كانت تتلقى ضربات تلك الماشية بشجاعة غير معهودة، غير عابئة بكم الألم الهائل الذي تشعر به في ظهرها. يكاد يقتلها. تتساقط دموعها كالسيول في يوم شتوي ممطر، في صمت تبتسم بهدوء لطمئنة ذلك الصغير الباكي بين ذراعيها. أخذت قمر في الصراخ والصياح حتى جاء ياسر وسليم على صوتها. لم يكونا هما فقط من حضرا، بل جاءت البلد بأكملها. شعر سليم بقلبه يغوص بأخمص قدميه حينما رآها بتلك الهيئة، فركض مسرعاً هو وياسر.
أمسك ياسر تلك الماشية الرعناء. وحمل سليم زوجته الباكية التي بدأت تفقد وعيها من شدة الألم. حدق فيها بقلق، سمح له أن يطل من خضراوتيه وهو يسمعها تهمس بأنين ناعم كما رنة نبرتها. مليكة: سليم... تأمل قسماتها المتألمة للحظات. لحظات تعرف فيها قلبه على ألم ما ذاق مرارته يومًا. أخذها إلى المنزل وخلفه سيارة ياسر ومعه قمر وذلك الطفل الصغير الذي لا يعرفون أهله بعد. بعد دقائق معدودة، كانوا قد وصلوا إلى منزل العائلة.
وبعد عدة محاولات، نجح في حملها. فتأوهت بوجع مزق قلب حديث الولادة في دنيا الحب. وصعد بها لغرفتها. أسرع واضعًا إياها على الفراش بحذر. انتفض قلبه وروحه مع صرختها إثر لمس الفراش لظهرها. فتشتت وما عاد يدري ما التصرف السليم وهو ينظر إلى جميلته الباكية المتألمة. لذا ترك العنان لزمام قلبه كي يتحكم. صعدت خلفه وداد وخيرية وبعض الخادمات. وخلفهما عبير وفاطمة. لطمت وداد على صدرها وشهقت بفزع حين رأت هيئة مليكة.
بينما تسللت ابتسامة خفية لثغر عبير. هتفت خيرية تسأل في قلق: خيرية: حصل إيه يا ولدي؟ مليكة فيها إيه؟ قص سليم عليهن ما حدث بتوتر وخوف. تعالت شهقات الفزع. وحقيقة لم يكن الخوف والفزع وحده المسيطر، بل كانت هناك بعض نظرات الفرحة والانتصار، نظرات غل وشماتة. نظرت لزهرة نظرات قلقة آمرة. خيرية: ادخلي يا زهرة بالعجل هتلاقي برطمان في أوضتي فيه دهان أخضر هاتيه. هبطت زهرة راكضة لأسفل. فأردفت وداد بقلق:
وداد: دي محتاجة حكيم يا أمة، لازم يشوفها حكيم. استطردت خيرية بهدوء: خيرية: الدهان ده هيريحها واصل، متقلقوش. وإنت يا سليم، لما تفوق تاخدها طوالي وتروحوا الوحدة وهناك يشوفها حكيم. تأوهت مليكة من شدة الألم الذي تشعر به بظهرها وبدأت تبكي. جلس بجوارها ومد كفه نحو وجنتها ليمسدها بإبهامه بلطف وهو ينحني قليلاً ليهمس برقة أمام عينيها الباكية: سليم: اهدي حالاً، هتبقي كويسة. أحاطها برفق بين ذراعيه.
وفجأة صرخ بجميع الخادمات كي يستعجلن زهرة. على الرغم من كل ما تشعر به من ألم، إلا أنها تمنت لو تلك اللحظة تدوم للأبد، لو تبقى ولا تنتهي. لم تر سليم بهذه الحالة من قبل. كانت تتمنى ألا تخرج من بين ذراعيه أبداً. آه كم تتمنى لو تظل هكذا طوال العمر. صعدت زهرة لاهثة وناولت العلبة لخيرية، التي ناولتها بدورها لسليم آمرة إياه أن يضعه مكان الكدمة. ثم استدارت محدثة الجميع طالبة منهم أن يخرجن ويتركوهما.
