لم اعتد يومًا على المبالغة.. بل كنت أتجنب الكثرة في كل شيء!
في الحزن، الغضب، التعلق، وحتى في الفرح. ولكن معكِ تخليت عن خارطتي التي كنت أمشي على نهجها طول حياتي، ووجدتني غارقًا في الكثير من الحب، اللهفة، والشغف. وهنا بدأت معاناتي، فعلى قدر كثرة شعوري نحوك كان ألمي عظيمًا وجراحي غائرة، وأبواب الغفران مصفّدة بسلاسل الكبرياء الذي يقف معاندًا أمام ثورة قلب لا يبغي سواكِ. سلاحه الوحيد عشق أهوج يجتاحني كطوفان لا أقدر على مواجهته أو الفرار منه. وبنهاية تلك الحرب الضارية أجد نفسي أمام حقيقة ثابتة.. أنني أريدك وبشدة. فما الحل؟
***
لبنى محمد عبد العزيز.. خرجت يوم 15 ديسمبر تشتري دواء لوالدها المريض، كان حوالي الساعة 11 بالليل واتأخرت. قلقت والدتها عليها، طلعت تدور. ولأنهم في مكان شعبي، انتشر خبر اختفائها. وبعد حوالي 4 ساعات لقوها في خرابة بتنزف، وللأسف تعرضت لمحاولة اغتصاب وحشية. والبنت من وقتها في غيبوبة.. ولسه فاقت منها من يومين. ولما فاقت طلبنا منها أوصاف الشخص اللي عمل كده، واللي طلعت بتنطبق على حازم أخوك، بالإضافة لأنها كانت بتعرفه. وقالت إنها شافته كتير في الحتة عندها مع واحد ديلر هناك، وحاول يتعرض لها لفظيًا قبل كده وهي صدته.
هكذا انتهى وكيل النيابة من سرد تلك القصة المروعة على أذن سالم، الذي كان جسده يقشعر أمام كل حرف يقع على مسامعه. فخطايا وذنوب أخاه لا تنتهي أبدًا. زفر بتعب قبل أن يقول بخشونة: "البنت حالتها عاملة إيه دلوقتي؟ أجابه وكيل النيابة بسخرية: "سؤال غريب.. طفلة عندها سبعتاشر سنة اغتصبت بوحشية لدرجة أنها تقعد في غيبوبة تسع شهور.. هتبقى حالتها عاملة إزاي؟ أغضبته الإجابة، إضافة إلى نبرته الساخرة والتي تتنافى مع وحشية الأمر.
فاحتدت نظراته وقال بفظاظة: "ومش غريبة إنكم تيجوا تدوروا على شخص ميت بقاله تسع شهور؟ إيه السيستم مهنج عندكم ولا إيه؟ تنحنح الرجل وقال باختصار: "غلطة غير مقصودة.. وارد تحصل.." لم تعجبه الإجابة، ولكن تغاضى عنها ووثب من مكانه ناصبًا عوده الفارع، وزرّ وثاق بدلته وهو يقول بفظاظة: "حازم الله يرحمه وكده الجاني مش موجود عشان يُطبق عليه القانون. وأنا هتواصل مع أهل البنت وهنوصل معاهم لحل يرضيهم.."
أنهى تلك المقابلة وتوجه للخارج بشموخ يتنافى مع ما يحمله من أعباء وهموم لا تنتهي، ناهيك عن أعباء قلبه الذي ما زال يتذكر ما حدث البارحة وتتكرر تفاصيله أمام عينيه بكل ثانية. يود الهرب منها ولكنها تلاحقه مع أنفاسه التي زفرها بحدة عله يتخلص من وجعه بها، ولكنها كانت أمنية مستحيلة. فما أن وطأت أقدامه باب المنزل حتى تفاجأ بالجميع ينتظر في الصالة الكبيرة، والأعين تطالعه، إحداها بفضول والأخرى بشماتة. تجاهلها وتوجه إلى مكتبه لأول مرة هاربًا من أي استفسارات مرهقة. ولكن هيهات، فما أن دلف إلى الداخل حتى وجد كلًا من سليم ومروان، الذي أغلق الباب خلفه تزامناً
مع حديث سليم القلق: "حصل إيه يا سالم؟ "الكلام اللي هقوله ده ميخرجش بره الأوضة دي، مفهوم." إيماءة صامتة تلقاها منهما، فأخذ يسرد ما حدث بعجالة، متجاهلاً نظراتهم المصدومة وتعابيرهم التي لا تفسر، وأنهى كلماته قائلاً: "الكلام ده حصل قبل ما يموت بيوم واحد.." أطلق جأشه المكبوت داخل صدره قبل أن يضيف: "النهاردة بالليل هسافر عشان أروح لأهل البنت أطمن عليها وأشوف هعمل معاهم إيه؟ ارتسم الجنون بعيني سليم، الذي صاح بانفعال:
"هو في إيه؟ هو إحنا كنا مربيين معانا شيطان واحنا منعرفش؟ يغتصب بنت قاصر! أنا مش مصدق اللي بسمعه.." تجاهل حديث أخاه وألقى بجسده المنهك على المقعد خلفه، فيما تابع مروان قائلاً بحنق: "أنا مش قادر أتخيل إنه اتجرد من كل مشاعر الإنسانية للدرجة دي.. دا مفكرش إننا عندنا بنات. ونازل مرمطة في بنات الناس." نالت كلماته من قلب سليم، الذي احتدت نظراته واكفهرت معالمه رغمًا عنه. وحين أوشك على الحديث، جاءهم صوته الصارم:
"خلصت. معدلوش لازوم الكلام ده. دلوقتي هو بين إيدين ربنا." هب سليم من مقعده وكل خلية بداخله تنتفض غضبًا، تجلى في نبرته حين قال: "كويس أوي أنه عند ربنا عشان أقسم بالله لو كان لسه عايش لكنت دفنته بإيدي حي.." كان الغضب ينهش بداخله من تلك الأفعال النكراء التي لا يفعلها سوى شيطان رجيم. ولسوء حظهم، كان هذا الشيطان أخاهم. "اهدّي يا سليم، وزي ما قال سالم، معدلوش لزوم الكلام ده. خلينا نشوف هنعمل إيه مع الناس دي وهنعوضهم إزاي؟
"نعوضهم! أي شيء في الدنيا ممكن يتعوض، إلا الشرف يا مروان. مهما عملنا مش هنقدر نعوضهم. إحنا انكتب علينا نشيل العار طول عمرنا بسببه." كان سالم ينظر إليه ويود لو يصرخ بألف اعتراض، فقلبه يؤلمه من قسوة كلماته على أخيهم الراحل، ولكنه يعلم أنه محق، فأفعاله المروعة لم تترك لهم مجالًا للحديث. بل وكتب عليهم لملمة قذاراته التي لا تنتهي. لذا أخذ منحنى الصمت وترك لمروان مهمة تهدئته.
"عصبيتك دي مش هتحل حاجة.. لازم نهدي ونفكر، وبعدين محدش فينا له ذنب في حاجة." "الذنب في رقبتنا ليوم الدين عشان معرفناش نربيه.." هكذا أجابه سليم بقلب يحترق تتجاذبه النيران من كل حدب وصوب، فلم يحتمل وجوده معهم فاندفع إلى الخارج بعد أن استمع لحديث سالم الصارم: "زي ما قلت من شوية، مش عايز حد يعرف حاجة. وأنا هروح للبنت وأهلها، وبإذن الله هحاول أرضيهم على قد ما أقدر.."
شيعه مروان بنظرات الشفقة، فقد شعر بمدى ثقل المهمة التي أُلقيت على عاتقه، فحاول تخفيف حدة الأمر قائلاً بسخرية: "عيني عليها فرح. مش عارفة تتهنى بالعريس. ربنا يستر متطبقش في زمارة رقبتنا لما تعرف إنك هتسافر النهاردة وتسيبها.."
خفقة وجلة ضربت قلبه حين سمع اسمها، وكم اشتاق في تلك اللحظة أن يضع رأسه على صدرها يشكو لها أوجاعه وثقل أحماله. يتمنى لو كان بإمكانه أن يهرول إليها كطفل صغير يختبئ بين أحضان والدته من وحشة هذا العالم، ولكنه لا يستطيع تجاوز رفضها المهين لقربه. لذا أخذ نفسًا طويلًا قبل أن ينظر إلى مروان قائلاً بخشونة: "في حاجة مهمة عايزك تعملها." "رقبتي يا كبير.." ***
كان يدور في الغرفة كمن مسه الجنون، يمسك بذلك السلسال الذي يشبه اسمها، والذي رآه أكثر من مرة يحيط بعنقها، وفقد كان يلفت انتباهه كثيرًا. والآن هو بين يديه بعد أن عثر عليه الغفير في موقع تلك الجريمة التي ضربت عقله كصاعقة، كلما تذكر حديثه: "انت اتجننت يا بغل انت؟ نجمة مين؟ "وكتاب الله يا كبير ما بكذب. إني بعد ما مشيوا دخلت الزريبة ولجيت السلسلة دي جنب السور، ودي بتاعت البت نجمة. إني متوهش عنها واصل.."
