تحميل رواية «بين طيات الماضي» PDF
بقلم منة الله مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً. ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء. وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما. وضعت وجه...
رواية بين طيات الماضي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة الله مجدي
فتحت مليكة عيناها بوهن تشعر بجفاف قاتل في حلقها وظمأ يكاد يخنقها.
جالت ببصرها في ربوع الغرفة حتى رأته.
سليم كان نائماً في هدوء على أحد المقاعد بجوارها، يستند بنصفه العلوي على الفراش.
خفق قلبها بعنف إثر رؤيته بتلك الهيئة.
يرقد مسالماً كطفل صغير.
تمنت من كل قلبها لو أن بقاءه هنا يكون بدافع الحب وليس شفقة أو حتى واجب أو أي شيء آخر.
حب، وله وقلق فقط هكذا.
ولكن تلك ليست شيمة، أو يمكننا القول أنها ليست شيمة معها هي على الأخص.
تألم قلبها بشدة لتلك الخاطرة التي مرت ببالها، ولكنها نفضت رأسها في هدوء وهي تمد يدها لتلتقط كوب الماء الموضوع بجوارها بعدما قررت نسيان كل شيء والاستمتاع باللحظة.
فتح سليم عينيه بذعر حينما سمع صوت تأوهها الذي خرج من شفتيها بألم حينما ضغطت بيدها على موضع الجرح دون أن تقصد، متخللاً قلبه لينتفض من مكانه.
وقف يحاول أن يلملم شتات نفسه مستوعباً ما يحدث حوله.
انفرجت شفتيه بصوت رخيم إثر نومه.
سليم: انتِ كويسة يا مليكة؟
أومأت برأسها في ألم متمتمة في أسف.
مليكة: آسفة عشان صحيتك... أنا بس كنت عايزة أشرب.
انتفض قلبه قبل جسده لنبرتها، وما هي إلا لحظات حتى امتدت يده للكوب بجواره ووضع الماصة عند شفتيها، ولا تزال يده تمسك بالكوب.
اقتربت هي ببطء وأخذت ترتشف الماء بروية تروي به ظمأها، بينما وقف هو يطالعها بألم، فبالتأكيد أنه هو السبب في ما جرى لها الآن.
لم يتركها تشرب الكثير طبقاً لتعليمات الطبيب.
فأبعد الكوب واضعاً إياه على الطاولة بجوارها.
واتجه جالساً على المقعد المقابل لفراشها.
رمقها بهدوء ثم أردف سائلاً.
سليم: فاكرة أي حاجة؟
طالعته بعدم فهم.
فلاحظت أصابعه القابضة على يد المقعد حتى ابيضت مفاصله.
سليم: الحيوان ده مقالش أي حاجة؟
تمتمت مليكة بخفوت.
مليكة: سألني إن كنت مراتك ولا لأ... وأنا قلت أه.
بعد كده... بعد كده محستش غير بوجع وعرفت إنه ضربني بالسكينة.
سمعته يتمتم بغضب ببعض الشتائم بالإسبانية، بينما تشتد قبضتاه أكثر وأكثر على يد المقعد حتى شعرت بأنه كاد أن يكسرهما.
وما هي عدة دقائق حتى هب واقفاً كمن لدغته عقرب واقترب منها، فانكمشت هي على نفسها في الفراش بينما ارتفع رجيفها خوفاً من هيئته.
ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح حينما انفرجت شفتيه عن نبرة رخيمة تمتم بها بكبرياء سلبها أنفاسها.
سليم: أنا آسف... آسف جداً يا مليكة لأني مقدرتش أحميكي، بس أوعدك إني هجيب لك حقك.
همت بالتحدث، فاوقفها بإشارة من يده.
سليم: أنا عارف إن أي كلام دلوقتي ملوش لازمة، بس لازم تعرفي إني مش هسيب الحيوان اللي عمل كده أبداً.
ثم تركها... تركها وذهب وكأنه لم يكن من الأساس.
تركها ورحل في هدوء.
لم يعطها حتى الفرصة لإخباره بمدى حماقته.
كيف لم يستطع حمايتها وهو فارسها الوحيد وبطلها الشجاع.
أنها تفتخر بكونها امرأته، ولتكن أكثر دقة بأنها زوجته.
دلفت بعده نورسين وظلت بجوارها بضع الوقت.
تسألها عما حدث وتحكي لها كيف كان سليم قلقاً ومذعوراً في اليومين السابقين.
ابتسمت بداخلها.
نعم ابتسمت وبقوة.
كيف لا وهي تسمع الآن ما يطرب الأنثى بداخلها، ولولا هذا الجرح اللعين الذي يعيق حركتها وبشدة لكانت رقصت فرحاً.
هي فقط تتذكر بعضاً من صراخه يومها وبضع كلمات حثيثة سمعتها أثناء غيبوبتها في السيارة في طريقهم لهنا.
***
في الخارج.
جلسا ياسر وسليم في الكافتيريا الموجودة بالمستشفى.
فأخبره ياسر عما تنوي جدته بإيجاز.
هتف سليم بدهشة.
سليم: يعني انت عايز تقولي إن الغرباوية هيوافقوا؟
أردف ياسر بقلق.
ياسر: أنا مش خايف غير من عيلة عمك سليمان.
دول اللي واخدين الموضوع على صدرهم أوي.
أردف سليم ساخراً.
سليم: بيحبوا الخير زي عنيهم.
استطرد ياسر بجدية.
ياسر: سِتّك كانت عايزاك تبقي موجود.
رفع سليم كتفيه بقلة حيلة وهو يجوب ببصره في ربوع المكان، ثم استطرد بأسى.
سليم: والله كان نفسي بس أديك شايف.
أومأ ياسر برأسه بتفهم.
ياسر: ربنا يشفيها ويكون في عونك.
أنا لازم أسافر البلد على بالليل بالكتير عشان نشوف هنعمل إيه بالظبط مع بقيت الغرباوية.
ابتسم سليم.
سليم: إن شاء الله خير متقلقش... انتوا بس خليكوا حازمين من الأول عشان ميسوقوش فيها.
وخصوصاً إن ده الحق، ولو حصل أي حاجة كلمني وأنا هكون عندك فوراً.
أومأ ياسر برأسه في هدوء.
ياسر: ربك يسترها.
***
ما هي إلا بضع أيام حتى خرجت مليكة من المستشفى مع تعليمات الطبيب لها بالراحة التامة والإقلال من الحركة قدر المستطاع.
عادت إلى المنزل وسليم بجوارها، فرأت مراد يركض ناحيتهما بسعادة بالغة، فهو قد اشتاق لوالديه اللذان سافرا لأمر ضروري لهذا لم يستطيعا أخذه كما أخبره سليم.
همت بحمله ولكن سليم أخذه منها بسبب جرحها، يداعبه ويؤرجحه ويستمع إلى حكاياته المثيرة مع أميرة المربية.
***
في الصعيد.
هاتف مهران جميع رجال الغرباوية بالحضور للدوار الكبير بعد بضع ساعات.
وبالفعل ما هي إلا ساعات قليلة حتى دلف رجال الغرباوية الواحد تلو الآخر للدوار.
وبالخارج يقف أهالي الكفر تعلوهم الدهشة ويحملهم القلق ويضعهم في توجس.
ترى ما سبب هذا الاجتماع؟
أ هو خير أم أنها ستكون بداية النيران التي ستستعر في النجع حتى تحيله إلى رماد؟
وبعد عدة ساعات أخرى من النقاش والمناورات، حتى أنها وصلت للمشادات الكلامية في بعض الأحيان.
أذعن أعتى الرجال لكلمات سليم التي قصها عليهم في الهاتف.
كيف لا وهو كبيرهم الذي يحترمونه ويقدرونه على الرغم من صغر سنه.
فله الكثير والكثير من الأفضال على الكبير منهم قبل الصغير.
انقضى الأمر وأُعلن عن انعقاد عشاء كبير لعائلة الراوي بقصر الغرباوية الكبير.
***
بعد مرور يومان.
بعد صلاة الظهر.
وقفت ثلاث سيارات تخص عائلة الراوي أمام قصر الغرباوية الذي اصطف حوله أهالي النجع في توجس.
فقد دخلت السيدات ومعهن الأطفال داخل المنازل والمحلات وأُغلقت الأبواب والنوافذ جيداً، بينما وقفن يسترقن السمع يدعون بداخلهم أن يمر هذا اليوم على خير.
أما الرجال فوقفوا في قارعة الطريق في قلق يتساءلون بريبة.
ترى ما سر تلك الزيارة؟
أ ستشتعل نيران الحرب بين العائلتين مرة أخرى؟
هل ستخلد تلك الليلة في ذكرى الجميع ولن يقدر أحد على نسيانها؟
أ ستكون هي بداية النيران التي ستستعر في أرجاء النجع حتى تحيله هشيماً تذروه الرياح؟
أم ستكون بداية لفجر جديد بين عائلتي الراوي والغرباوية وتكون تلك هي بداية جمعهم سوياً كالسابق؟
لا أحد يعرف.
هبط من السيارة الأولى.
أمجد الراوي ومعه زوجته نورهان.
بينما هبط من السيارة الأخرى حسام الراوي ومعه والداه قدري الراوي وسمية الراوي.
أما السيارة الثالثة فركض منها الأطفال - أيهم وجوري - لجديهما.
بينما هبطا عاصم ونورسين اللذان حضرا في الصباح الباكر.
وقف الرجال يراقبون ماذا سيحدث بالتحديد.
بينما حبست النساء أنفاسهن يتضرعن للمولي.
حتى شاهدا مهران وبجواره شاهين وياسر يخرجون لاستقبال ضيوفهم بترحاب شديد.
فتنفس الكل الصعداء وعاد صراخ الأطفال يملأ المكان وخرجت النساء وتوجه الرجال لما كانوا يفعلونه.
دلف الرجال ليجلسوا في صحن القصر يتبادلون الأحاديث كلاً منهم في تحفز للآخر على أتم استعداد لبداية الحرب، ولكن مهران وياسر بحكمتهما استطاعا السيطرة على مجرى الحديث وتحويله للمجال العملي والودي أكثر.
بينما اتجهت النساء للمقعد الكبير في الجزء الغربي من القصر بصحبة خيرية ووداد وقمر اللاتي عرفن جيداً كيف يسيطرن على الوضع بحكمة.
فقد كانت خيرية تراقب ابنتها عبير في تحفز لتقطع عليها أي فرصة لنشب الخلافات.
هي تعرفها وتعرف مدى شعورها بالضيق.
أما نورهان وبثينة فقد كانتا تشعران وبشدة بتلك الأجواء المشحونة، وخصوصاً نورهان فهي جالسة الآن مع غريمتها تتشاركان نفس الأريكة، وها هي تجلس بأريحية شديدة على عكس عبير تماماً.
التي أخذت تطالعها بنظرات نارية تنم عما يعتمر جوفها.
كيف يتوقع منها أولئك القوم أنها ستجلس في غرفة واحدة مع غريمتها بكل هدوء؟
لا ليست حتى نفس الغرفة بل أنها تشاركها الأريكة، تشاركها الهواء الموجود في الغرفة.
ولكن يجب عليها... يجب عليها التحلي بكل مخزونها من الهدوء لأن أي تصرف خاطئ يصدر منها الليلة سيقيم بحور من الدماء لن تنتهي حتى أبد الآبدين.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة الله مجدي
وضعت الأخونة بجوار بعضهن البعض.
طاولة كبيرة للسيدات بجوارها طاولة أخرى للرجال.
نهضت خيرية تدعو الجميع للغداء بعدما وُضع الطعام على الموائد.
جلس الجميع يتبادلون المزاح والحديث.
تعرّف ياسر على عاصم وحسام واندماجوا كثيرًا سويًا.
بينما لاحظ هو مدى إبداع وحنكة عاصم فيما يتعلق بالعمل.
وتناقشا سويًا في مشروع ما.
ياسر: الفكرة زينة جوي وهفاتح فيها سَليم ونتفج نتجابلوا في الشركة في القاهرة إيه رأيك.
أومأ عاصم بحماس.
عاصم: الفكرة عجبتني جدًا وأكيد موافق عليها خلاص حددوا ميعاد وقولي.
أومأ ياسر باسمًا وهو يشير ناحية الطاولة.
جلست نورسين أمامها قمر وبجوارها فاطمة.
انغمس الجميع في تناول الطعام.
بينما تسلل لسمع نورسين أصوات همهمات خافتة تأتي من طاولة الرجال.
رفعت بصرها تلقائيًا لتلاحظ قمر التي تبتسم بخجل وهي ترمق زوجها بنظرات هائمة.
تحول بصرها تلقائيًا في هدوء دون أن يلاحظها أحد ناحية طاولة الرجال.
فلاحظت ياسر وهو يغمز لقمر ويبتسم لها في هيام.
ومن حركات شفتيه أنه يخبرها بكلمات غزل ما.
ابتسمت بداخلها في شجن وهي تطالع زوجها الذي انغمس في مزاحه مع حسام والجميع ولم يلتفت ناحيتها ولو لثانية.
طالعته وهي تتنهد بعمق تكاد تبكي شجنًا على حالتها.
هي تتذكر كيف كانا قبل ارتباطهما.
وكيف كان يطالعها بنظرات تجعل قلبها يرفرف بين أضلعها.
بنظرات لا طالما سلبت أنفاسها.
تنهدت بعمق وهي تطالعه بألم وكأن قلبها يحدثه:
"ألا تعلم عزيزي أن ما أحمله لك من حب قد عذبني كثيرًا وأنهك روحي."
هزت رأسها بلطف تطرد تلك الأفكار.
وهي تعود برأسها ناحية طعامها.
بينما أخذ لسانها يلهج بالدعاء لأؤلئك الاثنين.
بعد انتهاء الطعام.
جلست السيدات في مكانهن.
بينما لاحظ الجميع نظرات نورهان المتألمة تجاه فاطمة.
ربتت خيرية على فخذها بلطف وهي تبتسم لها بحنو.
خيرية: منورانا يا مرت الغالي.
ابتسمت نورهان في امتنان وهي تومئ برأسها في خجل.
نورهان: دا نورك يا ماما.
مرت فاطمة من أمامهما ناحية قمر تخبرها بأمر ما.
فأشارت لها نورهان بالجلوس بجوارها.
وقفت فاطمة لا تدري ما الذي يجب عليها فعله.
فهي ترى نظرات أمها التي استحالت لنظرات عجيبة لم تعهدها من قبل.
بينما ارتسم على وجهها ملامح عجيبة.
لكن قطع عليها كل ذلك صوت خالتها وداد الدافئ.
وداد: روحي يا بتي.
تقدمت بخطوات مرتابة متمهلة حتى وجدت نورهان تبتسم لها في حبور.
نورهان: عمرك 24 سنة مش كده.
ابتسمت فاطمة بخجل.
فاطمة: أيوة.
أردفت نورهان باسمة بأسى:
نورهان: بنتي كانت هيبقي عندها زيك كده.
أردفت فاطمة باسمة بحماس.
فاطمة: طب وهي مجتش وياكوا ليه.
أظلمت عينا خيرية في أسى.
فأردفت نورهان باسمة:
نورهان: بنتي مشيت من زمان. راحت للي خلقها.
اضطربت ملامح فاطمة في أسى.
وأردفت تعتذر منها في ألم شديد على حماقتها.
فاطمة: أني آسفة واصل والله مكنتش أعرف.
ربتت نورهان على يدها في حنو وأردفت في حبور.
نورهان: ولا يهمك يا حبيبتي ما إنتِ زيها بالظبط. مش كده ولا إيه.
أومأت فاطمة برأسها في سرعة وأردفت باسمة.
فاطمة: وأني أطول برضوا.
ابتسمت نورهان واحتضنتها في حبور.
بينما جلست عبير وفي قلبها آتون مستعر من الغل والحقد يكاد يحرقها ويحرق الجميع من حولها.
***
في قصر الراوي.
وضعت نورسين أطفالها في فراشهم بعدما دثرتهم جيدًا.
ثم عادت لغرفتها في هدوء لتجد عاصم يجلس على حاسوبه كالعادة ينجز بعض الأعمال.
تنهدت بيأس بعدما أغلق الباب خلفها.
وفكت حجابها الذي انحسر عن أمواج من شعرها البندقي الذي انسدل لينشر عبيره الأخاذ في الغرفة.
توجهت في هدوء لتبدل ثيابها.
ومن ثم عادت لتجلس أمام طاولة زينتها.
ثم هتفت فجأة وبدون إدراك بنبرات تحمل في ثناياها الحسرة والشجن.
نورسين: شوفت يا عاصم ياسر وقمر ماشاء الله عليهم مبسوطين إزاي سوا.
أغلق حاسوبه بعدما اتسعت حدقتاه لنبرتها وهتف بدهشة.
عاصم: ليه يا نور هو إنتِ مش سعيدة.
ضحكت بسخرية وفرت منها دمعة هاربة توضح مدى ألم قلبها العاشق المعذب.
نورسين بسخرية: سعيدة. أنا أبعد ما يكون عن السعادة دي يا عاصم.
حدق بها بدهشة ورفع حاجبه الناقم بحنق.
عاصم: وليه بقي يا نور بيت وعندك بدل البيت تلاتة. عربيتك أحدث موديل. بتلبسي أحسن من أي حد. الولاد في مدارس إنترناشيونال. سفر وبتسافري. فلوس ومعاكي عاوزة إيه تاني.
