كان صراخ إبراهيم يملا القسم. لقد بدأ الظابط يتسلى به ويلعب به بجنون دون مراعاة لسنّه الكبير أو سبب وجوده. في كل مكان، هناك سيء وجيد، بل وفي كل إنسان أيضًا. هذان الخياران. ما إن استمع الظابط لـ تهمته التي باتت مؤخرًا تشكل تهديدًا أمنيًا، بدأ بممارساته الغاشمة وكأنه أمسك به متظاهرًا بقلب نظام الحكم. هرول بعض العساكر الموجودين في نوبة الحراسة يتساءلون بقلق عن سبب هذا الصراخ القادم من أحد الزنزانات. يسأل أحدهم الشاويش:
_فيه إيه يا شاويش؟ أجابهم سلامه بأسف من عجزه أمام تصميم الظابط خالد بتعذيبه: _دا الشيخ إبراهيم السباعي. الظابط خالد بيعذبه. جحظت عيون من بقى في قلوبهم الرحمة، هادرين: _دا ممكن يموت في إيده. وتدخل الآخر متعجبًا من بطش هذا الظابط صغير السن أهوج التصرفات: _الراجل ما عملش حاجة. دا جاي يبلغ عن اختفاء بناته. هتف سلامه أسفًا: _عمل ولا ما عملش، الظابط مش هيرحمه.
سكت الجميع بعجز عن إنقاذه، ولكن بقي صوت الشيخ يعلو في الأرجاء بألم يدمي القلوب. ليست كل القلوب متشابهة. هناك من يعتلي السلطة دون عقل وقلب أو حتى رحمة. *** في الفندق. طرق إلياس باب الحمام عدة مرات دون أن يتلقى ردًا من مكة التي اختفت بالداخل لمدة طويلة. ليزيد من قوة ضرباته ويزعق بقوة: _افتحي بدل ما أكسر الباب. كادت أن تدخل في نوبة بكاء من كثرة الضغط على أعصابها. أين تفر من حصاره والرعب الذي يبثه فيها باستمرار؟
استجمعت شجاعتها وتحركت صوب الباب لتفتحه بنفسها قبل أن يقتحم عليها المكان. أخذت شهيقًا مطولًا حتى تهدأ وزفرت بتمهل وهي تدير المقبض الخاص بالباب بينها وبينه. لكن عندما وجدته في مقابلها من جديد، عينه تخترقها بحدة كالرصاصة الصلبة. ارتجفت لا إراديًا. وانهال عليها هو صائحًا بحدة: _كويس إنك خرجتي لوحدك. ونصيحة صغيرة مني اسمعي كلامي عشان تقضي يومين لطف معايا.
لم تعرف كيف أشارت له بالإيماء، لكن أمام بريق عينه الشرس لم يسعها سوى الاستجابة لكل ما يقول حتى تنجو من هلاكه الذي يقفز من عينيه. تجاوزته بحذر دون أن يتزحزح. كل ما ترجوه هو أن لا تلمسه. ولكنه لم يحيد نظره عنها وكأنه يلتهمها قطعة قطعة.
