الفصل 5 | من 43 فصل

رواية بين طيات الماضي الفصل الخامس 5 - بقلم منة الله مجدي

المشاهدات
17
كلمة
2,442
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

رفعت نظرها إلى العينين الخضراوتين الناظرتين إليها في اشمئزاز، وإلى الشخص الآخر في غضب. لم تعرف لما، ولكنها فجأة اختبأت خلفه، فقد كانت حقاً تشعر بالرعب الذي شعر به هو من ارتعدة يديها الممسكتين بثيابه. لانت عيناه ناحيتها وازدادت نظراته الغاضبة تجاه ذلك الشخص الآخر. انفجر إبراهيم غاضباً وهتف به في سخرية: إبراهيم: إنت مين بقي إن شاء الله وبتعمل إيه في مكتبي؟ زم شفتاه دليلاً على عدم الرضا، ثم أردف في غرور

بنبرته الرجولة المرعبة: سليم: أنا سليم الغرباوي... وإنت اللي مين وكنت بتعمل إيه لمراتي؟ نظر إبراهيم لمليكة مدهوشاً، وكذلك كانت هي. هاتفاً به في دهشة: إبراهيم: مراتك! نظر لمليكة بدهشة ثم تابع يسألها: إبراهيم: بس إنتِ... يعني... أقصد إنك قولتيلي إن جوزك مسافر. نظر سليم بتكبر إلى الرجل المحمر وجهه وتابع بازدراء: سليم: مكنتش أعرف إن مليكة لازم تقولك وتبررلك اللي بيحصل في حياتها الخاصة...

إلا طبعاً ليه، هي هتقدم استقالتها دلوقتي؟ نظرت إليه في ذهول. فسرورها لقدومه وتخليصه ا من هذا الوضع السخيف تحول إلى ريبة. تري ماذا سيفعل وكيف وصل إليها؟ فلا أحد يعرف عملها إلا عائشة. لكن مستحيل أن تكون قد أخبرته. أحست أنه لن ينتظر أكثر ليسمع قرارها. حقيقة، لديه كل الحق، فإبراهيم كان مهيناً لها للغاية وملاحظاته وتصرفاته أوضح من أن تكمل في عملها لديه. هتف إبراهيم يسأل في دهشة: إبراهيم: استقالة... استقالة إيه؟

رد عليه سليم في برود: سليم: الاستقالة اللي هتكون على مكتبك النهاردة يا أستاذ، بس تصرفاتك خلت حتى الاستقالة ملهاش لازمة. نظر لمليكة قائلاً بحزم: سليم: يلا علشان نمشي. تحركت في توتر، والتقطت حقيبتها وهاتفها. ولحقت بسليم الذي تحرك ناحية الباب. وقف إبراهيم معترضاً طريقها وهم كي يمسك بيدها، فامسكها سليم قبل حتى أن توضع على يد مليكة. لابد أن عجرفة سليم كانت أقوى من القهوة المرة في إعادة إبراهيم إلى صوابه. فهتف بها أسفاً،

تبدو على ملامحه الخزي: إبراهيم: أرجوكي يا مليكة سامحيني. أنا فعلاً آسف. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. أنا آسف، سامحيني. تراجع عنها مخافة تلك النظرات الشرسة الذي كانت تنبعث من عيني سليم تجاهه. ففتح الباب قبل أن يتفوه إبراهيم بحرف آخر، وجذب مليكة من يدها وأخذها ناحية سيارته الفارهة الرابضة أمام المبنى.

أما إبراهيم فوقف مذهولاً. كيف يمكن لفتاة في رقة مليكة أن تتزوج هذا الشيطان الأرستقراطي الوسيم، كما يطلقون عليه في عالم الأعمال، فهو رجل أعمال بلا قلب، آلة لديها عقل بشري. *** فتح سليم السيارة وأجلسها داخلها وهتف بسخرية: سليم: دلوقتي تقدري تتكلمي. همست بخفوت وهي تحاول استعادة رباطة جأشها: مليكة: بس أنا معنديش حاجة أقولها. نظر إليها سليم باهتمام:

سليم: لو اللي إنتِ بتقوليه ده بجد، يبقى إنتِ ست مميزة جداً. إنتِ أول ست أقابلها مبتحبش تتكلم. تابعت بسخرية وهو تحاول السيطرة على ارتعدة جسدها وطرد تلك التخيلات المرعبة من عقلها: مليكة: يبقى إنتَ متعرفش حاجة يا سليم بيه. أنا أعرف ستات كتير جداً بيحبوا الهدوء. رفع حاجبه الناقم في دلالة على عدم إعجابه بكلامها نهائياً وتابع بهدوء: سليم: دا غير دا...

