الفصل 1 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الأول 1 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
5,923
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

فتحت عينها ببطء شديد وهي ترى كل ما حولها مشوه، حتى ذلك الصوت الذي يزعق في نفس الغرفة لا تميزه. ابتسامتها المرسومة على ثغرها توحي بأنها كانت تحلم حلمًا جميلًا. نادتها والدتها متذمرة من تكرار ندائها الذي دون فائدة: _مكة يا مكة، صوتي راح يا بنتي وأنا بنادي عليكِ. قومي بقى اتأخرتي على شغلك.

عندها انتفضت من مكانها لتحلق فيها كالمجذوبة وتلتفت بعينيها في المكان وكأنها انتقلت من عالم إلى عالم على فجأة. حركت رأسها إلى الجانبين من أثر الصداع الذي هاجمها فورًا وهدرت بتشويش: _هو أنا فين؟! جلست والدتها إلى جوارها وأجابتها ساخرة: _هتكوني فين يا مكة؟ في بيتنا يا بنتي، هو إحنا خاطفينك.

الكلمة نفسها كان لها مردود على ذاكرتها الذاخرة بأحلامها التي عاشتها طوال الليل، قصة حافلة بالأحداث والمغامرات والحب مع رجل لن تراه طوال حياتها. قفزت على ركبتها وهتفت بجنون: _نــعم، يعني أنا كنت بحلم وما فيش "إلياس". عقدت والدتها حاجبيها بغير فهم: _إلياس مين؟! هدرت كالمجنونة وهي تتنحى عن الفراش: _هااار أسود يا نحسك يا مكة، كل ده كان حلم.

تجهت نحو خزانتها وهي لا تعرف ماذا ستفعل أو كيف ستعيش بعدما رأت كل الحب والمشاعر في أحلامها واستيقظت من جديد على واقع صلب لن ينفذ أيًا منها. التفت لها وهي تمسك بجيب واسعة وقميص ذات ورد أحمر كبير، وارتدت حجابها وهي تتذكر ما حدث في غفوتها وتتذمر بحنق، حتى صاحت غير مصدقة: _انتي متأكدة إنك ما اتخنقتيش مع أبويا. جحظت عين والدتها التي كانت في حيرة من حالتها الغير طبيعية وهتفت: _يا مصيبتي، إيه الجنان اللي انتي فيه دا؟

عايزة تخربي بيتي. لم تبالي "مكة" بدهشتها، فهي لا تعرف ماذا رأت في أحلامها: _بيتك يتخرب؟ دا كان هيعمر، هو انتي كنتي هتلاقي زي إلياس. ازدادت دهشة والدتها من كلامها الذي لم تجد له تفسيرًا. وقبل أن تتفوه بحرف سألتها "مكة" من جديد: _فين مرام؟ أجابتها والدتها: _مشيت على شغلها لما لقيتك اتأخرتي. مسحت "مكة" وجهها بضيق وغمغمت بحنق: _حتى انتي يا مرام، حظك زفت زيي. سحبت حذاءها وتحركت نحو الباب وهي تغمغم بكلمات غاضبة:

_يا ريتك يا ماما ما صحيتني، كنتي سبتيني أنام لما أعفن. يا غلبك يا مكة، يعني كل ده كان حلم؟ يا رب على فقري في الحلم والواقع. *** في جانب آخر، عدل بدلته البيضاء ونفض بطرف أصابعه أكتافها. طوله الفارع وجسده الممشوق في ذلك الزي يخطف الأنظار. ملامح وجهه الناعمة، بداية من عينه السوداء، شعره قصير، أنفه مرفوع في كبرياء، تعطيه هيبة من رتبته العسكرية. ملازم أول في مباحث الآداب، أباً عن جد.

التف عن المرآة ونزل من الدرج في فيلته الواسعة حتى دلف إلى المطبخ ورمى كل ما نظمه جانبًا وتلك الهيبة ليصنع الفطار بنفسه. دقائق حتى دخلت إليه امرأة تشبه إلى حد التطابق، وارتسمت ابتسامة ساخرة وهي تناديه: _صباح الخير يا شريف باشا. التف بوجهه ليجيبها بابتسامة: _صباح الورد يا ورد. لم يبالغ بالفعل، اسمها "ورد". أخته الصغرى والوحيدة التي تعرف كل خباياه وحافظت أسراره. خطت أكثر للداخل وهي تستنكر ما يفعله: _برضوا بتعمل الفطار.

