الفصل 16 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
5,423
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

مع انشغال "ريان" في عمله وقضية "مكة" التي دخلت منزلها لتسرق لب أخيها وزوجها في نفس الوقت، بدأت "تمار" في تسجيل الفيديو كليب مع "فادي". وكذلك بعض الأفكار السريعة في كابينة سيارته. وبدأت الفيديوهات الخاصة بهم في الانتشار.

من جانب "فادي"، كان يحاول تصوير أكبر عدد ممكن من الفيديوهات بالكاميرا الخاصة بهاتفه في اليوم الواحد. لم يضيع وقتاً مما جعل "تمار" تشعر بالامتلاء ونسيت الملل الذي تسرب إلى حياتها من وقت زواجها المزيف. ورغماً عنها عشقت الأمر وبدأت في خلق أفكار معه ومع بعض الأصدقاء من الجنسين الذين اشتركوا معهم. وضع "فادي" كاميرا هاتفه في وجه سيارته وبدأ يحاورها عن المحتوى الجديد الذي سيعرضه على قناته الخاصة على أحد المواقع. هتف موضحاً:

"دلوقتي يا تمار المفروض إني هعمل فيكي مقلب. وأنتي هتتصدمي. هعمل نفسي مغمى عليا، وأنتي تمثلي إنك صدقتي." لم تستغرق وقتاً في التفكير وأجابته لتمنطق الأمر: "بس لازم نتفق مع حد من أصحابنا التانيين إني أتكلم معاهم بحيث إني بستغيث بيهم وكده." استمع إليها "فادي" باهتمام ثم اقترح اقتراحاً آخر: "طيب إيه رأيك يبقى مقلب في الكل؟ صفقت بسرعة بإعجاب وحماس للفكره وهللت قائلة: "والله فكرة ممتازة."

وبدأت في تعديل المكياج الخاص بها وشرعت في تنفيذ الخطة أو المقلب المتفق عليه. *** عادت "مكة" من عملها منهكة من كثرة الضغط الذي عانته طوال اليوم، ولكن كان ما زال أمامها معاناة أخرى في منزلها وهي رضاء أبيها الذي اعترض على عودتها العمل مرة أخرى. بعد ما أغلقت باب الشقة، توجهت فوراً إلى أبيها الذي يجلس على الأريكة بيده المصحف يتجاهل حضورها. اقتربت منه وأمسكت بيده لتقبلها، لكنه أصر على تجاهلها. فهتفت وهي تزفر بتعب:

"أعمل إيه عشان ترضى عني؟ رفع عينه عن الكتاب وألقى نظرة قصيرة ثم عاد ببصره كما كان. لم يبذل "إبراهيم" مجهوداً كبيراً في توصيل رغبته في الانفصال عن عملها. تشبثت بيده من جديد وهي تهدر بتوسل بعدما هجرها من مدة وتوقف عن الحديث معها: "أرجوك يا بابا. أنا ما أستاهلش أقعد في البيت ولا أستحمل زعلك كمان. أنا عارفة الظروف، وأهو كل واحد من ناحيته." طال صمته فاسترسلت بحزن: "أنا عايزة أعرف بس، هو ده اللي بس مزعلك مني يا بابا؟

كلمني، اضربني حتى، بس بلاش تحرمني منك بالشكل ده." وجدت نفسها تلقائياً ترتمي أسفل قدمه. سألته وهي تنحب ببكاء حار: "طيب أنت شكيت فيا؟ أنت صدقت الكلام اللي اتقال؟ عاتبني، خليني أشرحلك." رق قلبه أمام انهيارها التام ورغماً عنه تحركت يده تمسح برفق على وجنتها. قال متنهداً: "أنا عارف إنه غصب عنك."

لم تصدق أذنها أنها أخيراً سمعت صوته بعد هذه المدة من الانقطاع. اقتربت منه وهي تحتضن يده حتى لا يرفعها عن وجهها. لقد اشتاقت إلى حنوه واشتاقت إلى حديثه أيضاً. فصاحت بتلهف للحديث معه: "هما اللي طلبوا مني أقول كده عشان أرجع تاني و... "مش عايز أعرف."

