لاحظ أمجد سهادتها ودموعها فالتفت لها يسأل في قلق. أمجد: في إيه يا نورهان... مالك؟ لقيتي حاجة؟ ارتفعت شهقاتها وهي تدير له ذلك الملف الذي تطالعه كي يلقي بعينيه على الاسم الموجود أسفل اسمها. حقيقة لم تكن حالته بأفضل من حالتها، فعينيه قد جحظتا للخارج صدمة مما رأى. نعم بالتأكيد هي طفلته، ولكنه لم يعرف ماذا يفعل، أيذهب ويأخذها عنوة؟ أم يتأكد أولاً؟ لا يعرف حقاً، لا يعرف. هبط سؤال الضابط على مسامعه ليستفيق من شروده.
الضابط: هاه، لقيتوا حاجة يا أمجد بيه؟ أومأ أمجد برأسه في هدوء، ثم هب واقفاً فتبعته نورهان. أمجد: إحنا متشكرين جداً يا حضرة الظابط. *** في قصر سليم الغرباوي. مرت الأن ثلاث ليالٍ منذ عودتهم، ثلاث ليالٍ وهي تتجاهله، ثلاث ليالٍ تصعد للنوم قبل حتى أن يأتي، ثلاث ليالٍ بأكملها لا تسمح له بلمسها أو حتى الحديث معه وكأنها تتهرب منه. طفح كيله، نعم طفح كيله وعقد العزم أنه سيحصل عليها اليوم. هو يحبها ولمس حبها له أيضاً.
لا يهمه أي شيء الآن، لا ماضي ولا مستقبل، هو فقط يريدها، يريدها في حاضره، فقط يريدها بجواره، يريد أن ينجب منها الكثير والكثير من الأطفال، هي فقط ولن يرضى بغيرها امرأة. وكيف يرضى وهو دائمًا ما يشاهد صورتها حينما يكون مع أي امرأة أخرى؟ نعم خطفت قلبه ومنذ اللحظة الأولى الذي شاهدها فيها. اليوم ستكون امرأته قلبًا وقالباً ولن يمنعه أحد. وصل لمنزله مبكرًا على غير عادته، فشاهدها جالسة في الحديقة.
برقت عيناه حينما شاهدته وهمت بالصعود لغرفتها، فهتف بها صائحًا. سليم: مليكة، استني. التفتت ناحيته وجسدها يرتعد هلعًا ورجفتها ترتفع هلعًا وخوفًا، ومن ثم أردفت مضطربة. مليكة: نننعم. ضاقت عيناه حزمًا واشتد فمه صلابة، ثم قال ببطء وهدوء. سليم: مليكة، اطلعي استنيني في الأوضة. شحب وجهها حينما فهمت مراده ونظراته جيدًا، فهتفت به متوسلة. مليكة: لا يا سليم، مش هينفع. أظلمت عيناه حردًا وتابع بحزم.
سليم: هتعملي اللي قولته بالحرف يا مليكة، النهاردة يعني النهاردة، وبدون نقاش. اتفضلي اطلعي حالاً، وأنا 10 دقائق وجاي وراكي. نظرت إليه نظرة توسل أخيرة، ثم استدارت لتصعد إلى غرفتها. تكاد تفقد وعيها خوفًا، فهي تعلم أن ذلك الإصرار الذي شاهدته في عينيه لن تؤثر عليه العواطف. لقد عقد العزم على ذلك ولن يردعه شيء. لهذا يجب عليها أن تهرب. قررت أن تهرب وتأخذ معها مراد. نعم ستهرب. ولكنه فجأة صاح بها. سليم: مليكة...
أوعي خيالك يصورلك إنك ممكن تهربي، لأنك لو رحتي فين هروح وراكي وهجيبك هنا تاني، بس ساعتها هتشوفي واحد تاني خالص. 10 دقائق يا مليكة. *** في أمريكا. تحسنت حالة نورسين بشكل ملحوظ، وأخبرهم الطبيب بنجاح عملية زراعة القلب، وهذا ما جعل عاصم يفرح بشدة. كيف لا ومحبوبته الآن بخير؟ كيف لا وقد ردت إليه روحه؟ *** في قصر الغرباوي.
