كان يوم طويل وشاق في العمل بالنسبة لشريف. أصبح يتمنى الراحة البدنية في العمل والراحة النفسية في المنزل، لكن هيهات. الكل اتفق عليه، وخاصة في بداية عودته للعمل. فالكثير من الأعمال في انتظاره، وجميع القضايا تحتاج صبرًا وتروّيًا لكشف التفاصيل. فإدارة كإدارة الآداب لا تخرج بالساهل. تصفح كم البلاغات المقدمة في أكثر من جهة، لكن كانت جهة واحدة عليها أكثر من بلاغ، مما أثار انتباهه لقراءة الملف بالكامل. الشكوى الدائمة كانت من شاب جامعي على علاقة بشبكة خارجية لـ "اصطياد" الفتيات وتصوير فيديوهات مخلة برضاهم أو تحت تأثير مخدر، وبيعها للمواقع بالدولار. كان مستاءً للغاية، وعينه تنتقل بين السطور. قبض جبينه وبدا تعبيره غير مرتاح لما يشاهده.
وانتقل بين الأوراق، سأل زميله الذي يجلس أمامه مكتبه بغضب من كل هذا: "إيه القرف دا؟ معقول دا؟ إزاي واحد زي دا يبيع بنات بلده بالرخص دا؟ أجابه زميله "ماجد" بضيق موازٍ: "أنا عارف بيجيبوا الدماغ دي منين؟ لقد مر على "شريف" الكثير من القضايا المخلة، لكن صغر سن الجاني يجعله محيرًا ومستاءً من هذا التدني في الخلق الذي وصل إليه المجتمع. هتف، ولا زال الضيق يعتريه:
"الناس دي عايزة الحرق. لازم ياخدوا حكم رادع، مش بس سجن عشان يبقوا عبرة." أيده الآخر بحرارة: "أيوه والله... المشكلة الواد مش عاتق وبيقتحم خصوصية الناس حتى اللي ماشيين في الشارع." طوى الملف الذي أمامه، الذي يحوي الشكاوى والبلاغات، قائلاً بجدية وصرامة: "يتراقب بقى ويتمسك متلبس، وعنها أنا هوضبه هنا قبل ما يتعرض على النيابة." ابتسم "ماجد" على عنف "صديقه" الذي لا يستخدمه إلا في حالات نادرة: "وأنت هتقول لي؟ دا أنت بتحول."
لم يبدل مزاح "ماجد" رغبته في الانتقام من هذا الوغد، ورفع سبابته ملوحًا في غضب وضرواة: "مع المجرمين والسفلة بس." حرك "ماجد" رأسه رافضًا الجدية التي طغت على صديقه، وهتف بمرح: "أنت هتاخدني أنا في الرجلين ليه؟ أنا عايز أتعزم بمناسبة جوازك." سريعًا تبدد غضبه وظهرت ابتسامته وهو يرد عليه بمزاح: "هو أنا هفتح ملجأ للمتشردين؟ كل يوم والتاني حد عايز يتعزم." اعتدل الآخر وهو يهتف بمرح جاد:
"لااااا، إحنا لازم ندوق أكل العروسة ونطمن على صاحبنا." جعد "شريف" جبهته وقال: "ما بتعرفش تطبخ؟ ارتحت. وبعدين بلاش حجج. أنت أصلًا مش عايز تطمن على صحبك، أنت عايز تدلع كرشك." وقبل أن يناطحه صديقه الذي يعرف أنه لن يكف عن الإلحاح لزيارته، أردف: "عمومًا نتجمع كلنا آخر الأسبوع الجاي. نبقى نبللكم شوية عيش وأجرنا على الله." قهقه الآخر وهدر باستنكار: "ليه؟ أنت هتعزم كتاكيت؟ جهز يا أستاذ شريف المحمر والمشمر، إحنا عوزاب غلابة."
