وهو يقول بصوت أجش: "تؤ.. مسمحتش.. ومش هسمح تبعدي.."
تعمقت عينيها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت قلبها وودت في تلك اللحظة لو تخبره بأنها لا تريد الابتعاد أبدًا ولكن أبت كرامتها عليها وحاولت رسم الجمود حين قالت: "مش بمزاجك. إحنا متفقين إن الجوازة دي مش بالتراضي وأنها مجرد.. مجرد تصحيح للأوضاع الغلط اللي حصلت.." كان يعلم بأن طريقهما طويل ولكن غمرة العشق جرفته رغما عنه فـ تراجع عنها وطافت عيناه على وجهها الجميل وعينيها المتألمة وقال بجفاء:
"اللي عايزله تصحيح فعلاً هو تفكيرك الغبي.." اغتاظت من حديثه فـ اندفعت غاضبة: "مسمحلكش تهيني وخليك فاكر إني بنت الوزان يعني لا أنت ولا أي حد يقدر يعملي حاجة." نجحت في إثارة غضبه بجدارة فزفر بقوة قبل أن يقول بقسوة: "عارفة يا حلا. أنتِ محتاجة تقويم وتربية من أول وجديد. واسم الوزان بتاعك ده مبيهزش فيا شعرة. فـ مالوش لزوم تفكريني بيه عشان دي أسوأ حاجة فيكِ." انكمشت ملامحها بصدمة من إهانته لها ولعائلتها فخرجت الكلمات
من فمها دون احتراز: "انت اتجننت؟ وضع يده حول كتفها يجذبها لتقف معه أمام النافذة فوجدت العمل في الأسفل على قدم وساق فشدد من يده الممسكة بأعلى كتفها وهو يقول بقسوة: "شايفة كل البنات اللي بتشتغل تحت دي؟ كلهم ولاد ناس بسيطة أوي بس بنات متربية. البنت فيهم قبل ما بتروح بيت جوزها أهلها بيعلموها إزاي تحترمه. وبناءً عليه هو كمان بيحترمها ويقدرها." أنهى جملته والتفت يقف أمامها يناظرها بجمود شابه لهجته حين أردف:
"الموضوع مش بالأصل ولا بالفلوس ولا باسم العيلة.. المتربي متربي وأنتم آخر حاجة بتفكروا فيها في عيلتكم هو موضوع التربية ده." كانت إهاناته كطلقات الرصاص التي استقرت في صدرها دون رحمة فـ نزفت عينيها وجعًا قويًا اغتال جسدها دون رحمة فامتدت يديه تزيح عبراتها بحنان ظهر كوميض خافت في عينيه ونفته شفتيه حين تابع بقسوة:
"متزعليش أوي كده.. تربيتك عندي. أنا ياسين وفيق عمران جوزك اللي هيخليكِ تفكري في الحرف قبل ما تنطقيه. وتحطي نفسك مكان الناس قبل ما تجرحيهم.." كان قلبه ينتفض ألمًا على مظهرها ويعنفه على ما تفوه به ولكن كان لابد له من إعادة تقويمها فهو يعلم جيدًا مدى تمردها وهو لن يقبل بذلك. ولكن قلبه لم يعد يحتمل رؤيتها هكذا فأردف بجفاء: "يلا يا عروسة عشان تنامي.. ألف مبروك.." ***
انحنى يضعها برفق فوق المخدع وعينيه تطوف على وجهها المحمر بفعل النوم وملامحها الهادئة التي كانت مثالاً للبراءة الممزوجة بجمال صارخ تعجز إرادته القوية على مقاومته.. لم يكن رجلاً يهتم للنساء الجميلات ولم يخطفه جمال أحداهن من قبل ولكن تلك المرأة تجذبه بكل شيء بها. يشعر بأنه أمامها أعزل لم يستطع مقاومة توغلها إلى داخله بتلك الطريقة التي احتلته. صار كل شيء به ينطق باسمها. ختمت قلبه العاصي بعشقها فصار يلهث حولها دون تعب.
