الفصل 3 | من 17 فصل

رواية بين يديك الفصل الثالث 3 - بقلم رشا روميه

المشاهدات
25
كلمة
1,278
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

خرج إثناهما من المكتب وتركوا خلفهم خيبة أمل وصدمة. عمر في الإنسان الذي طالما كانت تحلم أنها ستعيش أحلامها معه بصدق وسعادة، لكن كان للقدر كلمة أخرى. لم ينتبها لوجودها بداخل الخزانة ليخرجا من المكتب كما دخلا دون ملاحظتها. ظلت "مى" متيبسة تماماً عن الحركة، وقد اتسعت عيناها اندهاشاً بقوة وفغر فاها عن آخره، لا تستطيع تصديق ما سمعته بأذنيها ورأته بعينيها للتو. أحقا ما حدث؟

انتبهت لنفسها وأغلقت الكاميرا التي مازالت تصور الفراغ الذي خلفاه ورائهما، لتطفئ الكاميرا تماماً وهي تضع كفها فوق فمها بصدمة لما سمعته منهم، لتقف مذهولة لبعض الوقت بتشتت شديد. تحركت بآلية نحو الخارج كما لو أن الذي يتحرك ويرى شخص آخر غيرها. أخذت تحدث نفسها بذهول تام متسائلة بصدمة: "هو إللي حصل ده بجد؟ "هو ده الإنسان إللي أنا اخترته وحبيته؟ "للدرجة دي الفلوس بتغير الناس؟ ولا هو كده من الأول وأنا إللي مش واخده بالي؟

"أنا حقيقي مش مصدقة كل إللي سمعته وشفته." انتبهت "مى" أنها لا تزال بداخل المكتب، لتضع الكاميرا بعجالة بداخل حقيبتها الكبيرة قبل أن تحمل حقيبتها فوق كتفها، ثم خرجت متسللة كما دخلت تماماً دون أن يراها أحد. لم تدرك لخطواتها أين تخطوها، بل ساقتها أقدامها دون تركيز مطلقاً إلى شوارع القاهرة المزدحمة، لتتوه وسط المارة من هنا وهناك، مغيبة تماماً عن الواقع، لا تدرى إلى أين تذهب، فقط تتحرك بلا وعي ولا هدف.

مر أمامها ذكريات الماضي منذ سنوات طويلة للغاية، حينما كانت مازالت فتاة صغيرة ذات السابعة عشر عاماً. الإسكندرية. بتلك الليلة العاصفة التي ازدادت بها الأمطار للهطول بقوة وتضاربت الرياح بأعاصيرها بليلة شتاء قاسية البرودة. تلاطمت أمواج البحر الهائجة بشاطئ الإسكندرية لتزيد من برودة الأجواء أيضاً، كما لو أنها تصرخ بصمت لتغطى بوجودها على أي صوت آخر.

اشتدت حلكة السماء لتتساقط أمطارها بغزارة فوق رأسها، وهي تحرك ساقيها المرتجفتين بصعوبة، تحاول التمسك بملابسها الهزيلة تلملمها فوق عنقها، فربما تكسبها بعض الدفء وتحميها من قسوة تلك الرياح الباردة. اختلطت دموعها الساخنة بقطرات المطر الباردة لتشاطرها السماء ببكائها وتعاستها.

شعرت بأوصالها تكاد تتجمد من البرد، لتتقوقع أرضاً تحتمي بسور الكورنيش لتقلل إحساسها بهذا البرد الذي كاد يوقف قلبها الصغير، فأقدامها لم تعد تقوى على حملها وهي ترتجف بتلك الصورة. زاد شعورها بالبرد هذا الإعياء والدوار الذي حل برأسها، فهي لم تتناول الطعام منذ يومين، فأمعاؤها تتصارخ هي الأخرى جوعاً. فوجئت "مى" برجل متوسط الطول سمين إلى حد ما يقف قبالها يحدثها بصوت عالٍ للغاية ليغطى على صوت أمواج البحر القوية قائلاً:

"تعالى يا بنتي معايا الست عاوزاكي." حاولت التمعن بهيئة هذا الرجل لبعض الوقت، لكن عيناها زائغتان متعبتان للغاية، فلم تستطع أن تستوضح ملامحه جيداً، لكنها تساءلت باندهاش عن تلك السيدة التي تطلبها، لترفع رأسها بصعوبة تجاهه ثم أردفت: "ست؟ ست مين؟ الرجل: "الست فادية صاحبة العمارة إللي هناك دي."

