ازدادت الحيرة عندما أخبرهم الطبيب بضرورة نقل "مكة" فوراً للمشفى لتخضع لعملية. وزادت الخطر، والدقيقة التي ستمر قد تؤدي بحياتها. أصبح لا مفر من هذا.
حاولت "مرام ووالدتها" حملها معاً، لكن ثقل جسدها كان أكبر من قوتهن البدنية. من تحمل تراخي جسدها، مما دفع "كامل" ليتلقفها من أيديهن مهرولاً بها عبر درجات السلم للأسفل، وسط ذهول ودهشة تملكت الجميع. إنه مجرد جار قريب إليهم، لا شيء يدفعه للتصرف بهذا الشكل، خاصة وأنهم أسرة محافظة. وكذالك "هو" معروف عنه الالتزام.
لكن أمام شبه فقدان "مكة"، استسلموا إلى الالتحاق به دون منعه. استقل سيارته بعدما وضعها برفق في الكنبة الخلفية. وسريعاً جاورها أختها ووالدتها. وإلى جواره جلس "إبراهيم" ليقطع بهم المسافة بسرعة البرق. لم يكن طوال الطريق على لسان والدها سوى كلمة واحدة يهدئ بها قلبه المرتجف: "إستر يا رب".
بين الحين والآخر كان يلقي "كامل" نظرة سريعة في المرآة عليها. النظر إليها بالنسبة له كان شيئاً مستحيلاً. لكن بالنسبة لمكة كان الأمر مختلفاً، بعدما عزم على الارتباط بها، لكن الظروف دائماً كانت لا تساعده، والوقت دوماً كان يعانده.
وصل إلى باب المشفى وكرر ما فعله من جديد. حملها بين يديه ليهرول بها نحو بوابة الاستقبال، دون انتظار أبويها أو حتى الممرضين. خطواته المتعجلة ومظهرها الذي يوحي بانتهاء أنفاسها أثار ارتباك الجميع الذين اتجهوا نحوه.
إلا عينان صقريتان تتابع عن بعد، كانت تشتعل لهذا المنظر. كان اختباراً قاسياً للغاية لمعرفة حقيقة مشاعره تجاهها. غيرة وتربعت النيران في صدره، وتداخلت مشاعره في مبارزة قوية. يخشى عليها، ولكن في نفس الوقت يريد نهرها لسماحها ليد تمتد عليها، حتى وإن كانت غير واعية. هذا بالنسبة له خيانة، بعدما زرعت فكرة أنها ملكه وتخصه وحده.
ضغط على رأسه بقوة حتى يتحمل كل هذا الضغط النفسي الذي وضعته فيه تلك النائمة بين الحياة والموت. وفي هذه اللحظة كان عليه أن يصدقها، أن ما بينهم ليس عادي، بينهم شيء يجذب أرواحهم، مهما أنكر هو ذلك. *** في سيارة شريف
عاد كل من ماجدة وزينب من هذه الزيارة المؤلمة. ظلت "زينب" شاردة طوال الطريق تفكر في ابنتها الوحيدة. لا تريد لها أن تكتشف حقيقة مرضها، لا تريد أن تهتز صورتها أمامها، ولا تحزن لها قلباً. إنها أحد حروب الأمومة التي تخوضها الأمهات. لديها القدرة لتحمل ألف سهم يرشق في ظهرها، ولا تتحمل خدش واحد في جسد صغيرها. أفاقت من شرودها عندما لاحظت أن "شريف" اتخذ مسار منزلهم. وانتفضت قائلة: "لأ يا شريف، وديني بيتي." نظر إليها
بدهشة وتساءل باستنكار: "عايزة تروحي البيت ليه يا خالتي؟ هدرت بصوت متعب: "أنا لسه محضرتش نفسي إني أقول لمنار، ومش عايزها تشوفني وأنا تعبانة." تساءلت "ماجدة": "إنتي هتفضلي مخبية عليها لحد امتى؟ أجابتها بحزن: "مش عارفة، ياريت لو تقولولها إني سافرت لحد ما أخلص الجلسات بتاعتي." هتف "شريف" وهو يوزع نظراته بين الطريق وبينها: "منار كبيرة، واكيد هتفهم. ثم إنك إنتي كمان محتاجاها جنبك." أكدت "ماجدة" على كلام ابنها بـ:
"أيوه فعلاً، كلنا لازم نبقى جنبك." لوحت بيدها بالاكتفاء لشعورها بالإرهاق الشديد: "عندها امتحانات الفترة الجاية، ومش عايزة أضيع عليها فرصتها في تحقيق حلمها. أرجوكم سيبوني أرجع شقتي النهاردة، وبعدين نفكر هنبلغها إزاي." اعترضت "ماجدة" قائلة: "يا زينب، كدا مش هينفع... قاطعها "شريف" وهو يحول وجهته إلى طريق آخر: "خلاص يا ماما، سيبيها على راحتها. روحي إنتي باتي معاها، وأنا هرجع لمنار وورد."
