وقفة قوية مع النفس، بل صفعة قوية من الزمن أفاقت بها "مى" بعد غفلة طويلة حين ظنت أن "عادل" إنسان يستحق تلك المشاعر التي خصتها به. كيف استطاع أن يبدل تلك الأحاسيس الرقيقة لكل ذلك البغض بقلبها؟ تحول تماماً حبها له لكراهية، خاصة بعدما نزع ذاك القناع المسالم عن وجهه. تقلصت ملامح "مى" المتعمقة بـ"عادل" لتراه شخصاً بغيضاً للغاية. كيف لم تره بتلك الصورة من قبل؟ أردفت بنفور شديد: "مى": بكرهك يا "عادل".
ضحك "عادل" مستهزئاً منها، ثم أردف بلا اكتراث لمشاعرها تجاهه، فهو لا يهتم بذلك مطلقاً. "عادل": تكرهيني متكرهينيش. قلت لك إنتِ في الأساس متهمينيش. انطقي أحسن لك. وآخر مرة هسألك، خبيتي الأوراق فين؟ "مى": مش حقول لك حتى لو موتني هنا مش حقول لك.
وبسرعة فائقة، انتفضت "مى" من جلستها راكضة باندفاع نحو باب الغرفة كمحاولة منها للخروج من قبضة "عادل". لكنها وجدت الباب موصداً بالمفتاح. لم يكن ذلك سبباً لإستسلامها، فأخذت تحاول فتح الباب بالمفتاح الذي يتعلق به. لكن "عادل" كان أسرع منها، فدفعها بقوة ممسكاً إياها بكلتا يديه ليزيحها إلى الداخل، مما جعلها تتهاوى لتسقط أرضاً مرة أخرى. شعرت بأن عظامها سوف تتكسر من قوة ارتطامها بالأرض. تهدج صدر "عادل" بانفعال ليصرخ بها بحدة:
"عادل": كل اللي بتعمليه ده مش حيفيدك بحاجة. ارجعي لعقلك كده يا بنت الناس. أنا هديكي فرصة. حروح مشوار وراجع لك. لو متكلمتيش بالذوق ماتلوميش إلا نفسك على اللي حيجرى لك المرة دي بقى. أنهى "عادل" تهديده لـ"مى" وتوجه نحو باب الغرفة ليفتحه بالمفتاح ويصفقه بقوة قبل أن يوصده مرة أخرى حتى لا تستطيع "مى" الهرب منه.
بتلك الأثناء، بدل "بدوي" ملابسه بأخرى استعداداً لمرافقة ابن أخيه، الذي هتف به ومازالت ملامحه متجهمة بعد لقائه بـ"مى". "عادل": يلا بينا يا عمي. مسح "بدوي" قطرات العرق الغزيرة من فوق جبهته بتوتر وهو يشير بعينيه تجاه الغرفة متسائلاً بقلق. "بدوي": إحنا حنسيبها هنا؟ رمق "عادل" باب الغرفة قبل أن يجيبه باشمئزاز منها.
"عادل": أيوه. خليها مرمية كده من غير ولا أكل ولا شرب لحد ما تعرف هي بتتعامل مع مين. وتبطل تنشف دماغها وتقولنا الورق فين. يا إما حتشوف مني اللي عمرها في حياتها ما شافته. يلا بينا. خرج الاثنان تاركين "مى" بمفردها داخل تلك الشقة التي لم تأت إليها من قبل.
لم تكن تشعر بآلامها إلا فور خروج "عادل"، لتنتبه أن رأسها يؤلمها للغاية. رفعت كفها لتضعه فوق موضع الألم إثر ارتطام رأسها بالأرضية الصلبة منذ قليل، شاعرًة ببعض الدوار لتتأوه بألم. "مى": آآه يا راسي. مش قادرة. أنا حعمل إيه دلوقتي؟ ده إيه الورطة اللي أنا فيها دي؟
تحاملت "مى" على نفسها لتتوجه نحو الباب تحاول فتحه، لكنها وجدته موصداً مرة أخرى. أخذت تضرب بيديها على الباب فربما تستطيع كسر الباب، لكنها لم تستطع فعل ذلك، فهي أضعف من أن تكسر الباب.
ليس من طبعها الاستسلام قط ولن تقبل أن تظل منتظرة تعطف "عادل" وتركها لسبيلها. فاستدارت على الفور نحو النافذة تحاول الهرب منها، فربما تستطيع القفز من هذه النافذة، فالشقة بالدور الأرضي. لكنها صدمت بوجود شبكة حديدية قوية بالنافذة لتعيق خروجها منها. عادت مرة أخرى بمثابرة نحو الباب تضغط بكفها مقبضه بقوة. حاولت... وحاولت... وحاولت، لكن دون جدوى.
بتلك اللحظة، تيقنت بمحبسها وأنها غير قادرة على الهرب لتهوي بيأس شديد لتدرك أنها وقعت بقبضته بالفعل. جلست أرضاً منهارة القوى، فمن الواضح أن القدر يلعب ضدها اليوم، وستظل حبيسة هذا المكان حتى يعود "عادل" و"بدوي"، ولا تدري بعد ماذا سيفعلان بها. مجرد إدراكها لفكرة وقوعها تحت سطوتهم أرعبها ذلك كثيراً، لتومئ برفض ذلك رفضاً باتاً. "مى": لأ. أنا مش لازم أستسلم بالسهولة دي.
