عاد "ريان" برفقة "تمار" كما ذهب كما أتى. طوال الطريق لم ينطق فمه بكلمة، أوضح لها غضبه دون أن يحادثها، بعدما سمحت لرأفت بهدم فرحتهم. وهي لم تحاول بأي شكل أن تفتح أي باب للحديث، ويستحسن أن يظل صامتًا حتى يهدأ، وحتى تجد لنفسها قابلية ووقتًا للتفكير فيما قالوا والدها. وفي نفس الطريق كان "عدي" وإلى جواره "مرام". الجلسة النفسية مع الطبيبة فادتها قليلاً، لكنه يعلم أن أمامه وقت طويل، فالعلاج النفسي لا يبدي نتائجه من أول مرة.
لكن ما هوّن عليه أنها هدأت وبدأت تتجاوب معه بشكل طبيعي بعد نوبة الهلع التي انتابتها. مال إليها يسألها بأسف: _زعلانة عشان رجعنا؟ رفعت كتفيها وهي تجيب دون اكتراث: _لأ، أي مكان معاك حلو. فنبت فمه مبتسمًا من قولها وهتف: _أنا مستعد أكون مكانك وأمانك وطبيبك وكل حاجة تحبيها. خفق قلبها بشدة من كلماته الرقراقة ذات المشاعر الفياضة والصدق المتناهي، وسارعت بالقول:
_أنت فعلًا كل دول، وأنا مش عارفة أوصلك حاجة من الشعور اللي جوايا. عارفة إني مقصرة، بس بعد اللي بتعمله معايا أنا مستعدة أفديك بروحي. قال متحمساً وهو يوزع نظره بينها وبين الطريق: _أنا دلوقتي مش طالب حاجة غير إني أمسك إيدك. حاولي بجد نفسي بعد كلامك الحلو ده أحس بيكي. لم تعرف من أين أتى كل هذا التعرق الذي انتشر على جبهتها. لم تشأ أن ترد طلبًا صغيرًا كهذا وهو في مكانه يسمح له بالكثير.
أخفى خيبته في النظر للطريق وتراجع قائلاً رغماً عنه: _مش مهم، مفيش داعي. ترك يده التي كان أملًا في احتضانها، لكن قدر لها أن تبقى وحيدة باردة إلى جواره. دقائق عدة مرت وهي على نفس الحالة، حتى حاوطها دفء عجيب فجأة شملها، جعله لا يصدق أن يدها حطت على يده. التفت لينظر موضعها واتسعت عيناه وفرح قلبه حتى كاد يقفز من الكرسي وهو يقول غير مصدق: _بــجــد.
كانت وجنتها مخضبة بالحمرة، جاهدت كثيرًا وبذلت مجهودًا مضنيًا حتى فعلتها، يستحق ويستحق الكثير. جمال الشعور ومبادرتها هي بهذا جعلته فرحًا كالمجنون. تحرك بيدها وكأنها قنبلة موقوتة، لا يعرف كيف يتعامل معها. سحب أنفاسه ثم ضم فاه وهو يزفرها مرة أخرى، قرر بلطف أن يجذبها نحوه فمه ويضع قبلة رقيقة بعمق، ونقل إليها شعورًا خصبًا من الأفراح والسعادة. رفض تركها وضمها إلى قلبه، وابتسامته لا تفارق ثغره، وتبين أنه لن يتركها. "إلياس"
الجو كان كئيبًا ومحبطًا نسبةً إلى اعتناق "إلياس" الصمت. اتخذ ركنًا مميزًا أمام شرفة زجاجية كبيرة تطل على السماء، كون الشقة في أحد الأبراج السكنية العالية. إلى جواره بعض الشجيرات الخضراء التي تعيش بالظل. يمدد قدمه على طاولة بوجه جامد، لم يؤثر بوسامته وبعض الشعيرات الطويلة التي تسقط على جبهته. بالأمس كان أسود ذا شارب كثيف، واليوم هو حليق الشارب. بشرته صافية ومتوهجة كالشمس، هو بألف وجه، لكن جميعهم رائعون.
