ذهبت "مرام" إلى مكتب ذلك المحامي الذي أكد لها "محمود" أنه هو المنقذ والطريق الأقرب للحصول على معلومات عن أختها، فهو يستخدم علاقات والده الطائلة بالسلطة لخدمة الشعب دون أي استغلال، حتى أنه اتخذ مكتبًا صغيرًا في أحد الأحياء الشعبية لمساعدة غير القادرين بعيدًا عن مكتب والده.
اقتربت من الشقة التي بها المكتب، لم تكن في حي راقٍ ولا يحمل المكتب يافطة كبيرة لاسمه المرموق. استمعت قبل أن تدلف إلى مكتبه صوت ضحكات ومدخلات عديدة من أطراف مختلفة، وكأنه قهوة شعبية لا مكتب محاماة. خطت إلى الداخل لترى بعينها ذلك الفارس الذي استمعت عنه حكايات كثيرة ومغامرات أكثر من قبل محمود ومعاوناته للبسطاء ضد السلطة، التي حفزتها لرؤيته واطمأن قلبها قليلًا أن من الممكن إيجاد طريق لـ"مكة" من خلاله.
وقعت عيناها عليه واستطاعت تمييزه فورًا، بالفعل يشبه الفوارس. كان "عدي" يجلس على طرف مكتبه، يمسك بساعده المكسور، ويتحاور ببساطة بالغة مع مجموعة من الرجال كبار السن، ومن بينهم شباب أتوا خصيصًا للسؤال عن حالته وسط مرحه وابتسامته الناصعة.
يمتلك عينان مختلفة اللون عن كل الألوان التي رأتها من قبل، شعره الكثيف البني تترنح خصلاته أعلى جبهته بشكل رائع، وكأنه نجم من نجوم هوليود لا محامي في وسط حارة شعبية. أخيرًا أزاحت عينها عنه وهي تتمتم بانزعاج من نفسها: استغفر الله العظيم. انتبه "عدي" إلى وجود غرباء معهم في المكان. رفع وجهه نحوهم فالتفت من معه نحو ما انتبه. هدر "محمود": السلام عليكم، احنا كنا عايزينك في شغل يا أستاذ عدي. أشار إليه "عدي" بيده ورحب قائلًا:
أهلًا وسهلًا، اتفضلوا. هم الموجودون بالخروج وهم يهتفون: طيب نسيبك بقى تشوف شغلك. كرر ابتسامته التي تخطف الأنظار وهو يجيب: بجد فرحتوني كتير ونورتوني النهارده. ودع الجميع بالترتيب بود غير مزيف. من جانبها كانت تدرس كلماتهم وتزداد طمأنينة أنها في المكان الصحيح مع الرجل المناسب. خلا المكتب إلا من ثلاثيتهم. عاد "عدي" إلى كرسيه خلف المكتب ودعاهم للجلوس: اتفضلوا. جلست "مرام" وأمامها "محمود" والذي ناب عنها في الحديث قائلًا:
الموضوع إن أخت حضرتها خرجت الصبح على شغلها، وكان فيه إخلاء للعماره بالكامل عشان فيه عناصر إرهابية، وكانت القوات موجودة. وبعدين أختها خرجت من المبنى مصابة وخرجت مع الإسعاف، وبعدين اختفت ومافيش أي قسم شرطة عنده أخبارية بوصولها. قضب "عدي" حاجبيه وهدر ببساطة: طيب سألتوا عنها في المستشفيات القريبة من الحادث؟ أجابه "محمود" وهو يمسح كفيه ببعض: مالهاش أثر. سأل متعجبًا:
طيب المفروض تستنوا الأربعة وعشرين ساعة يعدوا عشان نعمل محضر اختفاء. بحث "عدي" عن أحد الأوراق الفارغة على سطح مكتبه الفوضوي والتقط واحدة وامسك القلم قائلًا: طيب أنا اديني اسمها بالكامل وبمواصفاتها، وأنا هعمل اتصالاتي. تبادل كلا من "مرام ومحمود" النظرات بارتباك. رفع "عدي" وجهه عن الورقة عندما عام الصمت. عض طرف شفاه، لاحظ أن هناك شيئًا آخر يخفيانه. ترك ما بيده وهتف مستسلمًا: طيب يا جماعة، نبدأ الموضوع بالصراحة...
فيه إيه؟ تفحص وجه "مرام" الذي تشبع بالحمرة، وضيق عينه في محاولة لقراءة عينها الواسعة، لونها يشبه العسل المصفى، والتي ظهر عليها القلق والارتباك بشكل ملحوظ. أشاح وجه عنها ونفخ بتافف: تؤ يا جماعة مش هينفع كدا. لو على مساعدة أنا ما عنديش مانع، بس أفهم برضوا إيه السبب؟ أشار "محمود" إلى مرام وهدر أسفًا: الحقيقة إن والدهم في شبهة عليه إنه منتمي لجماعة الإخوان. لوحت "مرام" بسرعة تنفي:
لأ والله، أنا بابا إمام مسجد ومدير جمعية خيرية ومالوش دعوة بالسياسة خالص. لوى عنقه يسألها بوجوم: اومال ليه مشتبه فيه إنه من الإخوان؟ أطرقت رأسها للاسفل وهي تشعر بالخجل، ليس لانتمائه من عدمه، لكن ما عاناه في الفترة الأخيرة كان مخزيًا. مهما حاولوا نفي هذه التهمة إلا أن تدين والدها وارتباطه بشخص واحد من هذه المجموعة جلب لهم الكثير من المتاعب ووضعهم في نقطة محظورة. تشدقت بأسف:
صاحب الجمعية عضو كبير في جماعة الإخوان، عشان كدا فيه شبهة عليه. لم يحتاج "عدي" للتفكير كثيرًا ولم يعارض، شكه بأن هذا المبرر خاطئ. تواجدها في مداهمة لعناصر إرهابية مع ارتباط اسم والدها بجماعة محظورة كان ينذره بالخطر. ربما كانت صادقة، لكن لن تُظلم الظروف إلى هذه الدرجة لوضع اسم جماعة محظورة مع عناصر إرهابية في مكان واحد. هذا سوء حظ غير مسبوق. ووجه كلامه لـ"محمود" وتساءل: انت قولتلي العماره كان فيها عناصر إرهابيه؟
التف إليه "محمود" وهو يجيبه مؤكدًا: أيوا، دا مكان شغلي، بس الصراحة أنا مش عارف مكه إزاي قدرت تدخل؟
ران الصمت واستمر "عدي" في التحديق إليهم دون إجابة، لكن عينه لم تخلو من الشك البته. التدخل في أمر كهذا لم يكن سهلًا أبدًا، ووجود مكة في المبنى المحصن من قوات الأمن يدعو للتساؤل في ظل أن الحكومة تلقي كل اتهاماتها نحو تلك الجماعة المحظورة وتشير دومًا أصابع الاتهام نحوها، مما يعني أن تنسى تلك العائلة ابنتها لأنها لن ترى ضوء الشمس مرة أخرى. شق الصمت وهو يمُط جانب فمه بيأس: مافيش أمل.