هكذا قاطعها وهو يسحب يده عنها. لا يريد معرفة تفاصيل تجرحه وتؤذيه خشية من تفاصيل مؤلمة لن يتحملها. اكتفى من الحزن ومن نهش الحسرة لقلبه وتقليل حجمه في أعين أسرته وكشف عجزه عياناً بياناً عن حمايتهم. هدرت والدتها التي خرجت على هذا المشهد وقد سر قلبها أنه أخيراً أنهى هذا البرود الذي كان يزيدها حزن:

"ربنا يكشف الغمة أخيراً، يارب أنت الكريم. عقبال مرام. قومي يا مكة شوفي أختك مرام، حاولي تتكلمي معاها. من يوم اللي حصل وهي كمان متغيره." نهضت "مكة" هي أيضاً. لم تحاكيها من يوم هذا الحدث. لا أحد منهم يعرف ما في قلب الآخر. كل منهم يعاني بطريقة مختلفة ويكتم في قلبه حتى كاد قلبهم ينفطر. *** "لدى ريان"

لم يكن من الصعب العثور على سيارة "فادي" ابن الوزير الأسبق. لكن الصعب كان يكمن عندما رأى "تمار" إلى جواره. الحقيقة طعنته في كبده دون رحمة. ضحكاتها وانسجامها البادي من بعيد كان يفتت قلبه دون هوادة. كلما اقترب خطوة انطوت الحياة من خلفه. يشعر وكأنه مقبل على جحيم مستعر. رأى ألسنته الآن. نقر على جانب السيارة من جهة "فادي" بتعصب، وأبى أن يزيح نظارته السوداء حتى يخفي ولو بالقدر البسيط ما يكظمه من غيظ.

التف المدعو بضيق من هذا المتطفل الذي يقاطعهم ويحشر رأسه معهم: "في إيه يا عم انت؟ لم يجيب سؤاله. كانت نظرته تجاه "تمار" التي ابتسمت على الفور، ولكن سرعان ما ساورها الشك بحضوره المفاجئ. جال بالسيارة ليرى كاميرا الهاتف مشغلة ويبدو أن هناك تسجيل يتم. "انت مين وعايز إيه؟ هكذا صاح "فادي" بانفعال. التف إليه وأجابه ببرود: "كويس إن الكاميرا شغالة عشان نسجل اللحظة التاريخية في إعادة ترتيب وشك السمج ده." صاح "فادي" وهو

يستعد للنزول من السيارة: "إيه ده؟ أنت بتقول إيه يا مجنون انت؟ تدخلت "تمار" بسرعة قبل أن تحدث الكارثة المتوقعة بعد انفعال الطرفين: "استنى يا فادي، ده ريان السعدي جوزي." وقبل أن تنتشر علامات الصدمة على وجه "فادي"، استرسلت وهي تنظر لـ "ريان": "ده فادي صديقي بنعمل فيديوهات عل... قاطعها بأمر حاد لا يقبل النقاش: "انزلي." هدر "فادي" بدهشة: "بس انتي ما قولتيليش إنك متجوزة."

كانت عينها معلقة على "ريان" تجاهد كشف مشاعره التي فشلت في قرأتها من وقت ظهوره. لكن شيئاً ما أخبرها أنها عليها أن تنفذ أمره دون تأخر. التقطت حقيبتها وخرجت من السيارة. فهم هو باستقبالها عند مقدمة السيارة. هتفت فور التقائها به: "مالك يا ريان؟ أشار بطرف إصبعه نحو سيارته وهدر بجمود: "عارفة عربيتي. روحي استنيني في العربية." وقفت تجاه مفرغة الفم من نبرته ومعاملته التي لم تعهدها من قبل. كرر كلمته وهو يدفعها: "روحي يلا."