تحت إصرارها الشديد، خضعت "ماجدة" إلى فكرة "شريف" في المبيت معها. *** عاد من جديد إلى منزله واتجه إلى غرفته أولاً، لكنه وجدها خالية تماماً. دار على عقبيه نحو غرفة "ورد" ونقر بهدوء وهو ينادي: "ورد." استمع إلى صوتها من خلف الباب وهي تدعوه: "ادخل." ولج إلى الداخل وهو يسأل بإرهاق: "هي منار... بتر سؤاله لرؤيتها متممدة إلى الفراش بعشوائية، تغط في نوم عميق. نهضت "ورد" من على مكتبها واتجهت نحوه وهي تهتف:
"نايمة زي ما إنتي شايفه." ازدرق ريقه وحرك رأسه بتفهم، لكن في عمقه كانت الخيبة. لقد ظل طوال اليوم يتخيل وجودها معه في نفس الغرفة، ويحلم بالليلة التي ستنضم معه إلى فراشه. وقد خيبت هي كل آماله. فجأة، عزم على الخروج، لكن أوقفنه "ورد" متسائلة: "خالتي عاملة إيه؟ زفر وهو يجيبها: "دماغها أنشف من دماغ بنتها." همت لتسأله من جديد، لكنه لوح مقاطعاً: "بعدين نتكلم يا ورد. أنا تعبان ورجلي مش شيلاني، وعندي شغل الصبح."
خرج من الغرفة يجر أذيال الهزيمة. خدعته من جديد ببرائتها. وصل إلى غرفته وأغلق الباب بقوة، وانتزع قميصه بضيق وقذفه أسفل قدمه دون اهتمام. واتجه إلى فراشه الخالي الذي طالما حلم أن تشاركه إياه. ولكن حتى بعدما أصبحت زوجته وفي منزله، بعيدة جداً كبعد النجوم.
ظل صامتاً وبداخله ضجيج لا يهدأ. وفجأة انتفض من مكانه ووثب عن الفراش ليلتقط قميصه ويرتديه على عجل دون أن يغلق أزراره. فتح الباب وطوى الأرض بخطوات متعجلة نحو غرفة أخته. طريقة طرقه هذه المرة كانت عنيفة بعض الشيء، جعلت "ورد" تنتفض من مكانها لتفتح بنفسها وعلامات الدهشة تملأ وجهها. لم يترك لها مساحة، اقتحم الغرفة نحو الفراش الذي يضم "منار" ومال بجذعه ليضع يده بهدوء أسفلها ومن ثم انتشالها بين أحضانه وفرد قامته بانتصار. لقد فاز أخيراً بضمه إليه. لم تتفوه "ورد" بكلمة بعدما رمقها محذراً وهو خارج من الغرفة وضم فمه بعلامة السكوت.
