الفصل 33 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
8,652
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

صوت صراخهم بالتبادل كان يملأ الشارع، إضافة إلى بعض أصوات الزجاج المتهشم. الحوار المحتدم جعل "مكه" تقف بينهم عاجزة حتى عن تلفظ أنفاسها أمام هذه الحرب الدائرة. من وقت ما اعترفت "إلهام" رغبتها بإعادة النظر في الزواج من جديد، زمجر "إلياس" بعصبية: _إنتي عايزة تجنيني؟ الموضوع ده إنتهينا فيه من زمان، ما تفتحيهوش تاني." لم تتأثر "إلهام" بعصبيته المفرطة واعتراضه الواضح، وهتفت غير مبالية بمشاعره:

_ما إنت فتحته ورحت عشت حياتك، هتوقف حياتي أنا ليه؟ استطردت وهي ترفع رأسها بكبرياء حتى تبلغه أنها لم تخطئ كما يعتقد عندما طالبت ببداية حياة جديدة لها: _لا هو عيب ولا حرام." وكأنها صبت الزيت على النار، صفع أحد الألفاظ الموجودة بجانبه وأقربهم ليده، صائحاً من جديد: _إنتي عايزة تتجوزي تاني؟ إنتي مش مراعية إن ابنك بقى شحط؟ نفضت رأسها غير مبالية وقالت:

_أنا لسه صغيرة والحب ملوش سن، وإلا ما كنتش إنت وقعت في الست مكه بعد كل السنين دي." التف بصره نحو "مكه" بعدما أضاءت بؤرة ضوء عليها، جعلته يشعر بالخجل تجاه ما تعيشه. خجل من مطالبة والدته بالزواج مرة أخرى. صر على أسنانه وهو يهتف بنبرة عدائية: _فكري تتجوزيه وأنا هخليكي أرملته في نفس اليوم، وأروح فيكو في داهية." انطلق نحو غرفته مختفياً عن الأنظار. لم يكن لإلهام سبيل لإقناعه سوى "مكه". انطلقت نحوها وأمسكت بيدها وهي ترجوها:

_أرجوكي إقنعيه." نظرت إليها "مكه" ببلاهة تامة، ثم أشارت لنفسها بصدمة وهي تقول: _أنا... أدخل أكلمه وهو في الحالة دي؟ أسرعت "إلهام" بالإجابة: _أيوا، ماحدش غيرك هيقنع." ردت عليها "مكه" بهلع من مجرد الفكرة، بعدما رأته منه الآن: _ده ممكن يرميني من الشباك... إنتي جبتي الثقة دي منين؟ عضت على طرف شفاها وهي تقاوم ترددها في إخبارها، ثم ما وجدت بدًّا كي تحفزها على الإقدام على هذه الخطوة، فقالت:

_تعرفي يوم ما كنا بنحاول نهربك، عديت عليه في الأوضة، لاقيته رايح في سابع نومة. بس... بس... بينادي باسمك. عارفة معنى كدا إيه؟ رغم أن ما قالته أصاب "مكه" بالدهشة وظنت أنها تخدعها، لكن حركت رأسها لتفهم. فأستطردت الأخرى: _معناه إنك حاجة مهمة أوي عنده، حاجة مايقدرش يستغنى عنها حتى في أحلامه."

لم يستوعب عقلها ما قالته. تعرف أن بينها وبينه انجذاب غير طبيعي، لكن هو لم يوضح أهميتها بالنسبة له لهذه الدرجة. وقفت ساهمة في تغير حياتها من الأمس إلى اليوم. الأمس عاشت حلماً وردياً وتحقق عكس إرادتها، واليوم أشرقت الشمس على حبها دون غيوم، وتحقق الحلم. لكن عقلها يقف بذهول لا يصدق قصة الحب التي حلمت بها. ستعيشها من الآن، ستبدأ سنوات الربيع التي رأتها من قبل وبحثت عنها بجنون. تذكرت لقاءها الأول به وكيف هرولت تجاهه، ولَامت نفسها على كل الندم الذي ندمته على هذا الاندفاع، لأن ما حلمت به سيعوضها عن كل ما قاست.

استطالت "إلهام" صمتها، فدفتعتها وهي تقول: _روحي... روحي كلميه." وجدت نفسها تتجه حيث أمرتها، لكن أبداً لم تخطط بما ستبدأ حديثها، خاصة أنها جربت غضبه ورأت حساسيته تجاه الموضوع، ويقدر غيرته. *** "في منزل شريف" سأل والدته التي تجلس بمقابله: _اسمه حمزه إيه؟ أجابت "ماجدة": _اسمه حمزه أنور قاسم." سأل مستفسراً بدهاء: _وعرفتي إزاي بقى؟ نظرت "ماجدة" نحو "منار" الجالسة إلى جواره بتحير، ثم عادت ببصره إليه لتقول:

_قابلها كذا مرة في النادي، ولما اتعرف عليها حب يتقدم رسمي." أومأ "شريف" بهدوء وانتظر قليلاً حتى علق قائلاً: _خلاص يعني لو رفضناه عادي؟ انتفضت "ماجدة" من مكانها لتهتف بفزع: _ليه بس يا شريف؟ ماهي مسيرها تتجوز، والجدع ابن ناس، وبرضوا أقعد معاه وأشوفه وأحكم عليه." لم يرد "شريف" عليها ولم يبدِ أي قبول. أثار قلق والدته والتي نظرت إلى "منار" كي تحسها على التدخل، ولم تتأخر في ذلك. هتفت: _إيه سبب الرفض يا شريف؟

لو هو كويس إيه المانع؟ كان مستنداً بيده على جبينه، فنظر إليها من تحت حاجبه الذي ارتفع فجأة عندما سمع صوتها، وبادلها السؤال بسؤال: _وإنتي عايزة تخلصي منها ليه؟ اعتدل في جلسته، غير تارك لها فرصة استيعاب رده الجارح، وأردف: _أختي وعايز أشبع منها." امتعض وجه والدته وهي ترد عليه: _يا ابني إنت بكرة يبقى عندك ولاد، وهي كمان لازم يبقى لها حياة زي حياتك. الله يهديك، خلينا نفرح بيها وعقبال ما نفرح بولادك." نظر نحو "منار"

بخبث وقال: _إن شاء الله قريب." نهضت "منار" فجأة وهتفت بارتباك: _أنا هقوم أشوف ورد." تركتهم معها، وهرولت نحو الدرج. دلفت غرفة "ورد" المغلقة، واستمعت لصوتها المعتدل من خلف الباب: _ادخلوا." ما إن التقطت إشارة السماح حتى ضغطت على المقبض ودلفت للداخل. وهي تسأل محتده: _حمزه ده طلع إمتى من غير ما أعرف؟ نهضت "ورد" التي كانت تجلس على كرسي المكتب لتقول: _من وقت ما انشغلتِ مع شريف. وبعدين داخلة عليا كدا ليه؟

إنتي هتعملي نفسَك مرات أخويا بصحيح، ولا يكون شريف عينك المخبر بتاعها؟ اقتربت منها "منار" وحركت رأسها بحركة مستفزة مع إخراج طرف لسانها: _أيوا، عيني مخبر. تعالي بقا اعترفي من غير لف ودوران." سحبتها لتجلسها معها على طرف الفراش. فما كان من "ورد" سوى أن زفرت وهي تهتف باستسلام: _مافيش حاجة. هو قابلني مرتين في النادي، مرة فيهم سألني عن اسمي."