رغم غضبها الشديد من معاملته القاسية التي لم تعرف لها سبباً، إلا أنها توجهت إلى السيارة الأخرى. عاد هو مرة أخرى إلى السيارة ليقبض على عنق "فادي" داخل سيارته بهجوم دون رحمة، ودفعه إلى وجه هاتفه متعمد. وهدر من بين أسنانه: "عشان تفتكر كويس إنك متقعدش مع حد انت مش قده." دفعه أخيراً وهو يردف: "المرة الجاية هحطك تحت عربيتي وأدوس عليك رايح جاي." أفلتته أخيراً ليزمجر "فادي" بحنق من عنفه:

"انت ما تعرفش أنا مين. عليا النعمة لأوريك." كان أجبن من أن يخرج إليه من أمامه. يبدو عليه الغضب حد التهور والجنون. كانت تتابع "تمار" هذا وهي تكمم فاه بذعر. تراه قادم تجاهها الآن، وجه لا يبشر بخير. *** "شريف ومنار"

الليلة الأولى التي سيقضيها معها تحت نفس السقف وفي فراش واحد لأول مرة. عقله لا يستوعب أن حلمه بها يقترب شيئاً فشيئاً. ابتسم ثغره رغماً عنه وهو في ذروة شروده، يمني نفسه بالليلة التي يعرف فيها كم يعشقها وتبادله هي أيضاً الحب.

صمته المطول جذب انتباه الحاضرين وابتسامته المتوالية التي لا داعي لها في هذه الحالة وهم في انتظار دورهم في عيادة الطبيب، جعلت كلا من "ماجدة وزينب" يتبادلان نظرات لا تخلو من الدهشة والتعجب. حتى أخرجته "زينب" من هذا بسؤالها الساخط: "مش قادرة أقولك، اللي واخد عقلك يتهنى. بوك لا تكون بتحب على منار؟ انتبه لها وقد فهم أنها لاحظت شروده الذي لم يعي مدته تحديداً. فابتسم وهو يرد عليها:

"لااا الحمد لله. على منار. منار دي الحب كله أصلاً. الحب ما يليق إلا لمنار." رفعت "زينب" يدها باستسلام وهي تمزح: "لااا أنا كده اطمنت على بنتي." تدخلت "ماجدة" باعتراض ساخر: "يعني انتي تطمني على بنتك وأنا ابني عقله يطير؟ صاحت "زينب" ترد عليها: "لأ بقى احنا مستلمينه كده. هو ابنك لو فيه عقل كان اتجوزها من أساسه." هنا تدخل "شريف" لينهي هذه التمثيلة الهزلية التي تقام على شرفه وقال مهدئاً:

"خلاص أنا عرفت غلطي. ممكن نهدى بقى عشان العيادة كلها ابتدت تفرج علينا وشوية وهيجوا يباركولنا على الجوازة اللي مش نافعة دي." اقتربت "ماجدة" منه وتشبثت بيده معلنة انتصارها بتلك الزيجة التي تشرح قلبها: "أحلى جوازة وأحلى عريس." هدرت "زينب" بسعادة: "ربنا يحميه ويخليه. أنا عارفة إنه هيتعب مع منار لحد ما يغير من طباعها."

زفر بضيق من تقليل والدتها منها وهي بعينها عين الكمال. ربما تملك الكثير من الخشونة، لربما ينفر منها الرجال، لكن بالنسبة له هي صنع يده، لوحته التي ظل عمر يتقنها، و أخيراً فاز بها لتبقى نصب عينه للأبد. "على فكرة منار مش صعبة، بس هي لو تحبني قد ما بحبها، شوفي هى هتغير إزاي؟ هتفت "ماجدة" بتأمل وهي تربت على ذراعه الذي بين يديها: "بكرة لما تجيبوا ولاد هتموت فيك."

ابتلع ريقه وقد ظهر عليه التوتر. لا أحد يعلم كيف أقنعها بفكرة الزواج بالأساس، ولا طريقة العيش بينهم. الجميع احتفل بزواجهم على أنها زيجة طبيعية دون أي شروط تحكمها أو قيود على المضمون نفسه. تحمحم وهو يشير إلى الباب الخاص بغرفة الطبيب: "دورنا جه. اتفضلوا." *** "في غرفة مكة ومرام" دار الحوار بين الأختين كالتالي: "مالك يا مرام؟ حالك مش عاجبني؟ أجابتها بتوتر وهي تتحاشى النظر إلى عينيها: "يعني انتي عاجبك حالك...

حالي من حالك يا مكة." شعرت "مكة" بأن هناك ما تخفيه عنها. هي متيقنة أن "مرام" إن أخفت عن العالم أجمع، لن تخفي سراً عنها. لذا وراء توترها أمر جل. فعادت تجاريها كي تسحب منها الكلام: "حالي أنا كل الناس في حالي لدرجة إني مش لاقية مكان ليا أنا شخصياً." زفرت "مرام" وهي تشعر بألف نصل حاد يمزق رئتيها عوضاً عن الهواء: "الأمر لله. إحنا بقينا في يوم وليلة في حكايات مالناش يد فيها."

