أفاقت تمار من غيبوبتها. فتحت عينيها الفيروزيتين ثم أغلقتهما بسرعة من وهج الإضاءة القوية في الغرفة. نسيت ما حدث لها، لكن وخز قلبها ذكرها فوراً، واكتسى وجهها بالحزن. "حبيبتي فاقت أخيراً." كان هذا صوت عدي. كيف لا يبتسم له فمها، وهو عزيز عينيها؟ اكتفت بابتسامة باهتة، تشبه ابتسامة الأموات. أسرع رأفت إليها، فاتحاً ذراعيه مرحبا بإفاقتها المنتظرة. "وحبيبتي أنا كمان. تمار محظوظة خالص، كلنا بنحبها."
نظرت والدها بنظرة دون أن ترى العقار الموصل بيدها، الذي يشعرها بتخدير مشاعرها فلا تتفاعل مع مدح ولا ذم. وإن قامت الدنيا، لن يضرها شيء. لاحظ رأفت ذلك، فقرر التنازل ليترك الفرصة لريان بالدخول. ولابد أن تكون هذه الخطوة من خلاله، فقال: "طيب، شوف المفاجأة اللي جات." لم ينتقل بصرها عن يدها التي على بطنها، تحدق بصمت قاتل. سرعان ما أمسك بيدها كف خشن، وبصوته العميق حفز تدفق الأدرينالين بالدم، وزادت سرعة
ضربات قلبها عندما هتف: "وحشتيني." رفعت وجهها ببطء، حذرة أن يكون وهماً فتستيقظ منه خائبة. لكنه ريان. نظرته حنونة، ويده دافئة. انتفضت من مكانها وهي تنظر إليه. في هذه اللحظة، أمسك عدي ساعد والده ليحثه على الخروج وترك مساحة خاصة لهم. لكنه أبى، وكاد يعلو صوته، فتنازل عدي عن فكرته حتى يسمح لأخته أن تسعد لبضع لحظات قبل أن تعود إلى المشكلات القديمة.
انهمرت تمار في البكاء، مما دفع ريان لاحتضانها. كان أشد منها حزناً على ما حدث. "خلاص يا حبيبتي، أنا آسف. ما تعيطيش." تركت نفسها في أحضانه. بالنسبة لها، هو الحياة. وبالنسبة له، غالية قلبه التي لا ينافسها أحد. هتفت من بين نشيجها: "ما تسيبنيش." فأسرع بإجابتها بحماس وجدية صارمة: "عمري ما هسيبك يا تمار. أموت ولا أسيبك." ***
الليلة في منزلهم سهرة من نوع خاص. أصدقاؤه مجتمعون للغداء، من بينهم ماجد. ضحكاتهم لم تتوقف في غرفة الاستقبال الواسعة. أما في الجهة الأخرى، كانت منار مع ورد تقف لتشرف على إعداد الطعام. لكن هذا الجو لم يعجبها أبداً، فهي تكره هذا المكان، الجانب الذي يذكرها بأنها امرأة. زفيرها يعلو، بالرغم من أنها لا تتدخل في أي شيء، وورد هي من تتوالى المهمة كاملة مع بعض السيدات اللاتي أتى بهن شريف خصيصاً لإعداد سفرة شهية لهذا الجمع.
لم تكف منار عن محاولة الاتصال بوالدتها، ولا حتى خالتها. فكان دوماً الهاتف يعطي نفس الرسالة، ولا جدوى من التكرار سوى اليأس. "ما تيجي تسعدي يا منار، ولا تتعلمي أي حاجة." رفعت وجهها إليها وهي غاضبة: "وأتعلم ليه؟ ردت عليها الأخرى وهي تنظم الأطباق: "صحيح، دا الباشا شريف بنفسه بيخدم عليكي." لوحت لها دون اكتراث، وعادت ببصرها إلى الهاتف لتعود للاتصال بوالدتها.
بدأ المحضرون في حمل الطعام إلى الخارج، وهي في عالم آخر، لا تلاحظ أي شيء مما يدور حولها، ولا تهتم. كل ما يهمها أن تسمع صوت والدتها ويطمئن قلبها. لم تكترث حتى بالأصوات التي علت لتعلن التفاف أصدقائه حول الطاولة وضحكاتهم العالية القادمة من الجدار الفاصل تصل إليها بوضوح. دقائق، ودخل إليهم شريف متعجلاً ليسأل عنها كأنما اشتاق إليها، دون داعٍ. ناداها لتلتفت: "منار." رفعت وجهها
إليه بانتباه لتسأله بحزن: "كويس إنك جيت. ماما لسه ما بتردش من امبارح وأنا قلقانة أوي عليها." ابتسم لها ورفع كفه ليلمس وجنتها بحنان: "مش عايزك تقلقي يا منار. إن شاء الله في أقرب وقت هترجع." حاولت طمئنة نفسها بهذه الكلمات، وما بيده حيلة غير تصديق كلامه. مازحها ليخرجها من هذا القلق: "فرفشي بقى. العيال برة هياكلوا صوابعهم ورا الأكل وبيشكروا فيكي جامد أوي، مفكرينك إنتي اللي طابخة."
