دلف أمجد للدوار فوجد ياسر ومعه مهران وبعض الرجال. رحب به الجميع فجلس هو بجوار مهران وياسر، واستأذنهما في كلمة على انفراد. ما هي إلا ثواني حتى بقي الرجال وحدهم. أردف مهران بقلق: أدينا بجينا لحالنا، اتفضل يا أمجد، قول في إيه. حمحم أمجد باضطراب وأردف بتلعثم: أني مش عارف أبدأ إزاي. ابتسم ياسر بحبور: كيف ما تحب يا عمي. قص عليهما أمجد ما حدث معه منذ الوهلة الأولى وحتى بحثهم في كشوف المستشفى. هتف ياسر بهلع:
إيه الحديت الماسخ ديه؟ إيه التخريف ديه يا عمي عاد؟ هتف مهران بجمود: ما يمكن تكون البنت دي بتقول أي كلام، يمكن يكون حد زاججها علينا عشان نرجع في بعض تاني. أردف أمجد بهدوء بنبرة صادقة: علشان كده أني جيتلكوا النهاردة، جيت علشان نخلص الموضوع ده. سأل ياسر بدهشة: يعني إيه؟ يعني انت عاوزنا إحنا اللي نجيب لك فاطمة؟ أردف أمجد نافياً:
لا مش كده يا ولدي، أني عارف إنكم مش مصدقيني، ده أنا حتى نفسي مش مصدق الممرضة دي، فمفيش غير حل واحد. أردف مهران بقلق: وإيه هو؟ هتف أمجد: تحليل DNA، بس أني مش عاوز فاطمة تعرف حاجة لحد ما نتأكد، عشان ما نأثرش على نفسيتها. سأل ياسر: كيف هناخدها تعمل تحاليل من غير ما تعرف حاجة؟ أردف أمجد بهدوء: الدكتور قالي إنه ممكن أي حاجة تنفع للتحليل من غير ما فاطمة تعرف، شعراية مثلاً. سأل مهران بعدم فهم: ودي هنجيبها كيف؟
تلاقت نظرات ياسر ومهران في تلك اللحظة. أمجد: جمر هي اللي هتقوم بالمهمة دي، عاوزينها تجيب شعراية من شعر فاطمة وتديها لي. أردف ياسر بهدوء: الموضوع ده مش سهل. هتف به أمجد بتوسل: أني عارف إنها صعبة، بس عارف برضو إنك جدها وجدود. *** في الصعيد. كلية الطب البيطري. ودعت فاطمة صديقاتها ووقفت تنتظر السائق الخاص بها، ولكن فجأة بينما هي تعبث بهاتفها شاهدت ظلاً ما حاجب ضوء الشمس عنها.
رفعت بصرها تطالع هذا الواقف أمامها وهي تستشيط غضباً، فشاهدت أحمد ابن أحد أعمامها من العائلة. قلبت عيناها بملل وأردفت حانقة: إيه جابك هنا يا ولد الناس؟ أردف هو باسماً بنزق: جاي عشان أشوفك يا بت عمي. طالعته شزراً وأردفت حاردة: وأني فاكرة كويس قوي إني قولتلك قبل كده ملكش دعوة بيا واصل وإني مش عاوزة أشوف خلقتك في أي مكان. أمسك عضدها بقوة وهو يجذبها ناحيته متابعاً في غضب خفي يحاول ردعه عن طريق ضغطه على أسنانه بقوة:
وأني جولتلك قبل كده إني مش هسيبك غير وإنتي مرتي. طالعته بتحدي وأردفت بعزة: على جثتي، لما تجيلي تشوف حلمة ودنك. كاد أن يمد يده ليضربها، فأغمضت عيناها وانكمش جسدها بقوة، ولكنها فجأة سمعت صوت تأوه لشخص ما، حتى أنها شعرت بنفسها تختفي بالكاد خلف أحد ما. صاح حسام بغضب هادر: علشان تجيلي تفكر مليون مرة قبل ما تمد اللي تتقطع دي على مرة حسام الراوي.
انخفض لجسده المنسدح أرضاً وأمسك بتلابيبه غاضباً بشدة رافعاً إياه بحنق، بغضب عارم حتى كاد أن يخنقه بكلتا يديه على لمس صغيرته، بينما طالعه أحمد بوهن جاهداً أن يفتح عيناه فقد أصابت لكمة حسام الصميم. حسام: أقسم بالله خلقتني وخلقتك لو لمحتك، لمحتك بس على بعد 100 متر منها، أقسم بالله هجبض روحك وهعلقك في البلد علشان تجيلي عبرة لمن لا يعتبر ومتلومش إلا نفسك يا أحمد. هزه بعنف وهو يصرخ به: فاهم!
