الفصل 5 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الخامس 5 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
6,318
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

عادت "مرام" إلى منزلها متأخرة، غير مستوعبة أنها عادت دون أختها. لا تصدق أنها ستدخل المنزل ولن تجد جنونها ومرحها الدائم. لا تصدق أنها ستواجه حزن أبويها وترى الألم في وجهيهما وحدها. وضعت قدمها على أول درجات سلم العمارة لتصدم بجسد والدها الذي لم تره من كثرة غيوم الدموع في عينيها. انقبض قلبها عندما ظهرت تعابيره الواجمة. أسرعت بسؤاله بنبرة حزينة: _بابا رايح على فين؟ أجابها بضيق شديد:

_اطلعى على فوق يا مرام واقفلى عليك انتِ وأمك كويس. نظمت أنفاسها وكررت سؤالها: _يابابا قول لي رايح فين؟ هتف وقد ضاق صدره من عجزه أمام اختفاء ابنته: _هروح القسم أسلم نفسي بس يخرجوا مكه. امسكت بيده لتحسه على العودة معها وتشدقت متوسلة: _والقسم هيعمل لك إيه؟ ارجع يا بابا مش هيبقى أنت ومكه. صاح وكلماته يقطر منها الأسى: _يعني أبات في البيت وبنتي في الحجز. دردرت متألمة، فكل ما تعرفه لن يهدئه ثورته العارمة ولا يطمئن خوفه:

_مش في الحجز يا بابا. سألها وعينه تكاد تخرج من معقلها: _اومال فين؟ زفرت أنفاسها وأمسكت بيده لتعاونه على الصعود، فهي تعرف حالته الصحية: _تعال فوق يابابا وهقول لك على كل حاجة. أبى التحرك، لكنها أمسكت بكف يده وقبلت ظهرها لتعود وتتوسله من جديد: _عشان خاطري يا بابا تعال بينا على فوق. صعد معها بيأس بخطوات ثقيلة رغماً عنه، ومع كل خطوة كان يهدر بصوت عالٍ مناجياً ربه: _لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

_لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. حتى دخلت شقتهم، فهرولت نحوها والدتها تسألها بقلب ملتاع: _عملتي إيه؟ فيه أخبار عن مكه؟ أسندت والدها ليجلس على الأريكة وهي تجيب والدها: _إهدي يا ماما. "خديجة" وهي تصرخ بجنون: _أهدى إزاي يا عالم وبنتي في الحجز وسط المجرمين! ازدادت حيرة "مرام" وهي لا تعرف كيف ستخبرهم بما تعرف. في النهاية أجابتها مترقبة: _ما هي مش في القسم... في المستشفى.

شهقت "خديجة" بفزع ولطمت صدرها، بينما والدها فرغ فاه بعدما سقط الخبر على قلبه الضعيف كالسوط دون رحمة. *** "إلياس" و"مكه" ما إن شعرت بما قد تؤل إليه الأمور، أنقذت نفسها في آخر لحظة قبل الوقوع في شراك الشيطان. دفعته عنها لتمنعه من الوصول إلى فمها واعتدلت سريعاً وحاولت تنظيم أنفاسها. ابتعدت تماماً عن الفراش.

بينما هو جلس مذهولاً من فقدانه للسيطرة الغير متوقعة من شخصه. لقد حركت دون أدنى مجهود جبلاً راسخاً، ما كان أبداً ليتحرك ولو دفعه كل إناث الأرض. هذا أيضاً زاد غضبه وصب عليه بوقاحة لا مثيل لها، حيث هدر: _شوفتي بقى إنك بتشتغِليني؟ مش طول الوقت بتقولي لي يا واد إنت جوزي؟ احتضنت يدها المصابة ووجهها مصبوغ بالاحمرار وصاحت بحنق: _إنت هتستهبل؟ تفاقم الغضب بداخلها وتحول لون عيناه من الأزرق إلى الأسود وهو يهدر بشراسة:

_ما تقوليش أدبك. تحركت في الغرفة وقد أغضبها عقليته المعقدة وثرثرت في سرعة مجنونة: _هو أنا ضحكت عليك بقول إن فيه حاجة مش طبيعية بنا؟ أنا عشت معاك في الحلم وعمري ما شوفتك في الحقيقة. ولما شوفتك إنت كمان استجبت بسرعة. تفاصيل كتير قولتها لك، مع إني أول مرة أقابلك. طريقتنا واحدة. قولت لك عشان تشوف حل معايا مش تستغل الموقف بالقذارة دي.

هب واقفاً وانطلق نحوها ليخطو خطوات جعلتها تتراجع تلقائياً بفزع، واستمر حتى منعها الجدار من التراجع وأصبحت أمامه مباشرة. أسند يده للجدار واحتجزها بين ذراعيه.