هم سليم بالاعتراض، فهو لن يستطيع أن يقوم هو بوضع ذلك الدهان لها. ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. فماذا سيقول؟ أخبرهم أنه يخاف من قلبه الأحمق؟ أم ماذا؟ هبطت خيرية ومعها باقي السيدات وأغلقت خلفها الغرفة. فوقف هو مرتبكاً للغاية، لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل. لم يعرف كيف همس بها برقة بالغة وحنان أشد: سليم: حاولي تساعديني يا مليكة، وتنامي على وشك، وأوعدك والله كل حاجة هتبقى تمام.
رأى عينيها تتألقان بأمل خلف ستار العبرات التي غشت عينيها، قبل أن تحرك أهدابها صعودًا وهبوطًا موازية لحركة إيماءة خفيفة برأسها كما يفعل الأطفال. ومن قال أنها ليست طفلة؟ هي لا تزال تلك الطفلة التي تركها والدها في الثامنة من عمرها، التي وأدت طفولتها عند ذلك العمر كي تجابه هذا العالم، كي تساعد والدتها وشقيقتها كي لا يتفرقا. انفرجت شفتيه بابتسامة قلقة. لا يعرف حتى من أين خرجت، فكل ما يعرفه أنها خرجت بأمر حاسم من قلبه.
وبعد بضع محاولات حثيثة، نجحت في الاستلقاء على بطنها. أمسك هو بيده ذلك الدهان التي أعطته له جدته. ليمسد بها ظهر تلك المسكينة المتألمة. لكن... كيف؟ ظل لبضع ثوانٍ ينقل بصره بين البرطمان الذي بيده وبين مهجته المسجاة على الفراش. فاختل تفكيره. ولأول مرة، لأول مرة سليم الغرباوي يجد نفسه غير قادر على اتخاذ قرار صائب. فتصلب كالأبله، لا يدري ما الذي يجب عليه فعله. آه مكتومة صدرت منها. جعلته يفيق من حالته الخرقاء تلك.
رفرف بأهدابه وزفر بهدوء وبطء وهو يفكر ويعد خطته. ازدرد ريقه وهو يعتدل في جلسته كي يتمكن من وضع ذلك الدهان. ولكنه فشل قبل أن يبدأ. حين داهمته حقيقة أنها ترتدي إحدى فساتينها المزركشة. فهذا يعني... هذا يعني أنه سينكشف منها أكثر مما يستطيع تحمله. انعقد تفكيره. وازدادت تأوهاتها حتى أنها امتجت بالبكاء. فازداد توتره ووقف حائرًا لا يدري ماذا يفعل. جاب ببصره بين ذلك البرطمان الممسك به وبين فستانها.
انطلقت منها صرخة خافتة متألمة لتبعثر شتات روحه. رفع فستانها بهدوء وهو يغض الطرف عما انكشف منها بالضالين. لينكشف أخيرًا ظهرها المرمري الذي غطته الكدمات الحمراء الزرقاء التي تلونت بالأخضر والأرجواني. زفر بعمق وجلس بجوارها بهدوء. أخذ جزءًا من ذلك الدهان وبدأ بتمسيده على ظهرها بأصابع يده بخفة ورقة بالغتين تتنافيان تمامًا معه. كان يسمع تأوهاتها تقل شيئًا فشيئًا حتى هدأت تمامًا. فعلم أنها قد خلدت إلى النوم.
وضع عليها الفراش بهدوء وهبط للأسفل كي يعرف ماذا فعلوا بذلك الطفل الصغير. وحينما هبط للأسفل، سألته خيرية بلهفة: خيرية: طمنيني يا ولدي، كيفها مليكة دلوقتي؟ أردف بهدوء: سليم: نامت يا حبيبتي، متقلقيش. أردفت وداد بقلق: وداد: لما تفوق يا ولدي تاخدها وتروحوا للحكيم علشان نتطمنوا برضوا. أومأ برأسه بأدب. تطلع إلى ياسر يسأل بصرامة: سليم: الولد ده عرفتوا فين أهله؟ ازدرد ياسر ريقه بتوتر بعدما جاب ببصره كافة ربوع الغرفة.