وصل إلى غرفتهم ووضعها برفق فوق الفراش. تأملها قليلاً وهي مستسلمة في النوم وانضم إليها بعد برهة وهو يزفر بارتياح بعدما أصبحت بجواره. *** "تمار" سألت نفسها مراراً وتكراراً، كيف تخلى عنها "ريان" بهذه البساطة بعدما خاض حرباً دامية مع والدها للحصول عليها؟ وكيف غلبت عليه قسوته لإرغامها على العودة لمنزل أبيها من جديد دون حتى سؤالها؟
الصمت الذي اعتراها كان يمزق قلبها بنصل حاد. هدوؤها الخارجي من وقت عودتها إلى والدها يوحي بكارثة قادمة على رأسها لا محالة. انكمشت على نفسها في زاوية الغرفة وامتنعت عن الطعام والشراب. لم تطالع هاتفها ولم تحيد بصرها عن نقطة واحدة. كل شيء حولها باهت وحزين. الصمت الموحش كان يقتلها ببطء، والبحث عن إجابات أسئلتها جعل رأسها يدور، بينما العالم بعينها واقف.
دخل إليها والدها "رأفت" بوجه واجم. برغم فرحته بعودتها إلى كنفه، إلا أن حالتها السيئة وامتناعها عن الطعام يؤرقه. دنا منها وهتف بتأثر: "لسه برضوا مش عايزة تكلميني؟ يعلم جيداً أنها لن تجيبه، فاسترسل:
"يا بنتي، ما ينفعكيش. دا واحد أكبر منك وكان متجوز كمان، يعني عاش شبابه وشبع من الدنيا. وإنتي لسه في بداية شبابك. متطلباتك غير متطلباته اللي في دماغك مش في دماغه. افهمي إنه مش مناسب. مهما قلبك مال، هتلاقي نفسك على طول بتدي وما بتاخديش. صدقيني، العلاقة دي لو كانت هتستمر، كان هيبقى هو الوحيد المستفاد وإنتي الوحيدة الخسرانة." ربت على كتفها حتى يتأكد من إيصال فكرته إليها، لكن كيف تقنع ميتاً بالعودة للحياة؟ ***
"في المستشفى" دخلت "مكة" إلى غرفة العمليات لإجراء جراحة لاستئصال المرارة. ووقف الجميع بالخارج في انتظار الاطمئنان عليها. بعد ساعات من القلق، ومع استمرار رنين هاتف "مرام"، استجابت أخيراً لضغط زر القبول. وابتعدت خطوات عن والدتها ووالدها وهتفت: "السلام عليكم." أتاها صوت "عدي" بزفير كأنه انتظر طويلاً هذه الإجابة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أخيراً رديتي، أنا كنت قربت أفقد الأمل إنك هتكلميني تاني." هتفت بتوتر وهي
تنظر خلفها باتجاه والديها: "بعتذر، أصل ما سمعتش التليفون." هدر بمرح ظهر جلياً في نبرته: "خلاص، عشان أقبل الاعتذار توافقي على طلبي." ضمت حاجبيها كي تفهم قصده، ثم ارتخت تعابيرها عندما تذكرت ما طلبه منها: "الحقيقة، أنا كنت هكلم حضرتك وأبلغك إني قلقانة لأني ما أعرفش أشتغل الشغل دا." أسرع بالقول ليمنعها من الرفض: "ما تقلقيش خالص، الموضوع أسهل مما يكون. مهمتك هتكون ترتيب مواعيدي بس."
لم تجد مفراً، فهي في حاجة ماسة للعمل، وكذلك الاندماج في المجتمع حتى تخفف من مأساتها. بعد مدة قصيرة من الصمت، قالت باقتضاب: "تمام." كأنه التقط جائزة، تهلل وهو يرد عليها بسعادة: "طيب، أشوفك بكرة." نفت بسرعة: "لأ، بلاش بكرة." ترددت قليلاً قبل أن تخبره، لكنها شعرت بحتمية إعطاء مبرر مناسب لرفضها، فقالت: "أختي في العمليات، ولازم أطمن عليها." هدر باهتمام: "ألف سلامة عليها. طيب، هي في مستشفى إيه؟ أخبرته: "مستشفى الشفا."
سمعت صوت جلبه من خلفها باسم أختها، فالتفتت لتجد أنها خرجت أخيراً من العمليات. فهتفت بتعجل: "طيب، عن إذنك دلوقتي." ركضت باتجاهها، لكنها ما زالت تحت تأثير البنج. نُقلت إلى عنبر الجراحة، وتبعها والديها ومرام. *** بالنسبة لـ إلياس لم يكن يحتاج مجهوداً للوصول لغايته، بعدما وضع بطاقة هويته الخاصة على سطح مكتب مدير المستشفى، والذي هب واقفاً يهدر بترحيب: "أهلاً وسهلاً يا فندم، اتفضل."