نفس الشعور كان لدى "مكة"، ولكن بالإضافة لشعور الخزي الذي يملؤها وتأنيب الضمير من فعلتها المتهورة. رغماً عنها هتفت لتزيح هذا الثقل الذي رسخ على صدرها أياماً وليال: "دي كانت غلطتي. أنا السبب." سريعاً رفعت "مرام" وجهها لتكتشف دواعي قولها متسائلة بشك: "تقصدي إيه يا مكة؟ مستحيل يكون الكلام اللي قولتي في التلفزيون حقيقة؟

لوت فمها وقد اكتسى وجهها بالخيبة وقررت البوح كي ترتاح، فهذه أول مرة من مدة يتبادل الأختين الحوار. كانت نيتها في البداية معرفة سبب صمتها، لكن وجدت نفسها تحكي لها مأساتها دون إرادة: "حبيته. حبيته قوي وبسرعة لدرجة ما كنتش أتخيلها." جذبت بهذه الكلمات البسيطة انتباه "مرام" الكامل فطالعتها باهتمام وهي تسأل: "هو مين ده؟ وإمتى ده حصل؟ "حلمت بيه."

كلمتان خفيفتان كانتا كفيلة لإنهاء الدهشة. من يعرف "مكة" يعرف أنها ذات حاسة سادسة لا تخيب. أحلامها تخالط الواقع وتصبح جزء منه. إن رأت رؤيا تحدث، وإن توقعت شيئاً يصير. لا عجب من ما تقول. ضروري أنها كشفت شيئاً ما في حلم ولم يدركها الوقت للبوح به. لطمت "مرام" كفيها وهي تهدر بحنق: "لا حول ولا قوة إلا بالله. حلمتي بإيه؟ نظرت "مكة" باتجاهها راحت تقص عليها باختصار ما عاشته قبل ليلة اختفائها في الحلم:

"قابلته في مكان وكنت مخطوفة وحاول ينقذني، وبعديها اتقدم لي واتجوزنا وخلفنا وكان بينا قصة حب خرافية." صمتت "مرام" لثوانٍ منتظرة أن تسترسل، لكنها رفعت كتفيها بإيحاء أنها اكتفت. فبدلت "مرام" نظراتها لشك وهي تهتف: "طيب دا في الحلم. والواقع حصل فيه إيه؟ أجابتها بشكل شبه كوميدي وهي تلوح بباطن يدها للأسفل: "هو هو. قابلته، حبيته، اتخطفت، ولسه ما اتجوزتش." ابتسمت رغماً عنها من حركة أختها وسألتها وهي تضع يدها أسفل ذقنها:

"وهيتجوزك امتى؟ عادت تعبيرات الحزن على وجهها والتي آثرت إخفاءها عن أعينها بأن علقت نظراتها للأسفل وهي تخبرها بأسف: "طلع متجوز." صاحت أختها بملل: "يووووه يا مكة ما تجننينيش معاكي. اتجوزتيه ولا لأ؟ حددي." هتف بروية: "اتجوزته في الحلم، لكن في الحقيقة طلع متجوز." قضبت "مرام" حاجبيها وسألتها: "يعني في الحلم كان متجوز ولا لأ؟ نفضت رأسها سريعاً وهي تؤكد وكأن هذا سيغير الواقع المؤلم: "لأ ما كانش متجوز."

كانت "مرام" تتابع كل التعبيرات التي تطفو على وجهها والتي تقرأها بوضوح. ترى الحماس الذي تخفيه عندما تتحدث عنه، وترى الخيبة عندما تصرح بأنه ليس من نصيبها. "وبعدين يا مكة انتي في الحقيقة هربتي معاه زي ما قولتي في التلفزيون؟ نفضت رأسها بيأس تعرف أنه سؤال وليس اتهاماً، لذا أجابت بهدوء: "لأ. خيروني بين الاعتقال وبين إني أقول كده لأني اتخطفت من إرهابين وكانوا بيفاوضواهم وهما ما كانوش عايزين يصرحوا بكده."

