في صحن القصر رحل رجال الشرطة ومعهم ذلك الرجل. أما هو، فصعد مرة أخرى لغرفة مليكة. وجدها تقف بجوار الفراش في سهادة. لم تعرف ماذا حدث، أو حتى كيف ومتى حدث. لم تستفق من سهادتها إلا حينما وجدت نفسها تنغرس بين ذراعيه، تشتم رائحته وكأنها غريق قد أُنقذ لتوه.
لم تعلم أي شيء، حتى ابتسمت بألم. فهي تعلم الآن أنه يحبها. سمعته، نعم سمعته حينما كانت غائبة عن الوعي في المستشفى. سمعته وهو يعترف بحبه لها، وكم تمنت وقتها لو تخبره بكل شيء. بباقي الحقيقة، بأنها لم تكن لشقيقه يومًا. هي حتى لم تره من الأساس. تمنت لو تخبره بأنها أيضًا أحبته وبشدة، ولكن بلا جدوى. لم يخرج منها الكلام وقتها.
آه، إنها تعلم وبشدة. في الفترة الماضية تعلم أنه اشتاق لاحتضانها، كما اشتاقت هي إليه. توسعت ابتسامتها الباكية وهي تحاول النطق وإخباره بكل الحقيقة، ولكنها لم تستطع. حبها له، خوفها منه كان يضيعها، فبكت أكثر، دافنة نفسها فيه أكثر، محاولة قدر استطاعتها لو تحتضن جزءًا منه، أن تخبره بعدم مقدرتها على الحديث. أنها تريده، تحتاجه، تعتذر منه عما سلف منها، أنها سامحته، فقط ليتوقف عن الصمت ويتحدث.
ولكن لا فائدة. كان هو فقط يبادلها الاحتضان بقوة أكبر. فقط تسمع منه ذلك الصوت الوحشي الذي جعل أوصالها ترتعد خوفًا. يضمها إلى صدره بقوة أكبر، دافنًا رأسه بين عنقها وصدرها، متنفساً إياها، منتشيًا بها كالإدمان. بكت بتلك اللحظة أكثر، غارقة بحضنه، محاولة إخباره أنها تريد الحديث ولكنها لم تستطع.
بقيا يتنفسان بعضهما هكذا بشراهة، كل واحد منهم يتعاطى جرعته من الحياة لفترة أطول. اختفى جسدها الصغير داخل جسده. كانت عضلاته الضخمة تحتويها داخله. همست، بينما سمعت صوت هاتفه. مليكة: سليم. سمعت لهاثه وهو يغرز أصابعه بلحم ظهرها، يقربها منه أكثر، دافنًا وجهه بخصلات شعرها أكثر. أتبعه همهمات متوسلة خرجت من فمه. سليم: ششش، خليني كده شوية... شوية كمان بس. *** في أمريكا
وضعوا نورسين في غرفة ذات عناية مرتفعة كي يطمئن الطبيب على استقرار حالتها بالكامل. بينما قررت نورهان أن تعود لمصر لتبدأ رحلة البحث عن طفلتها. نعم، فهي قد عقدت العزم على عدم تركها بالمرة. أوصلها عاصم للمطار بعدما هاتفت هي أمجد وأخبرته بأن ينتظرها لمناقشة أمر ضروري. *** في قصر الغرباوي طلبت خيرية من فاطمة ووداد أن يصعدا معها للاطمئنان على مليكة. طرقت فاطمة الباب في هدوء. فانتفض جسد مليكة بين ذراعي سليم، هامسة بخجل.
مليكة: الباب بيخبط. مط شفتيه دليلاً على حرده وعدم رضاه بالمرة، زافراً بعمق متمتماً بغضب. سليم: اتنيلت، سمعته. ابتسمت بخجل وهي تحاول أن تهندم هيئتها. فابتسم هو بانتصار وذهب ليفتح الباب. تمتمت فاطمة بقلق. فاطمة: إحنا جايين نتطمنوا على مليكة، هي زينة؟ ابتسمت وداد وخيرية بمكر على شعره المشعث وملابسه المبعثرة، ولكنهما تصنعا الجدية ولم يعلقا. فأردف هو باسماً بأدب. سليم: آه طبعاً، ادخلوا. ثم أردف بسعادة.