جلست فاطمة بجوار قمر لتخبرها بكل ما حدث معها مع هذا المدعو حسام، وكيف تراه الآن يوميًا وهي ذاهبة أو عائدة من جامعتها. ضحكت قمر ولكزتها. قمر: شكل الراجل واجع لشوشته. ابتسمت فاطمة بخجل وهي تتمتم. فاطمة: أني خايفة... خايفة جوي يا جمر... خايفة لحسن يكون من الشباب إياها وأعالج جلبي بيه وبعديها أجع على چدور رجابتي. انكمشت ملامحها قلقًا على فاطمة، فهي تعلم أن ألم آخر من ناحية الحب سيكون كفيلاً لتحطيمها تمامًا، فأردفت بهدوء.
قمر: بصي يا بت الناس، إنتِ اليومين دول تجفلي معاه أي حدِيت وتنشفيها عليه جوي ونشوف هيعمل إيه. أردفت فاطمة بصدق. فاطمة: بس إحنا أصلًا مبنتحدتش كتير جوي، يعني دول هما كلمتين إكده صباح الخير صباح النور وخلاص، بس دائمًا بشوفه عند الچامعة ويفضل ماشي ورايا كأنه بيتطمن عليا يعني. وبعدين ما إنتِ عارفة إن مفيش مني رچا في المرجعة العرج الصعيدي متبت جوي و چدوره مادة زين، فمتجلجيش واصل.
ابتسمت قمر لتذكرها ياسر. آه كم يشبهه ذلك الشاب. هي لن تكذب، فقد سمعت كثيرًا من الكلام الجيد بحق ذلك الشاب، كم هو شهم وعطوف مع الجميع، ولكن تكمل المشكلة في نسبه، فهو ابن قدري الراوي. وإن وافق شاهين لن توافق عبير بتاتًا. ستُرفض تلك الزيجة بشدة حتى ولو على حساب قلب ابنتها. *** في قصر سليم الغرباوي.
جلست على فراشها الوثير والعبرات تهز جسدها الجميل. هي من أخطأت، هي من سمحت لمشاعرها بالتحكم بها. فهو لم يتصرف هكذا من تلقاء نفسه إلا حينما شعر بحبها ناحيته. والآن عقد العزم على امتلاكها بدون أي تفكير بمشاعرها، بدون الاهتمام فيما إذا كانت مستعدة أم لا. هي لم تكن تعتقد أن ليلتها الأولى مع زوجها ستكون بتلك القساوة والحدة. لم تعتقد ذلك أبدًا.
تُرى هل تكمن المشكلة في أن ما يحدث قد خالف توقعاتها أم المشكلة في أنها ليلتها الأولى؟ نهضت واقفة بعدما جففت دموعها بحزم. حسنًا، هو لن يجدها مستلقية موهنة العزيمة في الفراش تنتظره ليأتي إليها. إذا كانت الليلة ستكون ليلة زفافها، فستبدو تمامًا في هذا الدور كما كانت تتخيل.
نهضت ناحية دولابها فوجدت لنفسها غلالة نوم بيضاء صافية وضعتها على الفراش، ثم دخلت لتحمم، وبالطبع تخلل ذلك الكثير والكثير من إجراءات العناية ببشرتها وما إلى ذلك. ثم عادت إلى غرفة نومها، فارتدت غلالة نومها بأصابع مرتعشة ومشطت شعرها وجففته بعناية. أطفأت نور الغرفة ولم تبقِ سوى على المصباح الصغير قرب الفراش. عندها أحست أنها جاهزة لاستقبال زوجها. لا، حقيقة هي كاذبة، فارتعاشة جسدها تؤكد عكس ذلك تمامًا.
كانت تبدو مثل حوريات النهر في ليلة عاصفة يرتجف أجسادهن برداً. ولكن للحقيقة لم تكن تلك الرجفة بسبب البرد، كانت خوفًا، ذعرًا وهلعًا. حتى أنها كادت أن تفقد وعيها. لم تنتظر طويلاً. دقائق ودخل بدون استئذان إلى الغرفة. ضاقت عيناه وهو يدخل الغرفة المعتمة قليلاً ويلاحظ جسدها الملفوف بغلالة النوم الشفافة.
