في المستشفى، تحت يد الممرضة كانت يد "عدي" تمتد لها وهي تضع له جبيرة حتى مرفقه. يظهر بعض الضيق على وجهه يشوبه الألم. حتى دخل إليه "ريان"، زوج أخته "تمار". هتف وهو يربت بيده على كتفه: _آسف لو اتأخرت، كنت بشوف زميلي هنا. إيه يا بطل، لسه في الماجابه؟ بفتور: _شوية. ثم أردف... ما كانش في داعي يعني لمستشفى الشرطة، كنت رحت أي مستشفى. اعتدل "ريان" في وقفته وهدر بغرور: _أومال يبقى نسيبك ظابط وتخرج برا؟
لازم نعمل الواجب أوي. بس أنت بطل تقلقنا عليك. ثم نفخ بضيق من تيبس رأسه وحشر نفسه في مشكلات كبيرة. واسترسل بحنق: _عدي، فوكك من جو المافيا اللي أنت عايش فيه. أنت محامي مش بطل عشان تعدل المايلة. جعد "عدي" جبهته وهو يرميه بنظرات باردة من عينه الزرقاء: _لولا إني عارف الخلاف اللي بينك وبين أبويا، كنت قولت إنه مسلطك عليا. ابتسم "ريان" ابتسامة لم تصل إلى قلبه تحمل من المرارة ما تحمل، وأجاب موضحاً:
_بالعكس، دي الحاجة الوحيدة اللي متفق معاه فيها هي سلامتك. نفض كتفيه وهتف بشيء من الجدية: _سلامتي؟ هو أنا ع الحدود؟ أنا محامي، برجع للناس حقوقها. زعق "ريان" بغضب: _أنت مش بترجع للناس حقوقها، أنت بتحط نفسك في وش القطر وبتعمل مشكلات مع ناس ما ترحمش. وادي آخرتها، كل يوم بإصابة شكل من مجهول. انتهت الممرضة وتركتهم بهدوء. ليهتف "عدي" بأريحية: _على كدا المفروض أنت كأبو نسب تعين لي حراسة من الدخلية. وكزه "ريان" بخفة
في صدره على مراحه وأردف: _كفايا حراسة. أبوك دا يحرس دولة. قهقه معاً. وشرد "ريان" في ما مضى عندما تقدم إلى خطبة "تمار" بشكل رسمي، لكن رفضه "رافت" تماماً لسابقة زواجه ولفارق السن. لكن ما حدث في النهاية كان غير متوقع. عاين "عدي" يده بعدما التفت في الشاش وسأله ليخرجه من شروده: _والبتاعة دي هتقعد كام يوم على كدا؟ أجابه "ريان" مخمناً: _أسبوع بالكتير. نهض "عدي" وهو يسحب الجاكت الخاص به من جواره:
_على العموم، ألف شكر ليك يا بطل. ابتسم "ريان" وهو يخبره: _العفو يا سيدي. تحرك إلى الخارج وبرفقته "ريان". كان باهتاً جداً وشبه حزين، ربما بسبب إصابته التي ستعوقه عن عمله لمدة قصيرة. *** في الجانب الآخر، فتحت "مكة" عينيها ببطء لتصطدم بضوء قوي. رمشت بعينيها عددة مرات حتى تأقلم أخيراً. اتضحت الرؤيا. كل ما أدركته هو أنها في مستشفى، لكنها بصعوبة تذكرت أنها سُحبت من حلم إلى حرب.
