الفصل 39 | من 43 فصل

رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم منة الله مجدي

المشاهدات
20
كلمة
4,317
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

في قصر الغرباوي وصلا سليم وأمجد بعد بضع ساعات بالطائرة. بعدما أقنع مليكة أخيراً أن تأتي هي في صحبة عاصم وزوجته وطفليه. هو لم يخبرها السبب ولكنه يخاف. يخاف عليها كثيراً من عمته. هو لم يغفل عن محاولاتها في أذيتها التي لا يعرف سببها، لهذا قرر أن يتركها بضع أيام. دلفا سوياً لغرفة خيرية، وسليم يرجو الله أن تتحمل جدته ذلك الخبر. هو يعلم مدى قوتها وصمودها، ولكن خبر مثل ذلك يمكنه أن يؤدي بحياتها في غمضة عين.

تهللت أسارير خيرية بسعادة. خيرية: أهلاً بالغالي. كيفك يا أمجد؟ جاهد أمجد لرسم ابتسامة على شفتيه وأردف متمتماً في ألم. أمجد: أنا منيح يا ست الكل. انتِ كيف صحتك؟ أومأت برأسها باسمة. خيرية: زينة الحمد لله يا ولدي. طالعت حفيدها الذي يرمقها بنظرات لم تفهمها مشاكسة. خيرية: إيه يا سليم، عاد شكلك جاي غضبان؟ جاهد سليم ليرسم ابتسامة هادئة ما إن تذكر مليكة.

سليم: مليكة دي نسمة والله يا خوخة. لا يا ستي متقلقيش مش جاي غضبان ولا حاجة. جلسا سوياً وساد صمت خانق في الغرفة، بينما خيرية تطالعهما في توجس تنتظر أن يبدأ أحدهما الحديث. فبالتأكيد قدومهما سوياً ينبئ عن أمر ما. وهي ليست بالحمقاء، فمنذ دخولها تشعر بتوتر مشحون يسود الجو. حتى قاطعه سليم بصوته القوي. سليم: تيتا أنا عاوز أقولك حاجة. لم تعلم لما نشب القلق أظفاره في قلبها بتلك القوة، ولكنها أردفت باسمة.

خيرية: مبتجوليش يا تيتا إلا لو فيه مصيبة. قول يا ولدي. قص عليها سليم ما أخبره به أمجد بالحرف دون زيادة أو نقصان. برقت عينا خيرية بصدمة. وكيف لا وهي تسمع أن طفلتها، ابنتها الوحيدة، قد تعدت ما يفعله المجرمون. قد تركت ابنتها دون أي ذرة رحمة. تركتها لمجرد أنها لم تعجبها. ضحكت بسخرية امتزجت بالقهر. نعم، هي أم تركت طفلتها لأنها لم تعجبها. وكأنها دمية. قطعة ملابس تستطيع تبديلها إن أرادت. تستطيع التخلي عنها متى شائت.

العار وكل العار على تلك الأم. كيف تمكنت بعدمها حملتها في بطنها تسعة أشهر. زُرعت فيها جوار قلبها. استمعت لدقات قلبها. لعبت معها. تحملت بسببها الكثير والكثير. كيف لها بعد كل ذلك أن تتركها هكذا. دلف ياسر ومهران في تلك اللحظة بعدما علما وجود أمجد وسليم. طالعته خيرية بنظرات تقطر ألماً، خذلاناً وانكساراً. فسأل هو مطأطأً رأسه. مهران: عرفتي؟! أردفت هي بعدما ضحكت بسخرية. خيرية: عرفت. أه عرفت. أزاحت أغطية فراشها ونهضت غاضبة.

فأمسكها سليم بيده يتوسلها في هدوء. سليم: لا يا تيتا علشان فاطمة. على الأقل مش دلوقتي. مذنبهاش حاجة. تمتم ياسر بخفوت. ياسر: بكرة فاطمة عندها جامعة بدري. نوبتي نتحدت وهي في جامعتها ونشوف هنعمل إيه. خرج الجميع، بينما بقي سليم وياسر مع جدتهما. ربت سليم على يدها في حنو بالغ. سليم: أنا خابر إن الموضوع واعر عليكي. ومش عليكي انتِ بس، ديه علينا كلاتنا. بس إحنا لازم نوبتي جامدين علشان فاطمة. ملهاش أي ذنب.