رفع كتفيه وصمت قليلًا وشرد، حتى ظهرت تلك الابتسامة النابضة بالحب وأجابها بنبرة مفعمة بالحب: _ما انتي عارفة "منار" ما بتعرفش تطبخ. ربتت "ورد" على كتفه متسائلة: _لحد امتى بس يا شريف؟ هتفضل متمرمط وراها. أنا عمري ما اتمنيت لك زوجة قد منار، بس أوقات بحس إن منار مش مقدرة كل اللي بتعمله ليها. هي أصلًا مش حاسة بحبك. أفرغ ما في يده في أحد الأطباق وهدر دون انفعال:

_منار حاسة بكل حاجة، بس مش عارفة تفرق بين إني بحبها حب راجل لست، وبين بحبها حب أخوي. مش عارفة تتخطى مرحلة إني ابن خالتها اللي زي أخوها. جلست الأخرى على حرف المنضدة وأسندت يدها إلى جنبيها وسألته بتحير: _ودي هتقنعها إزاي بقى؟ وضع أمامها الطبق وهدر وهو يفرج عن ابتسامته: _هقنعها، ما تقلقيش. "منار" بتاعتي، هتعب شوية بس في الآخر هقنعها. بادلته هي الأخرى الابتسام وهتفت بظرافة وهي تغلق طرف عينيها:

_طيب، اعمل حسابك ماما رايحة النهارده عندها. قفزت الفرحة من عينيه وبقى أن يقفز هو الآخر من فرط الحماس، فصاح بسعادة: _طيب، أنا هجري على الشغل وأرجع بدري عشان أوصلكم. سألته "ورد" بمكر: _توصلنا ولا تطمن على منورة بتاعتك؟ أمسك طرف ذقنها وهدر مشاكسا: _إزاي تسألي سؤال زي دا؟ طبعًا عشان أطمن على منورة. قهقهت على مزحه والتف هو للخارج لتناديه "ورد" من جديد: _مش هتفطر يا شيفو؟ أجابها دون أن يلتف: _ما انتي عارفة مش بفطر.

ترك لها ما جهزه من إفطار شهي على الطاولة لتتحير من أين تبدأ، لكنها زفرت بألم على مشاعر أخيها التي تذهب أدراج الريح أمام امرأة لا تعترف بالحب من الأساس. ما يفعله من أجل "منار" كثير، بل خُرافي في بعض الأحيان. منذ أن خلقت وهو يحميها ويساعدها، وما إن علم بها من عيب راح يكمله في نفسه بإقناع تام أنه عليه أن يكمل ما ينقصها، وما ينقصها لا يعيبها بل يغمره هو حتى تظل كاملة في عينه. بينما "منار" في وسط كل هذا ترفض فكرة الزواج

تمامًا وتتمسك بالتعليم العالي الذي تعتقد أنه هو سندها الحقيقي، لا كتف زوج ولا ظهر أب. إضافة إلى ما تكنه لشريف من احترام ومحبة من وجهة نظرها هي أخوية، برغم أنها لم تسمح لأي شخص باحتلال أي مساحة مما يحتلها "شريف" في حياتها، حتى والدها الذي رحل عنهم في مبكر حياتها.

*** نزلت "مكة" إلى الشارع ورأسها شبه متعطل، لا ترى أمامها سوى صورة "الياس" وضحكته الصافية. تحفظ كل ملامحه عن ظهر قلب وكأنها عاشت معه دهرًا، لا دقائق معدودة في حلم قصير. إن عقلها خدعها وعذبها أشد التعذيب. كيف تعيش في واقع ليس به "الياس"؟

شارفت على الاقتراب من مكان عملها دون أن تدري كيف قطعت كل هذه المسافة. جرتها قدمها على ما اعتادت وعقلها قادها في مكان آخر. كانت تلتف لتدخل البناية الخاصة بعملها، رفعت عينها بملل كي تتفقد المكان بنظر دون ناظر، لكنها سرعان ما اتسعت عيناها عندما شاهدت عربة القوات الخاصة السوداء الخاصة بالشرطة. هرولت نحو الدرج وكاد قلبها يقفز من مكانه. وقبل أن تمر بالبوابة، أوقفها الضابط بيده التي سدت الباب وباللهجة حادة قال:

_انتي رايحة فين؟ هتفت وهي تتطلع إلى الداخل: _هكون رايحة فين؟ داخلة الشغل. دفعها برفق للخارج: _ما فيش شغل النهارده. العمارة تم إخلاؤها. ارتدت إلى الخلف وهي تهمس: _مش ممكن، أكيد موجود معاهم. عادت للضابط من جديد تسأله: _هو في إيه جوه؟ أجاب باقتضاب دون أن يطالعها: _إرهابيين بنقبض عليهم. كان الأمر لا يعنيها، الذي يعنيها هو شخص بعينه عاشت معه حلم طويل وتمنته واقع: _الظابط إلياس معاهم؟ ظهر الملل على وجه الضابط وهدر:

_يا ست انتي ابعدي بقى، المكان خطر دلوقتي.