خرجت "مكة" سريعاً من هذه الحكاية التي تتمنى لو حذفتها من حياتها تماماً وهدرت بحنق على نفسها: "أوف شفتي بقى بداية الموضوع كله كان مالك؟ وسبنا مالك واتكلمنا في إيه. اخلصي بقى وقوليلي متغيره ليه وايه حكاية عياطك كل ليلة بالليل ده؟ وكأن عاد النصل من جديد يقطع صدرها. تبدل لون وجهها بعدما كادت تنسى ما حدث باندماجها بالحديث مع أختها. لكن السعادة لا تدوم والجرح إن هدء لحظة سيعود ويضبح وكأنه ولد من جديد. كررت "مكة"

سؤالها بتعجل: "قولي مالك؟ تحول كل شيء حولها إلى غيم غيم مصدره عيناها التي انفجرت في البكاء، وألقت بنفسها دون وعي إلى أحضان أختها. تلقفتها "مكة" بهلع، يبدو أنه حدث كبير جعلها تخور هكذا فجأة. ربتت على ظهرها وتلهفت لمعرفة السبب وراء كل هذا الحزن لتسألها بقلق بالغ: "حصل إيه لكل ده؟ *** "ريان"

طوال الطريق وهو يقود بسرعة جنونية وكأنه يخنق الهواء. ملامح وجهه تفسر غضبه المستعر وصمته المطول ينذر بانفجار على وشك الحدوث. لكن كل ما هو فيه كان غير مفسر بالنسبة لـ "تمار". لا تدرك ماذا فعلت وما وجهة نظره إن كانت أخطأت. ضجرت من انتظار حديثه أو حتى حكمه وبدأ يرعبها السرعة المفرطة التي لا يطيقها إن من أراد الموت. صاحت بتوتر: "هنِموت كدا! هدي السرعة شوية." لم يجبها. فما كان منها إلا أن صرخت عالياً بهلع: "كفاية! وقف."

توقف فجأة مما جعل رأسها يرتد للأمام ومن ثم للخلف بقوة، وهذا زاد حنقها. وراحت تهدر وهي تمسك برأسها: "في إيه يا ريان لكل دا؟ أفلتت شياطينه من عقاله وصاح منفعلًا وهو يلكم الطارة من أمامه بغضب: "في إنك جرحتيني." ابتعلت ريقها وهي تحاول فهم ما قاله وسط هذا الاهتياج المخيف الذي صاحبه صراخ عنيف: "إزاي تركبي مع واحد غريب؟ إزاي تروحي تصوري معاه؟ إزاي قللتي مني بالشكل ده؟ ضمت حاجبيها وسألته باستنكار: "انت بتشك فيا يا ريان؟

أذا غضب من سؤالها ولوح بيده في تعصب: "إنتي مجنونة؟ إذا كان أبوكي بنفسه شك فيكي بعد ما سيرتك بقت على كل لسان. أبوكي طلب مني أسيبك لأنك بتصرفاتك دي وصلتي له إني مش مناسب ليكي وعمري ما هبقى مناسب." نفضت رأسها برفض تام وهي تجيبه بنفي قاطع: "لأ غلط. أنا كنت بتسلى وبضيع وقت." لوى جانب فمه بمرارة وهو على وشك الانهيار وقال ساخرًا:

"المتجوزة ما بتضيعش وقت أساساً. ما بيبقاش عندها وقت تضيعه. أظاهر أبوكي عنده حق. أنا ما أنفعكيش." هدرت وقد بدأت تشك في تأثير والدها عليه: "ريان اوعى تقول كده. أنا اخترتك بكامل رغبتي."

نفض رأسه وقد تملكه اليأس. ضاعت زوجته من قبل بسببه ولن يتركها هي أيضاً تضيع. لن يتحمل عبئاً جديداً. لقد عبر هذه المحنة بصعوبة لكي يألف قلبه الحياة من جديد وضياع شيء ثمين لديه كـ "تمار" من يده سيقضي عليه. كما أخذها من يد والدها سيعيدها لتعيش شبابها حتى وإن كان هذا سيؤلمه. وجد يده تمتد من جديد لإعادة المحركات من جديد وهو يهدر بجمود يغالب احتراق روحه من هذا الشعور: "هتروحي لباباكي وتفكري هناك."