أخيرًا ابتعدت عنه وهرولت نحو الفراش. ليصفع الباب من خلفه ويختفي أخيرًا عن ناظرها. جاهدت تنظيم أنفاسها بعد هذا الإضراب المميت الذي عايشته مع هذا الأسد المتوحش. إن وجوده وحدته يلهيها تمامًا عما سيحدث لها في المستقبل أو حتى التركيز في أسرتها التي بالتأكيد في حالة سيئة. لكن تلاحق الأحداث وتضارب مشاعرها في وجوده جعلتها تغفل عن الاهتمام بشؤون أي شخص آخر. سمعت صوت المياه المنهمر من الداخل، فزفرت بشجن وهي تهمس برجاء:
_يارب خلصني منه. الدعاء بهذا لم يكن سهلًا. صارعت قلبها الذي امتلأ عشقًا بهذا الرجل وكل المشكلات التي أتت من خلفه تجرها نحو نسيانه من أجل سلامتها. فما الحيلة بين قلب أعمى وعقل حذر؟ *** في شقة ريان. دخل عدي بعدما نقر عدة نقرات على باب الغرفة التي تقطن بها مرام. وقعت عيناه الفيروزيه على هيئتها المأساوية، فاظلمت فجأة من حالتها. تضم ساقيها إلى صدرها وتنهمر في بكاء مرير دون صوت. عيناها تنظر للفراغ. دنا منها وناداها بأسف:
_آنسة مرام، من فضلك ممكن أتكلم معاكي؟ كانت تشعر بالألم في قلبها من شدة ما وقع عليها من انتهاك. تجاهلت كلامه برغم أنها سمعته ورفضت النظر صوبه وهي تهتف بنبرة متقطعة وكأن روحها تخرج لبعض الكلمات: _أنا عايزة أروح بيتنا. اخفض رأسه عنها يشعر بكل شعور يجول في صدرها. يعلم ما تكبده في قلبها، لكنها لم تسمح له بالتخفيف عنها ولو بجزء بسيط. وكيف سيخفف عنها هذا الأمر وبأي عين سيرثي حالتها؟ وجد نفسه ينطق دون إرادة بـ:
_حاضر، هعملك اللي انتي عايزاه. همم من مكانه. فليس لمواجهة أمامها جدوى سوى أن قلبه يتمزق لآلاف المرات لرؤيتها في هذه الحالة. وقبل أن يغادر سمعها تهتف بحرج: _من فضلك عايزة لبس وحجاب. لم تستطع منع نفسها من الانفجار في البكاء وهي تسترسل: _مش عايزة أدخل بيتنا كده. التف مهرولًا نحوها ليرفع يده محاولًا التربيت على كتفها وهو يقول: _اهدى. لكنها صرخت بالهلع: _ابعد ما تلمسنيش. ما تلمسنيش.
ابتعد فورًا من جوارها وأشهر يديه في وجهها محاولًا تهدئتها: _خلاص، خلاص. لكنها لم تكف وصوت صراخها وصل إلى مسامع ريان وتمار، اللذان هرول نحو الغرفة وصوت كلماتها يكاد يصيبهم بالذهول. نظر ريان بشك واتهام لعدي، لكنه لوى عنقه هادرًا: _ما جتش جنبها والله. سارعت تمار باحتضانها بتفهم أن حالتها النفسية سيئة وتحتاج لوقت طويل حتى تنسى هذه الحادثة. بصعوبة انصاعت إلى ضمها وهدئتها الناعمة وتوالت شهقاتها المتقطعة.
زم ريان فمه بضيق وهو يوجه ضيقه تجاه عدي هادرًا: _عاجبك كده؟ ربنا يسامحك على اللي عملته ده. صاح عدي غاضبًا: _ما هو لو كنت ساعدتني من الأول ما كانش الموضوع وصل لكده. وقبل أن يندفع ريان في الرد عليه، قاطعته تمار بصوت حازم: _من فضلكم اخرجوا برا.
التف عدي غاضبًا، لكنه لم يخرج من الغرفة فحسب، بل خرج من الشقة بأكملها. كان صعبًا عليه أن يراها تتألم بهذا الشكل حتى وإن كان لا يعرفها. فكرة أن شخصًا يتعذب بسببه يرفضها تمامًا وتجلد ضميره. *** في شقة منار وشريف. وضع لها الطعام على الطاولة. فمدت يده تناوله بشراهة. ظل واقفًا ينظر لها غير مصدق أنها الليلة كتبت على اسمه وستنام في بيته. حلم حياته. مع كل فعل تصدره يبتسم لا إراديًا. يتابعها بمشاعر حنونة كأب يتابع طفلته بشغف.
هتفت وهي تتعجب من نظراته: _ما تقعد تاكل. أجابها مازحًا وهو يسحب كرسيًا ليجاورها: _هو انتي هتسبيلى حاجة؟ ممكن تاكليني. استمرت في تناول الطعام دون حرج وقالت بتذمر: _جعانة. حرك رأسه وهو يحافظ على ابتسامته الفرحة بوجودها وجنونها: _كلي بالهنا والشفاء. ابتلعت ما في فمها وقد شعرت بالامتلاء بقدر كافٍ واستعدت لمحاكته: _شكراً أوي على اللي عملته معايا لحد دلوقتي يا شريف.