فاستأذن من الجميع وسحب سليم للخارج. ضيق سليم عيناه وسأل بتوجس: سليم: في إيه يا ياسر؟ أردف ياسر مضطربًا بقلق: ياسر: الواد ده يبقى... ولد عاصم الراوي. اتسعت حدقتا سليم صدمة لما حدث وهتف بدهشة: سليم: إيه!!! ياسر بجمود: ياسر: كيف ما سمعت يا سليم. سليم بدهشة: سليم: وإزاي يعني يدخل أراضينا؟ ياسر بحيرة: ياسر: مخبرش كيف يا ود عمي، ودا اللي هيجنني. دا غير إن أبوه مجاش يسأل عنه لحد دلوقتي. سأل سليم بتوجس: سليم: طب وبعدين؟
أردف ياسر بهدوء: ياسر: مخبرش... أنا أصلاً... ولم يتما حديثهما حتى سمعا أصواتًا مرتفعة تأتي من الداخل. دلفا للداخل مسرعين. تطلع مهران بصدمة لذلك القادم نحوهم، تظهر عليه وبوضوح علامات السن. مهران: أمجد!!! صاحت عبير غاضبة: عبير: إيه اللي جايبك هنا عاد؟ صرخ شاهين بأحد الرجال الرابضون بالخارج: شاهين: كيف يا بهايم إنتوا تدخلوه كده؟ تمتم الرجل بقلق: الرجل: جالنا إن حضراتكوا اللي رايدينه. هتف ياسر بهدوء:
ياسر: خلاص يا عمي، أنا اللي طلبت أمجد بيه. ذهل الجميع مما تفوه به ياسر. أولاً يعلم هذا الأحمق مدى تلك المشاكل بين العائلتين؟ هتف مهران بدهشة: مهران: كيف يعني يا ياسر؟ تمتم سليم بصرامة: سليم: خلاص يا عمي بعد إذنك. أمجد بهدوء: أمجد: زي ما سمعت يا شاهين. أنا جاي هنا علشان آخد أمانة ليا عندكوا. هتف به شاهين غاضبًا بحنق: شاهين: أمانة كيف؟ أمجد: حفيدي... هنا عندكوا. سألت عبير غاضبة بدهشة: عبير: كيف يعني؟
نظر شاهين لزوجته كيلا تتفوه بأي حرف وتصعد لغرفتها. فوضعت يدها على فمها حانقة وهي تلعن وتسب داخلها. رمقهم سليم بنظرة صارمة وتحدث بحدة وجمود: سليم: خلاص يا جماعة، كل واحد يتفضل على اللي كان بيعمله. أنا وياسر هنتصرف في الموضوع ده، متشغلوش بالكم بيه واصل. وكانت تلك الكلمات هي أمر واضح وصريح من سليم ليذهب الجميع وألا يتدخل أحد بينهم. وبالفعل انصرف الجميع أثر نظرات سليم الحذرة. أشار سليم لأمجد ناحية الحديقة:
سليم: اتفضل يا أمجد بيه، هنجعد بره. أومأ أمجد برأسه موافقًا وتقدم المسيرة. جلس الرجال على الطاولة الموجودة بالحديقة. فاعتذر له سليم عما بدر من أهل المنزل. ابتسم أمجد بود وأومأ له رأسه بهدوء: أمجد: مفيش حاجة يا ابني، هما عندهم حق. أخذ سليم يتحدث ويقص عليه ما حدث. وأمجد غير عابئ إلا بهذا الشبل الذي يشبه صديقه كثيراً. آه كم اشتاق له. فقد كانوا أكثر من الإخوة. امتلأت عين أمجد بالعبرات التي أبت أن تخرج.
دموع الفراق، الاشتياق، والحزن، والألم أيضاً. لاحظ ياسر شروده فسعل سعلة خفيفة كي ينبهه دون أن يحرجه. وبالفعل انتبه أمجد لحديث سليم الذي سرعان ما انتهى وقد فهم منه أمجد ما حدث تمامًا. فأردف بامتنان واضح: أمجد: أنا مش عارف أشكركم إزاي يا ابني. ولو ينفع كنت حابب أشكر مراتك بنفسي. لم يعرف سليم ما هذا الشعور بالنيران الذي اجتاحه فجأة. أهذه هي الغيرة؟ لالا، إنه رجل كبير. مما يغار؟
ولما قد يغار في الأساس وهي لا تحدث لديه فرقًا. سليم بهدوء: سليم: إن شاء الله يا أمجد بيه، بس هي حاليًا نايمة. سأل أمجد بقلق: أمجد: أخدتوها للدكتور يا ابني؟ صاحت سليم بغضب. لما يصر على إغضابه. حسنًا، اهدأ قليلاً. إنه فقط يطمئن، فهي من أنقذت حفيده. سليم باقتضاب: سليم: لا لسة. تمتم أمجد بفخر: أمجد: اسمح لي يا ابني يعني لو مش هتبقى فيها مشاكل، أنا مرات ابني دكتورة. يعني لو تيجي تشوفها علشان نتطمن.
