الفصل 11 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
18
كلمة
2,684
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

الحادية عشر خرج الياس ومكة مع مسعد لينقلهم إلى أقرب مكان في المدينة، وإقصائهم عن الصحراء. وقفت مكة بزيها الذي لا يظهر سوى وجهها بعدما رفع الياس ما يخفي وجهها عنها، أمام هذا الحيوان الضخم الذي تخشى الاقتراب منه أكثر من هذا، بينما يودع الياس الشيخ أيوب ويشكره على مساعدته لهم، ثم تحرك صوب مكة التي تقف برهبة، قطّب جبهته وهو يسأل: _مالك واقفة كدا ليه؟ التفتت إليه وهي توزع نظراتها بينه وبين الجمل الجالس أمامها،

وأجابته بارتباك: _مفيش. رمقها بجفاء وتحرك من أمامها، لكنها هرولت لتقف في وجهه تسأله: _بقولك هو ما ينفعش ناخدها مشي؟ مال رأسه مستنكرًا سؤالها الذي كرره بدهشة: _مشي ليه مشي؟ أشار نحو الجمل وهو يقول: _ما ده موجود. ظهر الامتعاض على وجهها، وبصعوبة وخجل أفصحت عما يخيفها، وهتفت بطفولة: _ما هو أنا الصراحة مش عايزة أركب البتاع ده. رفع حاجبيه واتسعت ابتسامته المتكلفة وهو يهدر مشيرًا نحوه: _ده اسمه جمل.

هتفت بضيق من حديثه، هي تعرفه لكنها تخشاه، هو لا يفهم هذه النقطة: _ما أنا عارفة إنه جمل، أنا مش عايزة أركبه. مال بأذنه وصاح ساخرًا: _نعم يا أختي، نجيب لك فور باي فور ولا بي إم دبليو، اخلصي. نظرت إليه وهي تلوّي فمها بحزن، وحركت رأسها وهي تغصب نفسها لتقول: _أنا خايفة، مش هقرب منه. هتف بحزم وخرج معدنه الميري الذي تربى عليه: _يلا امشي اركبي، بلاش دلع.

أوشكت على البكاء من عدم تفهمه، هي تخاف كل الحيوانات، ولأول مرة ترى هذا الحيوان الضخم على الحقيقة وتصبح مجبرة على امتطائه، وبين رهبتها من خوض التجربة وبين الياس الشرس الذي تهابه، تقدمت خطوة وتراجعت اثنتين. شعر الياس بما تشعر، تعاطف معها قليلًا بما أنها ليست في مكان يسمح لها بالتعامل مع هذا الشيء يوميًا. قرر التعامل معها بشيء من الرأفة، اقترب منها ونظر إليها ثم نظر نحو الشاب الذي سيخرج معهم والذي بدى جاهزًا، وهتف:

_بصي الراجل واقف بقاله مدة مستنينا، وإحنا كمان محتاجين نرجع عشان تشوفي أهلك تاني. هي كلمة واحدة جعلتها تهدر بتلهف: _أحلف. أجابها وهو يمد يده لأعلى رأسها كي يسحب قطعة القماش كي يخفي وجهها تمامًا: _أومال طبعًا، يلا بقى زي الشاطرة اركبي الناقة دي خلينا نتوكل. كادت تنجرف وراء هدوئه وسياسته التي تخدر الحواس لولا كلمة "ناقة" التي دخلت في المنتصف، أفسدت الأمر، فرفعت جانب فمها وهي تهدر بسخط: _ناقة؟

نفض رأسه وهو يهتف مازحًا دون أن تتحرك له عضلة تثبت مزاحه: _جمل، جمل يا عم الحاج.

مشيت من أمامه متجهة بحذر نحو هذا الحيوان الضخم، وهي تقاوم خوفها بأمل العودة إلى والديها، وقفت وهي تنظر إليه بخوف لم ينقشع بالكامل، تبعها الياس ووقف من خلفها وعينه تحمل نظرات غريبة وكأنه أسد يستعد للافتراس، وبالفعل وضع يده على خصرها ورفعها للأعلى، صرخت عاليًا وهي تركل بقدمها في الهواء لكن هو ركض بها تجاه الجمل ووضعها فوقه، وما إن استقرت على ظهره سكت صراخها وبدأت بالغضب على الياس.