التفت بيأس، يبدو أن أحلامها لن تتحقق. وقبل أن تخطو الخطوات العائدة نحو الدرج، استمعت إلى ضوضاء وخطوات سريعة وكأنه جيش قادم ليدعسها. رفعت عينها أمامها لترى جمعًا من الرجال الملثمين بالأسود، من وسطهم هو يرتدي نظارته السوداء وبدلته الميري. انخلع قلبها من مكانه. شعره الأسود اللامع وطوله الفارع، أنفه الدقيقة وشفاهه الرفيعة كما رأته تمامًا بأحلامها. وسيم وسامة لا تقل عن نجوم هوليود. رائحة عطره تصلها وهي واقفة مكانها. هيئته الأسطورية سحرت عيناها وكأنه خرج من أحلامها وتجسد بواقعها.

تجاهلت الجمع وانطلقت نحوه بجنون لا يجيده سواها. وقفت في وجهه ونادته باسمه مجردًا: _إلياس. كانت حركة مفاجئة للجميع الذين التفوا حولها، وجودها غريب ووقوفها في وجه أغرب. لكن من الواضح أن مزاجه اليوم كان متعكرًا، لا يقبل أي مزاح أو جنون: _انتي مين وعايزة إيه؟ عينه الزرقاء اللامعة والتي تشع ذكاء أربكتها. خفق قلبها بشدة عندما علقت بعينه وتجددت مشاعره، عاشتها من قبل مع هذا المجهول. ثوانٍ تمالكت أعصابها، وضعت يدها

على صدرها لتعرفه بنفسها: _أنا مكة. انفرج فمه من الدهشة قليلاً، ثم تفرسها قليلاً ليدرس تفاصيلها التي تشبه العسل الخالص. رموشها البنية وعينها ذات اللون المتأرجح بين الأخضر والبني وغمازة وجنتيها البارزة. كل هذا لم يعنيه ولم يحرك به ساكنًا، لكن ما دفعه لدراسته هو لمحاولة تذكرها إن كان رآها من قبل. قضب حاجبيه ثم صاح مشددًا: _هو أنا بتعرف عليكي؟ انتي عايزة إيه يا ست انتي وإيه أصلًا اللي جابك هنا؟

لم تستطع إخفاء ابتسامتها تمامًا، كأول مرة قابلته في الحلم كان غاضبًا وصاح بنفس الجملة. الحلم يتحول إلى حقيقة. عادت لرشدها سريعًا وقالت: _انت ما تعرفنيش، لكن أنا عارفك كويس وعارفة عنك حاجات كتير أوي. همت لتقترب منه لكنه هدر محتداً: _انتي جاية تلعبي معايا ولا إيه؟ انتي مش عارفة أنا مين؟ قاطعته سريعاً: _لا عارفة. أجرأ وأفضل وأجمل ظابط شفته في حياتي، أقصد في أحلامي.

جنونها حتماً سيوقعها في مشكلة، خاصتاً عندما ظهر تشنج فمه. استرسلت بنفس لهجة الإعجاب التي لم تخفيها: _انت اسمك إلياس. المنشي. ضغطت على رأسها ونفت: _لااا لا منشي إيه! اسمك إلياس النشامى. ضاق صدره من حديثها الفارغ والتي تخبره فيه باسمه فقط، فهو شخصية عامة معروف شجاعته في مطاردة الإرهابيين في كل مكان وتتبعهم حتى في معاقلهم. شملها بنظرة فاترة وبظهر يده أزاحها من طريقه أمراً من حوله بحنق: _خدوا المجنونة دي على البوكس.

تحرك نحو الداخل غير مهتم بما قالت. تركها ليد أحد الشرطيين التي دفعتها بقوة، لكنها تراجعت لتبتعد من يده. وبما أن الأمر بدأ بالجنون، فلينتهِ بالجنون. منذ متى والعقل يأتي بنتائج مثمرة، خاصتاً في الحب. انطلقت كالسهم من ورائه، لكنها لم توازِ خطواته السريعة التي اتخذت الدرج طريقاً. وكى تهرب من الشرطي الذي لحق بها، استقلت المصعد. هي تعرف ذلك المبنى شبراً شبراً، فقد عملت به لسنوات، ستعرف أين تختبئ حتى تلتقي بحلمها مجدداً.

*** في مكان آخر، تلك المرأة الجميلة ذات البشرة الحنطية والعيون الخضراء تقف في منتصف المطبخ تمسك بأطباق الطعام وهي تضعهم على الطاولة القريبة التي في المنتصف، تدندن بصوتها العذب بسعادة، ومن في مثل سعادتها. فهي زوجة "ريان مسعود"، رائد في أمن الدولة، وابن "رأفت الألفي"، محامي كبير ذو قيمة ووزن في الدولة.