يؤمي "شريف" باستلام: "حاضر يا سيدي. اطلع برا بقى، خليني أشوف شغلي." استجاب "ماجد" بأن نهض، لكنه لم ينسَ ليؤكد عليه: "ماشي يا سيدي، بس أنا هخرج من هنا أبلغ القسم كله بالعزومة واتحسبت عليك." أشار "شريف" لعنقه وهتف: "برقبتي." ودعه صديقه وخرج ليتركه ينهمك في عمله من جديد. *** في المستشفى.
ركض "ريان" في الرواق، وما في عقله أصبح في قدمه، كأنه يركض في جنازته ليلحق بروحه المغادرة. قلبه يدق بعنف، ويرتجف. اسمها وحدها زلزلت كيانه وأعادته لرشده. دومات عنيفة انسحب فيها حتى ظهر جانب وجه أبيها يقف مع طبيب. سبقه "عدي" بخطوات أسرع، فقد كان متماسكًا عنه. اقتحم حديثهم بسؤال مباشر: "تمار مالها؟ التف والده ليقول بحزن: "الدكتور بيقول عندها انهيار عصبي." وما أن لاحظ قدوم "ريان" حتى تحولت تعابيره إلى الشر.
صاح بشراسة وهو يخطو تجاهه: "أنت تاني؟ إيه اللي جابك؟ منعه من مواصلة التقدم "عدي" واحتضنه بساعديه قائلًا: "إهدى يا بابا، عشان خاطر تمار ممكن حالتها تتحسن لما تشوفه." اعتقد أنه بذلك يهدئه، لكنه أشعل فتيل غضبه وجعله يزمجر بقساوة: "أنا مش عايزها تفتكرني. بنتي أنا هسفرها وأعالجها برا. همحيلها ذكرياتها. هو السبب في كل دا."
ضم "عدي" جاجبيه مستنكرًا من نوبة هيجانه والده تجاه "ريان" المنقذ الوحيد لها. لولا درايته الكاملة بارتباطه القوي بـ "تمار" بعد وفاة والدتهم، لشك أنه يبغضها. لكن هذا الارتباط القوي، النقمه الكبرى على رأسها. هذا التصلب لا يأتي إلا في حالتين: تعلق شديد، وخيانة من شخص وثق به. وقد اجتمع الاثنان في حادثة واحدة نادرة الحدوث. من جانب، "ريان" كان يطالعه ببرود، كأنه لم يسمع ما قاله ولا يشعر بإهانته. استمر "رأفت" في زجره بحدة:
"إمشي." وكأنه يقف على أرضه، صعب أن يتركها ومن المستحيل التخلي عنها. تجاهل كل نوبة غضبه، وتجاوزه بخطوات ثابتة مصرة نحو غرفتها التي يقف هو يسد بابها، مما زاد انفعاله وجعله يهدر من جديد وبحدة أكبر: "أنت لسه هتعاند؟ شوفت آخر عنادك واصلنا لفين؟ أنت دمرت عيلتي ودمرت بنتي، عايز إيه تاني؟ عينه أصبحت جامدة، لن يسمح له بتكرار ما حدث، ولن يترك له مساحة للتأثير على عقله. أجابه أخيرًا وهو يدير المقبض بإصرار للدخول، قائلًا
بصوت حاد كنصل: "عـــايز مــراتــى." تركه يغلي و"عدي" يحاول تهدئته قبل أن تحل كارثة أخرى. *** "إلياس".
كل ما يحيط به ظلام، والظلام الذي بداخله أكبر. ليس عاجزًا، لقد فتحت له أبواب الحياة من أوسعها وركض فيها بكل ما أتاه من جهد ومن قوة. لكن أمام رغبته مقيد بسلاسل، خطواته محدودة، تدهسه الخيبة كشاحنة. لم يشعر بهذا الإحباط من قبل، ولم يزره اليأس ولا مرة واحدة. دومًا كان يفتح ذراعيه مرحبًا بالمساء قبل المسرات. يقول لنفسه أنه رجل المستحيلات، خلق للموت لا للحياة، وللسماء وليس للأرض. وهي جاءت لتثبت أن أجمل الأشياء ليس ما نعثر عليه، بل ما نتعثر به.