اهتز جسدها بقوة أكبر إثر نظراته المعجبة، ولكن سرعان ما رفع حاجبيه دهشة وهو يراها تجلس في استسلام كالقطة الوديعة، ثم سأل بدهشة. سليم: هدوءك دا معناه إنك مش هتقاومي مثلاً أو هترفضِ؟ أخفضت بصرها وهي تحاول كبح دموعها. وكل ما يجري بداخلها هو سؤال واحد: ماذا تراه سيفعل حينما يعلم أنها لا تزال عذراء؟ بالتأكيد سيبغضها ويهجرها وينتزع منها مراد ولن تراه للأبد. فأردفت بنبرات مهزوزة من بكائها. مليكة: مقداميش حاجة تانية أعملها.
تألم لنبرتها، فهو لا يريدها أن تشعر بكل ذلك الخوف. أين هي المرأة المجربة بداخلها؟ لما تجلس أمامه كفتاة خجولة في أول ليلة لها؟ لما تجلس بكل تلك الوداعة؟ فأردف بحرد. سليم: فعلاً معندكيش أي اختيار تاني. تقدم ناحيتها بضع خطوات، فأسرعت تختفي تحت الغطاء وقد أشاحت بوجهها عن جسده القوي. ثم قالت بصوت متهدج باكٍ وكأنها تتوسله. مليكة: سليم. جذبها إليه بقوة ليضمها بين ذراعيه بحنو بالغ بحيث أصبح جسداهما معًا.
خلال دقائق أحست بدوار وكأنها في حلم. كانت كمن تسبح فوق غيمة عالية. لم تشعر بأي شيء حتى شعرت به يتراجع عنها شاحب الوجه، يهتف بضياع. سليم: لا... مينفعش... مش ممكن. تحرك مبتعدًا عنها، وجهه بلون بياض الموت، وتمتم مشوش التفكير متلعثماً. سليم: إنتِ... أنا... محدش لمسك غيري بس... إزاي... ومراد؟ سألته بصوت خفيض. مليكة: يهمك؟
وكرد عليها انتزع نفسه من ذراعيها ووقف مترنحًا قليلاً من ذهوله. وقد اتضحت أمامه كل الصورة، ولكن لا تزال أمامها بعض الأمور لتفسيرها.
مرر أصابعه في شعره الشعث ينظر إليها بعيني معذبتين وقد ستر جسدها بملاءة السرير وقلبه يتمزق ألمًا. هو لم يكن ليفعل معها هذا لو فقط أخبرته. كان سيكون كل شيء مختلفًا لو أخبرته أن هذه هي مرتها الأولى. هو لم يجبر أحدًا في حياته على شيء، وبالأخص لو كانت الفتاة التي أحبها، زوجته، الفتاة الوحيدة التي اختارها قلبه الأرعن. ينتهك أبسط حقوقها بتلك الخسة والوضاعة. سليم: أنا... أنا مكنتش... أعرف.
أحست بالرغبة في الضحك على تعبير وجهه المتجهم. فقالت له بخفة. مليكة: محصلش حاجة يا زوجي العزيز... بكرة الصبح نتكلم في الموضوع دا. أظلمت عيناه وتمتم بعنف مكبوت. سليم: أكيد هنتكلم... وأكيد هتحبي ترجعي بيتك... أنا فاهم كل دا. لم تعلم لماذا، ولكن كلماته ونظراته طعنت قلبها مرات ومرات، فابتسمت بسخرية وتابعت بقهر. مليكة: فعلاً؟! زاغ بصره وتمتم بتيه. سليم: طبعاً... أنا... أنا... آه يالله أنا آسف والله أسف جدًا. ثم هتف بتوسل.
سليم: ليه مقولتيش الحقيقة؟ سألته بدهشة. مليكة: هي الحقيقة كانت هتغير حاجة؟ دا غير إنك مكنتش هتصدقني. هتف بضياع. سليم: لا أكيد كان الوضع هيتغير. أظلمت عيناه حردًا وظلامًا وأردف بضياع. سليم: بس للأسف مفيش حاجة هتصلح اللي عملته فيكي أبداً... مفيش أي حاجة... بس...