نهضت دافعة المقعد الصغير ليحدث صوت صرير يخترق الجو المشحون توترًا.
ومن ثم تمتمت بألم ويأس بصوت يغمره الشجن والقهر.
نورسين: عاوزة حب. اهتمام. أنا وإنت فين من كل ده يا عاصم.
نعم. هي عاشقته المعذبة. التي أماتها إهماله.
وكأنه لا يعرف أن الإهمال بعد الاهتمام هو قتل نفس بريئة بغير حق.
يا ولدي إن المرأة بحاجة إلى الاهتمام أكثر من حاجتها للحب وكل تلك الترهات التي تتفوه بها.
هتف هو بهدوء.
عاصم: ما إحنا زي الفل يا نور أهو مالنا بس.
ضحكت بسخرية ممزوجة بالقهر.
نورسين: زي الفل! لا يا عاصم متكدبش على نفسك إحنا مش زي الفل ولا حاجة. إحنا أبعد ما يكون عن كده.
استقام جزعها وضاقت عيناها بعدما ضاق ذراعاها حنقًا منه هاتفة به في حنق.
نورسين: إنت آخر مرة اتصلت بيا بس لمجرد إني وحشاك وعاوز تطمن عليا كان إمتي يا عاصم. آخر مرة قولتلي بحبك اللي كنت مغرقني بيها أول ما عرفنا بعض كان إمتي يا عاصم. آخر مرة افتكرت عيد جوازنا كان إمتي. بلاش كل ده آخر مرة افتكرت عيد ميلادي من نفسك كان إمتي يا عاصم.
آخر مرة قولتلي وحشتيني يا نور كانت أمتي يا عاصم. آخر مرة حبيت تفاجئني بيها بأي حاجة كان إمتي يا عاصم.
تابعت بقهر اخترق قلبه ليمزقه لأشلاء.
نورسين: آخر مرة بصتلي فيها زي زمان كانت إمتي يا عاصم.
تابعت بدموع.
نورسين: يا عاصم إنت بتقعد معانا على السفرة تقضية واجب مش أكتر. بتقعد بجسمك بس. إنما عقلك بيبقى مع الصفقة الغولانية ولا بتفكر في المناقصة العلانية. وإحنا آخر حاجة.
ثم تابعت بتوسل.
نورسين: ومتقوليش إنك بتعمل كل ده علشاننا. إحنا والله مش عاوزين كل ده أصلًا.
إحنا عاوزينك إنت. لا عاوزين بيت كبير فاضي علينا مش حاسين فيه بالأمان علشان عمود البيت ومصدر أمانه دائمًا غايب. ولا عاوزين فلوس كتير مش عارفين ننبسط بيها وإنت مش موجود جنبنا. ولا حتى عاوزين عربيات ولا عاوزين أي حاجة والله.
أنا وأولادك محتاجينلك يا عاصم. محتاجينلك أوي والله.
كاد أن يتحدث فتابعت هي بألم يقطر من صوتها.
جمرًا يكوي قلبه.
نورسين: عاصم أنا مش بلومك أبدًا والله. أنا عارفة إنك عاوز توفرلنا كل اللي تقدر عليه علشان نبقى في أحسن حتة وأحسن مكان. بس كفاية كده بقى إحنا عاوزينك جنبنا مش عاوزين حاجة تانية والله. إنت بالدنيا وما فيها يا عاصم.
صدم من كل ما تشعر به وتكتمه بداخلها كل تلك الفترة.
أ حقًا كان ذلك البعيد الغائب.
أ حقًا قرر أن يتخذ الدور الذي لطالما امتقته.
تمتمت نورسين بألم.
نورسين: قرب من ولادك يا عاصم. إنت بقيتلهم الـ ATM بتاعتهم مش أكتر.
ولادك محتاجينلك أكتر من أي حد. نفسهم يلاقوا بابي بتاعهم دائمًا موجود يحضنهم ويبقى جنبهم. يبقى بطلهم في كل حاجة. نفسهم يلاقوا بابي يسألهم بيحبوا إيه وبيكرهوا إيه. يلعبوا معاه. يتمرنوا سوا.
تمتمت بتوسل باكية.
نورسين: جرب يا عاصم تكسبهم وتقرب منهم علشان خاطر ربنا.
ثم همست بألم لم يصل إلى مسامعه.
نورسين: يارب يا عاصم تقرب منهم بمزاجك وأنا عايشة بدل ما يضيعوا منك بعد ما أموت.
احتوى عاصم وجهها بين يديه وتابع بحنو بالغ.
بنبرة متألمة لألمها ودموعها.
عاصم: إنتِ عارفة أنا بحبكوا قد إيه يا نوري. أنا معنديش أهم منكوا في الدنيا. عارف إني مشغول بس غصب عني. وأوعدك إني هحاول أفصل الشغل عن البيت. بس أهم حاجة مشوفش دموعك أبدًا سامعاني.
عمد بأنامله إلى وجهها يجفف دموعها برفق بالغ.
تحدث بصوته الأجش الذي يسلبها عقلها دائمًا.
عاصم: إتفقنا.
تنهدت باسمة وتابعت.
نورسين: إتفقنا.
غمزها عاصم بمكر ثم تابع بجدية.
عاصم: بقولك إيه ما تيجي نجيب توأم حلوين كده لأيهم وجوري.
شهقت نورسين بخجل وهي تدفن وجهها بصدره.
نورسين: عاصم!
عاصم: عاصم إيه بس وبتاع إيه تعالي بس هقولك.
***
عاد سليم من عمله مساءً متوجهًا لغرفة مليكة التي يعلم أنها نائمة في هذا الوقت.
فذلك الدواء اللعين يجعلها تنام كثيرًا.
فلا يستطيع أن يشبع عينيه منها.
بعدما أغلق هاتفه بعد محادثة طويلة بينه وبين ياسر ابن عمه مخبرًا إياه كل ما حدث في تلك الأمسية بالتفصيل.
ومعربًا عن رغبته هو وعاصم في مقابلته والحديث عن مشروع ما قد تحدثوا فيه قليلًا أثناء العشاء.
وموافقة سليم وتحديد موعد ليتقابلوا فيه سويًا في مقر الشركة بالقاهرة.
دلف في هدوء إلى غرفتها ليجدها راقدة في هدوء منسدحة على الفراش في وداعة.
أخذ يتطلع إليها بإحساس لم يعده يومًا.
غريبًا عن قلبه الوحيد.
فقد كان يفكر فيها دائمًا.
لم تكن تبرح خواطره.
وحتى أفكاره لم تخلو منها مطلقًا طوال يومه.
ظل يكابر ويعاند نفسه كثيرًا كي يصعد مباشرة لغرفته دون العروج على غرفتها.
لكن أخيرًا تحطمت مقاومته واتجه ذاهبًا يدفعه قلبه الذي أخذ يعاند وبشدة لحجرتها كي يراها.
فقط هي.
كيف له أن يقاوم ذلك الجمال الملائكي القابع هنا على الفراش.
وعلى ذلك الضوء الخفيف الذي تسلل من القمر لشرفتها ليضفي عليها مظهرًا عجيبًا.
كم كانت تشبه الحوريات بذلك الرداء المخملي الذي يجعلها كتلة مجسمة من الفتنة.
نعم فتنته كما تفتن تلك الحوريات البحارة بسحرهن.
ودون أي عناء يذكر منها.
وشعرها.
وآه من خصلات شعرها الحريرية التي تضاهي النيران في فتنتها وإثارتها متناثرًا حولها في غجرية تبعثر روحه وتنثر أشلاء قلبه وتهيم بعقله.
آه لا يعرف حتى ماذا حدث معه وكيف.
هو ليس بطفل أو حتى شاب مراهق كيلا يعرف ما هو الحب.
هو يعرف ذلك الشعور جيدًا.
يعرف إنه الحب.
ولكن كيف ومتى ولماذا.
ألا تعلم يا ولدي أن الحب يأتيَك متخفيًا فلا تسأله لما أتى.
ولا تسألهُ عن السبب.
فهو إن ضرب ضربتهُ لا سبيل للنَجاة.
ولا طريقاً للهرب.
***
في صباح اليوم التالي.
انسل عاصم من فراشه بعدما طبع قبلة حانية على رأس زوجته.
وارتدى ثيابه متوجهًا للمطبخ.
وقف يعد لهم طعام الإفطار في هدوء وسط دهشة الخدم الموجودين بالقصر.
وبعدما انتهى طلب من الخدم وضعه على طاولة الطعام.
وصعد هو لإيقاظ طفليه اللذان لم تسعهما فرحتهما حين شاهدا والدهما يوقظهما صباحًا.
لا بل إنه لا يحمل هاتفه أيضًا أو حتى يطالع جريدته.
بل يحملهما ويلعب معهما.
احتضنه أيهم بقوة هاتفًا به يسأله ببراءة.
أيهم: بابي إنت مش رايح الشغل ولا إيه.
هز عاصم رأسه باسمًا يمنة وميسرة.
فاحتضنا أيهم وجوري والدهما وهما يهتفان بسعادة.
آلمت والدهما فقد أدرك الآن كم كان أحمقًا ليبدي عمله على هذين الملاكين.
حمل طفليه وتوجها لإيقاظ نورسين التي لم تصدق عيناها ما تراه.
حتى أنها ظنته حلمًا جميلًا من بين تلك الأحلام التي تراودها يوميًا.
حتى سمعت أطفالها يخبرانها بسعادة بينما يتقافزان فرحًا أن والدهما سيقضي معهم اليوم بأكمله ولن يذهب للعمل.
***
بعد مرور عدة أيام.
في شركة سليم الغرباوي.
اجتمع الشباب الثلاثة لمناقشة مشروع ما.
ليكون ذلك هو أول اتحاد يتم منذ زمن طويل بين عائلتي الغرباوي والراوي.
هتف عاصم باسمًا.
عاصم: إنت بقي ابن عمو زين الله يرحمه.
ابتسم سليم بفخر وتابع مؤكدًا.
سليم: أيوة بس إشمعني.
ابتسم عاصم بحبور متابعًا.
عاصم: أصل بابا مبيطلش كلام على عمو زين الله يرحمه.
في نفس الوقت حضر ياسر ينفخ متأففًا.
ضيق سليم عيناه وهتف مشاكساً.
سليم: مالك يا زينة الرجال.
ضحك عاصم على سخرية سليم.
ياسر: أدي اللي خدناه من الحمل والوحش. شوية مش طايقاني وشوية عاوزة أبصر إيه. مرار طافح.
ضحكا سليم وعاصم على ضيق ياسر.
وهتف سليم مازحًا.
سليم: الأبوة مش بالساهل يا حبيبي.
تذكر عاصم مشهدًا ما وقت حمل نورسين بجوري.
فتمتم ضاحكًا.
عاصم: إنت عارف مراتي كانت بتتوحم على إيه لما كانت حامل في جوري.
أردف سليم باسمًا بمزاح.
سليم: إشجينا.
أردف عاصم زامًا شفتيه تعبيرًا عن مرارة أيام حمل زوجته.
عاصم: كانت بتتوحم على الطوب الأحمر.
انفجر سليم ضاحكًا.
أما ياسر فحدق به مدهوشًا.
فاستطرد عاصم باسمًا.
عاصم: كانت تاخدني على ملا وشي في إنصاص الليالي نروح مواقع لسه بتتبني وتقعد تاكل في الطوب اللي هناك زي الزومبي بالظبط.
جلس ياسر وتابع بثقة.
ياسر: واه واه دا أني على كده أحمد ربنا على جمر وأروح أبوسها كمان.
تمتم سليم بين ضحكاته.
سليم: قولتلك إحمد ربنا.
***
في فيلا سليم الغرباوي.
تعافت مليكة بعد مرور أشهر على ذلك الحادث اللعين.
فقررت الذهاب لزيارة عائشة ورؤية طفلها عبد الرحمن.
تناولوا طعام الإفطار سويًا.
وودعت مراد للذهاب لمدرسته.
وانتظرت هبوط سليم للأسفل كي تأخذ إذنه قبل ذهابه للعمل.
سليم: السواق برة تحت أمرك ومتتأخريش ومتقفليش موبايلك علشان لما أحب أوصلك.
كانت تلك الكلمات التي خرجت منه بحزم وجمود قبل أن يخرج ويترك علامات الفرح بادية على وجهها المستدير.
جلس أمام مقود سيارته يزفر الهواء واضعًا يده على قلبه ليطمئنه.
قبل أن يخرج من مكانه بسبب ارتفاع وجيفه.
مشاعره تزداد كل يوم.
من حب لعشق لهيام له ولهوس.
أصبح لا يستطيع كبح جماح رغبته بالركض وإلصاق رأسها الصغير بصدره وإغداقها بكل عبارات الحب والغرام وكلمات الغزل التي لم يتخيل نفسه ينطقها يومًا ما.
حب يخفيه عن العالم.
لا يعرف بشأنه مخلوق.
يلعن نفسه مرارًا وتكرارًا لذلك الوعد الذي قطعه لنفسه أمام قبر شقيقه في الماضي ولا يزال يدفع ثمنه للآن.
فحلوته تزداد جمالًا كل يوم.
تزداد أنوثة كل يوم.
كيف يشرح حبه الكبير.
إنه لعنة تسيطر عليه.
يغيب لديه المنطق بمجرد مرورها من جانبه.
يفقد عقله بمجرد استنشاقه لشذاها الآخاذ.
يعشق كل تفصيل صغير فيها.
يتوه بين نمنماتها وقسمات وجهها.
يدرس حركاتها وخطواتها.
نعم لقد وقع في عشق صهباؤه الجميلة.
***
في صحن قصر الغرباوي.
علت صيحات الفرحة وزغاريد السيدات.
وانهالت على قمر عبارات التهنئة من السيدات.
عدا تلك الناقمة عبير.
بعد معرفتهم بحمل قمر في توأم ولدين.
وكأنهما عوض الله عن قهر وألم تلك المسكينة لإسكات أفواه عبير وغيرها.
***
في شركة سليم الغرباوي.
هاتف سليم ياسر متمتمًا في فرح وفخر.
سليم: عاوزك تجهز حفلة كبيرة بقى.
هتف ياسر وسط دهشته.
ياسر: إنت عرفت.
تابع ياسر بدهشة أكبر.
سليم: عرفت إيه بالظبط.
صاح ياسر فرحًا.
ياسر: جمر. جمر حامل في توم ولدين.
حمد الله سليم ربه فرحًا وأخذ يعوذهما من أعين كل حاقد حسود وبارك له كثيرًا.
أردف سليم باسمًا بفرح.
سليم: بس أنا مكنش قصدي على كده. افتح الجرايد كده وقولي شايف إيه.
ضيق ياسر عيناه وتابع متسائلاً.
ياسر: في إيه.
هتف سليم به بسعادة.
سليم: الصفقة كسبناها وأول نجاح لصلح العيلتين.
واتفقا سويًا على إقامة حفل كبير سيكون بجوار مقر الشركة في القاهرة.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منة الله مجدي
أُقيمت الحفلة وأُعد كل شيء. كان كل شيء رائعاً كما هي عادة حفلات شركة الغرباوي. كل شيء راقٍ وفخم للغاية.
حضرها لفيف من كبار رجال الأعمال والمستثمرين المصريين، وحتى الأجانب أيضاً. والأهم من ذلك، كل أفراد أسرة أمجد الراوي وبعضاً من أفراد عائلة الغرباوي.
على أحد الطاولات، هتفت قمر بسعادة تهنئ سليم وياسر والفتيات على نجاح الصفقة، داعية لهم بأن يزيد الله نجاحهم ويحفظ مجهوداتهم. فأمن الجميع خلفها.
ومن ثم تركهما سليم ومعه ياسر للتحدث مع أحد الأشخاص.
حضرت نورسين وتوجهت لطاولة الفتيات اللتان رحبا بها للغاية، فقد تقربن كثيراً من بعضهن خلال الفترة الماضية.
وبعد قليل من الثرثرة على ملابس بعض النساء الموجودات وتصرفاتهن، لاحظت مليكة أن قمر تكاد تنفجر غضباً من تصرفات ياسر ومزاحه مع الفتيات. فضحكت بأسي، فهي أكثر من يعلم شعورها.
وتابعت مازحة:
مليكة: خليكي هنا يا قمر مع نوري وهروح أجيبلكوا حاجة تشربوها.
نفخت قمر وجنتيها هاتفة بغضب:
قمر: ماشي أديني جاعدة أهه. هروح فين يعني؟ عاد.
أومأت مليكة برأسها باسمة في حبور وتوجهت لإحدى البارات الموجودة لتحضر لها بعض العصير لتهدأ قليلاً، ولكنها شاهدته.
نعم، شاهدته.
ظلت تهز رأسها غير مصدقة لما ترى، فخُيل لها في بادئ الأمر أنه خيال من ذلك القلب الأرعن. ولكن ما أكد ظنونها هو رؤيتها لياسر يقف معه. شاهدته وتعرفت إليه بسهولة. وكيف لا تتعرف على ذلك الوجه الذي لن تنساه مادامت على قيد الحياة. ذاك الذي لطالما كان مصدر سعادتها وأمانها.
ولكن اختلف كل ذلك الآن. فأصبح هو سبب شقائها وعذابها. أصبح هو سبب موت والدتها وحتى شقيقتها وحالتها الآن مع زوجها.