ورغم قسوة اختياره التي صدمتها، انفعلت بشدة وراحت تلكمه بضيق في يده وتصرخ: "إزاي تقرر ده لوحدك؟ أنا مش هرجع."

لم تؤثر به لكماتها أساساً. قلبه كان يلكمه أقوى من هذا بكثير. آثر الصمت وانطلق نحو ذات المكان الذي انتشلها منه من مدة ليعطي لوالدها رأيه الانتصار ويكتفي بعشقها دون الفوز بها من الأصل. حياته كانت مدمرة. التضحية هذه المرة لن تقلب حياته أكثر من ذلك. مرور "تمار" في حياته أشبه بنسمة باردة في يوم شديد الحرارة. يستطيع التضحية من أجل سعادتها بقلب راضٍ، وينبذ مشاعر التملك والأنانية من أجل راحته. لقد أدرك أنها تريد عيش حياة لم يوفره هو لها.

*** "في غرفة الطبيب" هتف الطبيب بجدية وهو ينظر نحو "زينب": "أنا بلغتُك إن حالتك بتسوء وإنك رفضتي تماماً العلاج الكيماوي واختفيتي." ازدرأت ريقها وتهيأت لإجابته بشجاعة: "أنا دلوقتي مستعدة." زفر الآخر وهو يعاود النظر باتجاه الأوراق الموضوعة أعلى مكتبه وقال بيأس: "حالتها اتأخرت جداً، حتى إني مش عارف إزاي واقفة قدامي دلوقتي." نظرت باتجاه "شريف" الذي كان يجد صعوبة في تقبل الأمر وعلامات الحزن قد ظهرت جلياً دون مغالاة. هتفت:

"بنتي ما لهاش حد غيري وكنت عايزة أطمن عليها وأسيبها في إيد أمينة." ربتت "ماجدة" على يدها وقد سالت دموعها بحزن. ووقف "شريف" عاجزاً أمام هذا المرض اللعين. ما كان من الطبيب إلا أن هدر بتعجل: "لازم نبدأ من بكرة. والإجراءات كلها لازم تخلص النهارده."

رحلة صعبة ومؤلمة ستخوضها "زينب" وحدها دون علم "منار"، لكنها كانت ترحب بالموت عوضاً من أن تحزن قلبها أو تفسد فرحتها المستجدة بالزواج. يكفي أن يد أختها تساعدها وكتف "شريف" يساندها. *** "إنتي اتجننتي يا منار؟ هكذا صاحت "ورد" في وجهها بعدما أخبرتها برغبتها في اقتناء فراش آخر في غرفتها الخاصة مع "شريف" لترد الأخرى عليها دون مبالاة: "إيه الجنان في كده؟ هل انتي ممكن تنامي جنب أخوكي لو الظروف حكمت؟ مسحت "ورد"

وجهها بتعصب وهي تهدر: "أخويا مش جوزي يا منار." صمتت لبرهة ثم عادت تنظر إليها بشك وسألتها: "بنتي انتي أوعى تقوليلي إن ما حصلش بينكم حاجة؟ ضمت حاجبيها باستنكار وهي تجيبها: "حاجة زي إيه؟ وضحت باستحياء: "زي أي اتنين متجوزين."

وما إن ظهر على ملامحها اللامبالاة وحتى فهمت أن أخيها عاد للتضحية بنفسه في جعل هذا الزواج مجرد صورة يذوب هو خلفها. لا تصدق أن "منار" لم تر ختم العشق الذي يخصها أعلى قلبه ولا بين حاجبيه. إنه يضيء حرفياً عندما تسقط عينه عليها. ومع طول صمتها قد خلت الأخرى إلى النوم متمسكة بالوسادة بشكل طفولي دون أن تعير إجابة سؤالها أي اهتمام أو تكبد نفسها عناء البحث عن إجابة لم تكن "منار" تتمتع بالفضول نحو هذا الجانب مما يجعلها أجهل الجاهلين بهذه الأمور.