رمقتها "منار" بتدقيق غير مصدقة هذا الاختصار الذي جر قدم المدعو وجعل وجنتها تتخضب بالحمرة كما هو واضح الآن. سألتها بخبث: _يا بت، يعني عايزة تفهميني إن الكلمتين دول اللي خلوكي مكسوفة لدرجة دي؟ ثبتت "ورد" من جوارها وهي تهتف بملل: _مش بقولك بقيتي المخبر بتاعه. والله ما في حاجة. إنتي ما بتسمعيش عن حاجة اسمها الحب من أول نظرة، ولا حتى مرحلة استلطاف؟ وضعت "منار" يدها أسفل رأسها وهي تدفع بجسدها لتتمدد على الفراش

وتحادثه متصنعة الهيام: _آآآه، سمعت بس لسه ما شفتش." التفت إليها "ورد" وصاحت بها: _والله عليا أنا وشريف كان بيعمل إيه كل ده؟ اتسعت عينها عندما أتت ذكراه وتداركت الأمر، لتخرج منه قائلة: _وهتلبسي إيه في الليلة الزرقاء دي؟ اقتربت منها "ورد" وسحبت يدها وهي تهتف: _ما تقومي تساعديني بدل ما إنتي جاية تمددي عندي وتضيعي وقتي." نهضت معها لتبحث معها على فستان مناسب لهذه السهرة العائلية. *** "لدى إلياس"

كان يجلس بجوار الشرفة الخاصة بالغرفة ويمدد قدمه على الكرسي المقابل له. يتضح مع هذا الشرود المندمج به حزن عميق يظهر على قسماته وكل خط على وجهه المتشنج. مهمتها في إقناعه قد تكون مستحيلة، لكن لا مانع من التجربة.

وقفت أمامه شارده، تفكر به كيف أصبح زوجها وحبيبها وفارس أحلامها ملكاً لها وحدها في يوم واحد. ابتسم ثغرها رغماً عنها، وعينها تجول وتصول به، مستغلة انشغاله الذي لم يدم، عندما شعر بتواجده معها وعدم تقدمها إليه. اختفى نظره سريعاً لها، لم يكن ينوي الإطالة بها، لكن ابتسامتها التي زينت وجهها جعلته يتوقف ويبتسم متعجباً، كيف محت حزنه بابتسامتها، كيف أنسته همه دون أدنى مجهود منها.

فاقت من شرودها أخيراً واقتربت منه. ابتسامة سهلت الأمر قليلاً. قالت قبل أن ينعقد لسانه من الخوف: _خبيت عليا ليه؟ انقشعت ابتسامتها وتجهم وجهه لدرجة أنها ندمت على الكلام. ظل صامتاً حتى ظنت أنه لن يجيب، لكن فاجأها بأن هتف دون أن ينظر إليها: _مافيش حاجة هتغير. هي هيبقى ليها الأولوية في كل حاجة." لم تعجب بإجابته وأعادت سؤالها: _ليه خبيت عليا؟ ليه عشت في وهم إنك متجوز؟

استمعت إلى صوت أنفاسه الغاضب، وكأنه يصارع شيئاً في صدره. تبع صوت أنفاسه صوته الخشن وهو يقول: _عشان مش عايز حد ياخد منها الاهتمام اللي أنا اديتهولها. عارف إني بظلمها وما كنتش نفسي أظلمها ولا أظلمك. عرفتي ليه أخدت وقت عشان أتجوزك؟ سمحت لنفسها بأن تجلس جواره وحاولت أن لا تنظر في عينه وهي تقول: _مهما اديتها اهتمام مش هيعوضها عن الحب الـ...

قطعت كلماتها عندما شعرت بنظرة تخترقها. ظلت كما هي تحدق في الفراغ، تجاهد ألا تلتفت، ألا تنظر في عينه. ظلت ثوانٍ حتى صدح صوته هو يسأل: _سكتي ليه؟ كملي." عندها التفت له، وعكس ما توقعت، عينه تمتلئ بالحزن. كطفل شريد، الألم الذي يعتصر قلبه يظهر جلياً على وجهه. كانت مستعدة لضمه، لكن سرعان ما تبدلت نظرته ولاح بها الشر ليقول مبتسماً ابتسامة صفراء محتقنة السواد: _ما تدخليش نفسك في الموضوع ده يا مكه، خليكي بعيد."

برغم خوفها من كلماته التي لم تحمل أي تهديد، لكن كان كافياً مع تعبيرات وجهه، قبول أوامره. حركت رأسها بالقبول دون إرادة، لكن لسانها لم يقبل أبداً الصمت وهتفت رغماً عنها: _ليه؟ هنا وثب من جلسته وعاد إلى نوبة هيجانه، يصيح كالمجنون: _عشان دي أمي! أمي أنا!

أنا مش مجنون عشان أسيبها. أنا قبلت أفضل عازب طول السنين دي عشان خاطرها، عشان ماحدش ياخدها مني. مش هستحمل أشوفها مع أي حد. مش هستحمل تعيش حياة زي اللي عاشتها مع أبويا. مش همشي بين الناس وأمي متجوزة راجل تاني. أنا قبلت أكون أنا الراجل التاني، لكن ما تتجوزش تاني. إلا دي... دي بمووتي."

أسرعت في الاقتراب منه حتى تهدئه. حاوطت وجهه بعد محاولات بالوصول إليه، كان لا يقبلها البته، وأخيراً تملكت منه. وحدقت بعينه الدامعة التي تتهرب من عينها، وهدّأته قائلة: _ده مش عيب ولا حرام. ولدك مات من زمان، وهي مهما كان ست، حرام تدفن شبابها وتقتل حبها. وإنت أكتر حد عارف إن الحب صعب يتقاوم."

كلمات قليلة ولمساتها المهدئة أنارت بصيرته عقله. لم يكف عن عقد المقارنات بينه وبين والدته. كيف قاوم حتى لا يتقدم خطوة واحدة نحو "مكه"، ورغم عنه خطت قدمها. إن للحب سحراً أقوى من أي سحر على وجه الأرض. له قوة عجيبة تماماً كالقوى التي جعلته يتزوج "مكه". كان يعتقد أنها موطنه، وبمروره بهذه اللحظة أدرك أن الحب هو اليد الخفية في كل ذلك. وكما حارب من أجلها، ستحارب والدته من أجل "رأفت"، ولن يستطيع منعهم.

رنين هاتفه المتواصل جعله يلتف عنها. وقف لثوانٍ حتى يستعيد رباطة جأشه، ومن ثم أمسك هاتفه، وسرعان ما نفخ بضيق عندما قرأ اسم "ريان". بملل ضغط زر الإجابة ورفع الهاتف على أذنه: _ألو." قال "ريان" عبر الخط دون مقدمات: _نتقابل فين؟ أجاب "إلياس" بضيق: _مش هنتقابل." ألح "ريان" متصنعاً الحنق: _يوووه يعم قول بقى هنتقابل إمتى؟ تحرك "إلياس" في الغرفة وقد بدأ يشطاط من إلحاحه وقال:

_مش هنتقابل يا ريان، وحتى لو اتقابلنا ممنوع تكلمني في الموضوع ده إياه." تحدث "ريان" بإصرار: _لأ هنتكلم. من الأول رفضت من غير ما تعرف مين هو. إنهاردة إنت عرفت. ده مش عيل صغير هيلعب بيها، ده رأفت الألفي. ليه وزنه وليه كلمته، وأظني مافيش أحسن منه تأمنه وتطمنه على أمك." ختام جملته جعل "إلياس" ينتفض بغضب ويزمجر بصوت عال: _ما تفتحش سيرة الموضوع ده تاني. وبعدين من إمتى ورأفت بقى حلو؟ ولا إنت عايز تخلص منه على حسابي؟

لم ينزعج "ريان" من غضبه ولا صوته العالي، بل استمر في إقناعه بهدوء: _هو رأفت لسه هنتعرف عليه؟ ما إحنا عارفينه من زمان. وبعدين ماشي، خليني معاك للآخر. لو أنا عايز أخلص منه، ما إنت كمان مورط نفسك. مكه مش هتستحمل اللي أمك هتعمله فيه بعد ما تقف في طريقها تاني مرة، والنار اللي هتولع في البيت عندك، إنت مش هتعرف تطفيها ولا حتى المطافي. إهدى كدا وعقل، وماتضيعش من إيدك حبيبتك مكه."