اجتاحت نيران الغضب عقله وهاجت أخرى بقلبه، فأخذ يدور حول نفسه كالملدوغ، لا يقدر على التفكير. جل ما يريده أن يذهب الآن ويفرغ رصاصات سلاحه بصدرها حتى يهدأ. ولكن فجأة طرأ على باله أحد المواقف حين كان مريضًا وطلب منها كوبًا من الماء، وبالخطأ امتدت يده لتحتضن يدها الممسكة بالكوب، فانتفضت بشدة جعلت الماء ينهمر فوق رأسه. وحين عنفها، صاحت به غاضبة: "إيه الحركات دي يا كبير. مش عيب! "عيب إيه يا بهيمة أنتِ؟ مش شايفة زين؟
احتدت نظراتها وشابهتها نبرتها حين قالت: "شوف أما أقولك الحركات دي إني خبراها زين.. ولازم تعرف إنني من عيلة وبت ناس قوي. وماليش في المسخرة وجلة الحيا دي. بعد كده تفتح عينيك زين، أومال لو مش عينيك خضر كنت عملت إيه؟ صاح غاضبًا، فهو لم يتوقع ثورتها تلك من ملامسة بريئة. "أنتِ اتجننتي يا به؟ أنتِ مفكراني هبص لواحدة زيك ولا أعاكسها؟ وبعدين تعالي هنا عيلة إيه يا أم عيلة؟ ده أبوكي مش معروف إذا كان بني آدم ولا لا من الأساس؟
"بني آدم ولا جرد المهم إنه أبوي. وبعدين ده جنايني جد الدنيا. من غيره الدود هيطلع عليكم من الشجر ياكلكم." هب من مكانه، فإذا بالآلام تضرب جسده بقوة، فصاح غاضبًا: "غوري من وشي بدل ما أقطع خبرك.. غوري.." ابتلع ريقه بصعوبة وهو يتذكر ملامحها في ذلك الوقت. لم تكن تتصنع، يقسم بذلك، ولكن ما هذا الذي يحدث؟ يكاد يجن من فرط التفكير، ولكنه سيسعى جاهدًا لمعرفة ما حدث. "مسعود.. أنت يا زفت يا مسعود..؟ هرول الغفير إليه يلبي نداءه،
فصرخ به: "الزفت اللي اسمه مرعي، تروح تجيبه من جفاه على هنا طوالي." "حاضر يا جناب الكبير…" أنهى كلماته وهرول للخارج، فوجد مرعي يقف يتحدث مع نجمة، التي كانت آتية إلى العمل كما هو المعتاد. وحين مرت به، استوقفها قائلاً بغزل وقح: "الغزال اللي رايح جاي يتمختر، إمتى يحن عليا بقى؟ شيعته بنظرات الخسة والاحتقار، قبل أن تتابع طريقها دون أن تعيره انتباهًا. فتقدم يقف أمامها وهو يقول بوقاحة:
"ما كفاكي جلّ عاد. إني قلبي مولع نار ومش قادر أتحمل." لون الامتعاض ملامحها وتجلى في نبرتها حين قالت: "قلبك المولع ده ديته شبشبين يفوجوه، وهو هيبقي زي الفل. وحظك حلو المداس لسه جديد.. لو تحب دلوقتي أطفيلك الحريقة معنديش مانع، ولا تاخد بعضك وتخفي من وشي أحسن؟ غضب من حديثها ورفضها الدائم له، فصاح مهددًا: "أنتِ عايزة تضربيني بالمداس يا بت الجنايني؟ طب والله لأعملك مداس في رجل الناس، وبكرة تيجي تتحايلي أبص لك بس."
رمقته شذرًا وهي تقول باحتقار: "أتحايل عليك انت يا معفن؟ ده أنت الهدومة اللي عليك جرفانة منك. غور داهية تاخد خلقتك العفشة. يا غراب البين، وحياة شنب أبويه اللي ما بحلف بيه باطل لو مخفتش من وشي، لهكون مفرجة عليك الناس، وهقول للكبير على جرفك. هاه، عارف جرفك يا بتاع الزرايب؟ قالت جملتها الأخيرة وهي توعد له، ففهم الآخر ما ترمي إليه، وهوى قلبه ذعرًا بين قدميه، وخاصة حين تفاجأ بمسعود، الذي قال بلهث: "أنت فين؟
قلبت الدنيا عليك. الكبير عايزك ضروري؟ ارتعب من أن تكون تلك الفتاة قد اشتكت عليه وأخبرته بما شهدته البارحة، فقال بذعر: "والكبير عايزني ليه دلوقتي؟ هو حصل حاجة ولا إيه؟ "انت أدرى باللي حصل يا مرعي. إني ما عليا إلا البلاغ. اتفضل فوت قدامي، واستلج وعدك يا خفيف.." هنا تيقن من أنها أوشت به بالفعل، وخاصة عندما رأى وجه عمار، الذي كان مرعبًا بحق، ونبرته التي بثّت الذعر بقلبه حين قال:
"كنت بتعمل إيه في الزريبة المهجورة بعد الفرح ما خلص؟ "معملتش حاجة. كنت بمر زي كل يوم، وبعدين روحت.." هوى عمار بصفعة قاسية على وجه مرعي، الذي تراجع للخلف بذعر حين صاح به: "وكمان بتكذب يا كلب… ده أنت موتك على إيدي النهاردة." انتفض مرعي وقال ببكاء: "حقك عليا يا كبير. والله ما هكذب عليك واصل؟ موجه كهربائية كانت تسري في جسده حين قال بأنفاس مقطوعة: "مين اللي كانت معاك امبارح في الزريبة؟
أضاء الشيطان عقله بفكرة الانتقام منها، فقال بلهجة قاطعة: "نجمة.. نجمة بنت الجنايني.." كانت تعد الطعام بالمطبخ الكبير وسط الخادمات اللائي كن يضحكن تارة ويغنين تارة، وقد كانت هي أكثر من يغني من فرحتها حين أخبرتها تهاني بأنها ستعمل معهم بالبيت الكبير من اليوم، وقد أسعدها ذلك كثيراً، وظهرت سعادتها على هيئة ابتسامة مشرقة أضاءت عينيها الجميلة. ولكن فجأة صدح صوت دوي زئيره في أرجاء البيت الكبير للحد الذي ارتجت جدرانه:
"نجمة…." سقطت الملعقة من يدها حين سمعت اسمها بتلك الطريقة، وحين التفتت لترى ماذا يحدث، فإذا بوحش كاسر يقتحم المطبخ بهيئة مرعبة، فتسمرت بمكانها حين وجدته يقبل عليها ويرفع يده الضخمة ويهوي فوق خدها بأقصى صفعة نالتها بحياتها… *** كانت تجلس بالحديقة تنظر إلى ريتال التي كانت تلهو حولها، فإذا به يقتحم جلستها ويباغتها قائلاً: "عايزة تصلحي الغلط اللي غلطتيه؟ تفاجأت سما من حديثه وناظرته بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"تقصد إيه؟ "عايزة تصححي غلطك ولا لأ؟ هنا خاطبها بنبرة حادة انكمش لها جسدها، ولم تفلح الحروف في العبور من بين شفتيها، فأومأت برأسها. فاقترب مروان منها وقام بمد يده جاذبًا إياها من مرفقها، وهو يقول بنبرة هادئة متبوعة بنظرات عاشقة: "أنا شايف وعارف اللي جواكِ كويس أوي. وعارف إنك عمرك ما كنتِ وحشة. وإنك ضحية للبيت ده واللي فيه. وعشان كده بقولك أنا جنبك وهفضل جنبك."
تكونت طبقة كرستالية من الدموع في مقلتيها، فقد كانت كلماته حانية بدرجة لم تتخيلها، نفذت إلى قلبها كسهم مشتعل. ولكنه لم يمهلها الفرصة لإجابته بأن هذا أكثر بكثير مما تمناه، وذلك حين أردف بجمود: "كصديق.. أو كأخ.."
