جلست مليكة أمام نافذتها في شرود. مضي الليل إلا أقله، ولم يبقَ إلا أن تنفجر ظلمة الليل عن جبين الفجر. ولا تزال هي ساهرة، قلقة المضجع، تطلب الراحة ولا تجدها. تهتف بالغمض ولا تجد سبيلاً إليه. يؤرق مضجعها ذلك السليم الذي يشغل تفكيرها بتغيره الجذري معها. فقد أصبح يحترمها، يهتم بها، أصبح لا يخجل من إظهار قلقه وخوفه، وحتى حبه.
على وجيفها بإضطراب حينما فكرت ولو لوهلة في إمكانية حبه لها. هل يمكنها وبعد كل ذلك الوقت إقناعه بالحب؟ إقناعه بإمكانية برائتها؟ رفعت يدها تواسي قلبها الحائر، تذكره بثابت من ثوابت القدر والنصيب. أننا لا نقابل الناس صدفة، بل من المقدر لهم أن يعبروا طريقنا لسبب ما. فلعل هذا السبب يكون حباً أو عشقاً أبدياً. فخلدت إلى النوم وفي قلبها يتردد سؤال واحد: ومتى الفؤاد بالتلاقي يهتني؟ -في قصر الغرباوية.
بعد انتهاء صلاة الفجر، خرجت قمر من غرفتها كي تشرب بعض الماء. وأثناء مرورها شاهدت نور غرفة فاطمة مضاء. اقتربت من الغرفة وفتحت الباب في هدوء، فوجدتها جالسة أمام شرفتها تبكي بقوة. ولم تشعر بقدميها إلا وهي تقتادها تجاه تلك الفتاة التي تذكرها بشقيقتها. فجلست بجوارها مربتة على يديها. جففت فاطمة عبراتها وتطلعت إليها شذراً، فابتسمت قمر في هدوء.
قمر: إني ما كنتش براقبك ولا حاجة والله، إني كنت رايحة أشرب وشوفتك. ومش هسألك عاد بتبكي ليه ولا إيه اللي مصحيك لحد دلوقت. ولا هقولك اللي يبكينا نرميه ورا ضهرنا، ولا حتى هقولك إن سليم من الأول ما كانش ليكي. بس هقولك حاجة واحدة بس يا خيتي، الحب لو ما حلاش الدنيا دي كلها في عينيك، ووجعك فيّ غرام نفسك و جواكي وصلب ضهرك وروج روحك وعطر دنيتك وفتح نفسك كمان. يبقى متحبيش يا حبيبتي.
برقت عينا فاطمة بألم وهي تطالع قمر الباسمة في حبور. فحقاً، ماذا أخذت هي من حبها لسليم غير الألم؟ وذلك الجرح الغائر الذي خلفته مخالب الخيبة في قلبها اليانع الذي أضحى مريضاً. غير ذلك الكسر الذي أحدثته خطوات الحب من طرف واحد داخل قلبها المسكين. لم يخلف غير الظلام والإندثار في غياهب الكره والحقد. نعم، هي محقة كل الحق. ستنساه وتتخلى عنه. ستطوي تلك الصفحات من حياتها للأبد وتتمنى له السعادة في حياته ومع زوجته التي اختارها.
-في الصباح. علم عاصم بمرض سليم، فأخبر والده وقررا الذهاب لزيارته في منزله. وأيضاً الاطمئنان على شقيقته ورؤية طفلها. وصلا إلى المنزل بعد وقت قصير. فرحبت بهما ناهد وأجلستهما في الحديقة. وصعدت لأعلى لإخبار سليم. أردف هو باسماً بأدب: سليم: قوليلهم 10 دقائق ونازل يا دادة. ثم انصرفت هي باسمة لتخبرهم بما أخبرها سليم. وما إن هم هو بالنزول حتى سمع هاتفه يعلن عن قدوم مكالمة أخرى من مكالمات العمل التي لا تنتهي.
قابلت ناهد مليكة في طريقها للأسفل. فسألت بتوعد: مليكة: هو سليم فين يادادة؟ أنا مش لاقياه. أردفت ناهد باسمة: ناهد: متقلقيش، ما راحش الشغل. دا بيلبس في أوضته علشان أمجد بيه وعاصم بيه تحت. تهللت أسارير مليكة وركضت للأسفل ومعها مراد. مراد: مين يا مامي؟ أردفت مليكة باسمة بحماس: مليكة: دا جدو يا مراد.