وقف "ريان" على بعد قريب منها وهو يتابعها بشغف وعشق يظهر في عينيها البندقيه. لقد كانت "تمار" كالفراشة الجميلة في حياته. وجودها في منزله يضيف بهجة وفرح دون أدنى مجهود. كانت قصة حب رائعة توجت بالزواج، لكن برغم ما فيها من بعض الحزن ومشكلات معقدة، إلا أنه نجح في النهاية في الظفر بها. انتبهت له "تمار" واتسعت ابتسامتها وهي تسأله بدهشة: _واقف عندك ليه؟ تحرك نحوها واحتضن ابتسامتها بقلبه وأمسك رأسها ومن ثم قبل جبينها أولاً

ومن بعدها هتف برقة: _مش مصدق إنك معايا. توردت وجنتها ولمعت عيناها وهي تهدر بخجل: _المفروض إن عدى وقت كفايا عشان تصدق. أجابها وهو يميل بجبينه إلى جبينها، معلنًا اتكاء قلبه بالكامل على هذا القلب الذي عشقه وتحدى العالم من أجله: _مش مصدق إن البيت المكركب المهرجل اللي لونه أسود في أسود بقى ألوان ومترتب ومنور بملكة، خلته له طعم وغيرت هواه.

يشعل "ريان" أحاسيسها بكلماته الناعمة والتي نسبه لها أجمل كلمات العشق، لأنها تسمعها بقلبها. اخفضت عينها عنه وهي تهدر: _وانت كل حاجة معاك حلوة يا ريان. رفع رأسه وتأوه عالياً: _اااه من اسمي على لسانك، بيخليني أروح الشغل مش طايق أسمع اسمي منهم. انفجرت ضاحكة على مزحه وقهقه معها. فأشارت له وهي تسبقه نحو الطاولة التي أعدتها باهتمام ومن بين ضحكاتها قالت: _طيب تعال عشان تفطر. تبعها وقد اختفت ضحكته وهو يهتف متذمراً:

_لي يا تمار؟ بتعبي نفسك. أنا عارف إنك عند باباكِ ما كنتيش بتعملي حاجة من دي. أنا قولتلك هعتمد على نفسي ونحاول نظبط أمورنا وإنتي تتعاملي على إنك ملكة. زفرت بتعب عند ذكرى والدها وأجابته بنبرة غلفها الحزن: _قولنا قبل كده اللي فات مات، وأنا ما بقتش "تمار رأفت الألفي"، أنا بقيت مرات الرائد "ريان مسعود". نفخ أنفاسه بحنق، فسرعان ما تحول صباحهم الهادئ إلى شحن سلبية دخلت من ثغرات تافهة. جذبه إليه وقبل

جبينها من جديد وهمس بهدوء: _أنا آسف يا تمار. دار على عقبيه وهو يردف: _أنا نازل. فهمت "تمار" سبب انسحابه، أنه غاضب وبشدة. يبتعد بغضبه كي لا يحزنها. تبعته وهي تسأله: _مش هتفطر؟ أجاب باقتضاب دون أن يلتف لها: _لأ. فتح باب الشقة مستعداً للخروج. وبما أنه انتهى الصباح على هذا، فلتلقِ ما في جعبتها ويحدث ما يحدث. وقبل أن يغادر، هدرت دون شعور: _أنا هروح لبابا النهارده.

شلت قدمه وتوقف عن التقدم وظل يعصر قبضته حتى ظهرت عروقه النابضة كي يخفي غضبه، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً في إخفاء ذلك الغضب في نبرته الحانقة: _روحي بس، لو زعلك تاني أنا مش هسكت.

لكم الباب فارتد مصدراً صوتاً عالياً أفزعها لا إرادياً. لم يلتفت لها وغادر بوجه تحول لكتلة من الدماء. تركها فوراً عندما شعر بأنه أوشك على إيذائها. تركها تجفل من حدته. هي تعذره، هو الذي يتحول من الرقة والحنان للغضب والتوحش عندما يمسها مكروه، وخاصة من أقرب الناس إليها. لكنه عليه أن يتفهم أن والدها لن يغفر لهم أمر زواجهم رغماً عنه وتفضيل تمار "ريان" عوضاً عن رضاه هو، لكن الحب كان أقوى من طاعة والدها. عادت إلى الداخل وهي تحاول تهدئة نفسها لمقابلة والدها التي حتماً ستعود منها أسوأ من ذلك.