اصطدمت كل مشاعرها ببعض: رهبة، عشق، طمأنينة. علقت عينها بعينه التي بها مركز الجاذبية الكاملة. أمعن النظر في عينيها ليكتشف ما السر، ولكن عيناها ما كشفت إلا جهله. عيناها المسبلة بعثت في قلبه الارتجاف. حاول أن يستخدم أسلوبه الفظ أو حتى يخرج صراخه الذي نواه، لكن تبخر كله كالدخان المتطاير. هتف بنبرة شديدة الحشرجة: _يعني إنتي شايفة إن في بينا حاجة غريبة؟ أجابته وهي تؤمي دون أن تحيد نظريها عن زرقة عينيه الساحرة: _أيوه.

هتف وهو مسلوب الإرادة: _والله ما في أغرب منك. عض شفتيه وزفر بحنق من اضطراب مشاعره أمامها، وكأنها أول من عرف وآخرهم، ليهدر متحيرًا: _عايزة مني إيه يا مجنونة إنتي؟ اقترابه بهذا الشكل أصابها بالشلل التام، لا مفر من النظر في عينه ذات الألوان المختلطة. لم تشعر بلسانها الذي نطق دون شعور: _جنوني مصدره عيونك.

كلماتها الناعمة ومظهرها المثير يفقده عقله دون مقدمات. خصلاتها المتمرّدة من حجابها بلون الفحم، توه في ظلمتها. ابتلع ريقه وأحكم القيد على قلبه المجنون، واستطاع وسط كل هذا الإغراء أن يرتسم الجمود، ليهدر بجدية مصطنعة: _ما إنتي طلعتي مش مجنونة مع الرائد "ريان"؟ ولا الجنان دا ما بيطلعش غير معايا؟ ضيقت طرف عينها وهي تسأله بمكر ساحر كاد أن يشتته: _اللي إنت وصيت عليا؟ فاجأته بإصابتها التخمين وتساءل مستفسرًا: _وعرفتي منين؟

ثم حاول ألا يظهر الاهتمام حتى بالإجابة، تفقده كل تعقله. ضحك ضحكة ساخرة ليكمل: _آه، ما إنتي مكشوف عنك الحجاب. ابتسمت نصف ابتسامة وأخفضت رأسها وهي تؤيد رأيه: _ما كنتش عرفت إنك هترجع. أنا بحس بكل حاجة قبل ما تحصل. لا يعرف كيف ينفك عنها بعدما أصبحت المسافة قريبة. أشعلت نارًا انطفأت منذ عقود، تأخذه في رحلة لم يرتب لها، تخطفه من عالم لعالم. بعثر أنفاسه الساخنة على بشرتها وهمس بنبرة مشبعة بالغموض: _تعرفي تتنبئي باللي جاي؟

رفعت وجه إليه وحدقت به غير مصدقة أنه خرج من أحلامها متجسداً بهذا القرب. نظر إليه لا يعطي أهمية لما يحدث، ساحر بشكل لا يوصف. كامل الوصف، ما يعيبه أنه لا يهتم بقلبها الذي يقفز في جنبيها كالارنب فرحاً ومتحمساً لكل ما تهمس به شفتاه. تشعر بنفس الأحاسيس التي عاشتها من قبل وهي معه بالحلم. وجدت نفسها تهتف دون وعي: _هتحبني وهترجع لي مهما بعدت.

تخدرت حواسه بما قالت، ليته يعلم أنها خطفته من الآن وسرقت كل شيء في قلبه من حب. دفع نفسه عنها بصعوبة، نافضاً عنه سهامها المارقة لقلبه، مصراً على عدم مجاراتها فيما تجره إليه، معلناً عصيانه على قلبه، مستخدماً سطوة عقله العنيد. هتف وهو يلوح بطرف بنانه: _رهان خسران. لم تبالي بما يقول، ظلت تنظر إليه وكأنها لم تصدقه. هي تعرف حبيبها حتى وإن أنكر. ابتسمت وهي تهتف بتحدي: _هتيجي تاني؟

أغضبته أكثر، لذا اندفع صوبها بهوجاء يهدر بغل ليحبط ثقتها الشديدة به، متمنياً أن يخفي كل هذه الثقة به من عينها الجارحة بـ: _إزاي ما تنبأتيش إني متجوز؟ نجح في سحب الابتسامة من وجهها وارتطم قلبها بصخرة عاتية أفقدته الوعي، لتردد خلفه بصدمة: _متجوز؟ أجاب دون أن يترف له جفن لصدمتها وعلى حالتها التي تحولت بشكل سريع: _أيوه، وبحب مراتي ومش ناوي أتجوز عليها أبداً أبداً.

خيب كل آمالها وهدم حلمها الذي ظنته حقيقة. تحجرت الدموع في مقلتيها وشعرت أن قدميها لم تحملها. خارت قواها تدريجياً، لحسن حظها أن ما سقطت عليه هو الفراش لا الأرض. هاجمها الحزن بشكل مفاجئ. كان "إلياس" يتبعها بصمت، متوقعاً أكثر من تلك الصفعة التي ستعيدها للواقع. وأد خطوة كادت تنطلق نحوها واستدار على عقبيه وهو يهدر بلا مشاعر: _عشان كده ما تستنينيش أرجع، وزي ما قولت لك رهانك خسران.

