تحميل رواية «بين يديك» PDF
بقلم رشا روميه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجمعت بعض الفتيات بالنادي بهذا الوقت من النهار كما قضت الحاجة، فتلك عادتهم يومياً أن يلتقوا ببعضهن البعض يتسامرون ويتضاحكون، فمن مثلهن لا يحملن همّاً، فلا تعمل إحداهن بعمل ما أو تتحمل مسؤولية أو عبئاً، خاصة بعد أن أنهين دراستهن الجامعية. (مي) و (رضوى) و(سارة). لكل منهن شخصية مختلفة عن الأخرى، بل ولكل منهن ملامح تختلف تماماً عن الأخرى، كما لو أن تجمعهن هو لقاء لمتحدي العنصرية. وكانت (مي) تتمتع بوجه طفولي ناعم وعيون واسعة وابتسامة عريضة دقت بلطف على وجهها النحيل لتكسبها طلة مبهجة شقية بذات الوقت....
رواية بين يديك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رشا روميه
بيت بدوى ....
گثور هائج أخذ "عادل" يدور حول نفسه وهو يضرب المقعد بكفه تارة ويدفع بالآخر تارة أخرى بينما جلس "بدوى" يراقب إبن أخيه المنفعل بقوة لهرب "مى" من بين يديه.
عادل: أنا حتجنن .. خرجت إزاى دى ؟!!!!! .. أنا متأكد أنى قفلت عليها الباب بالمفتاح .. إزاى ... إزاى ....!!!!!
أخرج "بدوى" أحد المناديل يجفف عرقه المتصبب بأيدى مرتعشه من خوفه الشديد.
بدوى: إنت تفتكر هى ممكن تعمل حاجه ...؟؟!!
أجابه "عادل" وهو يطالع الفراغ من أمامه.
عادل: مش عارف ...!!! أنا لازم ألاقيها وبسرعه ...
بدوى: إزاى ... ؟؟ حتعمل إيه ...؟؟
عادل: لازم أدور عليها حتروح فين يعنى ... أنا لازم ألاقيها قبل ما تبلغ عننا الشرطه ...
بتخوف مما قد تسببه لهم "مى" ظل "بدوى" يكرر اسئلته لـ"عادل" يتمنى لو يطمئن بأى كلمه.
بدوى: حتدور عليها فين ... ؟؟؟
كان تفكير "عادل" تلقائى تماماً يخرج ما يفكر به على الفور دون التمعن به.
عادل: حروح الفيلا ... عند أصحابها .. أى مكان ... هى ملهاش حد حتروح فين يعنى ...؟!!! البت دى لازم تختفى من الوجود قبل ما نروح فى داهيه إحنا ...
بموافقه تامه لما قاله "عادل" فهو لن يزج إلى السجن وعليه أن يظل مع "عادل" ويدعمه بذلك فهما متورطان سوياً.
بدوى: يلا بينا على الفيلا ندور عليها هناك ...
خرج الإثنان من شقه "بدوى" للبحث عنها بفيلا السيدة "فاديه" أولاً حتى أنهما صعدا لغرفه "مى" يبحثون بها عن أى شئ يدلهم على مكانها لكنهم عادوا بأيدى خاويه.
لم يقتصر بحثهم بفيلا السيدة "فاديه" فقط بل مروا بجميع صديقاتها لكن دون جدوى أيضاً.
حاول "عادل" بطلبه من أحد معارفه تعقب شريحه هاتفها لكنه لم يستطيع الوصول لشئ، أثار ذلك جنون "عادل".
***
بيت الحاج خالد .....
بعد أن خرج "مصطفى" إصطحبت "أم مصطفى" ضيفتها العزيزة "مى" لغرفه "مصطفى" للبقاء بها حتى يحين موعد رحيلها بعد عدة أيام.
أم مصطفى: البيت بيتك بقى يا بنتى ومعلش هو أوضتين على قد الحال بس يساعوا من الحبايب ألف ... وبما إن "مصطفى" حيقعد مع "سيف" .. فخلاص بقى حتباتى إنتى فى الأوضه بتاعته عشان تاخدى راحتك فيها ... تعالى أوريهالك ..
لم يكن من الصعب على "مى" معرفه أين الغرفه فالشقه واضحه وصغيرة.
تحركت "مى" مع "أم مصطفى" بإتجاه الغرفه التى رغم بساطتها إلا أنها تدل على جو ذكورى طاغى لكنها مرتبه بصورة ملفته.
لفت نظر "مى" أوراق بيضاء للرسم وبعض الأدوات البسيطه ، تطلعت بها بشغف فالطالما عشقت الرسم ولهذا درست بكليه الفنون الجميله.
أم مصطفى: دى الأوراق بتاعه "مصطفى" هو مهندس أه .. بس بيحب الرسم أوى .. هو رسمه على قده .. بس طول عمره بيحب الرسم والحاجات إللى زى دى ....
مى: بجد ...؟؟ أنا كمان بحب الرسم أوى ...
أم مصطفى: لو حبيتى تتسلى فيهم براحتك ... "مصطفى" بيجيب ورق من ده كتير أوى ....
مى: أكيد ...
مدت "أم مصطفى" يدها بحقيبه بلاستيكيه صغيرة بإتجاه "مى" قائله بلطف بالغ.
أم مصطفى: بصى بقى أنا جبت لك شويه الأدويه والمراهم دى عشان الورم ده يخف ... الله يسامحه إللى كان السبب ...
زمت "مى" شفاهها قائله بغير توضيح.
مى: يسامحه ...!!!! يسامحه إزاى بس ....!!!
أم مصطفى:بصى يا بنتى إللى عرفته فى الدنيا دى إن ربنا يمهل ولا يهمل ... وطالما مظلومه حقك جاى جاى ...
مى: إن شاء الله ....
أم مصطفى: أروح بقى أحضر لكم الغدا ...
مى: اتفضلى ...
جلست "مى" بطرف الفراش وهى تتجول بعينيها بداخل أرجاء الغرفه تتفحصها ، أخرجت الأدويه لتبدأ فى مداواه جراحها لكن هناك جروح بداخلها لايمكن مداواتها بالأدوية.
***
فى المساء ...
شقه سيف...
بعد أن تناولا الطعام جلس "سيف" يحدث "مصطفى" بشك فقد إرتاب بتلك الفتاه منا أخبره به "مصطفى" فـ"سيف" دائم الشكوك أولاً وعليه الإطمئنان من كل شئ تماماً قبل الإقدام عليه.
سيف: يعنى إنت متاكد من إن البنت دى كويسه ...؟؟؟
طريقه "سيف" المرتابه جعلته يشك هو أيضاً بالأمر ليتسائل بقلق.
مصطفى: قصدك إيه ...؟!!!
سيف: أصل إنتوا متعرفوهاش وحتخلوها فى بيتكم .. ده غير إن إنت بتقول شكلها مضروبه ... لتكون حراميه ولا عامله عامله وجايه تستخبى عندكم ....!!!
تهدج صدر "مصطفى" قلقاً من وجود تلك الفتاه مع أبويه بمفردهما.
مصطفى: إنت حتقلقنى ليه بس ...؟؟؟
سيف: ما هو الإحتياط واجب برضه .. ووالدك ووالدتك طيبين زياده عن اللزوم ....
لم يطل "مصطفى" التفكير بالأمر لينهض فجأة قائلاً.
مصطفى: أنا ماشى ...
إتسعت عينا "سيف" بإندهاش لحركته المفاجئه.
سيف: رايح فين دلوقتى ...؟؟
مصطفى: حروح أطمن عليهم ... وأتأكد بنفسى يمكن تكون محتاجه مساعده بجد ... ويمكن زى ما إنت بتقول ... وأنا مش حسيب حاجه للظروف ...
توجه "مصطفى" إلى بيته ليطمئن على والديه أولاً وليرى ماهيه هذه الفتاه حتى يطمئن قلبه.
***
بيت الحاج خالد ....
توجس "مصطفى" من "مى" للغايه حتى أن خطواته لبيت والديه كانت متعجله بشكل ملحوظ فحين يلعب الشيطان بأفكارنا يجعلنا ننساق بخوف على أحبتنا ويهيئ لنا أفكاراً خاطئه قاسيه للغايه على قلوبنا.
وصل "مصطفى" مسرعاً قلقاً للغايه مما يمكنها أن تفعله بوالديه الطيبان ، لكنه حين فتح باب الشقه وجد والده جالسان يشاهدان التلفاز بموعد حلقه أحد المسلسلات اليوميه التى يتابعانها.
أشرق وجه الحاج "خالد" لرؤيه ولده يدعوه لمشاركتهم.
الحاج خالد: تعالى يا "مصطفى" ...
بنزعه أمومه حنونه سألته "أم مصطفى" على الفور.
أم مصطفى: إتعشيت يا حبيبى ولا أحضرلك حاجه تاكلها ...؟!!
بنظرات زائغه يبحث عن تلك الفتاه عجيبه المظهر.
مصطفى: لا يا ماما مش جعان ...
ثم أردف بتساؤل عنها فربما تكون رحلت.
مصطفى: أمال هى فين ...؟؟
أم مصطفى: قصدك "مى" ..؟؟ بعد الغدا دخلت الأوضه ومن ساعتها نايمه ... شكلها تعبان أوى ... يا عينى عليها ...
أشفقت للغايه على حالها بينما إنتهزها "مصطفى" فرصه للتقصى عن أى معلومه تخصها من والدته.
مصطفى: هى مقالتش أى تفاصيل عن إللى عمل فيها كده ....؟!!
أم مصطفى: لا يا إبنى والله ... بس متنساش إنها برضه متعرفناش كويس عشان تحكى لنا كده ...
حاول "مصطفى" نقل تخوفه بطريقه مازحه حتى ينتبها لما قد تسئ به إليهم.
مصطفى: أنا قلقان لتكون عملت حاجه عشان كده مضروبه بالشكل ده ...!!!
ضحك الحاج "خالد" من تخوف "مصطفى" القلق عليهما ليردف ساخراً من سوء ظنه بها.
الحاج خالد: وإنت خايف بقى إنها تسرق مننا إيه ؟!! ... فكر شويه يا باشمهندس ... متخليش الدنيا إللى إنتوا عايشينها تخليكوا تمنعوا الخير .... أيامكم صعبه أوى ... بس برضه الخير لسه موجود ... تخيل كده لو طردناها إحنا كمان ... حتروح فين .. فى الشارع ...!!!!
سخريه والده جعلته يفيق نوعاً من هواجس الشيطان التى إحتلت عقله ليفكر بمنطقيه وطبعه الخير الذى إكتسبه منهما.
مصطفى: معاك حق يا حاج ... أنا بس خفت عليكوا ...
أم مصطفى: دى شكلها غلبانه أوى ...
تذكر "مصطفى" هيئتها العجيبه وغبائها المفرط ليعقب ضاحكاً.
مصطفى: هى شكلها صعب أوى بصراحه ..
مصمصت "أم مصطفى" شفاهها وهى تدافع عن "مى".
أم مصطفى: دى .... دى كلامها كله ذوق ورقه ...
رفع حاجباه بإستراب معيداً كلمات والدته بمزاح.
مصطفى: ذوق ورقه !!! ..... إنتى لحقتى تعرفيها لما تقعدى تدافعى عنها يا ماما ....
أم مصطفى: بكرة تشوف ...
الحاج خالد: لا وشكلها متعلمه كمان ... باين عليها من طريقه كلامها ..
أم مصطفى: والله البنت دى صعبانه عليا أوى ... واضح الدنيا لطشت معاها جامد ...
هو ليس من هواه الحكم على الشخص مسبقاً كصديقه لهذا ترك الأمر للأيام لتظهرها قائلاً.
مصطفى: يمكن !!! طيب ... أنا كنت جاى أطمن عليكم ... أروح أنا لـ"سيف" بقى ...
****
مرت عدة أيام لم يكف بها "عادل" عن البحث عن "مى" لكن غيابها بهذا الشكل زاد من شعورة بالقلق فهى تشكل خطراً حقيقياً عليه.
توهجت فكرة خبيثه بعقله وهو أن يقوم بعمل إعلان بوسائل الإعلام والإتصالات يعلن به عن جائزة ماديه كبيرة لغايه للغايه لمن يدلى عن مكانها أو أى معلومه عنها فهى مفقودة منذ عدة أيام.
بينما إعتادت "مى" وجودها برفقه "أم مصطفى" والحاج "خالد" ولا يخلو الأمر من زيارات طفيفه للغايه من إبنهما "مصطفى" الذى بقى تلك الأيام بشقه صديقه "سيف" مراعاة لراحتها.
***
بيت الحاج خالد ....
حتى مع اطمئنانها بوجودها مع تلك العائله لكن تخوفها من أن يستطيع "عادل" الوصول إليها ظلت "مى" بنفس هيئتها.
دلفت إلى المطبخ تساعد "أم مصطفى" بتحضير الطعام ملقيه تحيه الصباح.
مى: صباح الخير ...
أم مصطفى: يا صباح النور ... إيه النوم ده كله ...؟؟
مى: كنت تعبانه أوى وبقالى فترة مش عارفه أنام وأرتاح ... أنا اسفه والله ...
أم مصطفى: على إيه بس ده أنا بهزر معاكى ... يلا يلا ساعدينى بقى فى تحضير الفطار ...
ساعدت "مى" لمضيفتها يداً بيد حتى وضعتا الطعام فوق الطاوله الصغيرة بغرفه المعيشه إستعداداً لتناول الطعام.
تفاجئ الجميع بحركه المفتاح بباب الشقه لتتسع إبتسامه الحاج "خالد" وزوجته فرحاً بمرور "مصطفى" بهم.
أم مصطفى مهلله: تعالى حبيبى .. حماتك بتحبك ...
بإبتسامته الرائعه أجاب "مصطفى" بعدم قدرته على تناول الطعام.
مصطفى: مش حقدر والله ... أكلت مع "سيف" يا ماما والله ... صباح الخير الأول ...
_ صباح الخير .
"أم مصطفى" وهى تمسك بذراع إبنها تلح عليه بمشاركتهم الطعام.
أم مصطفى: وهو الأكل مع "سيف" ده أكل أقعد يا إبنى ....
هو يعلم جيداً إصرار والدته الذى لن يستطيع التملص منه خاصه وقد إشتاق لطعامها بالفعل خاصه وسط مشاركتهم.
جلس "مصطفى" يتناول بعض اللقيمات بينما ظلت "مى" صامته تنظر إلى طعامها وهى تستمع إلى حديثهم الودود مع ولدهم ، فكم يظهر عليهم حبهم الشديد لإبنهم الوحيد.
إنتبه الحاج "خالد" أن "مى" لا تتناول طعامها.
الحاج خالد: إنتى مش بتاكلى ليه يا بنتى ...؟؟
نكست "مى" رأسها تنظر للأطباق أمامها وهى تجيب بتأدب شديد.
مى: باكل أهو حضرتك ....
كان حديثها معهم قليل للغايه لكن ذو إسلوب مميز جداً لفتت به إنتباه "مصطفى" فعلى الرغم من هيئتها الغير متناسقه إلا أن حديثها ينم على ذكائها ولباقتها أيضاً وكما يقول والديه أيضاً ينم عن أدب وتربيه وذوق بالفعل.
أم مصطفى: فين ده !!! .. ولا أكلتى أى حاجه ... إنتى مكسوفه ولا إيه ..؟؟
إبتسمت مى بخجل: لأ .. لا مكسوفه ولا حاجه ...
أستكملا طعامهم وسط إنتباه تام من "مصطفى" لتلك الغامضه بينما كانت هى أيضاً رغماً عنها وبدون أن تشعر تسترق النظر إليه من خلف نظارتها السميكه التى لا تظهر عيناها بوضوح.
رواية بين يديك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رشا روميه
أيام مرت ببيت الحاج خالد. شعرت مي بمودة لهذه العائلة الكريمة. زاد فوقهم يومان، كانت تتلهف بهم مي لتلك الأوقات البسيطة التي يقضيها مصطفى معهم دون سبب محدد لذلك، لكنها كانت تستمتع بأحاديثه الشيقة مع أبويه.
شقة سيف.
بعد أن استعاد سيف عافيته وحان موعد الرحيل، بعدما أبلغه القبطان بموعد إقلاع المركب، رتب سيف حقيبته وهو يخبر مصطفى بموعد رحيله.
سيف: بقولك إيه يا مصطفى؟ بلغوني النهاردة إن السفر بكرة، وأنا عارف الظروف اللي عندكوا. أنا هسيب لك المفتاح، خليك هنا، ده بيتك.
لم تكن دعوة لرفع الحرج عنه، بل كان سيقوم بذلك بالفعل، فمصطفى أخيه الذي أشعره بالعائلة ودفئها حين وفد إلى الإسكندرية منذ سنوات عدة. تعرف بها إلى صديقه الوحيد وبنيت بينهم أواصل المحبة التي جعلتهم أخين مختلفي الأب والأم.
باعتذار من مصطفى على ما يسببه له من إزعاج.
مصطفى: معلش يا سيف. أنا عارف متقل عليك والله.
سيف: مصطفى! بس هو إحنا بينا كده ولا إيه؟ ده إنت أخويا، ده كلام برضه. إلا قول لي صحيح، أخبار لواحظ إيه؟
عقص مصطفى أنفه باستراب متسائلاً.
مصطفى: لواحظ مين؟
سيف: لواحظ اللي قاعدة عندكم في البيت!
بقهقهة عالية أجابه مصطفى.
مصطفى: إنت خلاص سميتها لواحظ؟
سيف: ما هو من كلامك يا أخي.
شرد مصطفى بذهنه لوهلة متذكراً هيئة مي، ثم ابتسم بخفة قبل أن يخفيها حين تذكر حديثها وطريقتها الرقيقة في التعبير.