نظراته توجهت صوب "مكه" التي كانت تنظر له ببراءة. يعرف والدته ويعرف أنها غضبت، ستذيقه كل ما أذاقه إياه والده. لكن قرار الموافقة على زواج أمه كان أصعب مما يتخيله أحد. *** "في شقة الحاج إبراهيم" جهز للعزومة بناته مع أزواجهم، وحرص على أن يكون كل شيء منظم وكامل دون نقصان. صرف كل ما لديه وأتى بكل ما هو متاح في الأسواق. بقى أمر واحد لتتم هذه العزومة، ألا وهو الأصعب، هو الاتصال بأزواج بناته لطلبهم للقدوم إليه.

إلى جواره "خديجة" كانت تنظم الأكياس التي أتى بها وهي تقول: _كتير أوي اللي إنت جايبه، مين هيطبخ كل ده؟ أجاب وهو يمسك هاتفه الصغير بين يديه: _ولا كتير ولا حاجة، هبقى أساعدك." نظرت إليه وسألته متعجبة: _إنت ما اتصلتش لحد دلوقتي ليه؟ بقالك ساعة بتأجل." نظر إلى هاتفه بتردد وهو يجيب: _لاحسن يكونوا نايمين." تركت ما بيدها وأخبرته: _إزاي يعني؟ المغرب لسه مأذن دلوقتي، وبعدين هي الحجج بتاعتك لسه ما خلصتش؟

لم يكن له إجابة. ظل يحدق في هاتفه دون أن يتخذ أي إجراء كما ترغب. اقتربت منه وقالت وهي تحذر سبب تهربه من الاتصال: _إنت مش عايز تكلم إلياس، مش كده؟ أصابت في التخمين، فتنهد قائلاً: _الصراحة مكسوف منه. إزاي هطلبه ييجي يتغدى عندي وأنا بنفسي طرده من بيتي بدلال مرة مرتين." أردف بضيق من نفسه: _ياااا ع الدنيا وغدرها، امبارح كان ضيف عندي ودلوقتي بقت بنتي عنده وأنا الضيف." ربت "خديجة" على كتفه وابتسمت له وهتفت بحنو:

_إن شاء الله مش هيردك. ولو حصل أنا مش هسكت إلا لما يرضى، وأكيد مش هيكسرك." كلمة حماته دفعت يده ليبدأ بالاتصال، لكنه قال وهو يضيء شاشة هاتفه: _خلاص، هتصل بـ "عدي" الأول." أومأت بالقبول. المهم أنه أقدم على الأمر الذي يؤجله طول اليوم. بسرعة استجاب "عدي" والذي بدا صوته مرحباً وهو يحادثه: _أهلاً وسهلا، حمايا العزيز." تهلل وجه "إبراهيم" وهو يشعر بتقدير واحترام "عدي" له، وأجاب: _الله يعزك يا ابني." سأله "عدي" بحميمية:

_أخبارك إيه وأخبار ماما إيه؟ لم تغادر ابتسامته وجهه وهو يستقبل حديثه بسعادة: _الحمد لله، إحنا بخير. بس كنت متصل بيك عشان أطلب منك طلب." بدى صوته متلهفاً لتنفيذ أي ما يطلب وهو يقول: _أمري طبعاً، أنا ما أقدرش أتأخر." "إبراهيم": _كنت يعني عامل عزومة صغيرة ليك إنت ومرام، وكمان مكه وإلياس. ويا ريت نجتمع عندي بكرة لو موافق تيجي." رحب "عدي" جداً بالفكرة وقال: _طبعاً موافق، وأنا أقدر أتأخر عن أبو مرام؟

إنت مديني جوهرة وأنا أستخسر أجي أزورك." علم "عدي" بأن كلماته هذه أدخلت السرور على قلبه ونورت وجهه. دعى له بسعادة: _ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويفرحك. تعال قضى اليوم عندي بكرة من أوله." ظهر صوت "عدي" مبتهجاً وهو يرد: _حاضر من عنيا، هاجي. مش محتاج حاجة تانية." قال "إبراهيم" وهو فرح: _لأ، الله يبارك لك." أغلق الخط بينه وبينه، و"خديجة" من جواره تشعر بنفس سعادته التي تغمره بحديث "عدي". هتفت فور إغلاقه: _شفت؟

مش قولتك. والله إلياس ما يتخيرش عنه، بس هو شايل من معاملتك ليه. يلا بقى، كلمه لعل المكالمة دي ترضيه." تحمس من كلماته وأضاء هاتفه من جديد وشرع بالاتصال به. وما إن سمع صوته الجاف يقول: _أيوا." حتى انطفأت فرحته ويأس تماماً من قبول دعوته. فهتف رغماً عنه: _السلام عليكم يا ابني، أنا عمك إبراهيم." قال هذا ليعرفه بنفسه، رغم درايته أن جفاف رده من البداية هو المقصود به. وبالفعل لم يكذبه "إلياس" وهدر:

_ما أنا عرفت إن أنت. على فكرة تليفون مكه معاها، لو حابب تكلمه." تباطأت نبرته وهو يخبره بهدوء: _لأ، أنا مكلمك إنت عشان أنا عازمك على الغداء عندي بكرة." سكت "إلياس" وهو يدرس الأمر. طال صمته حتى ظن إبراهيم أنه سيرفض العزيمة، فهتف يرجوه من جديد موضحاً: _أنا عزمت مرام وعدي وهييجوا، يا ريت إنت كمان تيجي." وما إن استمع إلى اسم "عدي" حتى هتف بتعصب: _مش جاي، هبعت بنتك ومش هاجي."

قطع المكالمة دون إضافة حرف آخر. لم يحتمل وجود "عدي" في اجتماع واحد بعد كل ما حدث. لن يتحمل نظراته بعدما رأى بعينه تمسك والده بوالدته، وخسر أيضاً فتح نفس ذات الموضوع الذي قرر الهرب منه.

خيبة الأمل أصابت "إبراهيم" بعد أن أرخى يده المرفوعة إلى أذنه. لم يجد سوى يد "خديجة" تربت على كتفه وهي تواسيه. تعرف أن بينهم كثير وأن غضب "إبراهيم" من كل الضباط أعماه عن رؤية الخير بإلياس. وها هو يؤنب نفسه على بدئه بالعداء الذي اعتقد أنه من جانبه فقط. هتفت "خديجة" لتراضيه: _ما تزعلش، إن شاء الله ربنا هيعدل الحال." *** "في فيلا شريف"

تقدم "حمزه" مع عائلته. وبرغم من رفض "شريف" للفكرة، إلا انه ارتاح إلى شخص "حمزه" وعائلته، وشعر أنه الشخص المناسب لتسليمه عزيزة قلبه "ورد".

