بيت رضوى... لأول مرة تشعر "مى" بأن الطريق لبيت "رضوى" القريب منهك للغاية، حين سارت بطريقها متحملة آلام جسدها المتورم لتصل أخيراً إلى الحي الذي تقطن به صديقتها. وصلت لبيتها بأول الحي، لكنها لم تقدر على ندائها كما اعتادت، فطَرقت الباب بآخر قوة تمتلكها لتهوي بعد ذلك مباشرة جالسة أرضاً أمام بوابتهم العتيقة، تنتظر أن يستجيب أحد لطرقاتها، متمنية أن تكون "رضوى" من تقابلها فلا طاقة لها لشرح ما حدث لأهلها.
لعبت الصدفة قدراً من حسن الحظ، لأن والدي "رضوى" لم يكونا بالبيت من الأساس، لتُلبي "رضوى" الطارق وتفتح هي البوابة السفلية للبيت، لتتسع عيناها السوداوتين بصدمة من هيئة "مى" وتورمها بهذا الشكل المخيف. هتفت بها بفزع: رضوى: "مى".... !!! يا خبر أبيض.. إيه اللي حصل.. وإيه اللي عمل فيكي كده؟!! اكتفت "مى" بكلمة واحدة فقط، فهمت منها "رضوى" كل شيء. مى: "عادل"... زفرت "رضوى" بإشفاق على حال تلك المسكينة، لتدنو منها مسندة
ذراعها فوق كتفها قائلة: رضوى: تعالي.. ادخلي.. ادخلي الأول... برفق شديد صعدتا السلم لشقة "رضوى" ثم إلى غرفتها مباشرة، لتجلس "مى" فوق الأريكة بتأوه، حين أسرعت "رضوى" تغلق الباب عليهما تحسباً لعودة أي من والديها ورؤية "مى" بتلك الصورة. مى: اااه... جسمي كله متدغدغ يا "رضوى"... رضوى: ربنا ينتقم منه... إيه اللي حصل احكي لي... بدأت "مى" بسرد ما حدث لـ"رضوى" بالتفصيل بعدما خرجت من بيتها ورؤيتها لـ"عادل".
تخوفت "رضوى" للغاية من قسوة "عادل" التي سببت كل هذا الأذى لـ"مى"، لكنها تطلعت نحو "مى" باشمئزاز من ملبسها الغريب والرخيص للغاية، فهي لم تعتد عليها بمثل تلك الملابس الرثة. رضوى: وإيه اللي إنتي لابسااه ده؟!!! شكله غريب ولونه غريب قوي... مى: خفت "عادل" و"بدوي" يكونوا راجعين تاني ويشوفوني يعرفوني... بس بالهدوم دي مكنش حيجي على بالهم إن دي أنا، خصوصاً الايشارب اللي على راسي ده... مداريني خالص...
توجست "رضوى" خوفاً على ما سوف يحدث من "عادل" حين يمسك بها مرة أخرى. رضوى: أنا خايفة عليكي قوي يا "مى"... أكيد حيقلبوا الدنيا عليكي... لم يكن التوجس حق "رضوى" فقط، بل فكرت "مى" بذلك أيضاً ووصلت بتفكيرها لشيء واحد عليها فعله. مى: أنا لازم أختفي شوية... ربما هي محقة بذلك خوفاً مما يمكنه فعله بها، لكن أين ستذهب وكيف؟ رضوى: حتروحي فين بس؟!!!
لم تدرك "مى" ذلك بعد، لكن عليها التحرك بأسرع وقت ممكن مبتعدة تماماً عن أي مكان يمكن أن يصل إليها "عادل" به. مى: مش عارفة لسه... هات لي بس الأوراق اللي إحنا مخبينهم أحطهم في الشنطة بتاعتي وحبقى أطمنك عليا... بس خدي بالك من ماما "فادية"... رضوى: حاضر... ربنا يستر...