وأحس إني حتى رديتلها جزء من جميلها عليا. تهللت أسارير وجهه فرحًا. فقد كان ما يغضبه إنه سيضطر لاصطحابها لدي طبيب ذكر. فهو يعلم جيدًا أن المستوصف الموجود بالقرية ليس لديه عدد كبير من الأطباء. أردف سليم بفرحة خفية لاحظها ياسر الذي يشاركه نفس التفكير والمعتقدات: سليم: ياريت. يعني لو مش هنتعبها. أردف أمجد فرحًا: أمجد: لا يا بني، لا هتتعبها ولا حاجة، دا شغلها. وبالفعل هاتف نورسين زوجة ابنه للحضور لمنزل الغرباوي.
الذي ظن أنه لن يدخله مرة أخرى. في غرفة مليكة. كانت قد استيقظت بالفعل على بكاء مراد القلق الجالس بجوارها. مراد باكياً: مراد: مامي... مامي. عمدت مليكة بكفها تمسح به وجنته الرقيقة وتبتسم له في وهن تطمئنه بأنها بخير. ابتسم هو ما إن رأى والدته قد فتحت عينيها وقبل رأسها يسألها بقلق: مراد: مامي، إنتِ كويسة؟ أردفت باسمة بوهن: مليكة: الحمد لله يا حبيبي، متخافش. دَلَفَت قمر إلى الغرفة ومعها أيهم.
ذلك الطفل الذي لمس شغاف قلبها من الوهلة الأولى. ابتسمت له في حبور بينما كان يبكي. تألم قلبها لرؤيته يبكي بهذه القوة. قمر: كفاية بكى عاد، أهي صاحية وزينة كمان، متقلقش. أردفت همس باسمة: همس: شفت مش قولنالك إن خالتي مليكة بقت زينة. أشارت مليكة له بالإقتراب باسمة في حبور: مليكة: تعالي يا حبيبي هنا. اقترب منها في هدوء وتردد. فعمدت مليكة بيدها لتمسح دموعه برقة بالغة: مليكة بهدوء: مليكة: بتعيط ليه؟ أردف باكياً
بتأنيب الضمير: الطفل: علشان... علشان أنا اللي خليتك تبقي تعبانة وتعيطي كده. أردفت هي باسمة: مليكة: يا حبيبي، أنا كويسة، متخافش. ثم تابعت باسمة: مليكة: قولي بقي إنت اسمك إيه؟ الطفل: أيهم. ابتسمت بعدما مسحت على شعره في حنو: مليكة: ماشاء الله، اسمك جميل زيك. تطلع لها أيهم ببراءة شديدة. وحاولت ابتسامة رقيقة أن تصل إلى شفتيه في هدوء. ثم سألها متوجسًا: أيهم: يعني إنتِ مش زعلانة مني؟ مليكة باسمة: مليكة: لا طبعًا يا حبيبي.
ربتت قمر على رأسه بحنو: قمر: بس متلعبش جنب البهايم تاني يا حبيبي. رأسه بحدة وتابع بخوف وكره: أيهم: أنا بكرههم أصلاً. ابتسمت قمر على فعلته وتمتمت باسمة: قمر: لا يا حبيبي، متقولش كده. إنت بس المرة الجاية تخلي بالك منهم، وهما مش هيعملولك حاجة. أومأ رأسه باسمًا بحبور بحركات وئية، حركة جفناه. أيهم: حاضر. بعد وقت قليل صعدت نورسين للأعلى ومعها وداد. أشرق وجه أيهم ما إن رأى والدته وركض إليها باشتياق: أيهم: مامي.