لأجلها تعلم فنون الصبر الذي لم يكن يطيقه. فقد كان سريع الغضب قليل الكلام والآن بجانبها يصبح حملاً وديعًا لا يبغي شيئًا سوى رضاها. كان قريبًا منها بدرجة كبيرة لم يصل إليها من قبل عينيه تبحر فوق تقاسيمها بشوق و شفتيه التي أقبلت على وجهها تنثر عشقه فوق ملامحها بقبلات متفرقة تشبه الفراشات التي تتمايل بخفة على الورود.
وحين وصل إلى شفتيها توقفت جميع حواسه عن العمل وتعالت دقاته حتى صارت كطبول الحرب. نعم كانت حربًا ضارية بين قلبًا أضناه الشوق وتعاظمت بداخله الرغبة التي ولدها عشقه الجارف. وبين عقله الذي كان ينهره ويدق نواقيس الخطر فوق مسامعه عن ارتكابه خطأ قد يكلفه ألف خطوة للخلف في علاقتهما. ولكنه أخيرًا بعد صراع مرير قاتل أخفض رأسه ساندًا جبهته فوق ذقنها وهو يقول بأنفاس مقطوعة وقلب ممزق:
"يارب.. اديني الصبر من عندك. عشان مأضعفش أبدًا.." بشق الأنفس استطاع التحرك من فوقها بعد أن قام بتعديل وضعها حتى تبدو مرتاحة في نومتها ولكن تملكته الصدمة حين التقت عينيه رفرفة رموشها والتي تدل على استيقاظها. فخر قلبه يحمد الله على تحكمه في نفسه فقد كان قاب قوسين أو أدنى من التهامها لولا أنه استمع لصوت العقل وتراجع بآخر لحظة.
أغمض عينيه بتعب وبخط متلهفة توجه إلى المرحاض وما أن أغلق الباب حتى أخرجت نفسًا قويًا من داخلها فقد كانت تحبس أنفاسها بصعوبة حين شعرت به قريبًا منها إلى تلك الدرجة وهوى قلبها بين قدميها وهي تتخيل أن يقوم بـ إرغامها على فعل شيء لا تريده ولم تكن مستعدة له.
وجاهدت بقوة التحكم بذكريات سيئة كادت أن تظهر على السطح لتعيد شعور مقيت تجاهد على نسيانه دومًا وفيما أوشكت على أن توقفه عما ينتوي فعله تفاجئت بصوته الممزق وهو يتضرع إلى الله أن يلهمه الصبر.. شعور غريب ومميز اجتاح قلبها في تلك اللحظة فهذا الرجل يقاوم نفسه ورغباته فقط لأجلها. يستطيع بسهولة أن يأخذ مبتغاه ولكنه ابتعد! أي الرجال هو؟ بل كل الرجال هو.
هكذا صدح صوت قلبها الذي لأول مرة منذ وقت طويل يستكين هكذا.. ويشعر بأنه في الطريق الصحيح. الآن أدركت أنها فعلت الصواب بزواجها منه. فهي آمنة معه. ولكن يبقى تلك الندوب التي لازالت تشوه روحها ولكنها ستقاوم. لأجله ولأجل طفلها ستقاوم حتى مرضها اللعين لأجلهما..