تجاوبت مع مزاحه وهدرت: "طبعاً، أومال انت فاكر إيه؟ وقفتي مش بالساهل." لطمها بخفة وهو يضحك: "إنتي هتعيشي الدور ولا إيه؟ دفعت يده مشاكسة: "ما تطولش إيدك." أعجب باندماجها، فأسعد لحظاته يقضيها معها، وخاصة عندما تبادل مزاحه بمزاح: "مش أستاذك يا بت، ولا إيه؟ ضمت حاجبيها باعتراض، وعلا صوتها لا إرادياً: "فين دا؟ إنت وعدتني تذكرلي وما شفتش منك ولا أبيض ولا أسود. سبتني ونمت."
لاحظ شريف صمت الخارجين، فالتفت ليخرج لهم وينهي حديثه معها. لكنها هتفت بصوت واضح لتسمعه: "اعمل حسابك تسهر إنهرده، مش هتعمل زي الخميس اللي فات. أنا عاملة حسابي على كده." حديثها العفوي جعله يتجمد مكانه. واضح جداً أنها سمعت معه أصدقائه، واختلاف النوايا سيسبب له أزمة. خفق قلبه بشدة، ووضع بين نارين. إن بقى معها ستصيبه أزمة قلبية، وإن خرج إليهم بهذه الوصمة ستلاحقه سخافاتهم. صاح بها بمنتهى الغضب: "ممكن تخرسي خالص؟
مش عايز أسمعلك صوت." سألته بوجوم: "فيه إيه؟ مش دي الحقيقة؟ مش إنت قولت إنك تعبان وعايز تنام؟ حديثها يزيد الطين بلة، لذا من بين أسنانه هدر بعصبية: "اخرسي بقولك." لعن تحت أنفاسه وهو يسترسل: "يا فضحتك يا شريف باشا قدام الوزارة كلها." انطلق من أمامها لتلقفه النار المشتعلة بين أصدقائه، وبدأت ضحكاتهم الخبيثة تعلو والرمي بالكلام: "كدا الباشا لازم ياخد أدوات مساعدة." رمقه شريف باستخفاف
وهو يرد على مزاحه بضيق: "كلمة كمان وانت اللي هتحتاج مساعدة." التقطه الآخر مازحا: "سيبه في حالة. أنا أسمع إن الحاجات دي بتضيق الخلق." قهقه زملاؤه، فرد شريف جاء فاحماً ببرود: "آه، وبتنرفز وبخرج عن شعوري." ضحكاتهم وسخريتهم لم تحزنه أو تغضبه، لكن الموقف برمته محرج. فلا أحد يعلم منار مثلما عرفها هو. انجرف معهم في الضحك، وكثيراً من المضحكات المبكيات. ***
انتقلت مكه من المستشفى إلى منزلها وسط عائلتها. الهدوء الذي بقي عليه والدها بعد طلب كامل يقلقها، لكنها أبداً لن تعترض بعد ما سببته من مشكلات. صمتت هي الأخرى، تدعو سراً أن لا تتم هذه الزيجة التي تبغضها. دخلت إلى غرفتها، وانتشر من حولها والدتها وأختها ليرتب لها فراشها ويعاونوها على تبديل ملابسها. أخيراً نطقت مكه بنبرة راجية: "بلاش بابا يوافق، أرجوكي يا ماما." نظرت إليها نظرة خاطفة وتابعت ما تفعل.
فكررت وهي توشك على البكاء: "أنا عارفة إني تعبتكم بـ... "اطمني يا مكه، أبوكي مش هيغصبك على حاجة." هكذا قاطعتها والدتها وهي تمنحها نظرة حانية. لكن هذا لم يهدأ مكه، فعادت ترجوها بحرج: "أنا عارفة إنه مش هيغصبني، لكن أنا خايفة إنه يكون موافق. مش هقدر أرفض لو طلب."
زفرت خديجة وهي تقف بوجهها وترى عينها المتحيرة والقلق الجلي. تشعر بها، لكن لا تعرف كيف تتداوى. اعتادت أن تعطي حناناً بلا حدود، لكنها تقف عاجزة عن حل المشكلات. لكنها استطاعت أن تهتف بكل حب: "ربنا يريح قلبك يا حبيبتي، ويقدم لك اللي فيه الخير." ربتت على كتفها وأردفت: "ارتاحي على ما أعملك الأكل وما تحطيش في بالك." دارت على عقبيها لتترك لها الغرفة لتنفذ ما قالته، أو لتهرب من رؤيتها بهذا الحزن.
من جانب، كانت مرام تنظر هذه اللحظة لتنفرد بأختها. وبمجرد ما أغلقت والدتها، هدرت بلا مقدمات: "أنا قبلت الشغل." التفت لها فوراً وهي تجيب باهتمام: "كويس يا مرام. أنا كمان شايفه إن عدي إنسان محترم جداً." هتفت بتردد وهي تطالعها لترى ردة فعلها على ما ستقول: "بابا زودها وحلفه يخلي باله عليها."
