وصل عاصم وزوجته ومعها شقيقته والأطفال. فتوجه هو وشقيقته ومراد لمنزل الغرباوية بعدما أوصلوا نورسين وطفليها لمنزل الراوية. قابله ياسر مُرحباً بهم بعدما أخبرهم بأن سليم ذهب لأمر ما. سألت مليكة بإشفاق: "فاطمة.... فاطمة عرفت؟ أومأ ياسر برأسه. أسفelta سوياً للداخل فوجدوا الرجال جالسون في صحن القصر. إحتضن أمجد طفلته بينما رحب مهران بعاصم. طالعت مليكة ذاك الرجل المطأطأ رأسه منزوياً في ركن بعيد عن الجميع
بإشفاق وتمتمت تسأل في أسى: "فين فاطمة؟ جاءت قمر تتمتم في ألم دامعة: "فاطمة فوق يا مليكة." تركت هي مراد مع والده وجده وصعدت مع قمر. طرقت الباب في خفوت حتى سمعت فاطمة تتمتم بنبرة مختنقة إثر بكائها: "هملوني لحالي." فتحت مليكة الباب في خفوت ودلفت في هدوء. جلست بجوارها على الفراش بينما هي دارت برأسها لترى من القادم. لم تشعر مليكة لما شعرت بكل ذلك الألم يعتصر قلبها لرؤيتها على تلك الحالة.
أين هي فاطمة تلك الفتاة المرحة المشاكسة؟ هي لم تعتد منها على ذلك الصمت. الألم والخزي. وضعت يدها على كتف فاطمة متمتمة بحبور:
"أنا مش هقولك أنا حاسة بيكي، بس هقولك أنا فاهمة إنتِ حاسة بإيه. عارفة إنك تايهة وتعبانة ومتلخبطة. حاسة إنك ضايعة وملكيش هوية. عارفة يا فاطمة لما تاليا ماتت حسيت إن حياتي كلها وقفت. هي أصلها مكانتش أختي بس لا، دي كانت كل حاجة. صاحبتي وبنتي وأختي وكل حاجة. ساعتها قولت أنا أكيد عملت حاجة وحشة أوي علشان كدة ربنا بيعاقبني. بس مكنتش أعرف إنه بيحبني أوي لدرجة إنه بعتلي أخت تانية. أخت تعوضني عن تاليا. أنا عاوزاكي تعرفي إنك هتفضلي طول عمرك بنت شاهين الغرباوي. محدش يقدر ينكر ده. محدش يقدر يمسح سنين عمرك معاه. لكن برضوا أمجد الراوي محتاجك."
إنخرطت فاطمة في البكاء فاحتضنتها مليكة بقوة. حتى شعرت فاطمة أيضاً تتشبث بها وهي تنتحب بألم. ظلت مليكة تضمها مربتة على رأسها بحنان وتركت لها العنان حتى أخرجت ما بداخلها بالكامل. وبعد ما يقرب من ساعتين بكاء وفاطمة تشعر بالضياع. وما زاد شعورها هو رحيل والدتها. هي تحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى. أردفت مليكة مشاكسة: "أنا لو منك أفرح حد يطول يبقى أبوه شاهين الغرباوي وأمجد الراوي. أنا لو منك أستغلهم بقي أسوء استغلال."