كان قلبها يشعر بآلمه، بضيقه، حتى بصدمته. ولكنها انتظرت منه أن يجيبها برومانسية. لو يخبرها مثلاً أنه سيظل يحبها حتى أبَد الآبدين، بأنه سيعتني بها طوال حياته. ولكنه صدمها برده حينما سألته في هدوء. مليكة: بس إيه؟ أردف هو بلهفة. سليم: هديكي كل اللي إنتِ عاوزاه... هجيبلك بيت في أي حتة إنتِ عاوزاها... هخصص ليكي مصروف شهري. شعرت بقلبها يتمزق أشلاء حينما سمعت إجابته.
جاهدت كي تبقي دموعها حبيسة كي لا تشعر بالشفقة تجاه نفسها أكثر من ذلك. فقد بدا أن محبوبها مستعدًا أن يعطيها كل شيء عدا الشيء الذي تريده حقًا. وهو أن تبقي معه، أن تعيش حياتها بجواره، أن يهرما سوياً. طالعت عينيه وهي تسأله بتوسل. مليكة: إنت عاوزني أمشي؟ أردف هو بجمود. سليم: لازم تعرفي إنه بقى مستحيل علينا نعيش سوا... مابقاش ينفع.
لكنها لم تكن تدرك شيئًا من هذا. ما عدا أنه لا يريدها بعد في حياته. ولا يمكن أن يكون قد أحس بما أحست به لتوها معه. وليس تلك التجربة الجميلة التي تعتبرها هي بين زوج وزوجته. سألته للمرة الأخيرة. كما يقولون، هي فقط حلاوة روح منها أن تحارب في علاقتهما بهذا الشكل. تمنت من الله أن تسمع منه ردًا يرضيها، فأردفت في هدوء. مليكة: ليه؟ قالها بحزم قضى على آخر ذرة أمل تبقت فيها. قتل آخر ما تبقى من روحها، مزق الجزء الأخير من قلبها.
سليم: لازم تبعدي. لم يكن ينظر إليها وقد بدت الهزيمة على وجهه. ليست الهزيمة فقط، فقد كانت تجاهد أن تبقي تلك المعالم ثابتة على وجهها كي لا تنهار أمامه وتكره نفسها أكثر على حبها لشخص مثل هذا. متحجر القلب عديم الإحساس. فأردفت بلامبالاة وكأنها لا تهتم وقلبها يتمزق من الداخل وروحها تصرخ بآخر ما تبقى لها من رمق. مليكة: تمام... متقلقش أوعدك إني هخرج من حياتك في أسرع وقت ممكن. تمتم هو بثبات. سليم: مفيش داعي للاستعجال...
لازم نتكلم الصبح الأول... لا أنا ولا إنتِ هنعرف نفكر كويس دلوقتي. أخفض بصره عنها خزياً وهتف بألم. سليم: حاولي ترتاحي... يمكن النوم يقدر يمسح اللي عملته معاكي من شوية. هتفت به بضياع. مليكة: سليم... أنا... عمد بيده للمقبض وفتح الباب متمتمًا بألم. سليم: أرجوكِ... متقوليش أي حاجة تانية... لازم ننام ونفكر في اللي حصل ونشوف إيه اللي هيحصل الصبح.
ابتسم ابتسامة تجهم وهو يطالعها، فأمتلأت عيناها بالدموع وهي تتمتم باسمه في رجاء. مليكة: لا... يا سليم. استدار إليها بعينين معذبتين. سليم: مليكة... أنا آسف. هزت رأسها وهي تكاد تضربه على كلماته. لماذا يعتذر؟ لماذا يعتذر هذا الأحمق وهو لم يسيء إليها على الرغم من غضبه؟ فقد أخذها بحنو بالغ. نعم هي لم تسمع منه عبارات الغزل، ولكنها تعرف أنه يحبها. رأت ذلك في عينيه. لماذا يعتذر هذا الأرعن؟ وجدت قلبها يتحدث تلقائيًا بلهفة.