جثت على ركبتيها لمستواه واحتضنته هي بقوة وأخذت تقبله في هلع هاتفة به بقلق: نورسين: كده يا أيهم، تعمل كده في مامي. تمتم ببراءة شديدة: أيهم: يا ماما، أنا كنت عاوز ألعب معاها بس اتلعبكت (اتعكبلت) ضحكت مليكة بوهن وألم على كلماته. وكأن نورسين لاحظت وجود الناس حولها في تلك اللحظة. فنهضت بإحراج وتوجهت ناحية مليكة متمتمة بامتنان: نورسين: أنا مش عارفة أشكرك إزاي، إنتِ رديتيلي روحي. ابتسمت مليكة بهدوء:
مليكة: متقوليش حاجة، أيهم زي مراد بالظبط. وأنا معملتش حاجة والله، أي حد مكاني كان هيعمل كده. لم تعلم نورسين بماذا تشكرها، فاكتفت بنظرات الامتنان التي تشع من عينيها. نورسين: أنا دكتورة عظام، وبابا كلمني علشان أجي أشوفك. أردفت قمر باسمة: قمر: هو إنتِ مرات ولد عمي أمجد؟ نورسين باسمة: نورسين: آه. اضطربت مليكة قليلاً لدي سماعها الاسم، فهو يشبه اسم والدها. ولكنها رحبت بها باسمة.
طلبت قمر من أيهم وهمس ومراد الهبوط للأسفل واللعب سوياً حتى تتمكن نورسين من معاينة مليكة. قبل مراد والدته وهبط للأسفل في هدوء. ساعدا قمر ونورسين مليكة على الاضطجاع على بطنها وفحصتها نورسين برفق. نورسين: الحمد لله، مفيش حاجة خطر. أهم حاجة بس تستريحي في السرير أطول فترة ممكنة، ودول شوية مراهم مسكنة تحطيهم كل 4 ساعات، وبإذن الله تقومي بالسلامة. أردفت مليكة شاكرة إياها بشدة. فتابعت هي باسمة:
نورسين: على إيه، دا واجبي، واعتبريه جزء من ديني. ترك سليم الرجلان سويًا ولم يشعر بنفسه إلا وهو أمام غرفتها. طرق الباب بهدوء ثم دلف للداخل وتنحنح. قمر باسمة: قمر: اتفضل يا سليم. أومأ رأسه بهدوء. سليم بقلق: سليم: إيه الأخبار يا دكتورة، طمنيني. طمأنته نورسين على حالتها كثيرًا وأعطته نفس التعليمات التي أعطتها إياها منذ دقائق. أومأ لها سليم. وظهرت على وجهه شبح ابتسامة امتنان. سليم: شكراً.
خرجا قمر ونورسين وتركاهما بمفردهما. أما بالأسفل، فطلب أمجد من ياسر أن يوصله لحجرة الحاجة خيرية التي تهلل وجهها ما إن رأت ذلك العجوز الذي يذكرها بولدها الراحل. توجه ناحيتها مقبلاً يدها. فهتفت بحبور امتزجت به الدهشة: خيرية: أمجد!!! كيفك يا ولدي؟ أمجد باسماً: أمجد: الحمد لله يا أمة، إنتي كيفك؟ أردفت هي بهدوء: خيرية: أنا مليحة يا ولدي. طمنيني عنك، لقيت بتك عاد ولا لسه؟ أظلمت عينيه بأسى وعبست ملامحه: أمجد بأسى:
أمجد: لسة يا أمة، لسة. خيرية بثقة: خيرية: ربك هيعوضك فيهم يا ولدي. تلاقيهم وعن قريب، متقلقش، ربك كريم عاد. تنهد بعمق: أمجد: يارب يا أمة، يارب. عادت البسمة إلى ملامحه سريعًا حين تذكر سليم. أشار إلى الخارج بسعادة بالغة وهو يتمتم مستفسرًا: أمجد: سليم، سليم ده يبقى ولد زين؟ أومأت خيرية بفخر وسعادة: خيرية بفرحة: شبهه مش كده؟ أردف بألم: أمجد: نسخة طبق الأصل عنه يا أمة.
ثم تابع بأسى حزنًا لفقدان صديق عمره ورفيق دربه وطفولته. دلف أيهم للداخل باحثًا عن جده. برقت عيناها دهشة وسألت باسمة: خيرية: حفيدك يا أمجد؟ حمله أمجد بفخر وحب: أمجد: أيهم، ولد عاصم. خيرية: ماشاء الله ولا قوة إلا بالله، ربنا يحميه ويحفظه ويبارك لكم فيه. في غرفة مليكة. سليم بجمود: سليم: بقيتي أحسن؟ همست بخفوت: مليكة: الحمد لله. وفجأة دلفت عبير لغرفتهم تضرب مثل الأعاصير القمعية تمامًا صارخة بقهر:
عبير: ملقتيش إلا ولد الراوي اللي تلحجيه؟ ردي عليا، إنتِ عاوزة إيه بالظبط، هاه؟ قوللي، إنتِ مين مسلطك علينا؟ كانت مليكة مذهولة بما يحدث، فهي لا تعرف ماذا يحدث وماذا فعلت هي لكل ذلك. وما زاد دهشتها هو اسم الراوي، ولكنها ظنت أنه مجرد تشابه أسماء لا أكثر. وفجأة أفاقت من دهشتها على صوت سليم الهادر مثل الإعصار. التف لها بحدة وتحدث بصوت مرتفع للغاية حتى سرت رعدة بسيطة في أوصالها. سليم بغضب: سليم: عمتو!