أومأت برأسها في وجوم ثم تمتمت في هدوء. خيرية: هملوني لحالي يا ولاد. هم ياسر بالحديث مهدئاً إياها، فربت سليم على كتفه وأخذه وخرجا سوياً. تمتم ياسر بقلق. ياسر: أنا جلقان على ستك جوي يا سليم. هي أه قوية وياما شالت، بس المرة ديه واعر جوي جوي. أومأ سليم برأسه بعدما تنهد بعمق متمتماً بأسى. سليم: أنا عارف. بس المرة دي لازم ستك هي اللي تجرر. المرة دي المصيبة شينة جوي. تمتم ياسر في وجوم. ياسر: ربك يسترها.

صعد ياسر لغرفته، بينما توجه سليم للخارج محدثاً مليكة كي يطمئن عليها هي ومراد. اطمأن عليهما وطمأنها، وحدث مراد وظل يتحدث لبضع دقائق مع مليكة، بعدها أغلق هاتفه متنهداً بعمق. نعم، لم تمر إلا بضع ساعات وها هو يفتقدها. نعم، اشتاق لكرزتيها وجنتيها، تلك البحة المميزة بصوتها، فيروزتيها، رائحتها. اشتاق لرؤيتها.

لم يكذب القلب حينما قال أنه يمكننا امتلاك كافة وسائل الاتصال في العالم، إلا أن لا شيء يا صغيري، لا شيء أبداً يعادل نظرة الإنسان. ************************* في صباح اليوم التالي. قصر الغرباوي. خرجت خيرية لصحن القصر، خلفها مهران بجوارها سليم وياسر. أجلساها الشابان على المقعد الكبير. بينما ذهب مهران لاستدعاء شقيقته وزوجها، وحضرا وداد وقمر. جاءت عبير تسأل مضطربة، تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية.

عبير: في إيه يا أماي عاد. خير مجمعنا كلياتنا إكده ليه؟ رمقتها خيرية بشزر امتزج بالقهر ولم تعقب. حضر أمجد بعد قليل. أردفت خيرية بوجوم. خيرية: إكده الكل هنيه. اسمعوني زين. أمجد ولدي ليه أمانة عندنا ولازم نردها. تمتم شاهين بنزق. شاهين: أمانة إيه اللي ليه عندنا يا حاجة؟ تمتمت خيرية بثبات. خيرية: بتُه. تنفست عبير الصعداء، فهي قد ظنت أن المقصودة هي مليكة. شاهين: وابننا اللي عندهم. أكيد مش هنسيب لهم مراد يربوه.

هم ياسر بالاعتراض، فأشار له سليم. سليم: لا يا عمي الحجيجة ستي مش قصدها مليكة. هنا وقع قلب عبير في أخمص قدميها. اربد وجهها وتعالى رجيفها هلعاً. تري إن انكشف سرها. نهضت خيرية بثبات تتلائم خطواتها مع طرقات عصاها على الأرض في وقار وشموخ، على الرغم مما تشعر به من ألم تلك الأم، ولكن الحق حق، هذا ما نشأت عليه. توجهت ناحية ابنتها ووقفت أمامها تطالعها بقهر. متمتمة بحرد.

خيرية: تفتكري يا عبير لو كنت سبتك في الشارع بعد ما ولدتك علشان انتِ ما عجبتينيش كان إيه حصله؟ ازدردت عبير ريقها، بينما شحب وجهها وانهمرت قطرات العرق على جبينها هلعاً. وجالت ببصرها في وجه أمها تحاول جاهدة أن تستشفي ماذا تعني. ضربت خيرية على بطنها في قهر وحسرة. وااااه يا جلبي على البطن اللي شالتك وجابتك. وااااه. ثم أردفت بثبات بعدما أظلمت عيناها بقهر وارتسم الألم جلي تماماً على محياها. فاطمة بتك أمجد الراوي.