ثم توجها ناحيتهما في سعادة. فركضت هي لاحتضان والدها بشوق، ثم شقيقها. برقت عينا أمجد بسعادة أثر رؤيته لمراد. رفع بصره ناحية مليكة وعيناه مليئتان بنظرات التساؤل. أومأت مليكة له برأسها باسمة: نعم يا والدي العزيز، هاهو حفيدك الثالث أمامك. فحمله بين ذراعيه وهو يحتضنه وعيناه تكاد تنفطر من العبرات. سأله مراد في براءة: مراد: هو إنتَ فعلاً جدو؟
أومأ له أمجد برأسه عدة مرات. فأحتضنه مراد بسعادة. ثم هبط من بين ذراعيه وتوجه لوالدته التي انسابت دموعها تأثراً دون رغبة منها. واحتضنها بحماس. مراد: مامي، أنا عاوز أشكر ربنا علشان لما طلبت منه زي ما قولتيلي إنه يبقى عندي جدو، وافق وبعتهولي على طول. احتضنته مليكة بقوة بعدما ازدادت عبراتها: مليكة: نقول الحمد لله يا مراد. الحمد لله.
وأخيراً وبعد ذلك المشهد المؤثر، أخذ مراد بيدي جده ليريه حصانه الذي قد اشتراه له والده منذ فترة. أما مليكة فسارت هي وعاصم سوياً يتحدثان في عدة مواضيع، حتى باغتها عاصم بالقول باسماً: عاصم: الواد مراد دا شبهك إنتِ وسليم أوي. دا إنتوا لو مظبطينها مش هتطلع كدة. ضحكت مليكة بخفة، بينما تابع هو متزمراً: عاصم: إشمعنى أنا؟ عيالي كلهم طالعين حلوين لنوري. دا حتى الواد... الواد الحيلة طالع حلو لأمه. أردفت هي مازحة بين ضحكاته:
مليكة: دا بدل ما تحمد ربنا. أردف هو متبرماً بمشاكسة: عاصم: قصدك إيه؟ قرصت مليكة وجنتيه بمزاح: مليكة: مقصديش يا روحي، دا أنت قمر. فضمها إليه يشاكسها كحركتهما في الطفولة. ولكنـه شاهدها. نعم، شاهدها بين ذراعيه، يحتضنها رجل غريب. وفجاءة تدافعت لعقله كل أحلامها وحديثها. تري هذا هو عاصم الذي تراه في أحلامها؟ هل هو من تناديه باستمرار؟ أهذا هو غريمه؟
شعر وقتها بألم قاتل ينشب أظفاره في قلبه. شعر بألم يجثم على روحه يكاد أن يسلبها. أخذ عقله يلعن قلبه ويوبخه، فهو من دافع عن تلك الخائنة وتوسط لها. هو من أنكر إدانتها. هو من قاتل لأجلها باستماته في تلك المعارك التي كثيراً ما نشبت بينه وبين العقل. هو الذي ضم روحه إلى حلفائها ضد عقله. صرخ عقله موبخاً: أين أنتَ لما لا أسمع اعتراضك؟ لِما فقط أسمع منك أنيناً؟ أ تتألم؟
نعم، ذلك ما تستحق. فلقد وقعت كالأبله في نفس الخطأ مرة أخرى. مرة أخرى قد خفقت لواحدة أخرى من بنات حواء. وكأنك لم تتعلم. كأنك لم تذق مرارة الخذلان. كأنك لم تعرف للألم سبيلاً.
وفجاءة ارتسم الجمود على ملامحه مرة أخرى، متناولاً هاتفه كأنه يتحدث به حتى ينبههما لوجوده. اعتري القلق قلبها حينما رأت لمعة عينيه التي لاحظت وجودها منذ عدة أيام، عادت لتنطفئ مرة أخرى. شعرت بتلك البرودة والظلمة تنبعث منها مرة أخرى. لم تعرف وقتها لِما راودها ذلك الشعور بالقلق الذي هيمن على عقلها وقلبها وجثم على روحها. ولكنها رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها واتجهت ناحية سليم الذي أردف باسماً ولكنه كان ينظر إليها. نظراته كانت غريبة عنها. أخافتها. نعم، أخافتها وبشدة. لم تعرف لما حتى.