ابتسمت فاطمة بوهن بين دموعها فأردفت مليكة بحبور: "كله هيعدي وإحنا سوا. خليكي دايماً عارفة كده." كانت تلك الكلمات كفيلة لجعلها تزداد في بكائها بقوة أكبر. فاحتضنتها مليكة مرة أخرى سامحة لها بإغراق ثيابها دموعاً عساها تخفف تلك النيران المستعرة في قلبها. حتى شعرت مليكة بسكونها قليلاً فأبعدتها برفق وهي تتمتم باسمة بحبور:
"بصي يا حبيبتي قومي دلوقتي اتوضي وصلي ركعتين لله بأي نية تحبيها واشكيله كل حاجة واطلبي مساعدته. أقولك حتى متتكلميش عيطي بس وهو كفيل والله إنه يحللك كل حاجة." عمدت بأصابعها تجفف دموع شقيقتها وهي تستحثها على الابتسام. حتى سمعا طرقاً على الباب أعقبه فتحه بخفة ومن ثم أدخلت قمر رأسها متمتمة في حرد: "أه أحضان وكلام زين للست مليكة إنما جمر للبكاء بس." ضحكت مليكة وهي تخرج لسانها لقمر: "اه وملكيش إنت صالح واصل."
برقت عينا الاثنتين وقمر تتقدم في تمهل حتى جلست بجوارهما على الفراش. تنقل الفتاتان بصرهما بين مليكة وبين بعضهما في دهشة. حتى سمعا مليكة تضحك على مظهرهما وهي ترفع رأسها في إباء: "واااه وااه لهو إنتوا متعرفوش ولا إيه؟ أنا أصلي صعيدي أباً عن جد." ضحكت قمر بينما احتضنت هي فاطمة بحبور حينما شعرت بأنها على وشك البكاء مرة أخرى. همت قمر بالحديث فتمتمت مليكة بحزم وهي تربت على رأس شقيقتها:
"إحنا هننزل دلوقتي يا طمطم وإنت روحي صلي يا حبيبتي ونامي شوية وأنا شوية وهاجي أصحيكي." خرجت الفتاتان بعدما أومأت فاطمة برأسها وطبعت مليكة قبلة على جبهتها في حنو. تمتمت قمر بتوجس: "عمي أمجد كان عاوز فاطمة شوية." أجابت مليكة بحبور: "مش دلوقتي سيبيها دلوقتي تصلي الأول وتهدي علشان تكون فكرت على مهلها ومتبوظش الدنيا لأنها لسة تايهة." إنكمشت ملامح قمر بأسى بعدما مطت شفتيها للأمام بإشفاق: "مش سهل واصل."
أومأت مليكة برأسها وهي تدعو الله بداخلها أن يمر كل شيء على خير. توجهت قمر لطفليها بينما توجهت مليكة لغرفتها كي تطمئن على مراد. طرق الباب بسرعة وهو يستعد لملء عيناه منها. سمع صوتها تتمتم في هدوء بينما هي منكبة على إفراغ حقيبتها: "ادخلي يا قمر." ابتسم وهو يدرك اعتقادها بأنه قمر فانتهز الفرصة وزحف خلفها ببطء يتحرك برشاقة حتى أصبح خلفها تماماً. انحنى بجذعه حتى ضربت أنفاسه عنقها لتستدير هي بسرعة تطالعه في صدمة.
وقبل أن تفتح فمها للاعتراض كانت شفتاه أسرع في الإطباق على شفتاها، ناهلاً من نبعها. حاولت دفعه ببطء ولكنه أحكم الإمساك بها وبدأ في الغوص لأعماق روحها دافعاً إياها للخزانة. ابتعد عنها بعدما شعر بحاجتها للهواء مستنداً بجبينه على رأسها وهو يلهث بسرعة. أنفاسه الحارقة تلتهم صفيحة وجهها هامساً بها برقة أذابتها: "وحشتيني." دفعته عنها برقة وهي تؤنبه: "إزاي تعمل كده؟ هما افرض حد شافنا دلوقتي هيبقي إيه شكلي؟ ضحك بخفوت:
"وإيه يعني ما يشوفونا يا روحي." تجعدت أنفها بإزعاج وهتفت به حانقة: "ده وقته يعني." مط شفتاه مفكراً وهو يطالعها بنظرات ماكرة كأنه يفكر: "إنتِ عندك حق، ده حتى عيب عليا." تنفست الصعداء وهي تتمتم بهدوء: "شوفت بقى." ضحكات شريرة مجلجلة خرجت من شفتاه وهي تطالعه بذهول ليقتنص بعدها شفتاها في حبور. حاولت دفعه عنها بآخر ما تبقى لها من مقاومة، قبل أن يخفق قلبها المحموم ويعلن شوقه لمحبوبها.