جفلت ومسحت على جبهته. تعرف مخاوف والدها من وقت وفاة أخيها، وزاد عن حده مع تقدمه بالعمر وشعوره بقرب أجله أو عجزه في حمايته، خاصة بعد حادثها. قفز إلى ذهنها سؤال مرتبط بكل هذا، ورفعت وجهها إليها تطرحه بذعر: "تفتكري ممكن بابا يوافق على كامل عشان يطمن عليا؟ فهمتها مرام على الفور، ونظرت إليها مطولاً وقد ظهرت بعينها الإجابة قبل أن تهدر: "ممكن." نهضت من مكانها بعدما
رأت الصدمة على وجهها: "ما تقلقيش يا مكه، بابا برضو مش هيفرط فيكي بالساهل، وأكيد هياخد رأيك." لم تتبدل تعبيرها أساساً. قلبها لم يطمئن. هتفت وهي ساهمة: "ما هو دا اللي خايفة منه." تطالعت إليها بأعين دامعة وأردفت: "مش هقدر أقوله لأ، ولا أعارضه يا مرام." ربتت على كتفها وهي تطالعها بأعين يأسه وقالت متأملة: "يحلها ربنا. وبعدين، لأ أنا ولا ماما هنسيبك."
ما من مساعد ليساعدها سوى الله. نوت في قرارة نفسها أن تدعو حتى يجف حلقها، ولا توضع في هذا الموقف ولا تجبر على اختيار حياة كهذه. ***
في الظلام الدامس، يسحب إلياس أجزاء سلاحه ويستعد لإطلاق النار. هذا أكثر ما يجيده. المهمة هذه المرة مرهقة، والدخول إلى وكر الدواعش ليس بسهل، والوصول إلى قيادة كبيرة ذات شأن في جماعتها أمر خطر، وأشبه بالانتحار، خاصة أنه ليس بأرضه ولا وسط جيشه. لولا معرفة ثقة مديره الكبير به، لأعتقد أنه عقاب من قائده، لكنه يعرف جيداً أنه رجل المهام الصعبة. أشار إليه الرجل مستسلماً وهو يقول: "معاك في هذه الصحراء الواسعة."
كانت ينتظره إلياس شخص لم يره من قبل. "الدليل." كان يحتاج هذه الكلمة حتى يتأكد وينزل سلاحه، لذا سأل: "معاك الدليل؟ أسرع الرجل يدس يده في جيب سترته ليسحب أوراقاً مطبقة وهو يقول: "الخريطة معايا." تفحصه إلياس بدقة تحت الضوء الخافت القادم من السماء، وبناء عليه أنزل سلاحه ليلتقط ما بيده ويفتحه، محاولاً في سرعة استيعاب ما بها. "حادثة
الآخر ليضيف الشرح: "السرعة مش مطلوبة عشان توصل للمكان دا، يلزمك تعرف طريق الرجوع، ودا بيحتاج تدريب." سأله إلياس دون أن يحيد نظره عن ما بيده: "مين هيساعد؟ أجاب الرجل: "هتقابله، بس مش دلوقتي." رفع وجه إليه ورمقه بحدة وهو يهدر بشدة: "إنت لازم تقول بسرعة." هتف الآخر ببرود: "روّق. زي ما إنت خايف على نفسك، إحنا كمان خايفين على نفسنا. شوف طريقك، وإحنا هنعرف نوصلك في الوقت المناسب."
زفر أنفاسه مهدئاً، فالطريق طويل ومليء بالمصاعب، والقادم مجهول، وكل ما هو مجهول مخيف. *** جز رأفت على أسنانه من هذا المشهد الذي أغضبه، فقرر التدخل بحمحمته الخشنة لعلهما يلاحظان وجوده. عض ريان بضيق طرف شفتيه من مقاطعته، ما ليس له بحق. لم يلتفت له، لكنه سمع صوته المشحون وهو يهتف: "أنا عندي ليكِ مفاجأة يا تمار." بعدما جذب انتباهه واطمأن أنه أغضب ريان بشكل كافٍ،
استرسل بابتسامة مزيفة: "أنا اتنازلت عن موقفي عشان خاطر سعادتك." سرعان ما انطلت الخدعة على تمار، وقفزت في جلستها متناسية كل آلامها وهي تسأل بدهشة: "معقول وافقت على جوازي أنا وريان؟ لم يتخل عن ابتسامته الصفراء نكاية في ريان، الذي اشتعل وجهه بالغضب وهتف: "طبعاً، هو أنا عندي أغلى منك ومن سعادتك."
حديثه المضلل أقنع تمار، لكنه أثار التوجس والخوف في نفس عدي وريان، اللذان يخافان إيهامها بشيء لن يحدث، ومن ثم تستيقظ على فاجعة لن تقوم منها أبداً. اقترب منه عدي ليهمس في أذنه بقلق: "بابا، خلي بالك من كلامك. تمار مش حمل صدمة تاني." ظل يحافظ على ابتسامته، وعلا صوته وهو يرد عليه متعمداً فضح ما قاله من إجابته: "إيه اللي بتقوله دا يا عدي؟ معقول أضحك على تمار؟ إنت عارف هي غالية عليا قد إيه؟
أنا هجهزها أحسن جهاز وهتخرج من بيتي أحلى عروسة. دا يوم المنى." كانت مندهشة من تغيره المفاجئ لدرجة أنها أمسكت رأسها لتستوعب، وراجعت في رأسها حرف حرف مما هدر به، ولكن كان كل شيء أشبه بالمعجزة. نهض ريان ودس يده في جيبه بهدوء، وتدخل قائلاً بسخرية: "ودا هيكون امتى إن شاء الله يا رأفت بيه؟ تحولت ابتسامته، ولم يستطع التصنع أكثر من هذا في وجه عدوه اللدود، واتضح غضبه عندما أجاب من بين أسنانه: "كمان سنة."