صرخ شاهين بحرد وهو يطالع خيرية بذهول. شاهين: إيه الحديث الماسخ اللي بتجولوه ديه؟ تمتم مهران بألم بعدما أخفض رأسه أرضاً. مهران: الحاجة كلامها صح يا شاهين. فاطمة. فاطمة مش بتك. صرخ بعدم اقتناع. شاهين: وأنا عويل عاد علشان أصدج الحديث الماسخ اللي بتجولوه ديه. فاطمة بتي. بتي أنا من صلبي أنا ومش بت حد تاني واصل. جال ببصره ناحية الجميع، فوجدهم يطأطئون رؤوسهم بأسى. أخبره قلبه بالبحث عن إجابته في وجه زوجته.

محبوبته عبير التي سرعان ما زاغت ببصرها بعيداً عنه. تهالك شاهين على المقعد بألم. فعلى الرغم من كل طباعه السيئة، إلا أن فاطمة طفلته المدللة. يعشقها أكثر من روحه حتى. كيف له أن يصدق أنها ليست طفلته. كيف له أن ينسى تلك الأيام التي سهر بجوارها من أجل الحمى. تلك الأيام التي أطعمها بيده. كيف له أن ينسى تعليمها ركوب الخيل. كيف له أن يصدق تلك التراهات. بأن تلك الفتاة التي ترعرعت على يديه وبين أحضانه ليست طفلته.

نهض من مقعده مترنحاً يصرخ غاضباً كالخيل الجريح يسير بكبرياء. شاهين: وأنا إيه اللي يخليني أصدج اللي بتجولوه ديه. ما يمكن أي كلام. أردف سليم متألماً لحالته. سليم: عملنا تحليل DNA يا عمي. صرخ شاهين بألم. شاهين: لع فاطمة بتي أنا وهتفضل طول عمرها بتي. محدش هياخدها مني أبداً. لتكونوا فاكرين عاد إني هسيبهالكوا. خبط بيده أعلى الطاولة التي يجلس أمامها هاتفاً بحرد. بتبجح بتحلموا. أني يستحيل أهمل بنيتي لأي حد تاني.

نهض أمجد بهدوء. هو يعلم شعوره. يعلم كيف يشعر أب تُنتزع منه طفلته. أمجد: أنا خابر زين إنك لو بتكره حاجة في الدنيا كلها هتكون أنا. وأنا مجدرش أنكر إن فاطمة بتكون بتك قبل ما تكون بتي يا شاهين. ومش هاجي أنا آخدها منك. أنا خابر زين إنت حاسس بإيه دلوقتي. ولو جولتلك إني أكتر واحد ممكن أحس بيك مش هكون بكذب عليك.

بس برضوا أنا رايدك تحس بيا. أنا أب اتخدت ابنه وفهموه إنها ماتت من زمان وييجي دلوقتي يعرف إنها عايشة وإنه اتحرم منها كل الزمن ده. صرخ به شاهين الذي أوشك على البكاء حقيقة. شاهين: دي بتي يا عالم. كيف عاوزيني أسيبها؟

دي بتي أنا. أني اللي ربيت وكبرت وسهرت. أني اللي حبيت. أني اللي جالتلي بابا أول مرة. أنا اللي كنت جنبها لما وجعت أول مرة من على الفرس. أنا اللي وصلتها أول يوم على المدرسة. كيف رايديني أنسي كل ده وأمسحه بإستيكة. لع ابجوا موتوني الأول وبعدها خدوا مني بتي. كل ذلك وعبير جاثية على ركبتيها تبكي بصمت. تركه شاهين واتجه لعبير كأنه لاحظها الآن فقط. كأنه نسي وجودها. رفعها من الأرض ممسكاً بعضدها هاتفاً بها بحرد.

شاهين: أنا عملت فيكي إيه علشان تعملي فيا كده. عملت فيكي إيه علشان تدي بتي لحد تاني يربيها. انطقي عملت فيكي إيه. كيف فكرتي بكل جبروت واجتدار إنك تعملي كده. أنا طول عمري بحبك وبعملك كل اللي انتِ عاوزاه. يشهد ربنا إني عمري ما بيتك مجهورة ولا حزينة. عملتلك إيه ردي عليا. لم يشعر بيده إلا وهي تمتد لتصفع وجنتها لأول مرة في حياته. لأول مرة منذ زواجهما. صرخت به عبير بعدما أظلمت عيناها غضباً وتابعت بهستيرية.