اعتدل واقفاً بعدما دفعه أرضاً كما كان وأخذ فاطمة وتوجها ناحية سيارته. سألها غاضباً: ممكن أفهم إيه اللي كان موقفك برة كليتك؟ رفعت فاطمة أصبعها تشير ناحيته غاضبة وعيناها ممتلئة بالعبرات: إياك تتحدت معايا كده تاني، أني أقف مطرح ما يعجبني، وإذا كان على مساعدتك أني مكنتش محتاجاها من الأساس، أني أعرف أدافع عن نفسي زين. التفت إليها بسرعة البرق عيناه تكاد تخرج النيران على حماقتها، ولكنّه أردف بهدوء قاتل:
أني اتحدت كيف ما بدي مع مرتي. صرخت به فاطمة بهلع: مرة مين يا مخبل انت؟ اعتدل ممسكاً بعجلة القيادة وهو يبتسم في هدوء رافعاً حاجبه في مشاكسة: لهو انتِ متعرفيش؟ أصل أبويا بيكلم عمك أمجد دلوقتي عشان يروحوا يطلبواكي من أبوكي وعمك مهران. برقت عيناها بدهشة: إيه؟ ابتسم هو بينما أخذ يدندن مع كلمات أغنية للسيدة أم كلثوم صدح صوتها في المذياع:
إزاي إزاي إزاي أوصفلك يا حبيبي إزاي، قبل ما أحبك كنت إزاي، كنت ولا إمبارح فكراه، ولا عندي بكرة أستناه، ولا حتى يومي عايشاه. محدثاً طرقات على عجلة القيادة وهي تطالعه في دهشة. هي لن تكذب، حقيقة هي تكاد تطير فرحاً. تسمع قلبها يرقص فرحاً بينما تحلق روحها بهيام. أفاقت من سُهادتها على صوته وهو يخبرها بأن تهاتف سائقها لتعلمه برحيلها. *** في أمريكا.
استقل نورسين وعاصم طائرتهما العائدة إلى أرض الوطن بعد كل ذلك العناء، وأخيراً سيعود وصغيرته معافاة بخير. سيعود ليبدأ معها صفحة جديدة، صفحة سيخطها بالاهتمام، صفحة ستكتب عباراتها بالحب والود والحنان والاهتمام. الاهتمام قبل كل ذلك، فحينما تقدم الاهتمام قبل الحب تكسب الحب ومن تحب. *** في قصر. هتف أمجد بريبة: فاطمة مين؟ تابع قدري باسماً: فاطمة بت شاهين الغرباوي. أكمل باسماً بحبور:
لجيت الواد حسام أول امبارح جاي بيجولي أكلمك عشان نروح نطلبهاله. نهض واقفاً يطالع شقيقه بتوجس: مالك يا أمجد حاسس إنك متضايج عشان موضوع حسام؟ هو فيه حاجة؟ تهالك أمجد لأقرب مقعد وقص على شقيقه كل شيء، كل شيء. فهتف به قدري دهشة، صدمة، ويمكننا القول أسى أيضاً: يعني مريم الله يرحمها ما كنتيش بتك انت؟ كانت بت شاهين وعبير؟ أومأ هو برأسه في الم. فسأل قدري بوجوم: طيب وبعدين يا خوي؟ أردف أمجد باسماً بيأس:
متجلقش يا قدري. فاطمة بتي لحسام ولدك، هو أنا هلاقي زيه فين؟ يخاف عليها ويحبها، بس هي توافق وتيجي مليحة وودها زي ما اتفقت وياك. نهض قدري مربتاً على ذراع شقيقه داعياً له بأن يلهمه الله الصبر ويرزقه بلقاء ابنته. *** في قصر سليم الغرباوي. فتحت مليكة عيناها شاعرة بفراغ بجوارها على الفراش، فنهضت جالسة بعدما أزاحت شعرها للخلف. جابت ببصرها ربوع الغرفة في دهشة تتذكر ماذا حدث. الساعة الآن لا تزال العاشرة صباحاً، ولكن...