انفرج فم تمار، كما أصابت الدهشة باقي الحضور، وأكثرهم كان ريان، الذي سحب يده من جيبه وهو يصيح: "نـــــعــــم! رفع حاجبيه بعدما ضمن استفزازه، وهتف ببرود: "زي ما سمعت. عايز أشبع من بنتي. عندك مانع؟ حجته هذه المرة مدلسة، توحي بأنه نوى الحرب بشكل آخر، ولكن من يعارضه هذه المرة؟ ومن يرفض طلب أب يريد التقرب من ابنته؟ "طيب، وايه يمنع نعمل الفرح وتجيلك كل يوم؟ كان سؤالاً من عدي، يتضح فيه نبرة الانزعاج. التف
إليه رأفت ليجيبه ببراءة: "عشان أجهزها." رد ريان بإصرار: "وأنا مش عايز جهاز." ضيق عينه ليجيبه بتحدي: "دي بنت رأفت الألفي، مش أي حد. لازم البلد كلها تعيش على ذكرى فرحها." حاول ريان تخفيف المدة التي أشبه بعقوبة السجن، وهتف متعصباً: "مش كل المدة دي تقدر تعمل اللي إنت عايزه في شهر." رفع كتفيه وهو يبدي شيئاً من غضبه ليوحي لهم أنه قادر على الرفض في أي لحظة دون اهتمام: "على مهلي. أنا هستعجل ليه؟
تبادلوا النظر مع ترقب، شيئاً جديداً أو حادثة أكثر وجعاً من هذه. هرول رأفت باتجاه ابنته ليحتضنها ويقبل جبهتها متمتماً بحنو، ربما هذا الشيء الوحيد الحقيقي من كل هذا التزييف: "ألف مبروك يا حبيبتي." في هذه اللحظة، انسحب عدي من الغرفة، فهو لن يتحمل أكثر من ذلك، ليخرج إلى حياته ويترك الأمر بيد ريان. هو أكثر قدرة على مواجهة والده، وهو الأجدر في حماية تمار. ***
في شقة زينب، ترقد بلا حراك على الفراش تنازع الألم الذي لم يكف عن نهش جسدها بكل قسوة دون اكتفاء. أسفل عينيها غابات مظلمة، ووجهها بلا لون. جلستها الأولى في الكيماوي كانت متعبة، مازالت تشعر بالنيران التي تفجرت في عروقها عوضاً عن الدم، وهذا الاحتراق الداخلي الذي لم ينطفئ بعد. كل جسدها كالمشلول، ولكنها مع كل نبضة تزداد ألماً، جعلتها تتمنى أن لن تأتي بعده نبضة.
إلى جوارها كانت تجلس شقيقتها تمسك بيدها، أسفة على حالها، تشاطرها الألم. ومع أنه ليس الوقت المناسب إلى هذا السؤال، لكن ربما لم تسعفها الأقدار لسؤاله، لذا تشجعت على قول: "إنتي ناويّة تبلغيلي بنتك أمتى؟ زمانها هتجنن على غيابك المفاجئ دا." بصعوبة شديدة، ردت عليها، لكن صلابة العند لم تنكسر: "صعب عليا بنتي تشوفني بالحالة دي."
زفرت ماجدة وهي بين نارين من الرضوخ لرغبتها ومحاولة فعل شيء لابنتها، مهما كان. فمنار لن تغفر مرور والدتها بهذه المحنة دون إخبارها. "إنتي صعبانة عليا، وبنتك هي كمان. شريف كلمني وقال لي إنها مش مبطلة سؤال."
أغمضت زينب عينيها بتألم وهي تتخيل وجود منار جوارها وهي بهذه الحالة. لن تتحمل نظرة الحزن في عينها، ولن تتحمل أن تكون هي سبب في هذا الحزن الذي لن يذهب من رأسها للأبد. إن كان حتمياً الفراق، فلتَبقَ صورتها البشوشة الضاحكة في مخيلتها ما تبقى من عمرها. الموت حق، والحياة حق، فلن تسلبها حق الحياة برؤيتها تتعذب. لذا اعترضت من جديد هادرة بضعف: "لأ يا ماجدة، خليني ذكرى حلوة لحد ما أقف على رجلي، أو حتى أموت."
سارعت ردت ماجدة باستياء: "بعد الشر عليكي يا أختي. أنا هخلي شريف يشغلها لحد ما تقدري تقفي على رجليكي." تؤمي زينب برأسها بعدما اطمأنت لموافقة أختها على رأيها أخيراً دون نقاش طويل. *** احتضن هاتفه ليهتف بلطف. كان بحاجة لمحادثتها دون سبب معلوم. روحه المتعبه من كل الأحداث الدائرة أرادتها هي، لذا لم يتردد. عبث بهاتفه وأخرج رقمها وبدأ في عد الثواني حتى يتسمع صوتها المنادي: "السلام عليكم."
زفر بارتياح لإجابتها السريعة. الحقيقة أنه غير متحمل أي شيء يضغط عليه. رد السلام من بعد: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. عاملة إيه؟ أتاه صوتها مرتبك بنبرة منخفضة: "الحمد لله." مال برأسه وقد ظهرت ابتسامة كان يظن أنها لن تخرج للأبد، وسأل ليستوضح: "إيه؟ بتقولي إيه؟ تحمحمت وزاد ارتباكاً وهي تكرر في محاولة لرفع صوتها: "بقول الحمد لله." إجابتها المختصرة أثلجت صدره، فضحك يرد عليها مبتسماً: "الحمد لله. طب عالي صوتك شوية."