عبير: أيوه أنا أخدت بتك. بدلتها علشان البت اللي جبتها كانت متخلفة. أيوه. أقولك على حاجة كمان. أنا اللي بعت لبته التانية مليكة واحد يقتلها في مصر. تقهقر شاهين للوراء يطالعها بذهول، بينما برقت عينا أمجد بهلع مما تتفوه به تلك المرأة. بينما ارتسمت ملامح القهر والغضب والألم على الباقين. فتابعت ضاحكة بانتصار. عبير: وأنا اللي جبتلها حد يقتلها هنا كمان بس نفدت. تابعت بقهر بعدما أظلمت عيناها غلاً وهي تتطلع ناحية أمجد.

عبير: أنا عملت كل حاجة علشان أحرج جلبك على بتك يا أمجد يا راوي زي ما حرقت قلبي. ولو في إيدي أي حاجة أعملها هعملها. بس أنا معرفتش إن فاطمة كانت بتك انت غير لما جيت البلد. ضحكت بوجوم. عبير: مكنتش المقصود يا أمجد يا را. لم تكد تنهي كلماتها حتى شعرت بيد والدتها تصفع وجنتيها صفعة هادرة سمعت على إثرها طنين في أذنيها بعدما سقطت أرضاً جاثية على ركبتيها. أمسكت وجنتها بألم، بينما هتفت خيرية بحسرة.

خيرية: وااااه يا حسرة قلبي. يا حسرة قلبي على بتي وتربيتي. يا حسرة قلب أبوكي عليكي. وااااه الضربة جأت واعر جوي. يا خسارة تربية إخواتك يا حسرة جلب أبوكي وزين. عارفة يا عبير انتِ بعملتك دي جتلتي مية مرة. انتِ عملتي فيا اللي معملهوش موت حبيب الجلب. إنتي جتلتي يا عبير. ذنبها إيه حتت اللحمة الحمراء دي إنك ترميها علشان ما عجبتكيش. مخفتيش تجعي في يد ناس مبيرحموش. مخوفتيش من رب العباد لما يسألك يوم الحساب عنها.

وهي لما تقف يوم القيامة وتجولك عملتي فيا كده ليه يا أمي هُنت عليكي ليه يا أمي. هتجوليلها إيه. لما تجول لربنا اللي مبيرضاش بالظلم واصل أمي رمتني علشان ما عجبتنيش بدل ما تقف وتدافع عني وتاخدني في حضنها هتجوليله إيه يا عبير. أخفضت عبير بصرها أرضاً ودموعها تنهمر بشدة على ما اقترفت يداها. ولكن اليوم يوم الحساب. يوم لا ينفع ندم أو بكاء.

تنهدت خيرية بألم ومن ثم خبطت على الأرض بحزم بعصاتها ناظرة أمامها متمتمة بحدة أخفت بها ذلك الألم الفتاك الذي يعتصر قلبها. نعم، وكيف لا وهي على أعتاب إعلان وفاة ابنتها الوحيدة وهي لا تزال بجوارها. آه وألف آه على قلب أم يتمزق وعقل سوي يرفض الانصياع. خيرية: اليوم بيت الغرباوية يتعمل فيه عزاء. عبير. اليوم النجف كله يعرف إن بتي ماتت. وانتِ امشي من البيت خلاص ملكيش قعاد إهنية تاني. وقبل ما فاطمة ترجع من جامعتها.

خرت أرضاً مرة أخرى شاهقة بألم جاثية عند قدمي والدتها ترجوها. تستعطف فيها قلب الأم. عبير: وااااه يا أماي واااااه. لع أبوس على جدك متعمليش فيا كده. أنا مليش غيرك. أهون عليكي تهمليني كده. أردفت خيرية بجمود أكبر امتزج بقهر أم على فساد ابنتها. خيرية: أبه لساتك بتسألي. أيوه هتهوني زي ما بتك هانت عليكي في يوم. تركتها عبير ونهضت واقفة على قدميها راكضة ناحية شقيقها.

عبير: مهران. يا خوي متهملنيش. دا أنا خيتك. لحمك ودمك هتسيبني لمين. نفض مهران يده التي تمسكها. متمتماً بثبات متجاهلاً ستار العبرات الذي تكون بعينيه وذلك الألم الذي يعتري قلبه. يكاد يفتك به ألماً على الحالة التي وصلت إليها شقيقته. هي لم تكن شقيقته فقط. بل ابنته. طفلته. مدللته التي سهر على تربيتها بعد وفاة والدهم كأنها قطعة منه.