دعاه إلى الجلوس بحفاوه، واستجاب "إلياس" لحاجته لذلك. من ساعات وهو يقف على قدمه في انتظار خروجها من غرفة العمليات. مسح على جبهته ليرتب أفكاره، لكن أخذه صوت المدير متسائلاً وهو يرفع سماعة الهاتف: "تحب تشرب إيه؟ رفع "إلياس" وجه إليه وقال نافياً: "لأ، شكراً. أنا جاي في مهمة." وضع "المدير" الهاتف وظهر القلق على وجهه وبدا مهتماً بما سيقول. لم يطل "إلياس" الصمت. نطق اسمها الذي لا يُنسى بجدية:
"مكة إبراهيم السباعي. مريضة جات الاستقبال من ساعات قليلة، عملت عملية الزايدة ودخلت عنبر الجراحة." حاول "المدير" الاستيعاب أو التظاهر بالفهم. بالتأكيد هو ليس على علم بالوارد والصادر، وهذا الذي يجلس قباله يعرف معلومات دقيقة عن مقر عمله، هو نفسه لم يعلم بها. انتشل صوته وهو يأمر بثبات: "مطلوب تخرج من العنبر المختلط وتروح أوضة خاصة، وما حدش يبات معاها عشان هيبقى عليها حراسة، وأنا اللي هتولى حراستها." حرك الآخر
رأسه وهو يهدر باستجابة: "حاضر يا فندم، بس ممكن نفهم الأسباب؟ حاول رسم ابتسامة على وجه، لكنها ظهرت بلا معنى، ورد عليه بـ: "تقدر تقول إنها مستهدفة من قبل جماعات إرهابية، وحمايتها واجب علينا." اكتفى "المدير" بما قاله وضغط زر الاستدعاء لينفذ مأربه. لم يهتم "إلياس" بما يحدث. كل ما يشغله هو سرعة الإجراءات لرؤيتها من جديد والاطمئنان عليها. هب واقفاً ليلقي بآخر طلب في تحذير: "ممنوع حد يعرف من أهلها أو أي شخص عموماً غيرك."
"طبعاً يا فندم." هكذا جاء الرد الذي جعله يلتف من أمام مكتبه براحة. بقى القليل من الوقت للحصول على غايته. خرج دون نية للمغادرة، هو يجول في الأرجاء ويراقب من بعيد لبعيد كالصقر الجارح الذي ينتظر غنيمته. *** في وقت قصير، وبين ضجيج المكان بالزائرين وأنين المرضى، تجمعت أسرة "مكة" حولها. بالكاد كانت تفتح عينيها وتغفو. يحاول والديها التواصل معها بـ: "مكة، إنتي سامعاني يا بنتي؟
حركت رأسها ببطء، لكن دون أن تفتح عينيها. تبدو كأنها في نعاس عميق من أثر البنج. ومع شعورها بالألم، هتفت "مرام" وهي تمسك براحة يدها: "قلقِتيني عليكي أوي يا مكة." هذا الثقل الكبير الذي في رأسها يمنعها من التواصل بشكل جيد مع من حولها، أو حتى التأثر بما يقولون. أزاح الستار قليلاً "كامل" ليقول: "السلام عليكم."
لم يستطع منع عينه من التطلع إليها. يعلم أنه لا معنى لتواجده معهم، لكنه لن يرحل حتى يطمئن تماماً عليها. حتى أنه لم يستمع إلى رد السلام من الموجودين. هتف بتوتر وهو يناوله ما بيده: "أنا جبت العلاج اللي طالبوه أهو يا شيخ إبراهيم." كانت حجة مناسبة للحضور، لكن بعد ذلك لم يكن هناك أي حجة لبقائه. "ربنا يجازيك خير يا ابني، تعبناك معانا." نفى "كامل" بهدوء: "ولا تعب ولا حاجة، أنا ما عملتش غير الواجب."