وهي لا تعي ما تقوله، لقد انفجرت بسيل من الشتائم الفظة التي لا تعرف من أين أتت، هي فقط كانت مخزنة في ذاكراتها من كل ما فعله معها على أرض الواقع هادمًا حلمها الجميل: _بارد، يا غلس، يا غدار، يا بومة، يا نكدي، يا مجنون، يا حيوان، يا خاين. كان يعقد حاجبيه بدهشة من سبابها الذي لا داعي له، ما فعله هو مساعدتها حتى وإن كان ضد رغبتها. صرّ على أسنانه مستنكرًا كلمة "خائن" التي نطقتها بجملة السباب، هتف متوعدًا:

_خاين، طيب امسكي نفسك بقى. أمسك لجام الجمل ودفعه للنهوض لتصرخ هي أكثر، استمع لها وحرك رأسه طربًا وشماتة. في منزل ريان دخل إلى شقته وهو ينادي تمار التي ردت عليه فورًا من المطبخ: _أنا هنا حبيبي. تحرك صوب ندائها وابتسامته تسبقه إليها، ليجدها توليه ظهرها مشغولة في تقطيع شيء لم يراه، اتجه نحوها وهو يستكشف: _بتعملي إيه؟ التفتت له وطوقت عنقه باشتياق وهي تقول بابتسامة: _حمد لله على السلامة يا حبيبي.

كان لا يمل من النظر إلى عينيها التي تغمره بالسعادة، وقبل أن ينشغل وينسى اسمه أمام وجهها، هتف صارمًا: _مش أنا قلت لك ممنوع. تحول وجهها المبتسم لتعبيرات طفولية وهتفت ببراءة: _أنا بعمل سلطة بس. لوّح مقاطعًا إياها بتشديد: _ولا أي حاجة، ما تقفيش هنا أصلًا. ابتسمت وهندمت ياقة بذلته وهي تهتف برقة تشبه تفاصيلها: _وإن قلت لك إني نفسي أعملها.

طالعها بشغف وهو يريد حبسها بين أضلعه للأبد، تملك من السحر ما يكفي لإغراء عاشق متيم مثله، أجابه بأنفاس متلاحقة: _إذا كان كدا ما أقدرش أمنعك. نظر في عينها مطولًا وكأنه خرج في رحلة لبلاد العجائب، وبرغم أنه شريد لا يشعر بالغربة، إنه يشعر أنها موطنه وأرضه وكل ما يخشى فقده، تحمحم قبل أن يفقد السيطرة على نفسه وهدر: _هو فين عدي؟ أجابته وهي الأخرى تقاوم انجذابها القوي تجاهه: _جوا بيرتاح.

شعورها بجانبه لا يختلف عن شعوره، هناك عشق بينهم خرافي أقوى من أي شيء. نسيت تمامًا وجود مرام وتركته يستدير عنها ليخرج من المطبخ صوب طريق الغرف. اتجه نحو غرفته في البداية لكنه وجدها فارغة، فاستدار نحو غرفة تمار باحثًا عن عدي، وعندما فتح الغرفة توسعت عيناه وهو يشاهده عاري الصدر ويحتضن فتاة لا يظهر أغلب وجهها بسبب اختبائها في أحضانه، مما دفعه ليصيح مناديًا بقوة: _عدي.

انتفض من مكانه وراح ينظر حوله ليتدارك الأمر بسرعة عندما نظر إلى شماله ووجد مرام بين ذراعيه، رفع رأسه قليلًا ليصطدم بوجه ريان العابس والذي يوحي بحرب شرسة ستقبل عليه. أشار بإصبعه نحو فمه كعلامة للسكوت، وسحب نفسه بهدوء من بين قبضة مرام وتوجه نحوه، ليزمجر ريان بحنق: _بتعمل إيه يا عدي، أنت اتجننت، معقول وصلت لدرجادي؟ دفعه عدي برفق للخارج وأغلق الباب من ورائهم وهتف يرد عليه بحنق مماثل:

_في إيه، في حد يصحي حد كدا، هو أنا عسكري عندك؟ رفع ريان حاجبيه متعجبًا من بروده وهدر بسخرية: _وفي حد يجيب بنات في بيت محترم وأخته في البيت؟ ابتسم عدي ومال عليه قائلًا: _هو أنت مضايق من البنات ولا من وجود تمار، أنا مش فاهمك. صاح به ريان وقد وصل إلى آخر نقطة تحمل: _أنا اللي مش فاهمك، أنت بتعمل إيه جوا ومين البنت دي وإيه أصلًا اللي جابك عندي؟ هدأ عدي تمامًا وهو يستقبل انزعاجه بتفهم وينتظر أكثر، نظر إليه مطولًا

قبل أن يهتف: _دي أخت مكة. هنا رفع ريان يده إلى رأسه التي أوشكت على الانفجار، اسم مكة مؤخرًا سبب دوّي في الأوساط وأصبح يجلب من خلفه مشكلات عديدة، أبسطها تواجد أختها في منزله: _إيه اللي جابها بيتي يا عدي، وإيه الوضع اللي شفتكم فيه ده؟ ظلت تعابير وجه عدي جامدة، لكن عندما هم بالحديث عنها من جديد تبدلت كلها للحزن والألم: _اتعرضت للتحرش في المظاهرة وما لقيتش حد يساعدني غير تمار.

التقط ريان مشاعره بسهولة وكأنه يقرأه كالكتاب، فعدي قبل أن يكون أخو زوجته كان صديقه المقرب لسنوات، استدار عنه وهو يهتف باقتضاب: _أنت السبب على فكرة. أجابه عدي متلهفًا: _أيوه أنا السبب ومش عارف أعمل إيه أريح ضميري بيه. لم يلتفت إليه ودس يده في جيبه حتى لا يظهر تفاعل مشاعره المتعاطفة معه، وهدر بجمود: _تسيبها تمشي يا عدي. وقف بوجهه وهتف راجيًا: _أرجوك يا ريان لو تعرف أي معلومة عن أختها قول، أرجوك ساعدني عشان أريح ضميري.

ضم ريان حاجبيه وأجابه مستنكرًا: _أنت عايزني أطلع معلومات شغلي ليك؟ أردف وهو يخرج يده من جيبه مشيرًا له: _تقدر أنت تخرج معلومات موكل ليك لأي حد؟ طأطأ عدي رأسه بخجل ليستكمل ريان مشددًا: _ما بالك بمعلومة متعلقة بأمن دولة كاملة. هنا رفع رأسه متسائلًا: _وإيه دخل حتة بنت زي دي في أمن الدولة؟ نفخ بضيق من تعنده في براءتها وإشارته أنها ضمن الاختفاء القسري: _ما تسألش يا عدي، ما تسألش. أردف ليطمئنه:

_آه فعلًا مش هنكر إننا في الجهاز بتاعنا في الكويس والوحش، بس المرة دي تحديدًا والبنت دي وقعت في إيدي أنا، وأنا مش هقولك غير كدا. لمعت عينه وهو يهتف من جديد متمنيًا إجابة تشفي صدره: _طيب قولي هي عملت إيه؟ وليه مالهاش قضية ولا باين لها ملف أصلًا؟ احتد من جديد وهو يهدر: _تاني يا عدي، قلت لك ما تسألش. في القسم قبل أن يغادر وقف بجوار إبراهيم قائلًا بعطف: _يا حاج إبراهيم قوم روح، أنا عملت لك محضر وإن شاء الله هتلاقيها.

نفض رأسه وقد طغى الألم على وجهه هادرًا بإصرار وبصوت منهك أجابه: _مش همشي إلا لما ترجع بنتي. مال الضابط إليه وهو يشعر بألمه وبقلة حيلته هتف: _يا حاج روح بيتك، قعدتك هنا مالهاش لازمة. رفض إجابته فحرك الضابط رأسه بيأس من إقناعه فاردف: _طب مش عايز حاجة؟

اكتفى بنفض رأسه مقهورًا عاجزًا، كل الألم يكسو هيئته الحزينة، أسند خلفية رأسه للحائط وأغمض عينه ساعات وهو جالس هذه الجلسة البائسة التي تدمي القلوب، أحاد الضابط رأسه عنه ونادى عاليًا: _شاويش. تقدم الشاويش وقدم التحية قائلًا: _تمام يا أفندم. أمره مشددًا كي لا ينسى: _تجيب له عشاء وبطانية وتاخد بالك عليه للصبح. استجاب الشاويش: _حاضر يا أفندم.