تشعل برقتها قلبه ولا تدري أن كل ما يخرج من شفتيها يذيبه أكثر عشقًا فيها. هو الصارم القوي أمام العالم، يصبح بهذه الهشاشة أمامها. عقد ساعديه على الطاولة ليجيبها بجدية: _ما فيش داعي تشكريني بالكلام. اشكريني بالأفعال. ضمت حاجبيها بعدم فهم وهي تشعر بالغباء يتصبب عليها أمام لهجته الغريبة متسائلة: _إزاي؟ هم بالتوضيح أملًا فهمه. يعرف أنه صعب جدًا ترويض تلك النمرة المتمردة، لكن لعل حديثه الآن يجدي نفعًا:
_أنا بقيت جوزك. الكلمة دي ليها احترامها. شعرت ببرودة سرت في أوصالها من ذكرى هذه الكلمة الغريبة على مسامعها. تململت في جلستها بغير ارتياح وهي تكاد أن تنهره، لكنه أسرع بتوضيح مغزاه: _أي قرار آخذه لازم يتنفذ واللي أشوفه صح يبقى هو الصح. بلاش منطحة معايا ونقاشات طويلة بدون فايدة. كادت أن تعترض، لكنها أومأت بقبول وهي تهدر بـ: _مش مهم، أهي فترة وتعدي. اتسعت عينه وتحفزت خلاياه متسائلاً بدهشة: _هي فترة إيه اللي تعدي؟
أجابته وهي ترفع كتفيها دون اكتراث: _أخلص كليتي ونتطلق. كتم أنفاسه وعض شفته السفلية وأبعد وجهه عنها مسيطرًا غضبه وضيق من هذه الكلمة التي لم يضعها أبدًا في الحسبان، وإن كان صعب سماعها في ليلتهم الأولى في الزفاف. الجاهلة لا تعلم أنه يعشقها وهذه الكلمة تفتته بعدما حصل بشق الأنفس على اسمها بجوار اسمه. لطم الطاولة أمامه وهو ينهض هادرًا بحنق من أسلوبها المستفز: _وحتى دي مش بمزاجك. وقبل أن تجيبه، أردف مقاطعًا بسبابته محذرًا:
_منار، ادخلي نامي. التف عنها ليركل كل ما قابله في وجهه، بينما هي نفخت بضيق بعدما أُد المناقشة بينهم قبل بدئها. ومطت شفتيها بضيق وهي تهتف: _هو الجواز ده هينكّد علينا ولا إيه؟ حصلك إيه يا شريف بس؟ أنت طول عمرك بتفهمني. *** إلياس ومكة.
خرج من الحمام يجفف شعره بالمنشفة. لا يستر جسده سوى بمنشفة حول خصره وأخرى على كتفيه، تاركًا عضلات بطنه السداسية ظاهرة بشكل مخجل. لكن مكة كانت تختفي تحت الغطاء حتى وجهها. لم يحرك عينه عنها محاولًا اكتشاف حالتها الآن، لكن هذا كان صعبًا جدًا. ألقى ملابسه جانبًا.
بينما هي تكاد تختنق من كتم أنفاسها في محاولة بائسة للهرب منه ولو لساعة واحدة. شعرت بحبيبات العرق تخرج من جبهتها وتنتشر على كامل وجهها. تسمع حفيف خطواته في الغرفة، لكنها تخشى رفع الغطاء عن رأسها ومواجهته. نبضات قلبها في تسارع مهلك ويزداد شعورها بالاختناق بعدما حصرت الأوكسجين تحت الغطاء. ثوانٍ وشعرت بثقل جسده يرتمي على نفس الفراش بالقرب منها. فقزت على الفور من مكانها وهي تصرخ بالهلع: _أيــــــــــه!