مليكة: متعتذرش. طأطأ رأسه بألم. سليم: معاكِ حق... اللي أنا عملته حتى الاعتذار مش هيمسحه. أغلق الباب بهدوء، فيما دفنت رأسها في الوسادة. إنها لا تريد محو الذكرى، بل تريد الاستمرار في التذكر. لماذا لم يشعر ذلك الأحمق بنفس السعادة التي أحست بها؟ ولكن انتهى الأمر، هو لا يريد قربها ولهذا لن تبقى لدقيقة واحدة في ذلك القصر بعد الآن. *** في صباح اليوم التالي.
الساعة الآن لم تتجاوز السادسة. الوقت مبكر جدًا، واتصال سريع إلى المطار أكد لها وجود مقعد لها على طائرة الساعة العاشرة المتجهة إلى كندا. هكذا أفضل. يجب عليها الابتعاد. عليها أن تبعد نفسها عنه، تبعد نفسها عن الإغراء في أن ترمي بين ذراعيه.
هاتفت إحدى سيارات الأجرة كي توصلها للمطار. استغرب السائق عيناها المنتفختان وأنفها المحمرة وذلك الطفل الذي تحمله بين ذراعيها، ولكنه لم يتفوه بحرف. فحمل حقيبة ملابسها ووضعها بصمت في الصندوق، وأدار محرك السيارة وانطلق بها وهو يسأل في أدب. السائق: على فين يا مدام؟ أردفت مليكة بألم. مليكة: المطار.
أغمضت عيناها بألم وهي تطالع مراد النائم على قدميها. هي تشعر كمن يعذب في الجحيم. قلبها يحترق ألمًا لفراق محبوبه. فقط تتمنى لو تغلق عيناها وتنتهي حياتها. لماذا لم تأخذها أختها معها؟ لماذا تركتها؟ خبطت على قلبها بحنو كأنها تربت عليه عساها تهدأ من حدة تلك النيران المستعرة فيه قبل أن تحرقه وتحوله لرماد. انسابت عبراتها بغزارة وخرجت منها آه وجع، تألم على إثرها ذلك السائق العجوز.
فتوقف بالسيارة على جانب الطريق وهو يسأل في قلق. السائق: إنتِ كويسة يا بنتي؟ عمدت بيدها تجفف عبراتها التي انهملت كأمطار يوم شتوي عاصف وهمهمت في هدوء. مليكة: أيوة الحمد لله. أردف السائق يسأل في قلق. السائق: طيب تحبي تنزلي شوية تشمي هواء؟ هزت مليكة رأسها يمينًا ويسارًا بألم. مليكة: لا شكراً. تحرك بالسيارة في هدوء بعدما أدار إذاعة القرآن الكريم عساها تخفف من وطأة حزنها قليلاً.
وبالفعل أغمضت عيناها واضعة رأسها على النافذة تضم مراد بين ذراعيها. شاهد السائق سيارة ما تتبعهم منذ مدة وهو الآن يحاول تخطيها. نظر في المرآة الأمامية ثم تابع. السائق: إنتِ في حد بيدور عليكي يا بنتي؟ أوقف السائق العربة فهتفت هي بهلع. مليكة: أنا... استدارت بدورها وهي ترى سليم يفتح باب سيارته ويهبط متوجهًا ناحيتها.
لم تكد تطلب من السائق التحرك حتى انفتح بابها لترفرف بأهدابها هلعًا وهي تحدق إلى وجه زوجها الغاضب وكل ما تفكر فيه أنه سيأخذ منها مراد وللأبد. وجدت نفسها تهتف به في هلع. مليكة: سليم!!! أنا... أنا هفهمك. أجاب بإختصار. سليم: لما نوصل البيت ابقي قولي اللي إنتِ عاوزاه... لو سمحتي انزلي اركبي العربية. همست في توسل. مليكة: سليم لو سمحت خليني أفهمك. جرها لتخرج من السيارة وتابع بحزم ناهيًا أي فرصة للحديث.