*** "لدى مكة" ضغطت زر المصعد وانطلق المصعد للطابق العاشر، ذلك الدور الذي تعرف مخبأه جيداً. به وصلت إلى غايتها وهرولت عبر الدرج لتقفز دور آخر كتمويه لمن يتبعها. نظرت عبر الدرج لتجد "الياس" ومن معه ما زالوا مستمرين بالصعود. قررت التوقف والبحث عن مكان مناسب للاختباء. وجدت أبواب كل الشقق مفتوحة بالفعل، تم إخلاء العمارة على غفلة والفوضى هنا عارمة. دخلت أحد الشقق وهي تلقف أنفاسها المتسارعة وتغمغم بارتياح: _الحمد لله.

ظل وجهها في الباب ثوانٍ حتى شعرت بشيء صلب يلتصق بمؤخرة رأسها. جحظت عيناها والتفت ببطء وهي تعلم أن خلف ذلك مأزق لا خروج منه. رفعت يدها للأعلى عندما رأت المسدس بين عينيها. ارتجف فكها وهتفت: _أنا... أنا ماليش دعوة. سألها الرجل الذي يضحك عليه الإجرام: _انتي إيه جابك هنا؟ أجابت وهي تلهث من فرط الخوف: _أنا... أنا جاية، أنا هاربة من الظابط.

لم تكمل وانفجرت في البكاء الحار. دفعها الرجل بفوه مسدسه نحو الداخل ليقدمها للمجموعة التي معه مما يشبهوه. تعرف دائمًا أنها ذات حظ سيء ولا تعتمد عليه، لكن هذه المرة تأكدت من هذا، فحظها العاثر أوقعها من جديد في مشكلة كبيرة قد تودي بحياتها. هدر الرجل لمن معه: _شكلها طُوعم. زمجر الآخر شفاه وهو يجيبه: _نستعملها رهينة. أنزلت يدها المرفوعة ولطمت بها وجنتها وهي تقول: _دا هيغربلني، دا الظابط مخنوق مني. تهجم وجه الآخر وهو يقول:

_اقتلها. أشهر الآخر مسدسه بوجهها معلنًا انتهاء حياتها بضغطة من طرف بنانه. أغمضت "مكة" عينها بقوة وهي ترتجف وهمست في نفسها: _أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم همست باسمه كما كانت تفعل في كل مصيبة تقع فيها: _إلياس.

وكان اسمه قنبلة مفرقعة ذات دوي. انطلقت في الأرجاء الأعيرة النارية والتي حسبتها "مكة" تصوب نحوها، لكن العكس كان تماماً، حيث اشتبكت العناصر الأمنية بالإرهابيين. وعلى الفور سحب الرجل الآخر يدها من الوسط ليطلق أعيرة طائشة صوب الطلقات الموجهة نحوه. تنقلت عين "مكة" حولها لتشاهد هذا الفيلم الأكشن الذي عاشته من قبل وأصبح حولها حقيقياً. حشرت في وسط رجال كثيرون، عددهم يصل إلى سبعة، كلهم مسلحون يهاجمون دون رحمة. قوات الدفاع تناثرت الطلقات يميناً ويساراً ولم تنجح بالايقاع بأي منهم. عندها عرفت "مكة" أنها هالكة لا محالة، إن نجت أو ماتت. هؤلاء الوحوش لن يرحموها حية أو ميتة. كل ما حضر في ذهنها أن "الياس" في الجهة الأخرى وقد يصيبه أي مكروه مما يفعله الباطشون.

حاولت النفاد من أيديهم لتطمئن على "الياس"، لكن في كل مرة كانوا يدفعوها للوراء، حتى نوى أحدهم استغلالها. سحبها تحت إبطه وغطى بها جسده متقدماً للأمام. كانت في صدمة وعقلها يردد في إضراب الموت قادم لا محالة. وزاد الإضراب أضعاف عندما أطلق المجرم طلقات من سلاحه من فوق كتفها وهو يخرج بها من الغرفة، مجبراً إياها على التحرك لكي ينقذ نفسه من تلك المصيدة التي حشر فيها. تعالت صرخات "مكة" بانهيار شديد: _إلياس الحقني.

في الجهة الأخرى، انتبه المدعو إلى حيلته الرخيصة في استخدامها كواقي للرصاص. صر على أسنانه بغيظ عندما سمع ندائها المتكرر ورؤيتها أمامه مجدداً في ذلك اليوم العصيب. زاد غضبه تجاهها، غضب سيصبه عليها إن عاشت. سأله أحد رجال فرقته: _نستمر في ضرب النار يا أفندم. انفلت غضبه على زميله يصيح باهتياج: _وقف ضرب النار، أنا هتعامل لوحدي.