قفز هو الآخر بفزع من تصرفها المفاجئ. وقف في الجهة الأخرى وبقيت المساحة الفاصلة بينهم هي الفراش. فسأل بتعجب وضيق من فعلتها: _فيه إيه؟
كانت تفتح فمها وعينها تنظر إليه بذهول رؤيته بهذا الشكل. ألجمت فاها. لم تجبه، لكن وجهها الذي انفجرت به الحمرة مع حبيبات العرق التي ملأت وجهها أخبرته بما لم تقله. لكن من جانبه هو، كاد يسيل لعابه من مظهرها. تشبه ثمرة التفاح التي سقطت عليها قطرات الندى. تبدو شهية لدرجة الجنون. لم يحدث له من قبل أن فقد السيطرة إلى هذه الدرجة. لو المساحة الفاصلة بينهم لكان نجح الشيطان في إغوائه. لكنها صرخت لتخرجه من كل هذا:
_أنت مجنون ولا إيه؟ تهجم وجهه من سبابها وطار كل ما في عقله. وصاح محذرًا: _اعقلي بدل ما أوريكِ الجنان على أصوله. ترجعت للخلف وهي تحاول أن تبدو في كامل شجاعتها، لكن لن تتهاون أبدًا في زجره إن لزم الأمر: _الجنان إنك تقعد معايا بالشكل ده وكمان عايز تنام جنبي. جعد جبهته ساخرًا: _اومال أنام فين إن شاء الله؟ في طرقة الفندق ولا في الحمام؟ علا صوتها في وجهه بغضب من قلة ذوقه ورمقته بحنق: _ما ليش دعوة. أنت المفروض تتصرف لنفسك.
وقعت عينها دون قصد على جسده لتشهق بفزع لرؤية نفس العلامة أو الإصابة التي أخبرته عنها من قبل. لاحظ هو ذلك وأجفل بضيق لكشف صدقها لها. دارت حول نفسها وهي تضغط على رأسها بقوة من فرط تخبطها. ما يحدث غير طبيعي بالمرة. اعتادت منذ الصغر أن ترى كل شيء في منامها ويتحقق، إلا هذا الحلم الذي قلب حياتها رأسًا على عقب ولا تعرف له تفسيرًا. من أين هو متزوج ومن أين كان زوجها وحب عمرها في الحلم كان له نصيب من هذه الحيرة.
يخفي دهشته من الأمر برمته، يخفي انجذابه غير الطبيعي إليها وسط قسوته ومعاملتها كمجرمة تستحق العقاب. استدار عنها ليسحب قميصه وهم بارتدائه. تابعته خلسة. إنه هو بكامل تفاصيله، الرجل الذي عشقته في أحلامها، لكن في الحقيقة كل طباعه مختلفة. انتهى من ارتدائه وترك أزراره مفتوحة لا يريد أن يخفي شيئًا، لكنه يشعر بالبرودة من نظرتها. جلس على طرف الفراش مكتفيًا بالسؤال دون مشاعر: _هتيجي تنامي؟
_لاء. أجابته بشدة وتحركت صوب الكرسي المجاور للشرفة وجلست ترفع قدمها عن الأرض. في هذه اللحظة سمعت صوت القماش ينسلخ عن جسده بعنف ومن بعدها حفيف الغطاء يدثره ولا يخلو الصمت من زفراته الحانقة. الأمر غريب وكأن بينهم شيء غير طبيعي، شيء فعلاً خرافي. ***
عاد عدي إلى منزل ريان وبيده ملابس تليق بمكة المحجبة. يعرف أن أخته غير محجبة ويستحيل وجود حجاب في منزلها. قدم الملابس بصمت إلى ريان الذي استقبله بهدوء ودار على عقبيه ليناوله لتمار التي لم تفارقه من ساعة. دقائق معدودة وخرجت لهم تمار تهتف بجدية لعدي: _عدي، البنت دي لازم تروح لدكتور نفسي. حالتها صعبة جدًا ونفسيًا مدمرة. زفر ريان بضيق، لكنه آثر السكوت. فهدر عدي يطمئن أخته بلطف:
_إن شاء الله هعمل اللازم. مش هسيبها إلا لما تكون كويسة.
ساد الصمت بينهم. الموقف إنساني بحت حتى الكلام عنه صعب. دقائق أخرى مرت ببطء وخرجت مرام تطأطأ رأسها بخزي جلي وهي تشعر بأنها في ثوب غير الذي خرجت به. تشعر بأنهم نالوا من روحها لا جسدها فقط. خطواتها كانت ثقيلة وهي لا تعرف كيف ستكذب على والدتها وتخبرها أنها بخير بينما كل ما بداخلها مفتت وأنفاسها تضيق وكأنها في سكرة من سكرات الموت. لا تشعر بالحزن فحسب، بل تشعر بأن العالم من حولها ساكن لا يميزه لون ولا رائحة ولا طعم. كل شيء خانق كمشنقة معلقة تفوح منها رائحة الأموات.