ثلاث كلمات قطعت وتين "مرام". زاد الشعور بالقلق عند نطقهم، كانت تتمنى عكس ذلك رغم صعوبة الموقف. رغبة في أي شيء يطمئنها وتمنت أن يكن من جانبه حتى تخمد نيرانها المشتعلة بفقدان أختها. لم تتمالك دموعها التي انهالت رغما عنها واستسلمت لنوبة البكاء التي اجتاحتها بلا رحمة. نهض "عدي" من مكانه متجهًا نحو ثلاجة صغيرة في مكتبه وأخرج منها زجاجة مياه وتحرك صوبها. ومن جانب "محمود" فقد شعر بالأسف حيالها إلا أنه لم يكن بيده ما يفعله.
هدر "عدي" وهو يقدم لها ما استطاع مساعدتها به الآن: اتفضلي، هدي أعصابك. أنا هحاول أكلم حد. كفت دموعها بظهر يدها قبل أن تمسك من يده الزجاجة. رفعت وجهها إلى وجه تهتف برجاء: اتصرف ارجوك، أختي لو مارجعتش أبويا ممكن يروح فيها. نظر إليها بصمت، محاولًا إيجاد حل لتلك المعضلة. ثم أشاح وجهه ليخفي ضيقه وهو يهدر: المشكلة إن البلد حاليًا مش مستحملة تسمع كلمة إخوان. ثم استأنف بأمل غير واثق من وجوده: هحاول أوصل لحد يساعدنا.
يشعر أنه مكتف الأيدي أمام هذه القضية الصعبة. إن زج اسمها في قضية إرهاب ليس بالأمر السهل أبدًا. في منزل منار، جلست أعلى فراشها وإلى جوارها "ورد" التي التفت لها تسألها بعد صمت: انتي هتفضلي قاعدة كدا؟ أجابتها "منار" بلا مبالاة: أعمل إيه، اديني مستنية شريف يطردهم. اعتدلت "ورد" في جلستها وهتفت تسألها غاضبة: هو انتي ما بتحسيش يا منار؟ أجابتها بضيق مماثل: لي بقى إن شاء الله؟
كانت "ورد" مغتاظة من برود مشاعرها تجاه أخيها الذي يظهر لها حبًا كالشمس، لكنها دوما لا تلاحظ وتتعامل مع الأمر بمنتهى البساطة. صرت على أسنانها كي تخفي حنقها من غبائها: بتسألي ليه؟ هو انتي مش ملاحظة حاجة خالص؟ شريف بيطردلك العرسان ليه يا منار؟ نفضت كتفيها بخفة وضحكت ساخرة على سؤالها وهي تجيبها ببساطة: انتي عارفة إن شريف أخويا زي ما هو أخوكي، واقف في ضهري. كورت "ورد" قبضتها لتسيطر على ضيقها من جبل الثلج الذي
يجلس جوارها وهدرت متسائلة: وتفتكري أنا لو جايني عريس شريف هيطرده؟ نهضت "منار" من الفراش غير مبالية بما تقول، لوحت بيدها بملل: ما توجعيش دماغي بقى. شريف عارف إني مش عايزة أتجوز. انتي عايزة تستتري وتبقى ملكة في بيتك وزوجي قرة عيني والكلام ده. انتي حرة. مسحت "ورد" وجهها بغيظ وقررت مضايقتها فسألتها بضيق: ولو ما عرفش المرة دي يزحلقه؟ لوحت "منار" بيدها بالنفي وبثقة كبيرة هدرت: مستحيل، أنا واثقة إن شريف هيزحلقه ويجي يخبط
على الباب زي كل مرة يقولي: "هتفضلي بايرة". وما أن انتهت جملتها حتى علا طرق الباب، فقفزت "منار" من مكانها تهدر بفرح: شوفتي؟ شريف خلص الموضوع. التفت لتفتح الباب وهي متهللة بقدومه، لكن وجهه كان مكفهراً يحكي فشله. ليست عادته في العودة إليها بعد كل مقابلة، هذا ما جعلها تشك وهي تسأله: مشي؟ نظر "شريف" نحو "ورد" والتي فهمت على الفور ما يشعر به أخوها. هتفت "منار" وهي تمسك بطرف ذقنه لتحرك وجهها إليها:
بصلي هنا، قول هتفضلي بايرة. زفر وهو يدفع يدها عن وجهه وقلبه في هذه اللحظة يتفتت، يحمل عبء نطق هذه الكلمات، لكن مجبرًا على الامتثال لرغبة خالته في زواج ابنتها، بما أنه لن يجرؤ طوال عمره بالتفوه بكلمة حب لها، يفضل أن تبقى تحبه كأخيها ولا تعامله بجفاء بعدما تعرف بحبه. هذه الكلمات القليلة كانت كالخنجر يطعن قلبه، والتي قالها بنبرة حزينة للغاية: جهزي نفسك عشان تخرجي.