استندت على مرفقيها كي تستطيع النهوض، لكن هذا كان صعباً مع الألم الذي في كتفها. تأوهت بصوت عالٍ لتنتبه إليها الممرضة التي إلى جوارها والتي هتفت على الفور: _ما تحركيش عشان الجرح. استأست "مكة" ما يؤلمها وسألتها في تلهف: _فين إلياس؟ عقدت الممرضة حاجبيها وهي تجيبها بسؤال آخر: _إلياس مين؟ حاولت "مكة" تعديل صيغة كلامها لتحصل على إجابة واضحة: _أقصد الظابط إلياس. هدرت الممرضة هازئة: _هيكون فين؟
في شغله. ولا تكوني فاكرة إنك هتصحي تلاقيه قاعد جنبك؟ تفاقم الغضب داخل "مكة" وضغطت على نفسها لتنهض من جوارها. إن كانت فعلت كل ما هو مجنون لتراه في الواقع، فمن سيمنعها من مواصلة جنونها إذا؟ سارعت الممرضة بمنعها من التحرك من الفراش، خصوصاً عندما رأتها تخلع الحقن والمحاليل الموصولة بيدها. صاحت بها: _ما قولتلك ما تتحركيش. لم تنفذ "مكة" أوامرها وهبت من فراشها تخبرها بعند: _مالكيش دعوة، أنا حرة في نفسي.
مسكت الممرضة يدها لتمنعها من تجاوز باب الغرفة وهي تقول: _لا، مش حرة. أنتِ عليكِ حراسة، أنتِ تعتبر محبوسة والباب عليه عساكر. لم تهتم "مكة" بما قالت، أفلتت يدها من قبضتها وهي تهتف بعصبية: _أنا عايزة العساكر دول. فتحت باب الغرفة التي على جانبيها شرطيين مسلحين وصاحت فيهم آمرة: _أنا عايزة إلياس. نظر كل منهم للآخر لاستيعاب ما قالت، فصرخت بهستيريا وهي تشعر أنه ضاع من يدها من جديد:
_عايزة إلياس. خليه يجي لي. أنا عايزة. نادوه لي. هتف أحد الشرطيين: _أنتِ عايزة الظابط إلياس البيومي ولا حد تاني؟ هدأت قليلاً وأجابته: _أيوا، أنا عايزة الظابط اللي كنت معاه. _كنتي معاه؟ كانت هذه إجابة الآخر الساخرة. نقلت "مكة" نظراتها بينهم وهي تشك بهما وتداخلت الأفكار في رأسها وخشيت أن يكون هو الآخر وهم عاشته كسابقها. اعتصرت رأسها وسألتهم من جديد: _مش أنا جيت معاه؟
انطلق من الآخر ضحكة ساخرة من تلك المجنونة التي تعتقد أنها في اهتمامات القائد "إلياس البيومي". ليأتي لها: _هي مجرد مصابة احتجزت في المستشفى للتحقيق معها. انزعجت من ضحكته الساخرة. لم تلاحظ حتى أنها تقف بينهم بقميص أزرق شفاف خاص بالجراحة. تحركت من بينهم وهي تهدر بغضب تحت تأثير البنج: _أنا هروح أدور عليه.
عندها تأهب الشرطيين للإمساك بها ومعهم الممرضة التي كانت تتابع حديثها دون تدخل. أمسك بيدها الشرطيين لإعادتها غرفتها. ومع إحكام قبضتهم وتقييد حركتها زادت عصبيتها وشعورها بالعجز، فتعالت صرخاتها باسمه في جنون واضح: _الــــــــيـــــــــاس! أنا عايزة إلياس! تلوت بين أيديهم، خصوصاً يدها المصابة التي دب فيها الألم أكثر من قسوة تعاملهم وهم يجبروها للعودة إلى فراشها. قال العسكري للممرضة:
_دي باين عليها مجنونة زي ما قالوا. اديها حقنة تنيمها لا تسكتها. جهزت الممرضة سريعاً الحقنة من جانبها واستعدت لتغرسها في يدها، لكن "مكة" صرخت أكثر وتلوت بشدة، فهي تهاب الحقن وهلوس من فرط هلعها: _لااااا! خلاص أنا هسكت، بلاش حقن. إلياس، أنت فين؟ الحقني! أخيراً تمكنت منها الممرضة وغرستها في وريدها لتغيب "مكة" تدريجياً عن الوعي. مجنونة هي، ما كان ينقصها هلوسة البنج أيضاً لهذه الفضيحة الجديدة. ***
في منزل "مكة"، ساد القلق مع تأخرها عن موعد عودتها المعتاد. وها هي والدتها تجول في الشقة الضيقة وهي تتمتم بقلق: _جيب العواقب سليمة يا رب. استر يا رب. وفي هذه اللحظة فتحت "مرام" باب المنزل لتسارع أمها مهرولة نحوها تسألها برجاء: _هااا، عرفتي عنها حاجة؟ أجابتها "مرام" بيأس: _لا.. حتى العمارة بتاعت الشغل بتاعها كان فيها قلق وكانوا عاملين إخلاء. لطمت الأم صدرها لتبطئ نبضها الذي تسارع فجأة: _هتكون راحت فين؟
قلبي هيوقف. أبوكي لو رجع مالاقاهاش هيجراله حاجة. سارعت "مرام" بالقول لتهدأ والدتها: _اهدى يا ماما، أكيد راحت لحد من أصحابها وزمانها جاية. جلست والدتها على الكرسي وهدرت: _أنتي مصدقة اللي بتقوليه؟ هي مكة ليها أصحاب؟ دارت "مرام" حول نفسها. بالفعل، الأمر مقلق وغيابها غير مبرر. لذلك استدارت نحو الباب وهي تهتف: _أنا هروح القسم. ***
"إلياس" دخل إلى المستشفى ليستجوب المجنونة التي حشرت نفسها في جريمة أكبر منها. توجه مباشرة إلى غرفتها التي انتقلت إليها بعد عملية إخراج الرصاصة من كتفها. نهض على الفور العسكري ليؤدي له التحية ثم هتف ليوقفه: _سعادة الباشا، الست اللي جوه ما بطلتش تنادي على سعادتك وكانت عايزة تروح لك. احتل التعجب تعابير وجهه وهدر مستنكراً: _تروحلي؟ أجابه الآخر مؤكداً: _أيوا، والممرضة اديتها حقنة مهدئة لأننا ما كناش عارفين نسيطر عليها.
نفض "إلياس" رأسه بعدم اهتمام وأمسك مقبض الغرفة ليديره وهو يهتف: _شوف شغلك يا ابني. اعتدلت الممرضة في جلستها فوراً عندما دخل "إلياس" بينما كانت "مكة" ممدة على الفراش غائطة في سبات عميق يظهرها كالملاك. ودون أن يحيد نظره عنها سأل الممرضة برسمية شديدة: _هتفوق امتى؟ أجابته سريعاً:
_أنا اديتها حقنة مهدئة، مفعولها هينتهي كمان نص ساعة بس لازم اديها وحدة كمان دلوقتي عشان ما تصحاش. دي لما فاقت بهدلت الدنيا وخرجت لنص المستشفى وشكلها ما كانش طبيعي وكانت بتصرخ ومش عايزة تاخد الحقن و... قاطعها "إلياس" بتأفف: _خلاص، روحي أنتِ وأنا هستناها لما تصحى أستجوبها وبعدين أبقى اديها الحقنة. سألته الممرضة بدهشة: _أروح يعني أمشي؟ التف إليها "إلياس" وأجابها ساخراً: _أومال معناها إيه؟ اتفضلي يلا، وأنا هستناها تصحى.
دارت الممرضة على عقبيها وفي نفسها تعجب من سخرية القدر. ستستيقظ "مكة" تجده أمامها كما استنكرت هي ذلك. أغلقت الباب من خلفها وظل "إلياس" واقفاً في محله يحدق إليها بدقة تشبه الحوريات بشعرها الأسود المتناثر حول وجهها الأبيض، عيونها الفتاكة حتى وهي نائمة، رموشها الطويلة، سحرها، فمها المضموم كختم الجمال يزيدها بريقاً يخطف الألباب. لكن كل هذا لم يحرك شبر من جبل الثلج داخله.