أشار الرجل باتجاه إحدى البنايات، لكنها لم تستطع معرفة ماذا يقصد حقاً، لكنها تسندت لتنهض ببطء تتبعه حيث أشار إليها، فهي لا تعرف ما الذي يجب عليها فعله، لكنها على الأقل ستحتمي لبعض الوقت من هذا البرد القارس في مكان مغلق لبعض الوقت، فلربما تشعر ببعض الدفء. تبعته بصمت شديد وهي ترتجف بقوة من البرد، خاصة وأن كل ملابسها مبللة من ماء المطر.

توقف الرجل أمام باب إحدى الشقق السكنية بتلك البناية، طارقاً الباب بخفة، لتفتح له سيدة بيضاء هادئة تقرب لعاملها الأربعين، لتهتف به بصوت حنون للغاية: "الحمد لله إنك جبتها يا خيري." ثم أشارت نحوها مشفقة للغاية على حالها قائلة: "تعالى يا بنتي ادخلي متخافيش، الست فادية جوة." توقفت "مى" قليلاً تحاول فهم مقصدهم، وهي تبدل نظراتها بينهما، لتتساءل بارتجاف وهي تحاوط جسدها بذراعيها تلتمس بعض الدفء: "إنتوا مين؟

ومين الست اللي عاوزاني دي وعاوزاني في إيه؟ أمالت السيدة وجهها قليلاً، ولاحت ابتسامة على ثغرها قائلة متهكمة من فعلتهما: "عندك حق والله يا بنتي، ما إحنا برضه مقلنالكش إحنا مين!!! أمسكت بكفها الدافئ بحنو كف "مى"، تدعوها للدخول، وهي تستطرد موضحة:

"أنا إحسان وده خيري، جوزي، إحنا بنشتغل هنا عند الست فادية الله يكرمها، وهي شافتك من الشباك وإنتي بترتعشي من البرد، فقالت لـ خيري جوزي على طول إنه ينزل يناديكي عشان متقفيش في البرد والمطر ده." إحساس كانت تتلمسه منذ أيام باحثة عن طيف حانٍ تلجأ إليه، لتبتسم رغم ألمها قائلة بامتنان: "شكراً ليكم وليها." إحسان: "طيب تعالي معايا."

تحركت إحسان للداخل نحو غرفة المعيشة الدافئة، لتتبعها "مى" بآلية، فكل ما كانت تتمناه الآن هو بعض الدفء فقط. ما أن دلفت إلى داخل غرفة المعيشة، وجدت سيدة في أواخر الخمسينات يبدو عليها الرقي والهيبة، بسيطة في ملبسها، غير متكلفة على الإطلاق، رحبت بها بابتسامة لطيفة صادقة للغاية، وهي تدعوها للدخول للتدفئة قليلاً: "تعالى يا بنتي ادخلي، إحسان.. بسرعة هاتي لها هدوم ناشفة وأكل بسرعة واعملي لها حاجة سخنة تشربها."

شعور بالراحة لمجرد قربها من تلك السيدة وغمرها طيبة قلبها من مجرد دقائق قليلة مكثتها معها. بدلت ملابسها بأخرى جافة، حين أدخلتها "إحسان" لإحدى الغرف بالشقة، ومع تناولها لتلك الوجبة الساخنة وهذا المشروب الدافئ، شعرت أخيراً بالدفء الذي تتمناه منذ ليال طويلة. شعرت بآدميتها مرة أخرى، لتهمس تشكر السيدة "فادية" بامتنان، حين بادرتها الأخيرة بسؤالها: "إنتي مين يا حبيبتي؟ وإيه إللي خلاكي تطلعي في الجو الصعب ده كده على البحر؟