لا تعلم لماذا أحزنها هذا الوصف، ولكنها أومأت برأسها تحاول إخفاء خيبة تملكتها في تلك اللحظة. فلم يستطع هو تفسير ملامحها ولا تلك النظرة الغريبة في عينيها، فتجاهل كل ذلك وشرع يسرد لها ما يريد. ومع كل كلمة يتفوه بها كانت ملامحها تتبدل ما بين الرفض والخوف والذنب. ولكنه اختتم كلماته قائلاً: "خليكِ فاكرة إن في دين في رقبتك، وجت فرصتك عشان تسديه، والفرصة مبتجيش غير مرة واحدة. ها، قولتي إيه؟
نجح في غرس سهم الذنب في قلبها، والذي لم يعد يحتمل ذنوبًا أخرى، فأطلقت تنهيدة متعبة قبل أن تومئ برأسها وهي تقول بهمس: "حاضر.." سلبت كفها من بين يديه، فشعر برجفة باردة اخترقت جسده لدي رؤيتها تغادر منكسة الرأس. فإذا به يجد ريتال، التي قالت بعفوية: "صديق وأخ.. أنت بتكذب يا عمو؟ انكمشت ملامحه بامتعاض تجلى في نبرته حين قال: "جتك خيبة أنتِ وهي. بدل ما تديني رصية ولا بنية في وشي وتقولي أخ إيه؟
بتهزلي رأسك. رجالة العيلة دي باينهم موعودين بالستات الغبية، ولا إيه؟ صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بتحسر: -وبعدين بقي في العيلة اللي هتضيع مستقبلي دي، ولا فاهم أحب ولا أعلق البت ولا أتنيل أعمل حاجة.." ***
كانت ليلة صعبة بكل ما تحمله الكلمة، حتى أنها تركت بصماتها على وجهها الذي كان باهتًا يلائم تورم عينيها من كثرة البكاء، وانطبع الحزن الساكن قلبها على ملامحها، فبدت مروعة تمامًا كالألم الذي ضرب سائر جسدها. فكانت تجر أقدامها جرًا للوصول إلى المرحاض، وهي بمنتصف الطريق توقفت إثر دقات الباب. فعدلت وجهتها وقامت بفتحه، ولحسن حظها كانت شقيقتها هي من بالخارج، والتي ما أن رأتها حتى اندفعت إليها تحتضن وجهها وهي تقول بلهفة:
"فرح مالك؟ في إيه؟ لأول مرة بحياتها تهزم هكذا. فلم تجد ما تقوله، توقفت الكلمات على شفتيها. فاستعادت جنة سؤالها بنبرة أكثر لهفة يشوبها حنان كبير: "فرح، ارجوكِ ردي عليا، حصل إيه؟ لامس قلبها خيط الحنان الذي يتجلى في نبرة شقيقتها، فألقت بنفسها بين أحضانها وهي تقول بنبرة متألمة يخالطها نوبة بكاء عنيفة: "أنا بموت يا جنة…."
كانت كلمتها كالسهم الذي اخترق قلبه حين كان يتوجه إلى غرفته حتى يتجهز استعدادًا للسفر. وحين وضع يده على مقبض الباب، تفاجأ بحديثها الذي آدمى قلبه وفتت روحه. فأغمض عينيه للحظة غير قادر على الحركة. يود لو يدخل إليها، يختطفها من بين براثن الألم الذي يتساقط من نبرتها، والذي يشاطرها إياه قلبه. ولكن مشهد البارحة يقف أمامه بوضوح، يذكره برفضها المهين له بألا يلمسها. كانت كلمة قوية كطعنة نافذة أصابت رجولته وقلبه وكبرياءه، الذي أجبره على النزول إلى غرفة المكتب مرة ثانية، فلا طاقة له بتحمل رؤيتها بهذا الشكل، وليدع لها الفرصة للتحدث براحة مع جنة، التي يأمل أن تستطيع تهدئتها ولو قليلًا..
في الداخل، انتهت فرح من سرد ما حدث، فشهقت جنة بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت: "أنتِ مجنونة يا فرح؟ إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ معقول تصدقي الشيطانة دي؟ أنا مش حذراكِ منها قبل كده؟ تخبطت سحبها، فامطرت ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت: "غصب عني يا جنة. بقولك صوته. سمعته بودني. عقلي وقف عن التفكير. وحسيت الدنيا ضلمت في عيني، وقلبي ده كأن نار قادت فيه. معرفش عملت كده إزاي. فجأة لقيتني مش طايقاه يقرب مني أو يلمسني." أشفقت جنة
على شقيقتها وقالت بعتب: "كلامك ورفضك ليه بالشكل المهين ده صعب أوي يا فرح. وخصوصًا إن سالم شخصية مش سهلة، وأنتِ ضربتيه في مقتل. هنتيه وجيتي على كبرياءه. الموضوع اتصعب أوي.." هبت من مكانها غاضبة: "عارفة. والله عارفة. وده اللي قاهرني. لو شفتيه وهو بيقولي قلبك مقللكيش إنه مش أنا؟ وأنا بغبائي قولتله كنت انت. معرفش حصلي إيه وقتها. هتجنن.." اقتربت جنة منها تحتضنها برفق وهي تقول لتهدئتها:
"طب اهدي. كل مشكلة وليها حل إن شاء الله." تبلور التصميم على ملامحها، وأطلقت نيران الانتقام من عينيها، وقالت بقسوة: "أنا هعرف أجيب حقي كويس، وأعرفه إني مكذبتش عليه." "هتعملي إيه؟ هكذا استفهمت جنة، فأجابتها بجفاء: "هسمعه الفويس اللي هي أنكرت إنه موجود.. يمكن لما يسمعه بودنه يبقى بداية الطريق إنه يسامحني.." قالت جملتها الأخيرة بنبرة أرق، ومن ثم نظرت إلى جنة وأردفت بتوسل: "جنة محتاجة مساعدتك.." انكمشت ملامحها بحيرة
تجلت في نبرتها حين قالت: "إزاي؟ "هقولك…" *** يدور في غرفته بلا هوادة، لا يعرف الراحة ولا يملك حتى حق تمنيها. كل خلية بداخل جسده تتوسل أن يصل إلى مبتغاه حتى يستطيع أن يهدئ نيران غضبه الموقدة ولو قليلاً. تدخل سليم، الذي شاهد حالته المزرية، فملامحه كانت باهتة وعينيه جاحظة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الانفعال، ومع ذلك فهو كعادته صامت. "إن شاء الله كل حاجة هتتظبط يا سالم. أنت بس هدي نفسك.."
لم يجبه، اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، الذي ارتفع بلهفة حين رأى مروان، الذي فتح باب الغرفة وبيده أحد الهواتف. فخرجت الكلمات من فمه مندفعة: "عملت اللي قولتلك عليه؟ "أه. دورت في التليفون. وبصراحة ملقتش حاجة.." تعاظم غضبه، فاغمض عينيه بقوة قبل أن يعيد فتحه وهو يحاول التحلي بفضيلة الصبر حين قال بخشونة: "أنا عارف إنك أكيد مش هتلاقي عليه حاجة. سؤالي هنا: افحصه وشوف فيه حاجة اتحذفت منه ولا لأ؟ جفل مروان من لهجته وقال مبررًا:
"والله فحصته كام مرة على اللابتوب وجبت كل حاجة اتحذفت منه في خلال أسبوع، وبرضه ملقتش أي فويسات أو أي حاجة تخصك." أطلق زفرة حارة من جوفه، فأردف مروان بحنق: "لو عايز رأيي، أنت غلطان. كان مفروض من امبارح خدت التليفون منها وفحصته وشفت حوار الفويس ده.." شيعه سالم بنظرات غاضبة، اتبعها بقوله الساخر: "وابقى مشيت على الخطة اللي هي رسمتها لنا بالضبط. مش كده؟ ناظره سليم بعدم فهم وقال مستفسرًا: "تقصد إيه؟
وثب من مكانه قائمًا، ويديه بجيوب بنطاله، وكأنه لا يريد أن تطال أي شيء فتحطمه من فرط غضبه، الذي تجلى في نبرته حين قال: "بقولك إنكرت وجود أي فويسات، يبقى هتسيبه على التليفون إزاي يا بني آدم؟ نظر الاثنان، مروان وسليم، إلى بعضهما البعض، فتابع سالم بحنق:
"شغلوا دماغكم شوية. مش طالبة غباء.. بديهيًا أي حد في مكاني كان مسك التليفون يشوفه، واكيد مش هلاقي حاجة، ماهي الهانم عاملة حسابها وماسحة الفويس. ووقتها تبقى هي المظلومة، وفرح الوحشة اللي بترميها بالباطل، ومش بعيد كانت تقولي هات لي حقي من مراتك. وأنا وقتها وربي كنت هفرغ سلاحي في دماغها…" "يخربيت دماغك يا أخي.. تصدق عندك حق.." هكذا تحدث مروان، فأجابه سالم حانقًا:
"مكفياش اللي عملته، لا كمان عايزة تشمت فيها لآخر لحظة وتثبت لي أنها كذابة.." تدخل سليم مستفهمًا: "طب وبعدين يا سالم هتعمل إيه؟ ناظر أخاه بتيه، لأول مرة بحياته لم يعد يعلم ماذا يفعل. ولكنه أراد المراوغة، فنظر إلى مروان قائلًا بفظاظة: "ملقتش أي حاجة على الزفت ده مريبة؟ "وربنا وحياة غلاوة دول عندي ما لقيت حاجة. ده تليفون مهجور أصلًا. مكالماته كلها هبلة ورسايلها اللي فيه أهبل.."