غادر الضابط بعدما شعر بقليل من راحة الضمير لهذا الرجل الذي ظل هنا طوال اليوم في الممر، والآن مضطر لتغيير مناوبته. وصل الياس ومكة في نهاية اليوم أخيرًا إلى أحد الفنادق بالمدينة القريبة. حجز لهم غرفة وصعدا معًا لينال قسطًا من الراحة ثم يتواصل مع القوة لتنقله من هذا المكان، دخل إلى الغرفة وبخير أنه وصل إلى ملاذ ليلقي بجسده الثقيل على الفراش.

كانت مكة تتبعه بصمت، هي الأخرى مرهقة مما عاشته من مدة، وعندما رأته متمددًا أمامها انتابتها رهبة وتجمدت مكانها ثواني حتى أدرك وجودها معه فاستند على ساعديه وتفحصها قليلًا ليتفهم سبب هذا الوجه البارد الذي يراه الآن، رفع حاجبيه وتحولت دهشته لنفسه عندما أدرك أنه تصرف بتلقائية دون حرج منها وكأنها جزء منه أو عاش معها دهر، نهض من الفراش وهتف نافضًا هذه الدهشة بالجمود: _هتستخدمي الحمام ولا أستخدمه أنا؟

ظلت ثابتة وهي تستوعب وجوده معها بنفس الغرفة، فسألته بنبرة مرتبكة: _هو أنت هتفضل هنا؟ رفع أحد حاجبيه وسأل بغير فهم: _يعني إيه هفضل هنا؟ هدرت على استحياء وهي تخشى أن تنظر في عينه: _أقصد هتبات هنا. جمد عضلات وجهه وأجاب بتبلد: _أيوه هبات هنا، أومال هبات فين؟ اتسعت عيناها على الفور وتراجعت للخلف وهي تزعق برعب: _وأنا أبات فين؟

نهض من مكانه فتراجعت خوفًا في هذه الغرفة التي تحيي مشاعر غريبة وتضيق الخناق على عقلها ليترك زمام الأمور لقلبها المتهور، أمسكت المقبض لتخرج منها تمامًا لكن يده كانت فوق يدها، انتفضت فور شعورها بأنفاسه تمر من جانب كتفها واقترابه الوشيك. همس بصوت يزحف ببطء كالثعبان: _رايحة فين؟ تعالت أنفاسها تضامنًا مع ضربات قلبها المتسارعة وهتفت بنبرة متخبطة من اقترابه الخطر الذي يربك كل حواسها: _مش هقعد معاك في نفس الأوضة.

بعثر أنفاسه على بشرتها فأغمضت عينها، يلعب بسهولة على أوتارها ويجعلها تلعن حظها العاثر في وقوعها في يده، ليهدر وهو يشحن نبرته بمكر شديد: _أنتِ وقعتِ نفسك في إيدي. شدد على قبضته فوق يدها وأردف بغلظة: _ومش هتخرجي أبدًا من إيدي. كلماته وخزت قلبها بشدة فانكمشت على نفسها وهتفت وهي ترتجف، لكن كان يجب عليها أن تحسم الأمر وتدفعه بعيدًا عنها قبل أن تنهار، سحبت يدها من أسفل يده والتفتت له: _أنا مستحيل أقعد معاك في أوضة واحدة.