سليم: أهلاً أهلاً. القصر نور. بقي عاصم الراوي عندنا؟ أتى أمجد في ذلك الوقت ضاحكاً وفي يده مراد. أمجد: لا مش عاصم الراوي لوحده، وأمجد كمان لو مفيش اعتراض. ابتسم سليم في هدوء وأردف مرحباً بأمجد: سليم: لالا، دا النهاردة عيد. بقي أمجد بيه عندنا مرة واحدة.
جلس أمجد ومعه سليم وعاصم ومراد على أقدام جده. أما مليكة فذهبت لتأمر بإحضار بعض المشروبات والمقبلات لهم وظلت بغرفتها بعدما أرسلت رسالة نصية لعاصم تخبره فيها أنها لم تخبر سليم بأنها ابنة أمجد الراوي بعد. -بعد عدة ساعات.
سمعت صوت سيارة شقيقها تنطلق في هدوء. فوضعت الكتاب الذي كان بيدها واتجهت خارج الغرفة كي تأخذ مراد الذي وجدته نائماً بين ذراعي سليم. اتجهت ناحيته باسمة في حبور، فأعطاها مراد في هدوء. ولكن، أهذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ لا تعرف. وفجاءة أردف بصوته الأجش بنبرة تقطر بروداً تناقضت تماماً مع تلك النيران التي تنبعث من عيناه. سرت على إثرها رجفة في قلبها قبل جسدها. سليم: ودي مراد وتعالي لأوضتي عاوزك.
أومأت برأسها في هدوء وقادتها قدماها المرتعدتان في قلق إلى غرفة مراد. وضعته في هدوء، ثم دثرته طابعة قبلة حانية على جبهته واتجهت لغرفة سليم. طرقت الباب في هدوء فأردف هو بجمود: سليم: إدخلي. دلفت هي للداخل تُقدم قدماً وتُؤخر الأخري، ثم أردفت بصوت مرتعد: مليكة: كنت عا... أردف سليم بصوت جهوري هادر وعينان حمراوتان مثل الدم تماماً، حتى إنها كادت أن تسقط من خوفها:
سليم: إنتِ مرات سليم الغرباوي يا مليكة، فاهمة يعني إيه مرات سليم الغرباوي؟ صرخ بحدة أكثر، رافعاً صوته أكثر ليجعلها تنكمش على نفسها أكثر: سليم: يعني بتاعته هو وبس ومش من حقك بأي شكل من الأشكال. مش إنك تخلي راجل يلمسك، لا دا إنتِ مينفعش تفكري في راجل تاني أصلاً. فاكرة قبل ما نتجوز قولتلك إيه؟ صرخ بقوة أكبر وكأنه مصر على تحطيم أعصابها أكثر. فأنسابت عبراتها بعدما ارتعد جسدها للمرة الثالثة تلك الليلة:
سليم: أنا هقولك. قولتلك إني مش هسمح لأي حد إنه يجي جمب سمعتي بأي شكل من الأشكال. أومأت مليكة برأسها عدة مرات في هلع وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة في البداية من كثرة ما تشعر به خوف. فبنيته الضخمة بالإضافة لصوته الجهوري تضيف مشهد الوحش الكاسر لأي شخص، وخصوصاً بحجم مليكة. مليكة: ااااا.... بس..... أنا .... بس أنا معملتش حاجة.