أسرعت "رضوى" بالذهاب للمكان المخبئ به الأوراق وبقية الأغراض لتخرجها وتعيدها مرة أخرى لـ"مى" التي وضعتهم بحقيبتها بعجالة، حين لاحظت هاتفها ملقى بإهمال بداخل الحقيبة.
أمسكت به لتلاحظ أنه مغلق تماماً، فيبدو أن "عادل" أغلقه حتى لا يستطيع أحد الوصول إليها. أخرجت الشريحة وكسرتها حتى لا يستطيع "عادل" الوصول إليها عن طريقها، ثم وضعت الهاتف مرة أخرى بداخل الحقيبة، لتصطدم أصابعها بجسم غريب لم تدركه "مى" بالبداية، لتمسك به مخرجة إياه خارج الحقيبة، لتجدها تلك النظارة الغليظة التي تخص جد "رضوى"، لتكمل بها هيئتها العجيبة تتخفى بها عن "عادل"، فقد تغير شكلها تماماً، ومن يراها الآن لن يظن أنها "مى" نفسها بالمرة.
التفتت "رضوى" فجأة لتعيد جزعها للخلف قليلاً وهي تنظر بفجعة تجاه "مى" لتعقص أنفها باشمئزاز لتردف بفم مقلوب: رضوى: إيه يا بنتي اللي إنتي ملخبطاه في شكلك ده.. وشك اللي وارم والنظارة اللي مش مبينة عنيكي والايشارب الغريب ده مخلياكي وحشة قوي بجد... مى: كده أحسن عشان محدش يعرفني... نهضت "مى" من جلستها ممسكة بحقيبتها، حين استوقفتها "رضوى" متسائلة: رضوى: مش حتقوليلي نويتي تروحي فين طيب؟!! مى: أنا لسه مش عارفة...
بس ححاول أبقى أكلمك أطمنك... أسرعت "مى" تتحامل آلام جسدها، لكن عليها الرحيل بأسرع وقت. استقلت سيارة أجرة وطلبت من السائق التوجه بها إلى الإسكندرية. تلك المدينة التي طالما تعلق قلبها بها وشهدت طفولتها وأجمل أيام حياتها مع والديها. كم كانت تشعر بالحنين والاشتياق إليهم. بعد عدة ساعات...
وصلت "مى" إلى الإسكندرية بعد بضعة ساعات قضتها بالطريق. وبمجرد وصولها تذكرت آخر لقاء لها بهذه المدينة العريقة. كم كان مؤلم هذا اللقاء. كم كانت حزينة ويائسة. وها هي تعود إليها بألم وحزن مرة أخرى. ترجلت "مى" من السيارة تتلفت حولها، فلم يتغير أي شيء هنا. فالمكان نفسه بكل تفاصيله. وياللقدر هو نفس المكان الذي كانت ترتجف فيه من البرد ليلة لقائها بالسيدة "فادية".
عبرت الطريق بحرص متجهة إلى البناية المواجهة لها. فعقلها أهداها إلى أن تأتي هنا لتتخبئ عند "إحسان" وزوجها "خيري" اللذان طلبا من السيدة "فادية" عند بيعها لهذه العمارة برغبتهم في الاستقرار بالإسكندرية. فساعدتهم السيدة "فادية" بالسكن في هذه البناية كمكافأة لهم على خدمتها بإخلاص طوال سنوات عديدة. كانت تعلم تماماً أنهم أحرص الناس على السيدة "فادية" وسيساعدونها في حفظ الجميل، فـ لها أيضاً في رقبتهم جميل يستحق أن يرد.