ساقته قدماه إلى المستشفى للاطمئنان عليها مرة أخيرة. لا يعلم سوى الله إن كان عائدًا أم لا. طلب من المدير الاطمئنان على حالتها دون أن يجرؤ على مقابلتها وجهًا لوجه، فإنه يعلم جيدًا أنه من الممكن أن يعود من هذه المهمة ناسيًا تلك الحادثة واسمها وكل شيء يتعلق بها. هكذا هي دومًا عادته، ما يراه من صعاب يغيره حتى أصبح شخصًا لا يعرفه.
خرج من المستشفى تمامًا بعدما تأكد من أن حالتها الصحية استقرت، ومن المحتمل خروجها في الأيام المقبلة. رحل ليجهز لمهمته الجديدة ويعد طقوسه المعتادة. *** "منار". انتهى يومها الدراسي وعادت برفقة السائق الذي أرسله "شريف" إليها. تنحت عن السيارة أمام منزلهم، فضربت الأرض ركضًا نحو "ورد" التي انتظرتها هي الأخرى بتلهف. وفور رؤيتها هدرت: "الحمد لله إنك جيتي. قربت أنفجر من الملل." احتضنتها منار بشوق وردت عليها بتعجب: "الله!
أومال ماما وطنط فين؟ مش باينين من امبارح؟ تدرج وجه "ورد" بالاحمرار، وقد صدمها السؤال الذي لم ترتب له إجابة. لاحظت "منار" هذا التعبير البائن على وجهها واستنكرت صمتها قائلة: "في إيه؟ طرأ إلى ذهنها "والدتها" هي التي ستحل الأمر، فرفعت كتفيها تتصنع عدم الاهتمام بـ: "وأنا أعرف منين؟ مامتك باتت في شقتكم وخدت مامتي، يبقى أنا اللي المفروض أسألك عن مامتي مش العكس." "خلاص هتصل بيهم أشوفهم بيعملوا إيه من ورايا."
خطت "منار" للداخل وقد انطلت عليها الخدعة. *** في المستشفى. ولج "ريان" إلى زوجته، وهوى قلبه فور رؤيتها ممدة بهذا الضعف والانهزام البادي على ملامحها، وحدائق الظلام أسفل عينها المغمضة، وشحوب وجهها الذي اعتادته. نضرة تشع جمالًا دون أي إضافات، وهذه الإبر الموصولة بظهر يدها، وألوان الطيف في منتصف ساعدها. لعن نفسه ملايين المرات عندما رآها في هذه الحالة. هرع إليها لينحني على ركبتيه في موازاة فراشها يهدر بحسرة:
"أنا السبب في دا." امتلأت عيناه برقائق الدموع الشفافة وهو يردف متألمًا: "أنا ما قصدتش أتخلى عنك. ربنا العالم إني من كتر حبي ليكي كنت عايزك تعيشي مبسوطة، حتى لو على حساب سعادتي."
أمسك يدها برفق، وكأنه يلتقط شيئًا حساسًا، ثم وضعها على وجنته وهو يتلمسها بنعومة. عندها انفجرت دموعه من معقلها. ما بال كل شيء يحبه يهجره، وكأنه لعنة التصقت به للأبد. من قبل تعلق بزوجته السابقة مثلها، عشقها، لكن اختطفها الموت برصاصة غادرة. وبعد سنوات من المعاناة والظلام، جاءت إليه كهدية، كافأ بها الزمن على كل سنوات حزنه، عطاء يليق بأحزانه وكل ما فاته. ظل يبكي على كفيها كالطفل المسكين. ولكن بكاءه لا يهدئه. بكاؤه لم يكف لعودتها لتمسح بضحكتها همه وحزنه.
عاد بذاكرته للوراء عندما تركها عند والدها. >>>> فلاش باك
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!