ضحك بصخب، ضحكة سمعت صداها المرعب يتردد في أنحاء القصر بالكامل أو هكذا خُيل لها من شعورها بالخوف. برقت عيناه كرهاً واشمئزازاً وهتف بها في سخرية: سليم: ويبقى حضن عاصم الراوي أخويا مش كدة؟ اعتدلت في وقفتها وبعدما حدقت به دهشة: إذن سر كل ذلك هو عاصم. بالتأكيد قد شاهدها وهي تحتضنه. فهتفت تتساءل في هدوء بعدما ضيقت عينيها بتوجس: مليكة: إنتَ شوفتني وأنا بحضن عاصم صح؟ أردف هو بنبرات تقطر حنقاً:
سليم: لا، ووصلت بيكِ القذارة إنك تدخلي مراد في القرف دا وتخليه يخلي لك الجو مع عاصم بأنه يلهي أمجد. صرخت به مليكة بحنق وهي ترفع إصبعها مشيرة له في تحذير: مليكة: إياك... إياك تقول كلمة واحدة كمان. رنت ضحكاته في سخرية امتُزِجَت بالقهر، وأردف بازدراء: سليم: عارفة أكتر حاجة بتعجبني إيه؟ إنك لسة مكملة في دور البريئة وبتتكلمي بنفس الثقة. صرخت به مليكة غاضبة:
مليكة: إنتَ متعرفش حاجة أصلاً علشان تتكلم كدة. عاصم دا يبقى اخويا يا سليم. اخويا. رفرف بأهدابه عدة مرات يمثل شعوره بالمفاجأة: سليم: هاه، وإيه كمان؟ زمت مليكة شفتيها بضيق وأردفت حانقة: نعم، طفح كيلها من كل شيء. ستخبره بكل شيء. هو يريد معرفة الحقيقة. لِما لا ستخبره إياها. مليكة: اسمع بقي علشان أنا تعبت. خلاص تعبت. جففت دموعها بعنف وهي تردد بأسى:
مليكة: أنا اسمي مليكة أمجد محمد أحمد سليمان الراوي. بنت أمجد الراوي وأيسل. كنا أسرة جميلة أوي مكونة من أنا وبابي ومامي وعاصم. لأن مامي عرفت إنها حامل في تاليا لما بابي مشي وأنا عمري 8 سنين. عرفت إن بابي هياخد عاصم ويسيبنا. أيوة، مشي. هددوه يعني.
أردفت بسخرية بينما اظلمت عيناها ألماً: بما إنه عصي تقاليد العيلة واتجوز واحدة تانية غير اللي كانوا منقينها له ورفضوا يقبلوا أمي. فإضطر إنه ياخد عاصم ويرجع البلد علشان سلامتنا، يعني.
أردفت بقهر: عشت يتيمة وأبويا عايش. شفنا بهدلة وقرف من كل الناس. عرفت يعني إيه وجع، كسرة نفس وظهر. وعشنا مع مامي لحد ما كان عمري 15 سنة. لحد ما كنا راجعين من عند حد من قرايبنا وقالولنا إنه بابي لو طلب ياخدنا هيعرف ياخدنا بكل سهولة. يومها مامي نزلت بتعيط وخدتنا وساقت العربية. وفجاءة وإحنا بنتكلم طلعت عربية وخبطت عربيتنا. فوقت لقيت عربيتنا مقلوبة بس أنا كنت براها لأن شباكي كان مفتوح. فوقت لقيت مامي محشورة بسبب الحزام ومتغطية دم وتاليا مغمى عليها في الكنبة ورا. روحت أساعد مامي. صرخت فيا إني اساعد تاليا الأول.
أردفت باكية بقهر: شيلت تاليا وخرجتها بس ملحقتش أخرج مامي. ملحقتهاش. العربية كانت انفجرت بيها قدام عيني. بعدها فوقت لقيتني في المستشفى وتاليا معايا. ورحنا عيشنا مع تيتا. سافرنا إسبانيا سوا واشتغلت هناك علشان أصرف على تاليا. اشتغلت سكرتيرة للراجل اللي حب أمي زمان. كان بيعتبرني زي بنته. كان بيقولي لو كنت اتجوزت ماتك وجبنا بنت كانت هتكون شبهك. وفي أوقات كنت بشتغل في الأزياء، المجال اللي عجب تاليا جداً. لحد ما جت الشركة
الملعونة اللي قدمت عرض لتاليا إنها تسافر معاهم كذا بلد وتشتغل في مقرها في مصر. وفعلاً وافقت وسافرت على الرغم من رفضي علشان خوفي عليها. كنت بنزلها بس مش دايماً، بس كنت بكلمها كتير جداً لحد ما في يوم كلمتني وقالتلي إنها عاوزاني أنزل وفعلاً دا اللي عملته. ولما نزلت...
