دلف الساعي للمكتب حاملاً علبة الهدايا التي أرسلتها له (مي) مع مندوب. وقام الساعي بوضعها على يمين المكتب ثم خرج. ابتسمت (مي) قائلة لنفسها: "وبدأ المقلب بنجاح… نفسي أشوف وشك يا (عادل) أول ما تفتح العلبة." اقتربت بعض الأصوات من المكتب، فأسرعت (مي) تختبئ بداخل تلك الخزانة وهي تحاول السيطرة على حماسها المفرط وكتم أنفاسها وضحكتها الشقية. ثم أمسكت بالكاميرا الخاصة بها لتسجيل تلك اللحظة التي لن تتكرر مرتين.
أخذت تراقب بصمت نتيجة مقلبها بـ (عادل) ، مستمتعة بشكل كبير بما خططت له. تركت جزء بسيط للغاية من باب الخزانة تستطيع منه تصوير مقلبها بـ (عادل) ، وصمتت بانتظار بدء المقلب. فُتح الباب ليدلف شاب متوسط الطول، قمحي البشرة، ذو أنف حاد وعينين سوداوين، يبدو على ملامحه الغضب. يرافقه رجل ممتلئ القوام، ذو رأس أصلع، قمحي البشرة، يشبه الشاب إلى حد ما. اتسعت ابتسامة (مي) وقد تملكها الحماس بقوة وهي تضغط زر بدء التصوير.
ثار الشاب بغضب وهو يلتفت لهذا الرجل الممتلئ متسائلاً بحدة: "عمي أنا مش فاهم أي حاجة وضح كلامك يا عمي." "اسمع يا (عادل) تحرك (بدوي) نحو الباب ليتأكد من إغلاقه جيداً، متأكداً أنه ليس هناك من يستمع إليهم. ليخرج رأسه الأصلع من الباب حتى يطمئن أنه ليس هناك أحد بالقرب من المكتب، قبل أن يغلق الباب بالمفتاح، مستديراً نحو (عادل) قائلاً: "زي ما بقولك كده يا (عادل) صحصح بقى وافهمني كويس." ابتلع (بدوي)
ريقه كمتلازمة يفعلها من وقت لآخر، خاصة إذا شعر ببعض الارتباك أو التوتر، ثم أكمل موضحاً: "الست الخرفانة دي كتبت امبارح كل أملاكها لابنها الوحيد، وجزء صغير أوي بس هو اللي كتبته لـ (مي) (عادل) واقفاً بانفعال مستنكراً بقوة ما فعلته تلك المرأة من تصرف غير موزون بالمرة: "إيه…؟؟ يعني إيه مش فاهم..؟ ثم رفع (عادل) كفيه للأعلى متعجباً بدون فهم: "وطلعلنا منين ابنها ده….؟؟ ما هي طول عمرها عايشة لوحدها هي و (مي)
… مين ده وطلع لنا من أنهي داهية….؟ نكس "بدوي" رأسه وقد لاحت على تقاسيمه أمارات عدم الفهم والذكاء المحدود مردفاً: "صدقني والله ما أعرف…. أنا كل ده عرفته بالصدفة من المحامي الخاص بتاعها النهارده وهو رايح يسجل الكلام ده في الشهر العقاري." حاول "عادل" كبح غضبه وثورته وهو يطالع السقف بعينين يعتليها بريق غاضب للغاية، ثم هتف مستنكراً: "من امتى كان عندها عيال دي….؟ أنا حتجنن..؟ وإنت معرفتش حاجة عنه ده..؟
"اللي عرفته من المحامي إن ده ابنها الوحيد وبقالها كتير أوي بتدور عليه ومش لاقياه…. بس معرفش أكتر من كده." ضرب "عادل" كفيه ببعضهما البعض بعدم تصديق، ثم نظر بحدة تجاه "بدوي" متحسراً على حاله بنبرة غاضبة للغاية:
"لأ… متقوليش إني صبرت سنة ونص مع المجنونة اللي اسمها "مى" دي وجاي في الآخر تقول لي إني حطلع من المولد بلا حمص…. يعني كل اللي عملته ده راح في الأرض… وييجي واحد ميساويش ولا حتى نعرفه ييجي يقش وياخد الجمل بما حمل… لأااااااا… ده أنا أصور قتيل فيها دي…!!! استكمل "عادل" متحدثاً إلى نفسه فقد كاد يجن من تصرف السيدة "فادية" الأخير:
"يعني في الآخر أطلع أنا المغفل والست دي متكتبش حاجة للي اسمها "مى" دي…. يعني في الآخر مش حستفيد أي حاجة منها." كان يتحرك بعشوائية من شدة الغيظ، ثم ضرب المكتب بقبضته بقوة يشعر بالقهر صارخاً: "مغفل مغفل." وقف "بدوي" يلحق بابن أخيه المنفعل ليمسكه من كتفيه محاولاً تهدئته: "اهدا بس كده خلينا نفكر إحنا المفروض نعمل إيه بالظبط دلوقتي… ولا إيه…؟
تشتت ذهن "عادل" سارحاً في الفراغ يحاول إيجاد حل ما، حين هتف به "بدوي" وقد بدأ يتصبب عرقاً: "عادل… يا عادل… ما ترد عليا يا ابن أخويا.. حنعمل إيه…؟ عاد "عادل" ببصره تجاه عمه وقد اتسعت عيناه عن آخرهما وهو يرفع حاجبه الأيمن فقد لاحت فكرة بذهنه قائلاً: "هي ملهاش غير حل واحد بس."