أخذت "مى" تصرخ تستنجد بأي شخص يسمعها ويحاول مساعدتها، لكن لا صوت ولا رد. أدركت أنه ليس هناك أحد قريب يستطيع مساعدتها وإنقاذها قبل وصول "عادل" و"بدوي". مر الوقت لتجد نفسها مرغمة على البقاء ولا سبيل للخروج من هذه الشقة، فجلست بإستسلام على أحد المقاعد لتغفو دون أن تدري لماذا تشعر به من إرهاق شديد. *** الإسكندرية.
بخطوات رشيقة للغاية لا تناسب سن تلك السيدة الخمسينيه ولا وزنها، فعلى الرغم من جسدها الممتلئ إلا أنها سريعة الحركة دؤوبة النشاط والحيوية. رفعت وجهها المستدير لتقضب حاجبيها بضيق وهي تمط شفتيها بعتاب محب لولدها الوحيد. "هناء": بس إنت قلت لي إنك حتاخد إجازة شهر يا "مصطفى".
اتسعت ابتسامة "مصطفى" لتظهر أسنانه البيضاء، فله ابتسامة مميزة للغاية تظهر ملامح وجهه الوسيم. فـ"مصطفى" شاب بأواخر العشرينات طويل القامة بعكس والديه، ذو جبهة عريضة وعينان عسليتان يتمتع بشعر فحمي كسواد الليل. "مصطفى": يا أمي يا حبيبتي. ما أنتي عارفة إن "سيف" تعبان وميقدرش يسافر. ولازم حد يسافر بداله وإلا حتحصله مشكلة. القبطان معندوش أعذار. واحد غايب، غيره لازم يحل محله. بعاطفة شديدة نظرت له "هناء" بتأثر مردفة.
"هناء": بس يا "مصطفى" أنا ملحقتش أشبع منك يا ابني. ده إنت مكملتش أسبوع إجازة. وبقالك غايب عني أكتر من شهر ونص. ثم استكملت بترجٍ، فهي تشتاق له للغاية. "هناء": متشوف لك شغلانة تانية قريبة وتخليك جنبي يا ابني.
على الرغم من أنه وحيد والديه، لم يكن شاباً مدللاً إطلاقاً، بل كان مثالاً للرجولة وتحمل المسؤولية. استطاع أن يكمل تعليمه وسط معيشتهم البسيطة للغاية ليحصل على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية. ولاحت له فرصة لا تعوض بالعمل كمهندس ميكانيكي بشركة ملاحة تجارية، وعليه التواجد بمتن السفينة لمدة شهر كامل ثم يتبادل مع أحد زملائه. تلك الوظيفة بالبحر هي فرصة لا تعوض، فراتبها مغرٍ للغاية لا يستطيع تعويضه بأي وظيفة أخرى على البر.
"مصطفى": ما إنتِ عارفة يا ماما إني مش حلاقي شغلانة زي دي. ده غير إن مرتبها ممتاز زي ما إنتِ شايفة. وإحنا محتاجين كل قرش فيها. تنهدت "هناء" بتفهم لذلك، لكنها مازالت تشتاق إليه. "الأم": بس إنت بتغيب عني كتير أوي وأنا مبقدرش أستحمل غيابك ده عني. أنا وأبوك تعبنا وكبرنا ومحتاجينك جنبنا. ده غير بقى إني بخاف عليك أوي من شغل البحر ده. بصفاء نفس كسماء صيف هادئة، حاول "مصطفى" طمئنة والدته القلقة.
"مصطفى": يا ماما متقلقيش. عمر الشقى بقى. ثم أردف ببسمة لإنهاء حديثهما القلق. "مصطفى": خلاص بقى يا ست الكل. متخلينيش أسافر وإنتِ زعلانة كده. مش عايز أبقى قلقان عليكي. "هناء": خلاص الأمر لله. هو أنا حأغلبك؟ على طول حتضحك عليا بكلمتين. ربنا يحفظك ويصونك يا ابني تروح وترجع لنا بألف سلامة. "مصطفى": أشوف وشك بخير. "هناء": مع السلامة يا ابني. في حفظ الله ورعايته. خرج "مصطفى" من البيت ماراً بصديقه "سيف" أولاً قبل سفره. ***
وقف "مصطفى" أمام البناية التي يقطن بها صديقه "سيف" قبل أن يصعد درجاتها للاطمئنان عليه قبل سفره، فهو يعيش وحيداً بهذا المنزل. لم يفكر "مصطفى" للكثير من الوقت قبل قبوله بالسفر عوضاً عن صديقه المريض، رغم إرهاقه لمدة شهر كامل بالعمل بالبحر كمهندس ميكانيكي فوق متن إحدى السفن البحرية. وكطبيعة عمله، يبقى بالبحر لمدة شهر كامل ثم يعود لتبديل مكانه بزميل آخر ويحصل هو على شهر إجازة. طبيعة قاسية لكن عليه تحملها، فالعائد المادي مجزي للغاية وهو وأسرته بأمس الحاجة لهذا المال للخروج من أزمتهم المادية والديون التي تراكمت فوق كاهلهم. فعمل والده "خالد" بمحل البقالة خاصته لا يكفي احتياجاتهم قط.