جلس الجميع في غرفة الضيافة يتبادلون الأحاديث والضحكات التي لم تنقطع من مدة، إلا بحضور "ورد". تحمل صنية تحتوي على أكواب المشروب. دخلت بخطوات مرتبكة رغم هدوئها إلى جوارها كانت تمشي "منار". ارتدت "ورد" فستان من اللون الأزرق الهادئ ذو أكمام ملتصقة على ذراعيها، منتصف الطول. كانت بعين "حمزه" أجمل من ارتدت الأزرق وأجمل من مشى على الأرض. عينه البنية كانت تطالعه بشغف وسعادة، وفي الحب لا تحتاج أكثر من نظرة لتقع في غرام أبدي.

وهذه النظرة أيضاً كانت من نصيب "شريف". رغم فرحته بأخته، بزغت ابتسامته بحضوره، لكن فور دخولها التفت لـ "منار" التي ارتدت هي الأخرى فستان بلون الخوخ الصيفي يبرز قسماتها بوضوح. اشتعل فور رؤيتها به، ولم يتركها تمر مع "ورد" لتقديم المشروب، وجذبها من يدها لتجلس إلى جواره

وهو يهمس من بين أسنانه: _ليلتك سودا، إيه اللي إنتي لابساه ده؟ التفتت يميناً ويساراً حتى تتأكد أنه لم يلاحظ أحد تصرفه، ولحسن الحظ الجميع كان منشغلاً مع "ورد". همست هي الأخرى وهي تميل إليه: _ده فستان من عند ورد. ما عنديش حاجة مناسبة ألبسها." هتف بنبرة غاضبة رغم خفوته: _وما قولتيليش ليه؟ أجيبلك بدل ما إنتي داخلة في الفستان بالعافية." رفعت وجهها إليه وقد أحزنها تعليقه على ملابسها، وبررت قائلة: _أنا قولت مالوش لازمة."

ازدادت نبرته حدة وهو يحاول إخفاء غضبه: _يعني عاجبك منظرك ده؟ يلا روحي غيريه." برز التحدي في عينيها عندما رأت تعنده، وقالت: _مش هغيره." اتسعت عيناه كي يخيفها، ولكنه كانت مصرة. أدارت وجهها عنه، وأتت "ورد" تقدم له المشروب. وقفت بجوار "منار"، فاستغل هو ذلك وعمد وهو يلتقط الكوب أن يسقط الآخر على "منار"، فسقط المشروب بالكامل على فستان منار. التي اندفعت من مكانها شاهقة بهلع. أحرجت معها "ورد" التي التفتت، تركت الصنية من

يدها كي تساعدها وهي تقول: _آسفة، أنا آسفة يا منار، ما أقصدتش." نظرت "منار" نحو "شريف" الذي يجلس مكانه هادئاً، وابتسامته اللعوب تستر من الأعين. نهضت من مكانها تركل الأرض من أسفلها لنجاحه في تنفيذ رغبته. سيظل يشاكسها دون اعتبار لوجود أحد. فما بينه وبينها لم يلاحظه أحد، وهو بارع في أن يجعل الأمور تبدو طبيعية. مع صوت خطواتها المبتعدة، تحدثت والدة حمزه بابتسامة محيية "ورد":

_بسم الله ما شاء الله، عروسة زي القمر يا حمزه. عرفت تختار." تدخلت "ماجدة" وهي ترد مجاملتها التي أحرجت "ورد" وجعلتها عاجزة عن الرد: _وحضرتكم كمان تدخلوا القلب." قال والد "حمزه" بحماس وهو يضع مشروبه على الطاولة: _إذا كدا نخش في الجد بقى." وبنظرة سريعة من "شريف" لوجه أخته، عرف الإجابة. عينه أبداً لم تخطئ فرحتها وحماسها. لذا وضع مشروبه واستعد للحديث.

بالأعلى، كانت تجهز "منار" للانتقام منه. فتحت خزانتها على مصرعيها وركلت الأرض. فكل ما تحتويه ملابس رجالية، فهي بعمرها لم تنتقي فستان. فكرت بالرجوع إلى خزانه "ورد"، لكن لن تنفع الفكرة، فملابس "ورد" ضيقة ولا تناسبها. لذا ليس هناك مفر سوى أن ترتدي ذلك الفستان الذي أهداه إليها. فأسرعت في ارتدائه وصففت شعرها بسرعة، وعادت من جديد.

صوت نعالها تدق كالساعة وتنذر بالخطر مع كل خطوة تخطوها على الدرج نحو الأسفل. ويبدو أن هذه الأجراس الخطرة لم يسمعها سوى "شريف" الذي شعر أنها تجرمعها مصائب لا تحصى. فانتفض من مكانه دون سابق إنذار وركض نحو كارثته التي لم ترتدي الكعب العالي إلا مرة واحدة فقط عندما أهداه إليها مع الفستان. بالفعل صدق حدسه. رآها تنزل من الدرج تسرق قلبه كما تفعل في كل مرة. يسقط سهواً في بئر عينها المكحلة. وما إن اقتربت حتى عاد لرشده وسألها ببرود

يغطي أسفله نار متأججة: _رايحة فين كدا إن شاء الله؟ رفعت كتفيها وهي تخبره دون اهتمام: _هقعد مع الضيوف." حرك رأسه وهتف مستمراً في بروده: _أيوا، عشان يبقى كتب كتاب ورد وشهادة وفاتك في نفس الوقت." أمسك بطرف ذقنها وهو يهتف بنبرة هادئة: _ليه يا منار؟ عايزة تموتي موته مش طبيعية؟ مش حرام؟ لم تحرك جفن من فرط صدمتها من تهدئته ووعيده. فقط استطاعت سؤاله: _مش إنت اللي جبت الفستان ده ولبسته قبل كدا؟

عند إذن سمح لنفسه بالاقتراب أكثر وقال وهو يمسح أنفه بطرف أنفها: _ليا أنا بس. غير كدا، إنسي يا منار." ومن هذا رجف قلبها. يعرف كيف يمتلكها بكلمة، ويعرف كيف يجعلها تذوب عشقاً بحركة. ولا أحد نجح في ذلك سواه. *** من الصباح الباكر، اصطحب "عدي" مرام إلى بيت والدها. لم يكن يتخيل أنها ستكون بهذه السعادة وهي تنتقل معه بالسيارة، وحديثها الذي لم ينقطع طوال الطريق وهي تشكره: _أنا مش عارفة أشكرك إزاي إنك وافقت."

تبادلها الابتسام وهو يوزع نظره بينها وبين الطريق بالتساوي، وإن كانت كفتها دائماً تميل: _أنا لو أعرف إنك هتفرحي أوي كدا كنت وافقت قبل ما يطلب والله." عادت تشكره، ولكن هذه المرة بالدعاء من كل خلاجاتها: _ربنا يفرح قلبك زي ما بتفرحني، ويقدرني أسعدك." هتف ممتناً لدعائها: _صدقيني، أنا فرحان بيكي وإنتي عارفة تسعديني، ولو حتى بلمسة إيدك لإيدي."