مصطفى: تصدق، رغم شكلها الغريب ده، إلا إن طبعها هادي جداً وباين عليها بنت ناس كده.
جلس سيف بمقابل مصطفى وقد ارتاب بأمره.
سيف: لا يا شيخ! هي إيه الحكاية بالظبط؟
فهم مصطفى مقصد صديقه، لينهره عن ذلك.
مصطفى: حكاية إيه! بقولك إيه، لم نفسك!
سيف: خلاص يا سيدي متزعلش، أنا مقلتش حاجة.
***
بيت الحاج خالد.
استيقظت مي بالصباح تسبق الجميع لتحضر وجبة الفطور بمفردها هذه المرة، فهي وإن كانت ضيفة في هذا البيت، فأقل ما يمكن تقديمه هو مساعدة أهله فيما تستطيع فعله.
عندما استيقظت أم مصطفى، تفاجأت بما قامت به مي، قائلة.
أم مصطفى: ليه كده بس يا بنتي، تعبتي نفسك، مش كنتي تستني ونحضر الأكل سوا؟
مى: مفيش تعب ولا حاجة، دي حاجة صغيرة أوي قدام كل اللي بتعمليه معايا.
بتساؤل متأخر للغاية، لاح هذا السؤال الذي يراودها منذ عدة أيام، لتنطق به أم مصطفى أخيراً.
أم مصطفى: إلا قول لي يا بنتي، إنتي فين أهلك؟ إنتي حتى مكلمتيهمش من ساعة ما جيتي؟
شعرت مي بالحرج منها، لتنكس رأسها قائلة.
مى: أصل أنا بصراحة مش معايا خط تليفون عشان أكلمهم.
أم مصطفى: يعني إنتي معاكي تليفون ومش معاكي خط؟
مى: أيوه.
تهللت أم مصطفى كمن وجدت حلاً لمشكلة مستعصية للغاية.
أم مصطفى: يا سلام، سهلة أوي. عمك أبو مصطفى عنده خط زيادة، خديه وطمني أهلك عليكي، ده حتى فيه رصيد.
تأثرت مي للغاية من طيبة قلبها.
مى: ده كده كتير أوي عليا، حتى التليفون!
اقتربت منها أم مصطفى واحتضنتها بحنان.
أم مصطفى: إوعي أسمعك تقولى كده تاني، ربنا اللي يعلم أنا حبيتك قد إيه.
بعد دقائق قليلة، أحضرت أم مصطفى شريحة الهاتف من داخل غرفتهم لتعطيها لمي حتى تستطيع طمئنة أهلها عنها.
أم مصطفى: خدي بقى ركبيه وكلميهم عشان يطمنوا عليكي، أنا كمان عايزة أكلم إحسان أطمن عليها.
أومأت مي بخفة لتقلب الشريحة بين أصابعها بتفكر، قبل أن تدلف إلى داخل غرفة مصطفى والتي استقرت بها منذ مجيئها إلى هنا، ثم أغلقت الباب من خلفها جيداً لتقوم بتلك المكالمة المتأخرة للغاية.
وضعت شريحة الهاتف، ثم اتصلت بصديقتها رضوى، فهي الوحيدة التي تستطيع التحدث إليها لما تعلمه من كل التفاصيل التي حدثت معها.
مى: ألو، رضوى. إزيك؟
رضوى: مي! إنتى فين؟ قلقتيني عليكي، ده إحنا هنموت ونطمن عليكي. إنتى فين وعملتي إيه؟
مى: متقلقيش يا رضوى، أنا كويسة، بس مش لازم أقولك أنا فين أحسن عادل يضغط عليكي ولا حاجة وأنا خايفة عليكي منه. بقولك إيه، متجبيش سيرة لحد إني كلمتك عشان ميعملكش مشكلة.
صمتت رضوى لوهلة، ثم اضطرت لإخبار مي بما يحدث حتى تأخذ حذرها.
رضوى: الدنيا هنا مقلوبة عليكي. وطنط فادية تعبانة أوي.
مى: حبيبتي يا ماما. خدي بالك منها يا رضوى.
رضوى: متقلقيش والله. من حق صحيح، كنت هنسى. عادل عمل إعلان بيدور عليكي، وكمان عامل مكافأة كبيرة للي يدل عنك. خدي بالك بقى.
زفرت مي بقوة، فقد تعبت من عادل وما يفعله بها.
مى: هو البني آدم ده مش هيسيبني في حالي بقى؟
رضوى: ما هو أكيد قلقان منك.
مى: ادعي لي يا رضوى. أنا هقفل التليفون ده عشان محدش يقدر يوصل لي برضه.
رضوى: خدي بالك من نفسك. وابقي كلميني طمنيني عليكي.
مى: حاضر. سلام.
أنهت مي المكالمة لتتوجس خيفة مما قد يفعله عادل. أسندت أصابعها فوق شفتيها متفكرة.
مى: معنى كده إني أفضل بنفس الشكل الغريب ده عشان مألفتش النظر. بس زهقت أوي وأنا عاملة كده. الأمر لله بقى.
أخذت مي نفساً عميقاً، ثم رفعت عينيها صوب الحائط المقابل لها لتجد صورة كبيرة لمصطفى معلقة به، وكأنه رسالة ما يبث بداخلها بعض الطمأنينة، لا تدري سببها.
اقتربت مي من تلك الصورة لتتسع ابتسامتها دون أن تدري.
مى: مش عارفة ليه فيك حاجة غريبة بتفرحني لما بشوفك.
هوت ببصرها تجاه المكتب والأوراق الموضوعة فوقه، ممسكة بأحد الأقلام وبدأت برسم صورة تجمع بين مصطفى ووالديه.
***
شقة سيف.
تجهز سيف للسفر حاملاً حقيبته ليبدأ مناوبة عمل لشهر كامل.
مصطفى: خلاص نويت؟
أومأ سيف بالإيجاب، ثم أشهر مفتاح الشقة بوجه مصطفى قائلاً.
سيف: أه خلاص. أنا نازل أهو. خد بقى المفتاح وعيش حياتك في الشقة، البيت بيتك.
مصطفى: مش عارف أشكرك إزاي. بس هو عموماً هم كام يوم بس.
عقب سيف ممازحاً.
سيف: بس يا أخي زهقتني من دور المؤدب ده. متقولش كده بقى. يلا أشوف وشك بخير الإجازة الجاية بقى إن شاء الله. سلام.
توجه سيف إلى الميناء، بينما اتجه مصطفى نحو بيت والديه ليقضي معهم اليوم ثم يعود بالمساء، فهو لا يحب البقاء وحيداً.
***
شقة الحاج خالد.
جلسوا متأهبون لمجيء مصطفى بميعاده اليومي الذي يمر به عليهم، حتى أن مي كانت تترقب الساعة هي أيضاً، تحسب كم تبقى من الوقت على مجيئه.
بمجرد سماع صوت حركة مفتاح الشقة يفتح الباب، شعرت مي بإحساس غريب مزيج من الفرحة والاضطراب بنفس الوقت، حتى أن قلبها أخذت دقاته تتسارع وهي تتطلع بشوق نحو الباب لتنظر إليه حين يدلف إلى غرفة المعيشة.
هو أيضاً بدوره حين تقدم بخطواته نحو الداخل، ألقى نظرة سريعة عليهم جميعاً، وهي خاصة، ثم ألقى السلام وهو يناظر والديه.
مصطفى: السلام عليكم.
وعليكم السلام.
جلس مصطفى على أحد المقاعد إلى جوار والده، حين بدأ الحاج خالد الحوار مع مصطفى في ود ومحبة.
كانت مي منتبهة لهم للغاية، حريصة ألا يفوتها كلمة من حديثهم هذا، اندمجت معهم بصورة قوية، حتى أنها شعرت أن صوته وضحكته مثل السيمفونية الموسيقية التي لا تمل من سماعها وتكرارها.
الحاج خالد: فاكر يا مصطفى لما كنت بتحكي لي على الحادثة اللي حصلت من فترة في المركب؟ شفت فيلم قصته قريبة أوي منها.
مصطفى: فعلاً.
نظر الحاج خالد إلى مي يشركها معهم بالحديث موضحاً.
الحاج خالد: كانت حادثة ولا الأفلام والله يا بنتي، مش كده يا مصطفى.
مصطفى: أه والله يا حاج.
بأعين معاتبة سألتهم أم مصطفى وهي تدور بعينيها بين ولدها وزوجها.
أم مصطفى: حادثة إيه دي؟ إنت مقلتليش حاجة زي دي، ولا كنت خايف لا أقولك متسافرش تاني؟
اتسعت ابتسامة مصطفى التي أظهرت بياض أسنانه محاولاً المزاح مع والدته خوفاً من أن تتضايق من عدم إخبارها بما حدث.
مصطفى: فاهماني إنتي يا ست الكل، بس متخافيش عمر الشقى بقى.
لم تدر مي لماذا ابتسمت عندما رأته يضحك، وكأنها غير مسيطرة ومتحكمة في تصرفاتها، فقط ردود أفعال لما يقوله أو يفعله.
أكمل مصطفى سرد الحادث على المركب بأسلوب مشوق جعلها تتصور كل ما حدث بتفاصيله، والأكثر من ذلك كيف أحست أنها أمام بطل خارق يساعد من حوله في شدتهم.
تذكرت مي الحدث الذي تعرضت له صديقتها سارة منذ سنتين، لتشاركهم حديثهم قائلة.
مى: تصدقوا أنا برضه من سنتين كنت أنا وسارة صاحبتي راجعين من عند رضوى، وسارة ساعتها كانت مستعجلة أوي وكنا تقريباً بنجري في الشارع عشان نلحق نوصل. ساعتها واحد جه خطف منها الشنطة وطلع يجري. وقعدنا كلنا نجري وراه عشان نرجع الشنطة. فمسك سارة من إيدها ساعة ما قربت منه ورماها في نص الطريق. وخبطتها عربية ومكنتش عارفة أتصرف خالص. لحد ما وقفت عربية وجرينا على المستشفى. كان يوم صعب أوي.
خلال حديث مي، لم يلفت انتباه مصطفى قوة هذا الحادث أو ضعفه، لكنه أحب سردها للقصة بهذه الصورة الرقيقة، والذي أحبه أكثر نبرة صوتها الهادئة جعلته لا شعورياً يشعر بالراحة، مما جعله يرسم ابتسامة هادئة على ملامحه.
مصطفى في نفسه: أنا مالي مشدود ليها أوي كده، لا يكون كلام سيف صح؟
نفض مصطفى هذه الأفكار عن رأسه بحركة لا إرادية جعلته يحرك رأسه يميناً ويساراً رافضاً للفكرة.
أم مصطفى: سيبكوا بقى من سيرة الحوادث والحاجات دي. شفتوا مي رسمت إيه؟ شفتها لما دخلت الأوضة النهارده.
بفضول شديد تشدق الجميع لما أحضرته أم مصطفى بين يديها من أوراق لتقلبها باتجاههم، ينظرون لتلك اللوحة الرائعة التي رسمتها مي، فقد توسط مصطفى والديه يحاوطهم بذراعيه، لوحة إبداعية جميلة للغاية أبهرتهم جميعاً ليشيدوا بدقة مي المبدعة في الرسم.
مصطفى: دي حلوة أوي. أنا بحب الرسم أه، بس اللي بعمله ده يعتبر جنب دي شخبطة. مبدعة بصراحة.
تورّد وجنتيها بقوة من شدة الخجل بكلماته المجاملة، ليدق قلبها بعنف وتوتر بشعور مربك، لكنها أحبت هذا الشعور، فهي لأول مرة تشعر بذلك الشعور القوي.
مرت الساعات وانتهى اليوم، واستأذن منهم مصطفى عائداً لشقة سيف، ودخل الجميع إلى غرفهم للنوم.
ظلت مي تعيد اليوم مرة أخرى داخل عقلها، فكم أحبت وجودها معهم اليوم. كانت كلما تذكرت كلمة من كلمات مصطفى تبتسم في فرحة لا تعلم سببها، لكنها سعيدة، سعيدة للغاية.
***
شقة سيف.
لم يختلف حال مصطفى عن حال مي، فتلك الفتاة غريبة الشكل استطاعت أن تستحوذ على انتباهه والتفكير بها بصورة لا يتخيلها هو نفسه.
مصطفى: البنت دي فيه حاجة غريبة، حاجة مريحة أوي. شكلها غير البنات اللي بشوفهم وأعرفهم. مختلفة أوي. بس مش عارف فنانة كده، شكلها ملخبط أوي كده ليه؟
***
مرت الأيام سريعاً، اعتادت مي وجودها برفقة هذه العائلة، منتظرة يومياً مجيء مصطفى بنفس الميعاد يبقى معهم حتى المساء، حتى أصبحت رؤيته بالنسبة لها روتين يومي تنتظره.
لم يخلف يوم مصطفى ميعاده بالذهاب للاطمئنان على والديه، لكنه كان شغوفاً أيضاً بالذهاب ليكتسب بعضاً من شعوره بالراحة والسعادة التي يشعر بها بالقرب من هذه الغريبة، ومع تفكيره فيما يحدث له بقربها، فإنه أرجع ذلك لشفقته على حالها لا أكثر.
في الصباح.
استيقظ مصطفى متفاجئاً برنين هاتفه.
مصطفى: السلام عليكم.
ماجد: وعليكم السلام يا باشمهندس. كنت عايز أطلب بس من حضرتك طلب.
مصطفى: اتفضل.
ماجد: كان فيه قطعتين غيار كنا طالبينهم واتأخروا علينا وإحنا اتحركنا خلاص، فلو ممكن تستلمهم إنت وتدخلهم المخزن.
مصطفى: أه طبعاً. ساعة بالظبط وأكون هناك.
أنهى مصطفى المكالمة بتملل ليبدل ملابسه في عجالة متجهاً لمقر الشركة لمعاينة قطع الغيار قبل استلامها.
***
مي.
انتظرت الموعد الصباحي الذي يأتي به مصطفى، لكنه اليوم لم يأتِ، مما سبب لها شعور بالاختناق والحزن لا تعلم سببهما.
بعد قليل، سمعت صوت المفتاح بباب الشقة لتسرع بتلهف نحو الباب، لكنها شعرت بإحباط بالغ حين رأت الحاج خالد آت من صلاة الظهر.
غصة علقت بحلقها لتجرجر أقدامها إلى داخل الغرفة مبتعدة عن أم مصطفى والحاج خالد.
مى بإحباط: هو مجاش ليه النهارده؟ مش عادته يعني؟
***
مصطفى.
كان يشعر بضيق وعصبية، ظل ينظر في ساعته كلما مرت خمس دقائق وكأن الوقت لا يمر، ليتساءل مصطفى بتملل وهو يزفر بقوة.
مصطفى: هو لسه كتير لو سمحت؟
الموظف: دي إجراءات، ودي قطع غيار مهمة لازم الاستلام يكون مظبوط فنياً وإدارياً.
مصطفى بقله صبر: تمام، تمام.
بتوتر شديد انتظر مصطفى إنهاء إجراءات تسلم هذه القطع، شاعراً بضيق رهيب، لا يدرك سببه حقيقة، لكن ما يدركه فعلاً أنه يريد الذهاب لبيته ورؤيتهم والاطمئنان عليهم جميعاً.
شرد مصطفى بذهنه.
مصطفى: أيوه أنا عايز أطمن عليهم كلهم. ما هم مسؤولين مني. وعايز أشوفها وأتكلم معاها. آآآه. أيوه أكيد ما هي بقت واحدة مننا.
هكذا حدث نفسه ليقنع نفسه أن ذلك الضيق الذي يعتريه ما هو إلا رد فعل طبيعي لغيابه عنهم.
أنهى مصطفى الإجراءات وتوجه مسرعاً للبيت.
وصل إلى البيت متلهفاً، أخرج مفتاحه ليفتح باب الشقة، حاول ضبط أنفاسه عند الدخول، فهو بالفعل شعر بالاضطراب.
كانوا جميعاً يجلسون بانتظار عودته ليتناولوا الطعام سوياً. بمجرد سماع مي لصوت المفتاح، ظل قلبها يرقص طرباً.
دلف ملقياً التحية وقد تعلقت عيناه بمي عند جلوسه، مما زاد من اضطرابها، فقالت بخجل.
مى: هروح بقى أحضر لكم الغدا.
وضعت مي وأم مصطفى الطعام على الطاولة، وبدأ الجميع بتناول طعامه وتجاذب أطراف الحديث سوياً، حين قالت أم مصطفى.
أم مصطفى: مش أنا كلمت إحسان النهارده.
نظرت إليها مي بصدمة حين تذكرت أن اليوم هو اليوم العاشر لها هنا، وأنه آن الأوان لتتركهم وتذهب لإحسان وخيري كما اتفقت معهم.
ابتلعت مي ما في جوفها بغصة وهي تحاول كبح تلك الدموع التي تجمعت بعينيها، وجاهدت كثيراً حتى لا تظهر من خلف النظارة السميكة التي ترتديها، تمالكت حزنها وابتسمت ابتسامة باهتة وتكلمت وهي تختنق بكلماتها.
مى: صحيح. ده كده خلاص هم راجعين بكرة وأنا هروح عندهم بقى.
أنهت جملتها مما جعل مصطفى ينظر إليها بصدمة.
مصطفى بدون وعي: بكرة!
رواية بين يديك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رشا روميه
لا لن تكون تلك النهايه ، لن ترحلى بتلك السهولة ، لا لن تتركى قلبى ...
جلس "مصطفى" بصدمه من قرار رحيل "مى" الذى لم يحسب حسابه ، نعم يعلم جيداً أنها مجرد ضيفه لعدة أيام لكنه ظن أن تلك الأيام لن تنتهى ...