آه، في ستات كتير بيحبوا الهدوء، بس دا ميمنعش إن عندهم كلام كتير جداً. أما بقي بالنسبة لأني معرفش حاجة، فدا أشك فيه، لأني موصلتش لعمري دا من فراغ يا مدام مليكة. يعني ممكن نقول إن عندي معارف كتير زيك بالظبط. كانت هذه الكلمة السهم الأخير الذي اخترق كبرياءها ليكسر آخر جزء فيه، ويتحول كل ذلك إلى أشلاء اخترقت قلبها لتسبب لها غصة ألم. فهتفت بألم: مليكة: أخدت بالي وفهمت دا كويس أوي يا سليم بيه. حرك رأسه يمنة

ويسرة بشرود وتابع بضيق: سليم: لا، مفهمتيش أي حاجة. بس مش مشكلة. واسمي سليم من غير أستاذ أو باشمهندس أو بيه. اسمي سليم وبس. وجدت نفسها تهمهم بألم غير واعية: مليكة: لو بس كنت أعرف إن الرسالة كانت هتقع في إيدك إنت وإنك إنت اللي هتيجي، مكنتش كتبتها أبداً. طلبي إني أشوف حازم كان غصب عني مش بإرادتي. سمعته يجيبها بصوت عميق أرسل ارتعدة خفيفة في جسدها:

سليم: وياترى بقي موت حازم وإنه خلاص مبقاش هينفع يساعدك، دا بيقلل من أهمية حاجتك للمساعدة؟ ياترى كنتي ناوية تكملي حياتك كده وإنتِ يادوبك عارفة تصرفي على مراد؟ وتابع بغضب واحتقار: سليم: آه، لا أنا نسيت. إنتِ أكيد كنتي هتعدي اللي الكائن المريض اللي فوق ده بيعمله على أمل إنه يزودلك مرتبك.

لم تشعر مليكة بحالها إلا ويدها مستقرة على وجنته في صفعة مدوية. شعرت بها تخترق أذنيها وتكاد تحطم زجاج سيارته الفارهة. ارتفع صدرهما وانخفض بسرعة دليلاً على انفعالهما وتوتر الأجواء بينهما، بينما تجمعت الدموع في عينيها ولكنها أبت أن تترك لهم العنان. صرخت بألم وغضب وهي تشير بإصبعها بحزم أمام وجهه: مليكة: إياك تتكلم معايا كده تاني. أنا ساكتة بس عشان مراد، إنما إياك تقولي كده تاني.

التفتت تتطلع أمامها بعدما استقام جزعها، مشبكة يديها أمام صدرها وأردفت بحزم: مليكة: اعمل حسابك يا سليم، لو إنت آخر راجل في الدنيا مش هتجوزك. لم يتفوه سليم بحرف، فقد كان يشعر بألم يقتله في الصميم ينبع من عينيها، فتغاضى عن فعلتها تلك. وهتف بها بدهشة: سليم: ولا حتى عشان مراد؟ أردفت بحزم يتخلله ثقة: مليكة: ولا حتى عشانه.

أدار وجهه ناحية المقود وتوجه ناحية منزلها بدون أي إرشادات منها. وصلا إلى البناية القابع بها منزلها بعد وقت قصير. فتوجهت مليكة إلى منزل جارتها لأخذ مراد، ثم عادت إلى منزلها. دلفت هي ومراد وسليم خلفهما. وكأن مراد أراد أن يؤلمها أكثر، فمد ذراعيه إلى ذلك الرجل القادم مع الماما وهو يبتسم له بضحكته الساحرة التي لأجلها تحملت الكثير والكثير. بعدما وبخه بألا يحزن والدته مرة أخرى.