بتلقائية شديدة أخذت "مى" تسرد ما حدث معها للسيدة "فادية" لما لاقته منها من راحة وشعرت بأنها محل للثقة. "أنا اسمي مى، أنا وماما كنا عايشين سوا في أوضة صغيرة بعد ما بابا الله يرحمه اتوفى بس.. بس... تذكرت "مى" أحداث تلك الأيام الماضية القاسية عليها للغاية، لتنهال دموعها وتأثرها البالغ، مستكملة بنبرة حزينة للغاية: "ماما كمان اتوفت من يومين." دنت منها السيدة "فادية" لتربت بحنو على ظهرها، وقد تأثرت للغاية بوضع تلك اليتيمة:

"إنا لله وإنا إليه راجعون، بالراحة حبيبتي متعيطيش، كملي." "إمبارح جه صاحب البيت وطردني عشان أنا مش معايا فلوس وماما بقالها تلات شهور مدفعتش الإيجار، عشان هي كانت تعبانة أوي ومكنتش عارفة تشتغل خالص." أخذت "مى" تتحدث وقد زاد تأثرها لفقدانها لوالدتها وبيتها معاً، لتحاول السيدة "فادية" تهدئتها وطمأنتها حتى هدأت قليلاً: "ملكمش حد من قرايبكم قريب من هنا؟

"لأ، إحنا أصلاً من المنصورة مش من هنا، ولا أعرف أي حد من أهل بابا ولا أهل ماما خالص، أنا عمري ما رحت هناك ولا هم حد جه يزورنا أبداً." أكملت مى: "ماما كانت دايماً تقول لي إن كان فيه مشاكل كبيرة بيننا وبينهم، عشان ورث وحاجات زي كده، عشان كده إحنا سبنا بلدنا هناك وجينا عيشنا هنا ومبقناش ولا نشوفهم ولا نعرف عنهم حاجة." تفكرت السيدة "فادية" لبعض الوقت بحديث "مى"، ثم قالت:

"بصي يا مى، إنتي صغيرة أوي ومش حينفع تعيشي لوحدك ومحتاجة حد ياخد باله منك ويهتم بيكي، وأنا كمان زي ما إنتي شايفة عايشة لوحدي، إيه رأيك تيجي تعيشي معايا وتاخدي بالك مني وأخد بالي منك؟ أنهت حديثها بابتسامة هادئة طيبة للغاية، وكيف ترفض "مى" عرض كريم كهذا، لتومئ بالموافقة، فلن تجد بيتاً أفضل من بيت تلك السيدة ولا رفقة كرفقتها الطيبة الهادئة. كغريق يتعلق بقشة، وافقت "مى" على الفور، لتوضح لها السيدة "فادية" أمراً ما أولاً:

"بس يا مى، أنا مش عايشة هنا، أنا عايشة في القاهرة، أنا كنت جيت هنا بس عشان كنت عايزة أبيع العمارة دي وأرجع القاهرة تاني. عندك مانع تيجي تعيشي معايا هناك؟ "لأ، خالص، أنا كده كده ماليش خلاص حد هنا بعد وفاة ماما الله يرحمها." وانتقلت بالفعل "مى" للعيش مع السيدة فادية، التي كانت تعاملها بحب وحنان ورعاية لم تراهم مى في حياتها. كذلك لم تبخل عليها في الاهتمام بها وبتعليمها إطلاقاً، واعتبرتها مثل ابنتها التي لم تنجبها يوماً.

في خلال هذه السنوات التي مرت، درست "مى" بكلية الفنون الجميلة وتخرجت منها لتعمل في شركة المقاولات التي تمتلكها السيدة "فادية" بقسم الديكور، وهناك تعرفت على "عادل" منذ عام ونصف، حيث أعجبت به وبشخصيته خلال هذه الفترة. ولكنها أفاقت على واقع مر من إنسان انتهازي مستغل، خدعها من أجل الوصول لمال هذه السيدة الطيبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...