في صباح اليوم التالي، خرجت مليكة مع قمر وفاطمة للسير قليلاً، اتباعاً لأوامر الطبيب لتيسير وضع طفليها. كن يتحدثن ويمزحن في هدوء، حتى فجأة شاهدن أحد الفلاحين مهرولاً باتجاههن. هتفت قمر متفاجئة: "عم خضر... مالك يا راجل يا طيب بتجري كده ليه؟ صرخ الرجل متوسلاً: "ست فاطمة احجينا." أردفت فاطمة متسائلة بقلق: "في إيه يا عم خضر؟ جلجلتنا عاد." هتف خضر بقلق: "احجينا يا ست فاطنة الجاموسة... الجاموسة." هدأته فاطمة وهتفت به:
"يلا بينا يا عم خضر." ثم التفتت لمليكة وقمر وأردفت بحزم: "خدي مليكة يا جمر وارجعوا على القصر طوالي." أومأت قمر برأسها وانطلقت فاطمة وخضر مسرعين ناحية منزل الرجل الذي يعمل في أرض قدري الراوي. وما هي عدة دقائق حتى وصلا إلى الزريبة الموضوع بها تلك الجاموسة. ركضت فاطمة ناحيتها بهدوء تعاينها بدقة. نعم، إنها حالة ولادة متعثرة، يجب عليها ألا تتأخر أكثر حتى لا يفقدا الجنين والأم أيضاً.
نظفت يداها جيداً وشمرت عن ساعديها، ودلفت لمساعدة تلك المسكينة على وضع جنينها. انهمكت في عملها بشدة حتى سمعت شخصاً يصرخ بجوارها، وتحديداً عند باب الزريبة. حسام: "انت فين يا عم خضر... عم خضر." دلف حينما لمح أحد الفتيات جالسة بجوار إحدى المواشي، فوقف يطالعها في دهشة. بينما التفتت فاطمة ناحيته وهتفت بحزم: "مالك واقف تبحلق ليه كده؟ هم ساعدني... روح اغسل يدك زين وتعالى."
اتسعت حدقتاه بدهشة أكبر ووقف مشدوهاً، وكأنه لم يسمعها. حتى هتفت به بصوت أعلى وبحدة أكبر: "لسه واقف مكانك كيف البجف؟ اتحرك يا بني آدم عاد... هم اخلص." وكانت تلك هي الإشارة ليركض مسرعاً يغسل يده حتى يساعدها في جذب الجنين برفق دون إلحاق الضرر به أو بوالدته. وبعد بضع دقائق، زفرت فاطمة بعمق باسمة بعدما وضعت الوليد بجانب أمه كي تتعرف عليه وتنظفه.
أما حسام، فوقف يراقب ابتسامتها الحماسية. كم تشبه الأطفال تلك الفتاة، ولكن ما يميزها هو عيناها الكحيلتان، الحالكتان كظلام الليل، ينيرهما شعلة تحدي تتراقص بداخل بؤبؤتيها، لتخطف آخر جزء تبقي من قلبه. زفر بعمق وهو يهز رأسه حينما سمع صوت العم خضر. اختلط مع صوت ضحكاتها وعكر تلك الرنة الموسيقية الطفولية لضحكتها، فانكمشت ملامحه ضيقاً وتمتم بحنق: "كنت فين يا عم خضر؟ أردف خضر بسعادة: "كنت بجيب مية سخنة عشان الجاموسة."
ثم التفت لفاطمة: "الله يكرمك يا ست فاطمة، والله ما عارف أقولك إيه." ابتسمت فاطمة بحبور وتابعت بهدوء: "مفيش حاجة يا عم خضر، أنا معملتش حاجة." ثم انصرفت للمنزل بعدما اطمأنت إلى العجل الصغير، رامقة حسام بنظرات متبرمة في شزر لتحديقه بها بتلك القوة. أما هو، فوقف مشدوهاً يراقب طيفها الذي سرعان ما تبخر، وهو يتذكر ضحكتها وملامحها وعيناها.
في أحد مستشفيات أمريكا، دلفت نورهان للداخل بجوارها عاصم ممسكاً بيدها، فقد التوى كاحلها فجر اليوم وها هما في المستشفى لمعاينته. أشار لها عاصم بالجلوس حتى يتوجه للطبيب. وبالفعل، حضرت بعض الممرضات وساعدوها على الدخول لحجرة الطبيب. وبعد أن عاينها، قرر ربط قدميها طالباً منها الراحة وعدم الحركة، ولكن فجأة تم استدعاؤه لحالة طارئة. فاعتذر منها مستدعياً لها رئيسة الممرضات لمساعدتها.