صوت صفعة الباب من خلفه أسقط قلبها أرضاً وانفجرت في البكاء بعدما أشبعها ضرباً دون لمسها. *** "منار" حضرت حقيبة ملابسها مستعدة للخروج من المنزل، لكن "شريف" ناب عنها في محادثة والدتها قائلاً بهدوء أمام حالتها السيئة: _منار هتيجي تقعد معانا يومين. رفعت يدها عن وجهها الذي ظهر عليه الألم وحزن عميق وقالت غاضبة: _منار مش هتخرج من البيت. تفتت "ماجدة" التي كانت تجلس إلى جوارها مستنكرة رفضها: _جرى إيه يا زينب؟ هي أول مرة؟

خليها تيجي معانا لحد ما إنتي وهي أعصابكم ترتاح. سحبت أنفاسها المختنقة وألقت نظرة على ابنتها التي لم تعطِ لها وجه، تنظر بعيداً عنه. ممسكاً بساعدها، لقد فشلت تماماً في السيطرة عليها. كبرت على العناد وأصبحت لا تطاق، تناطحها بكل قراراتها وتتصرف كالرجل دون الالتفات إلى مشاعرها ولا ما تتمناه. تتمنى أن تفرح بها، تريد أن تشعر أنها أنجبت عروس تزينها وترقص معها في حفل زفاف.

سمع "شريف" كل ما حكت عينها بصوت مسموع دون أن تحرك شفتيها. هنا عزم على إنهاء هذا العذاب لكلا الطرفين. سحب "منار" من يدها وتحرك بها للخارج وهو يقول بجدية: _منار هتبات مع ورد الليلة بس يا خالتي، والصبح هجيبها لك وأجي. خرج دون انتظار إجابة. اتخذ قراره ولن يعارضه أحد. هتفت "ماجدة" وهي تناديه: _شريف أنا هبات مع أختي. التف ليؤمئ لها وأشار برأسه لأخته كي تتبعه. خرجا معاً من المنزل. *** في المستشفى

تابع خروج "إلياس" من غرفتها رجل مجهول. أمسك هاتفه فوراً وتحدث إلى طرف آخر: _لسه خارج من عندها. تلقى إجابة مقتضبة من الطرف الآخر: _تمام، استعد واقتحم. ما يطلعش صبح بكرة غير والبت دي عندي. *** خرج "إلياس" من المستشفى يسأل نفسه متحيرًا: _أنا ليه ما ضربتهاش رصاصة في دماغها؟ الطاقة دي وارتحت.

لكن لا إجابة لديه، فهي تجذبه دون داعٍ، طاقة خفية تجعله يقبل بكل ما تقول، بل يعيش معها كل جنونها. وبرغم من ذلك نوى نية تامة عدم العودة إليها مرة أخرى مهما حدث. *** لدى تمار دخل "ريان" بعد يوم طويل من العمل، مستجدياً الراحة في النظر إلى وجهها، لكنه لم يجدها كعادتها في وجهه كما اعتاد. أن يدق الجرس ويفتح الباب فيجدها في استقباله. خطى وهو يحاول اكتشاف سبب غيابها اليوم عن مقابلته. ناداها متحصناً: _تمار أنا جيت.

لم يسمع إجابة منها، فانتشر القلق بداخله وهرع نحو غرفتها، لكنه أثناء مروره لمح إضاءة خفيفة تنبعث من غرفته، غير مسار خطواته ودفع الباب برفق، فوجدها متسطحة إلى فراشه تلتحف الغطاء. تيبس مكانه لوهلة، غير مصدق أنها هنا في غرفته وعلى فراشه. شعور غريب انتابه، شعور بعدم الطمأنينة وهمس بصوت منخفض وكأنه يحاكي نفسه: _إنتي بتعملي إيه هنا؟ ساعد الهدوء المخيم في المكان وصول صوته إلى أذانها، فأجابته وهي تحبس الدموع في مقلتيها:

_في مكاني الطبيعي. حتى وإن غيرت نبرتها، يستطيع أن يشعر بما تشعر هي به. اندهش من طريقتها الباردة والتي لا داعي لها. هو لم يقلها من يوم أن أتت معه إلى منزله. ترك لها غرفة كاملة وصار يتحرك في المنزل بخطوات محسوبة كي تأخذ حريتها بالكامل ولا تشعر بالحرج. وقبل أن تتملك منه الدهشة، تذكر أن اليوم كانت زيارة والدها. صر على أسنانه من حالة الاستسلام التي تعتريها وانطلق نحوها بحنق وهو يهدر: _أي مكان بتتكلمي عنه؟ قومي من هنا.