أسند يده على الباب من خلفها وهدر بتحدي: _المستحيل إنك تخرجي من هنا. حاولت الفرار من أمامه فوجوده أمامها يقتنص قلبها عنوة، لكنه وضع يده الأخرى في الجانب الآخر ليحتجزها بالمنتصف، زاغ بصرها إلى جانبيها وما عادت كلمة تصف كم الهلع الذي انتابها. انبثق جانب فمه عن ابتسامة ماكرة عندما رأى حجم سيطرته على انفعالها وحدتها، ثم أخفى ابتسامته ببراعة ونظر في عينها بتحدي وأردف بتحكم:

_أنتِ مقبوض عليكي، ومن الساعة دي لو فكرتِ تعدي من باب الأوضة دي هكتفك. اقترب منها ليغلق الباب من خلفها ويسحب المفتاح منها ولوّح به أمام عينها قائلًا: _ما تحاوليش، أنتِ وقعتِ ولا حد سمى عليكي خلاص. اختفت كل مشاعرها وبقي الخوف مسيطرًا على كل حواسها، تناقلت عينها بين عينيه الحادة والتي مهما بلغت روعتها هي الآن كالسيف اللامع الذي يذبح دون قطرة دم، ارتجفت مما ينوي بعدما حشرت معه في غرفة واحدة.

دارت بمقلتيها في الأرجاء تبحث عن مهرب منه، التقطت عيناها باب آخر وعلى ما يبدو أنه الحمام، لم تترك لنفسها فرصة وسارعت بالهرب تجاهه. في منزل ريان اجتمع كل من عدي وريان وتمار على طاولة العشاء، لا أحد يأكل والصمت يعم المكان، ثلاثتهم في توتر يحمل وجههم نفس التعبير، ما عدا تمار التي انسلخت من هذه الحالة لتهدر بهما، قلبت عينيها بينهم متسائلة: _هتفضلوا ساكتين كدا كتير؟ عندئذ هب عدي من جلسته هاتفًا بضيق:

_الكلام مالوش لازمة أصلًا. كوّر ريان قبضته ودون أن يحيد نظره عن الفراغ الذي أمامه صاح بغضب مكتوم: _اقعد يا عدي. استمر عدي في تحديه ومال بجسده مستندًا على الطاولة ليهتف مشددًا: _مش هقعد يا ريان باشا، أنا هدخل آخد البنت المسكينة دي من هنا ومش هتشوف وشي تاني. كانت تمار تشعر بأن حريق هائل على وشك الاندلاع بينهم، هدرت بحنق من مشادتهم المخيفة والتي تفزعها دومًا في بدايتها لكنها في النهاية تصبح كحفنة من

الرماد تتطاير مع الهواء: _جرى إيه، اهدوا شوية، مش طريقة نقاش دي. رفع ريان رأسه إليها وهو يرد منفعلًا: _المفروض أتناقش في إيه، في أسرار دولة وجهاز أمني على العشاء؟ ضيق عدي عينه وازداد انفعاله من عدم المساعدة وعدم وجود أي مشاعر أو تعاطف تجاه الفتاتين اللتين دمرت حياتهما بين ليلة وضحاها، نفض رأسه بيأس ليخبره أنه فقد أمله من إحياء ولو حتى ذرة شفقة منه:

_ما فيش فايدة، حتى لو قلت لك هات حق المسكينة اللي جوه، القانون عندك أعمى، حفظه صم، لكن ما بتشوفش أنت بتطبقه على مين حتى لو كان أضعف خلق الله؟ انتفض ريان من مكانه بعدما لطم الطاولة ووقف بوجهه محاولًا السيطرة على ضيقه من استفزازه المستمر، جزّ على أسنانه وهو يقول:

_مليون مرة أقول لك أنت امتهنت المهنة دي عشان تطبق القانون مش تقف ضده، وبلاش تعاديني أنا لحد اللحظة دي عايز أساعدك لكن أنت مش عايز تساعد نفسك، اخرج برا المشاكل وبلاش بطولة الشارع اللي مش هيجيلك من وراها غير وجع الدماغ معايا ومع أبوك. وقفت تمار بينهما وهي تضع يدها في جانبها، لا حيلة لها بين ذئبين يتقاتلان. _أنت عمرك ما استخدمت ضميرك يا ريان، البنت اللي جوه دي كان ممكن تمار كانت تكون مكانـ...