مهران: والله ما عارف أقولك إيه. أقول يا خسارة عمري ولا تربيتي. ولا خسارة القيم والمبادئ اللي اتربينا عليها. عارفة النهاردة بس اكتشفت إن الغرباوية كلهم كان عندهم حق لما قالولي متعلمهاش. عيارها هيفلت. يا خسارة الوجعة اللي وجعتها قدام الكل. يا خسارة ثقتي فيكي اللي راحت يا عبير. خلاص. خيتي ماتت. التفتت خيرية ناحية سليم وياسر وتمتمت بوجوم. خيرية: هموا دخلوني لأوضتي. انتفضا ياسر وسليم يدخلا جدتهما الغرفة.

وضعها سليم في الفراش بينما دثرها ياسر بالغطاء. طابعاً قبلة حانية على جبهتها. ياسر: نامي دلوقتي يا حبيبتي وشوية وهبعتلك أمة تجيبلك الأكل. أومأت برأسها في وهن فانصرفا ياسر وسليم. ***************************** في الصعيد. أمام كلية الطب البيطري. وقف حسام ينتظرها أمام الكلية كعادته في الأيام الماضية. خرجت من جامعتها فشاهدته. واقفاً في كسل يتكأ على الغطاء الأمامي لسيارته عاقداً ذراعيه يطالع نقطة ما في الأرض.

ارتفع وجيفها بهيام. ولكنها سرعان ما رسمت ذلك الوجه الغاضب على أساريرها واتجهت إليه غاضبة العاصفة. تسأله في حرد. فاطمة: إنت إيه اللي جايبك إهنية دلوقتي؟ أرخي كتفاه بهدوء باسماً. حسام: أولاً مينفعش أسيبك تقفي لوحدك مادام سواقك بيتأخر. انتفخت أوداجه غضباً وتابع بحرد. علشان مفيش حيوان تاني زي اللي اسمه زفت ده يجرب منك. تسللت ابتسامة هادئة لثغرها حاولت جاهدة أن تخفيها وبالفعل نجحت وبجدارة وهي تصيح فيه غاضبة.

فاطمة: اللي انت بتعمله ده مينفعش عاد. أفرض لو حد شافنا هيجول عني إيه. أردف حسام بهدوء وحرك كتفيه بلا مبالاة. حسام: أنا ميهمنيش حد. هيجولوا راجل وخطيبته. ثم اقترب منها على حين غرة. وتمتم ببحته التي تسلب أنفاسها ولبها. أنا مبحبش حب العاجزين ده يا فاطمة. أنا بحب حب الخطف والسرجة والعنف. رايدك. هتكوني ليا غصباً عن كل الناس. طالما انتِ كمان رايداني. **************************** في قصر عاصم الراوي.

تأكدت نورسين من ظنونها تماماً. اعتري قلبها الصغير فرحة عارمة. نعم، هي الآن تحمل ثمرة حبهما في بطنها. مسحت على بطنها بسعادة. كم كانت تتمنى ذلك الصغير. ولكن أ تخبر عاصم الآن. أم تنتظر حتى تحل مشكلة شقيقته. مسحت على بطنها بحنان وهي تدعو الله أن يكون مجيء طفلها بداية الخيرات على تلك العائلة. **************************** في قصر الغرباوية.

وقف أمجد يحدث مهران ويطلب منه أن يؤمن لشقيقته منزلاً آخر فليس من الصواب تركها دون مأوى. يعرف أنها أخطأت ولكن تلك نيران الحقد والكره. وبالفعل سانده سليم مؤيداً حديثه فهي في الأول والأخير سليلة عائلة الغرباوي. عمته التي طالما اعتبرته طفلها. هو حتى الآن لا يتخيل ما قالته. لا يستطيع تصديق حديثها حتى. تذكر كم راعته حينما كان صغيراً. كم اهتمت لشأنه. كم مرة أطعمته ودللته.