تحرك باتجاهها واقترب منها ثم مال بجذعه ليشاهدها عن كثب إن كان جمالها خادع أم هي وحدها فتنة. ثم ابتعد عنها ينفخ بضيق لا سبب له. الصمت معها موحش. لقد رآها صباحاً وأرهقته بكثرة كلامها. تمنى لو تسكت للأبد، لكن الآن لا يتحمل بضع دقائق لتستعيد فيها وعيها. تحرك بملل حول الفراش مجاهداً نفسه في عدم النظر إليها، لكن مع كل خطوة كانت تخونه عيناه وترمي نظرة بطرفها لتراها. لمح الغطاء منزلقاً عن نصف جسدها. اقترب منها ومال بجسده ليدثرها جيداً.
وأخيراً فتحت عينيها واكتمل انهياره. سوداوية عينيها وهي ناعسة أشد روعة من أي شيء رآه من قبل. ثوان معدودة اعتدل هو فيها ليتغلب على مشاعره وتحمحم لينبهها بوجوده. وبالفعل انتبهت، قفزت من نومتها تناديه بحرارة: _إلياس، أنت جيت! زاد تعجبه ورفع حاجبيه من حرارة استقبالها وهي في تلك الحالة، ثم سألها بسخرية: _أنا نفسي أعرف، أنتِ بتعامليني على إننا نعرف بعض ليه؟
تمالكت نفسها وشعرت بالخجل فجأة أمامه وتحمحمت بصوت مسموع ليسترسل هو مكملاً سخريته: _إيه؟ الإجابة وقفت في زورك ولا إيه؟ لم تجد ما تجيب به، لكنها تحسست كتفها المصاب وهي تهدر: _كتفي بيوجعني. أجاب وهو يجلس على الكرسي قبالها: _لازم يوجعك. الرصاصة خرجوها بالعافية. سنة كمان وكان زمانك ميتة.
رمقته مطولاً كي تملأ عينها منه، وكأنها تراه بعد سنوات فراق. هو بعينه عاشت معه في أحلامها قصة حب. وبالنسبة لمكة، تحدياً، فهي لا تخيب أحلامها. تتمتع بقدر كبير من الشفافية والنورانية التي تجعلها تملك حاسة سادسة تؤلها ما قد يحدث. وطالما رأته في حلمها يصبح فارس أحلامها المنتظر. لاحظت نظراته المتعجبة من شرودها، فهتفت بحرج: _أنا آسفة. خرج هو من هدوئه وهتف بخشونة: _هو إيه اللي أنا آسفة؟ أنتِ كنتي بتلعبي بالعرايس؟
أنتِ متورطة في تنظيم إرهابي ومطلوب منك تقري على المجموعة اللي كانت معاكي وتعترفي عن هدفك في عرقلة المهمة من بدايتها. استمعت له وثغرها مفتوح ويفيض من عينها الاندهاش الممزوج بالبلاهة. ليتعزز بداخلة شعور أنها طفلة متنكرة في جسد امرأة ناضجة ليس إلا. وقبل أن تتحرك عاطفته، صاح بحده: _ما تنطقي يا بت، حكايتك إيه؟ انتفضت أثر حدته وهتفت بارتباك: _أنا ما أعرفش حاجة من اللي قلت عليها دي. أنا حكايتي مختلفة. لطم يده سريعاً
ليسألها بمط: _أيوااا، اهو أنا بقى عايز أعرف حكايتك. اتسعت عيناها على آخرهما وابتلعت ريقها بشكل ملحوظ وسكت صوتها لثوان، ثم وقع عينها على عينه التي ترمقها بنظرات ثاقبة، بينما هو يحاول جاهداً فهمها. تبهر وكأنها أكبر من تفكيره. بل تجعله يتأكد أن كل ما درسه لا يفيده أمام هذه الداهية. هكذا أصبح اسمها. مهما ادعت أنها "مكة"، ستبقى في ذاكرته "المرآة الداهية". قررت إخباره، لكن ساورها الشك من اقتناعه. فهتفت بصعوبة:
_ما هو أنا لو قلت لك مش هتصدقني. مد جسده للأمام ليقرب المسافة بينه وبينها قليلاً وقال بنبرة هادئة ليجاريها: _ومين قالك؟ قولي أنتِ بس وأنا هصدقك على طول. قفزت على ركبتيها ومدت هي الأخرى جسدها تجاهه تهدر غير مصدقة: _بجد يعني هتصدقني؟ جال بعينه في وضعيتها المرحة والتي تؤكد جنونها وهتف بخبث: _اه هصدقك. هو مين بيطلع علينا الأشاعات دي بس؟ دي حتى معروف الشرطة تصدق الشعب.