وضعته مليكة بين ذراعيه واستدارت دامعة. وقفت تشاهدهما يلعبان ويضحكان. وقفت تشاهد تبدل تلك الملامح المتعجرفة القاسية إلى ملامح حانية تفيض بالحب والحنان. هي لن تكون أنانية أبداً وتحرم مراد من أن يكون له والد كما حرمت هي. لن تستطيع أن تحرمه من العيش في حياة كريمة. لن تقدر أن تحرمه من مستقبل أفضل.

سمعته يناديها فجفلت وهي تحاول بائسة أن تمسح دموعها التي هبطت عنوة. أحست بنفسها تُدار بلطف شديد. فار تجف جسدها لملمس يديه القويتين. هتف بها بدهشة، بنبرة تخللت أذنيها إلى قلبها مباشرة لتجعل وجيفها يرتفع في تناغم محبب: سليم: مليكة! إنتِ بتعيطي؟ هزت رأسها بلطف يمنة ويسرة دليلاً على رفضها: مليكة: لا، مبعيطش... في حاجة دخلت في عيني. أخرج سليم منديلًا من جيبه وتابع باسماً بحبور جعل قلبها يخفق بعنف كطبول في عرس إفريقي:

سليم: طيب خدي منديل علشان تمسحي بيه دموعك اللي نزلت، مش عشان إنتِ بتعيطي، لا عشان في حاجة دخلت في عينك. ابتسمت مليكة بهدوء والتقطت منه المنديل وشرعت في تجفيف دموعها، هامسة بخفوت: مليكة: شكراً. شردت قليلاً تفكر، فأردف يسألها في حيرة: سليم: إيه سرحتي في إيه؟ أطرقت مفكرة ثم أردفت بهدوء، محركة رأسها بحركة تنم عن تفكيرها البالغ: مليكة: كنت بفكر إني في الآخر لازم أتجوزك، يعني عشان مراد، بس عندي شرط.

رفع رأسه متكبراً وتابع باسماً بأرستقراطية: سليم: معتقدتش إنك في وضع يسمح لك بإنك تحطي أي شروط. هزت مليكة كتفيها دليلاً على عدم اهتمامها: مليكة: طبعاً براحتك توافق أو ترفض... وعمومًا، أنا شرطي بسيط جداً. كل اللي عاوزاه إنك مترميناش على هامش حياتك وكأنك مكسوف مننا وكأننا غلطة أو عار. فلو كنت هوافق على الجواز، لازم نعيش في نفس البيت. هتف بغضب: سليم: إنتِ مش هتلزميني بحاجة. إنتِ تعملي اللي بقول عليه وبس.

تابع باحتقار يتبعه سخرية: سليم: إنتِ عارفة كويس إني مش عاوز أعيش معاكي في نفس البيت، إلا بقي لو إنتِ ناوية تغريني مثلاً. توردت وجنتاها بحمرة الخجل، صائحة بغضب: مليكة: لا طبعاً، دي آخر حاجة ممكن أفكر فيها في حياتي كلها. وأكملت بهدوء:

مليكة: بس يعني إذا كنا ناوين نتجوز عشان نعمل عيلة وبيت مستقر لمراد، من الأفضل ليه إنه يشوف إن بابي ومامي بتوعه متفاهمين، وعلى الأقل لو مش بيحبوا بعض بيحترموا بعض وبيقدروا بعض. يعني يشوف إنه عايش في بيت طبيعي جداً باباه ومامته عايشين مع بعض. ولا إنت ناوي تبقى ليه بابا نويل تيجي كل 6 شهور شايل ومحمل هدايا وميشوفكش تاني غير بعدهم؟ أردف سليم بحدة: سليم: أكيد مش قصدي كده. وبرضوا مش هينفع نعيش سوا، لازم تفهمي إن ده مستحيل.