شعور مزعج ضاق صدورهم له حينما نطقتها "مى" وإلتزم بعدها الجميع الصمت ، لتقطع "أم مصطفى" صمتهم ...
أم مصطفى: لا يا بنتى .. "إحسان" قالتلى إنهم مطولين شويه أصل "خيرى" تعب شويه ومش حيعرفوا يسافروا وهو تعبان كده ... إنتى خلاص زهقتى مننا يا "مى" ولا إيه ...؟؟
فرصه أتت إليها لتعيد إليها الروح مرة أخرى ، سعادة أطلقت جناحيها فوق قلوبهم المختنقه لتردف "مى" براحه ...
مى: طبعا لأ ... أنا كنت زعلانه أوى أنى حمشى من هنا ...
أم مصطفى: وأنا والله يا بنتى أخدت على وجودك معانا مش كده يا حاج "خالد" ولا إيه ...؟؟
الحاج خالد: فعلا يا بنتى .. وجودك خلى للبيت روح ...
تنحنح "مصطفى" مازحاً بعدما ردت إليه روحه ببقائها ...
مصطفى: إحم إحم .. وأنا ايه هنا هوا ولا إيه ..؟؟
ضحك الجميع من سخريه "مصطفى" من نفسه بأنه لا لزوم له بالبيت طالما توجد "مى" ، لكنه فى داخله يشعر بأن الهواء عاد مجددا ليتنفس بعدما ظن أنه قطع الأنفاس من حديث والدته ...
الحاج خالد: إنت الخير والبركه هو إحنا لينا غيرك ....
شعرت "مى" بالحرج لتفريقهم فبالتأكيد هو يود العودة للبقاء ببيته ووسط عائلته ، هذا المكان الذى إحتلته هى بالتأكيد ...
مى: أنا أسفه فعلاً على البهدله دى يا باشمهندس .. أنا عارفه إنكم نفسكم تتجمعوا وأنا إللى ....
قاطعها مصطفى سريعاً: إنتى بتقولى إيه ...؟؟ ما أنا موجود معاكم طول اليوم أهو جت على النوم يعنى .. ؟؟ ولا إنتى فعلاً زهقتى مننا وعايزة تمشى ...؟
قالها "مصطفى" ناظراً نحوها بتمعن ليكتشف ما تفكر به بالفعل ، هل هى مجبره على البقاء معهم تود الذهاب حين تحين لها الفرصه أم انها أحبت وجودها معهم ....
زاغت نظرات "مى" بعيون "مصطفى" لوهله من ثم إستجمعت نفسها منكسه رأسها هاربه من نظراته الكاشفه..
مى: لا خالص ... أنا بجد حبيت وجودى معاكم هنا أوى ... ولو مشيت حتوحشونى أوى أوى ...
ابتسم "مصطفى" إبتسامه خفيفه دق بها قلبه بقوه لحديثها ، رجفه قويه لاحت به من رقه وعذوبه كلماتها لكنه أكمل حديثه بمزاح ...
مصطفى: ما تخلونا نخلص الغدا إللى مش راضى يخلص ده ...
ضحك الجميع بينما سرق "مصطفى" نظره خفيفه نحو "مى" التى بدورها نظرت نحوه من خلف النظارة التى بالكاد ترى منها ....
اليوم التالى ....
مع بدايه يوم جديد إستيقظت "مى" لتبدأ يومها بمساعدة "أم مصطفى" بتحضير طعام الإفطار كعادتها ، تناست تماماً ما قد جائت من أجله وبدأت تعتاد وجودها بهذا البيت وبرفقة تلك العائله كفرد أساسى منهم ...
إتجهت نحو المطبخ الذى قد سبقتها إليه "أم مصطفى" ....
مى: صباح الخير ...
أم مصطفى: صباح الخير يا حبيبتى ...
مى: إيه ده إنتى خلصتى من غيرى ...؟؟
أم مصطفى: أصلى عايزة أنزل أروح للست "عيشه" جارتنا أبارك لها على فرح بنتها و أقعد معاها شويه من زمان مروحتش عندها ... وجت الفرصه أخيراً ...
كل يوم يزداد إندهاشها من تلك السيدة الودودة الخدومه ، فهى تنتهز كل فرصه لمساعدة وزيارة من حولها ...لكنها لم تفهم معنى كلمتها (جت الفرصه أخيراً ..) لتتسائل ...
مى: إزاى يعنى ...؟؟
أم مصطفى: "مصطفى" طلبوه فى شغل الصبح يعنى مش جاى إلا أخر النهار ... وعمك "أبو مصطفى" رايح يجيب بضاعه للمحل ... فقلت فرصه أروح أقعد معاهم شويه ...
ثم إنتبهت "أم مصطفى" لأنها ستترك "مى" وحيدة ...
أم مصطفى: ولا حتزهقى يا بنتى أخدك معايا ...؟!!!
مى: لالا خالص .. خلينى أنا هنا .. أنا معرفش الناس هنا وكفايه متطفله عليكوا إنتوا بس ..
أم مصطفى: ما قلنا بلاش الكلام ده بقى ... خدى ... أنا جبت لك ده ..
مدت "أم مصطفى" يدها بحقيبه بلاستيكيه بسيطه لـ"مى" التى ردت بإقتضاب .....
مى: إيه ده ...؟؟
ام مصطفى: دى حاجات بسيطه جبتها لك ... إنتى من يوم ما جيتى يا لابسه الجلبيه الكبيرة بتاعتى يا إما الفستان بتاعك ده .. فقلت لك أجيب لك حاجه جديده كده تفرحك ..
دمعت عينى "مى" من التأثر من طيبه هذه السيده الحنونه ...
مى: حقيقى لو دورت فى كل الدنيا مش حلاقى كلمه توفيكى حقك بجد والله ... أنا حبيتك بجد يا "أم مصطفى" .. يمكن كل إللى حصل فى حياتى ده كان لمجرد أنى آجى هنا و أقابلكم و أعيش معاكم ....
أم مصطفى: والله يا بنتى مش عارفه أقولك إيه .. بس ربنا رمى حبك فى قلبى كده وبعتبرك زى بنتى إللى مخلفتهاش والله ومش عايزاكى تسيبينى أبداا ... وإن شاء الله ربنا حيعوضك خير عن أى حاجه ضايقتك أو زعلتك ...
تركت "مى" الحقيبه من يدها و إحتضنت "أم مصطفى" بقوة فقد شعرت بصدقها حقيقه ، وأنها ذكرتها بحنان والدتها الذى تفتقده ...
بعد قليل ...
تركتها "أم مصطفى" لزياره جارتهم لتبقى بمفردها بالشقه فإنتهزت تلك الفرصه لتتنفس قليلاً براحه دون تكلف أو تخفى ...
نزعت وشاحها عن رأسها وخلعت نظارتها السميكه ثم رفعت الفستان الجديد الذى إبتاعته لها "أم مصطفى" ...
كان فستاناً جميلاً ذو ألوان رقيقه رائعه ...
ابتسمت مى: ذوقها حلو أوى ... رغم حالتهم الماديه البسيطه دى إلا إنها فكرت إزاى تفرحنى ...
وبالفعل كانت فرحه "مى" بالفستان كفرحه طفله صغيرة بملابسها الجديدة ، قررت "مى" الإستحمام وإرتداء فستانها الجديد لحين عوده "أم مصطفى" ....
توجهت "مى" الى المرحاض لتستحم وتزيل عن نفسها إرهاق الأيام الماضيه بدون قلق فهى هذه المرة بمفرها بالمنزل ....
فيلا السيدة فاديه ...
جلست السيده "فاديه" بمقعدها المميز بالبهو فيما كان "عادل" يناظرها بغضب يحدثها بنبره حادة للغايه ...
عادل: يعنى حتكون راحت فين ... إنشقت الأرض وبلعتها ...؟؟
لم تعد تتحمل هذا الكاذب الذى يدعى خوفه عليها ...
السيده فاديه: بقولك إيه .. إطلع برة بيتى ومتجيش هنا تانى ولا تسأل عليها تانى ...
هو يعلم أن "مى" قد أخبرتها بمخططهم لكنه كان يدعى عدم معرفه ذلك ، لكنه لم يعد يتحملها أيضاً خاصه وهى لا تملك الإعتراض فـ"مى" خطيبته ...
عادل: إنتى نسيتى ولا إيه.. ؟؟ "مى" دى خطيبتى وقريب أوى حتبقى مراتى ..
السيده فاديه: لا ...ده كان زمان .. قبل ما تعمل إللى إنت عملته ...!!
قالتها بعصبيه لتوضح له أنها تعلم كل شئ ليكون رده بأنه لا يبالي بما تقوله ...
عادل: ولا فى إيدك أى حاجه تقدرى تثبتيها عليا .... أنا قدام الناس والقانون معملتش حاجه ... حتى لما "مى" إختفت الكل شايف أنى متأثر أوى بغيابها وعملت كمان إعلان فى كل مكان بدور عليها ... وكمان عامل مكافأه محترمه للى يقولى أى معلومه عنها ....
بضحكه ساخرة أردفت السيدة "فاديه" ...
السيده فاديه: الكلام ده تضحك بيه على أى حد غيرى ... كلامك إنت و"بدوى" كان واضح ....
بإستفزاز واضح إستكمل "عادل" بحدة ...
عادل: ولا إنتى ولا "مى" تقدروا تثبتوا حاجه ...
تهدج صدرها إنفعالاً من هذا الوقح المستفز ...
السيده فاديه: لا نقدر ... إنت ناسى إن "مى" مصوراكم فيديو و إنتوا بتتفقوا عليا أنا و إبنى ...؟!!
قنبله مدويه ألقتها السيدة "فاديه" بتسرعها على مسامع "عادل" الذى ذهل تماماً مما قالته فلم يكن يتخيل قط أن "مى" تملك دليلاً بهذه القوة لإدانته ليهتف بعدم تصديق ...
عادل: فيديو ....!!!!! فيديو إيه ده ....؟؟؟
أحست السيده "فاديه" بأنها أخطات خطأ فادح حين أخبرته عن الفيديو فمن الواضح أنه لم تكن لديه أى خلفيه عن ذلك بالمرة ....
أخذ "عادل" يدور حول نفسه منفعلاً مثل الثور الهائج وقد إتسعت حدقتاه عن آخرهما ، غاضب للغايه يتوعدها بكل شئ يقدر عليه ، سيأتى بها ويتخلص منها مهما كان الثمن ....
إلتف نحو السيدة "فاديه" بأعين تتقد شرراً بشكل مخيف للغايه ...
عادل: حلاقيها ... والمرة دى حموتها بإيدى ...فاهمه بإيدى ... و إنتى كمان حتحصليها ...
ثم أخذ يغمغم بداخل نفسه بصورة غير مفهومه ...
عادل: مفيش قدامى غير صاحبتها إللى اسمها "رضوى" دى ... هى مبتعملش أى حاجه فى الدنيا من غيرها ...
خرج "عادل" من الفيلا متوجهاً لبيت "رضوى" عازم على معرفة مكانها بأى صورة مهما كلفه الأمر فهى لديها دليل قوى لابد أن يختفى من الوجود مثلها تماماً ...
ظل يتوعدها طوال الطريق فما فعلته تلك الضئيله لم يجرؤ غيرها عليه مطلقاً من قبل ...
عادل: فيديو ... مصورانى فيديو ... إما وريتك يا "مى" ... يا أنا يا إنتى ...
بيت الحاج خالد....
أنهت "مى" إستحمامها بإنتعاش فتلك أول مرة تشعر بأنها على سجيتها ولو لبعض الوقت ...
جففت شعرها العسلى وتركته منسدل على ظهرها لأول مرة منذ أن هربت من "عادل" فمن يومها وهى ترتدى ذلك الوشاح والنظارة الخاصه بجد "رضوى" ...
وضعت النظاره بجانبها و هى تتطلع بإنعكاس صورتها فى المرآة قائله لنفسها ..
مى: ياااه ... أنا كنت قربت أنسى شكلى والله ...
كان الفستان رقيق بألوانه الرائعه يليق بشده مع لون بشرتها البيضاء وشعرها العسلى الطويل ولون عينيها الواسعتين يشرقان بتوهج خاصه بعد زوال كل أثر تلك الكدمات والتورمات من وجهها ...
مى: أنا جعت أوى ... حروح أفطر بسرعه لسه قدامى وقت لحد ما "أم مصطفى" ترجع من عند جارتها أكون ظبطت نفسى وأرجع ألبس الإيشارب والنظارة .. خنقونى أوى وأنا لابساهم طول الوقت ...
تركت "مى" وشاحها ونظارتها بغرفتها لتحضر شطيرة بالمطبخ تسد بها جوعها ...
رفعت شطيرتها لفمها إستعداداً لإلتهام أول قضمه حين سمعت صوتاً يحدثها من خلفها أفزعها للغايه حتى أنها دفعت بالشطيرة رغماً عنها من يدها لتسقطها أرضاً ...
استدارت فجأة بنهج شديد وأنفاس متسارعه ، شحب وجهها للغايه وقد إتسعت حدقتاها عن آخرهما وهى تشهق بقوة فهى لم تتوقع أن يأتي أحد إلى البيت كما أخبرتها "أم مصطفى" ...
تطلع نحوها "مصطفى" بتعجب من تلك الفتاه التى تتوسط مطبخهم وتلتهم طعامهم ..
مصطفى: إنتى مين ....!!!!؟؟
بإرتباك شديد أجابته بتلعثم ...
مى: أأأأ...أأ... أنا "مى" ...
بغير تصديق لما يراه من إختلاف بمظهرها وملامحها كأنها تبدلت تماماً ...
مصطفى: "مى" !!!!...مش معقول ... إنتى إزاى كده ...!!!!
كم كانت مختلفه تماماً عن تلك البشعه التى يعرفها ، كم هى جميله وبريئه وساحرة ... كم تبدو مثل الأميرات .... لكن لماذا تتخبئ خلف وشاح غريب و نظارة قبيحه ...
هام للحظات بجمالها الرقيق وتعالت ضربات قلبه بقوة لتعلن شيئاً طالما تهرب من الإعتراف به ...
تمالك نفسه وحاول إبطاء تنفسه السريع منحياً نظراته عنها نحو إلى الارض ليثنى جزعه ملتقطاً الشطيرة التى ألقتها منذ قليل ليعطها إياها ..
مصطفى بتوتر: إتفضلى
مدت "مى" يدها المرتجفه من تفاجئها بوجوده وقربه بذات الوقت ، كم هو مربك للغايه ، شعور غريب لم تعتاده من قبل تشعر به فقط فى حضوره ...
مى: شكراً ...
مصطفى: هو إنتى نظرك ضعيف أوى كده ....؟؟
فاهت "مى" بعدم فهم ...
مى: هه !!!
بصوته الحانى الذى شتتها بسؤاله ونظرات عيناه الهائمه ...
مصطفى: إنتى لابسه النظارة الكبيرة دى ليه ..؟؟؟ دى فظيعه أوى .. مخبيه جمال عينيكى دى كلها ... عامله فى نفسك كده ليه ..؟؟
تشتت نفسها للغايه لا تدرى هل هذا إطراء ومجامله ، أم أنه يتغزل بها ، لكن لا يهم فهى كطائر محلق بين يديه ، شعورها برفقته لا يماثل شعورها بأى شخص آخر على الإطلاق ، فهى خجله مرتبكه سعيدة للغايه ...
صمتت "مى" تماماً لشتاتها المغيب وهى تتطلع إليه ولإبتسامته العذبه التى تحبها ...
إستطرد "مصطفى" مستكملاً تساؤلاته التى بدون إجابه مطلقاً من "مى" ...
مصطفى: إنتى شايفانى كويس أهو ... أمال لابسه النظارة دى ليه ....؟؟؟
هنا إنتبه "مصطفى" بأنها تخفى شئ ما ، وبالتأكيد تخفى سراً عظيماً خلفها ليتدارك نفسه قائلاً بنبرة جادة ...
مصطفى: أنا من ساعه ما شفتك وقلت إنك وراكى مصيبه ... بالراحه كده وواحده واحده قوليلى حكايتك إيه بالتفصيل ....
للحظه تفكر جال بعقلها كيف وثقوا بها ولم ترى منهم إلا كل خير ، معرفتها القليله به أدركت من خلالها أن "مصطفى" مختلف عن أى شخص آخر تعرفه فهو ليس مثل "عادل" و"بدوى" ، ولم لا تثق به فربما يستطيع مساعدتها فى هذه الورطه .....
مى: أنا حاحكى لك كل كل حاجه ... بس الأول إوعدنى إنك مش حتقول لحد أى حاجه من إللى ححكيها لك ....
لم يكن ليخذلها أبداً ليكمل بنفس الجديه ووعد بأن يكون حافظً لسرها مهما حدث ...
مصطفى: وعد منى حتى أبويا و أمى مش حقولهم متخافيش ...
رواية بين يديك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رشا روميه
سأكون حافظ للسر، كالأسد المغوار سأكون الحامي، كالطائر المحلق سيكون قلبي العاشق الذي أحبك دون الاهتمام بشكل خارجي، فما بداخلك هو أنتِ وهو ما يهمني.
رافقت "مي" "مصطفى" إلى غرفة المعيشة، تستجمع كلماتها التائهة لتوترها الملحوظ، فحُضوره يلغي العقلانية عن ذهنها ليجعل كلامها مرتبك وغير مرتب.
لكنها بالفعل من داخلها أرادت التخلص من عبء هذا السر بداخلها، أرادت أن تكون صريحة معه للغايه ولا تخفي عنه أمراً.