وبالمثل كما جرحته بعدم فهمها، جرحها هو بعدم حمايتها كما اعتادت. اتسعت عينها بصدمة وتفاقم الغضب بداخلها، وتشدقت معنفة إياه بضيق: اومال انت بتعمل إيه، مش وعدتني إنك هتمشيه؟ زاد الأمر صعوبة. أخرج تلك التنهيدة الممزقة من فمه قبل أن يهدر: خالتي المرة دي مش موافقة أقعد معاه. من الآخر كاشفة الموضوع. اخلصي بقى. انتي لو عرفتي تطرديه اطرديه وشوفي أمك هتعمل فيكي إيه بعدها.
تحركت من أمامه وهي تركل الأرض غضبًا وغيظًا من تلك المصيدة التي حشرت بها. في المستشفى، كانت تجلس على فراشها هادئة تمامًا، تاركة يدها الممرضة المسؤولة عن رعايتها تبدل على جرحها الغائر في كتفها وتضع المحلول. لم تسلم من نظرات الممرضة المتعجبة من حالتها المتقلبة، هي اليوم هادئة وأمس كان النقيض تمامًا. فقالت بتعجب: يهدي من يشاء وهو على كل شيء قدير.
فهمت "مكة" ما ترمي، لكنها حافظت على هدوئها وظلت صامتة تمامًا، حتى قطع هذا الصمت طرقات متواصلة على باب الغرفة. دفعت الممرضة للنداء بـ: اتفضل. ظهر "ريان" وإلى جانبه آخر. هتف على الفور موجهًا كلامه إلى الممرضة: حالة المتهمة تسمح بالاستجواب. أجابتهم وهي تنظر إلى "مكة" التي لم تبدِ أي رد فعل: أيوا يا أفندم تسمح.
ولج إلى الداخل وأشار للممرضة بالخروج واستعدوا للجلوس أمام فراشها. أدارت مقلتيها لوجه، لم تشعر بالخوف أو القلق، كان بداخلها شعور خفي أنها ستنجو من هذا. هتف "ريان" الذي حاول اللطف معها بالقول: حمدلله على سلامتك يا آنسة. أنا رائد في أمن الدولة، استأذنك آخد شوية إجابات سريعة لو دا ما يرهقش يعني. ابتسم ثغرها بغموض وأجابته بترحاب: لأ طبعًا حضرتك تقدر تسألني أي سؤال وأنا هجاوب.
أشار إلى من جواره ليفتح الملف ويبدأ بتدوين ما سيطرح. سأل وهو يشير إلى المدون الذي بجواره: اسمك إيه الثلاثي؟ أجابته بثقة دون أي قلق مما سيتبع قول اسم والدها ويحدد موقفها النهائي من القضية: مكة إبراهيم محمد السباعي. الاسم يعرفه قبل أن تطرحه. اسمه معروف لأنه حالة خاصة. لكنه أثار التغاضي عن هذا وطرح سؤالًا آخر: سنك؟ أجابت: واحد وعشرين. مال بعنقه للأمام موجهًا لها سؤالًا آخر: بتشتغلي؟ أجابت بنفس الهدوء الذي
تحافظ عليه من وقت طويل: أيوا بشتغل في شركة توريد. اعتدل "ريان" ليوجه الأسئلة الهامة وهو يشبك كفيه ببعض: إيه اللي وداكي موقع الحادث؟ رفعت كتفيها وهي تهدر دون اكتراث: عشان أنا شغلي هناك. استشف "ريان" استهانتها بالأمر. من قبل كان يتفهم هدوئها بل ويحسدها عليه، لكن بعد هذه الإجابة قرر منحها سبب لتخاف من فعلتها. تحدث بنبرة شديدة الحدة:
الأمن المركزي بلغك إن المبنى مُخلى ومع ذلك أصررتي تدخلي، وكمان عرقلتي سير قوات الأمن. وده خلى موقفك وحش في القضية. عندك تفسير لده؟ نبرته الحادة التي تعمد إلقاء الذعر في قلبها جعلتها تستصنع أنها وجلة من الأمر، فهدرت وهي تخفض رأسها بأدعاء الحرج: أنا كنت بشبه على الظابط، كنت مفكرة إني أعرفه. دقق "ريان" النظر إليها محاولًا كشف نواياها مما سمعه عنها أنها مجنونة، لذا جاهد في التركيز على نقطة واحدة: تعرفيه منين؟
زفرت أنفاسها بروية وهتفت: شوفته قبل كدا. ضيق عينه متسائلًا بترقب: شوفتيه فين؟ أجابته بإحباط: كنت بحبه وبعدين ما طلعش الشخص نفسه وأنا كنت غلطانة. واعتقد دي أمور شخصية مش هتفيد سيادتك في حاجة. ظل "ريان" يحدق إليها متعجبًا، فكل ما سمعه عنها كان تخاريف، ومن أمامه كاملة العقل. عاد إلى هدفه واتهمها صريحًا: انتي طلعتي فوق وكنتي مع العصابة. انتي متهمة إن سبب طلوعك فوق هما وإنك عضو معاهم كمان. تساءلت ساخرة:
هو أنا لو كنت معاهم كان هيعملوني عضو منهم إني درع بشري ليه؟ حضرتك أنا طلعت لأني فكرت الشخص ده حبيبي، ولما حاولت أهرب من الأمن وقعت في إيديهم. ثم إني بلغت الظابط "إلياس" على عددهم وساعدته إنه يتخلص منهم وتقدر تسأله كمان. وفي النهاية أنا مصابة.