دلفت في هدوء تطالع تقريرها الذي كتبه الطبيب، فابتسمت وأردفت بهدوء وهي تلتفت لها. الممرضة: "ألف سلامة." وفجأة، جحظت عيناها من هول المفاجأة وسقط ما بيدها وانسابت دموعها في هدوء. حركت شفتيها في محاولة بائسة منها للتحدث، ولكن بلا فائدة، فلم يخرج صوتها. وبعد فترة، همست نورهان بقلق: "إنتِ كويسة؟ هزت السيدة رأسها يمنة ويسرة رافضة وهي تتهالك على أقرب مقعد. نورهان: "طيب اهدي وقوليلي مالك يا بنتي." همهمت السيدة أخيراً:
"أنا عايشة طول عمري بهرب منك عشان مش عاوزة أفتكر الحقارة اللي عملتيها زمان وسيبت مصر كلها... أشوفك هنا." ضيقت نورهان عيناها وتابعت بدهشة: "أنا؟ أومأت نجلاء برأسها موافقة: "أنا اسمي نجلاء، رئيسة ممرضات... إنتِ جيتي من حوالي 21 سنة كنتي بتولدي في مستشفى في الصعيد، مش كده؟
أومأت نورهان رأسها بدهشة بعدما غشى ستار من الدموع عيناها أثر ذلك الألم المضني الذي يكاد يمزق قلبها لأشلاء ألماً وقهراً على طفلتها الراحلة، وأومات برأسها مؤكدة. فأردفت نجلاء بخزي: "وساعتها خلفتي بنت." أردفت نورهان بألم يقطر من صوتها: "نور، بس للأسف اتولدت متأخرة عقلياً وماتت بعدها بكام سنة." هزت نجلاء رأسها يمنة ويسرة وهي تتابع بخزي بعدما أخفضت رأسها: "بنتك كانت سليمة ومفيهاش أي حاجة." حدقت بها
نورهان بدهشة وهي تتساءل: "إزاي؟ وهي كانت متأخرة والدكتور قال كده و... وماتت؟ هزت نجلاء رأسها بقوة أكبر وهي تهتف بأسف: "اللي ماتت دي مش بنتك... اللي إنتِ خدتيها دي مش بنتك." صرخت بها نورهان بهلع حتى جاء على إثر صوتها عاصم. عاصم: "في إيه يا ماما؟ لم تجبه حتى، ولكنها صاحت غاضبة في تلك المرأة التي تقف أمامها: "إيه الهبل اللي إنتِ بتقوليه ده؟ أردفت نجلاء بندم:
"زي ما بقولك بالظبط. ساعة لما جيتي المستشفى، جت بعدك بخمس دقايق واحدة ست وشكلها كان من عيلة كبيرة عشان الاهتمام اللي كانت فيه، و ولدت بس جابت بنت متأخرة عقلياً. ولما الدكتور لفها زعقت وغضبت جامد جداً وقالت إن بطنها متشيلش عيال متخلفين وإنها مش بنتها وإن المستشفى هي اللي بدلت بنتها...
طبعاً محدش اتكلم ولا حتى بلغوا أهلها. بس بعد كده لما دخلتلها عشان أطمن عليها وأديها أدويتها، قالتلي هتديني فلوس كتير أوي لو بدلت بنتها ببنت تانية سليمة تكون نفس العمر، وقالتلي إني كده بنقذ بيتها من الخراب عشان جوزها لو عرف هيطلقها وإنها خلفت البنوتة دي بطلوع الروح." أخفضت بصرها وتابعت بخزي: "وفعلاً ده اللي حصل، الفلوس عمتني أنا والدكتور، وإنتِ مكنتيش فوقتي وقتها من العمليات، فبدلت البنت وأديتك بنتها."
لم تعلق نورهان الجاحظة عيناها، منهمرة عبراتها، ولا حتى عاصم الذي لا يكاد يصدق ما يسمعه بأذنيه. لم تستفق إلا على صياح عاصم بحدة: "هي مين الست دي؟ أردفت نجلاء بصدق: "والله ما أعرف أي حاجة عنها." وهنا نطقت تلك الصامتة، نطقت تلك المرأة الهادئة، لم تنطق هي، ولكن صرخت الأم بداخلها، صرخت ألماً وقهراً، صرخت لفقدان طفلتها، وما زادها ألماً هو وجود ابنتها ولكنها لا تعلم أين. نورهان: "يعني إيه؟
يعني تبقي بنتي الوحيدة عايشة ومعرفش أوصلها؟ تألمت نجلاء لنبرتها التي تقطر قهراً: "والله كل اللي أعرفه قولتهولك، بس إنتِ ممكن تدوري في سجلات المستشفى، مفيش غيركم إنتو الاتنين اللي ولد في نفس الليلة دي." في المساء، جلست مليكة تلعب مع الأطفال داخل المنزل وحولها خيرية ووداد وعبير المتبرمة حنقاً وحرداً، وقمر بعدما خرج الرجال للجلوس في الدوار الكبير.