مى: أنا بنت يتيمة... ماليش حد... ومن كام سنة أخذتني واحدة طيبة أوي زي مامتك كده، مشفتش منها غير كل خير.
مصطفى بطمأنة: كملي.
مى: وكنت مخطوبة لواحـ...
قاطعها "مصطفى" بانتفاضة حين علم أنها مرتبطة بشخص آخر ليهتف بضيق:
مصطفى: مخطوبة...!!!!
نسيت تماماً نقاطها الأساسية وسرد قصتها مع "عادل" وتركز اهتمامها بأن توضح له أن أمر خطبتها هو شيء من الماضي وأنها الآن لا يربطها به أي صلة مطلقاً.
مى بإيضاح: لا خلاص... ده كان زمان.
علت ابتسامة خفيفة فوق ثغره ليزفر براحة.
مصطفى: أه... كملي.
سردت كل ما حدث بأدق التفاصيل حتى لا تنسى شيئاً مما حدث وتتضح الصورة كاملة لـ"مصطفى".
مصطفى: يااه... كل ده ولوحدك؟ طب وآخرتها إيه؟ افرضي كان لاقاكي كنتي هتعملي إيه؟
مى: مش عارفة.
منذ وفاة والدتها كان دوماً تحث نفسها على أنها قوية لا تُهزم، ستواجه الدنيا بضحكتها ومزاحها، لم تكن من النوع المستسلم الخنوع، لكنها الآن وفي هذه اللحظة وبرفقة "مصطفى" شعرت برغبتها بإخراج ما تشعر به بقلبها حقيقة، أرادت أن تكون على سجيتها تظهر ضعفها وخوفها، يكفيها ادعاء بالقوة، تركت العنان لما يثار بداخلها من خوف من الظهور حتى أن دموعها توالت بضعف لم تشعر به إلا وهي إلى جواره كأنه نفسها التي لا تخفي عليها شيء.
مى: أنا خايفة... خايفة منه... ده إنسان حقير ومتوحش... ممكن يموتني... ده حتى عمل إعلان بيدور عليا فيه.
شعوره بضعفها وأنها تخشى من هذا الحقير جعله ينتفض بقوة، فلن تشعر بالضعف وهو إلى جوارها ليهتف بقوة:
مصطفى: لأ طبعاً... هي سايبة؟ وأنا رحت فين؟
برغم إحساسها بالسعادة لانفعاله وحمايته لها إلا أنها خشيت أن "عادل" يمكن أن يؤذيه وهي لن تتحمل هذا مطلقاً.
مى: لأ... أنا مش عايزة تدخـل خالص... ده إنسان ماعندوش ضمير... ممكن يأذيك... وأنا مسمحش إن حاجة زي كده تحصل لك أبداً بسببى.
لم يكن يوماً جباناً خائفاً، هو يستطيع حمايتها ولن يتركها أبداً تواجه هذا الحقير بمفردها.
مصطفى: بني آدم زي ده جبان لازم يقف عند حده... مينفعش نسيبه كده.
مى بخوف: مقدرش... أخاف يأذيك بجد!!! إنت متعرفوش... أنا نفسي بس ألاقي ابن ماما "فادية"... بس مش عارفة إزاي.
مصطفى: وهى دي حاجة سهلة؟
مى: مش عارفة... صعبة طبعاً... بس نفسي ألاقيه... بدل ما كل الناس طمعانة فيها كده.
رق قلبه لهذه الرقيقة، كيف للدنيا تتعبها إلى هذا الحد، لكنه الآن إلى جانبها ولن يتركها تواجه كل هذا بمفردها.
مصطفى: قومي دلوقتي اغسلي وشك... وبعدين نفكر المفروض نعمل إيه.
حركت رأسها بالإيجاب، ثم نهضت لتغسل وجهها وتهدأ من نفسها قليلاً قبل عودتها له مرة أخرى قائلة:
مى: فكرت في حاجة؟
مصطفى ضاحكاً: إنتِ لحد ما نشوف هنعمل إيه تفضلي بالتخفي الرائع بتاعك ده.
رفعت "مى" حاجبها بتعالٍ وهي تتوسط خصرها بكفها قائلة:
مى: اااه... واضح كده إني شكلي مش عاجبك؟
أردف "مصطفى" دون انتباه لما يتفوه به.
مصطفى: أنا قلت كده... إنتِ.... أجمل بنت شفتها بعيني.
أسرع "مصطفى" بتدارك نفسه من هذه المشاعر التي تجتاحه بسرعة.
مصطفى: الصراحة أول مرة شفتك مش عارف أقولك كنت فاكرك إيه.
مى: يا سلام.
مصطفى: تنكري... شكلك مدي على "لواحظ" خالص... على رأي "سيف".
ضحكت "مى" على ظن "مصطفى" فهي بالفعل كانت ترى نفسها بشعة خصوصاً مع وجهها المتورم، لكنها أردفت بتعجب.
مى: "لواحظ"؟
مصطفى: المهم دلوقتي... أنا هاخد شوية هدوم من أوضتي وأرجع شقة "سيف" وإنتي زي ما إنتي هنا... بس طول ما إنتي بينا بلاش النظارة دي متقلقيش... وخلي شكلك الغريب ده بره لحد ما ألاقي حل.
مى: حاضر.
تعمق بنظرته مطولاً نحوها ثم أردف.
مصطفى: متقلقيش طول ما أنا معاكي.
شعرت "مى" لأول مرة أن هناك قوة تحتمي بها، وأن هناك شخص ما يخاف عليها ويبعد عنها الأذى، وخاصة عندما تكون تلك القوة منه هو.
مر الوقت سريعاً وعادت "أم مصطفى" من زيارتها لجارتها، فوجئت للغايه بمظهر "مى" المختلف كلياً، فلولا أنها هي من ابتاعت الفستان بنفسها لظنت أن تلك فتاة أخرى ببيتهم.
أم مصطفى: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله... "مى"!!! إنتي زي القمر... أمال بس مخبية عننا الجمال ده ليه؟
ضحكت مى بخجل: شكراً ليكي يا "أم مصطفى".
أم مصطفى: ربنا يحفظك يا بنتي من كل سوء... إيه ده هو الحاج "خالد" لسه مجاش لحد دلوقتي؟
مى: لا... "مصطفى" بس اللي جه... أخد شوية هدوم وقال حيبقى يرجع تاني.
أم مصطفى: كويس... أما أروح أحضر لهم الغدا بقى عقبال ما يرجعوا.
مى: خديني معاكي أساعدك.
وتوجهت كلتاهما إلى المطبخ لتنقضي الساعات حتى يحين موعد تجمعهم جميعاً.
***
بيت رضوى.
توقف "عادل" بسيارته الصغيرة أمام بيت "رضوى" يكز على أسنانه بغضب، فيجب أن يصل لـ"مى" بأي شكل، فالخطر من "مى" الآن أكثر مما قبل، ولن يتوانى هذه المرة من معرفة إلى أين ذهبت فحياته أصبحت على المحك.
داخل غرفة رضوى.
كانت "رضوى" ترتب غرفتها كالعادة وتلقي بما تراه يسبب لها الفوضى، حين هتفت بها والدتها التي أخذت تنادي باسمها لعدة مرات دون أن تنتبه لها بسبب سماعات الأذن خاصتها.
أم رضوى: يا بنتي تعبتيني... عمالة أنادي عليكي من بدري.
رضوى: خير يا ماما.
أم رضوى: كلمي الراجل عايزك بره.
اِندهشت للغايه فمن هذا الرجل الذي يريدها؟
رضوى: راجل مين؟
أم رضوى: إنتي جرى لك إيه النهارده؟ بقولك من الصبح... "عادل" خطيب "مى" واقف بره مستنيكي عايزك في موضوع مهم.
اِرتعبت "رضوى" من فكرة وجود "عادل" ببيتهم وعلى مقربة منها، خاصة وهي تعلم بالتفصيل ماذا حدث لصديقتها على يديه.
اِرتجفت بقوة وهي تحدث نفسها.
رضوى: ربنا يستر... أنا مقدرش أعمل زي "مى"... "مى" أجرأ مني بكتير... يا رب ابعده عني يا رب.
اِبتلعت ريقها باضطراب قائلة:
رضوى: قوليله إن أنا مش هنا... ولاااا... قوليله نايمة... أي حاجة يعني.
أم رضوى: وبعدين معاكي بقى... ما تقومي تشوفيه عايز إيه... يمكن فيه حاجة مهمة عشان صاحبتك اللي مش عارفين راحت فين دي.
تمنت لو استطاعت إخبار والدتها ما حدث، لكن "مى" طلبت منها أن تبقى الأمر سراً بينهما.
اِضطرت مجبرة على لقائه لتزفر بقوة محاولة تهيئة نفسها لمقابلته، لكن حين تحركت نحو باب الغرفة، اِستوقفتها جملة والدتها حين قالت.
أم رضوى: أنا مش فاهمة مالك... الراجل بس عايز رقمها الجديد؟
توهجت عيناها بفزع وهي تعيد كلمة والدتها بصدمة.
رضوى: رقمها الجديد؟ إنتي قلتي له إنها كلمتني؟
بسلامة نية أجابتها والدتها.
أم رضوى: أيوة... هو سألني "مى" كلمتكم أو جتلكم اليومين اللي فاتوا أو عرفنا حاجة عنها توصلنا ليها... افتكرت لما رنت عليكي من كام يوم وإحنا قاعدين.
هوت "رضوى" جالسة فوق الأريكة تضرب وجنتيها من هول المصيبة التي وقعت بها، فقد تورطت الآن مع "عادل".
رضوى: يادي المصيبة.
أم رضوى بغضب: هو فيه إيه بالضبط... متفهميني؟
ولأنها تعلم جيداً أن والديها يرفضان تماماً التدخل بأي مشكلة بشكل قاطع، حاولت إخفاء الحقيقة عنها لتوضح كاذبة.
رضوى: أبداً... أصل "مى" و"عادل" متخانقين سوا ومكانتش بس عايزة تديله الرقم.
أم رضوى: بقولك إيه إحنا لا بتوع مشاكل ولا عايزين مشاكل... اديله رقمهم وهم حرين مع بعض... يحلوا مشاكلهم سوا... متتحشريش إنتي في النص.
رغم عدم رضاها عن ذلك إلا أنها مضطرة لإعطائه رقمها تحت أعين والدتها المترقبة.
خرجت لمقابلته "عادل" حين سألها مباشرة.
عادل: فين "مى"؟
رضوى: معرفش.
لمعت عيناه بقوة يوحيان بشر كبير بداخل نفسه قائلاً مهدداً إياها.
عادل: بلاش بقى تعملي الشويتين دول زي صاحبتك... وإنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه!!!... وكده كده هعرف فـ اتقي شرّي أحسن... خصوصاً إني عرفت إنك كلمتيها في التليفون... فـ زي الشاطرة كده تقوليلي هي فين بالضبط.
اِرتعدت ساقيها خوفاً من "عادل" لتجيبه بارتعاش.
رضوى: والله أنا معرفش هي فين.
اَطبق "عادل" على أسنانه بصورة عصبية ملوحاً بإبهامه مهدداً إياها.
عادل: ما هو يا تتكلمي بالذوق... يا إما مش هرحمك ولا إنتي ولا أهلك دول... وحتبقي إنتي السبب في اللي هيجرى لكم.
زاغت عيناها تود الأرض أن تنشق وتبلعها، فقد وقعت بحيرة إما توشي بصديقتها ويلحق هذا الحقير بها الأذى، أو يؤذيها هي وأهلها.
رضخت بعد فترة من تهديده لها، فقد تملكها الخوف من هذا الدنيء للغايه.
رضوى: أنا بجد والله معرفش غير رقم التليفون... هي مقالتش هي فين... كلمتني بس تطمني إنها كويسة.
عادل: اديني رقم التليفون ده... بس عارفة لو الرقم ده طلع غلط هعمل فيكي وفي أهلك دول إيه؟
رضوى: الرقم أهو.
سجل "عادل" رقمها مزهواً بانتصاره، فأخيراً سيستطيع الوصول لـ"مى" وهذه المرة لن يتركها تفلت من يده.
غضبت "رضوى" من نفسها لإعطائه رقم "مى"، لكنها كانت مجبرة على ذلك، فلا هي ولا أهلها يستطيعون تحمل ما قد يحدث لهم من شر "عادل".
رضوى لنفسها: هو هيعمل إيه بالرقم يعني؟ آخره هيحاول يتصل يعرف هي فين وهي أكيد مش هتقوله.
قررت "رضوى" الاتصال بـ"مى" وتحذيرها من "عادل" وإبلاغها بما حدث حتى تأخذ حذرها منه.
مع محاولات عدة للاِتصال بـ"مى" كانت دوماً تجد الهاتف مغلقاً، اِضطرت للاِنتظار قليلاً ومعاودة محاولة الاِتصال فربما تستطيع التحدث إليها.
***
شقة سيف.
اِستلقى "مصطفى" فوق الفراش مسنداً جذعه للأعلى متفكراً بأحداث اليوم، فكم أسرته هذه البريئة بسحرها وجمالها، لكنه تجهم حين تذكر مشكلتها والتي يجب عليه أن يجد لها حلاً حتى لا تتأذى من بطش المدعو "عادل" هذا.
مصطفى: عملتي فيا إيه يا "مى" بس... ده أنا معرفكيش إلا من كام يوم بس... لخبطتي حالي ونسيتني الدنيا كلها ومش بفكر غير فيكي وفي مشاكلك... بس لازم أساعدك وأحميكي... كفاية عليكي اللي شفتيه في حياتك... بس أحلها إزاي دي؟ وهي كمان عايزة تدور على ابن الست "فادية"... بقى طول السنين دي كلها والشرطة مش عارفين يوصلوا له... هقدر أنا أوصله بالسهولة دي؟ ما يمكن الطفل ده مات ولا جرى له حاجة... أنا هعرف منين بس؟ لازم يكون فيه حل تاني.
***
شركة السيدة فادية.
لم يهنأ "عادل" للحظة في البحث عن "مى" ليقوم بعدة اتصالات على مرأى "بدوي" الذي ينتظر التعليمات منه، فقد نحى عقله تماماً ولم يجد سوى أن يتبع "عادل" بكل خطوة ليخلصه من تلك الورطة.
اِستكمل "عادل" مكالمته مع أحدهم.
عادل: أيوة يعني إمتى؟... كده كتير... حاول تشد حيلك معايا... ومتقلقش حظبطك... تمام... بس متتأخرش عليا... سلام.
أنهى "عادل" المكالمة ناظراً نحو "بدوي" الذي لم يكن قادراً على الجلوس من شدة توتره.
بدوي: ها... قالك إيه؟
عادل: قالي إن المهم إن شريحة التليفون تكون جوه الجهاز ساعتها إنه يوصل لمكانها سهل... لكن لو كانت الشريحة مش في الجهاز بقت صعبة أوي... ساعتها هنستنى منين ما تحطها نقدر نتعقب الشريحة ونعرف هي فين بالضبط... وأول ما يعرف حاجة ح يبلغني على طول.
بدوي: والعمل إيه دلوقتي؟
عادل: للأسف مفيش قدامنا غير إننا نستنى شوية لحد ما نعرف مكانها فين بالضبط... ده حتى موضوع الإعلان والمكافأة ده معملش أي نتيجة لحد دلوقتي.
بفكرة طارئة ولأول مرة نطق "بدوي" بفكرة يعرضها على "عادل" صاحب العقل المدبر.
بدوي: طب ما تجرب إعلان في التليفزيون ولا حاجة... يعني إعلان كده على كذا قناة معروفين وكمان توضح الجايزة يمكن حد يقول على مكانها.
تمعن "عادل" في كلمات عمه التي أصابت هذه المرة.
عادل: تصدق صح... ممكن أعمل كده فعلاً.
***
مساء اليوم التالي.
شقة الحاج خالد.
أم مصطفى: يا "مى"... هاتي الأطباق اللي عندك جوه.
مى: حاضر... أنا جيت أهو.
الحاج خالد: أنا جعان جداً... إنت فين يا "مصطفى"؟ مش حقدر أستنى أكتر من كده.
حاولت "أم مصطفى" أن تحث زوجها على الصبر قليلاً.
أم مصطفى: استنى يا حاج... "مصطفى" جه خلاص أهو.
رفع "مصطفى" أنفه يشتم روائح الطعام الذكية.
مصطفى: إيه الروايح الجميلة دي.
الحاج خالد: إنت كده بتجوعني أكتر... يلا بقى اتأخرنا أوي في الأكل النهارده.
تناولوا العشاء معاً وسط محادثاتهم وضحكاتهم، أحست "مى" في وسطهم بمعنى الأسرة، كم كانت سعيدة بهذه الأسرة وهذا التجمع.
بعد تناولهم الطعام جلس الجميع يشاهدون فيلماً مشوقاً.
أم مصطفى: شفتوا اللمة حلوة إزاي... ما تسيبك بقى يا "مصطفى" مش شقة "سيف" وتيجي تقعد معانا يا ابني.
بإحراج بالغ لما تسببت به من تفرقة عقبت "مى".
مى: أنا عارفة إني بجد تقلت عليكم... بس أنا كلمت "إحسان" وقالتلي إنهم راجعين كمان يومين... فخلاص بقى كفاية إني تقلت عليكم طول الفترة دي... و...
قطع "مصطفى" حديثها بحزم.
مصطفى: تروحي فين!!!... إنتي مش حتمشي من هنا.
كان قراراً نافذ الوجوب، فلن يتركها بعدما علم ما يحدث معها، لن يتركها تلقي بنفسها لهلاكها بعيداً عنه، بل يجب أن تبقى معه وإلى جواره لحمايتها.