لم تجبه، وتجسد بين عينيه أنها خجلة، وجنتيها مخضبتان بالحمرة، تقرض شفتيها وتنظر أرضاً. زفر من جديد وابتسامته اتسعت دون إرادة وسأل مجدداً: "مكة أخبارها إيه؟ أجابت باقتضاب: "الحمد لله." برغم أنه يسمعها بصعوبة، إلا أنه قرر أن يحاول مشاكساتها حتى يعلو صوتها، فهتف: "إيه؟ بتقولي إيه؟ هتفت بصوت أعلى: "الحمد لله." حاول مشاكساتها ليقول: "طيب، عالي صوتك عشان أنا في مستشفى وعندي دوشة."
أتت الكلمة الأخيرة غصب عنه. سلاسة الحديث معها بأشياء لم يكن يفعلها مع أحد. سرعان ما سألته بتلهف: "ليه؟ اتسعت ابتسامته وأجابها: "صوتك عالي دلوقتي. عموماً، أنا كويس. دي أختي تمار." لم تخفف نبرتها القلة. نعم، هي لم توطد علاقاتها بتمار، لكنها لم تنسَ أنها ساعدتها في محنتها، لذا سألت بنفس التلهف: "مالها؟ أصطاده الألم في التو واللحظة، وظهر هذا جلياً في نبرته: "تعبانة، عندها انهيار عصبي."
كانت مستنكرة. فالجميع ينخدع بالمظاهر، وهي الأخرى انخدعت بجمالها وحسبها وضحكتها الصافية. فأي ظرف يجعل هذه الحسناء تنهار؟ دفعها القلق للسؤال: "من إيه؟ أقصد إيه السبب؟ أجابها باقتضاب وكأنه يغلق باباً سيفتح عواصف: "دا موضوع يطول شرحه، خلينا في موضوعنا الأساسي." تفهمت خصوصيته وسألت بتهذيب وصوت منخفض: "إيه الموضوع؟ عادت ابتسامته من جديد وهو يسمع نبرتها المنخفضة وأجاب: "عالي صوتك."
كممت ابتسامتها ورفضت إجابته بعدما أدركت أنه بالتأكيد يمزح. أردف بجدية: "ياريت لو مش مشغولة تيجي المكتب بكرة عشان نبدأ الشغل." هتفت بقلق وكأنها ستقبل على الجحيم: "لأ، مش مشغولة. مكة خلاص خرجت من المستشفى." سألها وهو يخمن الإجابة: "إنتي فاكرة عنوان المكتب الكبير، ولا أعدي آخدك؟ ظهر التوتر في نبرتها المتخبطة وهي تعتصر رأسها لتذكر المكان: "آه، مش هو في الـ... بسم الله....
قاطعها في ذلك، فهو يعلم جيداً أن يومها كانت في حالة يرثى لها لتعرف أي طريق سلكت: "خلاص، عندك مانع أعدي آخدك بكرة؟ ردت بصدمة: "لأ طبعاً. إحنا ساكنين في منطقة كلنا عارفين بعض فيها، وهيبقى شكلي مش ولابد لو حد جه أخدني." تفهم قلقها وهتف: "خلاص، أنا هكلم باباكِ وآخدك من برة الشارع. ممكن تديني رقمه؟ أجابت باقتضاب وهي تشعر بالطمأنينية أكثر لهذا التصرف: "حاضر." ***
سرعة الأيام تبهر الجميع. لم يمر هذا الشهر مروراً عادياً، بل مر على كل فرد بمشاعر وأحداث مختلفة. مازالت منار كما هي، تحاول الوصول إلى والدتها بشتى الطرق، ويحاول شريف إلهائها بحجج مختلفة، حتى صبت همها في دراستها، خاصة أنها اقتربت من اختبارات آخر العام.
من جانب، عادت مكة إلى عملها، لكن لم يتركها مديرها إسلام في الضغط عليها لمعرفة قصتها ومحاولة الوصول إلى الجهة العالية التي تساعدها ويزهق روحها. صمت والدها حيال طلب كامل يقلقها أكثر، وبدأ يضيق الخناق على والدها، فالسؤال بات شبه يومي من كامل عن موعد الخطبة أو الزواج، بسبب صمت والدها الذي لم يرفض بشكل قاطع ولا القبول.
أما مرام، فبدأت في العمل مع عدي والاندماج في تنظيم وقته بين هذا المكتب وذاك. لم تجد عقبات، فهو يبسط كل شيء ويتعامل برأفة وصبر. وما رأته منه في عمله زادها إعجاباً واحتراماً لهذه الشخصية التي لن تتكرر. وبالتأكيد لم تحبها ليندا، لأنها أصبحت في مدة قصيرة مفضلة لدى عدي. وهذه الفترة كانت فرصة جيدة للغاية بالنسبة لرأفت، الذي ترك كل أعباء العمل لعدي، والهروب بتمار لأوروبا للتجول بحجة التجهيز للفرح، لكنه يزيد البعد والتجاهل بين ريان وتمار حتى تنسى هذه النزوة من وجهة نظره القاصرة.