اعتدلت في نومتها وهي تحاول أن تتحلى بالشجاعة وأن تبدو أمامه كأنها سيدة القرار. عضت شفاهها المرتعشة وأجابته: _ما فيش أمل. بابا مش موافق على اللي إحنا عملناه. هنفضل بقى موقفين حياتنا لحد إمتى؟ برزت مقلتيه محذراً إياها من الاستسلام: _إن شاء الله ميت سنة. أنا مش عايز أكتر من إني أبقى مطمئن إنك معايا. غير كده، ده قرارك. صمتت لبرهة كي ترتب أنفاسها المتبعثرة وهتفت متصنعة الرضاء:

_خلاص، أنا قررت. من يوم ما مشيت معاك من عنده ما فيش داعي للانتظار. مسح فمه كي يهدأ هو الآخر. الأمر بالنسبة له صعب كما لها. لوح بإصبعه في وجهها ليكشفها أمام نفسها:

_بصي يا بنت الناس، أنا عارف إن ده مش قرارك وإن أبوكي النهارده ضايقك زيادة عن اللزوم وإحباطك عشان تيجي تتكلمي بالطريقة دي. وأنا بقول لك مش آخر الدنيا. في يوم من الأيام هيرضى بالأمر الواقع وهنكمل حياتنا سواء، بس من غير ما تحسي إنك رخيصة. هربتي مع عشيقك من أبوكِ.

لم تتحمل كلماته الأخيرة وانفجرت في البكاء. فما كان منه إلا أن دنا منها وجلس إلى جوارها، يمسح على رأسها بحنان متألماً أضعاف مما تتألم. بكاؤها يشعره بالعجز التام وقلة الحيلة التي لم يعتاد عليها. هتفت من بين نشيجها بألم: _أنا مش فاهمة ليه لازم نعيش كل الحرب دي؟ ليه ما يقبلش يحضر فرحنا ويقدمني ليك؟ ليه لازم يقف في طريقي سعادتي؟ ليه يرخصني أوووي كده؟

أجفل من كلماتها الموجعة وضمه إلى صدره ومسح على رأسها مراراً وتكراراً كي تهدأ، وهدر بصوت دافئ حنون:

_إنتي مش رخيصة، عمرك ما كنتي رخيصة. الست اللي تبيع الدنيا باللي عليها وتمشي مع حبيبها، حبيبها ده لازم يحطها على راسه ويحترمها. أنا موافق على كل اللي إنتي عايزاه، هفضل وراه لحد ما يوافق إننا نعمل الفرح. بصي للجانب الحلو، إحنا بقينا لبعض رسمي. فات الجزء الأصعب، اتبقى الصعب، وإن شاء الله مش كتير. أنا هسوق عليه كل القيادات، إن شاء الله حتى رئيس الجمهورية هيوافق، يعني هيوافق. رفعت وجهها من حضنه ونظرت في عينيه تسأله برجاء:

_تفتكر هيوافق؟ لم يسعه أمام عينيها الساحرة سوى الابتسام. أومأ برأسه وهو يجيب: _تفتكري أبوكي هيرفض طلب رئيس الجمهورية؟ ابتسمت بسرعة وهي تكفف بظهر يدها دموعها كالاطفال. أجفل بقلق من عدم تحقيق أمنيتها وابتعد عنها قليلاً وهتف مازحاً: _يلا بقى قومي على أوضتك وممنوع تيجي هنا تاني إلا بأمر من رئيس الجمهورية.

عندها ضحكت بشدة من مزاحه، فزفر براحة أنها استعادت طاقتها من جديد، متمنياً أن تعود إليه طاقته هو الآخر في مقاومة مشاعره. *** لم يهمل "عدي" الاستغاثة التي أتته من هذه الغريبة التي ترجوه بالبحث عن أختها التي دخلت بقدمها في قضية إرهاب. وأول من جاء بباله ليساعده هو "ريان مسعود". هو يعرف أن يده طائلة داخل أمن الدولة، وأن لم تكن تحت يده فسيكون على علم بها.

أمسك هاتفه وضغط على اسمه ليبعث له اتصالاً. لم يهمله "ريان" فورا، أخرج هاتفه من جيبه كي يلتفت عنها قليلاً. فتح الخط بينه وبينه وأجاب بنبرة متحشرجة تنم عن إرهاق: _أيوه يا عدي. قطب الآخر حاجبيه وهو يسأله أولاً: _هو أنا صحيتك من النوم ولا حاجة؟ زفر "ريان" مجيباً: _لا، ما كنتش نايم ولا حاجة. أنا بس مرهق من الشغل. ابتسم "عدي" وقد ارتاح ضميره أنه لم يقلق نومه وهدر على الفور:

_ما شي يا بطل. بمناسبة الشغل، في واحدة عندكم متصابة في حادث إرهاب اسمها "مكه إبراهيم السباعي". الاسم رن في أذان "ريان" على الفور، فيومه بالكامل لم يخفِ منه هذا الاسم. سأله فوراً: _بتسأل ليه؟ هتف "عدي" موضحاً: _أختها اتوسطت لي أسأل عليها. نفخ "ريان" بضيق من استمرار "عدي" في التزاحم مع الناس وحشر نفسه في مشكلات كبيرة قد تدفعه يوماً إلى السجن دون اعتبار لقيمة والده. هتف بملل:

_عدي مالكش دعوة بالحكاية دي. البت دي حكايتها صعبة والبلد في حالة مش مستقرة، لتدخلك إنت أو غيرك. _يا سيدي أنا بسأل، لسه عايز أفهم إيه حكايتها. هكذا أجابه "عدي" حتى يطمئن قلبه. فهب "ريان" من الفراش يخبره بغضب:

_أبوها يا سيدي منتمي لجماعة الإخوان وكل ما نيجي نقبض عليه بيدوخ ويتعب وبنضطر نسيبه عشان ظروفه الصحية. صحيح مش عضو نشط بس في حد ماسك له جمعية خيرية. هو مش مقتنع إن هو أصلاً آفاق ومخادع وليه مشاكل متلتلة مع الداخلية. فحكاية "إبراهيم" دي عاملة زي البيت الواقف، لا إحنا عارفين نمسك عليه حاجة ولا عارفين نقبض عليه برغم إنه تحت أيدينا وعنينا. وإحنا عارفين خطواته ولا حد عارف يقفل الملف بتاعه بسبب ابنه اللي اتوفى في المظاهرات من كام سنة.