دخل مباشرة إلى مواجهة الحقير ويده تمتد بالسلاح حامياً نفسه. هدأت الأصوات لدقائق معدودة، وخبأ المجرم نفسه وراء جسدها كي لا يقتنصه، وأيضاً في ظهره باقي جماعته تحميه. مما دفعه ليهتف بثقة: _عايزين نخرج، وإلا مش هتخرج على رجليها. وأشار بمسدسه إلى مكة. ابتلعت ريقها ونظرت في أعين "الياس" التي رمقتها بحنق دفين وهي تقدح بالشر. لقد مكنت هؤلاء من اتخاذ رهينة دون أدنى مجهود. نقل نظره عنها وهدر بثبات:

_انت ممكن تخرج على رجليك في حالة واحدة هي السجن. لوح الآخر بمسدسه وهتف بابتسامة سمجة: _طيب، دي مش هتصعب عليك دي. لما تموت. ضم "الياس" حاجبيه وهدر بجمود: _أساساً دي لو انت ما قتلتهاش أنا هقتلها. هنا اتسعت عين "مكة" بذهول، ثم أردف "الياس" مخمناً: _شكلها معاكم. فلوحت "مكة" بسرعة في نفي سريع: _لا، أنا مش معاهم.

أشار المجرم تجاه رأسها بفوهة المسدس معلناً أنه نوى التخلص منها، لعل يحث ذلك الضابط للحفاظ على سلامتها. لكن "مكة" لم تقرر بعد الاستسلام. دارت بمقلتيها إلى إشارته وكأن الزمن توقف تماماً. نظرات "الياس" المغلولة تجاهها والآلة الحديدية التي ستخترق رأسها. نظرت إلى عين المجرم الجاحظة، وفي ثوانٍ أدركت اللعبة وفهمت غايته. أنه لا يريد قتلها، يريد قتله هو. عندها تحول كل خوفها إلى قوة. شحذت همتها وانسلخت من تحت يده في حركة مفاجئة، وقبل أن يستوعب هذا المجرم، كانت "مكة" دفعت رأسها بقوة في رأسه. تدخل "الياس" سريعاً وأطلق رصاصة في قدمه، ساعدت مع ركلتها المتوسطة في طرحه أرضاً واشتعلت النيران من جديد.

وقفت "مكة" في المنتصف لا تدري أي جهة تتخذ، لكن دفعها الرصاص المتطاير من الجهتين إلى الجلوس أرضاً ومحاولة الفرار زحفاً من تلك الموقعة. لم ينساها "الياس"، بل تركها جانباً، لكن بداخله لها توعد لما فعلته أسوأ من توعده للمجرمين. وقع من الإرهابين رجلان مصابان وواحد فقط قتيل، وهي ترى الدماء وتساقط الجثث بوضوح من زاويتها وبدأت تفقد أعصابها فعلياً. ثلاث إرهابيين مهاجمين بشراسة في مقابل جنود بواسل لا يخشون الموت. ظلوا يتعقبونهم في الغرف الضيقة لمحاصرتهم بلا تراجع مع قائدهم "الياس" الذي كان يقودهم ويوزعهم بانتظام شديد.

وسريع استجمعت "مكة" قواها وهمت لتختبأ خلفه. هو الأمان بالنسبة لها في وسط هذه الحرب الدائرة. وقفت خلفه مباشرة وأمسكت بقميصه، بدلته ذات الخامة الثقيلة وهو يطلق عدة طلقات من سلاحه. عندما انتبه لوجودها، أطلق سباب خافت متوعداً لتلك المجنونة التي تصر على إخراجه عن طوره بتصرفاتها الطائشة. تراجع نحو أحد الغرف ممسكاً بساعدها بعنف جعلها تكتم أنفاسها بيدها الأخرى عندما أدركت أنه تحول لوحش كاسر سيفتك بها من فرط الغضب:

_أقسم بالله لأوريكِ أسود أيام حياتك. حركت رأسها بالإيجاب بالكي تهدئه بعدما ارتجف قلبها من تهديده الصريح بإيذائها، فصاح بها وهو يدحجها بنظرات محذرة: _خليكي هنا، ما تحركيش من مكانك.

استمرت بإيماء كي تحصل على هدوئه وتشرح له سبب تواجدها. رمقها بنظرة عدائية طويلة جمدت الدماء في عروقها. أيقنت تماماً أن "الياس" الذي عرفته في الحلم ليس هو الشرس المتوحش الذي أمامها. وقبل أن يلتفت ليكمل ما بدأه، أمسكت بساعده من جديد لتوقفه، فازداد حدة عيناه وهو ينظر إلى موضع يدها. لم تهتم هذه المرة، من أجله فقط ستتحمل حدته. قالت بنبرة متحشرجة: _كانوا سبعة، باقي منهم تلاتة بس.