تقدمت ونبض قلبها ينخفض تدريجيًا في خطواتها. كان شعور عدي مختلفًا، كأنه يرى هالة من نور لا يليق بها الحزن. تصنمت عيناه دون إرادة متعجبًا من كتلة النقاء التي تشبه ندى الورد في الصباح. ازداد تألمًا مما حدث لها وأنب نفسه أنه أنزل تلك الجوهرة المكنونة وسط وحل الشارع. فمثلها لابد أن يشاد لها برج لا يصعده إلا الطيبون.
وقفت أمامه وكلا من تمار وريان يتبادلان النظرات المتعجبة من نظرات عدي الغريبة وكأنه لاول مرة يراها. ازدرد ريقه وأحاد نظره عنها وهدر بحرج منها وهو يدير ظهره إليها: _اتفضلي عشان أروحك.
خطت من ورائه بهدوء ولسانها يرفض الكلام. خرجت من الشقة وتبعت خطواته دون أي كلام واستقلت سيارته وانطلق. طوال الطريق وهي تشعر أن كل الناس موتى يترحون لا يمشون. تشويش تام كان على عقلها. لا تأمن أي شخص. حتى هذا الطفل الذي نقر على زجاج الشباك في أحد إشارات المرور من جهة عدي. فتح إليه، فاندفع الطفل بالدعاء مقدماً إليه بضعة وردات قائلاً: _إلهي تتجوزوا يا باشا. خد مني وردة واديها. يارب تتجوزوا.
سكت عدي أمام ثرثرته التي لا معنى لها ونظر باتجاه مرام التي بادلته النظر ببرود وكأنها لا تشعر بشيء. استدار عنها ودس يده في جيبه ليكور بعض الورقات النقدية في يد هذا الصغير حتى يختفي. لكن الصغير لم يتوقف واستمر قائلاً: _الله يخليكم لبعض ويهنيكم ويرزقك يا باشا باشا. خد مني وردة صالحها بيها.
كلماته العفوية أصابت عدي في مقتل. هناك أشياء لن تصلحها وردة أو هدية. هناك جروح لن تشفى بكل ورود العالم. وقبل أن يضغط عدي زر إغلاق زجاج النافذة، ألقى الوردات داخل سيارته وركض.
بدأ عدي متوترًا من وجود الورد داخل سيارته، شاعرًا بالسخرية التامة من وجود فتاة وورد في سيارته. لا هي بحبيبته ولا الورد أهلاً له. هذه الحالة العاطفية لم تلق بهما أبدًا. لذا ألقاه بإهمال في الكرسي الخلفي وانطلق يكمل مسيرته عندما أضاءت الإشارة باللون الأخضر. *** في شقة إبراهيم السباعي.
كاد الجنون يصيب خديجة وهي تدور حول نفسها في الشقة بهاتفها تحاول الاتصال بإبراهيم أو بمرام، لكن لا فائدة. الهاتف مغلق وكأنه أسفل الأرضين السبع. صاحت بغيظ: _لا حول ولا قوة إلا بالله. راحوا كلهم فجأة مع بعض. يارب. جلست في منتصف المنزل وقد غلبها التعب، لكن لم ينال منها اليأس. زفرت أنفاسها الغاضبة وراحت تردد كي تطمئن: _"فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
(83) سورة يوسف". قالتها بيقين وهي تتمنى جمع شمل عائلتها من جديد. وكما قال الله في الحديث القدسي: "إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر". بعد مدة قصيرة استمعت إلى طرقات الباب الهادئة فهرولت نحوه. وكان أجمل ما سمعت هذا اليوم، اليوم الذي مر صامتًا خاليًا من أي طرقات تشير عن عودة أحد ليثلج قلبها الملتاع. فتحت بسرعة لتجد مرام أمامها ومن خلفها شاب يافع. لم تكترث مؤقتًا بوجوده وتلقتها