سليم: اتفضلي يا مليكة على العربية وأنا هحاسب الراجل وهاخد شنطتك وجاي وراكي. *** في الصباح. في قصر أمجد الراوي. لم يعرف النوم طريقًا إلى جفنيه، فقد ظل طوال الليل يفكر ماذا يفعل؟ أيذهب ويأخذها عنوة أم يتريث؟ ولكن، وأخيرًا عقد العزم على الذهاب لقصر الغرباوي وأخذ طفلته من براثن تلك الوضيعة عبير. *** بعد لحظات انضم إليها سليم ليضع حقائبها في صندوق سيارته. كانت تعابير وجهه أقل تجهمًا. فرفعت رأسها وهي تتمتم بأسى.
مليكة: أنا كنت همشي يا سليم ورجوعي دلوقتي ملوش أي فايدة... يعني عادي لو مكنش النهاردة هيبقي بكرة. أظلمت عيناه بإصرار. سليم: مش هتهربي مني لا النهاردة ولا بكرة ولا أي يوم. رمقت مراد النائم بين ذراعيها وهتفت بأسى. مليكة: مش من الأحسن إنك تسيبني أمشي؟ همهمت بألم. مليكة: ليه عاوز تزود عذابنا؟ هتف بسخرية امتزجت بالقهر. سليم: عذاب... أه فعلاً...
بس العذاب دا أنا اللي حسيت بيه وخصوصًا لما روحت أوضتك لقيتها فاضية ولقيت دولابك فاضي. أوقف السيارة خارج الفيلا ونزل منها ليستدير ويفتح لها الباب. وقفت ليصبح جسدها قريب من جسده، فأحست كم هي ضئيلة أمامه. ولكنها أعرضت عنه ودخلت الفيلا. استدارت لتواجهه بعد أن دخلا غرفة الجلوس. تشعر بهزيمتها أمامه. يا إلهي كم تحبه! ولكن بلا فائدة. ففي كلتا الأحوال هو لا يريدها. هو من طلب منها الرحيل. انتظرت حينما أخذت الخادمة مراد.
هتفت به بوهن. مليكة: ممكن أعرف جبتني هنا تاني ليه؟ تنهدت بعمق وهي تهمس بأسى. مليكة: كدة هيبقي لازم أمشي تاني. هتف بها بدهشة. سليم: من غير ما تقوليلي... تودعيني حتى؟ أردفت بحزم. مليكة: مكانش ليها لزوم... إنت كدة كدة مش عاوزني في حياتك. هتف بها سليم بضيق. سليم: مش بالطريقة دي... إنك تهربي في الضلمة قبل ما أشوفك ومن غير ما تقوليلي إنك هتمشي أو حتى تقوليلي لفين. أردفت هي بيأس بعدما تنهدت بألم مطأطأة رأسها.
مليكة: أكيد كنت هقولك مراد يبقي ابن أخوك وليك حق تشوفه. هز رأسه يطالعها بألم. سليم: إنتِ فكراني إيه بالظبط؟ أنا أكيد مكنتش هبعد ابنك عنك. همهمت بألم بعدما عمدت تمسح عبراتها التي تساقطت بألم. مليكة: بس... بس مراد مش ابني. لمعت خضراوتاه في وجهه الداكن وهتف بصدق. سليم: مراد ابنك يا مليكة... أنا عارف إني في الأول كنت هاخده منك من غير أي تردد حتى... بس مش دلوقتي. مش بعد ما شوفت أد إيه إنتِ بتحبيه...
إنتِ مش مضطرة حتى إنك تثبتي أحقيتك فيه. طأطأ رأسه خزياً وأردف. سليم: أنا اللي محتاج دا... لحد دلوقتي لا كنت أب كويس ولا حتى زوج عادل. هزت رأسها رافضة وأردفت بشفقة. مليكة: لا مش صح... إنت عارف إن مراد بيحبك جدًا. ضحك بخشونة وهو يسأل بينما أظلمت عيناه قهراً. سليم: وإنتِ... إيه شعورك ناحيتي؟ هز رأسه يمينًا ويسارًا وأردف قهراً. سليم: سؤال غبي مش كدا... أنا عارف كويس أوي إيه شعورك ناحيتي.