أم مصطفى: تروحي فين بس... إحنا خلاص أخدنا عليكي معانا... وأهو كمان "مصطفى" يرجع هنا... ومش كل شوية تقولي تقلت عليكم... ربنا يعلم والله إني...
قاطعهم هذه المرة صوت شخير عالٍ لفت انتباههم جميعاً ليضحكوا بصمت.
فها هو الحاج "خالد" لم يستطع الصمود بعد تعب هذا اليوم الطويل ليغرق في نوم عميق وهو جالس على المقعد الكبير سانداً رأسه إلى جانب المتكئ الخاص بالمقعد.
بتربيت خفيف نبهته "أم مصطفى".
أم مصطفى: يا حاج "خالد"... يلا يا حاج "خالد" ادخل نام في سريرك أحسن.
انتبه الحاج "خالد" لغفوته وسطهم ليستند مترنحاً.
الحاج خالد: هاا... اا صح صح... تصبحوا على خير.
_ وأنت من أهل الخير.
وأثناء اِستكمالهم مشاهدة أحداث الفيلم قطع الفيلم فاصل إعلاني، لكن هذا الفاصل كان سبباً في ذهولهم جميعاً.
لقد كان إعلاناً بالبحث عن "مى" المفقودة، إعلان يحمل اسمها وصورتها وزاد على ذلك مقولة (من لديه أي معلومات تفيد في البحث عنها مكافأة مالية خمسون ألف جنيه).
رواية بين يديك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رشا روميه
ساد صمت قاتل وانتباه شديد وأعين مندهشة فوق وجوه ثلاثتهم وهم يطالعون التلفاز بهذه الفقرة الإعلانية.
مفاجأة غير متوقعة جعلتهم بحالة من الذهول. هي علمت من رضوى أن عادل أعلن بوسائل التواصل عن غيابها، لكنها فوجئت بإعلان على الشاشة أمامهم. فور رؤيتها له أصابها برجفة قوية.
تحولت نظراتها بعد ذلك نحو مصطفى ووالدته التي ظهرت الصدمة على وجهها جلياً. ما اندهش له حقاً هذا المبلغ المالي الضخم للإدلاء فقط بمعلومة عنها، أ لهذه الدرجة يريد الوصول لمي؟
بينما كان تعجب أم مصطفى من جانب آخر. لماذا هناك من يبحث عن مي؟ ألا يعلم أهلها إلى أين ذهبت ولماذا؟ ترى ما مدى أهمية مي لهذا الشخص؟ أو بمعنى أدق ماذا فعلت مي؟
بعد فترة من الصمت وكل منهم جال في خاطره تساؤلات حول هذا الإعلان الصادم لهم جميعاً، ثم قطعت الصمت أم مصطفى.
أم مصطفى: هم مين اللي بيدوروا عليكي يا مي؟ وإيه المكافأة الكبيرة قوي دي؟
ثم أكملت بشك.
أم مصطفى: إنتي هربتي من أهلك ولا إيه؟
حركت مي رأسها نافية بقوة تبرر ما حدث.
مى: لا طبعاً يا أم مصطفى. أنا ماليش حد فعلاً زي ما قلتلك. أنا أصلاً يتيمه. بس الشخص اللي ضربني ده أكيد هو اللي بيدور عليا عشان ينتقم مني.
لم تكن تنتظر أم مصطفى أكثر من ذلك لتصديقها، لتبدل نبرتها من الشك إلى القلق.
أم مصطفى: يا بنتي بس المكافأة دي كبيرة قوي. وممكن أي حد يشوفك يطمع فيها. وأنا خايفة عليكي بجد.
انتبه مصطفى لما قالته والدته للتو لينظر نحو مي باهتمام متسائلاً.
مصطفى: إنتي أكيد محدش شافك من الجيران صح؟
لمرة أخرى حركت رأسها نفياً ثم أجابته.
مى: لأ. أنا مخرجتش خالص من يوم ما جيت هنا.
توترت مي وشعرت بالخوف من رد فعل هذا الإعلان غير المتوقع، فالواقع الذي تعيشه الآن مختلف تماماً عما كانت تظنه بمخيلتها من قبل، بل ولربما تناست عادل وما فعله معها وما ينوي فعله.
أحست بالضعف واقتراب الأذى منها مرة أخرى، لم تعد تقدر على الصمود والتظاهر بقدرتها على التعامل مع ذلك، فالوضع أصعب بكثير مما كانت تتخيل.
تسابقت دموعها رغماً عنها متساقطة بحزن تعلن يأسها.
استأذنت منهم مي مسرعة قبل ملاحظتهم لها بالبكاء، فيكفي ما تحملته هذه الأسرة بوجودها معهم، ربما تحملوها لكن ليس عليهم تحمل مشكلاتها أيضاً.
تيقن مصطفى من داخله أنها ليست على ما يرام، فلحقها بخطواته الطويلة وقد اهتز قلبه لصوت بكائها الضعيف. أوقفها مصطفى ثم وقف مقابلها متسائلاً.
مصطفى: إيه اللي حصل؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ إنتي للدرجة دي خايفة منه؟
هزت رأسها نفياً ثم نكست عيناها أرضاً بصمت دون رد.
مصطفى: ارفعي وشك وبصي لي يا مي.
رفع وجهها بإصبعيه من أسفل ذقنها ليتطلع لعيناها الغارقتان بالدموع وقد اكتسيا باللون الأحمر. توقفت الدنيا من حوله لتبقى فقط عيناها الحزينة تتحدث.
مى: مش عارفة ليه وأنا معاكم هنا نسيت عادل ومشاكله! ودلوقتي بس حسيت إني خايفة. خايفة أكتر ليكون حد شافني وأنا مش واخده بالي ويبلغه، ساعتها حيجي هنا ويعمل مشكلة. لو عليا أنا مش مهم. بس أنا خايفة عليكم منه قوي. أنا كمان خايفة ياخدوني من هنا!
برفض قاطع لأفكارها وتخبطها، فلا يمكن ولا يجرؤ أحد على التعرض لها وهو معها.
مصطفى: إيه؟ يعني إيه ياخدوكي؟ مش حيحصل أبداً.
مى: وأنا مش حستنى لما المشكلة تحصل. أنا لازم أمشي من هنا. حالاً.
تأهبت مي للدخول للغرفة حتى تحضر حقيبتها وتغادر البيت، لكن مصطفى أمسكها من ذراعها يلفها نحوه، فهو لن يدعها تتركه وتعرض نفسها لأي أذى بتفكير انفعالي.
تهدج صدره بقوة وقد تحلت نبرته بجدية وجسارة لطالما لمستها فيه خلال الفترة القصيرة التي عرفته بها.
مصطفى: تمشي تروحي فين؟ استحالة تمشي من هنا. اللي يهوب ناحيتك بس ولااا يمس شعرة منك حتبقى نهايته على إيدي. ومحدش حيقدر ياخدك من هنا. يا خدوا روحي قبلها الأول.
حمايته لها وقوته سلبت عقلها بلحظة وهامت بإيمائاته المنفعلة وازدادت ضربات قلبها قوة مع عبارته الأخيرة، تلك الضربات التي تعلن ما لم تدركه من قبل، إنها حقاً تحبه. كلماته تقول ذلك أيضاً، لكنها تريد سماعها منه صراحة.
أخفضت مي من صوتها تحثه على الإيضاح.
مى: حتعمل ده ليه؟
في هذا الوقت فقط أدرك مصطفى ما هو هذا الشعور الذي يشعر به تجاه مي، فهو يحب دائماً الوجود معها. هي الوحيدة التي استقرت في تفكيره دون غيرها، هي التي تربعت فوق عرش قلبه دون استئذان. لم يكن لذلك سوى معنى واحد فقط. إنه يحبها.
فور إعلان عقله لهذا، تعالت ضربات قلبه داخل أضلاعه لينطق بالكلمة التي لم يتخيل أنه سوف ينطقها يوماً.
غرق ببحر عيناها بهيام وهو يجيبها بصوته الأجش.
مصطفى: ليه؟ ... عشان بحبك يا مي.
تراقص قلبها فرحاً وهي التي كادت تنفطر من البكاء منذ لحظات. هل هي تحلم بحلم جميل؟ هل هي تحب حقاً؟ هل هكذا يكون مذاق الحب؟ إن قلبها لم يدق ولم يحب من قبل، هذا ما تيقنت منه الآن فقط.
فحتى ما ظنت أنه حب لـ عادل لم يكن حباً على الإطلاق. فشعورها وتفكيرها بـ مصطفى شيء آخر. شعور لا مثيل له ولا يقارن بغيره، له حلاوة لم تشعر بها من قبل وله رهبة ترجف بقلبها داخل ضلوعها.
تناست بكائها لتبتسم بخفة وهي تهمس.
مى: بتحبني؟
تهدلت ملامحه المنفعلة ليهيم عشقاً بتلك الصغيرة التي خطفت قلبه قبل عيناه.
مصطفى: أيوه بحبك. مش عارف إمتى وإزاي بس بحبك. ومش حسمح لأي مخلوق في الدنيا دي يمسك. خليكي واثقة في ده. دموعك دي غالية على قلبي قوي. مش عايز أشوف الدموع دي في عينيكي تاني.
تورّدت وجنتاها بخجل لتنكس رأسها قليلاً، فهي غير معتادة على تلك اللحظات التي تلهب بمشاعرها.
مصطفى: مالك سكتي كده ليه؟ أنا كلامي ضايقك في حاجة؟
مى: ضايقني؟ استحالة طبعاً. أنا كمان ااا.....
مصطفى: إنتي كمان إيه؟
قالها مصطفى يتمنى سماعها منها، يتوق بشدة للحظة تبادله بها نفس الشعور.
مى بخجل: أنا ااا بحبك. بس خايفة. لتحصل حاجة وتبعدني عنك.
اشرأب عنقه ولاحت علامات السعادة على وجهه لتشرق عيناه ببريق حالم.
مصطفى: مش عايزك تخافي وأنا معاكي أبداً. إدخلي إنتي ارتاحي دلوقتي وأنا حطمن أمي وأروح شقة سيف أجيب حاجتي من هناك وأرجع لكم الصبح.
أومأت له بالتفهم ليتحرك مبتعداً متجهاً نحو والدته القلقة التي مازالت تنتظر بغرفة المعيشة. وبعد أن أوضح لها مصطفى أن كل شيء على ما يرام عاد لشقة صديقه سيف لقضاء آخر ليلة بها ويلملم بقية ملابسه ويعود إليهم بالصباح ليبقى إلى جوارها حتى تطمئن.
كادت مي تحلق عالياً من فرحتها التي كانت جديدة عليها. إحساس رائع يجتاح قلبها لتبقى مستيقظة طوال الليل تعيد بعقلها كلمات مصطفى الرقيقة واعترافه بحبه لها.
لم تستطع إخفاء تلك السعادة عن نفسها وقلبها وأرادت مشاركتها مع أحد. لم تفكر سوى بـ رضوى صديقتها المقربة.
أسرعت نحو الخزانة مخرجة منها حقيبتها ممسكة بهاتفها المغلق لتتصل على الفور بـ رضوى لتشاركها فرحتها.
مى: رضوى وحشتيني.
رضوى: مي.... إنتي فين يا مي؟ حاولت أكلمك كتير تليفونك مقفول.
ضحكت مي من جدية رضوى غير المعتادة.
مى: بالراحة شوية عليا. فيه إيه مالك؟
رضوى: كنت عايزة أوصلك بأي شكل معرفتش.
اعتدلت مي متسائلة بقلق.
مى: فيه إيه قلقتيني؟ ماما فادية كويسة؟
بتردد شديد أجابتها رضوى.
رضوى: آه كويسة... بس!!!!
مى: بس إيه متقلقينيش بقى واتكلمي على طول.
اهتز صوت رضوى برجفة قوية كما لو أنها تبكي لتجيبها باحتقان معتذرة منها بشدة.
رضوى: أنا آسفة يا مي. والله غصب عني.
لم تعد مي تحتمل كل هذا الغموض والتوتر بكلماتها لتهتف بقلة صبر.
مى: مش معقول بجد حتموتيني. اتكلمي!
رضوى: عادل جه هنا وضغط عليا جامد وهددني إنه ممكن يؤذيني أنا وبابا وماما واضطريت أديله رقمك. سامحيني يا مي والله معرفتش أعمل إيه وخفت منه قوي.
ابتلعت مي ريقها بغصة علقت بحلقها قائلة بخفوت.
مى: كنت عارفة إن فرحتي دي ليها ثمن وثمن غالي قوي كمان. فرحتي بوجودي هنا نستني عادل واللي ممكن يعمله. أهو دلوقتي عادل ممكن يعرف مكاني بسهولة.
رضوى: إزاي يعني؟ قصدك إيه؟
يكفيها ما تشعر به من ذنب لما أجبرت عليه لتجيبها مي باقتضاب فلا تريد أن تشعرها أن ما فعلته سيؤذيها بالتأكيد.
مى: لا ميهمكيش. سيبيني بقى دلوقتي أفكر وأشوف حعرف أتصرف إزاي.
رضوى: ملهاش غير حل واحد يا مي. اكسري الشريحة دي وسيبى البيت اللي إنتي فيه ده فوراً قبل ما يلاقيكي.
مى بصدمة: أسيب البيت ده!
رضوى: وهي ليها حل تاني؟
مى باختناق: خلاص يا رضوى. سيبيني دلوقتي. سلام.
أنهت مكالمتها بشعور على النقيض تماماً مما بدأتها به. تفكرت كثيراً ولم تجد سوى حل واحد وشخص واحد فقط كلما وقعت بمشكلة يحل طيفه بعقلها على الفور. إنه مصطفى.
تسللت بخفة لغرفة المعيشة لتخرج رقم مصطفى من هاتف والدته ثم عادت الغرفة مرة أخرى لتحدثه وتخبره بما حدث.
****
بيت عادل.
بخلاف تلك العيون الساهرة كان عادل يغط بنوم عميق حين دق هاتفه يكسر صوت صمت الليل ليستيقظ بتثاقل ينظر نحو شاشة هاتفه بنصف عين مفتوحة.
ضغط بزر بدأ المكالمة قائلاً بصوت يغلبه النعاس.
عادل: هااا......
اعتدل عادل على الفور وهو يحرك رأسه بقوة ليستفيق وينتبه لما يقال له.
عادل: قول تاني كده معلش.
_ الرقم اللي إنت طلبت مني أتعقبه. اتفتح النهارده وهو في اسكندرية. خد بقى العنوان بالتفصيل.
كاد يقفز فرحاً وهو يهتف بقوة.
عادل: حبيبي. المبلغ اللي اتفقنا عليه حيكون عندك الصبح. سلام.
أنهى المكالمة لتشع عيناه ببريق خبيث للغاية.
عادل: حنشوف مين اللي حيضحك في الآخر يا مي. بس يا ترى مين اللي راحت لهم في اسكندرية دول؟ دي مالهاش حد هناك خالص. بس مش مهم. أخيراً. بكرة حتبقى هنا تحت رجليا.
ثم أكمل ساخراً.
عادل: يا مي هانم.
اتصل عادل بـ بدوي ليخبره بالأخبار السعيدة وأنه قد توصل إلى مي وأن عليهم السفر بالصباح الباكر إلى الإسكندرية.
***
مى.
بعد أن استمعت لصوت الاتصال لبعض الوقت استمعت لصوته بالطرف الآخر.
مصطفى: ألو.
مى: أسفة صحيتك من النوم.
مصطفى: مين معايا؟
مى: أنا مي.
مصطفى: إنتي معاكي تليفون؟ أول مرة أعرف.
مى: الشريحة دي والدتك ادتهالي. بس... اااا.... مش دي المشكلة دلوقتي.
مصطفى: إيه اللي حصل؟
مى: الرقم ده كنت كلمت منه رضوى صاحبتي و..... عادل عرف ياخده منها. وأكيد زمانه عرف مكاني. مش عارفة أعمل إيه يا مصطفى.
مصطفى: قلت لك متخافيش. أنا جاي دلوقتي. حالاً. سلام.
أنهت المكالمة وهي غير مصدقة لما يحدث بحياتها وإلى متى ستكون حياتها متعبة إلى هذا الحد. ألم يحن الأوان لراحتها وسعادتها؟ لكنها شعرت بأمل بوجود مصطفى إلى جوارها.
بعد قليل من الوقت. وصل مصطفى لبيت والديه ليجد مي جالسة بغرفة المعيشة فجلس إلى المقعد المجاور لها متفكراً باهتمام.
مصطفى: الحل الوحيد دلوقتي إننا نروح نبلغ الشرطة بالفيديو اللي معاكي ده. ده يعتبر دليل واضح على مؤامراتهم.
مى: بس...
مصطفى: مفيش بس. ده اللي كان لازم يتعمل من الأول.
ابتسم مصطفى ابتسامة جانبية وأكمل.
مصطفى: بس تعرفي. إنتي لو كنتي سلمتي الفيديو ده للشرطة أول ما هربتي منه. ولا كنتي حتيجي هنا ولا أشوفك. ده كأن الحكاية دي كلها عشان بس نتقابل.
مى: تصدق صح. بس أنا أخاف أعمل كده لوحدي.
مصطفى: متقلقيش. أنا جاي معاكي طبعاً نقدم البلاغ.
مى: مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه.
مصطفى: ادخلي دلوقتي ارتاحي وأنا حقعد هنا.
مى: مش حتنام إنت كمان؟
مصطفى: باقي على الفجر وقت قليل قوي حصلي الفجر وبعدين أنام.
مى: تصبح على خير.
مصطفى: وإنتي من أهل الخير.
جلس مصطفى على المقعد مسنداً رأسه للخلف وأغمض عيناه منتظر سماع الأذان وفجأة شعر بأحدهم يضع كفه فوق كتفه.