أنهى كلمته بأن اختطف يدها من أمامها وجذبها إلى صدره. حركته المباغتة جعلتها ترتجف، لكن بضمته ليدها عند قلبه اطمأنت. فهي أبداً ما شعرت بالأمان إلا بجواره، فكان الاستسلام عليها لازماً. *** "بين إلياس ومكه" سيارته كادت أن تشتكي من فرط سرعته وغلظته في الانتقال بها من شارع لشارع. برغم صمته كان غاضباً، وهذا يبدو على كل حركاته وتعاملاته. لذا اكتفت بمشاهدته من بعيد حتى شعر هو بذلك وحاول تهدئة نفسه ليهتف:

_أنا عارف إن مزاجي متعكر ومأثر عليكي. اتبسطي مع أهلك، وعلى ما أجي آخدك أكون روقت نفسي." كانت تعرف قراره من الأمس، لكن لا مانع من المحاولة، خاصة أنها تعرف أن والدها قادر على تهدئته وإعادة ترتيب أفكاره. استطعت الحزن وهي تنظر إليه ببرائة، جعلته يسأل: _إنتي زعلتي؟ أجابته وهي تتخلى عن النظر إليه: _لأ، بس يعني كان نفسي تبقى موجود."

نفخ الهواء بصوت مسموع. لأول مرة يكن في حيرة بين إرضائها وإرضاء نفسه. لا مشكلة لديه من مقابلة والدها، المشكلة كلها تتعلق بـ "عدي". أردفت لتحفزه: _أنا كمان ما كانش نفسي أروح معاك البيت التاني، لكن روحت عشان خاطرك." "مافيش حاجة عشان خاطري؟ رمقها بجانب عينه وسألها بشك: _إنتي بتلئمي عليا يا بت ولا إيه؟ رفعت إصبعها سريعاً لتشير إليه نافية بفزع، فعاد ببصره للطريق وقال: _ما إنتي خدتي قلبي خلاص."

بسرعة قفزت لتميل على كتفه وتمسح بيدها على ذراعه برضاء وهتفت: _ودا كفايا عليا وربنا. أنا بحبك من قبل ما أشوفك، وبعد ما شفتك حبيتك أكتر." وبعودة بسيطة بالذاكرة من قبل "إلياس"، وجد نفسه يتذكر أحاديثها عن الحلم وعن الولد. فخرج من كل هذا مبتسماً وهو يسأل بخبث: _مش ناوي تقوليلي عرفتي مكان الجرح إزاي؟ خبأت وجهها في كتفه بخجل، فضحك ليعلو صوته بعدها وهو يهتف: _لأ، الموضوع ده عايز قعدة وروقان ونحكي بالتفصيل." ***

"في منزل الحاج إبراهيم" شمر "إبراهيم" عن ساعديه وبدأ في تقطيع الخضروات، وإلى جواره "خديجة" تحاول إقصائه عما يفعل وهي تهتف متأزمة: _مالوش لزوم وقفتك دي يا إبراهيم، والله ربنا هيعني وهعمل كل حاجة وكل اللي نفسكم فيه." أصر على ما يفعل وأبى التخلي عنها وهو يقول: _ما الأمر كله بيد الله، بس ده ما يمنعش إني أساعد. الرسول كان في خدمة أهل بيته." بسطت كفيها وهي تسأله: _طيب ما طول عمري لوحدي." أجاب مبتسماً وهو يعلل:

_زمان البنات كانت بتساعد، إنهاردة مافيش غيري أنا وإنتي. أروح فين." صدح صوت الجرس، فأشارت له لتقول: _روح افتح الباب." مسح كفيه بأحد الشرشف الموجودة على الطاولة ونهض بصمت. حقيقة كان يخشى أن يصد "إلياس" عنه ولم يقبل دعوته. كان يرجو في نفسه أن تكون "مكه" أقنعته. صوت الضحكات على عتبته قطع عنه الأمل. هذه الفرحة تخص "مرام" و"عدي"، هو الذي يعرف كيف يضحك وجه ابنته وكيف يسعدها. أزاح الباب مبتسماً، فارتتمت "مرام" في أحضانه:

_وحشتني يا بابا." ربت على ظهرها بحنو وسعادته تنير وجهه. عينه تمتلئ بالامتنان الموجه نحو "عدي" الذي شاكسها قائلاً: _هو أنا ماليش نصيب في الحب ده ولا إيه؟ تنحت عنه لتسمح له، فضمه "إبراهيم" إليه: _إزاي بقى؟ دا إنت ابني الغالي." بادله "عدي" الترحيب وابتعد لثوانٍ وهو يتسأل: _أومال فين حماتي؟ تحرك "إبراهيم" ليفسح له الطريق وهو يجاوبه: _في المطبخ." تعامل "عدي" بأريحية وسأل بتهذيب: _أنا ممكن أساعدها عادي؟

ابتسم "إبراهيم" وفرح جداً بعرضه، فشكها بصوت عال لتأتي: _يا ريت يا ابني، دي لسه طارداني من المطبخ حالا." وعلى إثر الصوت حضرت "خديجة". ضمت "مرام" إلى أحضانها، فقال "عدي" مشاكسًا: _إيه يا حماتي؟ هترفض طلبى من أولها؟ هتفت وهي تلوح بيدها بتعجب: _هو في إيه في المطبخ؟ كله عايز يساعده." هتفت "مرام" وهي تربت على كتفها لتقنعها بالفكره: _عايزين نريحك يا ماما، مافيش مانع أساعدك عشان نلحق كلنا نقعد مع بعض." أدارت "خديجة" ظهرها

لهم وهي تتمتم بصوت عال: _ما لكمش دعوة، أنا هخلص بسرعة. ما توترونيش بقى." أشار "عدي" لـ "مرام" وهتف محمساً إياها: _ادخلي غيري ونطب عليها في المطبخ. أصلاً إحنا الأغلبية." التف إلى "إبراهيم" وسأله: _مش إنت معانا يا حاج؟ أجاب "إبراهيم" بسرعة: _طبعاً يا ابني. يلا بينا، يعني هنقعد برا نعمل إيه."

تحركا معاً نحو المطبخ. "عدي" كان سعيداً بانضمامه إلى عائلة "مرام". لطالما كانت تستهويه البساطة والبسطاء الذين لا يفتخرون بأشيائهم الثمينة، بل يفخرون بحبهم للحياة وبقدرتهم على عيش حياة هانئة رغم مشقة الحياة من حولهم.

أجبروها على قبول مساعدتهم رغم تعندها، لكنها لم تستطع المقاومة أمام ثلاثة بهذا الإصرار والتصميم على إدخال أنوفهم فيما لا يعنيهم وفرض رأيهم ووضع إضافتهم على جميع ما يفعلونه. وهذا كان يغضبها. وقت قصير ورن الجرس من جديد. هذه المرة كان متأكداً "إبراهيم" أنها "مكه". لم يستجب مع النداء الأول، مما دفع "عدي" لعرض مساعدته قائلاً ببرائة: _تحب أفتح؟

نفض "إبراهيم" رأسه. كل ما يريده هو ثوانٍ معدودة حتى يستقبل رفض حضور "إلياس" وعدم ظهور أي امتعاض على وجهه حتى يستقبل ابنته خير استقبال. اتجه نحو الباب باستسلام. في النهاية، إقناع "إلياس" لن يكون بهذه السهولة. العودة إلى بيت طرد منه مرتين صعب. فتح الباب ووجد ابنته بوجه تقف متيبسة. فتح ذراعيه على الفور وابتسامة عريضة تمددت على شفتيه، فارتمت في أحضانه وبدأت تقبل يده بشراهة وكأنه تتوسل لنيل رضاه. لكنه كان راضياً تماماً. أمسك رأسها وحاول

دفعها عن يده وهو يقول: _كفايا بقى يا بنتي." توقفت بصعوبة. فرفع وجهها إليه ليطالعها، والأحرى أنه يكتشف حالتها. جال بعينه في وجهها ليحصل على علامة مبشرة، لكن تشتت على الفور عندما ظهر "إلياس" في الخلفية. لم يكن يصدق حضوره، ولم يجد ما يصف شعوره لسعادته الآن بانضمامه لعائلته. مد يده وهو يقول بنبرة متعجلة ومرتبكة: _أهلاً وسهلاً.. اتفضل.. إنت نورتنا."