حتى فجأة شعرت قمر بألم قاتل، فعلمت أنه الموعد. خرجت منها صرخة هلع فانتفضت السيدات من حولها ووقفن في هلع لا يقدرن على التصرف، وانفض الأطفال عن لعبهم يراقبون المشهد في ترقب وقلق، بينما ركضت همس إلى والدتها: "ماما... مالك فيه إيه... بتوجعي منين؟ صرخت قمر بألم: "هاتولي ياسر... كلمهولي إني بولد." وكأنها كانت الإشارة لتوقظهم من هلعهم وتحثهم على التصرف، فذهبت خيرية لمهاتفة ياسر، بينما صعدت وداد لتجلب لقمر ملابسها.
وبعد عدة دقائق، وصل ياسر المذعور ومعه سليم ومهران وشاهين. ركبت السيدات سيارة مهران، بينما ركب شاهين مع سليم مع ياسر، وتركوا مليكة والأطفال في المنزل. حاولت مليكة أن تلهي الأطفال، فقد أوضحت لها قمر كل شيء حين سألتها قبل يوم لما بطنها منتفخ هكذا، ففرح الأطفال وجلسوا في هدوء ينتظروا الطفلين.
وصل الجميع إلى المستشفى بعد وقت ليس بالقصير خلف ياسر الذي حمل زوجته وهرول بها للداخل يصرخ بالممرضات خوفاً وهلعاً، وحتى فرح أخذنها منه إلى غرفة العمليات، بينما جلس الرجال والسيدات بالخارج يدعون لها كي يعطيها الله وضعاً سهلاً وأن تخرج معافاة هي وطفليها.
لاحظت خيرية ابتعاد عبير لتجيب على هاتفها، ولكنها لم تعقب، فحال ابنتها لا يعجبها ويبدو أن الحديث بينهما سيطول بهذا الصدد، ولكن ليس الآن فليس وقته. أما سليم، فكان كمن يسير على جمر مشتعل، فمن ناحية هو قلق على طفلته التي تركها في المنزل بمفردها، ومن ناحية أخرى هو لا يريد ترك ياسر، من هو بمثابة شقيقه، حتى يطمئن هو الآخر على زوجته. فأخذ يدعو الله أن تنتهي تلك الولادة أسرع ما يكون.
وبالفعل، ما هو إلا وقت قصير حتى سمعا صراخ الطفل الأول يتبعه الطفل الثاني، فتهللت أسارير ياسر الذي ارتفع وجيفه فرحاً بسماع صوت طفليه. خرجت الطبيبة من الداخل، فركض هو ناحيتها يسأل بلهفة: "طمنيني يا دكتورة مرتي... جمر كيفها؟ ابتسمت في حبور وهي تتابع بهدوء: "متتقلقش خالص، هي زينة وشوية صغيرين وهتفوق." تنفس الصعداء وهو يحمد الله بشدة على سلامة الجميع، ورحل سليم بعدما اطمأن على قمر وطفليها وعلى ابن عمه أيضاً.
في قصر الغرباوي، تأخر الوقت فخلد الأطفال جميعاً للنوم، بينما هبطت مليكة للجلوس أمام التلفاز في صحن القصر. وبعد عدة دقائق، أتتها زهرة راكضة تستأذنها. زهرة: "ست مليكة، إني باخذ الإذن إني أروح بس أطل على أمي عشان تعبانة حبتين، يعني إنتِ عارفة بكرة مش هعرف أروح في أي حتة عشان الست جمر." أومأت مليكة رأسها بهدوء وأردفت باسمة: "أكيد طبعاً، روحي وابقي طمنينا." صمتت هنية ثم تابعت: "إنتِ محتاجة أي حاجة يا زهرة؟
تهللت أسارير زهرة: "خيرك مغرجنا يا ست الستات، ولو عاوزة أي حاجة عم مسعد بره ناديه عليه بس وهو هييجي." أومأت مليكة برأسها بحبور، فذهبت زهرة للخارج وجلست هي تقلب في التلفاز بملل، حتى سمعت صوت باب القصر يفتح، فنهضت واقفة تتساءل بقلق: "نسيتي إيه يا زهرة تاني؟ ولكنها سمعت صوت رجولي يتمتم بنبرة مرعبة أفزعتها: "لأ، إني مش زهرة." ارتجفت وتلعثمت في هلع: "ااا... اان... إنتَ مين ودخلت إزاي؟
في أمريكا، فتحت نورسين عيناها على ضوء الشمس، فوجدت عاصم يرقد بجوارها واضعاً رأسه على الفراش ويده أسفلها، يرقد في هدوء يشبه الأطفال. تسللت ابتسامة صغيرة لثغرها وهي تمسح على شعره بحنو. حب... عشق... وحتى خوف. نعم، فهذا هو اليوم الذي سيحدد فيه مصيرها، هي ستعيش أم... ترحل وتفارق تلك الحياة، تفارق محبوبها وأطفالها. فتح عينيه بهدوء ثم سحب يدها طابعاً عليها قبلة طويلة، انتفض على أثرها جسدها. ابتسم عاصم محاولاً إخفاء قلقه:
"صباح الفل يا نوري أنا." ابتسمت نورسين فهي ترى خوفه داخل عينيه، تشعر به في نبرة صوته، لمساته حتى. نورسين: "صباح النور يا حبيبي." ابتسم عاصم محاولاً تخفيف حدة خوفه وتابع مازحاً: "استنى هروح أجيبلك الفطار... إنتِ عارفة بيعملوا هنا فطار أحلى من أكل الفنادق عندنا في مصر." هم بالخروج فأمسكت نورسين بيده بعدما غلفت عسليتاها ستاراً من العبرات أعاق رؤيتها، وهي تهمهم بنبرة اختنقت إثر بكائها: "عاصم...