بدأت تشعر بالخطر الداهم الذي يحلق بها، وارتفع رجيفها بشدة كالإنذار. وبدأت أجراس الخطر تنطلق في عقلها تحثها على الهرب فوراً.
حاولت الهرب، فهي تعلم أنه إن شاهدها سيتعرف عليها وبسهولة، فهي تشبه والدتها إلى حد مرعب. ولكن قد فات الأوان الآن، فقد شاهدها أمجد، لا بل استطاع التعرف عليها أيضاً.
وقف مدهوشاً يفتح عينيه ويغلقهما عدة مرات حتى يتأكد مما يرى. وما إن تأكد حتى جذب عاصم من يده وسار خلفها بسرعة، فقد بدأت في العدو هاربة مبتعدة عنه، فهي لن تقدر على المواجهة. لا تستطيع.
انقبضت رئتاها وهي تخرج لحديقة هذا المكان الواسع. لا ذرة هواء حولها لتساعدها على التنفس. اختنقت وآلمها صدرها وأخذت تحاول التنفس بصعوبة. استندت على شجرة ما تقوي نفسها. والدها هنا. نعم، إنه هنا الآن.
دهش عاصم مما يفعله والده، فهتف يسأل في دهشة:
عاصم: في إيه يا بابا؟
هتف به أمجد بلهفة بعدما اغرورقت عيناه بالدموع:
أمجد: أختك... أختك يا عاصم... أختك هنا. مليكة هنا أنا متأكد.
أوقف عاصم والده ومن ثم تابع شاعراً بالأسى على حالة والده:
عاصم: ومليكة إيه اللي هيجيبها هنا بس يا بابا؟
أشار أمجد ناحيتها بلهفة:
أمجد: أهي هي اللي بتجري هناك دي. روح إلحقها يا عاصم.
هم عاصم بالاعتراض، فقاطعه أمجد برجاء متوسلاً:
أمجد: علشان خاطري يا ابني.
لمست نبرة والده قلبه، فتركه وبدأ بالركض للخارج، فهو أسرع من والده كثيراً.
وأخيراً استطاع الإمساك بها، فأمسك بيدها التي ارتجفت إثر لمسته. فقد أيقنت الآن بأنه لا يوجد مفر. حان وقت المواجهة وهي لن تهرب.
سار أمجد في خطوات مسرعة ليستطيع اللحاق بابنته وابنه يسبقه، قلبه الذي أخذ يحلق من فرط سعادته بلقاء طفلته الغائبة.
وقف أمامها يتطلع إليها بشوق وحب بالغين، هاتفا بلهفة وبصوت متقطع يتخلله الدموع:
أمجد: مليكة، انتِ مليكة بنتي.
تطلعت إليه بجمود كالصخر، فهي لن تحن. لن تميل إليه. وكيف تحن وهو من تركها هي ووالدتها دون حتى أن يفكر بهما. تركهما ولم يتعاطف مع بكائها ولا نحيبها ولا تشبثها بثيابه ولا بدموعها.
استقام جزعها وشبكت يديها أمام صدرها متحدثة بكلمات تقطر جموداً وقسوة:
مليكة: أفندم حضرتك مين؟
هتف بها بحنان وشوق كل تلك السنوات:
أمجد: أنا أمجد... أبوكي... أبوكي يا مليكة... أنا... أنا بابا يا حبيبتي.
هم بإحتضانها، فعادت هي خطوتين للوراء واضعة يدها أمامها لمنعه. ومن ثم صاحت به بغضب حنق وحزن امتلأ به صدرها وحُبست به روحها كل تلك الأعوام. بغضب أطفأ لمعة عيناها:
مليكة: بابي... بابي مش موجود. بابي مات من 20 سنة.
ضحكت بسخرية يتقطر منها قهراً كوى قلب ذلك الأب المعذب بفراق ابنته وتمزق شمل عائلته:
مليكة: بابي مات لما سابني أنا ومامي وأختي.
تألم أمجد لحديث ابنته، فهو يعلم أنها محقة. يعلم أنه هو من تركها وتخلى عنها. يعلم جيداً مدى حماقته، ولكنه أدرك الآن مدى خطأه وهو الآن على أتم الاستعداد كي يعوض عن خطأه.
فهمس بخفوت امتزج به الحزن مطأطأً رأسه خزياً:
أمجد: يا بنتي أنا...
صرخت به غاضبة بحدة:
مليكة: متقولش يا بنتي. أنا مش بنتك. بنتك اللي سيبتها من غير ما تفكر يا ترى هتعمل إيه من غيرك. بنتك اللي قعدت تتحايل عليك وتعيط علشان متسبهاش انت وعاصم وتمشوا وبرضوا مشيت.
تابعت بصراخ باكية:
تعرف إيه عنها... هاه رد عليا تعرف إيه. تعرف إن ماما تعبت بعد ما انت مشيت وكانت بتموت علشان بتحبك وانت اتخليت عنها. وبناتك كانوا سامعين بودانهم قرايبنا وهم بيتفقوا هيعملوا فينا إيه لو ماما ماتت. اللي يقولوا هياخدوا واحدة فينا بس واللي يقولوا يودونا ملجأ. تعرف إيه عننا انت. تعرف اتبهدلنا قد إيه وحصل فينا إيه. تعرف بنتك دي كانت بتنام كل يوم وهي خايفة تقوم الصبح تلاقي نفسها في بيت تاني غير بيتها وفرقوها عن أختها. تعرف إن بنتك دي اتبهدلت واشتغلت من وهي في إعدادي علشان ميطلبوش من حد حاجة. تعرف إن مامي ماتت من قهرتها وحزنها. وبناتك بقوا يتامى ولوحدهم في وسط الدنيا اللي مبترحمش ضعيف وابوهم واخوهم عايشين. تعرف إن بنتك تاليا ماتت. بنتك ماتت وهي ملحقتش تستمتع بحياتها. ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها. ماتوا قبل ما أعرف أعوضهم عن البهدلة والحوجة ووجع القلب. ماتت قبل ما أعرف أداوي قهرها. ماتت وسابتني لوحدي هي كمان. حتى هي الدنيا استكترها عليا.
بدت الصدمة جلية على ملامح أمجد وشعر بغصة في قلبه، فلم يكن يعرف بأن لديه طفلة أخرى والآن فقدها كما فقد شقيقتها الأخرى أيضاً. أيكون هذا عقاب المولى على كسرة قلب تلك الفتاة التي أحبته وضحت بكل شيء لتكن معه.
تابعت مليكة بألم:
مليكة: ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها من جديد. ماتت بعيد عني.
أظلمت عيناها وصرخت به بألم يكسر قلبها قبل أن يكسره:
مليكة: انت اللي موتها يا أمجد يا راوي. انت اللي قتلتها زي ما قتلت أمي.
صاح بها عاصم بخزي:
عاصم: يا مليكة اسمعي.
التفتت إليه صائحة به بكل غضب وقسوة:
مليكة: وانت... يا عاصم يا خوي... يا راجلنا يا كبير... مجيناش على بالك ثانية مفكرتش فينا طيب مقلقتش علينا.
صرخت فيهما باكية:
مليكة: هاه ردوا عليا مفكرتوش في مرة كدا إننا ممكن نكون موتنا مثلاً أو محتاجين لكوا. وانت يا بابي بلاش إحنا... بلاش ولادك مش انت كنت بتحب مامي أوي موحشتكش محسيتش في مرة إنك نفسك تشوفها أو تتكلم معاها حتى.
طأطأ أمجد وعاصم رأسيهما خجلاً، فصرخت هي بغضب اجتاحه حزم:
مليكة: بنتكم ماتت زي أختها وأمها بالظبط. انسوني وكأنكم مشوفتونيش.
تركتهم وركضت إلى سليم الذي كان يبحث عنها بعينيه فوجدها تركض ناحيته. هتف بها بقلق ما إن شاهدها تبكي راكضة إليه بتلك الهيئة:
سليم: مليكة انتِ كويسة.
نست وقتها كل شيء. نست أنه يكرهها ويعتبرها سيئة. نست أنه قد طلب منها الابتعاد عنه وعدم الاقتراب أبداً. وارتمت في أحضانه تتشبث به بقوة وأخذت تبكي.
احتضنها سليم بقوة مربتاً على رأسها في رقة بالغة وهمس بها بحنان يعتريه القلق:
سليم: اهدي يا مليكة... في إيه... إيه اللي حصل.
همست به في خفوت متوسلة:
مليكة: سليم ممكن نمشي من هنا... عاوزة أرجع البيت. ممكن.
تابع بقلق:
سليم: حاضر بس فهميني فيكي إيه.
أردفت متوسلة في ألم:
مليكة: عاوزة أروح.
أحضر سيارته وأخذها وذهبا بعدما اعتذر من ياسر، عاصم - الذي لاحظ تغيره - والجميع متعللاً بأن مليكة مريضة قليلاً.
ظلت تبكي طوال الطريق، فتركها سليم ولم يتفوه بحرف.
وصلًا إلى المنزل، فصعدت إلى غرفتها فوراً دون التفوه بحرف.
ارتمت على فراشها وهي تبكي في حرقة وقهر.
بعد وقت قصير صعد إليها سليم ليفهم ماذا حدث ولما تبكي بشدة هكذا.
طرق الباب ففتحت مليكة وهي تنظر أرضاً.
فهمس بها بهدوء بعد أن رأى أنها مازالت بثياب الحفل، فقط أطلقت لشعرها العنان من أثر حجابها فعلم أنها كانت تبكي.
فسألها بهدوء:
سليم: مليكة انتِ كويسة.
أومأت برأسها في هدوء.
تابع هو بقلق:
سليم: ممكن أفهم إيه اللي حصل في الحفلة وخلاكي تطلبي إننا نمشي بسرعة كدة.
بدأت دموع مليكة في الانهمار مرة أخرى ولم تتفوه بحرف.
فأردف بحنان مهدئاً:
سليم: مليكة اهدي كفاية عياط وقوليلي في إيه.
كانت نبرة الحنان التي كست صوته في تلك اللحظة مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فارتتمت بين ذراعيه باكية بقوة وارتفعت شهقاتها وأخذ جسدها الصغير في الارتعاد.
زفر سليم بعمق واحتضنها بدوره هامساً بحنان بصوته الأجش عله يهدئ من روعها قليلاً:
سليم: اهدي يا مليكة اهدي.
همست بتوسل ورجاء يقطر من صوتها كاد يحطم قلبه:
مليكة: سليم أنا عارفة إنك بتكرهني ومبتحبنيش وعارفة إنك عاوزني أمشي من كل حياتك خالص بس لو سمحت علشان خاطري.
ثم هزت رأسها يمنة ويسرة متابعة بتوسل أكبر:
لا لا أقولك علشان خاطر مراد متسألنيش أي حاجة أحضني... أحضني جامد وبس ومتسبنيش ممكن.
ودت لو تصرخ به بتوسل أكثر وتخبره وقتها بأنها لا تريد اتساع الأرض. فقط كل ما تريده هو ضيق حضنه.
تنهد بعمق واحتضنها بقوة، كأنها قطة صغيرة خائفة. كانت ناعمة وهشة. أيقظت بداخله كل غريزة الرجال لحمايتها.
احتضنها بشدة لتشعر بكفيه تمر على ظهرها. دفء بحر صدره الواسع أيقظ كل نيرانها على رجل تخلى عنها تاركاً إياها يتيمة في مواجهة حياة قاسية.
شعر بازدياد شهقاتها فاحتضنها ثانية بقوة أكبر يركنها إلى صدره الدافئ راغباً في محو كل آلامها التي لا يعرف سببها.
حاولت الهدوء فتمسكت بقميصه بكلتا يديها تحاول منع دموعها من الانهمار بصعوبة لكنها لم تستطع فانفجرت لتغرق وجهها وتعالت شهقات بكائها وهي تغرق وجهها بصدره. بكت كثيراً جداً. بكت كل ما كبتته بقلبها طوال حياتها. بكت احتياجها وخوفها. بكت حبها وكرهها وغضبها.
بقيت تبكي وقتاً طويلاً وهو يحتضنها بكل صبر سامحاً لها بإغراق قميصه الأبيض بدموعها السخية.
يغرق يديه في بحر شعرها الهائج يتنفس رائحتها من غير أن يمنع نفسه. يعلم أنه حقير لاستغلالها هكذا ولكن رائحتها تجذبه. تجذبه تماماً كما تجذب النيران البعوض دون إرادة منه. عطرها مسكر ودافئ مثلها. كانت المسك. وكأنها تتفنن في فتنته حتى وبدون قصد. جسدها الضعيف يطلب حمايته. لا يعرف لماذا تفعل به هكذا. لماذا توقظ بداخله نمراً بقي حبيساً لسنوات لبرودة احتلت كيانه. ما الذي جعلها تجعله يعيش نشوة تسكره وهو يغمض عينيه يستقبلها بشوق دون أن يزعجه هذا كعادته عندما ترمي امرأة بنفسها عليه. ولكن فتاته مختلفة، هي لم ترمي بنفسها عليه إنما فقط نزلت دموعها ليعرض هو حضنه لها مجاناً وهو شاكراً لها أيضاً.
ربت على خصلاتها الناعمة هامساً برقة في صمت بصوت لم يصلها:
إهدي... إهدي يا جنتي وناري. إهدي يا نعيمي وعذابي.
ظلا على هذا الوضع فترة من الزمن هدأت خلالها شهقاتها العالية وتحولت لمجرد نهنهات خافت تخرج منها بين الفينة والأخرى. فقادها للفراش كي تخلد إلى النوم.
تمسكت به أكثر ودفنت رأسها في صدره وكأنها تحاول أن تختبئ عن العالم أجمع.
فهمست بألم بين بكائها وهي ترجوه بعينيها:
مليكة: سليم متسبنيش.
نظر إليها وكان بداخله حرب.
صمت لبرهة ثم حملها في هدوء بين ذراعيه ونام بها على الفراش. شد عليهما الغطاء جاذباً إياها بين ذراعيه. مسح وجهها في حب وحنان وطبع قبلة حانية على رأسها:
سليم: ششششش خلاص انسى كل حاجة ونامي. أنا معاكي أهو.
رفعت يدها لتحيط خصره وتقربه منها أكثر لتستشعر الأمان الذي يعطيه لها دائماً على الرغم من كل ما يحدث بينهما إلا أنه مصدر أمانها.
ظلت متشبثة به هكذا طوال الليل لم تتحرك ولو لثانية.
رواية بين طيات الماضي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منة الله مجدي
ركض عاصم وأمجد يحاولان البحث عنها ولكن بدون فائدة. فهما لا يعرفان حتى من هي أو لماذا توجد هنا. أهي إحدى موظفات أحد رجال الأعمال الموجودين؟
أو أنها تعمل لدى سليم في شركته الخاصة؟
أم تمتلك شركتها الخاصة أو حتى هي منظمة الحفل؟
لا يعرفون شيئًا.
وبعد عدة ساعات من البحث، شعرت نورسين ببعض التوعك، فطلبت من عاصم العودة للمنزل. وبالفعل عادا وهو قلق للغاية على حالتها. فلأول مرة يراها شاحبة لتلك الدرجة.
***
في منزل ياسر بالقاهرة.
دلفت قمر إلى غرفتها وهي تكاد تنفجر غضبًا من مزاحه مع بعض الفتيات ونظراته إليهن في الحفل.
دلف ياسر خلفها بكل هدوء، فهو يعلم ما بها ولكنه يريد أن يغضبها قليلاً.
ابتسم بمكر، ثم عادت ملامح الجمود إلى وجهه، متسائلاً بكل براءة وكأنه لا يعلم ما بها.
ياسر: مالك يا جمر فيكي إيه؟
صاحت به بحنق غاضبة:
قمر: كأنك مش عارف عاد.
ابتسم بمكر ولكنه أخفاها سريعًا وتمتم بهدوء:
ياسر: وأنا هعرف منين بس يا بت الحلال.
التفتت قمر ناحيته تطالعه في غضب وتحدثت بعصبية شديدة:
قمر: لا والله أبداً، البيه بس قاعد عمال يبص لدي ويتحدث مع دي ويضحك لدي ويسيب دي تتمايع عليه، ومرته قاعدة جنبي كالجفة، لا عاملها حساب ولا اعتبار. دا أنتَ كان ناقص تجول جومي يا جمر أنا هعود مع واحدة منهم.
لم يستطع ياسر أن يكمل في دور البريء، فابتسم بحنان وجذبها إلى أحضانه هامساً بصوته الأجش:
ياسر: واللي خلقني وخلقك يا جمر، كلهم ما يسووا شعرة من شعرك، واقفة على الأرض ما خلقتش اللي تغير منها يا ست البنات.
ابتسمت قمر في حب ولكنها حاولت إخفائها وتحدثت بنبرة يشوبها الغضب الزائف:
قمر: صدقتك أنا كده.
فاستقام جذعه وتحدث بثقة:
ياسر: لأ صدقتيني وقلبك عارف إن قلبي ما فيهوش غيرك، قاعدة فيه ومتربعة.
ابتسمت بخجل واحتضنته بحب.
فابتسم بمكر وتابع مشاكساً:
ياسر: إلا بقول إيه، أنا عاوز أسلم على ولادي.
باغت بحملها فشهقت بفزع، هتف هو على أثره بحماس:
ياسر: الله أكبر.
هتفت به بدهشة:
قمر: بتعمل إيه يا ياسر، نزلني عاد.