انتفض مصطفى بقوة قائلاً.
مصطفى: ماما!
أم مصطفى: بسم الله عليك ياحبيبي. إنت نايم هنا كده ليه مش إنت كنت رحت تبات في شقة سيف؟ إيه اللي رجعك تاني كده؟ حصل حاجة ولا إيه؟
مصطفى: لا أبداً. رحت جبت حاجتي وهدومي ورجعت عشان أبقى جمبكم. وقلت أصلي الفجر الأول وبعدين أنام.
أم مصطفى: ربنا يبارك فيك ويحفظك يا ابني.
اعتدل مصطفى بجلسته ليتحلى بجدية وتوتر بذات الوقت.
مصطفى: ماما... كنت عايز أكلمك في موضوع ضروري. كويس إنك صحيتي دلوقتي.
أم مصطفى: خير يا حبيبي.
مصطفى: خير إن شاء الله. أنا عايز أطلب طلب.
أم مصطفى: اطلب يا نور عيني.
مصطفى: الصراحة. أنا عاوز أتجوز مي. وكنت مستني اليومين دول يعدوا وأخد رأيك إنتي وبابا. وبما إننا قاعدين لوحدنا فقلت أستنهز الفرصة وأكلمك. إيه رأيك؟
تهلل وجه أم مصطفى بسعادة، فقد أحبت هذه الفتاة وودت بالفعل هذا من صميم قلبها.
أم مصطفى: والله يا ابني أنا حبيت مي كأنها بنتي بالضبط. وكنت عايزة أفاتحك في الموضوع ده. بس قلت أستنى شوية أشوفك لو كنت ميال ليها ولا لا. لكن...!!!
أنهت أم مصطفى عبارتها بتوجس.
مصطفى: لكن إيه؟
أم مصطفى: مش تستنى شوية يا ابني لحد ما نشوف المشكلة اللي هي واقعة فيها دي إيه بالضبط. هي متكلمتش خالص. وإحنا مش عارفين عنها حاجة. أنا خايفة تكون مشكلة كبيرة وتورطك معاها.
مصطفى: متقلقيش يا ماما. مي حكت لي كل حاجة بالتفصيل. وعرفت إيه المشكلة بالضبط. وإن شاء الله حساعدها في حلها وميحصلش مشاكل ولا حاجة.
اقتضبت حاجبيها قائلة.
أم مصطفى: حكت لك إمتى؟ وليه مقولتيش إيه اللي حصل؟
مصطفى: والله يا ماما هي ائتمنتني على السر وأنا مقدرش أتكلم. دي أمانة.
أم مصطفى: أيوه يا ابني عارفة. بس إنت اطمنت من ناحيتها يعني؟
مصطفى: أيوه يا ماما. متقلقيش.
أم مصطفى: لو كده يا ابني. فـ مي نِعم الأخلاق والتربية. بنت ما شاء الله عليها أدب وأخلاق وجمال. ده غير نفسها الطيبة. ربنا يكتبهالك من نصيبك يا ابني. عموماً أنا حكلم لك أبوك في الموضوع ده وأخد رأيه.
مصطفى: ربنا يخليكي ليا يا ماما.
انتبهت أم مصطفى لأذان الفجر لتنبه ولدها أيضاً للصلاة.
أم مصطفى: هاااه. الفجر أذن أهو. يلا نتوضى ونصلي وترتاح لك شوية.
بعد أن صلى مصطفى غفا قليلاً فوق الأريكة بغرفة المعيشة حتى استيقظ على صوت نغمة المنبه الذي وضعه على الساعة الثامنة.
استفاق متجهاً لغرفة مي ليوقظها هي أيضاً لكنها بقيت متيقظة طوال الليل جالسة بانتظار الصباح لمرافقة مصطفى لقسم الشرطة كما اتفقا.
مصطفى: مي. إنتي صاحية.
فتحت مي الباب لمقابلته.
مى: أنا صاحية.
مصطفى: تمام. يلا جهزي نفسك عشان ننزل.
مى: حاضر.
بعد أن بدلت ملابسها اتجها لقسم الشرطة بدون تأخير للإبلاغ عن عادل.
****
في الطريق.
بسرعة جنونية قاد عادل سيارته برفقة بدوي للذهاب للعنوان الذي توجد به مي، تشبث بدوي بكفيه بجانبي المقعد قائلاً.
بدوي: خفف سرعتك يا عادل حتقتلنا.
عادل: مش قادر أصبر يا عمي. خلاص أهو. دخلنا من مدخل اسكندرية. عايز أوصل لها بأقصى سرعة.
بدوي: براحة شوية يا عادل. أنا مقدرش أتحمل السرعة العالية دي.
عادل: لا. استحمل شوية. مش حهدى السرعة.
لن يتوقف أو يبطئ من سرعته فبينه وبين إنقاذ نفسه ما هي إلا دقائق تفصله عن الإمساك بـ مي.
رواية بين يديك الفصل السادس عشر 16 - بقلم رشا روميه
•• سأصل إليها ••
قسم الشرطه ...
تقدمت "مى" و"مصطفى" ببلاغ للنائب العام والذى ساعدهما به ضابط الشرطه المتواجد بالقسم ليستفسر عن تفاصيل البلاغ ...
الضابط: الموضوع ده حصل من إمتى بالضبط ..؟؟؟
مى: تقريبا حوالى أربعه عشر يوم ...
تطلع نحوها الضابط بإستراب لتأخرها كل ذلك الوقت حتى تتقدم بإبلاغهم ...
الضابط: أربع عشر يوم !!!! ... ومجيتيش ليه من يومها تقدمى البلاغ ....؟!!!
لحقها "مصطفى" موضحاً حتى لا يظن الضابط أنها تدعى ما حدث كذباً ...
مصطفى: حضرتك هى كانت خايفه تتكلم .. خايفه من "عادل" ده .. بس أول ما عرفنا بالقصه دى كلها نصحناها إنها تيجى تقدم البلاغ ...
الضابط: وفين الكاميرا إللى إنتى صورتى بيها ....؟!!!
مى: معايا أهى ... إتفضل ...
مدت "مى" يدها بداخل الحقيبه مخرجه الكاميرا الخاصه بها لتمدها نحو الضابط ...
شاهد الضابط الفيديو ووضع الكاميرا ضمن الأدله المثبته فى البلاغ ، وقرر إصدار مذكرة بالقبض على كل من "عادل" و"بدوى" لتآمرهما على الإستيلاء على أموال السيده "فاديه" ، كذلك وجه لهما تهمه إختطاف "مى" وضربها ، ثم أرسل نسخه من هذه المذكرة بالفاكس للقاهرة ....
الضابط: دلوقتى إحنا بعتنا الفاكس وإن شاء الله فى أقرب وقت حيتقبض عليهم ...
أراد "مصطفى" حمايه "مى" الكامله حتى لا يعترض لها "عادل" بسوء ...
مصطفى: بس إحنا متوقعين إن إللى إسمه "عادل" ده يكون عرف مكان "مى" .. وممكن يقدر يوصلها هنا فى أى وقت ....
الضابط: طيب ...حبعت معاكم حد من أفراد الأمن يحرس البيت النهارده لحين القبض على "عادل" و"بدوى" ...
مصطفى: شكراً يا فندم ..
الضابط: العفو على إيه .. ده واجبنا ..
بعد أن سجل "مصطفى" عنوانهم كاملاً لإرسال أحد أفراد الشرطه لحراسه "مى" اليوم لحين القبض على "عادل" خرج إثناهما من القسم ليتخذا طريق العودة سيراً على الأقدام ...
توقف "مصطفى" لتتبعه "مى" دون فهم لم توقف الآن لينظر إليها قائلاً ...
مصطفى: تعالى معايا نشترى حاجه ضرريه أوى ...
مى: حاجه إيه ...؟؟؟
أردف "مصطفى" مفاجئاً إياه وهو يطالع رد فعلها بترقب ...
مصطفى: الدبل ...
مفاجأه سارة للغايه لم تكن بالحسبان لتندهش "مى" تماماً متسائله بدهشه ...
مى: نعم ...!!!!
هام "مصطفى" بعيناها الواسعتان بإندهاش قائلاً بدون تفكير ...
مصطفى: بدون مقدمات .... "مى" ... تتجوزينى ...؟؟!!!!
لم يكن لينتظر أكثر من ذلك لتومئ له "مى" بسعادة وعدم تصديق لمفاجأته لها ...
مصطفى: أفهم من كده إنك موافقه ...؟؟؟
مى بخجل: أيوة ....
إشتعل وجه مى إحمراراً بخجل لتتعالى ضربات قلبها بسعادة شاركها بها "مصطفى" فيبدو أن الحياة تدير له وجهها السعيد أخيراً ...
مى لنفسها: عمرى ما حسيت فى حياتى أنى مبسوطه كده .. يا رب تم فرحتى على خير يا رب ...
توجها لأحد محلات الصاغه وقاما بشراء محبسين لإتمام خطبتهما حين عودتهم إلى البيت ...
وفى طريق عودتهم إلى البيت نظر "مصطفى" مطولاً بنهايه الطريق لتقع عيناه على فرد الشرطه قادماً نحوهم ...
استأذن "مصطفى" من "مى" ليرشد الشرطي لبيتهم ...
مصطفى: خليكى هنا ثوانى يا "مى" .... حروح للعسكرى أجيبه شكله مش عارف البيت .....
مى: تمام .. مستنياك ...
تحرك "مصطفى" نحو الشرطى موضحاً له أين تقع البنايه التى يقطنون بها ليلتفت خلفه بفزع حين سمع صوت صرخه "مى" المدويه ....
إتسعت عيناه بتخوف وهو يرى رجلان يمسكان بـ"مى" يدفعانها بقوة تجاه إحدى السيارات فى حين أنها تتلوى بين أيديهم تحاول التملص منهم وسط صرخاتها وإستنجادها بالمارة من حولها ...
وضع أحدهما كفه بقوة فوق فمها محاولاً كتم صوتها الرنان بمحاوله فاشله منهم لإنهاء هذا الأمر ...
أسرع "مصطفى" راكضاً نحوها بأقصى قوة يلحقه الشرطي أيضاً لإنقاذها من بين أيديهم ....
حاول "مصطفى" تخليص "مى" من يد "عادل" المتمسكه بها بقوة ثم دفعه أرضاً بعيداً عنها ...
تركها من خلفه لينقض عليه وهو يدير ذراعه خلف ظهره بقوة جعله غير قادر على الحركه ، بينما إستدعى الشرطى بعض زملائه الذين حضروا على الفور لإلقاء القبض على "عادل" و"بدوى" والتحرك بهم إلى قسم الشرطه .....
عاد "مصطفى" نحو "مى" المصدومه من "عادل" وإمساكه بها ليدنو منها قليلاً يطمئنها بأن كل شئ مر وهى الآن على ما يرام ...
مصطفى: "مى" .. إنتى كويسه ؟؟! ... إهدى ...
شعرت بأن جسدها كله كلوح من الثلج مرتجفه من الفزع والصدمه ...
مصطفى: متخافيش يا "مى" ...خلاص الشرطه قبضت عليهم ... إطمنى ... متقلقيش طول ما أنا جمبك .. عمرى ما حسيبك أبداً .....
مى:.. أنا ... خفت .... اوووووى .. يا ... "مصطفى" ...
مصطفى: الحمد لله ... خلاص إتقبض عليهم و إنتهينا منهم ... الحمد لله إننا بلغنا عنهم النهارده ...
مى:وحنعمل إيه دلوقتى ...؟؟؟
مصطفى: إحنا لازم نرجع القسم ... عشان نشوف حيعملوا معاهم إيه ....
عاد "مصطفى" و"مى" إلى قسم الشرطه مرة أخرى لإستكمال التحقيق مع "عادل" و"بدوى" والإطمئنان أنه سوف يتم حبسهما وألا يتعرضا لـ"مى" مرة أخرى فيكفيها ما حدث منهم حتى الآن ......
فى قسم الشرطه.......
بتفاجئ تام لما حدث وقف "عادل" مندهشاً غيرمصدقاً لأنه قد تم القبض عليه حين وجه إليه الضابط أسئلته ...
الضابط: إيه رأيك فى الإتهامات الموجهه إليك يا "عادل" ..؟!!
برد متمرس لتلك المواقف كما لو أنه تم القبض عليه من قبل ...
عادل: مش حتكلم إلا فى وجود المحامى بتاعى ..."مى" دى كدابه وبتتبلى عليا ... ومعنديش تانى كلام أقوله ....
الضابط: حقك .. وأنصحك انك تلحق تجيبه بسرعه لأنك مش خارج من هنا ..
ثم وجه الضابط حديثه للشرطى من جانبه يمليه أمره ...
الضابط: يتم حجز المتهم أربعه أيام على ذمه التحقيق ....
إصطحبه الشرطى لغرفه الإحتجاز فيما أُدخل "بدوى" بدوره لبدأ التحقيق معه وكان ذلك يسيراً للغايه بخلاف إبن أخيه فـ"بدوى" من ذوى الشخصيه المهتزه والذى ما أن تم القبض عليه وكان بتوتر تام واعصاب متلفه ...
الضابط: إيه رأيك فى البلاغ المنسوب إليك و إللى بتتهمك فيه الآنسه "مى صلاح" بالتآمر للإستيلاء على أموال السيده "فاديه متولى" وخداعها بالإضافة الى تهمه الخطف والضرب ....
إرتبك "بدوى" وتصبب عرقاً وضاعت منه الكلمات وشعر بالورطه التى أقحمه بها "عادل" ....
أكمل الضابط: ولعلمك إنكارك ده مش حيفيد ... و إعترافك حيخفف عنك الحكم ....
لم يدرك بم يجيب ، أهو موروط إلى هذا الحد ...
بدوى: طب هو "عادل" قالكم إيه ....؟
الضابط بحدة: نعم .... جاوب يا متهم ...
إزداد إضطرابه وتخوفه بعد صراخ الضابط بحدة لينهار معترفاً دون أى ضغط .....
بدوى: لالالالالا .... لا يا باشا ... أنا ماليش دعوة ... ده كل ده من تفكير "عادل" هو إللى خطط ونفذ أنا معملتش حاجه خالص ... هو إللى كان عايز ياخد فلوس المدام ويجيب حد يمثل إنه إبنها .. وهو كمان إللى جاب "مى" عندى فى الشقه وحبسها أنا لا قلت له يعمل حاجه ولا عملت أى حاجه خالص ...احبسوه هو يا باشا ...
إبتسم الضابط برضا فإعتراف "بدوى" ثبت عليهم الإدعاء ونال هو ما يريده بهذا التحقيق ...
الضابط بإرتياح: تمام أوى ... بالراحه كده وواحده واحده ... عايزك تحكى لى كل حاجه بالتفصيل ....
وبحنكه ضابط ماهر للغايه إستطاع أن يستخلص من "بدوى" كل ما حدث بالتفصيل وبناء عليه تقرر حبسهم إحتياطياً لعرضهم على وكيل النائب العام .....
***
مى و مصطفى ...
مع رؤيتها لـ"عادل" بالبدايه وقد تعلق ذراعه بكف الشرطي يصطحبه لغرفه الإحتجاز بعد القبض عليه شعرت "مى" بالقوة والإنتصار لترفع بصرها تجاه بطلها المغوار بإنبهار تام ...
مى: عمرى ما كنت أتخيل إنى ممكن أوصل للى أنا فيه هنا وإن حقى يجيلى بالصورة دى من غيرك يا "مصطفى" ....
مصطفى: "مى" .... أنا مش بعمل كده عشان مستنى منك كلمه شكر ... أنا فعلاً خايف عليكى حاسس إنك مسئوله منى .... الحمد لله إنها جت على قد كده ...
مى: فعلاً ... الحمد لله ...
مصطفى بإبتسامه: عشان تفكرى بعد كده وتبطلى تعملى مقالب تانى ...
رفعت كفيه بطريقه مازحه للغايه ...
مى: توبه والله أعيدها تانى ..خلاص حرمت ...
مصطفى: بس واضح ان الجو هنا عاجبك أوى ... إيه حنفضل واقفين هنا كتير ولا إيه ... مش ناويه تروحى بقى ...؟؟!!!
ضحكت "مى" مشاركه "مصطفى" بروحه الخفيفه ليخرجا بعد ذلك من قسم الشرطه عائدون إلى بيتهم ...
***
بيت الحاج خالد ...
خروج "مى" و"مصطفى" بتلك الصورة وتأخرهم لهذا الوقت جعل القلق يتوغل بقلب والدا "مصطفى" بصورة بالغه وشعرا بأن هناك أمر ما عليهم الحذر منه ...
فور وصولهم إلى البيت هبت "أم مصطفى" تجاههم متسائله بقلق ...
ام مصطفى: إنتم كنتم فين قلقتونى عليكم من الصبح ....؟؟؟
مى: متقلقيش خالص يا "أم مصطفى" ....
ثم نظرت إلى مصطفى بفخر مستطرده ...
مى: "مصطفى" ساعدنى إننا نبلغ على الشخص إللى ضربنى ده والشرطه خلاص قبضت عليه ...
مصطفى: مش وقته خالص الكلام ده ... عندنا حاجه اهم من كده بكتير ....
إلتفت نحوه "مى" و"أم مصطفى" يتسائلان بنفس الوقت ...
_ إللى هوا إيه ... ؟؟؟
مصطفى: إنتوا بتبصوا لى كده ليه ... إنتوا نسيتوا ولا إيه ...؟؟؟ مش أنا كلمتك يا ماما فى موضوع الصبح ...؟؟
أنهى عبارته غامزاً بعيناه اليمنى لتنتبه له "أم مصطفى" لتومئ بتفهم لقصده لتنتقل بعيناها تجاه "مى" التى توهج وجهها بحمرة خجله منكسه وجهها قليلاً ...