في أحضانها وهي تقول: _كنتي فين كل دا يا مرام؟ قلبي كان هيوقف. دون أن تلاحظ أعينها المتورمة من البكاء وملابسها المتبدلة غير التي ارتدتها صباحًا. اندفعت مرام كالملسوعة من أحضانها. خشيت الانهيار في أحضانها وهتفت بتوتر: _ما انتي عارفة. أنا كنت في مظاهرة والموبايل فصل شحن. ابتعدت قليلًا وهي تشير نحو عدي لتعرفه قائلة: _الأستاذ عدي المحامي اللي كنت قولتلك عليه اللي بيساعدني عشان ألاقي مكة. حركت خديجة رأسها
بهدوء وهتفت بترحاب خجل: _أهلاً وسهلًا يا ابني. كان بودي أقولك اتفضل، لكن... طأطأت رأسها لتسترسل بحزن: _أبو مرام مش موجود. نزل يدور على البنات. كان عدي يشعر تجاه هذه الأسرة بالشفقة المبالغ فيها، متفهمًا شعور هذا الأب الشيخ الذي انقلبت حياته رأسًا على عقب وفقد ابنته والآخرى كانت على وشك الضياع. وتجلت شهامته في مساعدتهم كي يشفي صدره ويسكن تأنيب ضميره على ما حدث. فسألها: _وهيكون راح فين؟ نابت مرام عنها بالإجابة
وهي توشك على الانهيار: _القسم أكيد. نزل قسم المنطقة. هما اللي بيجو يسألوا عنه باستمرار. هتف مطمئنًا بعدما نوى بدء رحلته التي كتبت من نصيبه في مساعدتهم: _أنا هنزل أشوفه. ويا ريت يا آنسة مرام ترتاحي وحاولي ما تخرجيش فترة. لو احتاجتوا حاجة كلموني. شكرته خديجة بامتنان لوقفته بجوارهم: _ربنا يبارك فيك يا ابني ويسترها معاك دنيا وآخرة. أنا مش عارفة أودي جمايلك فين. فأجابه باقتضاب: _على إيه؟
دي خدمة إنسانية. إن شاء الله تيجي بفائدة. *** في شقة شريف.
كانت الليلة مختلفة على كلاهما. رغم أن كلاهما استقل غرفة خاصة به، لكن اللوعة الأكبر كانت من نصيب شريف. العاشق الخفي لتلك الجاهلة التي تظنه أخًا وترفض عقلها الخنوع. هذه الليلة تبيت محبوبته وطفلته التي ربّاها على يده، أخته وصديقته وأخيرًا زوجته تحت سقف منزله. لكن بينهم من العوائق. أولها أنه يخشى الاعتراف بالحب فيخسرها تمامًا. ثانيها أنه يشتعل لمجرد معاملته له كأخ وهو يطمع في ود وكلمة لطيفة مقابل كل هذا العشق الموجه لها.
دار في فراشه عدة دورات كي يهدأ أفكاره، لكن لا فائدة. بات جلب النوم أصعب من انطفاء الشمس. أخيرًا ارتمى على ظهره وهو يزفر بضيق ولوعة قائلًا: _آآه يا منار...
من جانبها هي، بالنسبة لها كان يوم طويل شاق لم تعهده من قبل. فهي لاول مرة تشعر بأنها فتاة وتتزين وترتدي فستانًا منفوش. هذه الأشياء كانت محرمة عليها. لكن ما عذبها شعور مختلف لم يدركه أحد. أنها في هذه الليلة افتقدت والدها. لقد اختفى من زمن وشعور افتقادها إليه لم يختفِ. كرهت كل الرجال بسببه. فقدت الثقة بنفسها. أصبحت لا ترى أي رجل كرجل. انطوت على نفسها. فما عاد لها صديق أو حتى حبيب. مراهقة كبرت على أنها هي رجل نفسها. لكن
هذا اليوم كان أكبر اختبار لهشاشتها عندما وقفت تنظر إلى باب القاعة منتظرة وصوله. تعتقد أنه سيظهر وسترتمي بأحضان. ثمة شعور حانق يتملك منها. تكره وتود لكمه في صدره وتسأله لما تركها وترتمي من بعدها في أحضانه وتجش بالبكاء. مهما كرهته، فهي دومًا تحتاجه.
حررت قدمها من بين يديها وتمددت على الفراش مستسلمة إلى النوم، لعل يأخذها بعيدًا عن كل صراعاتها النفسية ووحشتها المظلمة. *** في الفندق.