ابتسم وجهها وتشجعت لتحكي له وصدقت أنه سيصدقها. وما يطمئنها أن بدايتهم معاً في الحلم كانت مثل هذه. أمسكت طرف أصابعها وضغطت عليهم لتخفف التوتر الذي انتابها واستعدت للحكي وهي تنظر في عينه. واسترجعت كل حلو حدث بينهم وببراءة شديدة هتفت: _أنا حلمت بيك. ينفك عن وجهه تعابير الدهشة. ردد وراءها ساخراً: _حلمتي بيا؟ ودون اكتراث لدهشته أجابت ببساطة: _أيوا، حلمت بيك بس حلمت حلم يتعاش. أردفت بحرج وهي تبعد عيناها عن عينه:
_روحنا مكان بعيد وبعد كدا اتخطفِت وأنت أنقذتني وحبينا بعض وبعدين رجعت واتجوزنا وخلفنا ولد زي العسل أنا وأنت كان لينا حكاية كبيرة الناس كلها عارفها. وأنا عارفة كل حاجة عنك، عارفة إمتى بتضايق وإمتى بتعصب وإمتى بتبقى رايق وحافظة كل كلامك. سكتت قليلاً ثم مدت جسدها تجاهه ونظرت في عمق عينه وهتفت بنبرة هادئة وهي تشير بإصبعها تجاه: _أنا أنت.
ساد الصمت بعدها و"إلياس" يستمع لكلماتها التي غادرها المنطق في حالة شرود تام، كأنها خطفته في حكاية من أساطير الحكايات. طريقتها في السرد غير معقولة وجنون ما تحكيه يزيد دهشته، لكنه لا ينخدع ولا يساق وراء ما تدبره أيان كان. هتف بهدوء: _هـسجنك. والمصحف لأسجنك. ابتسم ثغرها وهدرت وهي تحرك رأسها بالقبول: _أنت برضوا كنت بتقول لي كدا في الحلم. زعق فيها بحدة: _بتحلمي بمقدم في مكافحة الإرهاب؟ أنتِ دماغك شطحت لدرجة دي؟
احلمي على قدك يا شاطرة. قالها وجلس على الكرسي المقابل لها. انتفضت من صوته الحاد، لكنها تمالكت نفسها وصاحت هي الأخرى نافية: _مش ممكن يكون حلم، دي حياة تانية عشناها سوا، وإلا كنت إزاي عرفتك وعرفت اسمك؟ وكمان أنت قلت نفس الجملة اللي كنت بتقولها لي في الحلم. ظهر الضيق على وجهه وهو يسألها ببغته: _أنتِ مجنونة مش كدا؟ نفضت رأسها بالنفي وأجابته بتروي:
_في حاجة مش مظبوطة، واحتمال أكون أنا حب عمرك وأنت مش عارف. أصلاً أنا عمري ما شفتك في الحقيقة، إزاي أحلم الحلم الطويل ده وأعرف كل حاجة عنك. سكتت قليلاً ثم تذكرت شيئاً مهماً. لوحت بإصبعها وهتفت وهي تشير نحو جانب بطنه: _استنى، أنت عندك جرح في المكان ده. نظر إلى موضع إشارتها باستخفاف ثم أعاد النظر إليها من جديد يسألها ساخراً: _أنتِ بتتفرجي على أفلام هندي كتير؟
أصابها الغضب من عدم تصديقه وتشكيكه في كلامها، ولكنها أصرت على أن تحصل على إجابة تؤكد ما برأسها: _في جرح هنا ولا لأ؟ مسح وجهه بضيق من إصرارها العجيب وصاح غاضباً: _أنتِ كنتي شوفتي الجرح فين؟ أنا لسه مقابلك الصبح. تفت بجدية وهي تقف على ركبتيها: _أنت كنت جوزي في الحلم. ضيق عينيه بحنق، لقد تجرأت عليه وهذا أغضبه بالفعل. هتف بخبث: _أنتِ ليه بتحكي لي حاجات مالهاش معنى؟