حتى الآن لا يستطع تخيل فكرة أن تكون هذه المرأة الحنونة هي تلك الحاقدة التي كانت تتحدث بالداخل. *************************** عادت فاطمة إلى المنزل تكاد تطير فرحاً بسبب ذلك الحسام. تدعو الله من كل قلبها أن يجمعهما سوياً ويجعله نصيبها. شاهدت أمجد يجلس مع والدها ومعهما عمها مهران وسليم وياسر. شعرت بقلبها يحلق فرحاً فقد ظنت أن عمها أمجد قد أتى ليطلبها لابن أخيه. دلت تمشي على استحياء ووجيفها يتعالى بسعادة.

رفع شاهين رأسه ما إن سمع همس تركض ناحيتها. بحماس تسأله عن الحلوى التي تحضرها لها كل يوم. ولكنه سرعان ما أخفض رأسه مرة أخرى بأسى. جاءها صوت عمها مهران يدعوها بألم. مهران: فاطمة. حمد لله على سلامتك يا بتي. تعالي أنا عاوزك. أومأت برأسها باسمة وهي تتقدم نحوهم في هدوء يسبقها قلبها. فالآن سترى كما شاهدت في الأفلام.

سيسألها والدها إن كانت موافقة أم لا وهي ستهز رأسها بخجل متمتمة تلك العبارة التي تضم بين طياتها الموافقة "اللي تشوفه يا بابا". أشار مهران على المقعد بجواره باسماً لها في حبور. فجلست هي في هدوء. تمتم مهران بعبارات مثقلة تقطر قهراً وألماً. مهران: فاطمة يا بتي انتِ طول عمرك بتنا الوحيدة ودلوعة عيلتنا اللي ملناش غيرها واصل.

انكمشت ملامحها بينما شعرت بألم غريب في معدتها إثر كلمات عنها ونظرات والدها الغريبة التي اخترقت قلبها. لما نظراته حزينة لتلك الدرجة. أليس هو دائماً من يقول لها متى سأراكي عروس. لما هو يتألم الآن. اشتدمت ذراعاها تضم كتبها أكثر وكأنها تحتمي بها. حتى سمعت مهران يتمتم في ألم بينما لمحت بعض الدموع تنفطر من عيني والدها. مهران: فاطمة يا بتي في حاجة لازم تعرفيها.

أومأت برأسها في خفوت ورجيفها يزداد ارتفاعاً مع كل نفس وبصرها الزائغ متعلق بملامح الجميع. هتف مهران بألم وهو يحاول جاهداً أن يغض الطرف عن أعين أمجد القلقة وأعين شاهين التي ينبعث منها ألم إذا وزع على أهل الأرض بأكملها لفاض. مهران: انتِ بت أمجد يا فاطمة. جحظت عيناها بينما شعرت بأن كل شيء قد توقف. الوقت. الصوت. وحتى الحياة. شعرت باختفاء الجميع عداها هي ووالدها. كيف عسى عمها أن يخبرها بكل هذا الهدوء أنها ليست طفلة شاهين.

كيف يمكنهم محو تلك السنوات من أعمارها. كيف وهو والدها وصديقها وشقيقها وكل شيء. كيف يمكنهم التفوه بتلك التراهات. سقطت الكتب من يداها فانتفض جسد شاهين الذي تمنى في ذلك الوقت أن يضم طفلته لذراعيه ويخطفها بعيداً عن أولئك البشر. بعيداً عن تراهاتهم التي لا تعنيه مطلقاً. يمكنهم أن يفعلوا ما يفعلوا أو يقولوا ما يقولوا ولكن فاطمة ستظل طفلته لأبد الآبدين. شعرت بستار من العبرات يحجب عنها رؤيتها ولكنها أبت ألا تظهره.

فهتفت تصرخ به بوجيعة. وجيعة طفلة فقدت والدها. فاطمة: يعني إيه. وإيه الحديث اللي بتجوله ده. طالعها مهران بألم بينما أردف وهو يتمنى أن تقبض روحه قبل أن يردف بتلك الكلمات. شاهين: هي دي الحقيقة يا بتي. تابع ياسر بتمهل. ياسر: فاطمة عمي أمجد يكون أبوكي مش عمي شاهين. صرخت فاطمة بهم بضياع. فاطمة: إيه الحديث الماسخ ده. نهضت تجلس جوار والدها المطأطأ رأسه في ألم تصرخ به بوجيعة.