مى في نفسها: أنتم الناس الوحيدة اللي أعرفهم هنا... أو بمعنى أصح اللي أعرفهم بحياتي بعد ماما "فادية"... ربنا إن شاء الله مش حتخيب ظني فيكم وحتساعدوني.... صعدت نحو الشقة الخاصة بهم وحاولت طرق الباب عدة مرات لكن لا مجيب إطلاقاً. لكنهم هم السبيل الوحيد لها هنا، وإلا.... إلى أين ستذهب؟ فظلت تطرق الباب دون توقف، فربما يسمعونها. انتبهت إحدى الجارات لطرقات "مى" المتتالية لتقابلها بتساؤل: _إنتي عايزة مين؟!!! التفتت "مى" نحوها
تجيبها وتسألها بذات الوقت: مى: عايزة عم "خيري" والست "إحسان" مراته... مش هم ساكنين هنا برضه؟!! _آه يا بنتي ساكنين هنا... بس دول مسافرين بقالهم يومين.. راحوا البلد عندهم فرح ناس قرايبهم.. حيقعودوا تقريبا يجى عشر أيام.... صدمتان متتاليتان.. صدمة بسفرهم وصدمة أخرى بغيابهم لعشرة أيام، لتقف "مى" مدهوشة لفترة، ثم رددت بآلية: مى: ياااه.. عشر أيام... شكراً لحضرتك...
بحسرة وخيبة شديدة نكست "مى" رأسها هابطة درجات السلم، وقد توقف عقلها تماماً عن التفكير، فماذا ستفعل الآن؟ أخذت تحدث نفسها بشرود: مى: أعمل إيه دلوقتي؟!! أنا لا أعرف حد أروح له ولا أعرف أي حد يساعدني... وأخر فلوس معايا دفعتها للتاكسي... أحست فجأة بالضعف وامتأت عيناها بالدموع لتخونها وتتساقط رغماً عنها، فما عادت تتحلى بتلك القوة للتماسك، فقد آن أوان الانهيار. *** بيت عائلة خالد......
وقفت "أم مصطفى" تعدل من خمارها الطويل متحدثة إلى زوجها بصوت عالٍ حتى يستطيع سماعها من الداخل. أم مصطفى: يا حاج "خالد".... إنت رحت فين بس.... بقولك إيه أنا نازلة... مش محتاج حاجة؟!!! خرج "خالد" من داخل الغرفة ليقابلها بتلك الصالة الصغيرة مندهشاً من تجهيز حالها للخروج بهذا الصباح. الحاج خالد: رايحة فين على الصبح كده يا "أم مصطفى" بس؟!!
بضحكتها المميزة أعادت على مسامعه سبب خروجها بهذا الوقت مرة أخرى، فيبدو أنه قد نسي ذلك. أم مصطفى: ما أنا قلت لك... إنت بقيت تنسى ولا إيه يا حاج... "أم سحر" موصياني قبل ما تسافر أروح شقتها كل يومين اسقي الزرع بتاعها أحسن يموت... حرام!!! ... حروح ومش حاتاخر حرجع على طول... الحاج خالد: ربنا يجازيكى خير... طيب بالسلامه... متتاخريش.... أم مصطفى: إن شاء الله مش حاتاخر...
خرجت "أم مصطفى" بخطواتها الخفيفة الرشيقة مسرعة بخطواتها كالمعتاد واتجهت صوب بيت صديقتها لتسقي الزرع الخاص بها، فهي سيدة طيبة للغاية ومتعاونة إلى أقصى حد، لا ترد طلباً ولا تبخل بمساعدة قط. عندما وصلت "أم مصطفى" إلى البناية التي تعرفها جيداً، لفت انتباهها تلك الفتاة الجالسة بمدخل البناية وهي تبكي بصمت، كما يبدو من تورم وجهها ويديها أنها تعرضت لحادث أو ضربت ضرباً عنيفاً.
دنت منها "أم مصطفى" وقد رق قلبها لتلك الضعيفة الباكية. أم مصطفى: لا حول ولا قوة إلا بالله.... مين اللي عمل فيكي كده يا بنتي؟ رفعت إليها "مى" وجهها باندهاش لظهور هذه السيدة أمامها من العدم، تتحدث معها بود كما لو كانت تعرفها من قبل. أجابتها "مى" بغموض دون توضيح. مى: بني آدم.. حقير... أم مصطفى: يا حبيبتي يا بنتي... رفعت طرف عباءتها لتجلس إلى جوارها تتجاذب أطراف الحديث معها معرفة نفسها إليها.