قبل أن تندثر آخر اعتراضاتها في جنح الحب. في الصباح. خرجت مليكة من غرفتها فوجدت والدها وسليم يقفان عند بداية الدرج. تقدمت ناحيتهما تلقي على والدها تحية الصباح. فردها باسماً: "فاطمة عاملة إيه يا حبيبتي؟ أنا عاوز أدخلها." تمتمت مليكة بإشفاق: "الموضوع صعب عليها أوي يا بابا علشان كده ادوها وقتها. وعمو متقلقش، أنا هدخلها دلوقتي وإن شاء الله خير. إنتوا بس خليكوا جنب تيتا خيرية وجنب عمو شاهين متسيبوهمش."
أومأ الاثنان برأسيهما في هدوء. بينما برقت عينا سليم ببريق امتزج بين الفخر والحب. كم أن طفلته مراعية. كم هي صافية وودودة. فبعد كل تلك الإهانات والنزاعات التي حدثت بينها وبين شاهين تشفق عليه لهذه الدرجة. تركتهما وتوجهت لغرفة فاطمة في إشفاق. طرقت الباب في هدوء حتى جائها صوت فاطمة الباكي من الداخل: "ادخل." دلفت مليكة باسمة بحبور تطالع شقيقتها بإشفاق: "صباح الخير يا حبيبتي." تمتمت فاطمة بخفوت: "صباح الخير يا مليكة."
تقدمت مليكة لتجلس بجوارها على الفراش: "ها عملتي زي ما قولتلك؟ أومأت برأسها: "أه." حمحمت مليكة بقلق: "بابا عاوز يدخل. عاوز يتطمن عليكي ويكلمك." تجعدت أنفها بقلق بينما نقلت بصرها لمليكة التي طمأنتها باسمة: "متخافيش يا حبيبتي، أنا قولتلك بابا أول واحد مش هيجبرك على حاجة. هو بس هيتطمن عليكي ويكلمك وبس." تمتمت فاطمة بتوجس فأردفت مليكة مؤكدة:
"لازم يا فاطمة. لازم المواجهة دلوقتي. أنا أجلتها شوية علشان تكوني هديتي وعرفتِ تفكري ومتخافيش محدش هيجبرك على أي حاجة وزي ما تختاري إنتِ إحنا هننفذ." تركتها وهبت ناهضة تستدعي والدها الذي سرعان ما دلف للداخل يقدم خطوة ويؤخر الأخرى. "ممكن أدخل؟ ابتسمت مليكة بحبور: "اتفضل يا بابا وأنا هنزل أجيب لكوا شاي." دلف أمجد للداخل يسير في هدوء مثقلاً بالخوف من فقدان طفلته. بالخوف من رفضه.
جلس بجوارها على الفراش بينما شعرت بقلبها يكاد يخرج من مكانه إثر التوتر. هتف بها متمتماً في هدوء: "فاطمة أنا عارف يا بنتي إنتِ قد إيه متلخبطة وتايهة وضايعة. والله يا بنتي أنا مش ناوي آخدك من شاهين ولا أحرمك منه." غمزها باسماً وتمتم:
"على الرغم من إننا وهو مبنطقش بعض. بس إنتِ بنته قبل ما تكوني بنتي. هو اللي ربي وكبر وعلم وراعي. عارفة يا بنتي دايماً كنت بسأل نفسي ليه ربنا أخد مني تاليا قبل ما أشوفها وكنت فاكر إن ده عقاب علشان اللي عملته مع أيسل ومليكة. ودلوقتي بس اكتشفت إنه مش عقاب لا ده علشان أبقى حاسس بإحساس شاهين دلوقتي. أنا عارف النار اللي في قلبه دلوقتي عاملة إزاي. عارف يعني إيه أب بنته تضيع منه فجأة. عارف يعني إيه ضناه اللي رباها وكبرها تتحرم منه. تخيلي أنا حسيت بالنار دي وأنا مشوفتش تاليا. تخيلي بقى هو شافك وشالك ورباكي وكبرك وسهر وعلم وحب."