نامت مكة بعد هذا اليوم الطويل الذي عانت منه بشتى الطرق النفسية والجسدية. لكن قرينها المتواجد معها في نفس الغرفة لم ينم. نهض عندما استمع إلى علو أنفاسها الذي يدل على أنها غاصت في نوم عميق. وقف بجوارها يتأملها جيدًا وقلبه يدق بعنف وكأنه وجد ضالته. لكن مستحيل أن يعشقها. هي آفة سامة ستدمر تاريخه بالكامل. وجال في عقله ماذا يفعل بها وكيف يقضي على فضوله تجاهها وأي طريقة يتبعها معها. أن يخرجها من حياتها ويغلق ملفها للأبد، أو يسجنها لتقضي حياتها تتألم تحت نظره. ازد حيرة، لكن مؤقتًا سيكتشفها حتى يمل منها. ومن الممكن أن يتخذها رهينة لديه للأبد.
التف من أمامها وهو يهمس بمكر: _الصباح رباح يا حلوة. وصل إلى الفراش وسحب من عليه الغطاء وعاد إليها يدثرها به، محترمًا رغبتها في عدم مشاركته الفراش. ذهب حيث أتى بنفس حيرته وأسئلته خائبًا ليمد جسده الذي تصلب من قلة النوم وذهب سريعًا إلى الثبات. *** أمام القسم.
خرج عدي من القسم وعلى وجهه غضب عارم يفقده الرؤيا. عبث في هاتفه وهو يتجه نحو سيارته. انتظر انتهاء الرنين ليفتح الخط بينه وبين ريان الذي لم يستجب فورًا. فتح باب السيارة وشغل المحرك ليقطع صوت الرنين ريان قائلاً: _أيوا يا عدي. صاح عدي غاضبًا متلهفًا لدعمه في هذه الكارثة: _ريان، شوف المصيبة دي بدل ما أعمل كارثة أنا. ظهر على صوت ريان القلق وهو يسأله في سرعة: _مصيبة إيه؟ أجابه عدي من بين أسنانه:
_في ظابط اسمه خالد ما أعرفش إيه بيعذب إبراهيم السباعي في القسم. وأنت عارف إن ده مش قانوني. اتصرف من فضلك. العيلة دي مش ناقصة، كفايا غياب مكة اللي غير مبرر. زفر ريان بإنهاك. لقد اختبر عدي صبره لأقصى حد: _حاضر يا عدي. أنا هكلم القسم بنفسي وأخليهم يفرجوا عنه. يارب نخلص من قضية مكة دي بقى. أجابه عدي باقتضاب: _يا ريت. أغلق الهاتف وانطلق نحو فيلته ليرتاح بعد هذا اليوم المشحون. ***
أشرقت شمس يوم جديد على الجميع، لكن باتت معهم مشكلات الأمس تركض أسفل وسادتهم في انتظارهم للاستيقاظ. فتحت مكة عينيها بفعل الضوء الذي ملأ الغرفة. اعتدلت في نومتها غير المريحة. أنزلت قدمها عن الكرسي والتفتت لترى شريكها إلياس. لم تر وجه. كان ليوجه إلى الجهة الأخرى. نصف ظهره عارٍ. أزاحت بصرها سريعًا عنه بخجل وانتظرت ملل استيقاظه. لكن تذكرت أن تذهب للوضوء. نهضت من مكانها وجاهدت أن لا تنظر باتجاهه. توضأت واستعدت للصلاة في أحد أركان الغرفة.
وما إن انتهت حتى استمعت إلى صوت تكاسله الملعون عن استيقاظه. صوته لفت انتباهها وأجبرها على النظر إليه. وجوده بهذه الهيئة تحت أنظارها ومن قريب خطف أنفاسها. فأشاحت وجهها بسرعة. انتبه إليها إلياس فابتسم سرًا وتنحى عن الفراش وتحرك صوب الحمام دون أن يعيرها أي اهتمام، قاصدًا أن يزيد من إغاظتها وإيصالها أنه حر فيما يفعله. نجح بالفعل. فراحت تستغفر بصوت عالٍ: _استغفر الله العظيم. سمعت صوته المستهتر يقول:
_استغفري، استغفري. أنا هخليكي تكفري كل ذنوبك اللي عملتيها واللي هتعمليها. نهضت من مكانها لتنظر من الشرفة. هي لا تعرف أين هي، والجلوس معه فترة أطول من هذه سيصيبها بأزمة. صدقت أنها هي من أوقعت نفسها في يده. ظلت تلعن غباءها. لا تعرف ماذا سيحدث، لكن من الواضح أنه غير مبشر أبدًا.