ياسر: مرتي يا ناس، عاوز مرتي في كلمتين.
ابتسمت في خجل ودفنت وجهها في صدره.
ياسر: اللهم صلي على كامل النور، يا بركة دعاكي يا أم ياسر.
***
في منزل سليم.
في صباح اليوم التالي، استيقظا سوياً.
كانت مليكة تشعر بألم شديد يعتري قلبها جراء ما حدث مع والدها بالأمس، وأيضًا بالخجل مما فعلته هي مع سليم.
ابتعدت مليكة عنه سريعًا ودلفت للمرحاض.
زفر سليم بعمق، فهو قد استيقظ قبلها ولكنه لم يُرِد جعلها تشعر بالتوتر أو حتى الإحراج، وأردف متسائلاً:
سليم: حكايتك إيه يا مليكة.
نهض من الفراش وذهب لغرفته في هدوء.
بعد عدة دقائق، كان الجميع يتناول الإفطار في الأسفل.
لاحظ سليم شرودها، فقد كانت تطعم مراد بآلية شديدة، لا يسمع صوت ضحكاتها ومزاحها الذي يطربه كل صباح.
تنهد في عمق، فهو لا يحب أن يراها حزينة لهذه الدرجة، ولكنه لا يعرف ما حدث بالأمس، وقد عقد العزم ألا يسألها عن أي شيء حتى تخبره هي.
كالعادة، حمل منها مراد ليلعب معه قليلاً في الحديقة حتى تتناول هي طعامها.
فأخذ مراد وخرجا سوياً للعب، بينما يخطف إليها بعض النظرات بين الحين والآخر، فيجدها إما شاردة أو تمسح دمعة هاربة قد فرت من زرقاوتيها.
شعر بغصة ألم تجتاح قلبه، كم يتمنى أن يأخذها بين ذراعيه ويخفف عنها قليلاً.
بعد عدة دقائق، خرجت إليهما مليكة.
طأطأت رأسها في خجل وهمست بأسف أدمى قلبه:
مليكة: أنا آسفة جدًا يا سليم على اللي حصل امبارح، وعاوزاك تعرف إني والله ما عملتش أي حاجة وحشة تضايقك، ومعملتش كده لأي سبب وحش. فشكراً جدًا لأنك استحملتني امبارح.
لمس سليم نبرة الصدق في حديثها وشاهد كم الألم في عينيها، فقرر ألا يتفوه بأي شيء.
أومأ رأسه في هدوء وودع مراد متوجهاً لعمله.
كان يقود سيارته وهو غارق في أفكاره وخواطره التي تزاحمت جميعها، تتصارع ولا فكاك منها.
تُرى ماذا حدث مع صغيرته؟ ما الذي يؤلمها لهذه الدرجة؟
***
في غرفة مليكة.
ذهب مراد لمدرسته، فظلت هي وحدها في المنزل.
جلست على الأرض ضامة ركبتيها إلى صدرها قبالة المدفأة الحجرية القابعة في غرفتها، وهي تراقب تآكل الحطب ببطء.
كل شيء هادئ من حولها يميل للذة السكون، عدا قلبها الكسير، فهو لا يزال يتخبط بين أضلعها كطفل جائع.
في لحظات السكون، تلجأ أرواحنا للعروج في عالم اللامحسوس. تستذكر كل ذكرى وردية لتصبح رفيقتنا في لحظات الوحدة، الضعف والإنكسار. ولكن ماذا إذا كانت كل أوراق ذاكرتنا سوداء؟ هل سنحرقها؟ أم هي التي ستحرقنا وجعاً وخيبة؟
مر شريط حياتها أمامها بسرعة، وكأن كل الذي استغرق أكثر من عشرين عامًا ليجري لم يكن سوى لحظات. نعم، غريبة هي الدنيا. منذ أن نولد نجاهد لأجلها، وفي النهاية نكتشف أننا كنا نسعى إلى اللاشيء.
انقضت كل تلك السنين كلمح البصر، والأسوأ من ذلك هو كل تلك الآلام المتراكمة على ضفاف قلبها اليانع. نندهش حينها كثيرًا، أيعقل أننا لم نكافأ بلحظة فرح واحدة؟ فنعود مرة أخرى وندرك أن لحظات الفرح كانت كثيرة. فذاك هو عدل الله، يقسم الفرح والحزن بالتساوي.
ولكنها للأسف لا تترك انطباعًا لها عندما ترحل، على عكس الحزن، فل طالما كان هو سيد الموقف.
يعرف جيدًا كيف يلتهم الفرح ويطغى عليه ليبقي هو ويتلاشى كل شيء عداه.
استرجعت أوراق ذاكرتها بهدوء، ليتها تستطيع إحراقها مثل هذا الخشب. ولكن أنى لها؟ فهي إن أحرقتها اليوم، ستعود لتنفض عنها الرماد غدًا.
كمن أحيا بعد موته.
***
نهضت قمر من نومها متأخرة بعض الشيء، وقررت المرور للاطمئنان على مليكة، ثم العروج على نورسين بعد ذلك، فكلاهما تركا الحفلة مبكرًا بسبب مرضهما.
وبالفعل، وصلت لمنزل مليكة التي رحبت بها بحرارة شديدة. وبعد القليل من الثرثرة، أخبرتها قمر أنها هي ونورسين قد رحلا مبكرًا بالأمس بسبب مرضهما. فاعتري مليكة القلق، فهي تتذكر جيدًا كيف شعرت بالتوعك مرة وهي معها عندما كانت في المستشفى بسبب إصابتها.
نعم، هي تعلم أنها طبيبة وبالتأكيد تعرف ماذا يجب عليها فعله، ولكنها تشعر بالقلق، فهي قد أحبت هاتان الفتاتان للغاية واعتبرتهما شقيقتيها اللتين أرسلهما الله ليعوضاها عن شقيقتها تاليا.
هاتفت سليم لتأخذ منه الإذن في الذهاب، وبالفعل ارتدت ثيابها وتوجها سوياً للمشفى التي تعمل بها نورسين.
فأدخلتهما الممرضة لغرفتها، ولكنهما سمعاها تتحدث بالهاتف.
نورسين: أنا عارفة إنه مينفعش أستنى أكتر من كده يا دكتور، وإن حالتي خطيرة، بس مش هينفع أعمل أي حاجة دلوقتي، فعاوزة حضرتك بس تجددلي الدواء لحد ما أظبط أموري.
صمتت هنية تستمع لحديث الطبيب، ثم فجأة هتفت به بقلق:
نورسين: لالا يا دكتور، مينفعش، مش عاوزة جوزي والولاد يعرفوا أي حاجة، وأنا بإذن الله هتصرف قريب.
وبعد عدة دقائق، أغلقت هاتفها فوجدت قمر ومليكة يحدقان بها في هلع.
سقط الهاتف من يدها من هول المفاجأة. لم تحتج للتفكير كثيرًا، فمن الجلي تمامًا أنهما قد سمعاها.
سمعت مليكة تهتف في قلق:
مليكة: فيه إيه يا نورسين وإيه اللي سمعناه ده؟
زاغت ببصرها بعيدًا عنهما تجوب به أرجاء الغرفة توترًا.
قمر: فيه إيه يا بت الناس عاد، ما تخبرينا متجلجيناش أكتر من كده.
تمتمت نورسين بصوت مضطرب متلعثم:
نورسين: هاه... لا... لا مفيش حاجة.
توجهت مليكة ناحيتها وأجلستها على الأريكة الجلدية الموجودة بالغرفة، وجلست الفتاتان بجوارها.
ثم هتفت بها بحزم:
مليكة: إحنا سمعنا كل حاجة يا نورسين، فمن فضلك متحاوليش تخبي، قوليلينا فيكي إيه على طول.
أخفضت نورسين رأسها خجلًا وهمست في خفوت:
نورسين: أنا تعبانة.
هتفت قمر بنفاذ صبر سببه القلق:
قمر: أيوه ما ده سمعناه... خبرينا بقى فيكي إيه.
تابعت نورسين بصوت يقطر شجنًا:
نورسين: الدكتور بيقول إن قلبي ضعيف ومش هيستحمل.
شهقت مليكة وقمر في هلع، ثم هتفت قمر في جزع:
قمر: طيب ما تسافري... أيوه سافري بلاد برة أمريكا ولا أي مكان، الدكاترة هناك شاطرين واصل وهيعالجوكي زين.
تابعت نورسين بألم:
نورسين: مش عاوزة حد يعرف إني تعبانة. الولاد لو عرفوا مش عارفة إيه اللي هيحصلهم، وعاصم... عاصم ممكن يروح فيها.
تألمت بشدة لدي ذكرها اسم شقيقها أمامها، ولكنها سرعان ما نفضت أفكارها وصاحت بها في غضب:
مليكة: مشوفتش أبدًا حد بالغباء ده! لما يعرفوا إنك تعبانة وتروحي تتعالجي وتخفي هيفرحوا، إنما إنتي مفكرتيش في رد فعلهم لما يعرفوا إن خلاص الأمل أمهم ضيعتوا بغبائها وخلاص كام يوم وتسيبهم.
جفلت نورسين حينما أدركت صحة كلماتها.
نورسين: كل ما أجي أقول مبعرفش.
أشارت قمر لمليكة كي تهدأ قليلاً، فصاحت بها مليكة بحنق:
مليكة: لا مش ههدي يا قمر علشان نور متخلفة وعاوزة اللي يفوقها.
زفرت مليكة بغضب وأشاحت وجهها بعيدًا.
فأردفت قمر بهدوء:
قمر: مليكة عندها حق يا نور، فكري في أولادك اللي لسه صغيرين، هيعملوا إيه وهيعيشوا إزاي من غيرك.
هتفت بها مليكة بأمل:
مليكة: أقولك، كلمي الدكتور خليه يشوف لك متبرع بره البلد، وأنا اللي هسافر معاكي، وأبقى قوليلهم في البيت مسافرة علشان مؤتمر ولا أي حاجة من بتاعة الدكاترة دي.
تهللت أسارير قمر وهتفت في حماس:
قمر: فكرة زينة واصل، وعيالك متخافيش عليهم، أنا هشيلهم جوة عيني الاتنين.
وبالفعل، هاتفت نورسين طبيبها واتفق معها على البحث عن متبرع في أسرع وقت.
رواية بين طيات الماضي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منة الله مجدي
في قصر أمجد الراوي
في الحديقة
هتف أمجد بلهفة يسأل ابنه إن كان قد وجد شقيقته أم لا.
هز عاصم رأسه نافياً بأسي.
عاصم: لا يا بابا مش لاقيها. والمشكلة إني مش عارف حتي إن كانت لسة بإسمها ولا غيرته. مش عارف كانت في الحفلة بصفتها إيه. ودا اللي مدوخني. حتي ملقتهاش صورة واحدة في الحفلة ليها.
أومأ أمجد رأسه بحزن. وكيف لا يحزن؟ فهو أب قد مزق الشوق قلبه إرباً على طفلته، وليس هذا فقط ما يؤلمه، بل ما يؤلمه حد الموت هو فقده لطفلته الأخرى دون حتى أن يمتع عينيه برؤيتها. لم يشاهدها أو حتى يضمها بين ذراعيه. لم يستطع سماعها تناديه بأسمى صفات العالم "أبي". لم يستطع أن يراها تكبر أمامه. حتى لم يودع جثمانها. لم يودعها.
نهض من مكانه متوجهاً لغرفته يدعو الله أن يجد طفلته كي يعوضها عن حبه وحنانه الذي حرمت منه، كي يمني روحه بقربها، كي يعوض هذا القلب بوجودها. فقط يتمنى أن يجدها وأن تسامحه كي يغدقها بحنانه وحبه وعطفه. سيعوضها عن كل ما مرت به في حياتها. فقط يتمنى من الله استجابة دعاء هذا الشيخ. تحقيق أمنية هذا العجوز.
**********************
في قصر سليم الغرباوي
عاد سليم من عمله يحمل صندوقاً خشبياً مزخرفاً بفخامة، وعلبة من القطيفة الحمراء، وصندوقاً ورقياً يحوي بداخله لعبة لمراد الذي فرح بها كثيراً.
اتفق سليم مع طفله أن يراقبا له المكان حتى يستطيع وضع تلك الهدايا في غرفة مليكة.
وبالفعل استغلا فرصة انشغال مليكة بتحضير المائدة ووضعاهما سوياً، ثم هبطا لتناول العشاء وكأن شيئاً لم يكن.
أدرك سليم أنها أصبحت أفضل حالاً من الصباح، لأنها بدأت تأكل وتمزح مع مراد كعادتها، فتنفس بسعادة وعلا وجيفه طرباً وفرحاً بضحكاتها.
وبعد انتهاء العشاء جلس يلعب هو ومراد في حديقة القصر، بينما صعدت هي لغرفتها كي تهاتف عائشة، حتى شاهدت ذلك الصندوق المزخرف الموضوع على فراشها تعتليه تلك العلبة القطيفة.
رفعت حاجبها بدهشة وتقدمت بخطى متوجسة ناحية فراشها.
التقطت العلبة القطيفة أولاً وفتحتها، فوجدت بداخلها عقداً من الذهب. أُخذت بروعته، كان عبارة عن تاج ملكي وكل ركن فيه مطعم بماسة بيضاء صغيرة مما أعطاه مظهراً رائعاً. تسللت ابتسامة صغيرة إلى كرزتيها، ونحت العلبة من يدها جانباً، فاتحة ذلك الصندوق الخشبي الذي أثار فضولها منذ الوهلة الأولى.
خرجت منها شهقة سعادة عندما فتحته، فقد كان عامراً بكل أنواع الشيكولاتة التي يمكنها أن تتخيلها.
أخرجت واحدة لتأكلها وهمت أن تغلق الصندوق حتى شاهدت ورقة علقت بداخل الصندوق.
التقطتها في دهشة بعدما وضعت الصندوق جانباً.
وأخذت تقرأ الموجود بصوت مرتفع نسبياً.
"بيقولوا إن الشيكولاتة أحسن علاج لكل المشاكل. فكلي وانسى أي حاجة مضايقاكي علشان مينفعش حد يضايقك غيري."
برقت عيناها حتى كادت أن تخرج من محجريها بدهشة، فعمدت بيدها تغلق فمها الذي فُتِحَ دهشةً، وارتسم على ثغرها ابتسامة متنامية حتى تحولت لضحكات فرحة تخرج من أعماق قلبها. ابتلعت الشيكولاتة التي كانت تأكلها واحتضنت الورقة وهي تدور. أ حقاً من أرسلها هو سليم؟ نعم، ومن غير حبيبها ذلك المغرور؟ ولكنها تعشقه. نعم هي تعشقه وبجنون. تخيلته يقف أمامها بقوامه الجذاب يطالعه بابتسامة حنونة كتلك الابتسامة التي تفقدها لبها. تأسر حواسها بعيداً.
يحدث أحياناً أن يرى القلب قبل العين.
فالقلب والعين في الهوى سوياً على حد تعبير قاضي الغرام.
شعرت مليكة كما لو أن قلبها بلغ حنجرتها.
كانت تشعر بأنها ممتلئة بالحب. ولكن ليس كأي حب. نعم ممتلئة بذاك الحب الذي لكثرة ما تعشق به يجعلك تشعر بالكره تجاه الحبيب. ذلك الحب الذي يستنزف فيك كل مشاعرك وسنين عمرك وأغلى ما تمنيت.
كان ذلك شعورها تماماً. فقد امتلأ قلبها بالحب والكره معاً. فعلى الرغم من عشقها اللامتناهي لسليم هي تكره قسوته وبرودته. تكره غضبه الهادر المخيف.
أ ولم أخبركم أن قلب المرأة خلق من المحبة والكره والقساوة معاً.
***********************
ابتسم هو إثر رؤيتها بكل ذلك الفرح بعدما خبط كفه بكف مراد الذي استعر حماساً لإسعاد والدته.
فاليوم قد تعلم ذلك الشيطان أول درس من دروس الحياة بأن الذي زرعته في روح كل شخص حتماً سينبت. ولتعلم يا بني أن كل حي على هذه الأرض يحدثك ويقول لك كل ما تزرعه تحصده. فلا تزرع سوى الحب.
**********************
صعد عاصم إلى غرفته بعد عدة ساعات، كان أنهى فيهم بعض الأعمال العالقة، يتمزق ألماً على شقيقته.
وجد نورسين جالسة في الشرفة تطالع هاتفها.
دلف في هدوء متوجهاً ناحيتها. فباغتها محتضناً إياها من الخلف.
شهقت في هلع.
نورسين: حد يعمل كدة يا عاصم، خضتني.
ابتسم هو مقبلاً جبهتها في حنان معتذراً منها.
أدركت نورسين أن به خطباً ما، ويبدو أنه أمر يؤرق باله كثيراً.
فأحاطت عنقه بذراعيها تسأله في دلال عن خطبه.
زفر عاصم بعمق وتابع بضيق.
عاصم: تعبان يا نوري، ادعيلي كتير أوي.
تغيرت ملامحها للجدية، فقد تأكدت من ظنونها.
فأجلسته في هدوء وجلست أرضاً قبالته ممسكة بيده.
نورسين: في إيه يا حبيبي.
احتضن يدها بيداه وتابع بحنان.
عاصم: ادعيلي يا نوري كتير أوي، ادعيلي وبس دلوقتي.
همت بالجلوس جواره، فوضعت هاتفها على الطاولة الصغيرة المقابلة لهم.