سألت مليكة بألم وهي تتساءل لما يستمر بتعذيبهما. لما يفعل هذا. لما يستمر ذلك الجزء الشهم منه بإيلامهما سوياً. مليكة: يعني ليه رجعتني... ليه متسبنيش أخرج من حياتك بهدوء؟ شحب وجهه وتجهمت أساريره. سليم: لو خرجتي من حياتي يا مليكة مش هيبقي بهدوء أبداً. أردفت به ساخطة. مليكة: بس إنت اللي قولت... إنت اللي عاوزني أمشي... إنت اللي عاوزني أعيش بعيد عنك. هتف بها صائحاً مستنكراً حديثها. سليم: مش كدة أبداً... مش دايماً...
أنا بس عاوز تبعدي عني لفترة علشان تعرفي الحقيقة... تعرفي سليم الحقيقي... مش اللي بيوريه للناس. لم تفهمه فأردفت بهدوء. مليكة: بس أنا أعرف أحكم كويس أوي وأنا هنا. أردف هو بحرد من نفسه. سليم: لا مش هتعرفي... لأنك لما بتبقي قريبة مني أنا مش ببقى عارف حتى أسيطر على نفسي... أنا كنت حيوان معاكي امبارح... عملت اللي أنا عاوزه من غير ما أفكر فيكي. بللت شفتيها وتابعت بخجل. مليكة: بس أنا متضايقتش. أردف سليم بألم.
سليم: ودا سبب تاني يخلينا نعيش بعاد عن بعض... أنا مش هعرف أسيطر على نفسي وأخرج زي امبارح. تقدم ليقف أمامها، وذهلت لنظرة الألم على وجهه وتابع بألم. سليم: أنا امبارح عرفت أسيطر على نفسي وأخرج. صرخ قلبها بسعادة. إذن... هذا هو سبب مغادرته الغرفة فجأة. أنه يحبها، يريدها. النظرة في عينيه الآن أخذت تقول لها أشياء وجدت صعوبة في تصديقها وأرادت أن تصدقها. ولكنها لا تستطيع التفكير بوضوح. أصبحت مشوشة لا تعرف إن كان يحبها...
أو هو فقط يرغب بذلك الجسد. تأوه قلبها حيرة. أردف بأسى. سليم: أنا حبيتك من أول لحظة شوفتك فيها... من لما فتحتيلي الباب أول يوم شوفتك فيه. أنا مش عاوزك تحبيني علشان خايفة إني آخد مراد... أو حتى إنك تحبيني علشان مضطرة تتعايشي معايا علشان مراد. طالعها بثبات وهو يتمتم بتوسل. سليم: أنا عاوزك تحبي سليم... علشان سليم نفسه... مش علشان أي حاجة تانية... عاوزك تحبيني وإنتِ مش خايفة. لم تستطع تصديق ما تسمع. سليم... البارد...
القاسي... الذي ظنته بلا شعور. ها هو يحبها. بدأ وجهها يحترق وأحست برغبة في البكاء من السعادة وهتفت به بصدق. مليكة: سليم... أنا بحبك علشانك إنت مش علشان أي حاجة. لكن وجهه تجهم أكثر، وقال بلطف. سليم: إنتِ حاسة إنك بتحبيني علشان الفترة اللي قضيناها سوا؟ هتفت به رافضة. مليكة: لا... لا. *** في أمريكا. جلست نورسين تتناول طعامها وعاصم إلى جوارها يطعمها في حنو بالغ.
وبينما هو منهمكًا في إطعامها حتى لاحظ سقوط قطرة من الشوربة أسفل شفتيها. أشار لها لتمسحها. فضحكت وهي تعمد بيدها لتمسحها ولكنها مسحت جهة مختلفة. ابتسم بمكر وهو يقترب منها كي يمسح ثغرها. فباغتها بوضع يده أسفل رأسها وجذبها ناحيته مقبلاً شفتيها في نهم. تركها بعد لحظات قليلة كي لا يثقل كثيرًا على قلبها. ابتسمت بخجل، فابتسم هو. عاصم: يااااه دا الواحد كان ميت يا جدع. *** في قصر سليم الغرباوي.
تقدمت مسرعة لتقف أمامه. وأخذت تمسح التقطيبة من بين عينيه بعدما وضعت ذراعيها حول خصره وأراحت وجهها على صدره الذي يرتفع وينخفض من الإثارة وقالت هامسة. مليكة: أنا حبيتك يوم لما مسحت دموعي وقولتلي إني أحلى من إني أعيط... فاكر يوم ما جبت سلمى البيت... غضبي وصريخي وعياطي اليوم دا كان من غيرتي عليك يا سليم... يومها اتأكدت إني غيرانة وإني بحبك.