لمعت نظراته المطلة على مروان ما أن تفوه بآخر كلمة، وصمت لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى: "طب ما ده في حد ذاته مريب!!! ***
ترتشف قهوتها في غرفة الجلوس وهي بأقصى درجات سعادتها، فقد نالت مبتغاها في تخريب علاقتهم، والتي متأكدة من أنها ستبقى على حالها لوقت طويل. لذا كانت تشعر بلذة قوية تغلبت على ألمها مما حدث وما فعله بها. وحين كانت تسترسل في ذكرياتها الأليمة، تفاجأت بـ جنة، التي اقتربت منها تناظرها بغضب حاولت قمعه قدر الإمكان، وقالت بلهجة حاولت أن تبدو صافية: "صباح الخير.. لقيتك بتشربي قهوتك، قولت نشربها سوي.."
زوت ما بين حاجبيها وأخذت ترسل نظرات متفحصة لـ جنة، وسرعان ما رسمت ابتسامة متصنعة على شفتيها وقالت بسرور مفتعل: "ده إيه الصباح النايس ده. عروستنا الحلوة جايه بنفسها تشرب القهوة معايا. ده سليم الوزان هيغير مني بعد كده." فهمت جنة ما ترمي إليه، فجلست وعينيها تطوف المكان حولها بتفحص، قبل أن تقول بلهجة عادية: "لأ، متخافيش.. سليم عاقل.." "الحب بيجنن. اسأليني أنا.." حاولت رسم ابتسامة متكلفة على ملامحها قبل أن تقول:
"وإنتِ بقي تعرفي منين؟ حبيتي قبل كده ولا إيه؟ ابتسمت شيرين بخبث وهي ترى جنة التي أمسكت بهاتفها تعبث به لثوانٍ، فأجابها بتسلية: "ومين فينا ما حبش؟ وانكوى بنار الحب.." هكذا قالت شيرين جملتها الأخيرة بنبرة خبيثة تشبه نظراتها كثيراً، ففهمت جنة على الفور المغزى خلف حديثها، ولكنها تجاهلت ذلك وقالت بسخرية: "لأ بس واضح إنك انكويتي أوي." "أوي.." ارتشفت من الكوب الخاص بها قبل أن تقول بخبث:
"طب ولما أنتِ كده مبتحاوليش تصلحي ما بينكوا ليه؟ أو حتى تخلي سالم بيه يتدخل يصلح.. أنا سمعت إن جوزك صاحبه.." نجحت في إغضابها، ولكن شيرين كانت بارعة في التجاوز وتزييف كل شيء، لذا قالت بحزن مفتعل: "للأسف سالم رافض. قولتله أديله فرصة تانية، قالي على جثتي. حتى أحمد عمال يبعت نبه عليا، مردش عليه.. معرفش دماغه فيها إيه؟ كانت تتحدث وعينيها تتابع شيئًا ما في الأعلى، فأرادت جنة جذب انتباهها حين قالت بحنق:
"والله لو بتحبي ومكويه أوي، لـ سالم بيه ولا غيره يقدر يقف قدامك.. أنتِ بس روحي قوليله سيبني أرجع لجوزي، واريح وأستريح.." ناظرتها شيرين باستهزاء وقالت بمكر: "بمناسبة الراحة، هستأذنك آخد الدوا بتاعي عشان صدعت.."
هوى قلب جنة بمكانه، وما أن أوشكت على إيقافها حتى أطلقت الأخرى ساقيها للريح، وهي تنوي اغتنام تلك الفرصة التي قدمت لها على طبق من ذهب. وبالفعل قامت بفتح باب غرفتها بقوة لتجد فرح، التي كانت يدها تمتد لتلتقط هاتف مخفي بين طيات ملابسها. وهنا صرخت شيرين بذعر مفتعل: "بتعملي إيه في أوضتي؟
شهقت فرح وتراجعت للخلف بصدمة، فلم تتوقع أن تمسك بها تلك الأفعى متلبسة. فقد أرسلت جنة لاختطاف هاتفها دون أن تلاحظ. ولكن الأخيرة لم تجده، فـ أرسلت رسالة هاتفية تفيد أنه ليس معها، فظنت بأنها ربما تركته في غرفتها، فتوجهت على الفور إلى هناك بعد أن أرسلت تخبر شقيقتها أن تعيقها قدر المستطاع. ولكن كانت حيلة التقطتها على الفور شيرين، التي اقتربت قائلة بصوت أعلى: "ردي عليا، بتعملي إيه في أوضتي؟
ارتجفت فرح ولم تسعفها الكلمات في الحديث، فاقتربت شيرين منها قائلة بخبث: "مدام القطة أكلت لسانك. يبقى هجيب اللي هيعرف يقررك كويس.." صاعقة قوية ضربتها حين فطنت إلى ما ترمي إليه شيرين، التي اندفعت إلى باب الغرفة وهي تصيح بملء صوتها: "سالم… يا سالم. يا مرات خالي. يا ماما…"
تجمهر الجميع إثر ندائها، وكان هو آخر من وصل، فتفاجأ من تلك التي كانت ترتجف في منتصف الغرفة، وبلمح البصر وصل إليه سبب وجودها، فوأشك على إطلاق مسبة بذيئة من فمه، ولكنه أعرض عنها في آخر لحظة، ولون الغضب نظراته واكفهرت معالمه حين تحدثت شيرين بانفعال:
"كنت تحت بشرب فنجان قهوتي، ولقيت جنة جايه عمالة ترغي في حاجات هايفة ملهاش لازمة. ولما استأذنت أطلع أوضتي، منعتني. ولما أصريت وطلعت، اتفاجئت بالست فرح هانم مراتك في أوضتي وبتدور في دولابي…" شهقة قوية خرجت من جوف هُمّت، التي ناظرت فرح بغضب قائلة: "حرامية؟ جاءها الرد القاطع من أمينة، التي قالت بحدة: "اخرسي.. أنتِ مش عارفة بتتكلمي عن مين ولا إيه؟ أضافت شيرين بحدة: "أمال تفسيرك إيه يا مرات خالي للي حصل؟
ادي أنتِ جيتي بنفسك لقيتيها في نص أوضتي ودولابي مفتوح. رأيك إيه؟ ولا بلاش أنتِ، سالم رأيك إيه؟ كانت أنفاسه تحرق صدره من شدة الغضب، وخاصة وهو يراها في هذا الموقف الصعب ترتجف بهذا الشكل، وهو عاجز كليًا عن احتضانها وتهدئة خوفها. فقد وضعته ووضعت نفسها في مأزق كبير مع تلك الحية التي لم تمرر ما حدث بسهولة، وستحاول النيل منها بكل الطرق. "رأيي إنك تخرسي وتدي فرصة للناس تتكلم.."
