ولكن فجأة ظهر من بين هذا النفق المضيء مراد وسليم. هتف بها مراد في جزع خفق له قلبها بشدة. مراد: مامي. ماتت. كادت أن تتقدم خطوة أخرى وهي تحاول نفض صوته عن عقلها بعدما أشاحت ببصرها عن سليم الذي تخلل صوته إلى حواسها مع دمائها التي تجري مندفعة يهتف بها في وله عاشق قد احترق سابقاً بنار الفراق. سليم: مليكة... مليكة افتحي عيونك يا مليكة.
همهمت قليلاً وهي تحرك رأسها تجاهد كي تفتح عينيها المثقلة وكأن بهما رملاً كي تخبره بكل شيء. يجب أن يعرف أنه الأول... يجب أن يعرف أنها ما عرفت ولا عشقت رجلاً غيره... يجب عليه أن يعرف أنه أول وآخر فارس تسمح له بغزو مملكتها المترامية الأطراف... أول من تسمح له بصك ملكيته على قلعتها... كان هو الاحتلال الوحيد الذي رحبت به أعماقها وبحرارة...
ولكن ليس كل ما في القلب قابل للبوح فهناك ما يولد ويموت ولا يفصح عنه فيكون مكانه الوحيد هو الاندثار بين طيات الماضي. صرخ سليم الباكي بمن حوله كي يطلبوا الإسعاف التي حقيقة وللمرة الأولى حضرت أسرع مما ينبغي. هم رجال الإنقاذ بحملها فرفض هو صارخاً بهم بأنه من سيحملها وبالفعل تركوه يحملها وصعدوا سوياً إلى سيارة الإسعاف التي سرعان ما انطلقت إلى المستشفى. أخذوها منه الأطباء ودلفوا بها لغرفة العمليات.
جثى على ركبتيه أمام الغرفة محتضناً رأسه بين يديه... يبكي ألماً على محبوبة القلب التي لن ولن يتركها تذهب من بين يديه. في غرفة العمليات. كان الوضع غير مطمئن بالمرة... فقد نزفت الكثير من الدماء على غرار عدم استجابتها للعلاج... وذلك الجهاز اللعين الذي يعلن انخفاض نبضها. ابتسمت والدتها وأخذت بيدها وسارا سوياً نحو ذلك النور القابع في آخر النفق. شعرت مليكة بروحها تحلق بعيداً في سعادة عارمة... شعرت بنفسها خفيفة للغاية.
وفجأة دوت صافرات الجهاز لتعلن توقف قلبها الكبير عن النبض لتعلن مأتم ذاك الذي خلق ليعطي... خلق ليحب ويتحمل... خلق ليضحي. في قصر الغرباوية. نهضت خيرية من نومها فزعة لدي رؤيتها لرؤيا تخص مليكة. نعم شاهدتها تسير بعيداً مع امرأتين لا تعرفهما ولكنها شاهدت زين ابنها وزوجته وزوجها ينتظرونها في آخر النفق. استدعت زهرة... طفلتها الثانية وطلبت منها إحضار مهران على الفور الذي حضر ما إن أخبرته زهرة.
دلف مهرولاً لغرفة والدته هاتفاً بها في قلق. مهران: في إيه يا حاجة؟ انتِ زينة؟ أردفت خيرية وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها في هدوء. خيرية: مليكة يا ولدي... مليكة. ضيق مهران عيناه متسائلاً. مهران: مالها يا أمي؟ أردفت خيرية متوجسة خيفة. خيرية: مليكة مش زينة يا ولدي فيها حاجة. أردف مهران بقلق بعدما زم شفتيه. مهران: هيكون فيها إيه بس يا أمي؟ أصرت خيرية. خيرية: كلم لي سليم يا ولدي حالاً. أضاف مهران مضطرباً.
مهران: بس يا حاجة الوقت متأخر عاد. خيرية بإصرار. خيرية: حالاً يا مهران حالاً. وبالفعل هاتف سليم فلم يجيبه وبعد العديد من المرات قرر أن يهاتفه على هاتف القصر فأجابته ناهد المذعورة تخبره بأن مليكة في المستشفى بسبب حادث سير. خيرية: وااااه يا قلبي عليكي يا بنيتي. كانت تلك الكلمات التي خرجت من فم خيرية بألم صاحبتها دموع بعد معرفتها لذلك الخبر...
فهي بعد ذلك الحلم أيقنت أن مليكة ستذهب إلى ذلك المكان الذي ذهب إليه أحباؤها في السابق. في قصر عاصم الراوي. استيقظ من نومه على صوت تأوهات شخصاً ما وكأنه ينازع البقاء حياً. مد بيده إلى عينيه يفركهما محاولاً نفض النوم عنهما. هب جالساً في قلق. جال ببصره في أرجاء الغرفة باحثاً عن نورسين فلم يجدها. نهض مسرعاً ناحية المرحاض فمنه يأتي الصوت. طرق الباب عدة مرات هاتفاً بقلق. عاصم: نورسين إنتي جوة؟
لم يأته رد حتى أنه استمع شهقات بكاء مخنوقة وكأن شخصاً ما يختنق. طرق الباب بعنف أكبر فهو صوت محبوبته الذي يعرفه جيداً وكيف يغفل عنه. وأخيراً بعد عدة دفعات استطاع فتح الباب. دلف مهرولاً حينما شاهدها ساقطة أرضاً ووجهها محمر أطرافها شاحبة كأنها تختنق. حملها مسرعاً وهو يحاول معرفة ما بها فكانت ترتجف بين يديه كمن على وشك الموت. هتف بها بقلق. عاصم: نورسين فيكي إيه؟ أشارت له بيدها المرتجفة ناحية درج الكومود المجاور لفراشها.