ام مصطفى: إيه هى العروسه موافقه .. والسكوت علامه الرضا ولا إيه ...؟؟؟؟
مى بإبتسامه خجله:متكسفينيش بقى يا "أم مصطفى" ....
ام مصطفى: ربنا يسعدكم يا ولادى يا رب ... بيتهيألى مفيش حد فرحان أكتر منى النهارده ...
سمعهم الحاج "خالد" الذى قد أخبرته زوجته عن رغبه "مصطفى" بالزواج من "مى" ليردف حين إقترب منهم آتيا من الداخل ...
الحاج خالد: لا فيه ... أنا ....
مصطفى: ربنا يخليكوا ليا وميحرمنيش منكم أبداا ...
الحاج خالد: والله يا بنى وعرفت تختار ... مبروك يا بنتى ... ربنا يسعدكم يا رب .....
بحماس وتلهف قالها "مصطفى" ...
مصطفى: طب إحنا مستنيين إيه بقى ...
تهلل الجميع من الفرحه من قرار خطبتهم زاد ذلك حين أخرج "مصطفى" علبه من القطيفه من جيبه ماداً أصابعه يفتحها ليشع بريقها المفرح بأعينهم حين وقعت عيناهم على المحبسين ...
إلتقط "مصطفى" إحداهما وهو يمد يده تجاه كف "مى" المرتبكه للغايه ...
مصطفى: مبروك ... أنا عارف كان لازم نعمل حفله ونفرح فيها بس الظروف هى إللى حكمت وإن شاء الله نروح عند مدام "فاديه" ونتمم الخطوبه رسمى وأعوضها لك بإللى يفرح قلبك ...
ثم مال على أذنها بهمس ...
مصطفى: مبروك يا روح قلبى .. مبروك عليا وجودك منوره فى حياتى ...
إبتسمت بحياء ومدت يدها داخل العلبه القطيفه لتخرج منها محبسه الفضى بطرف إصبعها وتحاول إمساك يده بطرف إصبعيها لتلبسه إياه ...
مى بخجل: مبروك ...
مصطفى بمكر: بس كده ...
مى: أمال عايز إيه يعنى ...
قالت جملتها و أسرعت نحو غرفه "مصطفى" فلم تعد تتحمل خجلها بوجوده ...
***
ظروف معيشتهم الضيقه للغايه جعلت والده يسأله بقله حيله ...
الحاج خالد: إنت نويت على إيه يا إبنى ...؟؟
مصطفى: والله يا حاج ...انا لسه حرتب أفكارى الأول عشان أشوف مكان مناسب نتجوز فيه ... لأن مينفعش نقعد هنا .. وربنا يقدرنى أقدر الاقى حاجه مناسبه لامكانياتى ... بس المهم الاول لازم نروح للست إللى ربتها نستأذنها ونتمم الخطوبه ...
كم أراد الحاج "خالد" أن يكون من الآباء باسطى اليد والرزق ليساعد ولده بزواجه لكن اليد قصيرة للغايه بل كان دوماً "مصطفى" يسدد ديونهم ويساعد بمعيشتهم أيضاً ، وهو يدرك تماماً أن "مصطفى" سيعانى بشدة لتجهيز شقه صغيرة للزواج بها ...
الحاج خالد: أنا عارف إن الدنيا غاليه أوى برة وعموماً لو حبيت تقعد معانا هنا نجهز الشقه ونقعد سوا ...
مصطفى: لسه مش عارف ...بس مش حابب أضايق "مى" .. كل بنت محتاجه بيتها لوحدها .. هى دى فرحتها وكفايه إللى هى إتحرمت منه ... مش عايز أحرمها من حاجه تانى ... ربنا يدبرها ... متشلش هم يا حاج....
ام مصطفى: ربنا يتم لك على خير يا إبنى.... إلا صحيح .. هو النهارده كام فى الشهر ...؟؟
الحاج خالد: خمسه وعشرين ... بتسألى ليه ...؟؟
ام مصطفى: يووه .. نسيت فرح بنت "شاديه" النهارده ... أنا لازم أروح أبارك لبنتها ...
وتحركت "أم مصطفى" بعجاله للذهاب إلى جارتهم لتبارك لها على زفاف إبنتها ...
ضحكه لاحت بثغرهما لما تفعله "أم مصطفى" دوماً ...
الحاج خالد: عمرك ما حتتغيرى يا "أم مصطفى" ...
إنتبه "مصطفى" لتاريخ اليوم ، فاليوم هو يوم ميلاد "مى" فقد إنتبه له اليوم عند رؤيته لبطاقتها الشخصيه عندما كانوا بقسم الشرطه ....
مصطفى لنفسه: أعمل إيه دلوقتى ... نفسى أفرحها بأى حاجه .. بس ده أنا كل إللى كان باقى معايا جبت بيه الدبل ...
ثم خطرت فكرة برأس "مصطفى" ليدلف سريعاً إلى غرفه والديه قبل أن يغادر البيت كلياً ...
بعد حوالى ساعه .....
عاد مصطفى إلى البيت ليجدهم جميعاً متجمعين بغرفه المعيشه بعد عوده "أم مصطفى" من مباركتها لجارتهم وجلست تحكى لهم ما رأته فى تجهيزات الزفاف متمنيه لـ"مصطفى" و"مى" الفرحه بزفاف مثله ...
إنتبهوا لـ"مصطفى" جميعاً حين سألته والدته ...
ام مصطفى: إنت كنت فين جيت ملقتكش ... شوف جبتلك معايا ايه من الفرح ... شيكولاته ... دى الست "شاديه" بعتهالك مخصوص ...
ثم نظرت نحو "مى" موضحه لها ..
ام مصطفى: من كتر حب "مصطفى" للشيكولاته من صغره بقى كل الناس حبايبنا إللى هنا عارفين قد إيه هو بيحبها .. ومتجيش مناسبه إلا ولازم يبعتوا له الشيكولاته مخصوص ....
إنتبهت "أم مصطفى" أنه يخفى شئ ما خلف ظهره لتسأله عنه مما يجعلهم جميعاً ينتبهون له بفضول ...
ام مصطفى: إيه إللى إنت مخبيه ورا ضهرك ده ...؟؟؟
مصطفى: دى هديه بسيطه كده لـ"مى" ... أنا عرفت إن عيد ميلادك النهارده ....كل سنه وإنتى طيبه ...
إندهشت "مى" فرحه بإهتمام "مصطفى" فهى لم تتذكر إطلاقاً أن اليوم هو يوم ميلادها ....
تقدم "مصطفى" نحوها بحب ومد لها يده بهديه ملفوفه بشكل جميله وشريط أحمر كبير ....
مصطفى: معرفتش أجيب لك إيه ... فدى حاجه بسيطه بس عزيزة على قلبى أوى ....
مى: شكراً ... شكراً ليكم كلكم بجد على كل اللحظات الحلوة إللى قضيتها هنا معاكم ...
مصطفى: إيه بقى مش حتفتحى الهديه وتقوليلى رأيك ...؟؟؟
تطلعت "مى" للهديه بسعاده بالغه ومدت يدها وبدأت فى فتحها ...لكن ملامح وجهها تبدلت تماماً للعبوس بشكل ملحوظ لاحظه الجميع متسائلين بداخلهم لم تضايقت "مى" لهذا الحد ...؟!!
مى بصدمه: إيه ده ....؟؟؟!!!!
رواية بين يديك الفصل السابع عشر 17 - بقلم رشا روميه
هديه صادمه ...
هديه غير متوقعه إطلاقاً بل وصادمه لها ، كيف يمكن ذلك ، كيف يعقل ... هكذا قالت لنفسها وهى تنظر بداخل العلبه ...
عبوس وجهها الشديد جعلهم يناظرون بعضهم البعض حين تطلع الحاج "خالد" بولده و"أم مصطفى" أيضاً ببعض نظرات الإتهام فلابد أنه وقد أحضر لها شئ سيئ للغايه ...
حين هتفت بتجهم بالغ قائله ..
مى بصدمه: إيه ده ...
ضم الحاج "خالد" شفتيه بحرج من هديه "مصطفى" لها دون حتى معرفه محتواها ، علت أعين "مصطفى" نظرة عدم فهم فهو حقيقه لا يدرى ماذا بها هديته ...
نظرت "مى" إلى محتوى العُلبه أكثر من مرة فى ذهول وصدمه مما تراه عيناها ...
دارت بعيناها بينهم دون أن تنطق بكلمه لكن نظراتها كانت تحمل العديد من الاسئله والدهشه معاً ...
بتوجس من عدم قبول "مى" لهديته الغاليه ...
مصطفى: إيه يا "مى" ... للدرجه دى مش عاجباكى الهديه ...
مى: إنت ... إنت ....
مصطفى: فيه إيه ... أنا إيه ...
بسؤال مفاجئ يحمل بعض الإتهام ...
مى: إنت جبت دى منين ....
بإيضاح وتبرير لها ظناً منه أنها تتهمه بأنه غير قادر على شراء مثلها ...
مصطفى: جبتها منين يعنى إيه ... ده بتاعتى من وأنا صغير ... وملقتش أغلى منها على قلبى علشان أقدمها لك هديه ...
مدت "مى" يدها إلى داخل علبه الهدايا مخرجه منها سلسال فضى مميز للغايه به نقوش يدويه رائعه لتقع عيناهم جميعاً على تلك الهديه التى سببت لها كل هذا الإزعاج ...
ضيقت حاجبيها بعدم تصديق ...
مى: بتاعتك ....
بدلت نظراتها إلى "أم مصطفى" كما لو تطلب منها تأكيد ذلك ..
ام مصطفى: أيوه يا بنتى بتاعته ... مالك إيه إللى حصل ....
إقتربت منه "مى" تدور بوجهها تتفحص ملامحه كأنها تراه لأول مرة ثم قالت ...
مى: طب إزاى ده ... دى نفس السلسه بتاعه "أسامه" إبن ماما "فاديه" ....
عقص "مصطفى" أنفه بعدم فهم ليشك بالأمر ...
مصطفى: إزاى يعنى ..
وبتلك اللحظه ولأول مرة ضغطت "مى" على الزر الخفى بالسلسال الفضى ليفتح بشكل مفاجئ ليوضح إتقان تصميمه الفنى بوجود حفر بارز بداخل السلسال منقوش به إسم "أسامه" بهذا التجويف الذى يراه "مصطفى" لأول مرة ...
إقترب "مصطفى" بعد حركه "مى" المفاجئه ممسكاً بالسلسال بيده وهو يتفحصه بدقه ليجد بالفعل نقش بإسم ( أسامه) بداخل السلسال ، إضطراب يجتاح نفسه ليحرك رأسه نافياً ذلك فهو إبن أبويه هؤلاء وليس لغيرهم ...
مصطفى: يعنى إيه ... أنا مش فاهم حاجه ...
صمتت "مى" قليلاً تتابع إندهاشه ومفاجئته ورفضه أيضاً ثم قالت ...
مى: يعنى لو دى السلسه بتاعتك من وإنت صغير زى ما بتقول ... يبقى إنت "أسامه" إبن ماما "فاديه" ... بس إزاى ده ؟! .. وباباك ومامتك أهم ....
بضحكه قصيرة ساخراً مما تقول محاولاً رفض ذلك بالمرة فهو ليس إبنهم بل ولدهم ولا يوجد شئ على الإطلاق يقنعه بعكس ذلك ...
مصطفى: إستحاله طبعاً ...
ثم أكمل بتوتر : ما تردى عليها يا ماما ... إيه التخاريف دى !!!!!! ... أنا إبنك إنتى .... قوليلها ... مش بتردى عليا ليه ؟؟؟
وبأنفاس متهدجه ونبرة خائفه مهتزه من أن يكون ذلك صحيحاً ...
مصطفى: أنا إبنك صح ؟؟!!!! ... مش إبن الست إللى هى بتقول عليها دى ... ولا تكون السلسله دى مش بتاعتى .....
صمت "أم مصطفى" التام دب بقلبه الشك ليردف بإحتقان ...
مصطفى: ما تردى علي يا ماما ..قولى أى حاجه ....
قطع صمت "أم مصطفى" صوت الحاج "خالد" قائلاً ...
الحاج خالد: أنا إللى حقولك يا إبنى .....
إلتفت إليه "مصطفى" و "مى" بترقب فى حين ضمت "أم مصطفى" شفتيها بقوة وعيون رافضه لاحت بها بعض العبرات محاوله حث زوجها على ألا يتفوه بشئ بإيمائه رأسها الضعيفه ...
لكنه إستكمل رغم ذلك قائلاً ...
ابو مصطفى: أقعد يا إبنى أنا حقول لك كل حاجه ....
رغماً عنه شعر "مصطفى" بالإرتجاف وكأنه لا يقوى على سماع ما سوف يقال الآن أهذا مقلب أيضاً ، أهى مزحه ما ؟؟
جلس ببطء فوق المقعد ناظراً بآليه نحو والده الذى بدأ بالحديث ....
أبو مصطفى: من خمسه وعشرين سنه ... كنت قاعد مهموم على شط البحر بشكيله همى وضيقتى ... حسيت بحد جنبى ..... بصيت له سألنى ....
﴿ _ مالك زعلان ليه كده ...
ابو مصطفى : الدكتور قالنا إن خلاص مفيش أى أمل إننا نجيب ولاد ونخلف .... المسأله دى بقت خلاص مستحيله ... كان نفسى فى ولد ياخد بحسى ويونسنى ... بس أمر الله ... أنا مش معترض على حُكمه والله بس حسيت إنى مخنوق ومعرفتش أعمل إيه ... فجيت أقعد يمكن أفك شويه ....
_ شكلك راجل طيب ... ممكن أقصدك فى خدمه ....
ابو مصطفى : طبعاً ... إتفضل ..
_ ممكن تقابلنى بكره هنا فى نفس المكان ... عندى حاجه مهمه أوى زى ما تقول كده مساله حياه أو موت ... وإنت ممكن تساعدنى فيها ..
ابو مصطفى : لو أقدر أساعدك بإذن الله حتلاقينى هنا ....
وفى اليوم التالى آتى الرجل لنفس المكان يصطحب معه طفل صغير فى الثانيه من عمره مرتدياً برقبته ذلك السلسال الفضى المميز ..
_ خذ الطفل ده ربيه .. إنت عقيم ومش ممكن تخلف خلى الولد ده عندك ... أمانه ...
ابو مصطفى بذهول : إنت مين ....؟؟ وجبت الولد ده منين .....؟؟ أنا مش فاهم حاجه ...
_ متقلقش ... الولد ده ملهوش أهل وأنا كنت بدور على أهله لو لقيتهم حكلمك و أخد منك الولد ... ملقيتهمش ... خلاص ربيه إنت وخد الثواب ...
وقبل أن يرحل ترك الحاج "خالد" رقمه للغريب حتى يتصل عليه عند عثوره على أهل الطفل كما يقول ...
وبعد ذلك بثلاثه أيام ...تعلق بهم كل من "أم مصطفى" و"أبو مصطفى" بالطفل بدرجه كبيرة للغايه ، لكنهم فوجئوا بمكالمه من الغريب تطلب من الحاج "خالد" مقابلته بنفس المكان حتى يأخذ منه "مصطفى" لأنه قد وجد أهله وسوف يعيده إليهم ...
تحامل الحاج "خالد" على قلبه المتعلق بهذا الصغير وأخذه معه لنفس المكان منتظراً الغريب لكنه لم يأت ولم يسمع عنه شئ بعد ذلك ....
أردف الحاج "خالد" بتأثر بالغ ....
ابو مصطفى: حاولت كتير أتصل على رقم التليفون إللى كان بيكلمنى منه ... طلع رقم غريب فى سنترال ... ومعرفتش فين أهلك الحقيقيين .... حتى إسمك مكنتش أعرفه ... فسميناك (مصطفى) ... وربناك وحبناك زى إبننا و أكتر وربنا إللى يعلم ....
مصطفى بضعف: إزاى ده و إسمى هو إسمك فى شهاده الميلاد ....
ابو مصطفى: مكنش فيه شهاده ميلاد ليك و إضطرينا نعمل كده عشان تتسجل وتدخل المدرسه ....
إستمعت "مى" لقصه الحاج "خالد" كامله لتعقب بشرود وهى تطالع الفراغ كما لو كانت تكمل بقيه الحكايه ...
مى: أنا بقى كده فهمت ....
إنتبهوا لها جميعاً حين إستطردت دون إنتظار ...
مى: عمك بعد وفاة والدك خطفك من ماما "فاديه" عشان يساومها على الورث ... وجابك هنا عند الحاج "خالد" ... ولما إتفق مع ماما "فاديه" إنه يتجوزها وياخد الفلوس ... حاول ييجى يرجعك .. ساعتها عمل الحادثه على الطريق ومات ... ومحدش عرف هو كان سايبك فين ومع مين ... فمعرفوش يوصلوا لك ....
رفعت "مى" بصرها نحو "مصطفى" قائله بتأكد ...
مى: إنت فعلاً "أسامه"..........
لم تكن بالصدمه الهينه على "مصطفى" تهدج صدره بقوة غير مصدق لما تسمعه أذناه كما لو أنه يتابع فيلماً ما وليس ما يقصونه يقصده هو بذلك ، أخذ يفكر كيف قُلبت كل حياته بلحظه ، كم هو مدين لهذا الرجل وهذه المرأه لتربيته ورعايته كل هذه السنوات ، تحملوا عبئه وأخطائه ، فعلوا المستحيل بالنسبه لهم وتخطوا كل الصعاب حتى يصل إلى ما هو عليه الآن ، لم يبخلوا عليه بحب وعطف حنان ورعايه ومال وسط حالتهم الماديه المتعثرة ، إنهم هم أهله وأحبائه .....