عادت نبرته للجدية وتمتم بألم: "أنا مش طالب منك غير إنك تشوفي مامتك الغلبانة نورهان. خليها تملي عينها منك تحضنك وتتكلم معاكي. بس وبعدها شوفي إنتِ عاوزة إيه. إنت أصلك مشوفتيهاش عاملة إزاي دي. لما شافتك قبل ما تعرف أي حاجة مبطلتش كلام عنك من يوم العشاء اللي كان عندكوا هنا في الدوار. تخيلي بقى رد فعلها لما عرفت إنك بنتها." أومأت هي برأسها في اضطراب بعدها تمتمت بألم: "آني..... آني عاوزة أشوفها ممكن."
ابتسم أمجد بحماس وأردف باسماً: "بالليل هاخدك إنتِ ومليكة تزورها. بس تتكلمي الأول يا بنتي مع شاهين." ابتسمت فاطمة وتمتمت بتلقائية: "شكراً يا بابا." اتسعت ابتسامته وعلى وجيفه بسعادة متمتماً بغير تصديق: "قوليها تاني." تقدمت فاطمة باضطراب واحتضنته في خجل: "حاضر يا بابا." في الأسفل. دلفت مليكة للمطبخ لتعد بعض الشاي للجميع. انهمكت هي في وضع الإناء على النيران. فانتهز سليم الفرصة ليدلف خلفها في هدوء. حاول وحاول عدم فعل هذا.
حاول أن يبتعد ولكن قواه خارت وانهار تماسكه. اشتاق إليها حد الموت. نعم هي كانت بين ذراعيه منذ ساعات ولكن اللعنة وكل اللعنة على رائحتها التي تشبه المسك تلك التي سرعان ما هاجمت رئتاه فكانت كالخمر أسلبته عقله بأريحية شديدة. آه كم اشتاق إليها. اقترب منها محتضناً إياها بقوة دافناً رأسه في عنقها. شهقت بهلع وهي تتمتم بخجل: "سليم!!! إنت بتعمل إيه؟ حد يشوفنا." تمتم بتيه غير مبالياً: "واحد مراته وحشاه فيها إيه دي." برقت عيناها
بخجل وهي تتمتم بحرد: "وحشاك!!!! ده أنا كنت لسه معاك من كام ساعة." تمتم بتيه: "أه بتوحشيني وإنتِ معايا." شعرت بشفتاه الرطبتان على عنقها البض فشهقت بهلع تتوسله وهي تكاد تبكي خجلاً. فكيف سيكون الوضع الآن إن دخل أحد عليها الآن. كيف ستستطيع النظر في وجوههم إذا باغتهم أحد ما ودلف للمطبخ الآن. أكمل هو غير مبالياً بأي شيء غير استنشاق رائحتها التي أدمنها.
بينما تجولت يده الكبيرة على بطنها وخصرها، مسببة لها رجفة عنيفة في كل جسدها. أخذ قلبها ينبض بجنون وأصبحت غير قادرة على المقاومة. أدارها ناحيته رافعاً وجهها إليه لاثماً شفتيها في قبلة عاصفة بث فيها شوقه المضني إليها. سقط على إثرها الكوب من يدها لينكسر لأشلاء. لتدلف على إثرها إحدى الخادمات التي سرعان ما شهقت خجلاً إثر رؤيتها للوضع الحميمي للزوجان المتحابان. دفعته مليكة بعيداً بينما استترت خلفه خجلاً.