أم مصطفى: أنا "أم مصطفى".. متخافيش مني... بس احكي لي إيه اللي عمل فيكي كده... وإيه اللي مقعدك كده في المدخل؟!! مى: كنت جاية لناس قرايبي.. بس لقيتهم مسافرين.. ومش عارفة أروح فين دلوقتي... أنا ماليش حد خالص. بفراسه تسائلت أم مصطفى عن هؤلاء اللذين جائت إليهم. أم مصطفى: مين؟ لتكوني جاية لـ أم سحر؟ توقفت مى عن البكاء واستعادت رباط جأشها وهي تسأل أم مصطفى بفضول. مى: انتي تعرفيها؟
أم مصطفى: يوووه، دي عشرة عمر يا بنتي. أنا وإحسان حبايب وجيران من واحنا صغيرين، حتى بعد ما اتجوزت وسافرت مصر كنت برضه بكلمها وأطمن عليها. لحد ما جم من كام سنة ورجعوا إسكندرية تاني ومن ساعتها مقطعناش الود خالص. توسمت مى الطيبة بتلك السيدة قائلة. مى: بجد! شكلك طيبة أوي، زي أم سحر بالظبط. أم مصطفى: انتي قريبتهم يا بنتي؟ مى: أيوه، وأنا جايه لهم مخصوص من بعيد أوي، ومش عارفة أعمل إيه.
أم مصطفى: بس دول سافروا أول امبارح ولسه قدامهم عشر أيام. حتروحي فين وإنتي بتقولي جايه لهم مخصوص؟ أجابتها مى بحيرة وقلة حيلة فقد أنهكت تمامًا حقًا ولا تقوى على مجرد التفكير بحل آخر. مى: مش عارفة. أم مصطفى: انتي اسمك إيه؟ مى: مى. لن تتركها أم مصطفى، فهي تساعد الغريب قبل القريب لتردف بعجالة وهي تنهض بخفة. أم مصطفى: أنا حروح بسرعه أسقي الزرع إللي فوق وجايه على طول. استنيني هنا يا مى، أنا راجعة لك.
جلست مى تنتظر أم مصطفى، فهي على كل حال لا تعرف إلى أين ستذهب، لكنها واثقة أن الله سيخرجها من ضيقتها. عادت أم مصطفى بعد وقت قليل لتقترب من مى ممسكة بخفة يدها المتورمة وهي تردف. أم مصطفى: يلا بينا. نظرت نحوها مى بدهشة دون فهم مقصدها. مى: يلا بينا فين؟ أم مصطفى: بيت أم مصطفى مفتوح دايما للحبايب، ما أنا قلتلك متخافيش مني. نظرت نحوها مى بتردد. مى: بس...
أم مصطفى: مفيش بس. ده حتى مفيش غير أنا وعمك أبو مصطفى في البيت أهو تونسينا لحد ما إحسان وخيري يرجعوا من السفر. مى: بس انتي متعرفينيش كويس، إزاي حتقبليني كده في بيتك؟ أم مصطفى: يمكن معرفكيش، بس ده إنتي من طرف الحبايب. ينفع يعني أسيبك تباتي في الشارع كده؟ وبعدين مفيش حاجة حتضايقك خالص، ده حتى ابني مصطفى سافر النهارده ومش راجع إلا بعد شهر أهو تنوسينا اليومين دول. مى: بس أخاف أضايقكم. أم مصطفى: تضايقينا إيه بس؟
ده إنتي حتنورينا. ومتقلقيش أبو مصطفى زيي بالظبط وبيحب الخير لكل الناس، وحينبسط أوي لما تيجي معايا. أندهشت مى كيف يمكن أن يكون هناك بالدنيا أناس بمثل هذه الطيبة والخير، وهناك أناس مثل عادل وبدوي بكل هذا الحقد والشر. لم تجد مى بد من الذهاب برفقة أم مصطفى لحين عودة إحسان وخيري من السفر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!