صوت كريه اخترق أذنها وكان لرسالة نصية على هاتفها فقامت بالتوجه إلى الحقيبة الموضوعة على الطاولة والتقاط الهاتف وبيد مرتعشة فتحت تلك الرسالة فخرجت منها شهقة قوية حين رأت تلك الصورة الوحيدة التي كانت تضمها مع حازم مرفقة برسالة مسمومة: "قبل ما تترمي في حضنه. افتكري إنك كنتِ في حضن أخوه قبله.." وفي نهاية الرسالة رسمة لـ نيران مشتعلة فـ سقط الهاتف من يدها تزامنًا مع وصول «سليم» الذي تفاجئ من مظهرها فهرول إليها قائلاً
بلهفة: "مالك في إيه؟ خرج اسمه همسًا مستنجدًا من بين شفتيها: "سليم…" احتوت كفوفه وجهها وهو يقول بخشونة: "مالك يا قلب سليم؟
تساقطت عبراتها بقوة وتوقفت الكلمات على أعتاب شفتيها ودون حديث ارتمت بين ذراعيه تشهق وتبكي بقوة أفزعته فصارت يديه تهددها كالطفل الصغير وداخله لا يعلم هل يفرح للجوئها إليه أم يغضب لمظهرها ولكونه يجهل ما حدث ودون أن تكون له الفرصة للحديث تعالت الأصوات والصرخات حولهم فانتفضت مذعورة بين أحضانه فحاول تهدئتها قائلاً: "اهدي يا حبيبي.." "إيه الصويت ده؟
" هكذا استفهمت فتركها وتوجه إلى النافذة فهاله مظهر الحريق الآتي من الملحق فالتفت يخاطبها وهو يهرول للخارج: "حريق في الملحق.." سقط قلبها ذعرًا بين ضلوعها ووقع عينيها على تلك النيران المرتسمة في الهاتف بجانب تلك الحروف المسمومة وخرج صوتها مرتعباً حين صرخت قائلة: "متسبنيش يا سليم.." ***
قاتل ذلك الألم الذي تشعر به وأنت تقف أمام شخصًا ظننته ذات يوم بوابتك لعبور واقعك المظلم إلى آخر مشرق فإذا بك تجده يسحبك نحو أعماق الجحيم واضعًا إياك في مواجهة أمام أسوأ صفاتك والتي ظننت يومًا بأنك استطعت التغلب عليها. كانت تناظره بألم ولأول مرة بحياتها تعلم معنى أن يعض الإنسان أصابعه ندمًا.. بيدها وضعت ديناميت ناسف في علاقتهما فانفجر بوجهها محدثًا آلامًا عظيمة بين جنبات صدرها. ولكنه كان هو!
تقسم أن هذا صوته. نعم لم يكن مفبركًا أو مزيفًا تعلم لكنات صوته حتى مخارج الحروف تحفظها عن ظهر قلب.. أي حيرة لعينه وقعت هي؟ ماذا يحدث يجب أن يكون هناك تفسيرًا منطقيًا. فجأة هبت من مكانها متوجهة إلى ذلك الذي كان يقف أمام النافذة ينظر إلى السماء بقلب ينفطر ألمًا يتضرع إلى خالقه أن يخفف عنه وجعًا ينخر عظامه دون رحمة. كان صامتًا لا يقوى على الحديث لا يعلم كيف سيلتفت وينظر إليها دون أن يحتجزها بين قضبان ذراعيه؟
كان يهرول يسبقه قلبه ليرتمي بأوجاعه دفعة واحدة بين أحضان عشقها. كان ينوي لأول مرة بحياته خلع ثوب الكبرياء جانبًا والتنعم بكل شيء معها. كان سيكشف لأول مرة عن وجهه الآخر وجهه العاشق. سيعري روحه أمامها ويخبرها ماذا تعني له ولكنه تفاجئ بخذلان قاتل. نال قلبه وآدمي روحه وأهلك كبرياؤه كل ما تبقى منه جسد أجوف يقاتل حتى ولا ينهار. "سالم.."
حروف اسمه من بين شفتيها نقشت وجعًا من نوع آخر فوق جدران قلبه الذي كان يود لو يلتفت مرتميًا بين أحضانها ولكن على عكس ما يشعر ظل متجمدًا في مكانه لم يلتفت إليها فاقتربت منه بخطٍ متباطئ تقف أمامه وهي تقول بألم: "صدقني هي فعلًا سمعتني فويس ليك بتقول الكلام ده.." "لسه بتكذبي.." هكذا قالها بجمود فـ صرخت بقهر: "أقسم بالله ما بكذب.." التفتت تنظر إلى المنضدة وقامت بجلب كتاب الله ووضعت يدها فوقه وهي تقول بتأكيد:
"بحق من أنزل هذا الكتاب حصل.. سمعتني فويس ليك بتقول إنك بتحبها هي واتجوزتني عشان تنتقم منها.." كانت فعلتها عظيمة ولكن وجعه أعظم فخرج صوته جريحًا حين قال: "ماشي. هصدقك. هعتبر إنها فبركت فويس ليا. قلبك مقالكيش إنه مش أنا؟ انكمشت ملامحها بألم قبل أن تقول من بين عبرات حزينة: "كنت أنت.. أنا عارفه صوتك.. أنا كنت هموت لما سمعته.. أنا مش عارفه ده حصل إزاي؟ أنا هتجنن يا سالم هتجنن.."