لولا "مكه" ما حضر، لكن مع هذا الترحيب المغري لم يندم "إلياس" على القدوم. صافحه بلطف وتحرك صوب إشارته. تعجب في بادئ الأمر سماحه له بالدخول. أصوات ضحكات مرام وعدي وخديجة العالية، مما دفع "مكه" للسؤال: _هي مرام جت؟ لم يحيد والدها ببصره عن "إلياس" وهو يجيبها: _أيوا، في المطبخ مع جوزها وماما." رفع "إلياس" إحدى حاجبيه. لم يخفِ ضيقه وحنقه فور سماعه بتواجد "عدي" معه تحت سقف واحد. وتساءل بسخرية:

_هو سيادة الباشا "عدي" استقبلتوه في المطبخ؟ أجاب "إبراهيم" متعجباً من سخريته الواضحة، والتي لم يرى لها أي سبب: _هو اللي طلب يساعد. وبالنسبة ليك، اتفضل في المكان اللي يريحك، أنا هقعد معاك." فم "مكه" فمها وهي تستشعر حادث أليم من الممكن أن يدمر اليوم بأكمله كالمرة السابقة. فهتفت مكملة عن أبيها عن أبيها: _إلياس، عدي ملوش دعوة بأبوه، وما تفتحش هنا كلام. عايزين نقضي يوم حلو."

رأت عينه التي أظلمت وشعرت بأن لسانه يستقر داخل حلقه ليرد عليها بهمجية. فهتفت قبل أن ينال منها: _أنا هدخلهم."

هرولت سريعاً وفعلت الأصلح. اختفت من تحت عينه، وإن كانت تشعر أنه من الممكن أن يأتي خلفها ليعاقبها على ما قالته. هي دقيقة واحدة غابت بها في المطبخ، وجلس هو على الأريكة التي تتوسط المكان بوجه "إبراهيم". وبعد هذه الدقيقة وجد "عدي" أتى ليصافحه بوجه عادي وابتسامة صافية. لكن من جانب "إلياس" انتفض من مكانه غاضباً. لأول مرة يفقد أعصابه لهذه الدرجة. اندفع إليه وأمسك بعنقه، مما جعل "إبراهيم" يفزع وينهض. والآخر كالملسوع. هتف "عدي"

بأنفاس لاهثة ليهدئه: _أنا ما أعرفش حاجة، صدقني. موضوع جواز بابا من أمك كان مخبيه علينا. إحنا اتفاجئنا زينا زيك بالظبط." تدخل "إبراهيم" ليباعد يده التي قبضت على عنق "عدي". هامساً بصوت حازم رغم خفوته: _سيبه ونتكلم بالعقل. بلاش اللي جوه يسمعه. حرام نكسر فرحتهم." تدارك "إلياس" نفسه وتركه بسرعة. قلة النوم والضغط العصبي الذي عاشه من أمس إلى الآن، جعلته يتصرف بهمجية. مسح وجهه بعنف والتف وهو يقول لنفسه:

_ما كانش المفروض أجي." مال "إبراهيم" إلى "عدي" يسأله متعجباً: _في إيه؟ إنت عملتله إيه؟ همس "عدي" في أذن "إبراهيم" بحذر وبصوت يكاد يسمع خشية من سماع "إلياس" ودفعه للجنون مرة أخرى: _بابا اتقدم لأمه." كان "إلياس" يكرر دون وعي وهو يحاول إفاقة نفسه: _ما كانش المفروض أجي." شعر بيد "إبراهيم" تمسح بلطف بالغ على قلبه، وصوته الهادئ الرتيب يقول: _ويمكن كان لازم تيجي." مسح على قلبه ثلاث وهو يقول:

_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم." دعا له بصوت هامس وكأنه يروضه ويطرد الشيطان من صدره: _اللهم امسح على قلبه بالراحة، وكن معه وزوده قوة وصبر. اللهم أزل الضيقة عنه في صدره. اللهم أبعد عنه كل ضيق يشعر به وكل ما يشغل باله. ربي أرح قلبه، واجبر قلبه، وهون عليه حزنه وصبره يارب. صبراً لا يبعد عن صبر أيوب يارب. كن معه واربط على قلبه واطرد الشيطان منه."

لم يسمع "إلياس" دعاءه، لكنه شعر بالراحة والسكينة كنسيم بارد هب على قلبه في إحدى ليالي الصيفية. كان هادئ تماماً، مسترخٍ، قابل التفاهم والحديث، راضياً بإلقاء الحمل عن قلبه لأي عابر، ويعود خفيفاً كما يأمل. لا يحمل للدنيا هماً، ولا يشغل عقله فكراً. سمع "إبراهيم" يسأله بهدوء لم يقرب للفضول حتى: _مالك بقى يا ابني؟ أجفل عيناه وزفر أنفاسه ببطء، وبدا كأنه حبسها لمدة طويلة، ثم تبع هذا بـ:

_الدنيا مزعلاني أوي. نقت أكبر هم وشلتهولي." هتف "إبراهيم" ليخفف عنه: _هم الدنيا سهل، الهم الكبير في الآخرة." نبث فم "الياس" بابتسامة لم تكتمل ورد عليه: _هم هيشيلني ذنب في الآخرة برضوا."

بلطف شديد، أمسك "إبراهيم" يده ليتجه به نحو إحدى الغرف. تجاوب معه "إلياس" دون عناد أو مقاومة، بعدما انسحب "عدي" من مدة طويلة. دخل معه الغرفة فأوصدها "إبراهيم" عليهم. جلس "إلياس" وأجفل عيناه، متعب من كثرة التفكير ومن ألم البوح. أصعب جلس إلى جواره "إبراهيم" وسمح لنفسه بأن يضع يده على فخذه ليطمئنه، لكن هذا لم يجدِ نفعاً مع "إلياس" سوى أنه طال صمته وإغماضه لعينيه دائماً، وفي كل أوقات حياته كان قوي الشخصية، لكن في هذا الموقف يشعر بالعجز تماماً.

ظل "إبراهيم" صامتاً ليتيح وقتاً ليرتاح. يبدو أنه متعب من الأحاديث والأسئلة ومن الناس جميعاً. حتى هتف هو دون إرادة، وكأن الكلام تسرب من بين شفتيه رغماً عنه: _تعمل إيه في حاجة مش حرام بس كاره؟ أجاب ببساطة: _الصح ما يتكرهش." فتح عينيه أخيراً وضم حاجبيه مستنكراً إجابته، وهتف بنبرة متحشرجة وعينه تقطر ألماً: _أي الصح في إن أمي تتجوز؟ وهي هتحتاج إيه أكتر من اللي بقدمهولها؟

نهض من مكانه منزعجاً مما قاله. بدأ يزمجر وهو يدور في الغرفة بضيق، يبحث عن شيء يتصارع معه لينفض عن قلبه كل هذا ويعود كما كان حراً طليقاً، لكن هذا أبداً لن يفيده. صوته الهادئ الذي يوحي بأنه عاشا سنوات كثيرة من الخبرة، صوتاً يبعث الأمل ويرجو النفس، جعل الضجيج الذي بداخله يصمت حين قال:

_الست مهما كبرت هي صغيرة، تحتاج كتير عطف وحنان ووقت. في ست بتقف حياتها وبترضي بنصيبها ودول قليلين، وست تانية تعوض نقصها بالغير، والغيرة من أي حد، إن شاء الله لو كان بنتها. وفي ست تحب تبدأ من جديد." اقترب منه ليمسك بكتفه مستغلاً سماحه بهذا، حتى وإن كان مؤقتاً، وأردف:

_حتى لو كاره، بس هي لو عايزة يبقى حرام عليك تمنعها. مهما وفرتلها الاهتمام والراحة وكل شيء، لكن في جزء مش هتقدر توفرهولها زي الراجل بالظبط. لما بتوفي زوجته بيحتاج ونيس. الونس بيكون ساعات أهم من كل حاجة." التف إليه بعنقه وحدق إليه بصمت. عينه لا يفهم منها إن كان يتقبل هذا أولاً، لا. ولكنه يتضح من أنفاسه المنظمة أنه هدأ قليلاً. تحمحم ليقطع نظراته نحوه، وبدل حديثه تماماً وكأنه فاق من نوبة اعترافاته، وسأله في أمر آخر:

_إنت ليه وقفت في صفي لما كنا في البيت؟ أنزل "إبراهيم" يده عنه واستسلم لتغير الأمر مجيباً بوضوح: _أنا مش بقف في صف حد، أنا في صف الحق. مع مين يكون، ودا على الكل، حتى لو على بنتي." استدار إليه بكامل جسده وظل يتفرسه، يحاول اكتشاف إن كان حقيقياً أم متصنعاً. لم يخطئ "إلياس" في قراءة البشر بفراسة، لكن هذا تحديداً يتحير في أمره. ربما لأنه لم يألفه، لكن دوماً الطبع يغلب التطبع. سيرى اليوم حقيقته بالكامل. سأله بأسلوب ملتوي:

_دي مبادئك ولا مبادئ الجماعة الإرهابية اللي إنت منتمي لها؟ تمتم أبراهيم مستغفراً: _استغفر الله العظيم." قالها حتى يهدأ. فلو في وقت آخر ما تحمله. استطرد موضحاً: _يا ابني أنا مش منتمي لجماعة، أنا رئيس جمعية خيرية. لو إنتوا بتسموا مساعدة الناس إرهاب، يبقى أنا إرهابي، وأمري لله." تحرك حوله بخطوات بطيئة وهو يقول مستخفاً: _ماهي مساعدة الناس ستار لكل الإرهاب اللي بتعملوه."

لقد جاءت الفرصة لإبراهيم لتوضيح نفسه من هذا الاشتباه الذي طالما عانى منه دون حتى انتمائه له. هتف بهدوء: _أنا ما أعرفش غير كتاب الله. يعني معقول ناخد الناس بالذنب وبالشكل؟ مش كل واحد دخل الجامع قولنا عليه إرهابي؟ يبقى ماحدش هيدخل الجامع وهنمحي ديننا بإستيكة، وبدل ما بنحارب الإرهاب هنحارب الإسلام." ختم كلامه بـ: _الإرهابي يا ابني بيداري في الدين بس ما يعرفش عنه حاجة."

ظل "إلياس" صامتاً يحلل كلماته، وهو ينظر إليه. هذا الرجل ليس بأمثال من يقابلهم في حياته المهنية. في وجهه نور مختلف عن ظلام وجوهم. يعرف دينه جيداً ويحفظ كتابه بعكس من كانوا لا يلفظون حتى الشهادة وهم في لحظاتهم الأخيرة. العاقل فقط من يميز بين هذا وذاك. ضجر "إبراهيم" من طول صمته ونظراته الشك نحوه، فهتف بنفاذ صبر: _يلا يا ابني نروح نساعدهم في المطبخ بدل وقفتنا اللي مالهاش لازمة دي."

خرج دون انتظار إجابته، فتبعه "إلياس" رغماً عنه، خاصة عندما تصاعدت أصوات ضحكاتهم المجلجلة في الأرجاء. تحرك بفضول ليرى سبب كل هذه السعادة التي افتقدها هو في الفترة الأخيرة. دخل "إبراهيم" أولاً، فصاحت "خديجة": _كملت! اعمل فيا معروف وخذهم كلهم واخرج. مش عارفة أعمل حاجة." رد عليها "إبراهيم": _يا ستي أنا برتاح جنبك. تبعديني." أشار له "عدي" وهو يقول: _تعال تعال، الشوربة دي ناقصها ملح وهي مصرة إنها مظبوطة." شمر "إبراهيم"

عن ساعديه وهو يهتف بحماس: _الشوربة دي لعبتي أنا! لساني ميزان حساس." رفعت يدها للسماء مسلمة وهي تهدر: _عليه العوض في الأكل." تعالت الضحكات مجدداً بين "مكه" و"مرام" وكذلك "عدي" و"إبراهيم" يرفع المعلقة إلى فمه دون أن يكترث برفضها. وفور ظهور "إلياس" سكت الجميع. الدهشة عقدت ألسنتهم، فما استطاع الحديث ولا حتى الاستيعاب. تبادلوا النظرات بصمت. الوحيد الذي رحب به وناداه بأريحية كان "إبراهيم":

_تعال يا بني خلينا نخلص العزومة دي ونقعد مع بعض." هز كتفيه وهو يقول: _طيب، ما كنا طلبنا أكل وخلاص." أجابه "إبراهيم" رافضاً: _لااا! أنا ما بدخلش بيتي أكل من بره أبداً." تقربت إليه "مكه" وسألته بحذر: _تحب تشارك معانا؟ شملها بنظرة محببة إليها وهتف بخفوت: _آه.. عايز أقطع لسانه وأحطه في الشوربة." ضحكت على طرافته وردت عليه مشاكسة: _تبقى شوربة بلسان عصفور." برغم ابتسامته قال بعداء: _تبقى شوربة لسان الأفاعي." طالعته

بنظرات بريئة وسألته: _معقول هان عليكِ لساني؟ أومال مين هيقولك بحبك؟ لحظات الود بينهم كانت تنسيهم وجودهم ووجود من حولهم، خاصة عندما قال واثقاً: _مش محتاج أسمعها، كفايا إني حاسسها."

تبادلوا الابتسامات الهادئة والنظرات التي تحكي أكثر من الألسنة. فما كانت تتوقع وجوده هنا في بيتها بعد كل ما حدث. وجوده هنا جعلها ترتبك وتبدي حبها المخفي تجاهه، والذي تكنه حلماً وواقعاً. بدأ الجميع يتصنع الانشغال حتى لا يحرج من همساتهم وضحكاتهم الخافتة. حتى انتبهوا معاً لذلك، فبدأوا هم أيضاً يعملون بجد معهم دون أن يتخلوا عن استراق النظرات والابتسامات اللطيفة، وكأنهم لأول مرة يعيشون هذا الشعور.