سليم: مليكة رجعتلها الذاكرة. تهللت أسارير خيرية بعدما أضافت فاطمة مازحة. فاطمة: دا إحنا كده ننزلوا نكافئوه بدل ما نسجنوه. ابتسمت وداد وهي تحتضن مليكة. وداد: دي لما قمر تعرف هتفرح جوي جوي. سألت مليكة بقلق وكأنها تذكرت قمر. مليكة: هي عملت إيه؟ أردفت فاطمة باسمة. فاطمة: جابت ولدين زي القمر ماشاء الله. ابتسمت مليكة بسعادة. مليكة: ربنا يبارك فيهم يارب.
استأذن سليم وذهب كي يحادث ياسر بعدما علم أنه كان المتصل حينما سمعا صوت هاتفه. *** في صباح اليوم التالي في أمريكا جلس عاصم بجوار نورسين التي لم تستيقظ بعد. وألقى عليها السلام في صمت وقلبه يسأل: كيف حالك يا كل حالي؟ التقط يداها يقبلهما في حنو بالغ، فلقد اشتاق إليها وبشدة. اشتاق لبندقيتيها، اشتاق لابتسامتها، همسها وكلامها. ولكن ما باليد حيلة. *** في قصر الراوي صرخ أمجد الراوي بهلع وقلبه يكاد ينفطر.
أمجد: إيه اللي بتقوليه دا يا نورهان؟ يعني إيه؟ يعني بنتنا لسه عايشة؟ يعني بنتي مامتش؟ أومأت برأسها، حابسة دموع القهر التي تشعر بها الأم بداخلها. وسأل أمجد. أمجد: طيب وهنجيبها إزاي؟ أخبرته نورهان بما أخبرته به نجلاء، ذلك الجزء المتعلق بسجلات المستشفى. فهب أمجد واقفاً. أمجد: إحنا لازم نسافر مصر حالاً. برقت بعينيها تتساءل في دهشة. نورهان: طيب والمستشفى؟ أردف هو بحزم. أمجد: مهو علشان كده لازم نسافر مصر. ***
في قصر الغرباوي وصلت قمر للمنزل ومعها ياسر يحملان طفليهما. فوجدا الجميع في استقبالهما. أخذت خيرية تعوذ قمر وطفليها من الأعين. بينما انشغلت قمر في البكاء سعادة لعودة الذاكرة لمليكة، التي هتفت بها مازحة. مليكة: هو إنتِ زعلانة؟ بتعيطي؟ فرحانة؟ بتعيطي؟ احتضنها قمر باسمة وهي تردف بسعادة. قمر: أنا النهاردة فرحانة جوي جوي والله. صمتا حينما سمعا سليم يخبر مليكة. سليم: أنا هروح لعمو أمجد علشان أقوله إنك بقيتي كويسة يا مليكة.
تمتمت فاطمة بعدم اهتمام. فاطمة: خليك يا سليم. أنا كده كده طالعة علشان أوزع الحاجة بتاعة عمار وأكمل على بيوت شوية ناس كده وأبلغهم بالعشا اللي هيتعمل النهاردة. هبجي أعدي عليه في طريقي وبالمرة أطمن على جاموسة عم خضر. ابتسم سليم بامتنان وأردف في هدوء. سليم: طيب مش محتاجة مساعدة؟ حمحت مليكة في خفوت. نعم، هي لا تزال تغار من فاطمة، حتى أنها متأكدة تماماً من تغيرها، ولكن هذا لا يمنع غيرتها.
سمعها سليم فابتسم باتساع وشكر لياسر تدخله، الذي ابتسم غامزاً بعدما أردف. ياسر: أنا رايح معاها يا سليم. خليك إنتَ هنا علشان لو حد جه ولا حاجة. وبالفعل ذهبا ياسر وفاطمة سوياً للمرور على بعض المنازل لإعطائهم الأموال فرحة لسلامة قمر وطفليها، ثم توجها لمنزل أمجد.
دلف ياسر للداخل، بينما توجهت فاطمة ناحية الزريبة. شاهدت ذلك العجل الرضيع يقف بجوار أمه، ومن الواضح أنهما يلعبان سوياً. فوقفت تراقبه في هدوء، يزين ثغرها ابتسامة مرحة.
وصل حسام من الأرض ومر على الزريبة في طريقه للداخل للاطمئنان على مهرته. فشاهد فاطمة واقفة بالداخل. طالعها بدهشة، فهو لم يعرف من هي. سمع قلبه يرفرف داخل ضلوعه بسعادة، فالآن قد واتته الفرصة على طبق من ذهب. الآن سيدخل ليتعرف عليها، ليعرف حتى على الأقل من هي تلك الفاتنة التي تتجول بأرضهم. فكل ما عرفه هو أن اسمها فاطمة، ولكن من فاطمة لا يعرف. دلف يسير الهويني، واثق الخطي. وقف بجوارها بعدما رفع نظارته لأعلى وتابع باسماً.