خرج إلياس. لا تعرف اتجاهه. هي دائمًا قلقة من وجوده معها وحركاته حولها تصيبها بفزع لا إرادي. ولا تعرف إن كان هذا الخوف من الوقوع في الفتنة أو خوف من وعيده. نظرت بطرف عينها نحوه لتجده يرتدي قميصه ثم استمعت لخطواته تقترب منها فالتصقت أكثر في الشرفة وانكمشت على نفسها وهي ترمي نظرة مذعورة من جانب عينيها لتجده يقيم الصلاة.
زفرت بارتياح. هذا التصرف بعث في نفسها الاطمئنان قليلًا وازدادت إعجابًا بشخصيته. مع أن هناك حائط عالٍ بينهم لا تستطيع تجاوزه. هو متزوج ولديه حياة يعيشها بعيدًا عن أحلامها التي عاشتها معه. خرجت من شرودها على صوته الأجش يقول عبر الهاتف: _عايزك تتصل بالرقم ده وتحوله عليا.
كان يجلس أمام الهاتف الملحق بالغرفة ويرمقها بنظرات غريبة، لكنها لا توحي بالخير أبدًا. نفضت عن رأسها أي نية سيئة بما أنهم رجل وامرأة وحدهما والشيطان قد يلعب برأسه لمنطقة أخرى. ثوانٍ حتى رد على الصوت الذي قدم من سماعة الهاتف بـ: _أيوا يا ريان. أنا إلياس. تعبيرات وجهه تغيرت على الفور عندما صاح ريان بتلهف: _إلياس؟ أنت فين؟ هدولنا في داهية كلنا. أجابه بهدوء وهو يخمن أن اللواء بالضرورة يبحث عنه: _أنا في فندق (....
ومعايا الرهينة. سأله ريان وهو يزفر أنفاسه بارتياح: _يعني عرفت تخرج من إيديهم؟ رد عليه بتفاخر: _آه، هو أنا قليل ولا إيه؟ انفعل ريان من عدم انشغاله بحجم الكارثة التي حلت عليهم ومزاجه المعتدل وصاح به: _قليل إيه؟ جابر طلب المعتقلين وزمانهم وصلوا. انتفض إلياس وهو يهدر: _ما تبعتش حد. أنا هربت منهم. أتى صوت ريان محتدًا بضيق: _بقولك زمانهم وصلوا. أنت مش دريان بالمصيبة اللي إحنا فيها. عاد يسأله: _مكة معاك؟
أجابه وهو شارد قليلًا: _أيوا معايا، بس هنقعد هنا في الفندق كام يوم وانت غطي عليا هنا. صاح ريان وصرخ بتعصب: _أغطي على مين؟ هو انت في شهر عسل؟ البنت دي الدنيا مقلوبة عليها. قبض إلياس حاجبيه وسأله بحنق: _ليه يعني؟ بنت رئيس مرجيح مولد النبي. ظهر اعتراض ريان بوضوح وغضبه: _ما تهزرش يا إلياس. الليلة ترجع بيها، ولما ترجع هتفهم كل حاجة. قاطعه مصرًا على الانفراد بها لمدة: _اصبر شوية و...
صاح ريان بتعصب من عدم التزام إلياس بالقواعد وعنفه قائلاً: _ده أمر. أنا هبعت القوات عندك فورًا. أغلق الخط دون أن يسمع إجابته. لابد أن ينفذ الأوامر حتى ينتهي الأمر. *** لدى ريان. دخلت تمار عليه وهي تسأله بقلق: _فيه إيه يا حبيبي؟ صوتك عالي ليه؟ أجابها وهو يهرول نحو خزانته ويلتقط ملابسه على عجلة: _أخوكي وصاحبي هيخرجوني من الشغل بالبوكسر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!