احكي لي الحاجات الأهم. في مواصفات تانية ما حدش يعرفها غير المتجوزين. احمر وجهها بسرعة من تلميحاته وتراجعت للخلف. فقد نجح في إحباط حماسها بوقاحته. وما الجديد عليه؟ إنه هو الذي دوماً في حلمها كان وقحاً وفظاً. نهض "إلياس" من مكانه وهتف أخيراً:
_أنا كنت شاكك إنك مجنونة، بس الصراحة بعد ما قعدت معاكي اتأكدت. عموماً، الموضوع خرج من إيدي وأنا هسيب المستشفى هي اللي تحدد أنتِ مجنونة ولا لأ. كمان موقفك في القضية هيتواله ظابط أمن دولة، لأن أنا مش عارف أقعد معاكي عشر دقايق من غير ما أفكر في قتلك. كل اللي أقدر أقولهولك إنك ورطي نفسك ورطة كبيرة خالص، ويا تصدقي وتدخلي مستشفى المجانين، يا ما تتصدقيش وتدخلي السجن. دار على عقبيه مستعداً للمغادرة، فأوقفته نبرتها المختنقة:
_استنى. التف لها ليسمع ما ستقول باهتمام، ليجدها علقت عينيها على عينه وهتفت بقوة عجيبة: _أنا مش فارق معايا إني أدخل السجن أو مستشفى المجانين، لأن واثقة إني لو همست في سري باسمك هتجيني غصب عنك.
شدت ظهرها للخلف دون أن تحيد نظرتها عنه، بينما هو وقف مشدوداً من ثقتها الكبيرة به التي مستحيل تكون بنيتها كلها على حلم. وبين تشتت عقله وقلبه، شملها بنظرة فاحصة ليرى ما ترتدي، والذي تغافل عنه لفترة، لكن أصبح واضح الآن وضوح الشمس أنها شبه عارية، لذا لجأ لوقاحته المعتادة حتى يحبط عزيمتها قائلاً بوقاحة: _طيب استري نفسك قبل ما تهمسي باسمي، لاحسن أنا مش ببقى ضامن نفسي طول الوقت. شدت الغطاء سريعاً على جسدها وصاحت غاضبة:
_أنت قليل الأدب! اشتدت نبرته وصاح مشدداً: _هطولي لسانك؟ همد إيدي. أجابته أبهرت قلب "مكة" أكثر. تماماً هو "إلياس" الذي عاشت معه من قبل. جاهدت إخفاء شبح ابتسامتها وهدرت وهي تشير له بكبرياء: _اتفضل اخرج. تأملها قليلاً بعيون لامعة، فكررت جملتها بصوت أعلى: _يلا اتفضل امشي. فزفر بغضب وتحرك للخارج. ***
في الجانب الآخر، استقلت "تمار" سيارتها المتجهة نحو بيت والدها ورأسها في مكان بعيد عن هذا الطريق الذي تحفظه عن ظهر قلب، وتتجدد الذكريات بسرعة تماثل سرعة سيارتها. فلاش باك. وقفت في وجه أبيها تستجلب عطفه وهي ترجوه بصوت مبحوح: _يا بابا، أرجوك وافق. أنا وريان بنحب بعض ومش عايزين غير موافقتك. اشتط "رافت" من جرأتها في البوح عن مكنون صدرها وصاح غاضباً: _أنتِ اتجننتي يا تمار؟ إزاي تقولي لي حاجة زي كدا؟ خجلت. هتف
بخجل وهي تنكس رأسها بأسف: _سامحني يا بابا، بس حضرتك مفكر ريان مجرد عريس، فحبيت أوضح. لطم سطح مكتبه بعنف كي يخبرها بحدة: _قولت مش مناسب، يعني مش مناسب. وأي حد تاني هتجوزيه هتحبيه. الحب مش هيخليني أوافق على جوازه. رفعت وجهها إليه وقد ظهر في عينها الواسعة الدموع. تعرف جيداً أنه قرر وصعب أن يرجع في قراره، لكن يكفيها شرف المحاولة لتهدر: _عشان خاطري أنا يا بابا، أنا مش شايفة حد غير ريان. ويا أما توافق على الجواز، يا أما...