أخرج الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة وتحدث بملامح حيادية لا تعكس شعوره: "خلصت يا فرح.. اللي حصل حصل.." سقط قلبها بين صدرها رعبًا حين سمعت كلماته وبشفاه مرتعشة تحدثت: "لا مخلصتش.. أنا. أنا. غلطت. يعني. معرفش اللي حصل حصل إزاي. بس.. هي خدعتني. يمكن أنت قلت كده في لحظة غضب منها قولي وأنا هسامحك." "مقولتش…" هكذا صرخ غاضبًا من إصرارها على إلصاق تلك التهمة به ظنا منه بأنها تريد الهرب من ذنبها فأردف بقسوة:
"لما أقول محصلش يبقى محصلش." صرخت بقهر: "إيه اللي محصلش يا سالم؟ إيه بالظبط اللي محصلش؟ الماضي ولا الحاضر؟ تحدث بجفاء فقد بلغ غضبه الذروة: "الماضي ميخصكيش. مش من حقك تسألي عنه.. اللي يخصك تعرفيه إنها فعلًا وقفت قدامي وسألتني اتجوزتك ليه؟ بس إجابتي متستحقيش تسمعيها…" كانت نظراته أشد قسوة من كلماته فهمست متوسلة: "سالم.."
"أنتِ عندك حق. اللي سمعتيه حقيقي. والفويس اللي معرفش طلعتي بيه منين ده حقيقي. ولو عايزة تطلقي حالًا وتصححي غلطك أنا جاهز…"
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر كلماته القاسية فقد أوقعها للتو بين شقي الرحى وألقى بها في صحراء حارقة تتلظى بنيران تحاوطها من كل حدب وصوب دون أن يرف له جفن من الشفقة وحين أوشكت على الحديث تعالت الصرخات حولهم في كل مكان فاندفع «سالم» الذي ما أن رأى تلك النيران التي تصاعدت فوق سقف الملحق حتى هرول للخارج دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات إليها فهرولت هي الأخرى خلفه فوجدت الجميع في حالة من الهرج والمرج في الخارج فاندفع سالم وبجانبه مروان إلى الملحق فتقابلا بالحرس في الخارج يحاولون إطفاء الحريق الذي لا يعلمون كيف اندلع؟
وبعد مرور ما يقرب ساعة كانوا بالفعل قاموا بإطفائه بعد أن نال منهم التعب مبلغه توجه الرجال الثلاثة إلى المنزل وما أن خطوا إلى الداخل حتى صاح «مروان» في «سالم»: "سالم إيدك اتحرقت ولا إيه؟
تكالب التعب الجسدي مع الإنهاك العاطفي الذي كان يعيشه فلم يشعر بوجع ذلك الحرق الذي نال من يده اليسرى فجميع الحرائق لا توازي نيران قلبه المشتعلة و خاصةً حين وقعت عيناه عليها تطالعه بندم وحسرة تجاهلهما وطافت عيناه على الجميع ثم توجه إلى الأعلى بجمود وملامح تنذر بأن من يقترب منه سينال عقابًا قاسيًا. فتابع الجميع صعوده بصمت وعلى الرغم من كل خوفها لم تتحمل أن تتركه هكذا وهرولت إلى الأعلى خلفه فوجدته يحاول فك قميصه بيده السليمة فاقتربت منه تحاول مساعدته وما أن أوشكت يدها على ملامسته
جاءها صوته القاطع كالسيف: "إياكِ.." شهقة خافتة خرجت من جوفها إثر كلمته الصارمة وتعَاظم الخوف والألم بصدرها حين التفت يناظرها بملامح لم ترها هكذا من قبل ونبرة قاسية تمامًا كـ نظراته حين قال: "متفكريش تقربي من مكان أنا فيه.." "سالم.." قاطع حديثها ولم يهتم لـ عبراتها المنسابة كالأنهار على خديها وقال بقسوة: "الدريسنج فيها سرير هتنامي فيها. ومن هنا ورايح تتجنبيني. مفهوم؟ "ارجوك خليني أعالج جرحك…"
جذب قميصه من فوق جسده بعنف وقام بإلقائه على الأرض وهو يصرخ بزئير أفزعها: "مفهوووم…" تراجعت بصراخ خوفًا من بطشه فقد كانت هذه النسخة الأشرس التي تراها منه والتي لم تكن تتوقع وجودها على الإطلاق فـ حاوطت نفسها بذراعيها وهي ترتجف قائلة بـ شفاه مرتعشة: "مف. مفهوم.."