تمتمت الخادمة بكلمات الاعتذار ومن ثم تركتهم وذهبت للخارج. تمتمت مليكة توبخه وهي تكاد تبكي إثر ذلك الموقف الحرج: "عاجبك كده؟ شكلنا إيه دلوقتي." طبع قبلة خاطفة على وجنتها متمتماً: "وحشتيني." ثم خرج مسرعاً ليلبي نداء مهران. في منزل الراوي. هتف حسام بدهشة غير مصدقاً ما يخبره به والده: "يعني إيه؟ تمتم قدري بهدوء: "هي دي الحقيقة يا ولدي." خبط حسام بكفيه غير مصدقاً: "يعني فاطمة... فاطمة تبقي بنت عمي أمجد."
أومأ قدري متابعاً: "أيوة يا بني وهييجوا بالليل هي ومليكة وعمو." سأل حسام بإستهجان: "وكنتوا ناويين تخبروني متى؟ تمتم قدري بهدوء: "مكنش لسه متأكدين يا ولدي. عمك أول ما اتأكد وجاب نتيجة التحليل طلع على سليم طوالي ومنها جه عندي هنا علشان يخبر الباقي." أومأ حسام برأسه في اضطراب وتوجه ناحية الإسطبل كي يخلي بنفسه قليلاً. ضرب الباب بقبضته غاضباً: "واااه....... إزاي يعني مكونش جالك وقتها. واااه يا قلبي." في قصر الغرباوي.
خرجت فاطمة من غرفتها متوجهة ناحية غرفة محبوبها الأول، بطلها الأول، فارسها المغوار، والدها شاهين الغرباوي. طرقت الباب بخفوت وهي تجاهد بكل قوتها أن تتماسك وألا تذرف الدموع. سمعت صوت شاهين يتمتم بإنكسار خلع قلبها. هي تعرف أن والدها يحبها ولكن لم تكن تدرك أنها غالية لديه لتلك الدرجة. دلت تبحث عنه بعينيها بإصرار. التف ناحيتها وهو يكاد يختنق ألماً، قهراً وحزناً على حالتهما.
اندفعت ترمي بأحضانها باكية، وكأن كل تلك العبرات التي ذرفتها من قبل لم تكن. فالبكاء بين ذراعي والدها شيء آخر. احتضنها بكل قوته وهو يشاركها البكاء مرة أخرى للمرة التي لا يعلم عددها في اليومين الماضيين. ابتعدت عنه برفق وعمدت بيدها تجفف عبراته، متمتكة بكلماتها التي هبطت على قلبه مثل البلسم تطمئنه وتهدئه:
"شاهين الغرباوي ميبكيش واصل طول ما بنته لسه عايشة، مش كده ولا إنت خلاص ما صدقت حد تاني جا لك إني مش بنتك علشان تخلص من ذنبي وطلباتي. له عاد انسى الحديث ده واصل." سارع بجذبها بين ذراعيه وهو يبكي باسماً يتمتم بصدق: "كل اللي تطلبه فاطمة أوامر على رجبة أبوها عاد." ضحكت فاطمة الباكية تحتضنه بقوة وهي تتمتم:
"إنتَ أبوي. إنت اللي ربيت وكبرت وعلمت. أني طول عمري فاطمة شاهين الغرباوي وهفضل كده لحد ما أموت. إنت أبوي وهتفضل أبوي لحد آخر نفس في عمري. ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يقول غير كده ولا حتى بابا أمجد." ربت شاهين على رأسها متمتماً بصدق: "بعد الشر عنيك يا حبة قلبي أبوكي من جوه." أخبرته فاطمة بخطة المساء فوافق ممتعضاً ولكنه أشفق على تلك السيدة التي تتحرق شوقاً لرؤية طفلتها. في المساء.