لكن صراعات "عدي" مع "خديجة" دوماً على البهارات كان تزداد وينتهي دوماً بالضحكات: _يا ابني إنت عارف اللي حطيتوا ده إيه؟ أجاب "عدي" دون أن يهتم: _مش عارف، بس ريحته حلوة." ناشد "إلياس" الذي تلتمس فيه التعقل: _إنت العاقل اللي هنا، ينفع يحط زعتر على الشوربة؟ أجاب "إلياس" وهو يحك رأسه: _هو إيه الزعتر ده أصلاً؟ هتفت "خديجة" وكأنها وجدت سبباً لدفعهم جميعاً للخارج:

_إذا كان كدا، اطلعوا برا. نفسي أظبط الأكل ده اللي إنتوا خيبتوا أمله." قالت "مرام" بإصرار: _مش هنسيبك. وبعدين إحنا مبسوطين هنا. ثم وجهت سؤال للجميع: مش كدا ولا إيه؟ أجاب الكل بوقت واحد: _أيوا." كانت فرد ضعيف وسط مجموعة من الجهلة المتعندين. عادت للاستسلام أمام إصرارهم ويحمي الله لهم الطعام. مال "عدي" لـ "مرام" وهو يهتف بخفوت: _شفتي؟ كله بيعملك حساب إزاي؟ أجابته: _إنت هتضحك عليا، هما اللي عايزين يقعدوا."

قال وهو يقطع ثمرة الطماطم مقترباً منها: _أنا عن نفسي وراكي حتى لو طلعتي القمر." توردت وجنتها، فهو بارع بإحراجها، وهي فاشلة تماماً في مجاراته، رغم ما بداخله من عشق كبير. إن تركت له المجال سيملأ الكون ألحاناً وأغنيات. أمسكت بثمرة أخرى وشرعت في تقطيعها، لكن من فرط ارتباكها كادت أن تجرح يدها، فأمسك بيدها ليمنعها وهو يحذرها: _حاسبي."

لمسته يده المباغتة جعلت يدها ترتعش. أخفى الأمر وسريعاً ترك يدها ورجاها بعينيه ألا تنهار وتكشف أمرها أمامهم. وهكذا يكون الزوج، لابد أن يستر كل شيء من زوجته، كما قال الله تعالى: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ". صدق الله العظيم. مال إلى أذنها يأمره هامساً: _اتنفسي، اتنفسي. أنا عدي حبيبك، مش أي حد."

تمالكت نفسها بصعوبة، والحقيقة أن صوته وكلماته جعلتها تستعيد توازنها رغم صعوبة الأمر. أومأت برأسها عندما أخرجت الألم الذي شعرت به. فلم يتمالك "عدي" نفسه وهو يميل إليها من جديد قائلاً بفرح بإنصياعها له: _هي دي مرام حبيبتي." التفت له ورفعت عنقها كي تراه. عانقته بعينيها، وهذا العناق استشعره، وتركت قلبها يحكي بصدق: _يا بختي بيك."

ابتسم وعاد ينظر حوله ليتأكد أن الجميع منشغل عنهم. وياليت العالم ينشغل عنهم كي يركض بالشوارع وهو يصرخ بحبها بصراخ يتسع لكل ما يمتلئ قلبه به من مشاعر، حتى لو كان ما بينهم مجرد لمسة يد وحضن. مر عليه زمن اكتفى بهمس خافت يخبرها به: _لمسة إيدك حضن، وحضنك بيت." ارتعشت، ووضعت يدها فوق يده، والأصح أنها وضعت يدها على قلبه، لأن هو الأول الذي تأثر، وإذا نبضه المجنون الذي يعشق ويرضى بأقل القليل، حتى لو كان لمسة يد وكلمة:

_بحبــــك." قالتها بجرأة لم تصدقها، وأظهرت بالفعل تطوراً في علاقتهما غير مسبوق. استغل هو ذلك وأشار لها بأن تسمح ليده أن تمسك بيدها. فأمسكت بيده ووضعتها على يدها. فعلتها بنفسها. فأعطاها سكين وبدأ يضغط معها ليقطع الثمرة معاً، بيد أصبحت واحدة. من الجانب الآخر، تعالت ضحكات "إلياس" مع "إبراهيم" الذي أشار عليه بإضافة الملح في الشوربة، وأصبحت مالحة جداً. نظر الاثنان لبعض وهما ممسكان بمعلقتي التذوق، وتعالت ضحكاتهما.

قال "إبراهيم" من بين ضحكاته: _استر عليا يا ابني، أنا كبرت وجثتي مش حمل الكنبة." بادله "إلياس" الضحك ورد عليه: _إنت لو طولت الكنبة تحمد ربك." توقف "إبراهيم" عن الضحك بصعوبة وهتف: _قول إن انت اللي عملتها." أجابه "إلياس" متسائلاً بخبث: _مش دا يبقى كذب برضوا؟ عايزني أكذب، يا بو لسان حساس؟ اقترب منه "إبراهيم" مستمراً في الضحك: _ما هو دا كذب مش هيضر حد. بالعكس، دا هينقذ مسلم من التشرد. ولا إنت هتاخدني أبات عندك؟

كان "إلياس" يحاول حبس ضحكاته حتى لا يجذب انتباه المسكينة التي تقف عند الفرن الكهربائي لتحمير الطعام. قال وهو يلتفت حوله: _والله أنا خايف زي زيك. إحنا ممكن نتهاوى وماحدش يلاقي جثتنا." ضحك "إبراهيم" من جديد، وأتت على ضحكاتهم "مكه" تسأل بفضول: _بتضحكوا على إيه؟ أشار إليها "إلياس" بالملعقة وقال: _تحبي تذوقي؟ تناولت منه المعلقة، وبدأ "إبراهيم" و"الياس" يتبادلان نظرات الشك. ولم تطيل حين بصقتها "مكه"

من فمها دفعة واحدة وقالت: _يا نهار مش فايت! مما هتعلقنا على باب المطبخ." أمسك "الياس" بيدها وهتف بجدية: _إنتي هتغطي على الجريمة دي." رفعت كتفيها متسائلة بغباء: _إزاي؟ تدخل إبراهيم وقال: _أيوا، قوليها إزاي؟ إنت أمن وطني أكيد عندك مخرج من حلة الشوربة." نظر إليه "الياس" وهتف ضاحكاً: _حلة الشوربة دي هتؤوينا كلنا. القسم، ابلع ريقك شوية." التف إلى "مكه" واستطرد: _بصي، إنتي هتشيلي الحلة وتعملي إنها وقعت منك." تدخل

إبراهيم من جديد ليقول: _لأ، الحلة سخنة وممكن تحرقنا كلنا." صاحت "خديجة" وهي تقف أمامهم: _واقفين كدا ليه؟ يلا نجهز السفرة." أُطِر للتفرق والتجهيز بصمت، داعين الله أن لا تقرب الشوربة. بعد دقائق...

امتلأت الطاولة بشتى أنواع الطعام، وكانت "خديجة" سعيدة بهذا الإنجاز، لكنها لم تكن تعلم أن كل الموجود وضع الكل لمساته الخاصة وعلى هوائه. التفوا وبدأوا في الطعام، لكن الصدمة نالت منهم جميعاً. تبادلوا الأدوار بمضغ الطعام الذي أبداً لم يشبه شكله، وبدأ الامتعاض على وجوههم وهم يلكوا الطعام في فمهم، وساد الصمت. كلا منهم يعرف ما اقترفته يداه ويريد أن يبصقه. أولهم كانت "خديجة" التي بصقت ما بفمها وهي تهتف بانزعاج:

_استغفر الله العظيم. مش قولتي ماحدش يدخل معايا المطبخ." أسرع "إبراهيم" بالحديث وهو يرفع يده حتى يتدارك الموقف: _إحنا نجيب أكل من بره." هنا انفجر الجميع ضحكاً على تغير مبادئه حتى يمتص غضبها الذي بدأ يتجه نحوه. ومع ضحكاتهم ذهب الحزن، ذهب النزاع، ذهبت كل ما هو سيء، وأفسح المجال لكل ما هو جميل وكل ما هو خــــــرافــــــي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...