ابتسم ثغره بإعجاب لشجاعتها وردودها المثالية التي قطعت الشك باليقين في أمر جنونها. أومأ إلى الظابط الذي دون ما قيل، مقررًا إبقاء الحراسة عليها لحين إغلاق القضية تمامًا وتحديد موقفها الجنائي. في الخارج، كان يقف "إلياس" مستندًا إلى أحد الأعمدة عاقدًا يده أمام صدره منتظرًا بفارغ الصبر انتهاء التحقيق معها. وبعد ساعة كاملة من جلد عقله، نقر "ريان" كتفه على فجأة لينبهه بحضوره. اعتدل "إلياس" سريعًا وصاح به غاضبًا:
ساعة كاملة يا ريان، انت بتستجوب رئيس الوزراء. ظهر على وجه "ريان" ابتسامة لم يقدر على إخفائها، وأشار له بالهدوء حتى يخبره بما حدث. نفخ "إلياس" بضجر وهدر: هااا، عملت إيه يا بورم. رفع الآخر حاجبيه مستنكرًا وصاح بصوت عال: بورم! ولما أنا مش عاجبك ليه كلمتني أنا بالذات عشان أحقق معاها؟ كمم "إلياس" فمه سريعًا وصر على أسنانه هادرًا: اسكت، انت متعرفش تسكت. ثم أرخى يده عنه ليردف: قول بقى، عملت إيه مع المجنونة اللي جوه دي.
أجابه "ريان" متعجبًا: مين دي اللي مجنونة؟ دي أعقل منك. وقبل أن تسيطر الدهشة على وجه "إلياس" أكمل "ريان": البنت اتكلمت بمنتهى العقل والمنطق وقالت إنها كانت فاكراك حبيبها وشبهت عليك عشان كده طلعت وراك. ولما اتهمتها إنها من الإرهابيين جاوبت بمنتهى الثبات إنها كانت درع بشري لعنصر منهم وأنت شاهد على الكلام ده. كمان هي بلغتُك بعددهم. من الآخر كده كانت تعتبر رهينة.
ظل "إلياس" في حالة الدهشة التي ظهرت جليًا على تعابيره، ليباغته "ريان" بسؤال: فين الجنون اللي قلت عليه؟ البنت هادية جدا. نفخ "إلياس" بيأس ولم يجبه، فطرح "ريان" سؤالًا جديدًا وهو يضيق عينه مخمنًا الإجابة: وانت ليه مهتم أوي كده بيها؟ انت بتلعب بديلك من ورايا ولا إيه؟ نفض "إلياس" رأسه وهدر بضيق: دي حكاية عبيطة، ما تقلقش مش هتاخد أكتر من حجمها. حرك "ريان" رأسه مكتفيًا بتلك الإجابة:
ع العموم هي هتحط تحت الملاحظة. أبوها منتمي لجماعة الإخوان، وده هيصعب إبعاد الشبهة عنها. لوح "إلياس" بيده بعلامة الاكتفاء من الحديث عنها وهدر: خلاص خلاص، أنا هروح على شغلي. تيجي أوصلك؟ أجابه "ريان" شاكرًا: لأ شكرًا، أنا معايا عربيتي. ربت "إلياس" على كتفه واستعد للرحيل. وبعدما ابتعد عدة خطوات، ناداه "ريان" بعدما نسي أن يخبره شيئًا مهمًا: إليــــاس. التف إليه وانتظر مكانه عندما رآه يتقدم نحوه. هتف بجدية:
نسيت أقولك حاجة مهمة. تحفز "إلياس" بدرجة عالية ليكمل ريان حديثه بشكل مرح: البنت دي شبهك بالظبط، طريقة كلامها زيك. ما تجيبها تشتغل معاك هتبقوا كابل هايل والله. تغير وجه "إلياس" للجدية التامة وهدر من بين أسنانه بغيظ: انت عارف لو ما كناش في مكان عام كنت عملت فيك إيه؟ دس "ريان" يده في جيبه وهتف مداعيًا اللامبالاة: ولا تقدر تعمل حاجة يا بابا.
هب "إلياس" بزمجرة مخيفة على فجأة جعلت ريان يتراجع. التفت الجميع إليهم واكتفى "إلياس" بالقهقهة ليجيبه ريان غاضبًا: منك لله، الهيبة راحت. لوح بمرح وهو يهتف: البقاء لله. في هيبتك. علا صوته ليخبره: لك يوم يا إلياس، وقريب هشوفه. غادر "إلياس" المبنى وعقله ليس معه. كل شيئ ممل يتحرك وكأنه مسلوب الإرادة. كل كلمة سمعها من صديقه تتردد كصدى في رأسه. كيف استطاعت أن تكون بكل هذا الهدوء وهي في كارثة؟
كيف حولت الموقف لصالحها لتظهره أنه هو المجنون؟ أم هي متعمدة أن تجنه؟ لماذا لم تخبر صديقه بما أخبرته هو به؟ لماذا قالت إنها اعتقدت أنه حبيبها؟ مجنونة وأجنته معها. لم يدرِ بنفسه إلا وهو بدوره في الطريق العكسي عائدًا لها. هناك أسئلة كثيرة لن يجد إجابتها إلا معها، باحثًا عن راحة لن تكون إلا معها. لدى منار، اشتعلت غضبًا وعلا صوتها معترضة على سير الأمور ضد رغبتها. هتفت باهتياج: أنا مش هخرج لحد.