سأله "عدي" بمكر: _طيب إيه دخل بنته؟ من إمتى يعني بناخد دول بذنب دول؟ أجابه مستنكراً سؤاله: _آآآه، روح المناضلة عندك هتشتغل؟ من الآخر يا ابني، إحنا ما أخدنهاش ولا قبضنا عليها. تقدر تقول كده، هي جات لنا برجليها، دخلت مبنى كنا عاملين له إخلاء عشان فيه عناصر إرهابية. والادهى إنهم دخلوا لاقوها معاهم. _اممم، قولتلي. طيب ما تطلعوها. هتف "عدي" ببساطة رداً على كل هذه المعضلة الصعبة. فباغته "ريان" برد قاطع:

_لأ. ولو إنت اتدخلت في الموضوع هنديها إعدام. سلام بقى عشان عايز أنام. ابتسم "عدي" على شراسته وهدر قبل أن يغلق الخط بينه وبينه: _طيب استنى، عايز أسأل على تمار. تفتت مقتضباً: _ابقى كلمها من تليفونها. سلام. أغلق هاتفه وهو يتمتم بغضب من هوجائيته: _بطل الشارع هيرجع للمظاهرات.

رفع وجهه عن هاتفه ليجد "تمار" التي اختفى صوتها من مدة تتمدد على فراشه بفوضوية وقد غاصت في نوم عميق. اتسعت عيناه غير مصدقاً وجودها على فراشه وهمس وهو يرمش بعينيه، يغضب من تجاهلها مشاعره: _هو أنا حيطة؟ *** في مكان جبلي سأل ذلك الرجل المتأسلم مدعي الدين الذين لا يعرفون عنه شيئاً سوى أنه ستار لكل أعمالهم القذرة: _معذرة يا أمير، إحنا هنعمل إيه بالبنت اللي جات؟ أجاب ما يطلق عليه الأمير:

_البنت دي كانت سبب في وقوع أفضل قيادات عندنا، وعشان كده لازم نساوم الحكومة إنها تفرج عن اللي تبقى منهم. قطب حاجبيه ليفهم مقصده، ليكرر وهو يربت على كتفه بحنان زائف: _لدي شعور غريب إن هذه البنت معهم، والله أعلم لديها علاقة مع المقدم "إلياس الناشمي". وإنت تعرف من هو "إلياس"؟

ذلك الذي قتل الكثير من إخواننا وتتبعنا لسنوات، ولأول مرة نرى بحياته أنثى. فلا تتجاهل زيارته المتكررة، مع إنه لا يحقق معها. فعلى ما يبدو إنها جاسوسة. على كل حال، فهي ستموت. المهم لدينا أسرانا، جنودنا الشجعان، أن يعودوا إلينا. ابتسم من جواره وهو يفهم الآن مقصده من جلب تلك الفتاة بوضوح، ليهتف باستسلام تام: _اللي تشوفه يا أبو صهيب. إنت أميرنا ونحن نثق بكم. منحه ابتسامة راضية وهتف أمرًا: _الآن، اذهب وأتيني بالفتاة. ***

شعور قاس اجتاح "زينب" بعد ما عاشته مع ابنتها. مسحت وجهها بضيق وهي تتمتم بحزن: _لا حول ولا قوة إلا بالله. ربتت أختها "ماجدة" على كتفها وهتفت لتواسيها: _براحة يا زينب، البنت مش عايزة الشدة وهي كدا كدا هتتجوز. التفتت إليها وبعينيها غيوم من الدموع وبنبرة مشتتة تشدقت بـ: _إمتى؟ بعقلها وبدماغها الناشفة دي هتعيش كدا عمرها كله؟ انفجرت في بكاء وهي تردف: _إنتي عارفة إني ممكن أموت في أي لحظة. المرض بينهش في عضمي.