أصرت مليكة على سليم ألا يأتي معهما ويظل بجوار مراد بعدما وعدته ألا تتأخر. دلت وبجوارها فاطمة التي تتلمس منها الأمان. هي حقيقة لا تدري من منهما تحتاج للاطمئنان أكثر الآن، هي أم فاطمة. فهي الآن على أعتاب رؤية السيدة التي سلبت منها حياتها وسلبت مكانة والدتها. لا تدري حقاً ماذا تشعر ناحيتها، كره فقط أم كره وحقد معاً.
ملأ الحقد جسدها على تلك السيدة التي عاشت حياتها محاطة بكل تلك الرفاهية والدلال وهي ووالدتها وشقيقتها أمضين أياماً لا يعلمن فيها كيف سيتناولن طعامهن. ازداد حسدها لتلك المرأة التي حظت بالدلال والحب من والدها بينما قضت هي وشقيقتها أياماً يتمنين فيها أن يضمّن والدهما. يشاهداه. أن يلعب معهما ويدللهما. آه كم تتذكر رغبة تاليا الملحة في رؤية والدها.
كان والدها يقف بجوارها يراقبها في هدوء ملاحظاً تغيرات ملامحها من الحقد إلى الكره ثم تلك المرارة التي استقرت في عينيها ممتزجة بغشاء رقيق من العبرات يأبى الهبوط بكبرياء. هل كان أنانياً لتلك الدرجة بإحضارها لهنا؟ هل زاد من عذابها باشتياقها لوالدتها وشقيقتيها؟ هل كان حقيراً لتلك الدرجة؟ حقاً إنه نادم جداً الآن. وما زاده ألماً هو تقدمها من نورهان بثبات راسمِة ابتسامة عظيمة على شفتيها: "أهلاً بحضرتك أنا مليكة." احتضنتها
نورهان بحب باسمة بحبور: "أهلاً بيكي يا بنتي. أبوكي مبيطلش كلام عنك. إنتِ حتى أجمل من وصفه." ابتسمت مليكة بأدب بينما خرج صوتها مختنقاً: "شكراً حضرتك أجمل." طالعت فاطمة باسمة وهي تتراجع للخلف مشيرة لفاطمة التي تقدمت في توجس: "فاطمة." بينما أومأت برأسها لوالدها باسمة متمتة في اعتذار: "توما أنا هسبقك علشان مراد ميغلبش سليم." تمتمت نورهان باسمة: "هاتيه معاكي تاني يا مليكة. أنا نفسي أشوفه." ابتسمت مليكة بأدب
بعدما أومأت برأسها موافقة: "إن شاء الله." خرج الجميع تاركين المجال لنورهان قليلاً مع طفلتها التي فقدتها والذي بدأ لقائهما بعناق طويل أشبعت فيه نورهان رئتيها برائحة طفلتها. أما مليكة فودعت عاصم ونورسين وتوجهت للخارج، بعدما رفضت رغبة عاصم الملحة في إيصالها وأعربت عن رغبتها في الذهاب بمفردها. خارج القصر. خرجت مليكة مسرعة خطواتها تشبه الركض الهادئ تجفف دموعها في ألم رافضة أن يراها أحد بتلك الهيئة. بتلك الضعف.
الذل والإنكسار. حتى شاهدت سليم واقفاً يتكئ على سيارته بالخارج. تسمرت مكانها لعدة دقائق بعدما جففت دموعها تطالعه بعينان تقطران ألماً وقهراً. وفجأة عادت للبكاء وارتفع نحيبها وهي تركض ناحيته دافنة نفسها بين ذراعيه تبكي بحرية. أحاطها بذراعيه مربتاً على رأسها بحنو. وبعد ما يقرب من النصف ساعة سألته باكية: "إنت إيه اللي جابك؟ تمتم هو باسماً بحبور يناولها منديلاً: "كنت حاسس إنك هتحتاجيني."