فجاء أضاءت شاشته بصورة شخص ما.
لفت انتباه عاصم صوت الإشعارات، فتوجه ببصره تلقائياً ناحيته وشاهدها. نعم إنها هي.
أمسك هاتفها بجزع. يحدق فيه بأمل. متسائلاً في دهشة.
عاصم: مين دي يا نوري؟ مين البنت دي؟ تعرفيها؟
زَمت نورسين شفتيها دهشة لرد فعل عاصم.
وتابعت بتلقائية.
نورسين: دي مليكة. مرات سليم. سليم زين الغرباوي.
برقت عيناه دهشة، بينما ارتفع وجيفه بسعادة وهب واقفاً محتضناً إياها بسعادة.
أما هي فقد كانت تحدق به مشدوهة، غير مدركة ما يحدث.
نورسين: في إيه؟
هتف عاصم بسعادة.
عاصم: لقيتها. لقيتها.
وهم بالركض، فأمسكت بذراعه وتمتمت في حزم.
نورسين: في إيه يا عاصم ولقيت مين؟
احتضن عاصم وجهها بيده طابعاً قبلة فرحة على شفتيها متمتماً بسعادة.
عاصم: لقيت أختي يا نوري. لقيتها.
رواية بين طيات الماضي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منة الله مجدي
تركها عاصم تكاد تفقد وعيها إثر الصدمة وركض لغرفة والده يخبره ما حدث معه.
في قصر الغرباوي
دلف ياسر غرفته في هدوء فوجد قمر تجلس على فراشها الوثير تمسد موضع طفليها في حنان بالغ تحدثهما باسمة.
قمر: إنتوا خابرين نفسي تطلعوا شبه ابوكوا الخالج الناطج......تطلعوا زيه إكده في چدعنته ورچولته وحنتيه عليا وعلي كل اللي يعرفهم واللي ميعرفهمش.
ابتسمت في حبور وتابعت بهيام.
قمر: هجولكوا حاچة بس محدش يعرفها واصل.
واوعاكوا تخبروها لحد...... إنتو خابرين إني حبيبت ابوكوا من لما كنت لساتني صبية صغيرة في المدرسة بضفاير.......إيوة كيف ما بجولكوا إكدة.....كان بيچي عند ابويا علشان يخلصوا شغل سوا........بحبه من وجتها.
وفجاء دلف ياسر واقترب منها في هدوء.
قلبها ليعتليها فصرخت هي بجزع.
قمر: حد يعمل إكده...... وبعدين إنتَ هنيه من ميتي وكيف محسيتش بيك.
هتف باسماً بمكر.
ياسر: أني هني من بدري ومخدتش بالك علشان كنتي بتتحدتي مع ولادك.
شهقت قمر بهلع.
قمر: يعني.... يعني.
اتسعت ابتسامته وأومأ برأسه مؤكداً. ناظرًا لها بابتسامة خبيثة بينما أغمضت عيناها خجلاً ووجهها يتلون بعدة ألوان.
ياسر: إمممم.... خبريني بجي كنتي بتجولي إيه.
ااه افتكرت..... كنتي بتجولي بتعشجيني.
غمزها بطرف عيناه وهو يرفع رأسه بكبرياء.
ياسر: حب جديم بجي وإكدة.
هزت قمر رأسها بعنف وتابعت بنبرات متقطعة مضطربة خجلاً.
قمر: أنا..... هاه... لع مجولتش أيتها حاچة.
اقترب منها أكثر سامحاً لنفسه باستنشاق عبيرها آسراً أنفاسها بين رئتيه مقبلاً جبينها.
ياسر: بعشجك.
ومن ثم وجنتها اليمني "بحبك" ثم اليسري "جلبي وروحي إنتي" ثم أنفها الصغير "بنتي وحته من جلبي" ثم نظر لشفتيها بعدما اختلطت أنفاسهما.
شاهدت في عيناه رغبته فيها..... نعم شاهدت حبه وعشقه لها. اقترب لاثماً شفتيها في خفة أولاً ثم تعمق في قبلته حتي بادلته هي.
كلما يريد الابتعاد لا يقدر شئ يجذبه. لا يكتفي أبداً. ابتعد عنها قليلاً بعدما أحس باختناقها.
محمرة بشدة. مغمضة عيناها كطفلة بريئة الدليل الوحيد على عدم براءتها هو كرزتاها المنتفختان إثر معركتها اللذيذة. قبلها بخفة على جانب شفتيها قبل أن يبتعد خشية إلتهامها وخوفاً على صحتها ثم صحة طفليه.
أغلق أمجد مصحفه على صوت طرقات ابنه عاصم على الباب. نهضت نورهان من نومها فزعة.
نورهان: في إيه.
هدئها أمجد بإشارة من يديه وتوجه ليفتح الباب.
فباغته عاصم مُحتضناً إياه بسعادة.
عاصم: لقيتها يا بابا لقيتها.
هتفت نورهان بعاصم في قلق.
نورهان: هي مين دي يا ابني.
تمتم عاصم بسعادة.
عاصم: مليكة يا ماما نورهان.... لقيتها.
خر أمجد ساجداً يبكي فرحاً. وأخيراً قد عثر على طفلته. وأخيراً سيجتمع شمل عائلته.
وأخيراً نهض ثم أجلسة عاصم على أحد المقاعد. فسأله أمجد بلهفة عن مكانها.
عاصم: إنتَ عارف مليكة تبقي مين يا بابا.
هتف أمجد بجزع. بلهفة اب قد اشتاق لطفلته.
أمجد: مين يا بني قول.
تمتم عاصم باسماً.
عاصم: تبقي مرات سليم زين الغرباوي يا بابا.
فرت دمعة هاربة من عيناه متذكراً رفيقه الراحل.
زين متمتاً في سعادة.
أمجد: و حصل زي ما كنت عاوز يا زين.
هب واقفاً هاتفاً بلهفة.
أمجد: قوم نروحلها دلوقتي.
ربت عاصم على يد والده في حنان.
فتابعت نورهان بهدوء.
نورهان: النهاردة الوقت اتأخر يا أمجد بكرة يا حبيبي. بكرة روحلها وهاتها كمان تيجي تقعد معانا لو حابب.
عاصم: ماما نورهان عندها حق يا بابا.
هتف أمجد بجزع.
أمجد: أمري لله.
عاد عاصم لغرفته فرحاً.
فوجد نورسين تجلس في انتظاره.
هبت الأخيرة واقفة حينما شعرت به وتابعت بحزم.
نورسين: أنا مش فاهمة أي حاجة وإنتَ لازم تشرحلي وحالاً.
توجه عاصم لفراشهما جالساً ثم أشار لها بيده لتجلس بجوراه وقص عليها كل شئ من البداية وحتى النهاية.
في صباح اليوم التالي
في أحد النوادي
مليكة: إنتِ مين الي قالك كدة. وعرفتي منين أصلاً يا نور.
صاحت مليكة بتلك الكلمات بدهشة بعدما أخبرتها نورسين بأنها علمت عنها كل حاجة.
فقصت عليها نورسين ما حدث معها بالأمس بالتفصيل.
هبت مليكة ناهضة بحنق وتمتمت في إصرار بينما نورسين تطالع أولئك الناس الذين يطالعونهم بفضول.
مليكة: كويس إنك إنتِ اللي جيتي الأول يا نور بعد إذنك توصليلهم إني رافضة مقابلتهم تماماً وبعد إذنك متخليش أي حد يجي هنا وخليهم يعملوا زي ما قولتلهم يوم الحفلة خليهم يعتبروا إن بنتهم ماتت.
هبت نورسين معترضة فقاطعتها مليكة رافضة بحزم.
مليكة: نورسين بعد إذنك. ربنا الي يعلم إني بعتبرك إنتِ وقمر زي تاليا الله يرحمها فعلشان خاطري افصلي دا عن دا وأعملي الي قولتلك عليه ومتخلينيش أزعل منك. وعشان خاطري اقفلي بقي على الموضوع.
أشارت لها نورسين كي تهدأ وبالفعل تمتمت معتذرة بخفوت وهي تعود لكرسيها مرة أخرى.
دلت قمر التي قد وصلت منذ قليل واستمعت لبعض حديثهم.
قمر: إيه مالكوا. بتتعاركوا ليه. وبعدين موضوع إيه الي تجفل عليه يا مليكة.
تابعت مليكة بحزم رافضة أي فرصة للحديث.
مليكة: مفيش حاجة يا قمر.
قررت قمر تغير مجرى الحديث حتى تذهب عن مليكة ضيقها الواضح وبشدة على معالم وجهها.
عادت مليكة إلى المنزل وخواطرها تتصارع. تتلاحق في دوامة لا تعرف حتى نقطة بدايتها.
كيف يمكن لابوها واخاها التصرف بهذه البراءة وكأنهم لم يفعلوا شيئاً. وكأن كل ما قد مر عليها لم يكن. وكأنها لم تشتاق. لم تتألم. لم تشعر بالوحدة. لم تشعر بالضعف والإنكسار.
استفاقت من سهادتها على جذب مراد الصغير لفستانها.
تسللت لثغرها ابتسامة عذبة حين شاهدته وانخفضت لمستواه تحتضنه في قوة متابعة في حنان.
مليكة: وحشتني يا روح وقلب مامي من جوة.
قبلها مراد في فرحة.
مراد: وإنتِ كمان يا مامي.
ثم تابع باضطراب يتخلله قلق بالغ يحدق من عيناه الصغيرتان.
بث. بث بابي.
وفجاءة تبدلت تلك الابتسامة الحنونة وحل محلها الهلع والقلق.
مليكة: ماله بابي يا مراد.
جذبها مراد من يداها وتوجها ناحية غرفته يركضا في قلق.
دلت مليكة للداخل فوجدت سليم ممدًا على فراشه. يرتعد جسده بشدة.
ركضت مليكة تجاهه مباشرة جاثية على ركبتها أسفل موضع رأسه.
صاحت به بقلق.
مليكة: سليم. فيك إيه.
همس بوهن بكلمات متقطعة.
سليم: أنا. أنا كويس يا مليكة متخافيش.
اقترب مراد من فراش والده هاتفاً بوالدته في قلق.
مراد: لا يا مامي بابي مش كويس.
وضعت مليكة يدها على جبهته فمن ارتعاد جسده بتلك الطريقة تيقنت من ارتفاع درجة حرارته وبالفعل تأكدت من ذلك ما إن لامست بشرة يدها لجبهته.
مليكة: سليم إنتَ سخن أوي.
همهم بنبرات واهنة متقطعة.
سليم: أنا كويس يا مليكة هاتيلي بس غطا وأنا هبقي تمام.
وبالفعل لم تمر ثواني حتى شعر بدفئ يسري جسده فقد دثرته مليكة بغطاء آخر وانطلقت تهاتف الطبيب الذي حضر على الفور.
وقفت مليكة الحاملة مراد الذي رفض رفضاً قاطعاً ترك والده في هذه الحالة وأصر بشدة على البقاء معهما تتطلع لسليم بنظرات يشوبها القلق تنتظر أن يطمئنها الطبيب.
خلع الطبيب سماعته واضعاً إياها في حقيبته الطبية متابعاً بهدوء بينما تمتمت تلك المحبة القلقة تسأله عن سبب علة محبوبها.
الطبيب: متقلقيش يا مدام مليكة شوية برد بس جامدين حبتين أهم حاجة دلوقتي إنه يستريح وياخد أدويته في مواعيدها وطبعاً الأكل وأنا هعدي عليه كمان يومين.
أومأت مليكة برأسها شاكرة الطبيب في أدب وبعدها استدعت أميرة لإيصاله إلى الباب.
ثم توجهت هي للمطبخ ومعها مراد لتعد له بعض الحساء.
هاتف أمجد خيرية ليخبرها بوجود ابنته الضائعة بعودة طيره الغائبة.
هتفت به تسأله خيرية بسعادة.
خيرية: كيف. ومتيتي. ولجيتها فينه.
يهتف أمجد بسعادة.
أمجد: مفاجأة يا ماما مفاجأة.
أردفت تسأل في دهشة.
خيرية: إيه هي عاد.
أردف هو وصوته يرقص فرحاً.
أمجد: بنتي تبقي مليكة.
ضيقت خيرية عيناها بتوجس بعدما ظهر شبح ابتسامة على ثغرها.
خيرية: مليكة. مليكة مين.
هتف أمجد بسعادة.
أمجد: مليكة مرات سليم يا ماما. حققت لزين مراده مين غير ما أقصد. مليكة بنتي تبقي مرات سليم ابن زين يا ماما.
في منزل عاصم الراوي
جلس ثلاثتهم بإحباط بعدما أخبرتهم نورسين بما أخبرتها به مليكة بالتفصيل.
وفجاءة هب عاصم واقفاً هاتفاً في حماس بعدما تعلقت به أبصار الموجودين بأمل.
تابع هو يخبرهم بمخططه الجهنمي في رأي نورسين التي سرعان ما وافقت على تنفيذه وهي تدعوا الله أن تخرج بسلام من بين براثن مليكة بعدما تكتشف الحقيقة.
رواية بين طيات الماضي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منة الله مجدي
أنهت إعداد الحساء وصعدت لغرفته مرة أخرى بعدما تركت مراد مع ناهد.
وضعته على الطاولة القريبة من الفراش ووضعت رأسه في حجرها، وهي تمسح على جبهته برقة بالغة، شاعرة بأنها قد امتلكت الدنيا بين يديها.
تنهدت بعمق وهي تنظر إليه في وجل.
كيف استطاع أن يكسب قلبها الذي أقسمت ألا تعطي مفتاحه لأحد من أبناء آدم؟
كيف استطاع أن يتوغل بين طيات روحها، في ثنايا عقلها بهذه الدرجة؟
مسحت على شعره في حنو وقلبها يهاتف قلبه:
"لقد كنتَ أنت محبوبي آخر الأبواب، وآخر السبل وآخر مركب للنجاة وكل الغرق."
تنهدت بعمق وهي تدعو الله أن يشفيه سريعاً، وأخذت تطعمه الحساء في رقة بالغة.
وبعد أن انتهت من إطعامه، بللت قطعة قماش قطنية ووضعتها على جبهته كي تخفض من درجة حرارته قليلاً.
وفجأة سمعت هاتفها يرن.
فأزالت عنه قطعة القماش تلك بعدما دثرته جيداً بالغطاء وخرجت لتجيب عن هاتفها.
وما إن فتحت الخط حتى سمعت نورسين تصيح من الهاتف بذعر.
نورسين: بابا... بابا يا مليكة.
صاحت بها مليكة تحاول تهدئتها والسيطرة على نوبة الذعر التي تواجهها.
مليكة: نورسين اهدئي، أنا مش فاهمة منك حاجة، في إيه؟
تابعت نورسين بإضطراب واضح.
نورسين: بابا يا مليكة... بابا أمجد.
صرخت مليكة بهلع. لم تجد حتى عقلها كي يمنعها، فهو أيضاً كان قلقاً على والدها.
مليكة: بابا... ماله؟
نورسين: بابا تعبان يا مليكة... تعبان أوي.
سقط الهاتف من مليكة وركضت تلتقط مفاتيح سيارتها راكضة للخارج.
اصطدمت بها ناهد خارجاً فسألتها في قلق.
ناهد: مالك يا بنتي رايحة فين كده؟
أردفت مليكة لاهثة باضطراب.
مليكة: بصي يا دادة، سليم أمانتك، متسيبيهوش لحد ما أجي.
ثم انطلقت في سيارتها ناحية منزل نورسين وهي تفكر.
لا، لن يموت. لن تسمح له بالموت أبداً، ليس الآن. لن تسمح له بالموت قبل أن تخبره بكلمات والدتها الأخيرة. لن تسمح له بالرحيل قبل أن تسمح لنفسها بقول تلك الكلمات التي اختزنتها طوال تلك السنوات. لن تتركه يموت قبل أن تبكي على صدره، قبل أن تلومه. تخبره بأنها غاضبة منه بشدة لتركها.
الآن فقط اعترفت أنها كانت تنتظر رؤيته مرة أخرى، بل كانت مشتاقة إليه بشدة.
لم تعرف حتى كيف وصلت لمنزل نورسين سليمة، فقد كادت أن تقوم بمئات الحوادث في الطريق.
ركضت للداخل تصرخ مستدعية نورسين في فزع.
التي وجدتها جالسة في حجرة الاستقبال.
أمسكتها مليكة من كتفيها وهزتها وهي تصيح بها في فزع.
مليكة: مينفعش يموت، سامعاني؟ مش قبل ما أعاتبه. مش هيموت ويسيبني دلوقتي.
كادت أن تنهار حتى وجدت والدها يمسك بها في حنان بالغ، متابعاً بتأثر بالغ.
أبوكي أهو قدامك، اعملي فيه اللي انتِ عاوزاه.
ارتفعت شهقاتها وهي تدفن نفسها بين ذراعيه تبكي وتنتحب.
بكت كل أيام حرمانها، حزنها وشقائها.
بكت أيام وحدتها، بكت يُتمها، بكت فقدان والدتها وشقيقتها.
بكت حتى جفت دموعها. بكت حتى ارتوى قلبها. حتى التأمت جروح روحها الغائرة.
بكت حتى طوت تلك الصفحة السوداء من حياتها وللأبد.
هدأت تماماً بين ذراعي والدها حتى استفاقت.
استفاقت لنفسها فنهضت واقفة تطالعه في دهشة.