هكذا أجابها بقسوة، وقام بالالتفاف إلى فرح، التي كانت ترتجف من هول الإحراج، ولكنه حاول طمأنتها بنظراته ولهجته التي رقت قليلاً وهو يقول: "كنتِ جايه لشيرين ليه يا فرح؟ كانت كلماته كالبوصلة التي وجهتها إلى طريق الهرب، الذي التقطته على الفور، ونظراته التي جعلت عقلها يعود إلى العمل. فخرجت كلماتها ثابتة إلى درجة كبيرة حين قالت: "أبداً. أنا جيت أشوفها كانت عايزاني ليه؟
ولما دخلت الأوضة ملقتهاش، فكرتها في الحمام، روحت أخبط، ملقتش حد. وفجأة لقيتها داخلة من باب الأوضة بتزعق فيا.." برقت عينا شيرين من هذا الكذب، وقالت بسخرية: "لأ والله. دخلت عليا الكذبة؟ أنا اللي كنت عايزتك؟ وده من امتى؟ وهعوزك أعمل بيكِ إيه إن شاء الله؟ كانت غبية برغم شرها، وقد وقعت في براثن الفخ الذي أحكمت فرح نصبه جيدًا، حين قالت ببساطة:
"قبل الفرح بكام يوم أنتِ كلمتيني وقولتي إنك عايزاني في موضوع ضروري. حتى إنك جيتي مخصوص من إسماعيلية يومها عشان تقابليني، وأنا كان عندي بروفة الفستان ومعرفتش أقابلك، وقولتلك قدامنا وقت طويل نتكلم فيه بعد الفرح. وعشان كده جيتلك دلوقتي أشوف كنتِ عايزاني ليه؟ أطلق نفسًا هادئًا لدى سماعه حديثها، الذي كان أكثر من رائع وقعه على شيرين، التي امتقع وجهها لدى سماعها حديث فرح، والذي اتبعه سالم حين قال بخشونة:
"ده أكيد موضوع مهم أوي اللي يخليكِ تنزلي من إسماعيلية للصعيد مخصوص عشان تقابلي فرح. وعندي فضول بصراحة أعرف أنا كمان.." رسمت الحية شباكها حول نفسها، تلك المرة، فها هي تقف أمامه كالبلهاء، لا تستطيع التفوه بحرف. فتلك اللعينة نجحت في لف الحبل حول عنقها جيدًا. "بصراحة وأنا كمان يا سالم عايزة أعرف، يا ترى كنتِ عايزة فرح في إيه يا شيرين؟
هكذا تحدثت أمينة بتهكم، جعل الدماء تفور حارة في أوردتها، وخاصة وهي تحت ميكروسكوب نظراتهم التي غلفتها السخرية. فرفعت رأسها تحاول الفرار من هذا المأزق، حين قالت بتلعثم: "أبداً. أنا. كنت. يعني. عايزة أشوفها. لو. لو محتاجة أي. مساعدة.. بس." أطلقت أمينة سهام سخريتها قائلة: "يااه بقي تسافري لها من إسماعيلية للصعيد عشان بس تشوفيها عايزة مساعدة ولا لا؟ دانتِ طلعتي خدومة أوي وإحنا منعرفش؟
التفتت شيرين بحدة وعينيها تطلقان سهام الغضب نحو أمينة، التي تابعت شن هجومها الساخر لتنال من كرامتها قدر الإمكان: "إلا قوليلي يا شيرين، أنتِ جاية من بيت جوزك بالهدومة اللي عليكي. إزاي تفكري إن فرح ممكن تسرقك، وإيه هتسرق منك؟ لأ كدا بصراحة وحش في حقك تبقي خدومة كده، وتظني في الناس الظن الوحش ده. لأ أنا كده زعلت منك.."
ارتسمت ابتسامة شامته على ثغر فرح، التي كانت تود الركض وعناق أمينة بقوة على ما فعلته بشيرين، التي امتقع لونها وبهتت ملامحها. ولكن أتت المفاجأة حين تدخل قائلًا بصرامة: "أول وآخر مرة المهزلة دي تحصل هنا. وبعد كده خلي بالك بتقولي إيه ولمين؟ كانت نظراته وحدها تهديد عظيم، نجحت في فهمه. ولكنها شعرت بقلبها يتمزق لنصفين حين رأته يمد يده لغريمتها وهو يقول بلهجة هادئة: "يالا يا فرح.."
كانت مفاجأة لم تتوقعها أبدًا، أن يمد يده إليها هنا أمام الجميع، و تحديدًا تلك الشيطانة التي ذاقت الجحيم بسببها في الليلة الماضية، ويتناسى خطأها الجسيم في حقه، لهو أمر عظيم. فإن كانت سابقًا تحبه، فاليوم وفي تلك اللحظة تحديدًا هي عاشقة له حد النخاع. ولهذا أرادت أن توصل له ما تشعر به، فمدت يدها إليه تشبك أصابعها بين تجويف أصابعه وتقبض بقوة على كفه، بينما عينيها تشابكت مع خاصته في نظرة خاطفة جعلت النبضات تتعثر بقوة داخل قلبه. ولكن اضطر لقطع تلك النظرة الخاصة التي يترقبها كل تلك الأزواج من العيون، ولم ينس إلقاء قنبلة أراد منها الانفجار في وجه شيرين، حين قال
بسخرية موجها حديثه لفرح: "بعد كده تتعلمي إن مش أي حد تعملي له قيمة وتسمعي كلامه.." *** دَلفت إلى داخل الغرفة وهي تتشاجر مع خطواتها ولسانها لا يكتفي من السب واللعن في تلك الأفعى كما أسمتها. وكان هو خلفها يناظر انفعالها بنظرات إعجاب لم يحاول إخفاءها. فالتفتت تناظره فوجدته يبتسم بهدوء. دق قلبها بقوة آلمتها، وغزي الخجل ملامحها المفعمة بالغضب، مما جعل محصول الطماطم الشهي ينبت فوق خديها. فتسلحت بالغضب
حتى تخفي إحراجها قائلة: "مش شايفه أي حاجة تضحك في الموضوع، إلا إذا كان عجبك عمايل بنت عمتك؟ لم يخفِ ابتسامته، ولكنه أجاب بهدوء: "اللي عاجبني بصراحة شكلك وأنتِ متعصبة." كان صريحًا بدرجة محرجة، وقد نجح في تعزيز من خجلها أكثر بحديثه. فهذا الشخص تستطيع إعطاءه جائزة الدولة في الصراحة والوضوح، فهو لا يخفي أي شيء ولا يترك شيئًا بقلبه، وهذا ما يفاجئها وجود أشخاص مثله في تلك الحياة. "أنا مش متعصبة.. أنا هطق.."
هكذا تحدثت حتى تخفي خجلها. فاقترب منها قائلاً باستنكار: "تطقي مرة واحدة؟ لا ده الموضوع خطير بقى.. ده أنا أروح أجيب لك شيرين ترنيها علقة محترمة ولا تزعلي نفسك أبدًا.." لمعت عينيها ببريق خاطف وهي تقول بحماس: "طب والله فكرة…" قهقه على مظهرها قبل أن يقول غامزًا بعبث: "يا واد انت يا شرس؟
جفلت من حديثه وتلك الغمزة التي بعثت قشعريرة قوية إلى سائر جسدها، فـ تراجعت للخلف. فقام هو بالاقتراب بينما يديه ما زالت في جيوب بنطاله، وكأنه يخشى أن تغدر به وتحتضنها بقوة، وهو لا يريد إخافتها، خاصةً بعد ما حدث البارحة. "كان مالك امبارح؟ هوى قلبها بين قدميها حين باغتها بهذا السؤال، الذي لم تكن تملك أي إجابة عليه، فإجابته الوحيدة تخشاها كثيرًا وتخشى عواقبها، لذلك التفتت تنظر في الجهة الأخرى تهرب بنظراتها
منه وهي تقول بتوتر: "أبدًا.. أنا.. يعني.. مكنتش.. عايزة أضايقك بس.. كنت.. خايفة.." شعر بها تراوغ، فتابع استجوابه قائلاً بإلحاح: "خايفة من إيه؟ رطبت حلقها قبل أن تجيب بتلعثم: "اصل.. كابوس.. شفت.. كابوس.. وكنت.. خايفة."
كان شبه متأكد من أنها تكذب، فقد رآها أنها لم تكن نائمة من الأساس. ولكن لم يرد الضغط عليها أكثر، فيكفيه فزعها الليلة السابقة. فقد طلبت منه أن يظل جالسًا أمامها حتى تذهب إلى النوم، وبالفعل أخذ يراقبها طوال الليل. فقط تركها لدقائق حين تأكد من نومها للذهاب ورؤية ماذا حدث في الأسفل، ومن ثم بعد أن اطمئن على انطفاء الحريق، عاد مرة أخرى لمراقبتها، حتى أنه غفى على المقعد دون أن يدري.