جذبتها "ماجدة" إلى أحضانها وقد شعرت بوجع مضاعف وهي تبكي بحرقة: _إن شاء الله هتخفي. وبتقولي إن بنتك هي اللي دماغها ناشفة دي طالعة لك بالملي. معقول مش راضية تاخدي الكيماوي؟ أجابتها من وسط نشيجها:

_لو عرفت إني عندي سرطان مش هتوافق أبداً على الجواز. نفسي أطمن عليها قبل ما أموت، نفسي أموت وقلبي مرتاح من ناحيتها. مستحيل أسيبها في الدنيا لوحدها. أنا تعبت من نشفان دماغها. لو بس كنت أعرف إن اللي أنا زرعته فيها من وهي صغيرة عن أبوها وغدروا بينا هيخليها رافضة الجواز بالشكل ده، وكنت قطعت لساني. أنا غلطت، غلطت غلط كبير في حق بنتي. هتفت "ماجدة" وقلبها يتمزق على حالة أختها:

_يا أختي ما تعمليش في نفسك كده، البت كبرت وسبيها تختار. امسكت بيدها ورجتها بحرقة: _بالله عليكي يا ماجدة تخلي بالك عليها لو حصلي حاجة. أجابتها وتعابير وجهها تمتلئ حسرة على ما تفعله أختها بنفسها: _إنتي عارفة إن "منار" بنتي زي "ورد" بالظبط، وإن شاء الله هتفرحي بيها. هدرت "زينب" وهي تكفف دموعها بيدها ورفعتها إلى السماء: _يا رب أفرح بيها، وإن شاء الله أموت بعدها.

نظرت إليها مطولاً "ماجدة"، ويدور في رأسها شيء. طال صمتها، فنظرت لها "زينب" وعقدت حاجبيها وهي تحدق إليها بتعجب من نظراتها التي يبدو بها حديث تكتمه. ثوانٍ واختفت دهشتها وهدرت "زينب" برفض قاطع: _أوعي تقولي لي أجوزها شريف يا ماجدة. كده مش هطمن عليها. نفخت "ماجدة" بملل وأجابت بتذمر: _هو إنتي رأسك دي إيه حجر؟ إنتي عارفة إنه شاريها وعاجباه بعيوبها، لي بتقولي عليها؟ لوحت بإصبعها وهي تنهض من جوارها رافضة:

_هيطلقها تاني يوم. أنا عارفة بنتي. شريف نار وهي بارود، هو عصبي وهي عنادية. هربت على صدرها مولولة: _يا خرابى، لو عرفت إنه بيحبها يستحيل تديله وش ولا تكلم معاه. سيبيه بيته، بيقول لها إنه أخوه. نهضت من ورائها "ماجدة" وأشارت لها كي تشرح لها: _يا أختي اسمعي بس، حرام عليكي. الدنيا كلها شايفة الحب اللي بيحبوه لها قد إيه، وبنتك الوحيدة اللي مش حاسة، وإنتي عارفة ومنشفة دماغك. ما تبقيش إنتي وبنتك عليها.

احتقنت وجهها وتبرمت قائلة: _ابنك يستاهل أحسن منها يا ماجدة، مش عشان أفرح ببنتي يوم أنكد عليكي إنتي عمر. وإنتي شايفة ابنك هيتشل منها. وبعدين من الآخر، بنتي عايزة واحد ملوش شخصية وهي هتقوم بالدورين على أكمل وجه. أما شريف ابنك راجل وهي أصلاً مسترجلة. أردفت باستنكار: _يعني يرجع من القسم يلاقي الشاويش في البيت؟ ده إيه المصيبة دي؟ نفخت "ماجدة" بملل من فشلها، كل مرة نفس الحجة دون فائدة. رأس متحجر لا يقبل النقاش. ***

في المستشفى بعد ساعات، وتحدياً في منتصف الليل، هجم مجموعة من المسلحين على المستشفى، قاصدين غرفة محددة. ودون سابق إنذار اقتحموا غرفة "مكه" والتي انتفضت زعراً من مخدعها، تحدق برعب جلي في وجوههم وتسأل بفزع: _إنتوا مين؟ في إيه؟

انتشلها أحدهم من فراشها، فعلى صراخها لا إرادياً وبهستيريا انطلق بها إلى الخارج وسط هرجلة تامة، مما كانوا معه يقفون بالأسلحة الثقيلة. صرخت وتلوت بين أيديهم، لكن استحال مساعدة أي أحد لها أو حتى استطاعت الإفلات من بين أيديهم. *** من الجهة الأخرى وصل شريف مع ورد ومنار. دخل إلى فيلتهم الصغيرة ووضع حقيبتها إلى الجانب. لم ينبس فم "منار" بكلمة طول الطريق، يشعر "شريف" بما يدور بقلبها، حتى في صمتها يعرف أنها مجروحة.

جلست بصمت على الأريكة، فناداها متصنعاً الجدية بجملته التي يقولها دائماً عندما تتشاجر مع والدتها: _أهلك حاسين بقيمتك ولا تيجي عندنا؟ رفعت وجهها إليه دون حتى أن تبتسم كعادتها وهتفت فوراً بوجع: _وجعتني أوي النهارده يا شريف. نظر "شريف" نحو "ورد" وطلب منها بهدوء: _ورد لو سمحتي، اطلعي فوق. ولما أمشي هقول لك.