فاطمة: بابا ما تتكلم انت ساكت ليه. رد عليهم وجولهم إن الحديث ده مش صح. إني بتك انت وبس. إني أبقى فاطمة شاهين الغرباوي ومش بت حد تاني. شهقت باكية. وهنا ألقى شاهين بوقاره لأول مرة وهو يضم طفلته إلى صدره بينما اختلطت دموعهما سوياً. يحتوي انتفاضة جسدها بيداه يود لو يأخذها ويهرب بعيداً عن أولئك الناس. ازدادت شهقات فاطمة وانتحابها بقوة حينما شعرت بوالدها بجوارها.

امتلأت أعين الجميع بالدموع وهم يطالعوهما بأسى حتى سمعوا صوت شاهين يصرخ بهم بوجيعة وهو يضم طفلته بين ذراعيه يحتويها بعباءته. شاهين: هملونا لحالنا بجي. متحرمونيش منها. التفت ناحية أمجد وهو يرجوه.

شاهين: خد كل حاجة يا أمجد. خد كل حاجة وسيبلي بتي. انت ربنا كرمك ولجيت بتك بعد ما كنت فاكر إنها مش موجودة وربنا يباركلك في ولدك عاصم وأحفادك. إنما أنا معنديش في الدنيا كلها غير فاطمة بتي. هملهالي يا أمجد دي هي الهوا اللي بتنفسه. انكمشت فاطمة أكثر بين ذراعي والدها وهي تبكي بألم على ما آلت إليه حياتها. ولكنها فجأة اعتدلت برأسها وهي تسأل. فاطمة: حد يفهمني. وهنا تمتم أمجد بثبات محاولاً توضيح الرؤية أمامها.

أمجد: بصي يا بتي حصل تبديل في المستشفى لأن والدتك ونورهان مرتي ولدوا في نفس اليوم.

واللي جالتلي كده الممرضة وروحت عملنا تحليل DNA واتأكدنا. رايدة تشوفيه أو حتى نعمل واحد جديد اللي انتِ رايداه أنا تحت أمرك. المهم إنك تعرفي يا حبيبتي إن محدش فينا كان له ذنب في أي حاجة. الغلط كان في المستشفى وأنا لسه عارف لما كانت مرات ابني بتعمل عملية الممرضة لما شافتها حكتلها على كل حاجة ووجدتها. بس إحنا عرفنا وجينا نتأكد الأول قبل ما نجولك أي حاجة. صرخت بهم فاطمة بغير إدراك.

فاطمة: يعني إيه. يعني أنا مش بنت شاهين الغرباوي. أمي. فين ماما. أنا عاوزة ماما. أردف سليم بهدوء. سليم: عمتي مجدرتش تستحمل الخبر يا فاطمة. كان واعر جوي فسفرناها من شوية. سألت فاطمة بقهر. فاطمة: من غير ما تشوفني. صمت الرجال بينما أخفضوا رؤوسهم في ألم على حالة تلك المسكينة. ربت سليم على يدها بحنو. سليم: اعذريها يا فاطمة. أنا لو كنت سبتها هنا هباب كمان كان جرالها حاجة من كتر الصدمة. تركتهم وركضت لجدتها. نعم. هي ملاذها.

ما إن فتحت الباب حتى وجدتها جالسة تفتح لها ذراعيها كالأيام الخوالي تماماً. ارتمت بين ذراعيها تبكي وتنتحب وهي لا تكاد تعي ما يحدث. كيف يمكنها أن تتقبل تلك التراهات التي يتفوه بها والدها. كيف يمكنها تصديق أنها ليست غرباوية. أن الدم الذي يسير بعروقها ليس دماء الغرباوية. أن ذلك الرجل الذي ربانا وأحبها. الذي تعتبره حياتها بأكملها ليس هو والدها. ومليكة. مليكة تلك الفتاة التي طالما خططت للتخلص منها شقيقتها. وحتى حسام.

شعرت بقبضة الشك تعتصر قلبها حتى أدمته. أ لهذا وقع في غرامها. أ لهذا خرق ذلك العرف الذي اتُفق عليه دون مواثيق بألا يقع أحد من الغرباوية في حب أحد من عائلة الراوي. أ لهذا كان يخدعها. أم لهذا السبب وقع في حبها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...