فزعت مليكة للغاية من نبرته، بينما تابع هو بلهجته الصعيدية التي عشقتها هي حد النخاع. سليم بجمود: سليم: اللي حصل حصل، ومسمحش بأي شكل من الأشكال إنه أي حد، أي حد يتجرأ ويكلم مرتي بالطريقة دي، فاهماني؟ وقفت عبير مذهولة لا تكاد تعي ما يحدث حولها، تحدق به كالبلهاء تمامًا. أما مليكة، فارتعبت من نبرته حتى ارتعد جسدها الهزيل. ولكنها أيضًا أشْفَقَت على تلك المرأة كثيرًا. فهمت بالتحدث لإنقاذ الموقف.
ولكنها ابتلعت كل شيء وانكمشت على نفسها حين التف لها وبرقت عيناه رافعًا حاجبيه يطالعها بنظرة مخيفة وكأنه يخبرها: تحدثي إذا جرؤتي. سرت على إثرها القشعريرة في كامل جسدها. تابع سليم بنبرة أكثر حدة وارتفاعًا: سليم: مفهوم يا عمتي؟ أومأت هي برأسها وخرجت من الغرفة بذهول. أما مليكة، فقد كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن يفتك بها سليم. فهي لم تراه غاضبًا لتلك الدرجة. لقد شعرت بأدخنة تتصاعد من عينيه وأذنيه.
أو هكذا خيل لها. فتمتمت والكلمات تتعثر خوفًا على شفتيها: مليكة: ا... اااا... أنا... ازدردت ريقها في توتر بالغ وتابعت بسرعة واندفاع: مليكة: أنا آسفة لو كنت سببت أي مشاكل. للحظة فقط تأملها وهو يأخذ نفسًا عميقًا يخبره بنبرات غريبة عميقة لم تسمعها منه من قبل. مأخوذًا بمظهرها الطفولي. سليم: محصلش حاجة يا مليكة. كان سليم يلعن نفسه بداخله. أيها الأهوج، الأحمق. هل ستترك لها الفرصة كي تظن أنها استحوذت عليك؟ أو حتى على قلبك؟
ماذا ستفعل الآن؟ أ تتركها هكذا وترحل؟ أخذت تطالعه بنظرات غريبة لم يستطع تفسيرها. فصرخ قلبه وبشدة: آه من زرقاوتيكي. آه. ألم يخبروك مهجتي ووتيني أن في عيناكي حرب؟ وفي داخلي ألف قتيل. أما هي، فلم تنسَ تلك الفرحة الأسيرة التي عانقت روحها وتلك الفراشات الوردية التي انتشرت في ثنايا صدرها. ولكنه صدمها كالمعتاد وأنزلها من معانقتها للنجوم التي كانت تسبح بها على جذور عنقها لتصطدم بأرض الواقع.
بعدما نفض عن عقله سحر عينيها واستقام جزعه واقفًا يطالعها بجمود وتحدث بنبرات صارمة ممزوجة برعونة ساخرة كادت أن تقتلها: سليم: إنتِ أصلاً مبتعمليش أي حاجة غير المشاكل ولسة هنتكلم ونتحاسب، بس بعدين مش دلوقتي. خرج وتركها. غير عابئ بكم الألم الذي سببته كلماته. خرج ولم يعطها حتى فرصة الرد أو الدفاع عن نفسها. انهمرت الدموع من زرقاوتيها معلنة ألم قلبها الذي أصبح لا يحتمل. لما يفعل معها هكذا؟
أخذت تبكي بألم واضعة يدها على قلبها عساها تهدئ من هذا الألم الذي تشعر به قليلاً. ابتسمت بسخرية. ولما تبكي من الأساس؟ أليست هي القوية؟ نعم، ولكنها القوية التي دائمًا ما أتت الحياة على ابتسامتها الباكية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!