ابتسمت داخلياً ولكنها تابعت بثبات تُحسد عليه حقاً لبداية نجاح خطتها: مليكة: أنا آسفة جداً، بس كده جوازنا محققش أي حاجة لمراد. هتف سليم بنفاذ صبر ساخراً: سليم: يالله! إنتي بتكلميني وكأني أنا المسؤول عن حالتك. صاحت بعصبية، حزن وضيق: مليكة: مش حازم ده يبقى أخوك؟ مش كان المفروض هو يعمل كل ده لو كان لسه عايش؟ تصلبت ملامح وجهه في حزن:

سليم: أنا عمري ما هربت من مسؤولياتي، وأكيد إنتِ عارفة إن حازم لو كان يعرف كان وفر لك كل اللي إنتِ محتاجاه. هتفت مليكة باستهزاء: مليكة: ولو أنا اللي مكنتش عاوزة مساعدته؟ زم سليم شفتيه وحرك كتفيه دليلاً على عدم اهتمامه: سليم: يبقى أحب أقول إنك مش بس عندكية، لا إنتِ كمان غبية. ومهما كان برضوا مستحيل نعيش سوا. كافحت بإستماتة ألا تظهر ابتسامة الانتصار التي صدحت بداخلها على وجهها، وتابعت بثبات:

مليكة: كنت عارفة إن ده هيكون ردك، وعلشان كده إحنا للأسف مش هينفع نتجوز. وإن كنت عاوز ترفع قضية ارفع قضية، بس خليك متأكد إني هفضل أحاربك لآخر نفس. ومعتقدتش إنك هتحب الشوشرة اللي هتحصل. اعتدل في جلسته وأردف بثقة: سليم: يمكن مش هحبها، بس إنتِ عارفة إني هكسبها في الآخر. رفعت حاجبها بثقة وتابعت في ابتزاز لمشاعره التي تعلم وبشدة أنها تكونت تجاه مراد:

مليكة: أكيد. بس ياترى بقى إنتَ مستعد إنك تبهدل مراد في المحاكم وسيرة حازم تبقى على كل لسان؟ نظر إليها بغضب ونفاذ صبر لابتزازها: سليم: ماشي يا مليكة، تمام جداً. إحنا هنعيش سوا في نفس البيت.

ذهلت مليكة وكادت تبكي، فقد انقلب السحر على الساحر كما يقولون. فشلت خطتها فشل ذريع، فهي لم تتوقع قبوله. فقد ظنت أنه سيرضخ في نهاية الأمر لترك مراد، ويقبل فقط بأن يراعيه وأنهما لن يتزوجا. والآن أصبحت أمورها أكثر سوءاً عن ذي قبل. فهي لن تتزوج من تكرهه فحسب، بل سيعيشان في نفس المنزل. ارتجف جسدها الهزيل لتلك الفكرة وأخذت توبخ نفسها. حاولت الخروج من هذا المأزق بشتى الطرق. فأردفت بنبرات متوترة متقطعة تحاول جاهدة رسم ثباتها:

مليكة: إنت معاك حق يا سليم، إحنا مينفعش نعيش في بيت واحد. لم تعلم لماذا رأت ذلك البريق في عيناه. نعم، إنها تعرفه جيداً، بريق التحدي، أو حتى بعض التشفي. متابعاً في حزم: سليم: لا، إنتِ فعلاً معاكي حق. إحنا لازم نعمل كده عشان مراد. شعرت بهبوط يبعث السقم في معدتها وراحت تتساءل. نهض سليم ناظراً في ساعته، متابعاً بآلية شديدة:

سليم: أنا عندي اجتماع مهم وهعدي عليكوا بعد بكرة الصبح إن شاء الله تكونوا جهزتوا. هنطلع على المأذون وبعدين البيت. ويومين كده ونسافر الصعيد علشان تتعرفي على أهلي ويتعرفوا عليكي ويشوفوا مراد. هتفت بهستيرية سببها الذعر: مليكة: يومين... يومين إيه... طيب وهنقولهم إيه ومراد... أمسك سليم بذراعيها بقوة وحنان في آن واحد وتابع بثبات ناظراً لعيناها بقوة:

سليم: شششش، إهدي يا مليكة وخذي نفس. أنا ميهمنيش حد أصلاً. أنا بس رايح عشان يتعرفوا على مراد ويعترفوا بيها. أما بقي هنقولهم إيه، فهنقولهم إننا اتقابلنا في مؤتمر واتعرفنا على بعض وحبينا بعض واتجوزنا من حوالي خمس سنين، بس إنتي كنتي بتدرسي بره ومستنيكي تخلصي. وسيبى الباقي عليا. أومأت برأسها وهي لا تزال تشعر بالضياع الذي تلاشى قسماً كبيراً منه في الحقيقة بعد كلماته المطمئنة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...