تجاهلها وتوجه بخط ثابت إلى المرحاض تاركًا إياها فريسة لذئاب الندم والألم والحسرة فكانت روحها ضحية لكل ذلك فخطت إلى حيث نفاها وارتمت على السرير وهي تنتحب بكل ما أوتيت من قوة… *** "كل حاجة تمت زي ما اتفقنا وأكتر كمان.." هكذا تحدثت «شيرين» بنبرة قاتمة فجاءها صوت «ناجي» الذي قال ساخرًا: "يعني العرسان هيقضوا ليلة كحلي النهاردة.." «شيرين» بسعادة: "سالم آه. سليم معرفش.." قهقه بشر قبل أن يجيب: "وسليم أكتر منه."
"ليه أنت عملت إيه؟ تجاهل الإجابة قائلاً: "متشغليش بالك.. المهم دلوقتي سما.." لم تكد تجيبه حتى تفاجأت بباب غرفتها الذي انفتح بوساطة «أمينة» التي قامت بإغلاقه خلفها بعنف وتقدمت بقوة لا تعلم من أين جلبتها جسدها الواهن وقامت برفع يدها وهوت بصفعة قاسية فوق خد «شيرين» التي لم تتوقع ما حدث فـ تراجعت للخلف إثر تلك الصفعة التي اتبعتها «أمينة» بسم كلماتها حين قالت:
"لو مفكرة إنك جاية عشان تهدّي البيت ده فلا ده بعيد عن خيالك يا بنت ناجي.." شهقت «شيرين» بقوة فتابعت «أمينة» بوعيد: "فكراني مش هفهم.. فكراني مش هعرف.. كنتِ ناوية تعملي إيه في العيل الصغير اللي لسه حتة لحمة حمرا؟ هاه.. ردي عليا؟ "أنتِ بتقولي إيه؟ " هكذا تحدثت بذعر فأجابتها «أمينة» بقسوة: "بقول اللي سمعتيه. و هتجاوبيني عليه دلوقتي قبل ما أطلع بروحك. كنتِ عايزة تعملي إيه؟
ولما لقيتيني خدته معايا في حضني روحتي ولعتي في الملحق؟ «شيرين» بصدمة: "حرام عليكي اللي بتقوليه ده ملحق إيه اللي أولع فيه؟ أنا كنت في أوضتي زيي زيكم و…" "اخرسي يا كذابة.. اللي حصل ده أنتِ ليكي يد فيه. مين وراكِ أبوكي النصاب الحرامي ولا جوزك اللي هتلاقيه متفق معاكي ع اللعبة دي كلها. ومنيمانا و قال إيه جايه هربانة منه؟ انطقي يا بت أنتِ"
قالت كلمتها وهي تمسك بخصلات شعرها بينما ارتعبت «شيرين» وارتجفت من حديثها الذي يحمل الكثير والكثير فأخذت تصرخ بين يديها: "حرام عليكي يا مرات خالي والله ما عملت حاجة. ولا بكلم بابا ولا أعرف طريقه حتى.. وأحمد ده أنا بكرهه كره العمي أقسم بالله.."
"كذابة. كذابة وحقيرة.. أنا عارفة إنك السبب في كل اللي بيحصل وعارفة إنك عملتي مشكلة بين سالم وفرح. عايزة إيه. عايزة تضيعي كمان أربعين سنة من عمره بسببك. دانا أدفنك حية.. لو فكرتي إني كبرت وخرفت. يبقى غلطانة أنا اللي هقفلك.."