تلك المعضلة ستسبب له ضغطاً كبيراً، ليجد بحديث "عادل" حلاً يخلصهما من تلك المشكلة، ليهلل "بدوي" على الفور حين سمع كلمات "عادل" فهو لا يفطن لإيجاد حل مطلقاً، وربما يستطيع "عادل" حلها: "إيه هو…؟ إنجدني بيه." بمكر شديد رفع "عادل" هامته ليقرر بجمود تام ما اندهش له عمه: "إننا نجيب لها ابنها ده." بذكائه المحدود أجابه "بدوي" مندهشاً من حديث "عادل" غير العقلاني:
"يا بني بقولك محدش يعرفه وبقالها سنين بتدور عليه وأنت تقول بالسهولة دي نجيبهولها!!!!! …. وحتى لو جبناه حنستفاد إيه إحنا ساعتها…؟ بتملل من غباء عمه ذو التفكير المحدود حاول "عادل" إيضاح مقصده لعمه: "هو أنا قلتلك حلاقيهولها…؟؟ بقولك نجيبهولها ما تفتح مخك معايا أمال." ضغط "بدوي" على عينيه محاولاً فهم مقصد "عادل" بصعوبة: "إزاي يعني…. قصدك إيه…؟ عاد "عادل" لمقعده خلف المكتب ليجلس بأريحية شديدة وقد لانت ملامحه الغاضبة لأخرى
مزهوة بأفكاره الخارقة: "بسيطة نجمع شوية معلومات عنه ونجيب حد شبهه يعمل نفسه إنه هو ابنها…. وناخد إحنا منه الفلوس ونرميله قرشين في الآخر." بإعجاب شديد بذكاء ابن أخيه ارتسمت ابتسامة تحمل الكثير من البلاهة على وجه "بدوي" قائلاً: "طب إزاي وحنجيب المعلومات اللي إنت بتقول عليها دي منين…؟ "حلاقى لها حل… أصبر بس."
صمت الاثنان لبرهة محاولين التفكر في كيفية معرفة تلك المعلومات عن ابن السيدة "فادية"، ليهتف "بدوي" كمن وجد كنزاً فأخيراً سيطرح فكرة على ابن أخيه: "بس…. لقيتها…." "إيه…؟ "فاكر مرة لما كنت بمضي الست "فادية" على الورق وقلت لك كان فيه صندوق قديم كده شكله مليان حاجات مهمة." اعتدل "عادل" متذكراً ذلك ليكمل بنفس الاهتمام: "أيوه فاكر… ماله الصندوق ده…؟
"يوميها كانت زعلانة أوي وبتكلم نفسها بتقول إمتى عيني تشوفك تاني وهي بتقفل الصندوق وأنا سمعتها… بس كنت فاكر قصدها على جوزها… يبقى صح كده… الصندوق ده فيه حاجة عن ابنها ده." صمت "بدوي" متفاخراً بما تذكره للتو، لترتسم ابتسامة رضا على ثغره، بينما أومأ "عادل" رأسه بالإيجاب فيبدو أن الأمور ستسير لصالحهم مرة أخرى:
"يا سلام… ما هي متسهلة أهي… إحنا نفكر في صرفة نجيب بيها الصندوق ده… وساعتها نعرف إحنا حنجيب مين يعمل ابنها ده… ياخد منها الفلوس ونخلص منها نهائي." بإبتسامة خبيثة للغاية أردف "بدوي" منبهراً بأفكار ابن أخيه: "ده أنت داهية… عمري ما كنت فاكرك إن مخك صعب كده طالع لعمك يا واد." ابتسم "عادل" ساخراً من عمه قليل الذكاء بتشبيهه به، فهو لا يماثله بالدهاء مطلقاً. "طيب… فكر بقى… نجيب الصندوق ده إزاي وهو في أوضة الست "فادية" دي…؟
رفع "عادل" كتفه بثقة: "وهو فيه غيرها… المغفلة اللي اسمها "مى"… دي ممكن تعمل أي حاجة أنا بقولها عليها من غير تفكير… أنا حلاقى صرفة أقنعها بيها إنها تجيب لي الصندوق ده من أوضة الست "فادية"… ها… إيه رأيك…؟ قهقه "بدوي" ضاحكاً بزهو من أفكاره الذكية: "مش بقول لك داهية." شاركه "عادل" الضحك فيبدو أن الأمور ميسرة تماماً لما يخططون له ولن يخسروا تلك المرة أبداً.
وقف "بدوي" يعدل من قميصه المبتل من إثر عرقه الغزير ليتحرك بخطواته الثقيلة لوزنه الزائد قائلاً: "طيب أنا حروح لأستاذ "منصور" المحامي أعرف منه هو عمل إيه بالظبط." لحقه "عادل" على الفور فهو لن يترك عمه يعرف كل شيء بمفرده، فهو لا يثق سوى بنفسه فقط: "خدني معاك." خرج الاثنان من المكتب وتاركين خلفهم خيبة أمل وصدمة عمر في الإنسان الذي طالما كانت تحلم أنها ستعيش أحلامها معه بصدق وسعادة، لكن كان للقدر كلمة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!