اهتياجها وغضبها الشديد لا يقارن بالبراكين التي تمزق صدر "شريف" وبقيد السلاسل الذي يدفعه ليطلب منها بكل عقلانية الخروج لرجل ليعطي كلمة تمنى هو قولها. ابتلع ريقه وهتف مهدئًا: منار اهدى. صرخت به في اعتراض وكأنها تتشاجر معه: ما تقوليش اهدى، أنا مش خارجة يعني مش خارجة وإن شاء الله يتهد البيت على اللي فيه. في تلك اللحظة، اقتحمت والدتها الغرفة وعينها تقدح بالشر. سألت وهي تعرف الإجابة: فيه إيه؟ صوتك طالع ليه؟
زاغ بصرها بين شريف وورد ليخرجها أحد من هذا المأزق. اقترب منها شريف ليقول بنبرة باردة: خلاص هي هتخرج. رمته "منار" بنظرة غاضبة لكنه تجاهلها. هم ليهدي خالتها: هتــ......... قبل أن يكمل كلماته كانت "زينب" اقتربت منها وجذبت خصلاتها. شهقت "ورد" وجاهدت في منعها، لكن كانت "زينب" وصلت لآخر نقطة صبر معها، حركتها بين يدها كالدمية البالية وهي تهدر من بين أسنانها: بصي أنا على آخري منك، مش كل واحد ترفضيه. أنا خلاص تعبت منك.
حاول "شريف" برغم ضيقه من تصرف والدتها سحب "منار" إليه، لكن كان يخشى أذيتها. راح يهدر بصوت عال: إيه اللي بتعمليه ده يا خالتي؟ ابعدي إيدك عنها. أبت "منار" أن تبدي ضعفها أمامها وصاحت بكل تعند: مش هخرج ولو خرجت هطرده. صرت أكثر على أسنانها وبغيظ أم مغلولة من عدم استجابة ابنتها لأوامرها، جذبت خصلاتها بعنف أكبر من ذي قبل واشتطت وهي تهدر: طيب قسمًا بالله لا أطلع أقوله إنك موافقة، وغصب عنك هتجوزيه.
اتسعت عين "شريف" على تلك الكلمة ويده تمسك بيد خالته. هتفت "ورد" ترجوها: بالله عليكِ يا طنط سبيها. فاق من صدمته وصاح معترضًا: إيه اللي بتقوليه ده؟ تركتها أخيرًا ولطمت أعلى كتفيها بغيظ من تلك المجنونة: سيبني يا ابني، البت هتطير عقلي بعندها ده. ما بقتش قادرة عليها. ارتمت "منار" فورًا في أحضان "ورد" تنتفض بعصبية وتأبى البكاء، مكممة ذلك الوجع الذي خلفه إهانة والدتها لها. سألها "شريف" غير مستوعبًا: إزاي؟ انتي اللي هتوافقي؟
العريس اللي برا ده جاي على أساس إيه؟ أجابته "زينب" دون تردد أو حتى تفكير: جاي يطلب إيدها رسمي. أنا بعت صورتها لمامته على النت. وزعت الصدمة على ثلاثيتهم بالتساوي، لكن الجرح كان بالنسبة لـ"منار" غائرًا. تركت حضن "ورد" واتجهت نحو "زينب" قلبها ينتفض كالمذبوح. لا تصدق فعلتها. كان بداخلها سؤال واحد أرادت طرحه، فسألتها إياه بنبرة حزينة: هانت عليكي بنتك تعرضيها ع الغرب عشان تخلصي منها؟ لم تتأثر "زينب" بنبرتها وصاحت بحنق:
انتي اللي وصلتينا لكده، لحد امتى هتفضلي قاعدة جانبي وعمري عمرك بيتسرسب منك و... قاطعتها "منار" بأن رفعت يدها بوجهها لتكتفي بهذا القدر وهتفت بجمود: خلاص يلا اطلعوا برا عشان البس. أثارت اندهاشهم جميعًا، وخاصة "شريف" الذي شعر أنها ليست بخير. وملء الشك قلب والدتها، هي بالعادة لا ترضخ بسهولة. لذا هتفت محذرة: أنا بحذرك يا منار لو كنــ,,,,, قاطعتها صارخة: أنا بقول اخرجوا عشان البس، ولا أخرج بالبجامة.