اثنى كبيره، لكن عقله في هذه النقطة تحديداً لم ينضج بعد. "يا عيني عليك يا شريف. مش عارفة حظك حلو ولا وحش." *** "في منزل إبراهيم" اعترى "مكة" الصدمة مما أخبرتها به أختها وتمزق قلبها لأشلاء مما وصفته لها ببكاء. ظلت تضمها إلى صدرها وتلوم نفسها أشد اللوم أنها كان لها صلة بالأمر حتى وإن كان من بعيد. هتفت وهي تبكي:

"أنا آسفة. أنا السبب في كل ده. أنا عمري ما هعرضكم لكده تاني. أنا الغلطانة. وعارفة لو فضلت أتأسفلك من هنا لمليون سنة قدام مش هغير حاجة. كفاية عياط بقى قلبي بيتقطع عليكي." هدرت "مرام" من بين شهقاتها بألم حار خرج مع حروفها: "أنا مش قادرة أنسى اللي حصل. مش عارفة أعديه يا مكة." سارعت "مكة" بالنفى قائلة: "لأ هتعديه. لازم يا مرام. إنتي كده هتموتي بالبطيء." "يا ريت." قالتها "مرام" بنحيب زائد مما دفع "مكة" لتشبث

بها أكثر وهي تهدر بإصرار: "لأ هتعديه. أنا هخليكي تعديه. الحمد لله إنك لسه بخير وما فيش حاجة وحشة حصلتلك." ابتعدت "مرام" عنها قليلاً لتسمح لأنفاسها بالمرور وكفت دموعها بباطن يدها: "الفضل كله للمحامي اللي قولتي عليه. لولاه كان زماني... قفز إلى ذهن "مكة" تفصيل سريع مما سردته عليها أختها فهتفت سريعاً:

"اقبلي الشغل يا مرام. لازم تطلعي من اللي انتي فيه. وكمان لازم تروحي لدكتور نفسي عشان يساعدك تعدي المحنة دي. مش لازم تتراكم معاكي زي وفاة جدتك ومحمد."

كان لـ "مرام" سابقة مع وفاة جدتها وظلت ملازمة لها حتى الآن بعد بات في أحضانها واستيقظت على صراخ الوافدين من محاولة فك يدها المتيبسة بعد وفاتها حول جسدها الصغير، مما جعلها تنهار إذا استمعت لصوت الصراخ أو أي جلبه تحدث بصوت عالٍ حتى ولو صوت الرعد. واستمرت هكذا حتى أضيفت معاناة جديدة لمعاناتها السابقة وهي وفاة محمد أخيها. هدرت متألمة: "مش قادرة. مش عارفة أرفع عيني في عينه تاني."

زفرت "مكة" ستساعدها رغماً عنها، إما بدفعها للعمل أو بالذهاب بها للطبيب نفسي حتى تتجاوز هذه المحنة. "لو مش هتشتغلي هوفر من مصروفي وآخدك لأكبر دكتور نفسي." أرخت كتفيها بيأس تعلم أن راتبها لن يكفي إضافة إلى علاج والدها الباهظ. هتف باستسلام: "خلاص. أنا هحاول أخرج نفسي من كل ده وأشتغل. لعل لما أشتغل أنسى." ربتت "مكة" على كتفيها بحنان، لكن بداخلها شعور قوي بالذنب وأن ما حدث لها نتيجة تهورها. أجفلت وهي تدعو لها من أعماقها:

"ربنا يهدي سرك." وجدت نفسها تهذي رغماً عنها وشعور بشد قوي في معدتها جعلها تصرخ فجأة دون سابق إنذار بصوت عال: "آآآآآه! أثارت فزع "مرام" التي قفزت من مكانها تسألها بقلق بالغ: "مالك يا مكة في إيه؟ لم يكن لديها إجابة. لقد انتشر الألم في معدتها بالكامل بسرعة رهيبة، وازدادت ضربات قلبها بشكل مفاجئ، وأدى ذلك لسقوطها أرضاً في إغماء.