"الكابوس من الشيطان. دايمًا عودي نفسك تنامي على وضوء وتقرأي المعوذتين وآية الكرسي وخواتيم البقرة قبل ما تنامي. ومفيش أي حاجة هتفكر تقرب لك.." انتبهت إلى حديثه الذي لاقى صدى كبير داخل قلبها، فتحدثت بانبهار: "انت بتصلي يا سليم؟ ابتسم بهدوء قبل أن يجيب بسلاسة: "أكيد طبعًا.. إيه السؤال ده؟ "لأ، أصلي اتفاجئت يعني. معرفش مشوفتكش بتصلي قبل كده.. وكمان يعني حياتكوا الفلوس والعيلة و…"
توقفت عن الاسترسال في حديثها حين سمعت ضحكته الساخرة، الذي اتبعها قائلاً: "طب والحاجات دي تمنعني ليه إني أصلي. دي المفروض تقربني من ربنا أصلًا." "إزاي؟ سألته باندهاش، فأجابها بسلاسة: "عشان دي كلها نعم من ربنا عليا، والمفروض الإنسان يشكر ربنا على نعمه ويطلب منه يديمها. مش يجحد بعطاء ربنا ويبعد عنه." انبهرت حين لامست نزعته الدينية، وفاجأها أكثر حين قال:
"وعلى فكرة أنا بحفظ قرآن كمان. وناوي إن شاء الله أختمه حفظ وتجويد في أقرب وقت.." انتشي قلبها بحديثه، فخرجت الكلمات من فمها باندفاع: "طب ممكن أحفظ معاك؟ لم يسعه الكون فرحًا لطلبها، فأجاب بتأكيد: "طبعًا ممكن.. أنتِ تؤمري.." ابتسمت بخجل، لم يستطع منع نفسه من التقدم منها ووضع قبلة حانية فوق رأسها وهو يقول بخفوت:
"كل اللي نفسك فيه هنعمله سوا. وكل المستحيل هيبقى ممكن عشان خاطرك. وده وعد من سليم الوزان بذات نفسه اللي عمره ما وعد غير ونفذ.." طوفان من المشاعر المختلطة ضرب قلبها الهش، فانتفض بين ضلوعها التي دوت بها دقاته بعنف، وخاصة حين رأت تلك النظرة بعينيه التي تعلقت بشفاهها التوتية بطريقة أرهبتها. وما أن شعرت باقترابه منها حتى انتزعت نفسها من بين أحضانه وهي تقول بتلعثم: "هنزل.. أشوف.. أشوف فرح.."
أنهت جملتها وهرولت للأسفل، تاركة خلفها كتلة من النيران التي أحرقت جسده حتى صارت عضلاته تؤلمه كحال قلبه الذي يشتهي قربها بطريقة تعجز الكلمات عن وصفها.. *** فتح باب الغرفة ودلف معها إلى الداخل، ومازالت يدها بيده تأبى تركها، وقد شعر هو بذلك، ولكن الغضب بداخله كان قويًا لدرجة أنه قام بالتشديد على يدها وهو يديرها إليه لمواجهته قائلاً بغضب: "الموقف اللي حصل ده لو اتكرر تاني هتزعلي مني أوي يا فرح؟
كانت قبضته الغير رحيمة تقبض على قلبها أولًا، فخرجت الكلمات منها متألمة: "أكتر من كده؟ وثبت الدهشة إلى ملامحه، ولكنها سرعان ما انمحت وحل محلها الغضب الذي جعله يقول بجفاء: "أكتر بكتير.." عاتبته بألم: "متخيلتش إنك ممكن تكون قاسي كده؟ لمس عتابها أوتار قلبه النازف، فلونت الخيبة ملامحه قبل أن يقول بعتاب خفي: "ولا أنا! شعرت بمدى جرحه الذي تساقط من نظراته التي كانت تحاصرها بنظرات معاتبة اخترقت قلبها، فقالت بندم:
"أنا عارفة إني غلطت لما صدقتها. وعارفة إن كلامي كان صعب." "مش كلامك بس اللي كان صعب.." هكذا تحدث بأنفاس متلاحقة وصدر يعلو ويهبط، وكأنه ينازع لخوض هذا الحوار معها وأمامها. فبالرغم من كل شيء، فهو يشتاقها ويشتاق دفء عناقها ليرمم جراحًا غائرة تنزف بقوة، ولكنه لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة تجاهها. وقد شعرت هي بذلك، فاقتربت منه أكثر وعيناها تمطران ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت: "معرفش إزاي عملت كده.. بس صدقني.."
"اسكتي.. متكمليش. قلة الكلام في اللي حصل أحسن.." استفهمت بنبرة متوسلة: "يعني هنفضل كده؟ ماذا يخبرها؟ أينزع عباءة الكبرياء جانبًا ويخبرها عن مدى معاناته وأنها وحدها القادرة على لملمة شتات روحه المهترئة؟ أم يخبرها عن ذلك الثقل الذي يحمله على عاتقه، ومدى الجرم الذي أحدثه شقيقه الراحل، ومن المفترض عليه معالجته، وهو حتى لا يعلم كيف السبيل لذلك؟
أخذ يناظرها طويلًا بعينين غلفهما الوجع وأظلمهما الغضب، ولكنه بالنهاية قطع تلك النظرات قائلاً بفظاظة: "أنا مسافر كمان شوية. هقعد يومين أو أكتر. لسه مش عارف. لما أرجع نبقى نتكلم.." أفصحت عن أنهار الألم المدفون بداخلها، وقالت باستنكار من بين انهيارها: "هتسيبني وتمشي يا سالم؟ وفي الوقت ده؟ ود لو يخبرها بتلك الأصفاد التي تكبله وتجذبه من عنقه حتى كادت أن تنحره، ولكنه لم يعتاد على الضعف أبدًا، لذا قال بخشونة:
"الموضوع للأسف ميتحملش أي تأجيل. وخلينا نعتبرها فرصة كل واحد يفكر فيها براحته.."
أنهى جملته وتوجه إلى غرفة الملابس لإعداد حقيبته، بينما هو في الحقيقة يهرب منها ومن ألمه وشوقه الضاري لها. فوقف في منتصف الغرفة ينظر إلى السرير الذي احتضن ألمها وعبراتها الليلة الماضية، والتي لا تنمحي ذكراها من مخيلته أبدًا. فحاول تشتيت انتباهه في تجهيز ما أراد، وحين انتهى وقعت عيناه على كنزة ملقاة بإهمال على الأريكة، فاقترب منها وقام بالتقاطها وتقريبها من أنفه، فغزت رائحتها العذبة رئتيه، فانتشي سائر جسده وهو يتخيلها
قابعة بين أحضانه، وقام بإغمام عينيه لثوانٍ يستمتع بحلاوة الشعور، ودون أن يدري وجد نفسه يقوم بوضعها بين طيات ملابسه في الحقيبة، وقام بإغلاقها متوجهًا للخارج. فوجدها جالسة على المخدع بإهمال وعينين فاض بهما الدمع، وحين رأته قادمًا شيعته بنظرات معاتبة وأخرى معتذرة. فتقدم بخطٍ سلحفي يقف أمامها، فرفعت رأسها إليه،
فتحمحم بخشونة قبل أن يقول: "خلي بالك من نفسك. وحاولي قدر الإمكان تتجنبي عمتي وشيرين.." نهضت بتكاسل وكأنها لا تقوى على حمل جسدها الواهن من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت: "حاضر.." كان استسلامها مؤلمًا كثيرًا، إضافة إلى حزنها الذي يقتله، فلم يستطع منع نفسه أن يقول بخشونة: "البيت ده أنتِ مرات الكبير بتاعه. ياريت تتصرفي مع الناس اللي فيه على الأساس ده.."
رفعت رأسها تناظره بلهفة لم تغادر حدود شفتيها، التي ارتجفت أمام أنظاره، فلم يعد يحتمل البقاء معها دون أن يفعل ما قد يندم عليه، لذا أردف بفظاظة: "خلي بالك من نفسك.." أنهى جملته والتفت متوجهًا للخارج. وحين خطى إلى خارج الغرفة، سمع أنينها الخافت باسمه: "سالم…"
توقف للحظة طاحنًا ضروسه من فرط الألم، تتقاذفه رغبة ملحة في الالتفات ومعاقبة شفتيها على نطق اسمه بتلك الطريقة المهلكة لمشاعره وحواسه، والنيل منها على ما جعلته يعيشه من ألم وعذاب، وإفراغ جميع شحنات غضبه وألمه وعشقه بها. ولكن للحظة أشفق عليها من عقاب لن تتحمله، ومشاعر من فرط قوتها حتمًا ستؤذيها، لذا تجاهل همسها وتوجه للأسفل. فوجده نداء والدته التي استنكرت ما رأته وقالت بصدمة: "سالم.. أنت رايح على فين؟
توقف سالم بمنتصف الصالة وهو يزفر النيران من أنفه، فلم يعد لديه طاقة للحديث، وخاصة تبرير ما يفعله. ولكنه احترم نداء والدته والتفت يجيبها: "في مشكلة كبيرة في فرع القاهرة، ولازم أسافر دلوقتي حالًا.." انكمشت ملامحها بصدمة، وخاصة حين رأت ملامحه المكفهرة وشفتيه المذمومة كخيط رفيع، وكأنه يريد الالتزام بالصمت طوال حياته. فتلك هي أقصى درجات الغضب لديه، ولذلك لم تحاول التطرق إلى أشياء قد تزيد وطأة ما يحدث، فقالت بنبرة لينة:
"ربنا يعينك يا ابني. بس يعني.. فرح؟ مش حرام تسيبها يوم صبحيتها كده؟ ود لو يخبرها بأن أقصى درجات الحرام ما يحدث معه، فهو سيذهب تاركًا معها قلبه وروحه ووجدانه، سيذهب بهذا الجسد المثقل بالهموم التي لا يعرف كيف سيعالجها. ولكنه اكتفى بالقول: "فرح عاقلة وبتقدر يا ماما. متقلقيش.." رنت جملته بأذنيها مرورًا بقلبها الذي ارتج لدى سماعها جملته التي تحوي مديحًا مبطنًا، فلم تقدر على خذلانه، وجاء صوتها الهادئ يؤازره:
"سبيه يا ماما. سالم عنده شغل مهم ومش مينفعش يتأجل، وأنا مش زعلانة أبدًا.." لامست حروف كلماتها قلبه الذي يود لو يلتفت في تلك اللحظة، يعصرها بين قضبان ذراعيه حتى ترى ماذا تفعل به مجرد حروف بسيطة من شفتيها التي يشقى وهو أمامها يناظرها كتفاح الحرام الذي لا ينفك يغويه. "اديكِ سمعتي بودانك. همشي أنا بقى عشان متأخرش.." لم يكن يخفي عليها ماذا يحدث، ولكنها لم تطل في الحديث، وخاصة حين التقطت عينيها تلك التي تراقب ما يحدث بشر.