مليكة: انتَ... انتَ كويس؟
ضيقت عيناها وهي تلتفت ناحية نورسين التي أخفضت بصرها سريعاً عن نظراته المتسائلة.
فهتفت غاضبة.
مليكة: نورسين ا...
قاطعها عاصم الذي وقف يطالع شقيقته باسماً.
عاصم: أنا اللي قولتلها يا مليكة.
توجهت ناحية شقيقها وأخذت تدفعه للخلف في غضب.
صاب كل غضبها عليه. لم تكن تعلم وقتها أهى تعنفه لأجل تركه لها أم لأجل حالتها في الطريق إلى المنزل.
وفجأة احتضنها عاصم ليهدئها بين ذراعيه وسمح لها أن تبكي كيفما تشاء.
وهي حقيقة لم تدخر جهدها، فبعدما ظنت أن دموعها قد جفت، عاودت البكاء أكثر من ذي قبل.
فحين يأتي الأمر للبكاء عزيزي، لن تجد أفضل من حواء.
بعد بضع ساعات من لوم مليكة وعتابها وحتى بكاؤها، جلسا سوياً في حديقة الفيلا.
سأل أمجد في حيرة.
أمجد: أنا اللي عاوز أفهمه، اتجوزتي سليم إزاي؟
قصت عليه مليكة تلك الحكاية التي قصها سليم على عائلته.
إنهما تقابلا في أحد المؤتمرات وتزوجا ومراد طفلهم، ولم تخبر أي أحد حقيقة مراد.
سأل عاصم في لهفة.
عاصم: طيب وتاليا يا مليكة؟
نقلت أنظارها إلى قسمات وجه والدها التي ظهر عليها الشوق والجزع بقوة.
أطرقت مفكرة لوهلة تنظم كذبة ما لتخبرهم بها.
مليكة: أنا هقولكوا بس محدش يعرف باللي هقوله ده.
أومأ الكل عدة مرات برأسهم موافقين.
مليكة: تاليا اتجوزت حازم أخو سليم وماتت هي والبيبي وهي بتولد.
أغمضت عينيها بتأثر شديد لتذكرها مظهر شقيقتها، ثم تابعت بجدية.
بس محدش من أهل حازم كان يعرف غير سليم، لأنه كان خاطب بنوتة في البلد وكان مستني الوقت المناسب علشان يفسخ خطوبته منها ويعلن جوازه بتاليا.
أومأ أمجد برأسه في حزن وأردف عاصم في أسى بعدما غطى عسليتاه ستار من العبرات.
عاصم: الله يرحمها.
أخرجت مليكة هاتفها كي ترى والدها وشقيقها صورة لتاليا.
ذرف والدها الكثير من العبرات، فنهضت مليكة لتحتضنه مخففة عنه ذلك الشعور البغيض الذي يعتريه الآن.
الشعور بالذنب الذي يكاد يقتله.
الشعور بالألم يجثم على روحه، يكبلها، يمزق قلبه ليحطمه لأشلاء متناثرة.
وكيف لا، فهي طفلته التي لم يراها، لم يعرف عن وجودها، لم يحتضنها، لم يخبرها كم هي طفلة رائعة.
لم يحظَ بفرصته ليراها عروساً جميلة، ليسلمها لذلك الفارس المنتظر الذي سيختطفها منه.
ولكن في تلك اللحظة، قد عزم العقد على تعويض مليكة.
نعم، سيعوضها. سيعطيها كل الحنان والحب الذي حرمت منه كل تلك الفترة.
عادت مليكة إلى منزلها بعد قضاء عدة ساعات في منزل والدها.
عادت إنسانة أخرى.
عادت إنسانة تمتلك هوية.
أصبح لها عائلة مرة أخرى.
ازدادت قوةً على قوتها التي اكتسبتها من حياتها المستقلة.
قابلتها ناهد القلقة على الباب.
وحينما شاهدتها أردفت بهلع.
ناهد: كنتي فين يا بنتي؟ قلقتيني عليكي وموبايلك مفصول. انتِ كويسة؟
احتضنتها مليكة بحبور لتهدئ من روعها.
مليكة: أنا كويسة يا حبيبتي، بس كنت في مشوار مهم وأسفة علشان قلقتك.
ثم سألتها على سليم، طمأنتها ناهد كثيراً على حالته.
فتوجهت لغرفته لتقضي بجواره كل الليل بعد تبديل ثيابها والإطمئنان على مراد.
في صباح اليوم التالي.
هاتفتها خيرية لتبارك لها مقابلة والدها وشقيقها.
فذهلت مليكة بعدما سألت في توجس.
مليكة: انتِ عرفتي إزاي يا نانا؟
تابعت خيرية باسمة بثقة.
خيرية: واه، هو أبوكي مخبركيش ولا إيه؟ أبوكي وأبو سليم كانوا صحاب أكتر من الأخوات، يعني أني اللي مربية أبوكي وهو جالي بعد ما عرف طوالي.
وبعدين، مجاصيصي البيض دول مش بالساهل كده يا بنيتي. أني كنت حاسة من لما شوفتك إني أعرفك. عينيكي مكانتش غريبة واصل.
ابتسمت مليكة في حبور وهمت بالتحدث حتى أردفت خيرية.
خيرية: طبعاً سليم ميعرفش أي حاجة لسه.
أردفت مليكة بإضطراب متوجسة.
مليكة: أيوة يا نانا، أنا لسه مقولتلهوش وهو ميعرفش حاجة.
أردفت خيرية بهدوء لتطمئنها.
خيرية: وأني معرفتش حاجة من الأصل، متجلجيش يا بنيتي. بس لازم تجوليله في أجرب فرصة.
تنهدت مليكة بعمق وهي تردد.
مليكة: حاضر... هقوله.
بعد عدة ساعات، حضرت مليكة إفطار سليم ودلفت له لتطعمه في هدوء.
فقد انخفضت درجة حرارته عن الأمس بعض الشيء، ولكنه لا يزال لا يشعر بها.
فقد كان أحياناً يفتح عينيه قليلاً ليطالها بنظرات غريبة عنها.
خُيل لها أنه حب، ثم يغمض عينيه مرة أخرى دون أن يتفوه بحرف.
وأحياناً أخرى يهمهم بكلمات غير مفهومة.
مليكة... مراد... حازم... مينفعش... بحبها... كدابة.
ولكنها لم تفهم أي شيء مما يقصد.
حتى بدأ في استعادة وعيه بعد مرور بضع أيام.
فقرر الإذعان لمليكة بعدم الذهاب للشركة ومباشرة عمله من المنزل حتى يستعيد عافيته.
فهاتفاته خيرية لتطمئن عليه.
وبعد السلامات، أردفت هي توصيه على مليكة.
خيرية: خليك أمانها يا ولدي.
أردف سليم بعدم فهم مازحاً.
سليم: قصدك إيه يا حاجة عاد؟
أردفت هي بثبات.
خيرية: أمانها يا ولدي. عارف يعني إيه أمان للست؟ يعني لما تيجي تطلب منك طلب تطلبه وهي مش خايفة مهما كانت هيفته.
يعني لما تجولك علشان خاطري تكون خابرة إنها ورطتك لأنك مش هترفض طلبها.
يعني لما تغلط يا ولدي تحكيلك انتَ أول واحد مش خوف، لع حب وأمان.
ولما تعمل حاجة جديدة تاخد رأيك فيها وهي واثقة إنك مش هتبخل عليها بيه.
يعني متتألتش عليها لو اتخنقت شوية.
ولا هتشمت فيها لو فشلت في حاجة.
يعني تكون أول واحد بترفع ثقتها في حالها ومتحسش بوجودها إلا معاك انتَ وبس مش العكس.
يعني لما تنام وهي قاعدة من التعب، تبجي واثقة إنك هتغطيها.
إنك هتسكت الكل عشان هي ترتاح علشان راحتها تهمك.
يعني لما تتعب، تبجى عارفة إن حضنك مفتوحالها.
وإنك وقت أزمتها هتجف جنبها حتى لو كنت واخد على خاطرك منها.
يعني تلاقيك لما تحتاج تشوفك.
يعني لما أني ولا عمتك ولا أي مخلوق نسألوك مراتك عاملة إيه معاك، تجولنا الحمد لله مبسوطين حتى لو فيه مشاكل بينكم وبين بعض.
يعني يا ولدي تبجي صاحبها قبل حبيبها وحبيبها قبل جوزها وجوزها قبل ما تكون أبو ولادها.
تكون سندها، ظهرها اللي بتتحامى فيه.
وقبل كل دول، أبوها. أبوها اللي متخافش ولا تتكسف منه.
صدقني يا ولدي، دي اللي بتدور عليها أي حرمة في الدنيا، واللي لما تلاقيها بتبيع الدنيا كلها عشانه.
لما تلاقيها مش هتنكد عليك، مش هتنام كل يوم ودموعها على خدها، مش هتكره الجواز وأنها ست.
لع والله يا ولدي وشها هينور كل يوم عن اليوم اللي قبله.
هتمشي تتفاخر بيك وتجول: يا ريت كل الرجالة جوزي مكنش هيبقي فيه حرمة حزينة واصل.
خليك أمانها يا ولدي، هتكون سندك طول العمر.
فهمتني عاد ولا لأ؟
لمست كلمات جدته شغاف قلبه وحركت آخر جزء كان يعاند من الانجراف في تيار حبه لمليكة.
ولكنه أردف مازحاً.
سليم: واه يا حاجة، من ميتي وانتِ بتجولي شعر؟
أردفت خيرية باسمة بأسى.
خيرية: ده مش شعر يا ولدي، ده اللي سيدي وسيد البلد كلها. جدك الله يرحمه علمهولي طول عمره معايا كده.
خدني وأنا بت 15، رباني على يده. كان أبويا قبل أي حاجة تانية. عمره ما جالي كلمة شينة واصل. حبه كان زي الزرعة الصغيرة جوه قلبي اللي كانت بتكبر كل يوم. كان بيسقيها حب واهتمام وأمان. فهمت قصدي يا ولدي؟
أردف سليم باسماً بسهادة.
سليم: فهمت يا حبيبتي، فهمتك.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منة الله مجدي
جلست مليكة أمام نافذتها في شرود.
مضي الليل إلا أقله، ولم يبقَ إلا أن تنفجر ظلمة الليل عن جبين الفجر. ولا تزال هي ساهرة، قلقة المضجع، تطلب الراحة ولا تجدها. تهتف بالغمض ولا تجد سبيلاً إليه. يؤرق مضجعها ذلك السليم الذي يشغل تفكيرها بتغيره الجذري معها. فقد أصبح يحترمها، يهتم بها، أصبح لا يخجل من إظهار قلقه وخوفه، وحتى حبه.
على وجيفها بإضطراب حينما فكرت ولو لوهلة في إمكانية حبه لها. هل يمكنها وبعد كل ذلك الوقت إقناعه بالحب؟ إقناعه بإمكانية برائتها؟ رفعت يدها تواسي قلبها الحائر، تذكره بثابت من ثوابت القدر والنصيب. أننا لا نقابل الناس صدفة، بل من المقدر لهم أن يعبروا طريقنا لسبب ما. فلعل هذا السبب يكون حباً أو عشقاً أبدياً.
فخلدت إلى النوم وفي قلبها يتردد سؤال واحد: ومتى الفؤاد بالتلاقي يهتني؟
---
في قصر الغرباوية.
بعد انتهاء صلاة الفجر، خرجت قمر من غرفتها كي تشرب بعض الماء. وأثناء مرورها شاهدت نور غرفة فاطمة مضاء. اقتربت من الغرفة وفتحت الباب في هدوء، فوجدتها جالسة أمام شرفتها تبكي بقوة. ولم تشعر بقدميها إلا وهي تقتادها تجاه تلك الفتاة التي تذكرها بشقيقتها. فجلست بجوارها مربتة على يديها.
جففت فاطمة عبراتها وتطلعت إليها شذراً، فابتسمت قمر في هدوء.
قمر: إني ما كنتش براقبك ولا حاجة والله، إني كنت رايحة أشرب وشوفتك. ومش هسألك عاد بتبكي ليه ولا إيه اللي مصحيك لحد دلوقت. ولا هقولك اللي يبكينا نرميه ورا ضهرنا، ولا حتى هقولك إن سليم من الأول ما كانش ليكي. بس هقولك حاجة واحدة بس يا خيتي، الحب لو ما حلاش الدنيا دي كلها في عينيك، ووجعك فيّ غرام نفسك و جواكي وصلب ضهرك وروج روحك وعطر دنيتك وفتح نفسك كمان. يبقى متحبيش يا حبيبتي.
برقت عينا فاطمة بألم وهي تطالع قمر الباسمة في حبور. فحقاً، ماذا أخذت هي من حبها لسليم غير الألم؟ وذلك الجرح الغائر الذي خلفته مخالب الخيبة في قلبها اليانع الذي أضحى مريضاً. غير ذلك الكسر الذي أحدثته خطوات الحب من طرف واحد داخل قلبها المسكين. لم يخلف غير الظلام والإندثار في غياهب الكره والحقد. نعم، هي محقة كل الحق. ستنساه وتتخلى عنه. ستطوي تلك الصفحات من حياتها للأبد وتتمنى له السعادة في حياته ومع زوجته التي اختارها.
---
في الصباح.
علم عاصم بمرض سليم، فأخبر والده وقررا الذهاب لزيارته في منزله. وأيضاً الاطمئنان على شقيقته ورؤية طفلها. وصلا إلى المنزل بعد وقت قصير. فرحبت بهما ناهد وأجلستهما في الحديقة. وصعدت لأعلى لإخبار سليم.
أردف هو باسماً بأدب:
سليم: قوليلهم 10 دقائق ونازل يا دادة.
ثم انصرفت هي باسمة لتخبرهم بما أخبرها سليم. وما إن هم هو بالنزول حتى سمع هاتفه يعلن عن قدوم مكالمة أخرى من مكالمات العمل التي لا تنتهي.
قابلت ناهد مليكة في طريقها للأسفل. فسألت بتوعد:
مليكة: هو سليم فين يادادة؟ أنا مش لاقياه.
أردفت ناهد باسمة:
ناهد: متقلقيش، ما راحش الشغل. دا بيلبس في أوضته علشان أمجد بيه وعاصم بيه تحت.
تهللت أسارير مليكة وركضت للأسفل ومعها مراد.
مراد: مين يا مامي؟
أردفت مليكة باسمة بحماس:
مليكة: دا جدو يا مراد.
ثم توجها ناحيتهما في سعادة. فركضت هي لاحتضان والدها بشوق، ثم شقيقها. برقت عينا أمجد بسعادة أثر رؤيته لمراد. رفع بصره ناحية مليكة وعيناه مليئتان بنظرات التساؤل.
أومأت مليكة له برأسها باسمة: نعم يا والدي العزيز، هاهو حفيدك الثالث أمامك.
فحمله بين ذراعيه وهو يحتضنه وعيناه تكاد تنفطر من العبرات.
سأله مراد في براءة:
مراد: هو إنتَ فعلاً جدو؟
أومأ له أمجد برأسه عدة مرات. فأحتضنه مراد بسعادة. ثم هبط من بين ذراعيه وتوجه لوالدته التي انسابت دموعها تأثراً دون رغبة منها. واحتضنها بحماس.
مراد: مامي، أنا عاوز أشكر ربنا علشان لما طلبت منه زي ما قولتيلي إنه يبقى عندي جدو، وافق وبعتهولي على طول.
احتضنته مليكة بقوة بعدما ازدادت عبراتها:
مليكة: نقول الحمد لله يا مراد. الحمد لله.
وأخيراً وبعد ذلك المشهد المؤثر، أخذ مراد بيدي جده ليريه حصانه الذي قد اشتراه له والده منذ فترة. أما مليكة فسارت هي وعاصم سوياً يتحدثان في عدة مواضيع، حتى باغتها عاصم بالقول باسماً:
عاصم: الواد مراد دا شبهك إنتِ وسليم أوي. دا إنتوا لو مظبطينها مش هتطلع كدة.
ضحكت مليكة بخفة، بينما تابع هو متزمراً:
عاصم: إشمعنى أنا؟ عيالي كلهم طالعين حلوين لنوري. دا حتى الواد... الواد الحيلة طالع حلو لأمه.
أردفت هي مازحة بين ضحكاته:
مليكة: دا بدل ما تحمد ربنا.
أردف هو متبرماً بمشاكسة:
عاصم: قصدك إيه؟
قرصت مليكة وجنتيه بمزاح:
مليكة: مقصديش يا روحي، دا أنت قمر.
فضمها إليه يشاكسها كحركتهما في الطفولة. ولكنـه شاهدها. نعم، شاهدها بين ذراعيه، يحتضنها رجل غريب. وفجاءة تدافعت لعقله كل أحلامها وحديثها. تري هذا هو عاصم الذي تراه في أحلامها؟ هل هو من تناديه باستمرار؟ أهذا هو غريمه؟ شعر وقتها بألم قاتل ينشب أظفاره في قلبه. شعر بألم يجثم على روحه يكاد أن يسلبها. أخذ عقله يلعن قلبه ويوبخه، فهو من دافع عن تلك الخائنة وتوسط لها. هو من أنكر إدانتها. هو من قاتل لأجلها باستماته في تلك المعارك التي كثيراً ما نشبت بينه وبين العقل. هو الذي ضم روحه إلى حلفائها ضد عقله.