*** في مكتب لتوريد، وضع أمامها أحد زملائها بعض ملفات إلى جانب الموضوعة على سطح المكتب. انتفضت من صوته ورفعت عينيها بصدمة وهي تسأل بصوت حزين: "إيه كل دا يا أستاذ أمير؟ أجاب الآخر بلا مبالاة، فهنا لا أحد يشفق عليها: "الأستاذ إسلام بعتهم لك." نظرت على الفوضى على سطح مكتبها وهتفت ببؤس: "بس دا كتير عليا. هو ما فيش حد بيشتغل هنا غيري؟ ضيق الآخر عينيها ورد متهكماً: "لو عندك اعتراض، اتفضلي بلغيه للأستاذ إسلام."
دفعت الهواء المختنق برئتيها وعادت ببصرها تدقق في أوراقها الخاصة. من الواضح أنه يوم طويل، فعليها الإنجاز. سوف يسحب نظرها إن استمرت على هذه الحالة في العمل، ولن تستطيع تركه، فهو الملجأ الوحيد لها بعد كل الكوارث التي مرت بها، وهو المهرب من الماضي ومن المستقبل. لكن مع هذا الضغط ستنتهي تماماً، لذا نهضت من مكانها على فجأة واتجهت نحو مكتب المدير تنوي أن تسترضيه أو تغضب عليه، أي شيء يخلصها من هذا الضغط الذي سيقضي على آمالها وسيُجبرها على ترك العمل.
نقرت الباب وأذن بالدخول، ولكنه فور رؤيتها تظاهر بالانشغال وهو يهتف بقسوة: "ممكن تقولي اللي عندك وتمشي بسرعة. أنا مشغول ومش فاضيلك." ازدادت غضبها من معاملته السيئة وحاولت قدر الإمكان تمالك أعصابها، لكنها لم تحسن في ضبط نبرتها الغاضبة التي انفجرت بـ: "أنا عايزة أعرف ليه أنا دون عن الجميع اللي عليا ضغط الشغل، وليه كل ورقة كبيرة أو صغيرة مطلوب إني أرجعها؟ ترك قلمه ورفع وجهه إليها عندما وصل إلى أذنها نبرتها المحتدة.
رفع حاجبيه وسألها: "وحضرتك مش جاية هنا عشان شغل برضو، ولا جاية تدلعي؟ استاءت جداً من سؤاله، لكنها تحت نظراته النارية كانت مجبرة على الإجابة، فهي لا تريد خلق المزيد من المشكلات التي أصبحت تطاردها. لذا أجابته بخنوع: "جاية أشتغل بس. دا مش عدل." لكم سطح مكتبه وهو يزعق بحدة جعلتها تنتفض: "هو دا اللي موجود، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل." شعرت بقهر وضيق من معاملته وألفاظه من وقت عودتها.
فراحت تهتف بحزن: "بس أنا محتاجة الشغل دا و... نهض من مكانه ليقاطعها سريعاً بنبرة حازمة: "إنتي عارفة إنك مكروهة هنا بعد مارجعتي إنتي وصمتي المكان اللي اشتغلتي فيه. لابقينا عارفين إنتي إرهابية ولا صايعة ولا جاسوسة علينا من أمن الدولة اللي بيوصي عليكي." انتهى كلامه وهو يقف قبالها تماماً وأكمل مشدداً: "سألتك ميت مرة إيه حكايتك وإنتي رافضة، رافضة تنكري إنك هربتي مع واحد، ورافضة تقولي مين حمايتك من أمن الدولة."
رفعت وجهها إليه ونظرت إليه بصمت. لم تجد إجابة لأي اتهام. هي أصبحت موصومة في مجتمع الشرفاء الذين يحاسبون الغير بنقصانهم ويرون أخطاء غيرهم بعين الصقر وأخطائهم بعين كفيف. ماذا سيتغير إن أجابت أو لا؟ على أي حال، سينبذوها وسيرون أنفسهم أصحاب فضيلة وهي الوحيدة صاحبة الأخطاء والخطايا. فهذا السائد في مجتمع مريض معاق فكرياً.
التفتت عنه دون أن ترد على كل هذا. فلتحمل ساعات العمل الإضافية وتتحمل فكرهم القاصر، طالما جميعهم سواسية في كل مكان، في العمل أو في الشارع. أمسكت بالمقبض، كانت تنوي الرحيل، لكن أوقفها صوته الخالي من الرحمة يهدر: "إنتِ برضه ما جاوبتيش." أجابته وهي ترفع ذقنها عالياً دون أن تلتفت له: "حضرتك عندك شغل ومش حابة أعطلك."
أدارت المقبض ونوت عدم الرجوع من تسأل. كلهم متشابهون كحبات السمسم. نفس الأفكار ونفس الأوهام، أنهم يرون أنفسهم دوماً قضاة. *** جلست مرام أعلى مكتبه تنظم وتنسق دفتر مواعيده. رئيسها لم يتركها لينا بحالها، وتبقى عينها عليها طوال الوقت، لكن مرام أبداً لم تهتم. صاح هاتف المكتب بالرنين، فوضعته أسفل ذقنها ومالت بكتفها لتسنده كي تؤشر على آخر موعد: "أيوة." "أيوة يا مرام، جهزتي المواعيد اللي عندي انهارده في المكتب التاني؟
صوته جعلها تعتدل سريعاً، لا تدري لماذا كل هذا الارتباك القوي الذي ينتابها فجأة من صوته وحضوره. هذا الشيء الوحيد الذي لم تعتاده. ازدرقت ريقها وهي ترد بصوت هادئ كالمعتاد: "أيوة يا أفندم، لحظات وهيكون على مكتبك." برغم أنه استمع جيداً إلى جملتها بعدما اعتاد نبرتها الهادئة وصعوبة التعرف لما تهدر، لكنه قرر مشاكساتها من جديد: "مش سامع يا مرام، عالي صوتك."