فعمد بيده مسرعاً لفتحه ولم يجد به غير شريط من الدواء. أمسكه بيده وهو يرفعه تجاه وجهها يسألها في هلع. عاصم: هو دا؟ لتومئ له ووجهها أحمر بشدة فأخرج لها قرص لتشير له بإخراج واحد آخر. أخرج الثاني ثم ناولهما لتبتلعهما بسرعة وهي تشهق. احتضنها بركنها إلى صدره الدافئ الواسع. وبعد أن شعر بانتظام أنفاسها سألها عاصم في وله. عاصم: فيكي إيه يا نوري؟
خفق قلبها لكلمة نوري التي تطربها من شفتاه ولكنه أيضاً امتزج بالخوف فماذا ستخبره الآن... ماذا ستقول له؟ وجدت الكلمات تندفع من بين شفتاها تلقائياً وحتى بدون أن تمر على عقلها وجدت نفسها تقص عليه مرضها. وجدت نفسها تخبره ما عانت وكيف تألمت... وجدت دموعها تنهمر بلا توقف وكأنها تبكي احتياجها إليه وخوفها من فقدانه... تبكي ألماً على حالته... تبكي ولكن بكائها ليس عدم رضى قطعاً ولكنه ألماً لألم أحبتها... خوفاً لفقدانهم.
برقت عيناه هلعاً وهو يطالعها بتيه وكأنه لم يسمعها. هو لم يتخيل يوماً أن تمرض صغيرته... فحينما تصاب ببعض البرد يكاد يفقد عقله قلقاً... فماذا إذا ما كانت تخبره بأن قلبها... ذلك القلب الذي عشقه وعشقها لأجله مريض... يتألم... ما الذي يجب عليه فعله... هو لا يتخيل مرضها فما باله بفقدانها. بعدما أخذت تدعوه عدة مرات ولم يستجب. هو استمر فقط بالتحديق. عمدت بكفيها تحتضن وجهه وتقربه منها واضعة جبهتها مقابل جبهته وكأنها تتكأ عليه.
رفرف عاصم بأهدابه عدة مرات وكأنه استفاق من شروده ما إن لامست بشرته لبشرتها وسمح لدموعه الحبيسة بالهبوط وهو يمسك بوجهها في ألم... هلع... وله وخوف. تلعثمت الكلمات على شفتيه وأردف يسألها بعدم استيعاب. عاصم: يعني إيه... وليه مقولتليش من الأول؟ أغمضت عيناها بألم وهمست في خفوت. نورسين: خوفت... خوفت عليك. نفض عاصم رأسه وكأنه يحاول نفض تلك الأفكار السلبية التي تجمعت بعقله وأردف بأمل. عاصم: نسافر برة...
نشوف متبرع ونعمل العملية برة. همست هي بيأس. نورسين: الدكتور هيبلغني أول ما يلاقي متبرع. هتف عاصم بها بجزع. عاصم: أنا مش هستنى لما الدكتور يقول... أنا هسافر وأدور بنفسي ولو حكمت خدي قلبي أنا. أنا في داهية. رمت نفسها بين ذراعيه باكية وأردفت بين شهقاتها. نورسين: بعد الشر عنك متقولش كدة أبداً. ضمها بين ذراعيه إلى صدره بقوة وكأنه يريد تخبئتها بداخله وأردف باكياً بعشق يقطر من كلماته. عاصم: نوري... إنتِ فعلاً نوري...
النور اللي جه ونور لي حياتي كلها مليش غيرك ومش عاوز غيرك في الدنيا... أنا من غيرك أموت يا نوري فاهمة. في المستشفى. وقف على قدماه حينما خرجت الممرضات من غرفتها يركضن لإحضار بعض الأشياء والعودة مرة أخرى. وقف هو يصرخ بهم يسألهم. سليم: مراتي... مراتي فيها إيه؟ أجابته إحدى الممرضات التي خرجت لتوها. الممرضة: البقية في حياتك يا أستاذ. توقف قلبه عن الخفقان وهو يطالعها بصدمة شلت أطرافه. وجد نفسه يسير بهدوء ناحية زجاج الغرفة.
فشاهدها... نعم كانت منسدحة على الفراش بهدوء... تبدو شاحبة حد الموت... حولها يركض الأطباء بهلع لإحضار بعض المعدات ولكنها على حالتها تلك... مستسلمة تماماً. كان يسمع صوت قلبه وهو يهتف بجزع يدعوها كي تستفيق. تنهض... كي تعود له كما كانت. ولكن كيف يا صديقي تضرم في روح أحدهم النار... فيظل يعاني كثيراً إلى أن يصير كومة من الرماد لا حياة فيها... ثم تطالبه بأن يعود كسابق عهده... لقد مات يا صديقي... ومن مات لا تنتظر منه شيء...
يبقى فقط أن ترعاه علّ معجزة تحدث ويحييه حبك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!