التف "شريف" وأشار لـ"ورد" هادرًا بهدوء رغم النيران التي اضرمت بكل أوردته: يلا بينا يا ورد. اقتربت "ورد" من "منار" وتمسكت بيدها وهي تجيبه: لأ أنا مش هسيبها. قبلت "منار" وجودها لكن لم تقبل بالباقي. خرجت "زينب" ومعها "شريف" الذي رفض التحرك بعد باب غرفتها ينتظرها حتى تنتهي، حتى لو غابت لآخر العمر. (تمار)
ركبت سيارتها وعادت إلى منزلها خائبة بعدما تخيلت أنها لمرة واحدة ستحصل على شفقة والدها، لكن فشلت. ساعدها "عدي" في تلك الزيجة، لكن وجود والدها معها أمر تحتاجه بشدة، لذا ظلت لدى "ريان" زوجة مع إيقاف التنفيذ. فلاش باك دخلت معه شقته بعدما تم كتب الكتاب وهي في حالة يرثى لها. أجمل ليلة في عمرها قضتها في الطريق تبكي حتى تحولت عيناها اللبنية إلى كأس من الدماء. فتح النور والتف إليها يهتف بحنق من بكائها المتواصل طوال الطريق:
للمرة الأخيرة هسألك، انتي عايزاني ولا لأ؟ من بين نشيجها أجابته كي تطمئنه أن بكاءها ليس رفضًا له البته: آه عايزك. زفر ليسيطر على هدوئه وأمسك كفيها برفق وهتف بنبرة حانية للغاية: تمار اسمعي كلامي ده وافهميه. رفعت وجهها إليه فنظر إلى عينها التي في كل حالاتها تخطف قلبه. أردف:
أنا عارف إنه مش سهل عليكي تكسري كلمة أبوكي وتمشي معايا. حاسس بكل اللي انتي حاسة بيه، بس انتي عارفة إننا لو قعدنا ميت سنة نقنع فيه ما كانش هيقتنع. بس عشان خاطر حبنا جازفنا، ولعل بعد كده يقبل بالأمر الواقع. زفر متمنيًا أن يحدث ذلك سريعًا. كانت تسمعه ولا تسيطر على دموعها المنهالة من عينها. سألته وهي مشوشة تمامًا: وهنعمل إيه لحد ما يوافق؟ احتضن وجنتها بيده وبإبهاميه مسح دموعها عن وجنتها:
دلوقتي كتبانا الكتاب وأخوكي كان شاهد على العقد. هنعتبر الفترة دي هدنة مع أبوكي لحد ما يوافق، وأوعدك إننا هنعمل فرح كبير وهاخدك من إيده قريب. تجددت دموعها أكثر وهي لا تستوعب أنها لتو تركت والدها. عضت على شفتيها بتحير من استجابتها لقلبها ورفض عقلها. كان "ريان" يشعر بهذا دون أن تنطق بحرف، لذا هتف مجددًا:
أنا عملت كده عشان ما تروحيش من إيدي، وعشان أضمن إنك ما تبكيش. بطلي عياط بقى، واعرفي كويس إنك هنا في بيتي معززة مكرمة لحد ما أبوكي يوافق ونعمل الفرح. ختم كلامه بطبع قبلة حانية على جبينها.
عادت من هذه الذكرى متحسرة على قصة حبها التي أنهكتهم معًا. وبرغم تحقيق غايتها وظفرها بـ"ريان"، لكنه خسرت في المقابل والدها. وقفت أسفل البناية التي بها طابق كامل خاص بزوجها، ورفعت عينها بحزن لأنها فشلت في إقناعه، وعادت أدراجها دون فائدة، مضاف إليه طرد من منزل أبيها. نفخت بضيق وترجلت من سيارتها لتصعد شقتها. لكن قبل أن تخطو نحو العمارة، وقف أمامها شاب يمتع بقدر وافر من الوسامة وذو بنية رياضية. هتف فور رؤيتها:
أهلًا تمار، انتي مش فكراني ولا إيه؟ لم تبدِ أي تعبير وهي تتجول في هيئته التي لم يسبق لها رؤيتها. رفعت أحد حاجبيها وهي تجيبه مستنكرة: لأ طبعًا. ابتسم ومد يده ليصافحها وهو يقول: أنا "فادي سليمان" ابن الوزير السابق خالد سليمان. لم تحرك عضلة واحدة من وجهها. يعتقد نفسه مشهورًا أمام "تمار الألفي". قررت تجاهله تمامًا وكأنها لم تسمعه. لكنه وقف بوجهها متسائلًا: انتي ليه مش بتردي عليا؟ عقد ساعديها على
صدرها وهدرت مستنكرة سؤاله: وارد عليكي ليه أصلًا؟ رفع كتفيه وهو يحرك يده موضحًا: معقول يبقى والدي ووالدك قريبين جدًا لبعض وأنا وانتي نعرف بعض على الانستجرام وبس. لم يكن لها مزاج أن تعرف أي شيء عن أي مخلوق. رفعت يدها كي لا تكون فظة: بص أنا في مود مش كويس. لو كانت الصدفة دي في وقت تاني كنت وافقت أتعرف أو حتى أعصر راسي وأفتكرك، بس حقيقي أنا آسفة. لم ينزعج أبدًا من رفضها المباشر التعامل معه، بل ظهر عليه
القلق وهو يسأل باهتمام: خير، لو في مشكلة أنا ممكن أساعدك. حاولت التملص منه وقاطعته قائلة: لأ لأ مافيش أي مشكلة، عن إذنك. تركته مهرولة نحو الداخل، بينما هو وقف ينظر إليها متعجبًا من دخولها هذه البناية. مط شفتيه دون اكتراث وأكمل طريقه إلى سيارته. يكفي أنه قابلها ولو صدفة على أرض الواقع.
لدى منار، وقفت أمام المرآة تضع من مساحيق الجمال كل الأنواع. وضعت أحمر شفاه ناري اللون واكحلت عينيها البنية بالأسود حتى برزت كأعين قطة متمردة، وبعض من الحمرة وما يلزم إبراز العين، وكذلك الملمع القوي على الوجنتين. كل هذا كان يجعل "ورد" في تعجب وغيظ في آن واحد. هدرت وهي تراها تبدع فيما تفعله لأول مرة وصاحت بها بضيق: الله الله، واتعلمتي كل ده فين يا ست منار؟ أجابتها وهي تعدل من زينتها دون أن تلتفت:
من أصحابي يا ورد. انتي فاكرة الموضوع صعب؟ بالعكس، التصنع أسهل حاجة، بس الحقيقة هي اللي بقت صعبة في الدنيا دي. دنت منها "ورد" ونقرت فوق التسريحة وهي تهدر بحدة: قولي إنك بتضيعي وقت لحد ما العريس يمشي. مش هتقابليه بالمنظر ده. نهضت من مكانها وهي تجيبها بنبرة غامضة: لأء، هقابله.