كانت تتحدث وهي تجذب خصلات شعرها بعنف فتعالت صرخاتها للحد الذي جعل «همت» تسرع إلى غرفة ابنتها فتفاجئت مما يحدث فقامت بالتدخل على الفور لتخليص «شيرين» من يد «أمينة» التي تركت خصلاتها على مضض إثر حديث «همت» التي صرخت بها: "أوعي إيدك من على بنتي.. إيه فكرتي إن ملهاش حد يدافع عنها." «أمينة» بانفعال: "قصدك ملهاش حد يربيها… وأنا بقى اللي هتولي المهمة دي."
"بنتي متربية أحسن تربية. بنتي دي ضحية لابنك. عايزة منها إيه كفاية اللي عملوه فيها.." «أمينة» بتقريع: "قصدك مشيها البطال هو اللي عمل فيها كده." "عندك يا أمينة. أوعي تفكري تغلطي في بنتي وإن كنتِ فكرتي نفسك كبيرة البيت ده فلا أنتِ غلطانة. دا بيتي وبيت أبويا. ومن هنا ورايح هاخد مكاني الصح فيه.. وهحارب عشان بناتي ومش هسمح لحد أبدا ييجي عليهم.." تراجعت «أمينة» بصدمة سرعان ما تجاوزتها وقالت بسخرية:
"والله وطلع لك صوت يا همت.. بقي عايزة تاخدي مكانك في بيت أبوكي؟ طب والله حلو وريني بقى هتعملي إيه؟ "هعمل كتير. وهتشوفي." ناظرتها «أمينة» باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت: "حلو.. اعملي اللي يلد عليكي بس اتحملي بقى.." أنهت كلماتها وخرجت من الغرفة بينما التفتت «همت» إلى ابنتها وناظرتها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: "لينا كلام كتير يا بت بطني وخليكِ فاكرة إني مش هطاوعك عـ الغلط حتى لو كنتِ اتظلمتي.. يالا عشان تنامي."
أنهت كلماتها وخرجت من الغرفة تاركة «شيرين» التي كانت تلعن كل ما يحدث وفجأة وقعت أنظارها على الهاتف الذي كان ملقى على أرض الغرفة ومازال الخط مفتوحًا فالتقطته وقالت بانفعال: "سمعت اللي حصل فيا.." تجاهل حديثها وفاجأها حين قال: "عايزة أرجع لأمي يا شيرين…" ******************
انتصف الليل ونال التعب من الجميع وخاصةً هي فمنذ أن أعلنوا عن هذا العرس وكل الجميع على قدم وساق في التحضيرات إلى أن مر بسلام وقد اعتمدت عليها «تهاني» في الكثير من الأعمال التي أرهقتها ولكنها كانت سيدة طيبة للغاية وكريمة معها وأيضًا كانت كل الأعمال هينة على ذلك العمل المقرف الذي كلفها به هذا الطاغية. وأخيرًا حان وقت مغادرتها بعد أن نظفت كل شيء فأخذت تلملم حاجياتها لتتوجه إلى منزلها وهي في الطريق سمعت أصواتًا وهمهمات آتية من إحدى حظائر الخيل المهجورة.
فتسللت خلسة لترى ما يحدث وياليتها لم تفعل ذلك فقد رأت ذلك الخفير الخاص ب«عمار» والذي يدعى «مرعى» في وضع مخل مع إحدى الفتيات فخرجت منها شهقة خافتة وقالت بصدمة: "يا شندلتي.." وصل صوتها إلى مسامعهم فانتفض الاثنان من مكانهما وحين رأتهم هرولت لتختبئ عن أعين ذلك البغيض الذي ارتدى جلبابه على عجالة وأخذ يبحث بعينيه هنا وهناك عن ذلك الشخص الذي رآهم وحين لم يجد أحد توجه إلى حيث تنتظره الفتاة التي أخذت
تولول وتندب حظها فصرخ بها: "اجفلي خشمك يا بت.." "أجفله إزاي؟ دي فضيحتي هتبقى بجلاجل." "ولا فضيحة ولا حاجة. البسي هدومك وانجري من هنا. محدش شاف حاجة إني طلعت بنفسي ملقتش حد.." "متأكد؟ أجابها بحنق: "أيوا متأكد.. يالا بجولك.." أطاعته الفتاة وهرولت للخارج وهو بجانبها وفي الظلام تسللوا للخارج ظناً منهم بأنه لم يرهم أحد..