نهضت "ورد" من مكانها دون مجادلته، فوجه حزن يشابه حزن "منار". جلس في مواجهتها وهي في انتظار أي شيء من كلماته ليهدئها ويسكن ذلك الوجع الذي يفتك بيسارها. أجفل قليلاً ليستجمع قواه ما سيقوله، قد يفسد علاقاتهم للأبد أو يصلحها. ثم هتف ممهداً: _دلوقتي أمك مش هتطبل زن على موضوع الجواز ده. ولو سبتك تقعدي هنا يومين مش هتسيبك التالت. مسحت وجهها بعنف وهي تصيح متشنجة: _مش عارفة، هي مش عايزة تسيبني على راحتي ليه؟

أنا مش عايزة اتجوز، مش عايزة، أنا عايزة أكمل دراستي. سكت قليلاً حتى تهدأ وحدها وابتلع ريقه بقلق مما سيقول، لكن لا مفر. إن لم تكن له ستكون لغيره: _أنا هخليكي تكملي دراستك. اعتدلت في جلستها وسألته بتلهف: _إزاي؟ _هــتــجــوز. كلم، يعطي نفسه فرصة لمقدمات ستزيد الأمر صعوبة، ونطقها من بين شفتيه وفجر القنبلة. ضحكت دون تفكير وهو تقول: _إنت أخويا. أجابها دون أن يترف له جفن: _أنا موافق أبقى أخوكي، بس تقبلي تجوزيني.

وبعدما نفى فكرة المزاح، تصنمت ملامحها وسيطرت عليها الدهشة وهي تطالعه بعينيه مندهشة. جاهد "شريف" إخفاء كل مشاعره، وكان هذا أصعب من نطق الكلمة نفسها. حاول أن يرسم الجمود دون يحرك جفنيه. وبعد مدة من النظرات المتبادلة بصمت، همت بالنهوض وهي تشعر بوخز في صدرها واضطراب عنيف في مشاعرها. فوقف بوجهها يهدر مهدئاً: _اعرفي إني بعمل كده عشان مصلحتك. بدل ما إني شيال شنطة من بيتكم لبيتكم، هنتجوز ونفرح خالتك وتاخدي حريتك.

أصابتها الدهشة من عرضه السخي ومدى تضحيته، لكن تلك الغشاوة التي على عينها لا ترى الحب الذي ينطق به كل أفعاله وتضعها تحت بند الأخوية والمعزة الخاصة. هتفت مرتبكة: _أنا عارفة إنك جدع أوي يا شريف، بس مش لدرجة إنك تضحي بحياتك كلها عشان خاطري. ارتبك هو الآخر، ليته يعلم أن حياته كلها ستزهر بوجودها، ياليتها تشعر بكل ما يكنه لها وتتفاعل معه دون تذمر وإنكار مشاعره. التف عنها وقال بجدية كما عادته:

_وإنتي مين قال لك إن أنا هضحي بحياتي كلها؟ أنا طبعاً هتجوز. لا تعرف كيف استنكرت الفكرة وردت من ورائه بنبرة تشابه حالتها: _تتجوز؟ نفض كتفيه بخفة وهدر متصنعاً عدم الاهتمام: _أيوه، مش الشرع محلل أربعة. كانت كلماته تخرج دون ترتيب، يريد فقط إقناعها حتى لا تضيع من بين يديه. ردّف كاذباً: _عشان خالتك ترتاح وإنتي ترتاحي. مفيش مانع أديكي اسمي وإنتي كده كده متعودة على أمي وورد، يعني مفيش جديد هيحصل. فرح وليلة واسمي جنب اسمك.

أغرب ما سمعت. الأمور متلاحقة ولا تعرف أي إجابة أو أي قرار تتخذه. هتفت مترددة: _استني بس... مش عارفة... إنت لخبطتني أوي يا شريف. قلبه كان يقول أكثر من هذا الصمت الذي بينهم، يريد أن يقول بأعلى صوته وبكل مشاعره المدفونة وبكل صدق: _نفسي أبدأ بيكي عمري، بحبك قد الحب اللي في الدنيا. لكن رغماً عنه تغير كلامه ليهدر جامداً:

_إنتي عارفة إن ما فيش حد في الدنيا بتفاهمي معاه غيري. يبقى لي ما نعيش الفترة الجاية دي سوا، تكملي دراستك وتحققي اللي إنتي عايزاه. رفعت وجهها إليه وهي تتفرس كل شبر به، لعله يضحك وينتهي مزاحه الذي شتت عقله. لكنه كان جامد كالصخر، يبدو أن كل ما يطرحه من فكرة حسب كل مخارجها وأبعد كل ما يفسدها. فسألته بشك: _إنت فاهم يعني إيه هنتجوز؟ يعني يعني...