اتجهت صوب الخزانة تحت أنظار "ورد" المدهوشة. ظلت تنتقي من خزانتها كل الملابس التي أتت بها والدتها لتذهب بها الكلية، والتي تجاهلتها كثيرًا لأنها لا تناسب شخصيتها. بحثت عن أكثرهم إثارة لا أجمل. تعمدت ذلك لتنتقم منها لتريه أنها نجحت في جعل ابنتها سلعة مرغوبة. أمسكت بفستان دون أكمام باللون الأسود ويصل إلى ما بعد ركبتيها بسنتيمترات، مفتوح من الظهر والصدر. تدخلت "ورد" معترضة: لأ يا منار، أوعي تلبسي ده. وضعته على الفراش
وشرعت في ارتدائه وهي تقول: ليه لأ؟ ظهر على وجهها الحيرة من ما تفعله. تفهم أنها غاضبة، لكن أي غضب يحولها إلى هذه الدرجة من الجنون والتصرف ضد طبيعتها. وعلى فجأة رن جرس في رأسها باسم أخيها "شريف". شريف لن يتحمل هذا، لذا صرخت على فجأة: لأاااااء! شريف يا منار مستحيل يخليكي تقبليه كدا.
كانت انتهت من ارتدائه نهائيًا. تركت شعرها الأسود خلف ظهرها متراميًا بإهمال إلى منتصف ظهرها. كانت صارخة الجمال بعد كل هذا المجهود الذي فعلته، لكنها لم ترَ في نفسها في كل هذا. أجابتها بعدما أصابها الإحباط من العودة حيث تريد: لازم أبين لأمي إني أستاهل أتعرض على النت زي ما هي عملت. رخصت بيا وافتكر كدا الرخص لا يق عليا أكتر.
انطلقت نحو الباب وكل ما بأسها هي نظرة والدتها عليها. لن تهتم بأي شيء آخر سوى أن ترى في عينيها إلى أي مكان وصلت ابنتها بسبب فعلتها المخزية.
خرجت أمام "شريف" الذي تصنم فور رؤيتها، ووقف بصره ليستوعب فتنتها التي تسلب العقول، وخاصة قلب عاشق مفتون. قرع خطواتها المقبله عليه بالنسبة له قنابل نووية تتجه نحو قلبه. لم يسبق له رؤيتها بهذا الشكل ولا حتى في أحلامه. خصرها المتمايل كعود أخضر يانع في نسمات الهواء يقذف به إلى الجحيم. لا تشعر به هي ولا حتى تراه في عينه التي ظلت متعلقة بها بانبهار حتى تجاوزته. عندها فاق من كل أوهامه متذكرًا وجهتها التي تسير نحوها. سحبها من ساعدها لترتد إلى الخلف دون سابق إنذار.
_رايحة فين؟ سألها من بين أسنانه وهو بالكاد يتحكم في أعصابه. بنبرة باردة أجابته دون اكتراث: رايحة أقابل العريس زي ما أمي عايزة. زمجر غاضبًا أمام برودتها المضادة لنيران التي بصدره: بقولك إيه، انتي وأمك انتوا هتتفقوا عليا ولا إيه؟ قضبت حاجبيها غير مستوعبة قصده. خرجت "ورد" مهرولة نحو صوته الذي كانت في انتظاره لإنهاء هذه المهزلة وهتفت مسرعة كي لا يخرج عن غضبه: براحة يا شريف، منار مش في حالتها الطبيعية. صاحت "منار"
لها بحنق: لأ يا بنت خالتي أنا كويسة وهطلع أقابل العريس. كلماتها زادت غضبه، فضغط بأصابعه أكثر على ساعدها ودفعها نحو غرفتها وهو يهدر متعصبًا: طلعي تقابلي مين؟ هو أنا أريل؟ دا أنا أقطع رقبتك. تبرمت "منار" من قسوته وحاولت دفع يده عن ساعدها وتشدقت بـ: سيب يا شريف خلي ماما ترتاح.
وعلى هذه الضوضاء، ارتبك كلا من "ماجدة وزينب" في غرفة الجلوس. شعرت "فادية والعريس" بشيء غير مبشر خلف هذا الخلاف الدائر بالخارج. وتبادل كلا من ماجدة وزينب النظرات المتوترة. طالت المدة ولا صوت يخرج في المكان سوى صوت غاضب يأتي من الخارج: عليا النعمة من نعمة ربي لو خرجتي كدا لأخزق عينيه قبل ما يعتب باب الشقة. هنا نهضت "فادية" وهي تقول بقلق: طيب يا جماعة هنستأذن إحنا بقى. نهضت "زينب" وهي خجلة من الموقف بالكامل لتقول:
ما لسه بدري. أمسكت "فادية" بيد ابنها وهي تهدر مستعدة للخروج من هذا المنزل: مرة تانية نبقى نطول. وأمام إصرارها بالرحيل وصوت الشجار الدائر بالداخل، ودعها بهدوء لتلتف "زينب" بحنق إلى هؤلاء الذين فضحاها أمام صديقتها. كان الشجار بين شريف ومنار وصل إلى أوجه، حيث بدأ صوت "منار" يعلو بغضب: وانت كنت فين وأمي بتحط صورتي على النت؟ ما حمتنيش منها ليه يا سيادة الظابط؟
كان وجهه كالجمرة مثل قلبه الذي كاد ينفجر غيظًا. تدعس غيرته بكعب حذائها. انعل صارخًا وهو يدفعها من جديد لغرفتها: حتى لو هتحرجيني، هتطلعي زي الرقصات كدا؟ صرخت به بحده: أنا مش رقاصة. دنت منهم "زينب" وهي في أوج غضبها منهم صاحت محتده واختها تمسك بيدها لتهدئها: تمثيلية جديدة دي، عاملها انتي وشريف. التف إليها "شريف" فور سماعها وازدادت وجه ضيقًا من تحليلها الخاطئ للأمر. ليبرر قائلًا:
ما فيش تمثيلية، تعالي شوفي بنتك عايزة تخرج بإيه للناس. لم تهتم "زينب" بإجابته، فهي تعرف أنه غيرته الفاضحة. لكن كانت غاضبة من ابنتها التي تفسد كل ما ترغب به، متعمدة كانت أو ساهية. نهرتها قائلة: غبية والله العظيم انتي غبية. مشت "منار" نحوها بغضب وهي تصر على أسنانها بغيظ من فعلتها التي لم تبرد: أنا اللي غبية، كنت بوريله البضاعة اللي انتي عرضيها على النت، مش انتي اللي استرخصتيني. لم تهتم "زينب" لوجود شريف بالمنتصف
وصفعتها بقسوة وهي تهتف: قليلة أدب. ساد الصمت بعد هذا الصوت الرنان الذي جمد كلا من شريف ومنار معًا. أهانتها والدتها اليوم بما يكفي لإعلان تمردها. ودون أن تخفي قرارها ألقت ما في رأسها دون وعي: كدا أنا مش قاعدة لك في البيت. قررت لملمة كبريائها والخروج نهائيًا من المنزل. عادت إلى غرفتها لتلملم أغراضها دون أن تلتفت. هرولت من ورائها "ورد" وانفجرت "زينب" في البكاء واحتضنتها "ماجدة" قائلة:
ما تصلي على النبي كدا يا زينب، نصيبها متشال مش بالعافية. في المستشفى، اقتحم "إلياس" غرفة "مكة" دون سابق إنذار. اقتحام غاضب ومجنون أفزعها وزعزع هدوءها الذي استقرت عليه، وكذلك الممرضة التي كانت تجلس إلى جوارها. والتي صرخ بها "إلياس" بحدة: اطلعي برا. هبت الممرضة من مكانها وبسرعة نفذت ما طلب، بينما هو ينظر إلى بؤبؤ عين "مكة" وعينه تقدح بالشر. نظراته الشرسة بعثرت قواها وجعلتها تقبض يدها بيدها الطليقة على الفراش من أسفلها.
أغلق الباب بقوة، وفي لمح البصر كان فوق رأسها يسألها بخشونة: انتي عايزة مني إيه ومين زقك عليا؟ تزحزحت قليلاً بعيدًا عنه، طالما هو غاضب كذلك لن تضمن ردة فعله. تحاشت النظر إليه، وبنبرة متحشرجة للغاية أجابته: أنا قولتلك الحقيقة وانت مش عايز تصدق. بسرعة قبض على أسفل فكها بقسوة جابرًا إياها على النظر إليه. خرجت كلماته وهو يسحقها بين فكيه:
ما تسوقيش الهبل على الشيطنة، وما تدخلنيش نفسك في عش الدبابير. أنا ممكن أعيشك يومين أسوأ من كوابيسك. عرفتي منين مكان الجرح؟ وليه لما الرائد حقق معاكي ما قولتيليش اللي قولتيلي عليه؟ ليه استخدمتي طريقتي عشان تطلعي منها زي الشعرة من العجينة؟
كانت "مكة" تعي كل حرف نطقه وتأرجحت مشاعرها بين الحزن والفرح. فرحًا لأنها كانت محقة فيما يخص الجرح، وكذلك تخمينها في محله أنه أرسل صديقه للاستجوابها. وحزن من استخدامه العنف معها وعدم تصديقه لها واتهامها أنها مأجورة عليه. لم تنطق سوى بكلمات مقتضبة يشوبها حزن عميق: شيل إيدك لو سمحت. أزداد غضبه وشعر أنها ممثلة عظيمة تعرف متى تستفز شفقته، لذا رفع ركبته أيضًا للفراش دافعًا جسده إلى جسدها: مش بتقولي إننا كنا متجوزين؟
أزدادت نبضات قلبها سرعة عندما اقترب منها فجأة. صاحت فيه بعدما انهارت مشاعرها: كـــان حـــلــــم. كان حلم. لم يتزحزح وعاد يسألها: ومنين عرفتيني الجرح اللي عندي؟ أجابته وقد نفذت قواها أمام اضطراب مشاعرها باقترابه الوشيك وهيبته التي تربك كل حواسها. خرجت كلماتها محتده بعدما فشلت في تنظيم أنفاسها: ما اعرفش، في حالة غريبة بينا. أنا عشت معاك حلم وانت لما شوفتني ما عرفتش تتخطاني.
قضب حاجبيه وهو يتفحص وجهها ويحذرها بعينيه أن تخطئ في تفسير مشاعره على هواها. فسألها بغضب: أنا ما عرفتش أتخطاكي؟ هتفت بهدوء وعينها تلمع في عينه بعشق أسطوري عاش من سنوات طويلة وولد من جديد، متناسية المسافة الفاصلة بينهم والتي أصبحت شبه معدومة: عشان رجعت تاني وبعت صاحبك يحقق معايا. أشارت نحو قلبه الذي لم يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة وأردفت:
عشان أنا سامعة نبض قلبك حالا وشايفة نفس الحيرة والتردد في عينك زي اللي كنت بشوفهم في الحلم. عارفة إن الحب أصعب قرار في حياتك وعارفة إنك ما حبتش قبلي وقلبك من يوم ما اتولد ملكي.
شعرت بارتخاء يده عن فكها وعرفت أنها أصابت الهدف. مر غضبه بسلام، لكن القلق من القادم جال بعينيه في ملامحها عن قرب في تودد. كل ما قالته حقيقي، هو يشعر تجاهها بشيء مختلف لم يشعره تجاه أحد قبلها. كما قالت، في بينهم حالة غريبة اكتشفتها تلك المجنونة، شيء خرافي سيقوده إما للجنون أو للعشق. أجفل عينه لثوان مستسلمًا لمشاعره بتذوق فمها المكتنز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!