أين سليم؟ دَلفت للمرحاض كي تأخذ حماماً سريعاً ثم هبطت للأسفل مرتدية قميصه والذي كان عليها يشبه الفستان القصير. هبطت للأسفل فوجدت خادمات القصر أجمعهن خارج المطبخ يتلامذون ويتغامزون. توجهت ناحيتهن بخفة باسمة على تلك العلامات الغريبة التي تكلل أساريرهن. شاهدتها ناهد فاحتضنتها بسعادة باسمة. سألتها مليكة بدهشة: هو في إيه يا دادة؟ احتضنتها ناهد بسعادة ثم كبت وجهها بيدها في حنو بالغ:
أنا مش عارفة أقولك إيه غير شكراً لأنك رجعتيله حياته. تمتمت بتلك الكلمات الأخيرة وهي تشير ناحية سليم الذي يقف في للمطبخ. برقت عيناها بدهشة وهي تطالع ذلك الواقف يعد طعام الإفطار في انسجام تام يدندن كلمات أغنية إسبانية ما. يرقصان هو ومراد في سعادة بينما يصفقان أيهم وجوري بسعادة بالغة. فتحت عيناها وأغلقتهم عدة مرات حتى تتأكد مما ترى. أحقاً ذاك هو سليم؟ أين ذلك الشيطان الأرستقراطي؟ أين ذلك المفرور البارد؟
ابتسمت بخجل وهي تتقدم منهم بعدما صرفت الخدم. أنارت عيناه بسعادة وهو يراها تتقدم منهما مرتدية قميصه الذي يشبه الفستان عليها. تقدم منها باسماً ممسكاً بيدها يراقصها وهو يغني بسعادة فأخذت هي تردد معه: calienta tanto que asusta Y sabes lo que te gusta, te gusta, te gusta Prendiendo fuego en el suelo Pintando estrellas en el cielo Y te diré lo que quiero. طبع قلبه حانية على جبهتها وهو يهمس ببعض الكلمات في أذنيها:
سليم: القميص هياكل منك حتة. ضحكت بخجل فأشار لها بالجلوس على أحد المقاعد الموجودة بجوار الأطفال بينما اهتم هو بوضع الطعام. *** في قصر الغرباوي. عادت فاطمة من جامعتها تسير بسعادة وهي تبحث عن قمر بعينيها حتى وجدتها تضع أكمل في فراشه. احتضنتها بسعادة وهي ترقص. حدقت بها قمر بدهشة ثم أردفت تسأل بريبة باسمة: وااه وااه إيه مروق بال الجميل كده عاد؟ أردفت فاطمة بسعادة: أني فرحانة قوي قوي قوي. ضيقت قمر
عيناها بتوجس باسمة تسألها: خير اللهم اجعله خير، سمعيني. جلست فاطمة وقصت عليها كل ما حدث معها منذ الوهلة الأولى. هتفت بها قمر بسعادة: والله لو أقدر أزرع كنت زرعت. ثم تمتمت حاردة: أهم حاجة إنك تدعي أن أمك توافق. رفعت فاطمة يدها للسماء وهي تدعو الله بإلحاح: يارب. *** في مساء اليوم. عاد ياسر من الخارج لا يدري ماذا يفعل، تعصف به الأفكار والهموم، تري ماذا سيحدث إذا أُثبت أن فاطمة ليست ابنة عمته عبير؟ ماذا سيحدث؟
كيف ستتأثر هي؟ كيف ستتقبل الحقيقة، أو حتى كيف سيتقبل الناس؟ لاحظت قمر سهاده وعبوس ملامحه. فابتعدت منه تأخذ عباءته وعمامته ثم التفت لتقف أمامه مكوبة وجهه بيدها لتسأله في حنو امتزج بنبرة غنج: يا ترى حبيبي ماله؟ إيه شاغل تفكيره لدرجة إنه ميشوفش حبة قلبه جمر؟ ابتسم بإرهاق: ياسر عمره ما يغفل عن حبة قلبه واصل. بس الموضوع واعر قوي يا جمر. انكمشت ملامحها قلقاً بعدما أردفت تسأله بجدية: موضوع إيه اللي واعر للدرجة دي؟
كفى الله الشر. أخذها من يدها وتوجها ناحية فراشهما. ثم جلسا سوياً بعدما أغلق الباب جيداً وقص عليها كل ما حدث. فرت دمعة هاربة من عينيها حينما وضعت نفسها مكان فاطمة، كيف ستكون حالتها؟ كيف ستشعر؟ أردفت بأسى: طيب وإحنا هنتأكدوا كيف؟ أخبرها ياسر بأمر التحليل وطلب منها خصلة الشعر في أقرب وقت ممكن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!