كرر "إبراهيم" شكره ممتناً لمساندته له ولعائلته في هذه المحنة المفاجئة: "واجب إيه يا ابني؟ الله يرضى عنك، دا لولا فضلك بعد فضل ربنا كانت... قاطعه الآخر بتلهف: "لأ، بعد الشر. إن شاء الله هتقوم بالسلامة. ربنا يحميها لشبابها." "يارب." انقطع الحديث عند هذا الحد، ووقف "كامل" مشدوداً بحرج. لا يعرف ماذا يفعل، لا يريد الرحيل، ولا يجد دافعاً لاستمرار وقوفه بينهم. حتى قفزت إلى رأسه حيلة لجعل بقائه منطقياً، فطرحها سريعاً:
"أنا هستنى برا عشان لو حد حب يروح يجيب حاجة من البيت أو المستشفى. طلبت أي طلبات." صاح "إبراهيم" بخجل: "والله يا ابني الواحد مش عارف يودي جمايلك دي فين." "كامل" ألقى نظرة جانبية إلى "مكة" ورد عليه برضاء: "ولا جمايل ولا حاجة، المهم سلامتكم." دخل إليهم طاقم من الأطباء والممرضين دفعة واحدة، وبدأوا في نقل "مكة" من الفراش الجلدي إلى آخر متنقل. وطوى المحاليل، مما أثار دهشة الحضور. فسأل والدها: "في إيه؟ أجابه أحد الممرضين
وهو مستمر في عمله: "هنقل المريضة غرفة خاصة." نهض "إبراهيم" والدهشة تسيطر عليه، ليسأل من جديد: "ليه يا ابني؟ أجاب الآخر بعدما شرع في دفعها بالفراش من مكانها: "عشان الجرح العملية بتاعتها صعبة وحالتها مش مناسبة للعنبر هنا." لم يكن أمامهم سوى الهرولة خلفهم ورضاهم بالاهتمام بحالتها، أنساهم تماماً الشك في أي شيء غير طبيعي. ومن يرفض غرفة خاصة في مستشفى حكومي بعد رؤية العنبر المختلط والذي يعج بالزائرين.
انتقلت "مكة" إلى غرفة بمفردها، وفي نفس الرواق، أعين الصقر تتابع من بعيد في انتظار بلهفة اللحظة الحاسمة للدخول إليها، والتي باتت قريبة جداً. "ما ينفعش حد يبات معاها." هكذا هتفت الممرضة لتجيبها "مرام" باستنكار: "إزاي يعني؟ هنسيبها لوحدها؟ رفعت كتفيها لتهدر دون اكتراث: "والله دي الأوامر. ثم إن التمريض هيمر عليها وتقدروا تيجوا في ميعاد الزيارة الصبح." "هتفت "خديجة" متوسلة:
"يا بنتي، الله يرضى عليكي، ما ينفعش نسيبها تبات لوحدها." أجابتها "الممرضة" دون أي شفقة: "وأنا أعملك إيه يا حاجة؟ دي الأوامر." ومع نظرات التوسل المتواصلة التي رمتها "خديجة" للممرضة، ربتت على كتفها لتطمئنها بحنو زائف: "هي مش هتحتاج حاجة لأنها واخدة مسكنات هتنيمها طول الليل." حستها على التنازل عن رغبتها وأردفت: "أنا بنفسي هبقى أمر عليها بالليل في النبطشية."