حسام: شكلهم حلو مش كده. ابتسمت فاطمة وهي تومئ برأسها. انكمشت ابتسامتها بعدما التفت إليه في هدوء، وكأنها لاحظت وجوده، وهي تتمتم في دهشة. فاطمة: إنتَ!!!! ابتسم حسام بأدب وتابع في هدوء. حسام: أيوة يا ستي، أنا... حسام جدري الراوي. فاطمة: البجف. ابتسمت بحرج وتابعت في خجل. فاطمة: أنا فاطمة شاهين الغرباوي. ابتسم حسام بسعادة. حسام: إنتِ توبجي بنت عم جوز بت عمي. ضحكت فاطمة بهدوء. فاطمة: أيوة أنا. أردف حسام باسماً.
حسام: أنا مش عارف أشكرك إزاي علشان لحقتيها. إنتِ متعرفيش الجاموسة دي إزاي غالية عند عم خضر. ابتسمت فاطمة بلباقة. فاطمة: أنا معملتش حاجة، دي واجبي. سمعت صوت ياسر يدعوها بالخارج. التفت برأسها ناحية الخارج قبل أن تتمتم باسمة. فاطمة: أنا همشي بقى، سلام. زفر بعمق وهو يراقب طيفها باسماً. ملامح عيناها تتهادى على ذاكرتي وتتمايل على قلبي الضعيف... أوقعتني تلك الفاتنة وليس باليد حيلة. *** في قصر الغرباوي
انتهت مليكة من حزم حقائبها ومراد يقف جوارها. سعادة بانتهاء تلك الرحلة، طالباً من والده أن يسافروا سوياً. فقررا أولاً العودة للقاهرة حتى يباشر سليم عمله ثم يقررا أين يذهبا. *** بعد مرور ثلاثة أيام في أمريكا
استيقظت نورسين، شاعرة بألم طفيف في صدرها وصوت طنين ذلك الجهاز الذي يدل على نبضات قلبها. نظرت حولها، فوجدت نفسها ترقد إلى فراش وثير في غرفة بيضاء كاملة. أسبلت جفناها في هدوء وهي تستنشق الهواء حولها، بعدما رفعت ذلك الجهاز الموضوع على أنفها وفمها يساعدها على التنفس، فأحست برائحته التي تغلغلت في رئتيها كدواء لها. نظرت له، كان يدفن وجهه بعنقها، يحتضنها كالجنين، وكأنه خائف من فقدان أمه. كان يحتضنها بقوة. نست ألمها بحضنه الدافئ، وبدون شعور منها تغلغلت يداها في خصلاته البنية، تبتسم بوهن تلقائياً. كم يشبه الأطفال محبوبها. ابتسمت بحب. كان حالهم كحال عاشقين على فراش الحب، وليس على فراش الموت.
ابتسمت بمرارة وهي تلتفت بوجهها، فوجدت وجهه الوسيم الحاد يطالعها بهيام. كادت أن تشيح بوجهها في خجل، فأمسك ذقنها بلطف مجبراً إياها على النظر له. كانت عيناه تشرحان لها معاناته بغيابها. لم يَرَ عيناها. تباً، كم اشتاق لها.
خمس ليالٍ ينتظر استيقاظها بفارغ الصبر. خمس ليالٍ يحتضن جسدها وينام. ابتسم وهو يرى خجلها. كيف حقيقة، لا يفهم كيف حتى وهي بأسوأ حالاتها تضخ أنوثة مفرطة بهذا الشكل. ابتسم مقرباً وجهه من وجهها، لامس أنفه أنفها من دون حراك. عيناهما تشرحان كل شيء. عشقهما، حاجتهما، هواهما. استنشق هواها كما الغريق. وأي غريق؟ فهو غريق الحب والشوق. وأي شوق؟ فهو شوق محب أضناه الفراق. *** في الصعيد صرخ أمجد بحنق في المستشفى. أمجد: يعني إيه؟
مهو أنا هشوف السجلات يعني هشوفها. هنا تدخل الضابط الموجود. الضابط: إهدأ بس يا أمجد بيه. ثم وقف يتحدث مع مدير المستشفى في هدوء. وما إن انتهى حتى طلب منهم المدير بالجلوس، وأحضر لهم بعض السجلات ليبحثوا فيها. وفجأة برقت عينا نورهان هلعاً وانسابت العبرات من عينيها. نعم، كانت قريبة منها. طفلتها كانت بجوارها ولم تستطع أن تشعر بها، لم تستطع أن تعرفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!