طرق "مصطفى" الباب لعدة مرات قبل أن يستقبله "سيف"، هذا الشاب القمحي ذو الوجه المستدير والأعين السوداء بملامح طفولية قليلاً ليعطي مظهراً أصغر من عمره ببعض السنوات. فتح "سيف" الباب وهو يسعل بقوة ممسكاً بأحد المحارم الورقية يغطي بها أنفه المتوهج بلون شديد الحمرة. فور رؤيته لصديقه "مصطفى"، ترك الباب دالفاً إلى الداخل ليتبعه "مصطفى" فهو ليس بغريب. ثم أردف بكلمات محتقنة بسبب تلك الانفلونزا. "سيف": تعالي يا غالي.
أغلق "مصطفى" الباب وهو يمزح مباشرة. "مصطفى": لا يا حبيبي. إنت حتقضيها يا غالي بقى وحركاتك دي! بقولك إيه أنا أخدت مناوبتك المرة دي بس إنت كمان حتاخد مناوبتي المرة الجاية على المركب، فاهم. تمدد "سيف" وهو يعقب بضحك على طريقة صديقه الطريفة. "سيف": خلاص يا سيدي. قلتهالي خمسمية ألف مرة. حاضر. أقوم بس من رقدتي دي. رفع "مصطفى" حاجبيه مصنعاً الاندهاش ثم أكمل مزاحه باستهزاء.
"مصطفى": آآه. لاااا بقى. أنا شايف السكر بيزيد. مش عاجبك ولا إيه؟ هاه؟ "سيف": ما إنت اللي كل شوية تقول لي كده من ساعة ما اتفقنا إنك حتسافر مكاني. قلنا حأسافر مكانك من غير رغي كتير. رفع "مصطفى" ساقيه ليعقدهما أسفله مدعياً الضيق. "مصطفى": لا والله. وعلى إيه. أدي قاعدة وسافر إنت يا أخويا مش خلاص كلامي مش عاجبك؟ أجابه "سيف" بجميع العبارات المناسبة للاعتذار منه قائلاً.
"سيف": حبيب قلبي. إنت صدقت. هو أنا ليا غيرك. آسفين والله. حقك عليا. وا... قاطعه "مصطفى" ضاحكاً. "مصطفى": خلاص خلاص. إنت حتشحت. بس بالله عليك خلي بالك من والدي ووالدتي، إنت عارف ملهمش غيري. أنهى عبارته بجدية ليقابله رد "سيف" بجدية مماثلة أيضاً. "سيف": متقلقش. في عيني والله. كان لقاءً قصيراً قبل وداعه لصديقه لاستئناف عمله. "مصطفى": يلا. سلام بقى. "سيف": مع السلامة.
تركه "مصطفى" متجهاً للميناء، تاركاً هذا الوحيد يعاني من مرضه بمفرده، فهو شاب وحيد يتيم الأبوين. *** مر يومان اختفت بهما "مى" تماماً عن السيدة "فادية" دون معرفة إلى أين ذهبت دون إخبارها، فليس من عادتها تركها بتلك الصورة. أثار غياب "مى" فزع السيدة "فادية" تماماً ليزداد تأثرها النفسي بغيابها، حيث جلست برفقة المحامي الخاص بأعمالها وهي فزعة للغاية من شدة قلقها على "مى"، فقد اعتبرتها كابنتها التي لم ترزق بها.
بتحسر شديد أردفت السيدة "فادية". "السيدة فادية": يعني إيه؟ بنتي راحت فين؟ آه يا حسرة قلبي عليكي يا بنتي. "منصور": اهدى بس يا مدام "فادية". إحنا بلغنا الشرطة وبندور عليها. وأكيد إن شاء الله حنلاقيها. بس هي مقالتلكيش أي حاجة؟ راحت فين أو عند مين؟ أي معلومة يعني تدلنا راحت فين؟
"السيدة فادية": لأ. كانت رايحة الشركة عادي زي كل يوم وقالت لي مش حأتأخر. ومن ساعة ما طلعت الصبح مرجعتش. آآه يا بنتي إنتِ كمان ضعتي زي ابني ما ضاع. حاول "منصور" تهدئة السيدة "فادية" قليلاً، فهو لم يرها بهذا الانهيار منذ زمن بعيد. "السيد منصور": مدام "فادية". كل ده مش حيفيدنا بحاجة. إنتِ لازم تهدّي عشان نعرف نفكر.
بمحاولات عابثة لم تجد نفعاً لتهدئتها، لم يجد بُد من الإرسال بطلب الطبيب لإعطائها مهدئ ما يساعدها قليلاً، فحالتها اليوم أعادت له ذكريات بمثل حالتها حين فقدت ابنها منذ خمس وعشرون عاماً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!