ازداد فزع "مرام" وكذلك والدتها التي هرولت باتجاه صراخها من بادئ الأمر، لكنها دخلت في توقيت خاطئ عندما رأت ابنتها ملقاة أرضاً. نادت بصوت عال وهي تقترب منها: "مكة مالك يامكة؟ ثنت ركبتها لتجلس بجوارها ولطمت وجهها بخفة وأذاة هلع عندما لم تجد منها استجابة. وراحت تنادي بصوت عال: "الحقني يا إبراهيم." في ثوان معدودة كان "والدها" يقف على عتبة الغرفة يسأل بفزع: "في إيه؟ أجابت "خديجة" وهي تحاول بشتى الطرق إفاقاتها:

"مش عارفة. شوف حد يلحقنا." التف حول نفسه وهو يقول بتخبط: "هشوف حاضر." خرج من شقته ونزل الدرج. الفاجعة لم تترك في رأسه عقل ليفكر به. ابنته فاقدة الوعي دون أعراض سابقة. ساقته قدماه إلى الشارع دون جهة محددة. لا يرى حوله. باغته شخص كان يتابعه "كامل" ويرى بوضوح تخبطه. أمسك بذراعه ليوقفه عن السير المتعجل: "شيخ إبراهيم مالك؟ التف إليه سريعاً وكأنه طوق نجاة أرسله الله إليه في وسط أمواج عاتية. أجابه وهو يوشك على البكاء:

"بنتي بنتي واقعت فوق مش عارف مالها." هدر الآخر باهتمام: "لا حول ولا قوة إلا بالله. دي مين فيهم؟ رد عليه سريعاً: "مكة." اشتعل حماسه وهو يهتف بجدية: "ارجع بيتك وأنا هجيب الدكتور وأجي." كان في أمس الحاجة لمساعدة أحد خاصتنا بعدما زاد ثقل قدمه وبدأ يشعر أن قدمه لم تعد تقوى على حمله. ترك "كامل" وانطلق بخطوات سريعة أشبه بالركض دون أن ينتظر موافقته. شاركه الهم فمكة له ذات أهمية. *** "إلياس"

في نهاية يومه ارتمى على فراشه بعد يوم طويل من العمل. ظل يزفر طويلاً يدفع أنفاسه الثقيلة عن صدره، لكن أبداً لا شيء يجدي نفعاً. شق قميصه عن صدره بضيق وظل ينظر باتجاه الفراغ الذي أمامه. لم يضيع لحظة دون عمل أو يترك نفسه لنفسه دون أن ينشغل. جاهد كثيراً أن ينسى اسمها وكل ذكرى لها. رفض تماماً الحديث عن القضية الشهيرة. يحاول من أول ما يفتح عينه إلى أن يغمض جفنه. غمس نفسه في أشياء غير مهمة حتى لا يمر طيفها في مخيلته. حتى

يبدو خارجياً كمن نسي، لكن بداخله فارغ لا يسده. قرص الشمس. يفتقدها بشدة وحياته لم تعد على ما يرام. هو الذي كان لا ينشغل بأي مشاعر ولا يهتم ولا يستمع لقلبه مهما هدر، لكن في نهاية اليوم يجلس نفس الجلسة ويفكر في نفس الأمر، يسأل نفس الأسئلة التي لم يجد لها أجوبة. هل أحببها؟

أم أنه تعلق بشيء مثير حدث في حياته الرتيبة ولن يتكرر؟ علقه. رفض الفكرة على الرغم أن لسانه تمرد وقالها أثناء إعطائها القرص، لكن كان مبرره لنفسه العنيدة أنه مجرد اختبار لمفعول ما تناولته. ثم إنه قطع كل السبل بها. لن يعود إليها مهما حدث. لن يسمح للشعور التخبط أن ينزلق إلى حياته من جديد.

وقبل أن يسترسل في الأسئلة التي تطوف كل ليلة بمخيلته، صدح رنين هاتفه. سحبه من جواره متلهفاً لأي شخص قد يخرجه في هذه الحالة. وضعه على أذنه دون معرفة هويته، فأي شخص في هذا التوقيت غاية في الأهمية. "آلو." هكذا هتف بنبرة متحشرجة لتصله رسالة مقتضبة جعلته يعتدل فوراً في جلسته وهو يتساءل باهتمام: "إنت متأكد من الكلام ده؟

ظهر على وجهه التوتر بعدما أخبره الآخر أن ما يسأل عنه حقيقي. أغلق الهاتف بضيق. ثم أماكن لا نحب زيارتها، لكن بكل أسف الحياة تقودنا رغماً عنا إليها، كأنه قدر نقش على جباهنا أو شيء خرافي ليس لنا سلطة عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...