عقد حاجبيه وأزاح يدها عنه به وانطلق إلى الخارج دون شكرها على هذه المعلومة. عاد إلى ساحة المعركة ليقضي على هؤلاء الحثالة. *** (لدى منار)

وقفت "منار" أمام المرآة تعدل من خصلاتها البنية. عينها المتسعة عسلية اللون تقطر سحراً، خاصة ببشرتها الخمريّة المضيئة وطولها المتوازن يتماشى مع قوامها النحيل. لكنها دوماً تطمس أنوثتها بعقصة شعرها ونظارة كبيرة على عينيها وملابس قاتمة الألوان. في السنة الأولى بكلية الحقوق، وتنوي أن تمد فترة دراستها حتى تصل إلى درجة الدكتوراه. لكن أحلامها تطير في الهواء فور حضور والدتها التي تتمنى زواجها والفرح بها كباقي الفتيات. وعلى ذكر الزواج، دخلت "زينب"، والدتها، والتي هتفت

فور دخولها بنبرة حنونة: _صباح الخير على بنوتي حبيبتي ست القمرات. التفت لها "منار" وقابلت ترحيبها بحذر وهي تقول: _طالما فيها ست القمرات، يبقى فيه أفكار سيئة في دماغك. اقتربت منها "زينب" والتي تشبهها بالقدر الكبير. عبثت بخصلاتها لتحل وثائقها وتترك شعرها ينسدل على كتفها بنعومة وسط ملل "منار". مالت رأسها إليها في انتظار المزيد من السخف بالنسبة لها: _ليه يا منار أفكار سيئة؟ هو فيه أحلى من الفرح ده؟ أنا نفسي أشوفك عروسة.

قلبت "منار" عينيها ورمقتها بنظرات باردة، فاسترسلت والدتها التي تعرف جيداً قدر عنادها، فصاحت بغيظ منها: _بقى كدا؟ طيب يا منار، هتقابلي العريس اللي جاي النهارده غصب عنك. ما أنا مش هسيبك لمزاجك بقى لحد ما أموت وأسيبك. مسحت "منار" وجهها في حنق وهدرت متوسلة: _يا ماما أبوس إيدك، إن شاء الله هتعيشي لحد ما تشوفينا دكتورة قد الدنيا. سارعت "زينب" بالقول لعل هذه المرة تنجح في استمالتها للـ فكرة المسيطرة على عقلها:

_يا حبيبتي، ما دا جنب دا. اتجوزي وكملي تعليمك. رفعت إحدى حاجبيها وهي تهدر مستنكرة: _هو الجواز ده حوليه تعليم يا زينبوا؟ دا حوار فاشل. نفخت والدتها لتلعب على وتر آخر لعلها تنجح: _يا حبيبتي، افهمي، انتي لوحدك. لا أخ ولا أب ولا سند. صرت على أسنانها بغضب من ذكر الرجل كسند، فصاحت بها بحدة بعض الشيء:

_افهمي انتي يا ماما، الرجالة عمرها ما بتكون سند. وأكبر دليل أبويا، ولا نسيتي إنه طلقك وسابك وسابني طول السنين دي من غير حتى سؤال، واحنا عايشين والحمد لله في أحسن حال من غير رجالة. أشاحت "زينب" وجهها عنها وهتفت بتأثر: _مش كل الرجالة زي أبوكي يا منار. حاولت بث الأمل لها وهي تستبشر بوجهها قائلة:

_وإن شاء الله العريس اللي جاي ده يبقى ابن حلال. قابليه انتي بس وهو موافق إنك تكملي تعليمك وعنده شركة أدوية ومش ممانع إنك تسافري تكملي تعليمك حتى و,,,, قاطعتها "منار" بتشدد بعدما مسحت وجهها بعنف: _ما فيش الكلام دا يا ماما، مش هقابل حد. أنا. هنا انفلت صبر والدتها وبسرعة تحولت نبرتها للحدة وصاحت غاضبة: _بت، هو أنا ماليش كلمة عليكي ولا إيه؟ هتقابليه يعني هتقابليه. _ييييوه.