يربكها أكثر وهو يشعرها أنها بحجم نملة. كررت جملتها بصوت أعلى، لكن هذا لم يجعله يرضى، فصاح متصنعاً الضيق: "بقولك إيه، تعالي ع المكتب أشوف الموضوع دا." أغلقت الهاتف وراحت تلملم أوراقها بارتباك وتحركت صوب مكتبه وهي تحاول تنظيم أنفاسها المتلاحقة. ثوانٍ وكانت تنقر بابه. أذن لها لتدلف. تحركت باتجاهه وهي تهتف في عجالة: "المواعيد بتاعت حضرتك موجودة هنا."
عيناه أبت تزحزح عنها. حضرت التي لا يرفع عينه في غيرها من شروده. نسي أنها تغادر من جديد، فأسّر يناديها بعجلة: "استني. إنتي رايحة على فين؟ "حضرتك محتاج ح... " سألت وهي في حالة يرثى لها. فابتسم، ومع ابتسامته تتفتح الأزهار وتشرق شموس لا آخر لها. تخضبت وجنتها على الفور وقطعت كلماتها فوراً، فالصمت واجب أمام تلك الابتسامة. تكى إلى وجنته وسألها مازحاً: "وبعدين معاكي؟ أبعتك لدكتور يشوف أحبالك الصوتية مالها؟
طفا على وجهها كل الألوان وتحيرت بما ترد عليه، لاذت بالصمت. حتى أردف وهو ينهض من مكانه: "إنتي بتتعلمي بسرعة، والحاجة الوحيدة اللي مش عارفة تتعلميها إنك تسمعيني. إنتي عايزة تقولي إيه؟ هى دي حاجة صعبة؟ وقوفه قبالها ما كان ينقصها لتزداد توتراً، وتحت أنظاره التي تنتظر منها إجابة، أمامه تصبح في منتهى الغباء. استجمعت قواها لتهدر: "لأ.. الشغل سهل وحضرتك ساعدتني كتير عشان أوصل لحد المستوى دا."
مط شفتيه بابتسامة عريضة تبعها بـ: "على كدا أنا فشلت في إني أخليكي تتعلمي تسمعيني صوتك." أجابت بتحفظ: "حضرتك في النهاية بتسمعني، ودا المطلوب." هم ليرد عليها، لكن طرقات الباب علت ودخلت ليندا دون إذن لتقاطعهم: "فيه واحد اسمه عزيز عبد الواحد جاي برا وعايز يقابلك حضرتك." ضم حاجبيه وانتقل بصره إلى مرام يسألها: "هو ليه معاد انهارده؟ نفضت رأسها وهي تجيب: "خالص يا أفندم. كمان مقابلته مش في المكتب دا، في المكتب التاني."
طالعتهم ليندا بحنق. يوماً عن يوم تشعر بهذا الانجذاب الذي بداخل عدي نحوها، وترى أنها ليس من حقها أبداً أن تأخذ مكاناً ليس مقدراً ولا يناسب لها. لاحظ عدي نظراتها المغلولة بشرود تجاه مرام، وقرر إيقاظها بقسوة: "خليه يدخل." حصل على انتباهها واسترسل: "وحضرتك يا ريت تبقي تستني الإذن قبل ما تدخلي عليا المكتب." اشتعلت غضباً من تحذيره واستدارت تدق الأرض من أسفلها. تبعتها مرام دون حديث، فقد أنقذها عزيز من إحراج جديد أمامه.
عاد إلى مكتبه وانتظر القادم. إنه أحد عملاء مكتبه الآخر. غريبة تواجده هنا، وغريبة أيضاً حضوره المفاجئ، خاصة أن قضية ابنه ليست كبيرة. دخل عزيز ووجهه يمتلئ بالابتسامة. قال وهو يقبل عليه: "أستاذ عدي، أخبارك حضرتك؟ أشار إليه بالجلوس وهو لا يعتقد أبداً أنه جاء لعنده اليوم لسؤاله عن حاله، لكنه رد بلطف: "الحمد لله. وما إن استقر على كرسيه المقابل سأله: "تحب تشرب حاجة؟ هتف الآخر مبتسماً وطامعاً
في كرمه: "متشكراً، نشربه بعدين. أنا كنت جاي لحضرتك في خدمة." تحفزت ملامح عدي لمعرفة السبب، ورفع ذقنه في استعداد واضح لسماعه. "ابني كان معجب بالبنت السكرتيرة اللي عندك، والحقيقة إنه ما عرفش ياخد عنوانها عشان يتقدم لها. فلو حضرتك تتكرم وتدينا تفاصيل عنها، وكمان تديني رأيك." تبدلت ملامحه، وأخفى بصعوبة هذا الضيق الذي احتل صدره عن صفحة وجهه. ثبت نظره عليه وسأله بجمود وهو يحرك رأسه: "رأيي في إيه؟
أجاب عزيز موضحاً: "في البنت، بنت كويسة وأخلاقها كويسة، ولا إيه؟ ضيق عدي عينه، ولاحظ عزيز ضيقه، فأردف موضحاً: "يعني حضرتك رأيك مهم. هو الولد شافها واعجب بيها، لكن حضرتك شبه يومياً معاها، يعني أكيد عارف أخلاقها. وإن حضرتك شايف إنها كويسة، يا ريت تديني عنوانها." لم يتحكم عدي في مشاعره وهتف محتداً: "حضرتك، أنا عندي شغل وهي موجودة هنا برضو في شغل. حكاية إني أقول رأيي فيها محتاجة وقت أكبر من الخمس ساعات اللي بنقضيهم سوا."