أخيرًا استطاع أن يجلس براحة في الركن المخصص له في الحديقة بعد انقضاء كل شيء وانتهاء تلك المراسم اللعينة التي أصر عليها جده ولم يكن أمامهم حيلة سوى طاعته.. أغمض عينيه طالبًا الراحة ولدهشته طرأت صورة تلك الفتاة سليطة اللسان على باله فقد رآها الليلة حين كان يمر بجانب مجلس الحريم كيف كانت تتمايل باحترافية على أنغام إحدى الأغاني التي يطلقونها في الأفراح.
كانت جميلة بخصلاتها المشعثة وجسدها الذي أبرزته تلك العباءة التي لم يرها بها من قبل.
لم يدم الأمر لدقيقة فسرعان ما أدار رأسه ولكنها كانت لحظات خاطفة انطبعت في مخيلته طوال الحفل. حاول كثيرًا طردها من باله ولم يفلح. وأخذ يتذكر حين رآها أول مرة متنكرة في ثياب رجل فقد خطفت أنفاسه حين جذب العمامة من فوق رأسها. كان قاسيًا معها يعترف ولكنها تثير بداخله شعور غريب لا يعرف كنهه حتى أنه كان دائمًا يراقبها وهي تعمل هذا العمل الشاق الذي كلفها به وبكل مرة يريد أن يثنيها عن فعله ولكن تمنعه هيبته من الاقتراب منها فقد كان لسانها سليطًا للغاية.
وأيضًا حين كانت تجلس بجانبه وهو طريح الفراش فقد كان يختلس النظرات إليها فيرى بعينيها شيئًا غريبًا يعرفه ولا يعرفه. كانت نظرة حزينة للغاية على الرغم من أنها طوال الوقت في وضع دفاع إلا أن ذلك لم يكن سوى خوفًا أتقن ترجمته من نظراتها الضائعة.. كانت لغزًا كبيرًا أرهقه فـ زفر بتعب وفرد عوده على الأريكة الخشبية ناظرًا للسماء ونجومها المتلئلئة التي تشبه عيونها هذه الليلة. وحين كان في خضم تخيلاته اخترق أذنه صوتًا قويًا
لأحد الغفر فقال بغضب: "فيه إيه يا بغل أنت؟ وطي صوتك طرشتني.." كان الغفير يلهث من فرط التعب وقال من بين لهاثه: "الحج يا كبير. مصيبة." اعتدل في جلسته وقال بصراخ: "مصيبة إيه يا وش البوم أنت." "شيخ الخفر مرعي. كان لامؤاخذة معاه واحدة وطالعين من الزريبة المهجورة.." انكمشت ملامحه بغضب كبير وصرخ باستنكار: "انت عتقول إيه يا جحش أنت؟ "وكتاب الله يا كبير حصول إن إني شايفةهم بعيني اللي عياكلهم الدود دول.."
"آه يا كلب… ومين البت اللي كانت معاه دي تعرفها؟ القي الغفير قنبلته حين قال بقوة: "أيوا أعرفها البت نجمة بنت الجنايني…" ******************
دقت الساعة السابعة ودق معها جرس الباب فتقدمت الخادمة لتفتح فإذا بها تتفاجأ بمجموعة من رجال الشرطة أمام الباب تزامنًا مع خروج «سالم» من غرفة مكتبه التي قضى بها ليلته فلم يتحمل وجوده معها بمكان واحد وأرهقه بكاؤها الذي وصل إلى مسامعه طوال الليل فهبط إلى الأسفل ليقضي ليلته على الأريكة بـ غرفة مكتبه. توجه إلى باب القصر يقف أمام رجال الشرطة قائلاً بخشونة: "خير يا حضرة الظابط؟ "ده منزل حازم منصور الوزان؟ أجابه «سالم»
باختصار: "أيوا. إيه المطلوب؟ "معانا أمر بالقبض عليه؟ «سالم» باندهاش: "نعم.. تقبض على مين؟ "مانا قولتلك. على حازم منصور الوزان.." «سالم» باستفهام: "بتهمة إيه؟ ألقى الضابط قنبلته المدوية على مسامعه حين قال: "اغتصاب بنت قاصر والشروع في قتلها…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!