هب واقفاً وبخضرة عينه ناراً تنذر باندلاع حرب لن تستطيع "تمار" مواجهتها وحدها. زمجر غاضباً: _أنتِ بتحديني يا تمار؟ أظاهر إنك ما تعرفيش أبوكي كويس. و... قاطع توعده الذي كان سيهدر به دخول أخيها "عدي" الذي سرعان ما احتمت بصدره تمار وراحت تبكي على صدره من فشلها في إقناع والدها. نفخ "عدي" وهو يربت على ظهرها بحنو وهدر موجهاً كلامه لوالده: _أنا مش فاهم، أنت رافض ليه؟ هو في أحسن من ريان مسعود؟
أحسن رائد في أمن الدولة. الراجل سمعته زي الجنيه الدهب، وأنت اللي دخلته بيتنا وكان صاحبك. احتد "رافت" على ابنه وهو يجيبه: _أيوا، فيه أحسن. من أرمل وعنده 40 سنة. صحح معلوماتك، أختك عندها 22 سنة، أكبر منها بـ 13 سنة. فين التكافؤ؟ ولا عشان ضحك على عقلها ولعب بدماغها بخبرته يبقى خلاص أقدمها له أنا على طبق من فضة؟ دي "تمار رأفت الألفي"، لا غبار عليها. حسب ونسب وجمال، ما أرميش أنا جوهرة زي دي في التراب.
قلب "عدي" نظره بملل في المكان، يعرف الموضوع بالكامل، لكنه يؤيد أخته بشدة ويعلم جيداً أنه لا سلطة تعلو سلطة القلب. هتف ليستوضح له ما سيحصده جراء تكبره: _والجوهره اللي بتتكلم عنها دي هتطفى لو فضلت تاخد قرارات مهمة نيابة عنها. سيبها تتجوز اللي بتحبه. هي مش بتحب واحد من الشارع، دا ريان مسعود وأنت تعرفه كويس. زعق والده وهو يقترب منه بخطوات مهرولة: _وأنا رأفت الألفي، وبكلمة مني أشيله من منصبه وأحطه على باب جامع.
نزع "تمار" من بين أحضانه وأمسك بكتفها بقسوة وهو يهدر: _من انهارده ما فيش خروج، ما فيش تليفونات، لحد ما ترجعي لعقلك.
انفجرت في البكاء بهستيريا من قسوته التي لم تعهدها من قبل وفرض رأيه بالقوة. عادت على صوت بوق عالٍ ينبهها قبل أن تصدم بأحد السيارات المارة أمامها. انتبهت سريعاً وأمسكت المقود لتحيد عن السيارة التي في مواجهتها سريعاً، ثم تنفست الصعداء بعدما نجت من تلك الحادث واستمعت بأذنيها لتعليقات سلبية عن سواقة السيدات تجاهلتها جميعاً وأكملت السير. مسحت تلك الدمعة المتمرده التي عادت معها من ذكراها الأليمة.