توقفت وعضت شفتيها. مهما كان الفكرة كلها تضيق الخناق على تفكيرها. فأكمل عنها وهو يثبت نظره على عينيها، لعله يؤثر بها ولو بالقدر الذي يجعلها تفكر في الأمر بجدية: _عارف كل حاجة. أنا هفضل شريف أخوكي وصاحبك وحلال مشاكلك زي ما اتعودتي. هتفت بتردد: _بس... قاطعها قائلاً: _فكري من هنا للصبح، وأنا هروح أبَات في الشقة التانية. سألته وهي تضم حاجبيها: _ليه؟ ابتسم مرغماً من توترها البائن، والذي يجعلها تتصرف أخيراً كالفتيات:

_وأنا من إمتى بات هنا وإنتي موجودة يا منار. ابتسمت هي الأخرى وحكت رأسها: _آآه، أنا نسيته. دردر وهو يلتف عنها مستعداً للخروج: _خلي بالك على نفسك، ولو احتاجتي حاجة اتصلي. إنتي عارفة إن الشقة مش بعيدة. أومأت وهي تجيبه: _عارفة. نقّر بإصبعه على جبهتها وهي يهدر مازحاً: _بفكرك لاحسن تكوني نسيتي. أخرجت لسانها إليه وهتفت بشقاوة: _ما بنساش. حرك رأسه والتف قبل أن يجبرها على توقيع عقد الزواج رغماً عنها دون إهدار للوقت. ***

"إلياس" كان ينام في فراشه، يغط في ثبات عميق. حتى تكرار رنين هاتفه لم يؤثر به. أخيراً يحلم بطيف المجنونة تناديه باستغاثة: _إلحقني... يا إلياس. وكما رفض ندائها في الواقع، رفضه في الحلم، مستيقظاً على صوت هاتفه الذي كاد يقطع أذانه. أمسكه ونظر إليه بنصف عين، ثم وثب من نومه عندما رأى اسم اللواء يعتلي شاشته. فتح الخط سريعاً، حاول إخفاء آثار النعاس عن صوته وهتف باهتمام: _أيوه يا فندم.

ثوانٍ معدودة استطاع شرح ما يريد باختصار، ليتوقف عقل "إلياس" عند نقطة معينة رددها زاعقاً: _اتخطفت؟ وانتفض من فراشه مذعوراً ليكمل محادثته: _أبو صهيب سايب ورقة طالبك إنت بالاسم دوناً عن الداخلية كلها. أغمض عينيه لبرهة ليهتف بتريس متمالكاً أعصابه التي أوشكت على الانفجار: _حاضر يا فندم، هنتظر مكالمتها.

أغلق هاتفه، ترك العنان لإفلات أعصابه. ركل الطاولة القصيرة التي أمامه بقدمه ودار حول نفسه بغضب وشراسة كذئب ضارٍ حبس عن حياته البرية. لتُوكور قبضته وراح يلكم الحائط حتى نزفت قبضته. "ملعونة". استغلها ليضغط عليه. ساحرة وشيطانه خرجت لتخبره أنها ما إن احتاجته ستهمس فقط باسمه وسيأتي زاحفاً، بل ومهللاً رغماً عنه. خسر الرهان معها أنه لن يعود الآن، وفي ظل ما حدث لابد أن يذهب بنفسه، وأيضاً من أجلها. ***

جلس على فراشه مهزوماً، لأول مرة يشعر أنه في مهمة صعبة. لطالما كان يرمي نفسه في النار فداء وطنه، لكن هذه المرة مختلفة. هذه المهمة بها "مكه" الذي بات يتخيل كل السيناريوهات البشعة التي أقحمت نفسها بها ويزداد غضبه أكثر وأكثر. لم يدرِ كم مر من الوقت وهو ينكس رأسه بحنق ويعقد يده بين ركبتيه. صدح هاتفه بالرقم الذي ينتظره، أمسكه وهو يعض على أسنانه محاولاً كبح غضبه المستعر بين جنبيه: _أفندم. أجابه أبو صهيب أو جابر:

_أهلاً يا باشا. في حاجة عندنا ليك واحنا لينا عندك حاجة. زفر "إلياس" عندما تأكد ممن فهمه هذا المخبول وأجاب بصوت جامد خالٍ من أي تأثير: _أنا مش فاكر إني بسيب حاجة وأريها لحد ياخدها، وبرضه مش فاكر إن كان ليك عندي حاجة. أتاه صوت ضحكة متهكمة تبعها بحدة: _لأ، ما تقولش إنك متخانق مع السنيورة بتاعتك اللي من ساعة ما جات بتعيط وتقول هاتولي إلياس.

أجفل عينه مصاحباً بها صرير على أسنانه مما تفعله هذه المجنونة والذي يورطها أكثر، فهذا آخر مكان ممكن أن تنطق به اسمه. ولكن على فجأة سمع صوت صراخها و"جابر" ينهرها قائلاً: _قولي له حاجة، خليه يتأكد إنك عايزاه. نهض من مكانه وكل حواسه في تأهب ليسمع صوتها ويطمئن لبقائها على قيد الحياة. سمع صوت تآوهاتها المتألمة حتى قطع "إلياس" كل هذا بصوت حاد يخفي في طياته وجع من صوتها المتألم: _عايز إيه مني يا جابر؟ هتف الآخر أمرًا:

_عايزك... وقبل أن تحل الدهشة على وجه "إلياس" أردف بجدية: _عايزك ولوحدك. لم يكن أمام "إلياس" خيار آخر لتخليص "مكه" والتعرف على قرب من عدوه اللدود الذي يطارده منذ سنوات كالشبح. أكمل "جابر" بثقة أنه سيحضر: _حسك عينك حد من الداخلية يجي معاك، وإلا هتكون السنيورة في مترو الأنفاق بكرة بحزام ناسف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...