هكذا صرخت "منار" وهي تتجه نحو المرآة من جديد لتجمع خصلاتها في كعكة رتيبة انتهت موضتها من قرن. لتتحرك والدتها من ورائها بنفس الحدة: _بصيلي هنا. غصب عنك هتقابليه. التفت إليها "منار" وهي تجيب ببرود: _حاضر يا ماما، هتجوزه كمان غصب عني. نفخت "زينب" أنفاسها ووضعت يدها على صدرها بتعب من نقاشتها المطولة والتي لا تنتهي إلا بفوز سيادة المحامية الصغيرة:

_حرام عليكي يا منار، أنا روحي راحت في المناهدة دي، انتي كدا هترجعلي الأزمة تاني. اقتربت منها "منار" وضمتها برفق وقبلت رأسها وهي تهدر: _سلامتك يا ماما، عشان تعرفي بس إن الكلام عن الرجالة بيبوظ علاقتنا ببعض وبيجيب المرض. دفعتها والدتها وصاحت منفعلة: _يا بت ارحميني بقى بطلي مناهدة هتجلطيني. عادت لتسحبها إلى أحضانها متجاهلة تماماً حدتها وتستأنف بمزاح: _ريحي نفسك من الأفكار دي واحنا هنبقى زي الفل.

لوحت والدتها يدها في الهواء تبدي قسماً شديد: _وقسماً بالله لو ما قبلتي العريس ما انتي معتبة باب البيت ولا مكملة كلية. أجلت "منار" من حدتها التي استخدمتها بعدما فشلت في إقناعها، وأجابته بهدوء لتسايسها مؤقتاً: _حاضر يا ماما، هقابله. ارتسمت والدتها برضاء وهتفت بهدوء بعدما نجحت أخيراً في تحقيق نصف آمالها وهدرت بهدوء: _ماشي، على فكرة ورد جايه هي وخالتك النهارده. عندها قفز "شريف" إلى رأسها، هو منقذها في جميع أزمات حياتها.

وسألت بحماس: _شريف جاي معاهم؟ أجابتها والدتها بضيق: _ما أعرفش يا منار، وما تفتكريش شريف هيمنع العريس ده كمان يجي. زفرت "منار" بيأس، فوالدتها هذه المرة رأسها متحجر عن كل مرة. ودعتها وخرجت دون كلام. ***

قررت "مكة" الخروج من هذا نهائيًا، كان حلمًا جميلًا وانتهى. "الياس" الذي رأته في أحلامها مثيله في الواقع لا ينتمي إليه، لا يعرفها ولا يكترث لها، فلتخرج على قدميها عوضًا من أن تخرج مكبلة إلى السجن. ابتلعت ريقها وهي تسمع صوت إطلاق النيران بدأ بالانخفاض تدريجياً، فاستعدت للخروج. وقبل أن تمر من الباب المفتوح، كان هو يسد الباب بجسده الطويل. ارتاعت بشكل تلقائي عندما رأته هكذا على فجأة، ثم أشاحت بوجهها عنه وهي تهدر بحزن:

_عايزة أمشي. رفع أحد حاجبيه وهو ينظم أنفاسه التي كانت تقتلعها من فرط الغضب وهتف بنبرة ساخرة: _على فين إن شاء الله؟ من غير ما تشربي حتى لمون تروقي دمك من الخضة.

كانت سخريته واضحة مما زاد ألمها، فنفضت رأسها بحزن وحاولت تجاوزه للخارج. نجحت في أن تبتعد خطوات للخارج ليمسك هو بساعدها بقوة جعلتها ترتد في أحضانه. كل ما في قلبها من مشاعر وأحاسيس اشتعلت من جديد وعايشت نفس الشعور الذي عاشته في أحلامها. أسبلت عينيها وهي تنظر إلى عينيه وهي تتأكد أنه يستحيل أن يكون ما عشته حلم، إنه واقع وما يحدث الآن هو الحلم. إسبال عينيها لم يؤثر في الثقيل المتشدد، لكنه جذب انتباهه بشدة.

هتفت وهي تحدق بعينه: _أنا عارفك كويس وعارفة إنك مش هتسبني، لأنك عمرك ما سبتني.

عقد "الياس" حاجبيه محاولاً الاستيعاب، لكن دون سابق إنذار انطلقت رصاصة من أحد المجرمين الذي كان مصاباً ومازال يحتفظ بسلاحه. استقرت فوراً في كتف "مكة" من الخلف. رجت الرصاصة جسدها وخدرت كل حواسها. أمسكت قبضتها بملابسه وتشبثت جيداً كي تقاوم تراخي قدمها وهي تسمع في الخلفية صوت باقي الجنود يتعاملون مع من فعلها، بينما هو كان مشدوداً ومرتبكاً من ردود أفعالها. كيف تثق به كل هذه الثقة وهي لم تقابله سوى من ساعات قليلة؟

كيف تقبض عليه وكأنه أخر ما تبقى لها على وجه الأرض وهي تنزف وعلى وشك الموت تقريباً. هتفت وهي تفقد الوعي تدريجياً: _ما تسبنيش، أنا بحبك. أغمضت عينيها عن عينه التي كاد يقتلعها الفضول، وتركته يزار بصوت عال: _إسعاف... إسعاف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...