ارتخت نظرات "خديجة" بأسف بعدما فشلت في إقناعها بالبقاء إلى جانب ابنتها. رحلت العائلة بعد انتهاء مدة الزيارة المحددة، ودعوا "مكة" وتركوه في الغرفة وحدها. "إلياس" أصبحت الآن وجبته جاهزة. انطلق نحو الممرضة التي خرجت من غرفتها لتو ليسألها: "إديتيها المسكن؟ أجابته وهي تحرك رأسها بالإيجاب: "أيوا، هي نايمة دلوقتي." تجاوزها ليمسك بالمقبض، وما أن أداره وكشف ما بداخل الغرفة وظهرت له من جديد، مغمضة العينين، حتى هتف هامساً:
"الأميرة النائمة." وقف مشدوداً. لقد عاد لها بكامل إرادته أو بدونها، لا يعلم. مسح بعينه وجهها الذي اشتاق إليه بتلهف طيلة شهر كامل. نازع نفسه في رؤيتها، قاوم بشدة قدمه التي كادت تخونه وتذهب إليها. أما الآن، فقد أثبتت له بالدليل القاطع أنها "مشعوذة". وإلا كيف استطاعت الوصول إلى قلبه والاستيلاء على كل حواسه؟
أغلق الباب من خلفه وتقدم نحوها. آتى طائعاً دون أن تناديه هذه المرة. أتى من جديد، لكن باختلاف الأسباب والأماكن. المرة الأولى جاء لاستجوابها، وهذه المرة جاء لتستجوبه هي. يعلم جيداً أنها لو كانت مستيقظة لسألته مئات الأسئلة لإثبات وجهة نظرها وصدق حدسها. لكن سباتها العميق أنقذه من ذلك. كان عليه شكره، وإلا بماذا كان سيبرر وجوده هنا هذه المرة؟
جلس في مقابلها وعينه لا تحيد عنها. ظهرت له من العدم وخلقت له حالة لم يستطع تجاوزها حتى بعد تركها. تمتم باسمها: "مكة." لها من اسمها نصيب. النفس تهفو إليها رغم أنها ليست موطنك. تشتاق لها ولم تطأ قدمك أرضها. ساحرة تشبه جنة الخلد، بكل ما سمعت عنها. تتمنى الوصول لها، أمل في الراحة المؤكدة. "مكة"، النعيم المعجل في هذه الدنيا، لكنها لمن استطاع إليها سبيلاً. *** في فيلا "شريف"
انتفض من مكانه مذعوراً على صياح مجنونته "منار" قائلاً بفزع: "في إيه؟ ابتعدت عن الفراش ووقفت على بعد خطوات وهي تسأله بضيق: "إنت اللي في إيه؟ هدر وهو ينهض من مكانه هو الآخر: "هو مين اللي بيصرخ؟ أنا ولا إنتي؟ أجابته وهي تضع يدها في خاصرتها بحنق: "أنا إيه اللي جابني هنا؟ أنا كنت نايمة عند ورد، إزاي أصحى ألاقي نفسي نايمة جنبك؟ زفر أنفاسه بعد معرفة السبب وهدر من بين أسنانه: "عشان ده الطبيعي."
وقبل أن تجادله أكثر، لوح بإصبعه محذراً: "اسمعي بقى. أنا مش فاضي لدلع بتاعك ده، أنا عندي شغل." وجد أن أفضل طريقة لصد الهجوم هي الهجوم المماثل، لذا هدر باستطناع الجدية: "بطلي جنان واعقلي كدا، وإلا قسماً عظماً يا منار هعملك معاملة تانية خالص. مش كفاية إنك بتستغليني وأنا ساكت؟ نجح بالفعل في إسكاتها. بل لامت نفسها بسهولة. أخفى شبح ابتسامته واستدار عنها متجهاً نحو المرحاض. فنادلته بوجوم: "شريف."
أجفل بتعب من نبرتها خشية من مجادلتها فيما حدث، فأجابها بحنق: "إيه تاني؟ هتفت بروية وهي تحذر ردة فعله: "ممكن تاخدني في طريقك للكلية؟ التف إليها وابتسم برحابة: "طيب، اجهزي."
أكمل طريقه نحو المرحاض واغتسل سريعاً بداخله سعادة لا توصف بهذه الليلة التي قضاها معها، وأيضاً فراره من مجادلتها. اشتعل حماسه ونوى بجدية إخبارها بإنهاء هذه اللعبة والاعتراف بكل مكنون صدره وشرحه لها دون خجل أو خشية من ردة فعلها. خرج ليترك لها المرحاض، وعينه تطاردها وهي تلملم أوراقها وتجهز ملابسها. أضافت بوجودها معه نوراً إضافياً في هذه الغرفة المظلمة وملأتها سعادة وراحة، حتى وإن لم يلمسها. حضور "منار" بالنسبة له فرح دون سبب.