صرخ عقله موبخاً: أين أنتَ لما لا أسمع اعتراضك؟ لِما فقط أسمع منك أنيناً؟ أ تتألم؟ نعم، ذلك ما تستحق. فلقد وقعت كالأبله في نفس الخطأ مرة أخرى. مرة أخرى قد خفقت لواحدة أخرى من بنات حواء. وكأنك لم تتعلم. كأنك لم تذق مرارة الخذلان. كأنك لم تعرف للألم سبيلاً.
وفجاءة ارتسم الجمود على ملامحه مرة أخرى، متناولاً هاتفه كأنه يتحدث به حتى ينبههما لوجوده. اعتري القلق قلبها حينما رأت لمعة عينيه التي لاحظت وجودها منذ عدة أيام، عادت لتنطفئ مرة أخرى. شعرت بتلك البرودة والظلمة تنبعث منها مرة أخرى. لم تعرف وقتها لِما راودها ذلك الشعور بالقلق الذي هيمن على عقلها وقلبها وجثم على روحها. ولكنها رسمت ابتسامة هادئة على شفتيها واتجهت ناحية سليم الذي أردف باسماً ولكنه كان ينظر إليها. نظراته كانت غريبة عنها. أخافتها. نعم، أخافتها وبشدة. لم تعرف لما حتى.
سليم: أهلاً أهلاً. القصر نور. بقي عاصم الراوي عندنا؟
أتى أمجد في ذلك الوقت ضاحكاً وفي يده مراد.
أمجد: لا مش عاصم الراوي لوحده، وأمجد كمان لو مفيش اعتراض.
ابتسم سليم في هدوء وأردف مرحباً بأمجد:
سليم: لالا، دا النهاردة عيد. بقي أمجد بيه عندنا مرة واحدة.
جلس أمجد ومعه سليم وعاصم ومراد على أقدام جده. أما مليكة فذهبت لتأمر بإحضار بعض المشروبات والمقبلات لهم وظلت بغرفتها بعدما أرسلت رسالة نصية لعاصم تخبره فيها أنها لم تخبر سليم بأنها ابنة أمجد الراوي بعد.
---
بعد عدة ساعات.
سمعت صوت سيارة شقيقها تنطلق في هدوء. فوضعت الكتاب الذي كان بيدها واتجهت خارج الغرفة كي تأخذ مراد الذي وجدته نائماً بين ذراعي سليم. اتجهت ناحيته باسمة في حبور، فأعطاها مراد في هدوء. ولكن، أهذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ لا تعرف.
وفجاءة أردف بصوته الأجش بنبرة تقطر بروداً تناقضت تماماً مع تلك النيران التي تنبعث من عيناه. سرت على إثرها رجفة في قلبها قبل جسدها.
سليم: ودي مراد وتعالي لأوضتي عاوزك.
أومأت برأسها في هدوء وقادتها قدماها المرتعدتان في قلق إلى غرفة مراد. وضعته في هدوء، ثم دثرته طابعة قبلة حانية على جبهته واتجهت لغرفة سليم.
طرقت الباب في هدوء فأردف هو بجمود:
سليم: إدخلي.
دلفت هي للداخل تُقدم قدماً وتُؤخر الأخري، ثم أردفت بصوت مرتعد:
مليكة: كنت عا...
أردف سليم بصوت جهوري هادر وعينان حمراوتان مثل الدم تماماً، حتى إنها كادت أن تسقط من خوفها:
سليم: إنتِ مرات سليم الغرباوي يا مليكة، فاهمة يعني إيه مرات سليم الغرباوي؟
صرخ بحدة أكثر، رافعاً صوته أكثر ليجعلها تنكمش على نفسها أكثر:
سليم: يعني بتاعته هو وبس ومش من حقك بأي شكل من الأشكال. مش إنك تخلي راجل يلمسك، لا دا إنتِ مينفعش تفكري في راجل تاني أصلاً. فاكرة قبل ما نتجوز قولتلك إيه؟
صرخ بقوة أكبر وكأنه مصر على تحطيم أعصابها أكثر. فأنسابت عبراتها بعدما ارتعد جسدها للمرة الثالثة تلك الليلة:
سليم: أنا هقولك. قولتلك إني مش هسمح لأي حد إنه يجي جمب سمعتي بأي شكل من الأشكال.
أومأت مليكة برأسها عدة مرات في هلع وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة في البداية من كثرة ما تشعر به خوف. فبنيته الضخمة بالإضافة لصوته الجهوري تضيف مشهد الوحش الكاسر لأي شخص، وخصوصاً بحجم مليكة.
مليكة: ااااا.... بس..... أنا .... بس أنا معملتش حاجة.
ضحك بصخب، ضحكة سمعت صداها المرعب يتردد في أنحاء القصر بالكامل أو هكذا خُيل لها من شعورها بالخوف. برقت عيناه كرهاً واشمئزازاً وهتف بها في سخرية:
سليم: ويبقى حضن عاصم الراوي أخويا مش كدة؟
اعتدلت في وقفتها وبعدما حدقت به دهشة: إذن سر كل ذلك هو عاصم. بالتأكيد قد شاهدها وهي تحتضنه. فهتفت تتساءل في هدوء بعدما ضيقت عينيها بتوجس:
مليكة: إنتَ شوفتني وأنا بحضن عاصم صح؟
أردف هو بنبرات تقطر حنقاً:
سليم: لا، ووصلت بيكِ القذارة إنك تدخلي مراد في القرف دا وتخليه يخلي لك الجو مع عاصم بأنه يلهي أمجد.
صرخت به مليكة بحنق وهي ترفع إصبعها مشيرة له في تحذير:
مليكة: إياك... إياك تقول كلمة واحدة كمان.
رنت ضحكاته في سخرية امتُزِجَت بالقهر، وأردف بازدراء:
سليم: عارفة أكتر حاجة بتعجبني إيه؟ إنك لسة مكملة في دور البريئة وبتتكلمي بنفس الثقة.
صرخت به مليكة غاضبة:
مليكة: إنتَ متعرفش حاجة أصلاً علشان تتكلم كدة. عاصم دا يبقى اخويا يا سليم. اخويا.
رفرف بأهدابه عدة مرات يمثل شعوره بالمفاجأة:
سليم: هاه، وإيه كمان؟
زمت مليكة شفتيها بضيق وأردفت حانقة: نعم، طفح كيلها من كل شيء. ستخبره بكل شيء. هو يريد معرفة الحقيقة. لِما لا ستخبره إياها.
مليكة: اسمع بقي علشان أنا تعبت. خلاص تعبت.
جففت دموعها بعنف وهي تردد بأسى:
مليكة: أنا اسمي مليكة أمجد محمد أحمد سليمان الراوي. بنت أمجد الراوي وأيسل. كنا أسرة جميلة أوي مكونة من أنا وبابي ومامي وعاصم. لأن مامي عرفت إنها حامل في تاليا لما بابي مشي وأنا عمري 8 سنين. عرفت إن بابي هياخد عاصم ويسيبنا. أيوة، مشي. هددوه يعني.
أردفت بسخرية بينما اظلمت عيناها ألماً: بما إنه عصي تقاليد العيلة واتجوز واحدة تانية غير اللي كانوا منقينها له ورفضوا يقبلوا أمي. فإضطر إنه ياخد عاصم ويرجع البلد علشان سلامتنا، يعني.
أردفت بقهر: عشت يتيمة وأبويا عايش. شفنا بهدلة وقرف من كل الناس. عرفت يعني إيه وجع، كسرة نفس وظهر. وعشنا مع مامي لحد ما كان عمري 15 سنة. لحد ما كنا راجعين من عند حد من قرايبنا وقالولنا إنه بابي لو طلب ياخدنا هيعرف ياخدنا بكل سهولة. يومها مامي نزلت بتعيط وخدتنا وساقت العربية. وفجاءة وإحنا بنتكلم طلعت عربية وخبطت عربيتنا. فوقت لقيت عربيتنا مقلوبة بس أنا كنت براها لأن شباكي كان مفتوح. فوقت لقيت مامي محشورة بسبب الحزام ومتغطية دم وتاليا مغمى عليها في الكنبة ورا. روحت أساعد مامي. صرخت فيا إني اساعد تاليا الأول.
أردفت باكية بقهر: شيلت تاليا وخرجتها بس ملحقتش أخرج مامي. ملحقتهاش. العربية كانت انفجرت بيها قدام عيني. بعدها فوقت لقيتني في المستشفى وتاليا معايا. ورحنا عيشنا مع تيتا. سافرنا إسبانيا سوا واشتغلت هناك علشان أصرف على تاليا. اشتغلت سكرتيرة للراجل اللي حب أمي زمان. كان بيعتبرني زي بنته. كان بيقولي لو كنت اتجوزت ماتك وجبنا بنت كانت هتكون شبهك. وفي أوقات كنت بشتغل في الأزياء، المجال اللي عجب تاليا جداً. لحد ما جت الشركة الملعونة اللي قدمت عرض لتاليا إنها تسافر معاهم كذا بلد وتشتغل في مقرها في مصر. وفعلاً وافقت وسافرت على الرغم من رفضي علشان خوفي عليها. كنت بنزلها بس مش دايماً، بس كنت بكلمها كتير جداً لحد ما في يوم كلمتني وقالتلي إنها عاوزاني أنزل وفعلاً دا اللي عملته. ولما نزلت...
انتحبت بقوة بعدما أردفت بأسى: قالولي ماتت. ماتت. كانت لسة صغيرة.
أردف هو بدهشة بعدما برق محاولاً ربط الأحداث ببعضها:
سليم: يعني تاليا اللي حازم حكالي عليها. تبقي... تبقي أختك؟
أومأت هي برأسها بألم:
مليكة: أيوة هي.
تابع هو باشمئزاز:
سليم: يعني إنتِ ضحكتي على جوز أختك واتجوزتيه؟
صرخت به بحنق باكية بقهر:
مليكة: إنت مش فاهم أي حاجة ولا عمرك هتفهم.
ثم ركضت مسرعة للخارج، تبكي حياتها، ألمها، قهرها، احتياجها، حبها الذي لم تعد تملكه. صرخت بقهر، عساها تخرج كل ذلك الألم القابع في قلبها، الجاثم على روحها، يخنقها. تتساءل في قرارة عقلها لما استيقظت من ذلك الحلم الوردي الذي اندثر بين ثناياه الألم، القهر والوجع. ضحكت بقهر ونفسها تردد في ألم: كُنا أقوياء حين مسّنا الحُلُم فأستندنا عليه بكُل قوتِنا وأطمئننا أنهُ أرضٌ لاتخون، فَخَانت فلمْ نفِق إلا عَلى وقع إرتطامنا بالأرض وَوجعِها. ااااه وكم هو مؤلم ذلك الشعور.
وجدت قدماها تقتادها إلى خارج ذلك القصر، تركض مسرعة عساها تتخطى ذلك الوجع، تتركه على قارعة ذاك الطريق وتعود للمنزل، خفيفة غير مثقلة بالآلام. وأخيراً أدركت أن علاقتها مع سليم هي فرح امتُزِج جيداً بالألم حتى كاد أن يغلب عليه طعم الوجع. فهو قد أتى لحياتها ألماً لينقذها من ألم آخر. ألا تعرفين طفلتي إن أسوأ ما قد تحمله لكِ الأيام هو وجع على شكل فرح. يتقمص فيها الجرح دور المنقذ من جرح آخر. وحين تطمئن له يصفعك تحت جنح الغفلة. لا ترى منه ذلك الوجه الرقيق الذي كنت تراه بالبداية. يسحبك من يدي قلبك إلى سراديب الصمت. يسلب من وجهك وقلبك تلك الابتسامات الخفية التي كنت تطلقها على مضد. يحصل لكِ كل ذلك لسبب واحد، لأنكِ شخصٌ يحلم بأن يعيش حراً من الخيبات. ولكنها لم تدري كم كانت تتقدم في لحظة إلى غياهب تلك الخيبات، تتابع الواحدة تلو الأخرى على قلبها ليحطم الباقي القليل منه.
وفجاءة سمعت سليم يدعوها. التفتت إليه تطالعه باكية بألم: ااااه محبوبي، كم أتمنى أن تصدقني. كنت أعتقد أنني حينما أكبر سأكون مع من أحب. مترابطان كالعقدة، كلما شدت أطرافنا الأيام ازدنا التحاماً. ولكن ما حدث كان العكس تماماً. فنحن نزداد تعقيداً، بُعداً، تشتتاً واضطراباً.
وفجاءة غشي نور ساطع عيناها وارتفع بأذنيها أصوات أبواق سيارة حتى شعرت بشيء يرتطم بها بقوة حتى جعلها تحلق عالياً ثم تسقط بشدة على الأرض الخشنة. كان كل ما تراه الآن مشاهد متقطعة هي غير متأكدة منها. عدا تلك التي ترتدي فستاناً أبيض تبتسم لها بحنو كعادتها دوماً. تلك الابتسامة التي لم تفارقها يوماً. نعم، والدتها هنا ومعها تاليا أيضاً. ااااه كم اشتقت لهم.
نهضت راكضة نحوهما وهي تحتضنهما بقوة ثم أردفت بشوق:
مليكة: وحشتوني أوي، وحشتوني.
أردفت أيسل باسمة بحبور بعدما مسحت على وجنتها بحنان:
أيسل: وإنتي كمان يا حبيبتي، وإحنا جينا علشان ناخدك معانا.
أومأت مليكة برأسها في سعادة وهي تحتضن والدتها:
مليكة: أيوة يا مامي، خديني معاكي. أنا تعبت هنا لوحدي. خدوني معاكوا.
رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منة الله مجدي
ولكن فجأة ظهر من بين هذا النفق المضيء مراد وسليم.
هتف بها مراد في جزع خفق له قلبها بشدة.
مراد: مامي.
ماتت.
كادت أن تتقدم خطوة أخرى وهي تحاول نفض صوته عن عقلها بعدما أشاحت ببصرها عن سليم الذي تخلل صوته إلى حواسها مع دمائها التي تجري مندفعة يهتف بها في وله عاشق قد احترق سابقاً بنار الفراق.
سليم: مليكة... مليكة افتحي عيونك يا مليكة.
همهمت قليلاً وهي تحرك رأسها تجاهد كي تفتح عينيها المثقلة وكأن بهما رملاً كي تخبره بكل شيء.
يجب أن يعرف أنه الأول... يجب أن يعرف أنها ما عرفت ولا عشقت رجلاً غيره... يجب عليه أن يعرف أنه أول وآخر فارس تسمح له بغزو مملكتها المترامية الأطراف... أول من تسمح له بصك ملكيته على قلعتها... كان هو الاحتلال الوحيد الذي رحبت به أعماقها وبحرارة... ولكن ليس كل ما في القلب قابل للبوح فهناك ما يولد ويموت ولا يفصح عنه فيكون مكانه الوحيد هو الاندثار بين طيات الماضي.
صرخ سليم الباكي بمن حوله كي يطلبوا الإسعاف التي حقيقة وللمرة الأولى حضرت أسرع مما ينبغي.
هم رجال الإنقاذ بحملها فرفض هو صارخاً بهم بأنه من سيحملها وبالفعل تركوه يحملها وصعدوا سوياً إلى سيارة الإسعاف التي سرعان ما انطلقت إلى المستشفى.
أخذوها منه الأطباء ودلفوا بها لغرفة العمليات.
جثى على ركبتيه أمام الغرفة محتضناً رأسه بين يديه... يبكي ألماً على محبوبة القلب التي لن ولن يتركها تذهب من بين يديه.
في غرفة العمليات.
كان الوضع غير مطمئن بالمرة... فقد نزفت الكثير من الدماء على غرار عدم استجابتها للعلاج... وذلك الجهاز اللعين الذي يعلن انخفاض نبضها.
ابتسمت والدتها وأخذت بيدها وسارا سوياً نحو ذلك النور القابع في آخر النفق.
شعرت مليكة بروحها تحلق بعيداً في سعادة عارمة... شعرت بنفسها خفيفة للغاية.
وفجأة دوت صافرات الجهاز لتعلن توقف قلبها الكبير عن النبض لتعلن مأتم ذاك الذي خلق ليعطي... خلق ليحب ويتحمل... خلق ليضحي.
في قصر الغرباوية.
نهضت خيرية من نومها فزعة لدي رؤيتها لرؤيا تخص مليكة.
نعم شاهدتها تسير بعيداً مع امرأتين لا تعرفهما ولكنها شاهدت زين ابنها وزوجته وزوجها ينتظرونها في آخر النفق.
استدعت زهرة... طفلتها الثانية وطلبت منها إحضار مهران على الفور الذي حضر ما إن أخبرته زهرة.
دلف مهرولاً لغرفة والدته هاتفاً بها في قلق.
مهران: في إيه يا حاجة؟ انتِ زينة؟
أردفت خيرية وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها في هدوء.
خيرية: مليكة يا ولدي... مليكة.
ضيق مهران عيناه متسائلاً.
مهران: مالها يا أمي؟
أردفت خيرية متوجسة خيفة.
خيرية: مليكة مش زينة يا ولدي فيها حاجة.
أردف مهران بقلق بعدما زم شفتيه.
مهران: هيكون فيها إيه بس يا أمي؟
أصرت خيرية.
خيرية: كلم لي سليم يا ولدي حالاً.
أضاف مهران مضطرباً.
مهران: بس يا حاجة الوقت متأخر عاد.