لكن ... ؟؟؟ من هى أمه الحقيقيه ...؟؟ وكيف تبدو ....؟؟؟ كم إنتظرت عودته وهو لا يعلم ....
نظر نحو "مى" كما لو كان يطالع الفراغ ...
مصطفى: فين أمى يا "مى" ... عايشه فين ....
مى: فى القاهرة ....
مصطفى: أنا عايز أشوفها ...
لايدرى هل ذلك بدافع الفضول ، أم أنه يريد معرفه أمه الحقيقيه التى تكبدت عناء حرمانها منه لسنوات ...
مى: يلا نسافر لها كلنا ... بس قبل ما نسافر عايزاك تشوف حاجه ....
دلفت "مى" إلى غرفه "مصطفى" و أحضرت حقيبتها الكبيرة لتخرج منها نفس السلسال وبعض الأوراق والصور ....
مى: دى نفس السلسه إللى معاك عشان كده أنا عرفتها على طول ... ودى صورك وإنت صغير قبل ما تتخطف من ماما "فاديه" ...
نظر "مصطفى" إلى الصور بتمعن ....
مصطفى: فعلا دى صورى ... ده أنا ...
كانت مشاعر "مصطفى" مضطربه لما يحدث من حوله ، فلقد أصبح فجأه إبن سيده أخرى لا يعلم عنها شئ ... سيده تحملت قسوة بعده عنها مرغمه ... لا يستطيع حتى التخمين كيف سيكون شعوره نحوها عندما يراها .. فطوال سنوات حياته لا يعرف أب وأم سوى أبيه وأمه .....
وسط كل هذه الأحداث كانت "ام مصطفى" جالسه فى صمت وحزن ، دموعها الصامته هى من تتحدث ، فبعد كل هذا العمر ها هو ا؟بنها الوحيد الذى تعلق به قلبها يتلاشى من بين يديها ، سيعود الى أمه ... هكذا فكرت .. وحزنت ... سيفارقها ... نعم إبنها ... لم تشعر فى يوم من الأيام بغير ذلك ....
إنتبه لها "مصطفى" ... وفهم معنى نظراتها إليه ودموعها المنهمره فى صمت ....
إقترب منها وأمسك كفيها بيديه وقبلهما ثم نظر إليها ...
مصطفى: أنا إبنك ... مهما حصل ... إنتى أمى إللى عمرى ما عرفت غيرها ... ولا حبيت غيرها ... مهما حصل ... يمكن من حظى الحلو إنى بدل أم واحده بقالى اتنين ... إنتى أمى وفى قلبى ومفيش أى حاجه فى الدنيا حتغير ده ....
علت شهقات "أم مصطفى" وهى تحتضن إبنها بقوة ...
إلى أن إلتفت "مصطفى" إلى والده الحاج "خالد" ... وأكمل ...
مصطفى: ربنا يخليكم ليا ... أنا من غيركم كنت ضعت ... ده من رحمه ربنا بيا إنه بعتكم ليا .. تاخدوا بالكم منى وتربونى وتراعونى بعد ما رمانى عمى ... أنا لايمكن أنكر جميلكم وفضلكم ده عليا ...
الحاج خالد: جميل إيه ... وفضل إيه ...؟؟ إنت إبننا يا "مصطفى" .. ولا عمرنا حسينا ولا فكرنا فى غير كده ...
لم يكن من "مى" إلا البكاء تأثراً على ما تراه ... فلولا أنها تعلم القصه كامله لإعتقدت انه عمل درامى أو مسرحى هائل ....
مى: يلا نجهز للسفر ...
تحركوا جميعاً لتحضير أنفسهم للسفر إلى القاهرة لمقابله السيده "فاديه" ...
القاهرة ....
بعدما تحركوا جميعاً نحو القاهرة وبعد عدة ساعات وصلوا للقاهرة ، ربما هى أول مرة يخطونها جميعاً ...
كم هى مدينه كبيرة .. وعريقه ...
إستقلوا سيارة أجرة متجهين نحو فيلا السيده "فاديه" ...
بمجرد رؤيتهم لفخامتها وبهائها ...وكم تختلف كثيراً عن بيتهم الصغير المتواضع ، شعرت "أم مصطفى" والحاج "خالد" بشعور يزداد بكل خطوة يخطونها ، إحساسهم بفقدانهم السريع لولدهم الوحيد ....
لكنهم آثروا مصلحه ولدهم ومعرفته بوالدته الحقيقيه على حبهم وتعلقهم به ....
دلفوا جميعاً إلى بهو الفيلا متجهين نحو الصالون الفخم ليجلسوا وينتظروا بترقب لما سوف يحدث ....
هو بيتها الذى تدركه جيداً ، رحبت بهم "مى" قبل أن تتركهم قائله ...
مى: ثوانى حطلع لماما "فاديه" وراجعه لكم ...
صعدت درجات السلم بعجاله وهى تتجه نحو غرفه السيدة "فاديه" التى إشتاقت لها بشدة ، طرقت الباب بطرقتها المميزة لتنتبه السيدة "فاديه" بتلهف قائله ..
السيده فاديه: "مى" ..!!!!!!!!!
فتحت "مى" الباب وهرولت مسرعه تحتضن السيده "فاديه" الجالسه فى حزن ....
لم تصدق السيده "فاديه" عيناها برؤيتها لـ"مى" مرة أخرى ....
السيده فاديه: "مى" ...!! بنتى حبيبتى ... إنتى كويسه ... أنا كنت حموت عليكى يا بنتى والله ...
مى: انا بخير يا ماما ... طمنينى عليكى ... عامله إيه وصحتك عامله إيه ...
السيده فاديه: أنا كويسه طالما شفتك بخير ... والله يا بنتى لولا "رضوى" صاحبتك طمنتنى إنك بخير كان زمان جرالى حاجه ...
مى: بعد الشر عنك ... أنا كويسه وبخير الحمد لله ...
السيده فاديه: الحمد لله ...
لم تشأ "مى" أن تصدمها بأنها وجدت "أسامه" خوفاً من أنها لا تتحمل فرحتها الزائدة برؤيته وفضلت أن تقص لها بالتفصيل ما حدث مع "عادل" وهروبها منه ، وعن تلك العائله التى إستضافتها بالأسكندريه وعن تعلقها بـ"مصطفى" وطلبه لخطبتها والزواج منها ...
لكنها لم تذكر لها أهم جزء وهو "أسامه" ...
السيده فاديه: كتر خيرهم ...ناس طيبين أوى ... لازم اشكرهم على إللى عملوه معاكى ده ...
لاحت إبتسامه تعلمها السيدة "فاديه" جيدا على محيا "مى" ، تلك الإبتسامه حين تخفى شئ ما ولا تقوى على إخفائه لأكثر من ذلك ....
مى: هو إنتى حتشكريهم ... وشكر كبير جداا .... بس مش عشان إللى عملوه معايا ...
السيده فاديه: أمال إيه ...
مى: بالصدفه النهارده بعد ما لبسنا الدبل و"مصطفى" عرف إن النهارده عيد ميلادى جاب لى هديه ... مش حتصدقى هى إيه ...
السيده فاديه بحب: إيه يا حبيبتى ...ربنا يهنيكى ...
مى: سلسله "أسامه" !!
كانت "مى" تتقصد أن تحكى ما حدث معها لتهيئه السيده "فاديه" لما هو قادم خوفاً من تأثرها المفاجئ لو أخبرتها من البدايه أن إبنها "أسامه" موجود هنا ...
السيده فاديه بصدمه: إيه ...؟؟!!! سلسله إبنى "أسامه" ... إبنى .... إبنى أنا ....
انهمرت دموعها أثناء حديثها مع "مى" ...
السيده فاديه: هو فين ....؟؟ هو "مصطفى" يعرف "أسامه" إبنى ... ؟؟
مى بحب: لا يا ماما ..."مصطفى" ... طلع هو "أسامه"....
السيده "فاديه" بعدم تصديق ....
السيده فاديه : "مصطفى" هو إبنى .... ؟؟؟ يعنى أنا إبنى كويس وبخير ... أنا كان قلبى حاسس إنى حلاقيه و أشوفه قبل ما أموت .... ألف حمد وألف شكر ليك يارب ..... ألف حمد وشكر ليك يا رب .... خدينى يا "مى" أنا لازم أسافر له دلوقتى حالاً ... ودينى عنده يا بنتى ... يا وش السعد عليا ....
"مى" بإبتسامه الدموع تترقرق فى عينيها ....
مى: "أسامه" هنا يا ماما ... أنا جبته معايا هو و"أم مصطفى" والحاج "خالد".....
السيده "فاديه" وهى تحاول الوقوف على قدميها بصعوبه ....
السيده فاديه: هنا !!!!!!! ... إبنى هنا ....."أسامه ...."أسامه" ...
دون أن تشعر أخذت تخطو خطوات مستعجله غير عابئه بآلام قدميها حتى أنها كانت تترنح بالفعل ، فمنذ غياب إبنها "أسامه" عنها أصابها العديد من الأمراض كانت أغلبها بسبب حالتها النفسيه السيئه ....
وصلت نحو درجات السلم وأخذت تهبط الدرجات دون وعى منها كيف إستطاعت السير بهذه القوة مرة أخرى ...
كانت تهتف بإسم "أسامه"...
السيده فاديه: "اساااامه" .... "اسااااامه" .... "اساااامه"....
بذات الوقت جلس "مصطفى" بترقب بالصالون حين سمعوا نداء السيده "فاديه" بإسم إبنها الضائع "أسامه" ...
نداء موجع للقلب ومفرح بذات الوقت ، وفجأة شعر "مصطفى" بقلبه ينتفض تلهفاً لرؤيه والدته الحقيقيه ...
نهض منتفضاً ناظراً باتجاه الصوت الذى يقترب منهم بلهفه حقيقيه ...
عندما وقعت عيناها على ولدها لم تستطيع تمالك نفسها ظلت تبكى فرحاً بعودته وقفت لوهله تنظر إليه تتمعن منه ومن ملامحه .... إنه هو نفس عيون والملامح ... قلبى يؤكد لى إنه هو ....
إقتربت منه بسرعه ....
السيده فاديه: "اساااامه" ... إبنى حبيبى .... نور عينى .... وحشتنى أوى أوى ... وحشتنى أوى يا إبنى ... الحمد لله شفتك قبل ما أموت ... يا حبيبى يا إبنى ...
لم يتدارك "مصطفى" نفسه إلا وهو يلقى بنفسه داخل ذراعيها الحنونتان ويرتمى بحضنها ... أغرورقت عيناه بالدموع فلم يتخيل ولو للحظه هذا الإحساس بأمه وتوقع إحساسه بها كغريبه عنه ... لكنه يشعر كأنه يعرفها جيداً ومتعلق بها ... كم شعر بحنينه لها ...
أخذته فى أحضانها وظلت تقبله فى وجهه وجبينه ويديه ... أغرقت "مصطفى" بقبلاتها ودموعها فى نفس الوقت ظلت تتحمد الله على سلامته وعودته إليها .....
بعد فترة من تأأجج مشاعرها ومشاعر "مصطفى" الذى ظل يبكى لبكاء والدته هدأوا جميعاً وجلسوا يتحدثون بهدوء ....
كانت السيده "فاديه" تجلس الى جوار "مصطفى" ممسكه بيديه بين كفيها ...
شكرت السيده "فاديه" "ابو مصطفى" و"أم مصطفى" لعنايتهم وتربيتهم لولدها وما فعلوه من أجله ....
السيده فاديه: شكرى ليكم عمره ما يوفى حقكم بإللى عملتوه مع إبنى طول السنين إللى فاتت دى كلها ...
ام مصطفى بحب: ده إبننا زى ما هو إبنك ... عمرنا ما حسينا ولا حنحس غير كده ...
مصطفى: قد إيه أنا محظوظ بيكم كلكم ...
السيده فاديه: الحمد لله إننا إتجمعنا بعد كل السنين دى ...
رفعت السيده "فاديه" وجهها ونظرت نحو "مى" بحب...
السيده فاديه: تعالى يا "مى" .....
إقتربت "مى" وجلست بجوار السيده "فاديه" فأصبح "مصطفى" على يسارها و"مى" على يمينها ....
السيده فاديه: و أحلى حاجه فى الدنيا إنه حيجمعكم إنتوا الإتنين مع بعض ... إنتوا الإتنين ولادى حبايبى ....
بعد عدة أيام ....
بقى الجميع بفيلا السيدة "فاديه" للتجهيز لزفاف "مصطفى" و "مى" ، زفاف لم تبخل فيه السيدة "فاديه" عن تجهيزه بأفضل وأرقى كل شئ تعويضاً لإبنها عن سنوات الحرمان التى قضاها بعيداً عنها ...
وها هو اليوم يتمم التجهيز بوضع الزينات لحفل الزفاف ....
وقف أحد العمال يستكملون وضع الكريستالات المضيئه قائلاً ..
_ ها خلاص ... كله تمام ...
_ تمام يا بيه .. كله تمام متقلقش ...
_ المدام عايزة كل حاجه مظبوطه مفيهاش غلطه فاهم ....
_ كلها نص ساعه بس وحتلاقى الفيلا كلها جاهزة لأحلى عرايس فى الدنيا ...
_ كله وصل والورود إللى قلنا عليها ....
_ جاى فى الطريق ...
داخل الفيلا .....
أشرقت شمسها من جديد وشعرت كما لو أن الروح عادت لجسدها مرة أخرى لتقف ببهو فيلتها تتحدث مع مهندس الديكور الذى يعمل بتجهيز جناح العروسين ...
السيده فاديه: إيه الأخبار يا باشمهندس ... ؟
مهندس الديكور : كله تمام الجناح بتاع العروسين جاهز وكله تمام حضرتك ...
السيده فاديه : شكرا يا باشمهندس تعبناك معانا ..
إلتفت حولها تطمئن أن كل شئ يسير كما تخطط له لتدلف بعد ذلك إلى المطبخ تباشر الطهاه المتخصصين بصنع أشهى الأطباق اليوم ...
فى المساء....
تدق الطبول وتتعالى الموسيقى تعلن بوصول اجمل عروسين "مى" و"مصطفى" ....
تألق "مصطفى" بحلته السوداء وشعره الأسود المهندم ، و إرتدت "مى" فستان زفافها الأبيض المرصع بالكريستالات الفضيه التى تكاد تضئ من لمعانها ...
بسيطه بطلتها الساحرة وضحكتها المميزة خاصه مع شعرها المرفوع إلا من بعض الخصلات الطويله المنسدله على اكتافها فكانت مبهرة ملاك فى ثوبها الأبيض تمسك في يدها باقه من ورد الجورى الأحمر...
تعلقت بذراع "مصطفى" يمشون خلال الممر المؤدى إلى داخل الفيلا لتحيط من فوقفهم أقواس من الجورى الأحمر كباقتها تماماً ...
تسلطت الأعين مسلطه عليهما بسعادة وتعالت أصوات التهاني والتبريكات ...
زفاف حمل للجميع الفرح والسعاده فـ"أم مصطفى" و الحاج "خالد" يرون ثمره تعبهم وتربيتهم لخمس وعشرون عاماً يتزوج وينشئ أسرة جديده ...
السيده "فاديه" فرحه بعودة ولدها وتراه عريسا فى يوم زفافه ...
وصل "سيف" للتو من الأسكندريه فور عودته من عمله بالمركب ليفاجئ بدعوة "مصطفى" له لحضور زفافه على من يسميها "لواحظ" ...
جال بعيناه على مراسم هذا الزفاف البهى للغايه متمنياً حياه سعيدة لصديق عمره وأخيه "مصطفى" ...
شاركت "مى" فرحتها صديقتاها "سارة" و "رضوى" بسعادة لتقرصاها بركبتيها ليلحقا بها هم أيضاً ...
حملت "رضوى" كأس من العصير ترتشفه ببطء وهى تحملق بالمدعوين يميناً ويساراً وهى تضحك برفقه "سارة" بمزاح على بعض التصرفات والملابس كعادة الفتيات بالسخريه من كل شئ بدافع مزحه لكنها توقفت تماماً مردفه بدهشه ..
_ معقول ....
تركت كأسها متجهه بخطواتها إلى الأمام حتى وقفت قباله "سيف" تتمعن بملامحه قائله ...
_ معقول ... إنت ...
شعر "سيف" بالإضطراب ليهتف نافياً قبل أن يخرج من الفيلا على الفور فى عجاله شديدة ...
_ لا ...
جناح العروسين ...
أمسك "مصطفى" يد "مى" و إجلسها على الأريكة ووضع ركبته على الارض وهام بعيونها ...
مصطفى: عارفه يا "مى" ... إنتى أحلى حلم حلمته فى يوم من الأيام و إتحقق ... إنتى من يوم ما دخلتى حياتى حياتى كلها إتغيرت ... مكنتش متخيل إنى ممكن أحب حد كل الحب ده كله ... مكنتش متخيل إن الحب ده كله موجود فى الدنيا دى أصلاً ... بسببك عرفت أمى الحقيقيه .. وعيشت عيشه ولا كنت أحلم فيها حتى ... وقد إيه ربنى كرمنى من وسع ....
مى: ده أنا إللى بشكر ربنا إنه عوضنى بيك بعد كل إللى شفته فى حياتى دى كلها .... إنت إللى حياتى كلها إحلوت بين إيديك ... إنت أغلى حاجه فى حياتى ... يا أحلى أيامى .....
مصطفى: إنتى كل حلم حلمته حققتيه بوجودك وبقى واقع بين إيديكى يا ملاك حققلى كل أحلامى ......