كانت تلك الكلمة هي الكفيلة لإسقاط كل محاولاته وشجاعته، فانتفض جسده إثر نبرتها بعدما فرت دمعة هاربة من عينيه وهرول إليها يضمها إلى صدره. أحاطت هي بخصره تدفن نفسها داخل صدره بقوة، وهي تحاول منع شهقاتها، حتى طوقها هو بذراعيه وضمها إليه أكثر هاتفاً بها بحنو: "عيطي يا نوري... عيطي."
وكأنها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فأنفجرت باكية بقوة، تعالت شهقاتها وارتفع نحيبها وهي تحاول الدخول بين أحضانه أكثر وكأنها طفلة صغيرة تختبئ بين ذراعي والدها، وكأنها تحتمي به من كل ما يخيفها. ربت عاصم على رأسها وهو يهدئها محاولاً منع نفسه من البكاء، حتى همست هي بخوف: "أنا خايفة أوي يا عاصم... خايفة... نور خايفة... خايفة تدخل ومتخرجش تاني. خايفة دي تكون آخر مرة أحضنك فيها... آخر مرة أشوفك... آخر مرة أشم ريحتك...
أنا خايفة أوي يا عاصم." لم يقدر ذلك الجبل الصلب على التحمل أكثر، فتدافعت عبراته وكأنها تتسابق من سيصل لمحبوبته أولاً. شعر بيده ترتجف وهو يضمها إليه أكثر هاتفاً بحزم وإصرار: "إنتِ هتدخلي وهتخرجي يا نور، سامعاني؟ هتخرجي عشان عاصم من غير نوره يموت، فاهمة؟ عاصم مش موجود من غير نورسين. هتخرجي عشاني وعشان أيهم وجوري. هتخرجي عشان لازم تخرجي، سامعة؟ أبعدها عن ذراعيه وهزها بقوة وهو يطالع عينيها بإصرار: "سامعاني؟
هزت رأسها باكية تشهق في ألم وخوف، فانقض يلثم شفتاها بخوف، حب ورقة متناهية. فصل قبلته حينما شعر بحاجتها للهواء وضمها بين ذراعيه أكثر وكأنه يتمنى أن تنصهر بين ذراعيه وتمتزج به. في المستشفى، وقف ياسر يشاهد طفليه وهما يرقدان في هدوء. فطبع قلبه هادئة على يده ومسح بها على أيدي طفليه، ثم اتجه ناحية زوجته يمسح على رأسها بحنو، فحسب كلمات الطبيبة ستستيقظ في أي وقت من الآن.
وبالفعل، ما هي إلا بضع دقائق حتى بدأت قمر تفتح عينيها بوهن. أول ما وقع بصرها عليه هو زوجها الباسم في حبور، فتسللت تلقائياً ابتسامة واهنة إلى شفتيها. قمر: "ياسر." حمل يدها بحنان طابعاً قبلة حانية عليها: "حمد لله على سلامتك يا حبة جلب ياسر من جوة." ابتسمت قمر بخجل وأردفت: "الله يسلمك... ولادي... هما فين؟ عاوزة أشوفهم." ابتسم ياسر بحنو بعدما أشار بجوارها على الفراش الصغير الموضوع بالغرفة: "هما يا حبة قلبي نايمين...
زي الجمر طالعين لأمهم تمام." ابتسمت قمر وهي تحتضن يده بيداها: "لأ إني عاوزاهم رجالة كيف أبوهم تمام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!