فعلى صوتها وهي تقول: "روحي يا فرح وصلي جوزك…"
أومأت فرح بالإيجاب، وقد تفهمت نظرات أمينة المحذرة، وتوجهت خلفه إلى أن وصلت إلى باب المنزل، وقام بفتحه قبل أن ينظر إليها بجمود سرعان ما تبدل لصدمة حين وجدها تقترب منه محاوطة رقبته بذراعيها في عناق كان رقيقًا يشبه أنفاسها العطرة التي لامست رقبته للحظة بدت خاطفة سلبت إرادته، وانساق خلفها إذ حاوط خصرها بيديه التي كانت قوية بقدر لينها، مما جعل دقات قلبها تقرع كالطبول، تشاطرها دقات قلبه الذي اهتاج بداخله من فرط ما يعتريه من شوق يحتاج أكثر من هذا العناق. ولكنه استخدم كل ذرة مقاومة لديه لنزعها من بين براثنه، وأهداها نظرة بدت غامضة بقدر ما تحوي من مشاعر تعجز الكلمات عن وصفها. فشيعته هي بنظرات نادمة مشتاقة إليه، قبل أن يبتعد. وخرجت الكلمات من
بين شفتيها دافئة حين قالت: "أشوف وشك بخير.." كان ما يحدث أقصى ما يمكن احتماله، لذا أومأ برأسه قبل أن يستمع إلى باب أحد الغرف يغلق بقوة، فعلم بأن التمثيلية قد انتهت، لذا تراجع سريعًا والتفت مغادرًا دون حديث.. *** ما أن غادر حتى سمعت صوت أمينة الصارم يناديها، فالتفتت فوجدت جنة تهرول من الأعلى وكأن أحدًا يلاحقها، وتفاجأت بـ سليم الذي كان يخرج من الغرفة ووجهه لا يفسر: "انتوا الاتنين تعالوا ورايا.."
قالتها أمينة وهي تفرق نظراتها بينهم، مما جعل سليم يتوقف، فنهرته قائلة: "على شغلك." "ماما…" هكذا ناداها، فهو يعلم حالتها تلك، فأصرت على موقفها قائلة: "كل واحد يشوف شغله.. يالا اتفضل على شغلك.." كان المشهد غريبًا على كلا الفتاتين، ولكن سليم لم يستطع منع ابتسامة عابثة من الظهور على ثغره، اتبعها بغمزة توجهت إلى قلبها مباشرة وهو يلتفت دون حديث. دلفت أمينة إلى داخل الغرفة وخلفها الفتاتين، وما أن أغلقت الباب حتى التفتت
إليهم وهي تقول بحدة: "بصوا بقى انتوا الاتنين. الكلام اللي هقوله دلوقتي يتسمع ويتنفذ بالحرف الواحد. ومش هسمح لحد أنه يناقشني فيه.." كان حديثها صادمًا لكليهما، وخاصة نبرتها الحادة وعينيها التي كانت تطلقان سهام بدلًا من النظرات، فكان أول المتحدثين فرح، التي قالت باندهاش: "حاجة أمينة حضرتك بتتكلمي ليه كده؟ أجابتها أمينة بصرامة: "مسميش الحاجة أمينة. اسمي ماما أمينة. مش أنا حماتك ولا بيتهيألي؟
تفاجؤوا للحد الذي جعلهم صامتين، فقط إيماءة بسيطة كانت إجابة على سؤالها، فـ أردفت بتصحيح: "يبقى تقولولي ماما. الحما عندنا بيتقال لها يا ماما. ودي أول نقطة. نيجي بقى لتاني نقطة. البيت اللي انتوا شايفينه ده مش قايم على عمدان، ده قايم على كتاف ولادي. ومش بس البيت، دي العيلة كلها قايمة على كتافهم. ولو مكنش فيه حضن محاوط على الكتف اللي شايل ده، هيتعب وهيقع. فاهمين قصدي ولا أوضح أكتر؟ تحدثت فرح أولاً: "أنا فاهمة.." "و أنتِ؟
هكذا استفهمت أمينة بحدة، فأجابت جنة على الفور: "وأنا كمان فهمت. آه والله العظيم.." استطردت أمينة قائلة بصرامة:
"حلو. نيجي للنقطة اللي بعد كده. أنا عشت عمري كله محاوطة على جوزي وولادي وعلى البيت باللي فيه. لدرجة أن البيت مكنش يمشي من غيري. لو تعبت يوم يقف. بس أنا دلوقتي كبرت وفعلاً تعبت. ومش هقبل أن البيت يتهد. عشان كده عايزكم في ضهري. اللي جاي مش سهل. وفي حرب قذرة دايرة، بدايتها كانت من زمان أوي من قبل ما تتولدوا حتى. ودلوقتي الشيطان راجع يهدد حياتنا من تاني بعد ما طردناه وارتحنا منه.." انكمشت ملامح الفتيات بحيرة
تجلت في نبرة جنة حين قالت: "طب هو حضرتك ممكن توضحي أكتر. أنا مش فاهمة حاجة." أجابتها أمينة بهدوء: "الشيطان ده ناجي جوز همت. وابن عم منصور جوزي. أخو صفوت." شهقات خافتة خرجت من أفواههن، تجاهلتها أمينة وتابعت:
"طول عمره الفرع المعووج في العيلة وطول عمره بتاع مشاكل وبييبص للي في إيد غيره. عمي الله يرحمه كان مكافح كبر ثروته ومكنش عنده غير ولدين وبنت، عشان كده نصيبهم من تركته كان كتير. أما ناجي أبوه كان عنده ست ولاد وورثه ونصيبه كان يدوب ملاليم. وعشان كده كان بيحقد على منصور وأخوه. وطمعه خلاه يقرب من همت ويوهمها إنه بيحبها، لأنه كان عارف غلاوتها عند أبوها. وفعلاً حبته ونجح في اللي بيخططله واتجوزها. وعمي شغله معاهم إكرامًا لبنته. بس للأسف بقى جشع أكتر وحاول يأذيهم في شغلهم ويشتغل لحسابه. ومن حسن حظنا إنه اتكشف، والبنت السكرتيرة اللي كان مجندها لحسابه بعد ما خلى بيها جت وفتنت عليه وحكت كل حاجة قدام همت.."