سأله الآخر بتردد: "هو حضرتك زعلت؟ نفضت رأسه وأسرع بطرده قبل أن يقذفه من نافذة مكتبه: "لآآآ. أنا بس مشغول ودماغي فيها قضايا كتير." أدرك الآخر خطأه ونهض وهو يهتف بحرج: "طيب، هاجي لحضرتك وقت تاني." أشار له وهو يرسم على وجهه ابتسامة باردة، وبداخله براكين تندلع. هذا استفزه بشكل خطير. انتظر حتى أغلق الباب من خلفه وقذف القلم من يده. سأل نفسه لما غضب؟ لن يهدأ حتى يحصل على إجابة. ***
في كليتها، تقف بجانب زميلاتها الذين يتبادلون الحديث عن المواد وكيفية اختصار الوقت في جمع أكبر قدر من المنهج في وقت قصير. وجذبتها الموضوع بسرعة لتندمج معهم في الحديث. وبدأ التبادل بينهم، ومع زيادة عددهم كانت أصواتها متداخلة، والأفكار كثيرة. حتى صاحت إحداهن، "مروة"، قائلة: "باااااس خلاص يا جماعة اسمعوني." وبالفعل استجاب لها الجميع
ليستمعوا إليها وهي تقول: "إنتوا تيجوا تذكروا عندي في الشقة بتاعتي. كل واحدة تلخص مادة، ونبدل سوا." صاح الجميع مؤيدين: "آه والله فكرة." "وإحنا خمسة." حكت منار خلف أذنها وهتفت بتحير: "بس أنا ما قولتش لشريف." ردت عليها مروة: "عموماً، لسه بدري على معاد خروجنا. روحي معانا ونوصلك هنا تاني، يبقى ياخدك في نفس المعاد." تدخلت زميلتها لتدعوها بحرارة: "تعالي معانا يا منار، إنتي شاطرة وهتساعدينا ننجز."
سكتت منار بتحير، لكنها قد أعجبت بالفكرة. لما لا تذهب معهم وتستفيد، بما أن شريف لا يساعدها ويتحجج كثيراً حتى لا يجالسها طويلاً. تؤمي بالموافقة وهي تقول: "خلاص، هاجي معاكم." *** في مكتب اللواء مندور، وقف إلياس يؤدي التحية بإجلال لقائده الذي نظر إليه مسروراً بعودته سالماً من مهمته. وصاح متفاخراً: "أهلاً بالبطل."
تغيرت ملامح إلياس تماماً في هذه الفترة المنصرمة. ترك شاربه ينمو، وازدادت بشرته سمراء، وعينيه تكتسي بغموض أشد مما سبق. طالت نظرة مندور إليه متأملاً حاله الذي يتبدل بعد كل مهمة يكلف بها. أردف بإعجاب: "مش هسألك على المهمة، لأن البشاير والتقارير سبقتك. دايماً بتكون قد الثقة." أجابه دون تأثير: "شكراً لحضرتك يا أفندم." مندور طوى فمه وهو يتطالع إليه في محاولة فاشلة لثبت أغواره من بعدها.
سأله بود وهو يتفحص وجهه: "شكلك اتغير. ترى فكرك اتغير كمان ولا لسه زي ما هو؟ طالت مدة غيابه وتغيرت فصول العام، لكن بداخله هو فصل واحد لم يتبدل منذ أعوام، برد قارص ينخر عظامه ويجمد أوصاله. لا تنخدع بحبات العرق على جبينه، فبداخله يرتجف برداً، وفي أشد الحاجة للدفء. أجفل من سؤاله،
لكنه كان يتوقعه: "أكيد يا أفندم، كل يوم بيعدي علينا بننضج أكتر وبنعرف نحدد مصيرنا واحتياجاتنا. بنعرف وجهتنا من غير ما حد يشاور لنا على الطرق اللي تناسبنا أكتر مننا." كلماته لم تبشر مندور، واتسعت عيناه وهو يستعجل إجابته متسائلاً بجمود: "معنى كلامك دا إيه؟ ابتسم إلياس،
فقيل: "فالأثر، من يعيش كثيراً يرى كثيراً، ومن يمشي يعرف أكثر. فالأيام التي قضاها متجولاً في أرض الله الواسعة أكسبته خبرة وأثقلته لتجعله منه شخص أذكى ممن يجلس خلف مكتبه وسط الأوراق والقلم." أدى تحيته بتهذيب وهو يهدر بغموض، فشل الآخر في فهمه: "هسيب حضرتك تعرف بطريقتك. عن إذنك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!