مرت من جواره وقد لاحظت متابعته لها وسألته بتحدي: "في حاجة؟ رفع أحد حاجبيه وهو يجيبها بتعجرف: "حكومة. في عندك مانع؟ ربتت على كتفه وهى تهدر بسخرية: "على نفسك مش عليا." تجاوزته سريعاً قبل أن يرد عليها، لكنه ابتسم من مشاكساتها التي هي أشبه بالحقيقة. مهما علت سلطته، فلا سلطة تعلو على سلطة قلبها على قلبه. *** بعد مدة قصيرة انتظرها بالسيارة متعمداً كي يجري اتصالاً مهماً جداً، متسائلاً من خلال هاتفه:
"أجي آخدك يا ماما ونروح المستشفى؟ أجابته الأخرى: "لأ يا حبيبي، أنا عارفة إن عندك شغل. هطلب عربية ونروح." لم يكن يمتثل لرغبتها إلا لتواجد "منار" معه. فسأل بتأثر: "وهي عاملة إيه دلوقتي؟ قالت بصوت حزين: "ما نامتش طول الليل، كل همها إن منار ما تعرفش، وعايزة تقولها إننا سافرنا لحد ما تخلص." زمجر بضيق: "تخلص إزاي يعني؟ هو مشوار؟ الموضوع مطول...
قاطع كلامه عندما لمح طيفها قادمة نحوه من البوابة الداخلية للفيلا. شملها بنظرة فاحصة. لم يهتم ولو لمرة واحدة بماذا ترتدي. يعرف جيداً أنها تغطي أكثر مما تكشف وترتدي ما هو أقرب لملابس الرجال أكثر مما يرتديه رجال هذا الزمان. لكن هذه المرة كانت مختلفة. لقد زادت من رسميتها بهذا الجاكت البني والبلوزة البيضاء التي أسفله ذات الياقة المتوسطة. مع عقصة شعرها الدائمة أعطتها مظهراً من بعيد كالرجل. كانت هي الأخرى تتابع حركة يده العصبية وهو يتحدث في الهاتف.
اقتربت من الباب وفتحت السيارة لينهي مكالمة سريعا: "خلاص، نتكلم بعدين يا حبيبتي." نظرت إليه بدهشة ولم تمنع نفسها من السؤال بفضول: "بتكلم مين؟ ابتسم في نفسه وهو يجيبها بمراوغة: "مش سمعتيني وأنا بقولها حبيبتي؟ حركت رأسها ببرود وردت عليه بنبرة أكثر تبُلداً: "آهااا... ما أنا بسأل هي مين حبيبتك؟ غمز بطرف عينه وتسأل بمشاكسة: "بتغيري؟ نفضت كتفيها وكأن الأمر لا يعنيها والتفتت بجسدها إلى الأمام وقالت بلا اكتراث: "طبعاً لأ."
أغضبته بلا شك. فأدار محرك السيارة ليستعد للانطلاق. من جانبها، فلم تنكر شعور الضيق الطارئ بأن هناك يد خفية تعبث بشيء يخصها. مهما كان بينهم من اتفاقات، عقد الزواج كفيل بشن حرب على الخائن. *** في المستشفى مضى الليل وهو يجلس إلى جوارها لا يفعل شيئاً سوى التفكير فيها، وهي نصب عينيه. وكأنه كان جائعاً للتفكير بها بحرية بعد منع نفسه لمدة طويلة من هذا. ماذا سيفعل بعد؟ هل بقى له مقاومة لهذا الشعور الذي يقوده إليها؟
هل بقى له شك أنها هي المنشودة التي ستروي ظمأ السنوات الخالية وتهدم أفكاره تماماً؟ كثرت أسئلته وطال صمته وشروده. قصر الليل في لقائهم. فاهماً، ناهضاً عن كرسيه ليتركها قبل أن تستيقظ أو ينضم عائلتها لها. رحل عنها وقلبه ليس بموضعه. قلبه يسكن إلى جوارها. لقد صدقت تماماً أن بينهم بالفعل شيء خُرافي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!