خيرية بإصرار.
خيرية: حالاً يا مهران حالاً.
وبالفعل هاتف سليم فلم يجيبه وبعد العديد من المرات قرر أن يهاتفه على هاتف القصر فأجابته ناهد المذعورة تخبره بأن مليكة في المستشفى بسبب حادث سير.
خيرية: وااااه يا قلبي عليكي يا بنيتي.
كانت تلك الكلمات التي خرجت من فم خيرية بألم صاحبتها دموع بعد معرفتها لذلك الخبر... فهي بعد ذلك الحلم أيقنت أن مليكة ستذهب إلى ذلك المكان الذي ذهب إليه أحباؤها في السابق.
في قصر عاصم الراوي.
استيقظ من نومه على صوت تأوهات شخصاً ما وكأنه ينازع البقاء حياً.
مد بيده إلى عينيه يفركهما محاولاً نفض النوم عنهما.
هب جالساً في قلق.
جال ببصره في أرجاء الغرفة باحثاً عن نورسين فلم يجدها.
نهض مسرعاً ناحية المرحاض فمنه يأتي الصوت.
طرق الباب عدة مرات هاتفاً بقلق.
عاصم: نورسين إنتي جوة؟
لم يأته رد حتى أنه استمع شهقات بكاء مخنوقة وكأن شخصاً ما يختنق.
طرق الباب بعنف أكبر فهو صوت محبوبته الذي يعرفه جيداً وكيف يغفل عنه.
وأخيراً بعد عدة دفعات استطاع فتح الباب.
دلف مهرولاً حينما شاهدها ساقطة أرضاً ووجهها محمر أطرافها شاحبة كأنها تختنق.
حملها مسرعاً وهو يحاول معرفة ما بها فكانت ترتجف بين يديه كمن على وشك الموت.
هتف بها بقلق.
عاصم: نورسين فيكي إيه؟
أشارت له بيدها المرتجفة ناحية درج الكومود المجاور لفراشها.
فعمد بيده مسرعاً لفتحه ولم يجد به غير شريط من الدواء.
أمسكه بيده وهو يرفعه تجاه وجهها يسألها في هلع.
عاصم: هو دا؟
لتومئ له ووجهها أحمر بشدة فأخرج لها قرص لتشير له بإخراج واحد آخر.
أخرج الثاني ثم ناولهما لتبتلعهما بسرعة وهي تشهق.
احتضنها بركنها إلى صدره الدافئ الواسع.
وبعد أن شعر بانتظام أنفاسها سألها عاصم في وله.
عاصم: فيكي إيه يا نوري؟
خفق قلبها لكلمة نوري التي تطربها من شفتاه ولكنه أيضاً امتزج بالخوف فماذا ستخبره الآن... ماذا ستقول له؟
وجدت الكلمات تندفع من بين شفتاها تلقائياً وحتى بدون أن تمر على عقلها وجدت نفسها تقص عليه مرضها.
وجدت نفسها تخبره ما عانت وكيف تألمت... وجدت دموعها تنهمر بلا توقف وكأنها تبكي احتياجها إليه وخوفها من فقدانه... تبكي ألماً على حالته... تبكي ولكن بكائها ليس عدم رضى قطعاً ولكنه ألماً لألم أحبتها... خوفاً لفقدانهم.
برقت عيناه هلعاً وهو يطالعها بتيه وكأنه لم يسمعها.
هو لم يتخيل يوماً أن تمرض صغيرته... فحينما تصاب ببعض البرد يكاد يفقد عقله قلقاً... فماذا إذا ما كانت تخبره بأن قلبها... ذلك القلب الذي عشقه وعشقها لأجله مريض... يتألم... ما الذي يجب عليه فعله... هو لا يتخيل مرضها فما باله بفقدانها.
بعدما أخذت تدعوه عدة مرات ولم يستجب.
هو استمر فقط بالتحديق.
عمدت بكفيها تحتضن وجهه وتقربه منها واضعة جبهتها مقابل جبهته وكأنها تتكأ عليه.
رفرف عاصم بأهدابه عدة مرات وكأنه استفاق من شروده ما إن لامست بشرته لبشرتها وسمح لدموعه الحبيسة بالهبوط وهو يمسك بوجهها في ألم... هلع... وله وخوف.
تلعثمت الكلمات على شفتيه وأردف يسألها بعدم استيعاب.
عاصم: يعني إيه... وليه مقولتليش من الأول؟
أغمضت عيناها بألم وهمست في خفوت.
نورسين: خوفت... خوفت عليك.
نفض عاصم رأسه وكأنه يحاول نفض تلك الأفكار السلبية التي تجمعت بعقله وأردف بأمل.
عاصم: نسافر برة... نشوف متبرع ونعمل العملية برة.
همست هي بيأس.
نورسين: الدكتور هيبلغني أول ما يلاقي متبرع.
هتف عاصم بها بجزع.
عاصم: أنا مش هستنى لما الدكتور يقول... أنا هسافر وأدور بنفسي ولو حكمت خدي قلبي أنا.
أنا في داهية.
رمت نفسها بين ذراعيه باكية وأردفت بين شهقاتها.
نورسين: بعد الشر عنك متقولش كدة أبداً.
ضمها بين ذراعيه إلى صدره بقوة وكأنه يريد تخبئتها بداخله وأردف باكياً بعشق يقطر من كلماته.
عاصم: نوري... إنتِ فعلاً نوري... النور اللي جه ونور لي حياتي كلها مليش غيرك ومش عاوز غيرك في الدنيا... أنا من غيرك أموت يا نوري فاهمة.
في المستشفى.
وقف على قدماه حينما خرجت الممرضات من غرفتها يركضن لإحضار بعض الأشياء والعودة مرة أخرى.
وقف هو يصرخ بهم يسألهم.
سليم: مراتي... مراتي فيها إيه؟
أجابته إحدى الممرضات التي خرجت لتوها.
الممرضة: البقية في حياتك يا أستاذ.
توقف قلبه عن الخفقان وهو يطالعها بصدمة شلت أطرافه.
وجد نفسه يسير بهدوء ناحية زجاج الغرفة.
فشاهدها... نعم كانت منسدحة على الفراش بهدوء... تبدو شاحبة حد الموت... حولها يركض الأطباء بهلع لإحضار بعض المعدات ولكنها على حالتها تلك... مستسلمة تماماً.
كان يسمع صوت قلبه وهو يهتف بجزع يدعوها كي تستفيق.
تنهض... كي تعود له كما كانت.
ولكن كيف يا صديقي تضرم في روح أحدهم النار... فيظل يعاني كثيراً إلى أن يصير كومة من الرماد لا حياة فيها... ثم تطالبه بأن يعود كسابق عهده... لقد مات يا صديقي... ومن مات لا تنتظر منه شيء... يبقى فقط أن ترعاه علّ معجزة تحدث ويحييه حبك.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثلاثون 30 - بقلم منة الله مجدي
حاول الأطباء إنعاشها بجهاز الصدمات ولكنها علي حالتها بلا أي استجابة حتي توقف قلبه هو الأخروأخذت دموعه في الإنهمار......
صرخ بهم أحد الأطباء
الطبيب: إندروفين بسرعة
***
أمسكت تاليا بيدها وهي تطالع وليدها بحب وتابعت بأسي
تاليا: إنتِ فعلاً وحشتيني يا مليكة وعاوزاكي معايا بس لسة في حاجات لازم تخلصيها
الأول....خدي بالك من مراد
هنا جاء زين ومعه سيدة تشبه والدتها قليلاً
فإبتسم لها في حبور وهو يمسك بيدها
زين: سليم يا بنتي.....سليم طيب وبيحبك
أخفضت هي رأسها آلماً ولم تعقب
رفعت تلك السيدة رأسها لأعلي وغمزت لمليكة
روڤان : طلعي عينه
ثم تركوها ورحلوا فتوجهت هي لمراد
***
سمعوا منها شهقة كبيرة دلت علي عودتها للحياة......
نعم وأي عودة هي عودة لن تكون يسيرة أبداً .....
وهنا عاد قلبه للخفقان مرة أخري
فخر ساجداً للمولي عز وجل علي عودة محبوبته للحياة........
نعم محبوبته.....فهي مدينته الصغيره....قبلته وقبيلته..... موطن قلبه.......والنبض المتبقي في صدره......هزائمه المتكرره وانتصاره الوحيد !
***
أحضر عاصم هاتفه وقام بمهاتفه الطبيب الخاص لنورسين علي الرغم من إعتراضها الشديد لتأخر الوقت ولكنه لم يلق بها ذراعاً فهاتفه وإتفق معه علي كل التفاصيل وسيكون سفرهما بعد ثلاث أيام
لم يكد أن يضع هاتفه جانباً حتي شاهد اسم والده علي الهاتف إعتراه القلق الشديد فطلبت منه نورسين الذهاب إليه سريعاً
وبالفعل ما إن خرج من غرفته حتي وجد والده يصرخ به بجزع
أمجد: اختك.... اختك يا عاصم
ضيق عاصم عيناه بعدما ارتفع رجيفه ريبة وأردف بقلق
عاصم: مالها مليكة يا بابا
هتف أمجد
أمجد: اختك عملت حادثة يا عاصم وفي المستشفي الحاجة خيرية لسة مكلماني وقايلالي
لم يستوعب عاصم أي شئ غير أنه إنطلق يركض حاملاً معطفه ومفاتيح سيارته وخلفه والده
لم يعرفا حتي كيف وصلا للمستشفي وقتها
ولكن لن ينسوا مظهر سليم الذي شاهدوه جالساً علي أحد الكراسي واضعاً رأسه بين يديه في خنوع
ركض أمجد ناحيته هاتفاً به في هلع
امجد: بنتي .....بنتي فين يا سليم
رفع سليم رأسه في ألم ونهض مطأطأ الراس
فصرخ به عاصم بجزع
عاصم: سليم رد علينا مليكة فيها إيه.....عملت في اختي إيه
لم يعلم لما إخترقت كلمة شقيقته مسامعه لهذه الدرجة...... لم يعلم لما طعنت قلبه بهذا الشكل
تذكر كيف كان يهينها ويحتقرها.....كيف عنفها بسبب ذكر اسمه وهو يعتقده غريمه......شعر بألم عارم يجتاح قلبه بعنف يكاد أن يمزقه....شعر بالذنب يكاد أن يخنقه......
لم يفق إلا علي يد عاصم التي أمسكت بملابسه تهزه في عنف
عاصم: اختي مالها يا سليم إنطق
خرج الطبيب في ذلك الوقت
الطبيب: أستاذ سليم
ركض عليه كلاً من أمجد وعاصم يسبقهما سليم
الذي طالعه في توسل
الطبيب: مدام مليكة خلاص الحمد لله رجع نبضها طبيعي...... وظاهرياً خدوش وكدمات..... بس إحنا مش هنقدر نحكم علي أي حاجة غير لما تفوق ونعرف أيه بالظبط اللي إتاثر بسبب توقف القلب لفترة
دارت بعقلهما هو وعاصم كلمة توقف القلب هل ذهبت ابنته هز رأسه بعنف رافضاً تلك الفكرة وهتف أمجد يسال في هلع
أمجد : يعني إيه
تابع الطبيب في هدوء
الطبيب: يعني إطمنوا مرحلة الخطر تعتبر نسبياً عدت وتدعوا ربنا إنه لما تفوق ميكنش في أي ضرر حصل ليها بأي شكل من الأشكال
ثم تركهم وإستاذن
تهاوي أمجد علي أحد المقاعد بجزع
يدعوا الله
أمجد: يارب نجيهالي يارب مش بعد ما لقيتها تروح مني يارب
جلس عاصم بجانبه يربت علي كتفه عساه يمده ببعض القوة ولكن من أين يأتي بها وهو قد فُجع في شقيقته وزوجته في نفس الليلة
***
في قصر الغرباوية
سبقهم ياسر للسيارة
فهتفت قمر في جزع
قمر: أني چاية معاكوا..... لازم أتطمن علي مليكة
أشارت خيرية لبطنها المنتفخة
خيرية: إزاي بس يا بنيتي وبطنك معبية إكده
قمر: بس .....
أردفت خيرية بحبور لتطمئنها
خيرية: متجلجيش إني اول ما أوصل هكلمك أطمنك
وبعدين لسة ابوها مكلمني دلوجت وجايلي إنهم معاها
هتف مهران بدهشة
مهران: ابوها
أومأت خيرية برأسها في هدوء
خيرية: مليكة توبجي بنت أمچد
برقت عينا شاهين بهلع و سأل في ريبة
شاهين: أمچد مين ..... أمچد الراوي
أومأت خيرية برأسها باسمة فشهقت عبير بهلع
عبير: جصدك إيه يا أماي عاد..... جصدك إن مليكة بت الاچنبية اللي إتچوزها أمچد
أردفت خيرية باسمة بأسي
خيرية: مليكة بت أمچد ودا المهم....والأهم إننا عملنا بوصية زين الله يرحمه كيف ما كان رايد
أنه يچوز الولاد لبعضيهم
ثم التفتت ناحية مهران وتابعت بجزع
خيرية: هم بينا يا ولدي الله يكرمك خلينا نلحج نطمن علي البنية
***
في صباح اليوم التالي
كان الجميع قد وصل للمستشفي والدها وشقيقها
خيرية ومهران ومعهما ياسر وحتي نورسين ونورهان
وناهد التي رفضت البقاء في المنزل وحتي عائشة ومحمد.......
أما مليكة فلا تزال كما هي في حالة من اللاوعي بسبب خطورة الإصابات والنزيف
حقيقة هي ليست حالة من اللاوعي تماماً فهي تشعر وتسمع كل ما يحدث حولها......
فقد سمعت كل كلمة أخبرها إياها سليم
البارحة......حينما دلف للداخل مضطرباً قد نقش الندم بصمته الجلية تماماً علي ملامحه
إتخذ مقعداً بجوار فراشها وأمسك بيدها الموصولة بتلك الأنابيب المسئولة عن تغذيتها ونقل اللقاحات والأدوية وماشابه ومسح عليها بطلف بالغ
سمعت صوته المخنوق بالعبرات وهو يعتذر منها في خزي
سليم: أنا أسف......عارف إن الكلمة بسيطة أوي علي اللي شفتيه بسببي .....عارفة يا مليكة الكلام دا يمكن مش هتسمعيه تاني مني بس لازم أقولهولك .....أنا بحبك يا مليكة ....أيوة أنا سليم الغرباوي اللي كان حالف مايفتح قلبه لأي واحدة من بنات حواء بحبك يا مليكة لدرجة عمري ما تخيلتها ولا هتخيلها.......
عمد بيده يمسح عبراته التي تساقطت رغماً عنه وأردف بحرد لحالهما
بس مش هينفع .....مش هينفع أحبك إنتِ كنتي مرات اخويا.......فكرة إنك كنتي لاخويا نفسها قتلاني مخلياني مش قادر أفكر فيكي حاسس بالذنب ناحية حازم هيموتني .....كل ما أفكر فيكي بشوف حازم ......أه إحنا إتجوزنا وإنتِ مراتي حلالي .......بس فكرة إنه كان بيحبك أو حتي كان عاوزك لنفسه لفترة محسساني إني خاين ...أنا عارف إنه محبش غير تاليا لأنها البنت الوحيدة اللي قالي عليها.........عارفة أنا اللي قولتله يبعد عنها فترة ويبعتلها الجواب دا علشان يعرف هو بيحبها فعلاً ولا زيها زي أي بنت عرفها ....عارفة إنه مات في اليوم الي كان رايحلها فيه ......اليوم اللي هي كمان ماتت فيه وكأنهم مقدروش يفارقوا بعض......أنا أسف يا مليكة......عاوزك تعرف إن كل حاجة كنت بعملها معاكي علشان أكرهك فيا ومتحبينيش......أسف يا حبيبتي لأني مش هقدر أحبك زي ما تستحقي أو تتمني....أسف
زفر بعمق وهو يطالعها وقلبه يهتف بقهر وآلم
أقسم أن الله قد ألقى حُبكِ في قلبي.....كأنهُ لم يخلق أحدًا غيرك في الكون
***
في الصباح
دلت عائشة للداخل لتطمئن عليها
فجلست علي أقرب مقعد بجوارها وربتت علي يدها الموصولة بتلك الأنابيب وأردفت بإشتياق
عائشة: أنا عارفة إنك تعبتي كتير أوي في حياتك بس دلوقتي عيلتك كلها برة لازم تقومي علشانهم
وعلشان مراد هتسيبيه لمين ....بعد كل اللي عملتيه عشانه دا هتسيبيه لمين
بدأت مليكة في فتح عيناها بهدوء
فتهللت أسارير عائشة وهبت واقفة كي تدعوا طبيباً ما
حتي سمعت مليكة تسألها في دهشة
مليكة: إنتِ مين؟؟!
برقت عينا عائشة بذهول وهي تجاهد حتي تخرج الحروف التي تراقصت علي شفتيها من هول المفاجأة
عائشة: أ.... أنا... أنا عائشة يا مليكة
سألت مليكة بدهشة
مليكة: عائشة مين يا طنط
إتسعت حدقتاها حتي كادا يخرجا من محجريهما وهي تتمتم في دهشة
عائشة: طنط !!!!
وفجاءة وجدت نفسها تفتح الباب وتركض للخارج كي تستدعي الطبيب عساه يشرح لها لما صديقتها تناديها"طنط"