ابتسمت هي بعدما عادت لذراعيه من جديد. طبع قبلة حانية على رأسها بينما تمتمت هي: "أنا عاوزة أتمشى مش عاوزة أرجع بالعربية ممكن." أردف باسماً بينما يغلق سيارته: "بس كده يلا بينا يا ستي." في قصر الراوية. حملها عاصم بسعادة وهي يكاد لا يصدق ما يسمعه: "إنتِ بتتكلمي بجد؟ إنتِ حامل." أومأت برأسها باسمة في حبور. بينما حملها هو مرة أخرى يقبل رأسها في سعادة. في الأسفل. أنهت نورهان حديثها مع فاطمة بعد بكاء دام لساعات وساعات.
وبعدها خرجت فاطمة تتمشى قليلاً في الحديقة وناحية الزريبة. تفكر في كل ذلك الحديث الذي دار بالداخل. كل تلك الحقائق. نعم شعرت بالحنين تجاه تلك السيدة هي لن تنكر ولكنها أيضاً تشعر بالغرابة. بالألم والخوف. دلت للداخل هائمة على وجهها في خضم صراع أفكارها حتى سمعت صوت حسام هاتفاً بها بلهفة: "فاطمة!! طالعته بشزر متمتة بتهكم: "أهلاً يا ولد عمي." رفع حاجبة بدهشة يسأل في توجس: "ولد عمي!!!! هتفت به فاطمة بشزر:
"يا ترى يا حسام بيه وجعت في حب بنت الغرباوية متى؟ برقت عيناه دهشة وهي يسأل في خفوت: "إيه الحديث الماسخ ده." تمتمت هي حانقة: "دلوقتي حديثي بقى ماسخ." أردف هو بصرامة غاضباً: "وحياتك إنتِ عندي أني لسه عارف قبل ما تيجي بكام ساعة." حدقت به غاضبة على استخفافه بعقلها: "هبلة أني إياك، شايفني عبيطة وهصدق اللي إنت بتجوله ده." اقترب منها بثبات يطالعها بشغف:
"اقسم باللي خلقني وخلجك يا فاطمة يا بت عمي أني لسه عارف الخبر ده قبل ما تيجي بساعات وإني حبيتك إنتِ لذاتك علشان إنتِ فاطمة حبيبة حسام وبس من غير ما أعرف إنتِ مين أصلاً. أني حبيتك من ساعة بجفا." ارتفع وجيفها بسعادة بينما شعرت بعبراتها تهبط من عينيها بقوة، تتدافع منهمرة بشدة على حالتها. اقترب منها وهو يكاد يحترق ألماً. هو يعرف ألمها الآن. يعرف خوفها وتيهها. يتمنى لو يضمها بين ذراعيه. لو ينتزع عنها كل ذلك الألم.
ولكن لا يجوز. يعرف جيداً أن هذا لا يحق له. وفي خضم صراع أفكاره شعر بها ترمي ببن ذراعيه وهي تبكي بقوة. ارتفعت خفقات قلبه وبرقت عيناه بعدما وقف متسمراً للحظات لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله الآن. كيف يجب أن يتصرف. ولكنه رمى بكل تلك التراهات جانباً حينما شعر بيديها تطوقه في خوف وهي تبكي بقوة. احتضنها بكل قوته مربتاً على رأسها في حنو بالغ، بينما يسمع صوت شهقاتها التي تمزق قلبه فجعاً عليها. فهمس مهدئاً: "أشششش....
اهدى يا حبيبتي..... اهدى كل حاجة هتبقى زينة والله..... كلنا جنبك ومعاكي." تمتمت بين شهقاتها: "أني خايفة جوي يا حسام..... خايفة من كل حاجة..... حاسة إني تايهة جوي ومتلخبطة ومش عارفة أعمل إيه." تمزق قلبه لكلماتها ولكنه ربت على رأسها في هدوء: "سيبي كل حاجة علينا ومتخافيش...... إنتِ بس اهدى...... أني جنبك أهه ومش هسيبك واصل..... كل حاجة هتبقى زينة و الله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!