الموقف كامل كان صعباً على "تمار". فقدانها حضن أبيها يؤرقها حتى هذه اللحظة ومازالت تحاول إرضائه والحصول على مباركته بعدما فشلت في إقناعه. *** في منزل "منار"، رحبت "زينب" بأختها "ماجدة" وشريف و"ورد" شديد الترحيب وجلسوا جميعاً في وسط الشقة. هدرت زينب بفرح: _والله النهاردة فرحتي فرحتين يا ماجدة يا أختي. تهلل وجه أختها تأثراً بما قالت "زينب" وراحت تسألها: _فرحة إيه؟ فرحيني أنا نفسي أفرح.
ونظرت إلى شريف كي تلفت انتباهه. أجابت "زينب" بسعادة: _النهاردة في عريس جاي لمنار وهي موافقة تقابله. تبدل ملامح "شريف" وقاطعها محتداً: _يعني إيه موافقة تقابله؟ التفتت إليه "زينب" وقد تحولت ملامحها للضيق وأجابته محذرة: _أيوا موافقة يا شريف، وممنوع بقى تدخل في الموضوع ده. أنا خلاص تعبت وعايزة أفرح ببنتي. نظرت "ورد" إلى حالة شريف التي بدت على وشك الانفجار وهدرت متهللة: _ألف مبروك يا طنط.
ثم استرسلت بمزاح: مش كان شريف أولى؟ تعرف "زينب" أنها ليست مزحة عابرة. هي تشعر جيداً بما يكنه شريف لابنتها وما تنكره ابنتها ببلاهتها وغبائها. ولكنه آخر شخص تريده أن يتقدم لخطبتها. أجابته بصدق: _شريف يستاهل أحسن من منار مليون مرة. أنا مش عايزة أخسر أختي بسببها. تدخلت "ماجدة" بحنو: _ما حدش يقدر يخسرني اختي حبيبتي حتى لو كان شريف نفسه، وأنتي عارفة كده يا زينب. أجابته الأخرى مسرعة:
_أيوا عارفة، بس منار بنتي مش مضمونة. دماغها ناشفة، اديها سابقة لسانها، ولا بتعرف تلبس زي البنات، ولا تتسهوك، ولا حتى ليها في المطبخ. كان "شريف" يحك ذقنه بتمهل قبل أن يهدر بعصبية: _أنا مش عارف أنتِ ليه بتتكلمي عنها كأنها مش بنتك. سارعت "ورد" بالتغطية على مشاعر أخيه التي تستفضحها تعصبه ظناً منها أن الجميع لا يرى حبه كما يرون الشمس: _اديها لنا إحنا يا طنط، دي منار دي أختي، ما تقلقيش عليها. لوت فمها على
الجانبين بسخط وهي تهدر: _خديها يا أختي، دا اليومين اللي بتروح تباتهم عندك دول بيبقوا أحلى يومين في عمري. يارب بقى تعرف تبات عند جوزها. _معقول وأسيبك يا زينب؟ كان هذا صوت "منار" التي دخلت بينهم. التفت إليها الجميع، فسألتها والدتها بتعجب: _أنتِ جيتي بدري ليه؟ أجابتها وهي تسلم على "ورد" وخالتها: _جيت عشان أسمع التقطيع فيا يا زينبوا. مالت إلى "شريف" الذي لمعت عيناه برؤيتها وهتفت بصوت منخفض:
_عايزينك في مهمة يا سيادة الظابط. ابتسم لها وأجابها وهو يؤكد بعينيه: _ما تقلقيش، اعتبريها تمت. رفعت وجهها عنه وابتسمت باطمئنان. لطالما كان ينقذها من مأزق والدتها. تبادلا النظرات التي تشرح خطة محكمة دون أن تنبث شفاهم بحرف، كلاهما يقرأ ما في عين الآخر وكأن بينهم شيء خرافي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!