وقفت على أطراف أصابع قدميها لتطبع قبلة رقيقة على شفتيه ثم ارتمت بين ذراعيه وهي تحس بالراحة وإلتفت ذراعاه حولها وكأنهما القيد الفولاذي وتأوه بقوة. سليم: يارب تكوني قاصدة كل حرف قلتيه يا مليكة ومتندميش عليها... أنا مش هينفع أسيبك يا مليكة... مش هقدر. أحست به يرتجف. وبكت من فرط سعادته. متمتة بصوت متهدج باكٍ فرط سعادتها. مليكة: أنا مش هسمحلك إنك تبعدني تاني ومش همشي تاني لو حتى إنت اللي طلبت.
أضاءت علامات الحب وجهه وأحنئ رأسه ليقبل جبينها ثم تحولت القبلة إلى سلسلة من القبلات انتشرت في كل مكان. أحس كل منهما بشوق مرير لبعضهما البعض، وقد أدركا حبهما العظيم وتصاعدت مشاعرهما لدرجة الغليان. تراجع سليم وأنفاسه ممزقة بالعاطفة. سليم: مش هتتخيلي النار اللي كنت حاسس بيها لما ملقتكيش في الأوضة... كنت حاسس إني هموت. أراح جبهته على جبهتها يداه متشابكتان عند أسفل ظهرها. اتحد جسداهما معاً وتابع بسعادة.
سليم: مش هتتخيلي إحساسي وأنا بتخيل الرجالة اللي كنتي تعرفيهم ولا حتى أخويا أنا... وهو بيلمسك... كنت ببقى هموت... كنت بحس إني بغلي من جوايا وعاوز أجيبهم أقتلهم كلهم. ابتسمت مليكة بخجل وأردفت. مليكة: ويا ترى إيه شعورك دلوقتي؟ أردف سليم بسعادة. سليم: أنا دلوقتي أسعد راجل في الدنيا كلها. هتف في هدوء. مليكة: وأنا كمان عندي اعتراف... إنتِ أول ست في حياتي حتى خطيبتي الأولانية عمري ما حسيت معاها باللي بحسه معاكي.
احتضنته مليكة بسعادة. مليكة: خلاص إحنا ننسى بقي كل اللي فات. غمزها سليم بسعادة. سليم: إيه رأيك نطلع نكمل اللي بوظناه امبارح؟ شهقت بخجل وغزا الاحمرار وجهها وهي تدفن رأسها في صدره. فضمها بين ذراعيه. وإنحنى ليقبلها وإندفع يصعد بها السلم فشهقت بخجل. مليكة: سليم... حد يشوفنا... دادة ناهد لو شافتنا هتقول إيه دلوقتي. أردف هو باسمًا بمكر. سليم: وإيه يعني... ما يفتكروا اللي يفتكروه.
سليم: واحد بيحب مراته وواخدها وطالعين أوضتهم سوا. لمعت عيناها بخجل في أن واحد ودفنت وجهها في عنقه. متشوقة لأن تعطيه ما تبقى من حياتها. *** في قصر الغرباوي. دلف أمجد لقصر الغرباوي كالإعصار تماماً ولم يكن لديه أي نية بالتراجع. قابل قمر أولاً فابتسمت مرحبة به. قمر: أهلاً أهلاً يا دي النور اتفضل يا عمي. أجبر نفسه على الابتسام. أمجد: أهلا يابتي... أمال فين عمك مهران؟ ابتسمت هي في حبور. قمر: هبعت عم مسعد يناديه عليه.
هتف أمجد يسأل بلهفة. أمجد: هو مش في الدار؟ أردفت قمر باسمة. قمر: لأ دا في الدوار مع ياسر. ابتسم وهو يتمتم في هدوء. أمجد: تمام يا بتي أنا رايح لهم وأبقى سلميلي على الحاجة وجوليلها إني هاجيلها تاني. ابتسمت وهي تومئ برأسها فرحل هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!