لم يسمح له ريان بإتمام جملته وصرّ على أسنانه وهو يرمقه محذرًا من إتمام جملته، امتثل عدي سريعًا لتحذيره الذي التقطه سريعًا ليصيح ريان بشراسة: _البنت دي لو ما كنتش أنت نزلتها الشارع ووقفتها في مظاهرة عمرها ما كان هيحصل لها كدا، أنت السبب يا عدي، خليك فاكر إنك أنت السبب مش الحكومة، وأختها لو ما كانتش اتهورت ودخلت عش الدبابير ما كانش حد مس شعرة منها. غباء منها إنها عملت كدا، والقانون مش بيحمي الأغبياء.

وقف عدي قليلًا صامتًا بأسف على جملته الأخيرة ثم فتح ذراعيه قائلًا: _أنا بحمي الأغبياء. كانت ملحمة درامية بين ضابط مخابرات مخضرم وبين محامي اعتاد كسر القوانين. تحرك من مواجهته دون أن ينتظر لكن ريان أمسك ساعده ليهتف باللين: _أنا ممكن أمسك المتحرشين دول وأحكمهم بشرط موضوع مكة ده ما يتفتحش تاني، على الأقل في الوقت ده. قد تملك السأم من عدي مما جعله ينهي الحوار بـ: _الموضوع ده في إيد مرام مش إيدي. في القسم

دخل خالد الضابط المناوب لهذا القسم والذي عرف بقسوته وعدم تهاونه أبدًا مع أي خطأ ولا يفلت من أسفل يده شيء، تقدم في الممر يستقبل التحية العسكرية من كل الموجودين والتي كانت تبعث في نفسه فخرًا لا يستطيع تجاهله، لاحظ قبل أن يدخل إلى مكتبه ذلك الشيخ الذي يجلس متلفعًا ببطانية رمادية اللون وبجواره لفافة من الطعام، وقف بوجهه يتأمل هيئته غير الغريبة عنه محاولًا التذكر أي تفاصيل عنه لكن ذكرياته كانت مزدحمة للغاية بشتى أشكال المجرمين.

نادى إلى الشاويش: _سلامة. ليستيقظ إبراهيم على صوته العالي، سأله وهو لا يحيد بصره عنه: _مين ده؟ وقاعد هنا ليه؟ أجابه الشاويش سلامة وهو يرتعب خوفًا من ردة فعله فقاسي المشاعر لن يرحم صغيرًا كان أو كبيرًا. حاول أن يستعطفه بنبرته الحزينة: _ده الشيخ إبراهيم السباعي، بناته الاتنين مختفين وعامل بلاغ وحالته زي ما أنت شايف. حاول أن يرقق مشاعره تجاهه لكن صاح الآخر بشدة: _مش عمل البلاغ قاعد هنا ليه؟ أجاب إبراهيم نيابة عنه:

_أنا مش ماشي من هنا إلا لما بناتي ترجع لي، إن شاء الله أتحبس مكانهم. ضم خالد حاجبيه وسأله مستنكرًا: _ومين قالك إنهم محبوسين عندنا؟ هدر متحسرًا وقد شارف الشيخ على البكاء: _أومال هيكونوا راحوا فين، أنتم بقالكم مدة بتيجوا تقبضوا عليا وعشان حالتي الصحية بتسيبوني، وفي الآخر بنتي راحت الشغل بتاعها واختفت، والتانية نزلت تدور عليها ما رجعتش.

ضيق الآخر عينه وهدر بشر متجاهلًا حديثه عن بناته فقد تذكره جيدًا أنه المتهم في قضية الإخوان والمطلوب دومًا: _يعني أنت جيت بنفسك عشان تسلم نفسك. نهض إبراهيم من مكانه فحاول الشاويش الذي كان يقف ويستمع إلى الحوار بصمت الإشارة له بعلامة النفي خلسة حتى لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، لكن إبراهيم لا يكترث، أراد الاطمئنان على بناته حتى لو كان الثمن روحه: _أعمل اللي أنت عايزه بس رجع لي بناتي.

هنا صاح بنبرة شيطانية وكأنه يشتاق إلى رائحة الدماء التي تجري في عروقه بهوس غير طبيعي: _وديه على غرفة الضيافة. كانت كلمته المقتضبة تخبر هذا الشاويش بأن تلك الليلة ستكون أحلك ليالي الشيخ إبراهيم التي سيعيشها في حياته، بعدما أمر خالد بذلك كان عليه الامتثال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...