"يا حرام.. زمانها اتصدمت جدًا.." هكذا تحدثت جنة بشفقة، فتابعت أمينة:
"اتصدمت وانهارت. ودخلت المستشفى شهر. وفي خلال الشهر ده هو عمل المستحيل عشان يشوفها ويقنعها. وعمي موافقش، بس هو ميأسش وعمل اللي عايزه ووصلها بعد ما جاب البت السكرتيرة ورضاها بقرشين عشان تغير كلامها وتقول إن منصور هو اللي خلاها تيجي وتقول كده عشان يطلق همت منه. لكن همت مصدقتوش عشان كانت عارفة إن منصور استحالة يعمل كده. وكمان أي ست تقدر تحس إذا كان جوزها بيخونها ولا لأ؟ وهي كانت حاسة إنه مش مظبوط…"
"دي مطلعتش وحشة زي ما إحنا متخيلين. صعبت عليا أوي بعد كل اللي شافته.." هكذا تحدثت فرح، فهي اختبرت شعورًا مشابهًا ليلة أمس، وياله من شعور مريع، لهذا أشفق قلبها على تلك المرأة التي طالها الأذى من زوجها. "همت مش وحشة. همت عبيطة وده أسوأ. سهل أوي ينضحك عليها منه مرة تانية، وخصوصًا إنه بيستخدم نقطة ضعفها بناتها، أو خلينا نقول شيرين بس. سما زي أمها. أما شيرين واخدة منه كتير أوي.." تدخلت جنة بنفاذ صبر: "إيه الحرب دي؟
طب ما تخليها تاخد بناتها وتمشي. إيه لازمته يعيشوا معاكوا بدل كل التعب ده؟ أجابتها أمينة بجمود:
"مش بمزاجنا يا جنة، ولا بالسهولة دي تتخلصي من الشر. همت لما اختارت أبوها وأخواتها ورفضت تصدق ناجي. أبوها عشان يجبر بخاطرها ويراضيها، قسم أملاكه على ولاده التلاتة بالتساوي بما فيهم المزرعة دي، كل واحد الثلث ما عدا الأرض. وصي لو همت بناتها اتجوزوا من العيلة تاخد الأرض طين، ولو خرجوا منها ياخدوا الثلث برضه بس فلوس. مكنش عايز الغريب يحط إيده على أرضه.." "ده عقد الموضوع أكتر.." هكذا تحدثت فرح، فأجابتها أمينة بتعب:
"قولتلك دي حرب وبادئة من زمان أوي.. عشان كده عايزكم جنبي وجنب سالم وسليم. البيت ده لازم يفضل رافع راسه العمر كله. والشيطان ده لو حط رجله هنا تاني هتبقى نهايتنا كلنا.." تحدثت فرح بعدم فهم: "إزاي ييجي هنا وحضرتك بتقولي إنها عارفة حقيقته؟
"الشيطان مش وحش عشان بيوسوس لنا بالغلط يا فرح، ده كمان بيزينه. وناجي ده الشيطان يقوله يا عمي، ووارد يرجع يلعب بدماغها تاني، وهي دلوقتي حاسة إننا ضدها ومحتاجة حد يقويها، وشيرين ممكن تلعب على النقطة دي وتحاول تميل دماغها." "طب وإيه الحل يا ماما؟ هكذا تحدثت جنة بلهفة، فأجابتها أمينة بتخطيط:
"هقولكم. بس خليكم فاكرين إن مفيش مجال للغلط. ولو مطلعتوش قد المسؤولية هاخدكم من إيديكم وأرجعكم لأهلكوا، ومعايا ورق طلاقكم. فاهمين ولا لأ؟ بالرغم من أن حديثها يبدو جامدًا ولهجته متوعدة، ولكن الفتيات فطن إلى ما ترمي إليه، وبأنها لا تريد سوى الصالح للجميع، لذا خرجت الكلمات من أفواههن في آن واحد: "فاهمين ياماما…" اللمعت عينيها بالسعادة التي تجلت في نبرتها حين قالت: "حلو. يبقى اسمعوني كويس.." ***
تفتكر يا سليم سالم هيعمل إيه مع البنت دي وأهلها؟ " هكذا تحدث مروان وهو يقف بالشرفة إلى جانب سليم، الذي كان يرتشف قهوته المرة التي لم تفلح في جعله يتناسى ما حدث. فـ أطلق زفرة حادة من جوفه قبل أن يقول: "لحد دلوقتي مش عارف، ولا هو كمان عارف.."
"الموضوع عمال يتصعب بشكل غير طبيعي. أنا حاسس إن عقلي واقف مش عارف أفكر.. معقول تفضل في غيبوبة كل ده، وبعد ما كانت بتموت تصحى تحكي على كل اللي حصل. شوف، والقدر إن العملة السودة دي يعملها قبل ما يموت بيوم، ضيع البنت، الله يسامحه." هكذا تحدث مروان بسخط، فأجابه سليم بغضب: "كل حاجة هينة في الدنيا دي، إلا اللي تخص الشرف يا مروان. دي الحاجة الوحيدة اللي لو اتمست، ملهاش أي دوا."
"كلامك بيقلقني أكتر يا سليم. بس هرجع وأقولك عندك حق. مهما عمل سالم، حتى لو اداهم فلوس الدنيا والآخرة، ده مش هيعوضهم عن شرف بنتهم اللي ضاع على إيد حازم." كان حديث مروان شائك للغاية، فلم يتحمله واندفع غاضبًا: "اسكت يا مروان، الله يبارك لك. أنا من غير حاجة جوايا نار قايدة.." التفت مروان يناظره بشفقة على حاله، وحاول أن يغير دفة الحديث، إذ قال باستفهام: "بس مش غريبة إنهم يجوا يقبضوا على شخص متوفى؟
يعني مفروض يكون عندهم علم إنه متوفى أصلًا.." خيمت الحيرة على ملامحه قبل أن يقول بجفاء: "هي غريبة طبعًا. بس غلطة وارد تحصل. وممكن يكون مقصود. أنا مبقتش فاهم حاجة.." التقمت أذنيها تلك المحادثة السرية بينهما، حين كانت تنوي التوجه للشرفة، ولكنها تسمرت لدى سماعها حديثهم الذي جعل الذهول يخيم على ملامحها، فـ تراجعت بخفة إلى الأعلى، وقامت بجذب الهاتف السري الذي تملكه وأجرت اتصالًا هاتفيًا. وما أن جاءها الرد حتى صاحت بصدمة:
"بابا.. الحق حازم طلع مغتصب بنت قبل ما يموت بيوم، والبوليس جه هنا وسأل عليه.." أجابها ناجي بتسلية: "وإيه كمان؟ اندهشت من تقبله للأمر، فقالت باستفهام: "انت كنت عارف حاجة زي دي؟ "أبوكي مفيش حاجة ميعرفهاش. المهم، قوليلي متعرفيش هيتصرفوا إزاي؟ أجابته شيرين بغضب: "والله معرفش. أنا سمعت إن سالم راح يقابل أهل البنت، وأكيد هيعرض عليهم فلوس." قهقه ناجي بشر وقال باستمتاع:
"حلو أوي كده، الصنارة غمزت. خليهم يتلهوا في العظمة شوية لحد ما أبعتلهم القاضية.." *** كانت تنتفض إثر تلك الصفعة التي تلقتها وجنتها الرقيقة، التي انطبعت فوقها أصابعه الخشنة، فجرحت جلدها الرقيق. فأخذت ترتجف رعبًا وهي تقول بتلعثم: "إني.. معملتش.. حاجة." صاح بها بقلب يرتجف ألمًا زاد من حدة غضبه، فدفعها بعنف على الأرض الصلبة، حول شهقات الجميع حوله، وصاح بها غاضبًا: "وكمان ليكي عين تتكلمي يا خاطية…"
أنهى كلماته وقام بإخراج سلسالها وإلقائه بوجهها وهو يقول باشمئزاز: "تخصك دي، مش أكده؟ التقطتها بيد متلهفة وهي تقول: "أيوه.. دي سلسلتي وضاعت مني امبارح…" "قصدك وجعت منك.. وأنتِ منتيش دريانة. أقولك وجعت فين ولا افتكرتي؟ هكذا تحدث بلهجة تقطر ألمًا، وصدر يعلو ويهبط بفعل النيران المندلعة به. فهالها مظهره وحديثه، فقالت بذعر: "لأ، مفكرانيش. إني روحت امبارح ملجتهاش في رجبتي.. معرفش وجعت فين؟ صاح بنبرة متألمة ولكن خافتة:
"أقولك إني.. لجينها جار الزريبة المهجورة.." فجأة برقت عينيها حين جاء على ذكر ذلك المكان الذي شاهدت به تلك الواقعة المشينة، ولكن مهلًا، ماذا ظن بها؟ هل يظن أنها هي من كانت؟؟ "في إيه يا ولدي؟ هكذا تحدثت تهاني بصدمة مما تراه، وجاء خلفها صوت عبد الحميد، الذي قال بفظاظة: "هتعمل إيه يا عمار؟ أنت اجنيت ولا إيه؟ "بايني أكده.." هكذا تحدث وهو يطحن ضروسه ألمًا، فصاح به جده: "احكيلي حصل إيه؟ بتضرب البت دي ليه؟
وقع سؤال جده على مسامعه كسوط جلد قلبه، الذي لم يتحمل مرارة النطق بما حدث، وخاصة حين أخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا، وعينيها تتوسله، وقد ظن بأنها تتوسل لألا يفضح ما حدث، ولكنها كانت تتوسله ألا يظلمها. وعبراتها منهمرة ك
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!