انتحبت بقوة بعدما أردفت بأسى: قالولي ماتت. ماتت. كانت لسة صغيرة. أردف هو بدهشة بعدما برق محاولاً ربط الأحداث ببعضها: سليم: يعني تاليا اللي حازم حكالي عليها. تبقي... تبقي أختك؟ أومأت هي برأسها بألم: مليكة: أيوة هي. تابع هو باشمئزاز: سليم: يعني إنتِ ضحكتي على جوز أختك واتجوزتيه؟ صرخت به بحنق باكية بقهر: مليكة: إنت مش فاهم أي حاجة ولا عمرك هتفهم.
ثم ركضت مسرعة للخارج، تبكي حياتها، ألمها، قهرها، احتياجها، حبها الذي لم تعد تملكه. صرخت بقهر، عساها تخرج كل ذلك الألم القابع في قلبها، الجاثم على روحها، يخنقها. تتساءل في قرارة عقلها لما استيقظت من ذلك الحلم الوردي الذي اندثر بين ثناياه الألم، القهر والوجع. ضحكت
بقهر ونفسها تردد في ألم: كُنا أقوياء حين مسّنا الحُلُم فأستندنا عليه بكُل قوتِنا وأطمئننا أنهُ أرضٌ لاتخون، فَخَانت فلمْ نفِق إلا عَلى وقع إرتطامنا بالأرض وَوجعِها. ااااه وكم هو مؤلم ذلك الشعور.
وجدت قدماها تقتادها إلى خارج ذلك القصر، تركض مسرعة عساها تتخطى ذلك الوجع، تتركه على قارعة ذاك الطريق وتعود للمنزل، خفيفة غير مثقلة بالآلام. وأخيراً أدركت أن علاقتها مع سليم هي فرح امتُزِج جيداً بالألم حتى كاد أن يغلب عليه طعم الوجع. فهو قد أتى لحياتها ألماً لينقذها من ألم آخر. ألا تعرفين طفلتي إن أسوأ ما قد تحمله لكِ الأيام هو وجع على شكل فرح. يتقمص فيها الجرح دور المنقذ من جرح آخر. وحين تطمئن له يصفعك تحت جنح
الغفلة. لا ترى منه ذلك الوجه الرقيق الذي كنت تراه بالبداية. يسحبك من يدي قلبك إلى سراديب الصمت. يسلب من وجهك وقلبك تلك الابتسامات الخفية التي كنت تطلقها على مضد. يحصل لكِ كل ذلك لسبب واحد، لأنكِ شخصٌ يحلم بأن يعيش حراً من الخيبات. ولكنها لم تدري كم كانت تتقدم في لحظة إلى غياهب تلك الخيبات، تتابع الواحدة تلو الأخرى على قلبها ليحطم الباقي القليل منه.
وفجاءة سمعت سليم يدعوها. التفتت إليه تطالعه باكية بألم: ااااه محبوبي، كم أتمنى أن تصدقني. كنت أعتقد أنني حينما أكبر سأكون مع من أحب. مترابطان كالعقدة، كلما شدت أطرافنا الأيام ازدنا التحاماً. ولكن ما حدث كان العكس تماماً. فنحن نزداد تعقيداً، بُعداً، تشتتاً واضطراباً.
وفجاءة غشي نور ساطع عيناها وارتفع بأذنيها أصوات أبواق سيارة حتى شعرت بشيء يرتطم بها بقوة حتى جعلها تحلق عالياً ثم تسقط بشدة على الأرض الخشنة. كان كل ما تراه الآن مشاهد متقطعة هي غير متأكدة منها. عدا تلك التي ترتدي فستاناً أبيض تبتسم لها بحنو كعادتها دوماً. تلك الابتسامة التي لم تفارقها يوماً. نعم، والدتها هنا ومعها تاليا أيضاً. ااااه كم اشتقت لهم. نهضت راكضة نحوهما وهي تحتضنهما بقوة ثم أردفت بشوق:
مليكة: وحشتوني أوي، وحشتوني. أردفت أيسل باسمة بحبور بعدما مسحت على وجنتها بحنان: أيسل: وإنتي كمان يا حبيبتي، وإحنا جينا علشان ناخدك معانا. أومأت مليكة برأسها في سعادة وهي تحتضن والدتها: مليكة: أيوة يا مامي، خديني معاكي. أنا تعبت هنا لوحدي. خدوني معاكوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!