على بعد أمتار كانت تجلس "مكة". عينها لا تتحول عنه، جلسة عادية تمامًا، لكن تعبيرات وجهها المعقدة جعلت الجلسة كئيبة. عين تلمع ببريق متوهج وهي تحدق إليه، فمها مضموم يقطر منه حزن. وجنتها اكتزت بفعل قبضت يدها التي تستند عليها. كانت "إلهام" تجلس بوجهها تتصفح أحد المجلات، وتبدل نظراتها الخاطفة بينهم. قاطعت الصمت المخيم على المكان بسؤال صارم: _بتحبيه؟
التفت لها "مكة" وكأن لدغتها عقرب، وحدقت إليها ثوانٍ قبل أن تمسك لسانها من الإجابة التي لفظها القلب لا إراديًا. تذكرت في اللحظة الأخيرة أن هذه ليست شخصًا عاديًا، بل هي مثيلتها على الجانب الآخر. أخرجت الهواء المثقل في رئتيها وهي تحاول أن تبعد ناظرها عنه مؤقتًا، ولكن كان هذا صعبًا. وظلت عينها تسترق النظر ضد رغبتها، قالت مغيرة الموضوع: _مش بيتكلم من امبارح، تفتكري زعلان منا على اللي عملناه؟ أغلقت "إلهام" المجلة التي
بيدها وهي تهتف بسخرية: _منا؟ انتي بتقارني نفسك بيا؟ كلماتها صدمت "مكة" وتفاقم الغضب بداخلها وهمت لترد عليها، لكنها ابتلعت إهانتها وردت دون أن تقف بنظرها نحوها: _انتي اللي قولتي إني بفكرك بنفسي. نظرت نحو "إلياس" وكأنها تلومه على موقفها هذا. أظلمت عينها "إلهام" الفيروزية تحت خصلاتها المتدلية وهي تقول:
_فعلاً حكايتنا مشابهة. أنا كمان اتغصبت على الجواز وعشت سنين بعاني. ولو كانت جاتني فرصة زي اللي جاتلك كنت مشيت من غير ما أبص ورايا. عادت "مكة" بنظرها نحوها وقد ومض عقلها بما تقول. حاولت استيعاب أن حبيبها قد فعل الشيء نفسه معها. نفضت رأسها غير مصدقة ورفضت التصديق. هذه أكثر فكرة سخيفة من الممكن أن تصدقها. "إلياس" لم يفعل هذا سوى معها. سألت بشك: _مستحيل، إلياس أجبرك على الجواز منه؟
ابتسمت "إلهام" من داخلها، فالغبيه تعتقد أنها زوجته ولا بأس بذلك. ورغم إشفاقها عليها تريثت في إخبارها الحقيقة حتى ترجع لألياس. لكن تعاطفها الذي ازداد تجاهها جعلها تهتم لتخبرها الحقيقة الكاملة غير آبهة بشيء إطلاقًا. همت بالحديث، لكن نادى إلياس قائلاً بخشونة وهو يقف بينهم: _هنتغدى إنهاردة عند ريان السعدي، حضروا نفسكم. استدار وهو يستطرد: _مكة تعالي عشان تحضريلي هدوم.
تبعته بتلهف، أخيرًا سمعت صوته، على الأقل بالأخير ناداها وشعرت أنها مفضلة لديه. دخلت إلى الغرفة، وكان يقف خلف الباب ينتظرها. توجهت صوب الخزانة وفتحتها بكلتا يديها، شرعت في تنظيم طقم كامل متناسق الألوان، وحاولت أن يكون مناسبًا للغداء. هتف هو بنبرة عادية من ورائها: _الغداء هيكون عند أختك. التفتت سريعًا لتطالعه غير مصدقة: _بجد هشوف مرام؟ سألها بوجه غامض: _يعني هيفرق معاكي؟ أومأت بسرعة وكل إنش في وجهها يفضح سعادتها وهتفت:
_أيوه كتير. ابتسم ابتسامة لعوب متسائلاً بشيء من المرح: _يعني ما أستحقش عليها بوسة مثلاً؟ اختفت ابتسامتها وعضت طرف شفتها بخجل. اقترب منها ومال بوجهه نحوها ليدفعها للتنفيذ، وبتردد شديد طبعت قبلة طفولية على وجنته وهمت بالهرب. لكنه تمسك بخصرها ليمنعها من الهرب وهو يقول: _في حاجات كتير، فكريني في وقت فراغي أعلمها لك. وقبل أن تستفسر باغتها بقبلة عميقة على ثغرها، أشبه بالانتقام.
الانتقام من الهجر والبعد والخصام، الانتقام من كل شيء يعكر صفو حياتهم. فيحيا الحب وتسقط ما دونه. ستعلم مكة الليلة أنها مدللة قلبه وزوجته الوحيدة. في فيلا رأفت نفد السهم وعاد الجميع إلى هنا. تركت "تمار" يد "ريان" وركضت يساورها القلق صوب غرفة والدها. تبعها "ريان" بخطوات كسولة، وإلى جانبه كان "عدي" يهرول مع "مرام" نحو نفس المكان.
هذا الاندفاع الحميمي من "تمار" عقبه دموع وشهقات عالية استمع إليها الجميع قبل أن يصلوا، مما دفع الكل إلى الركض نحو الغرفة ليروا ما الأمر. كان جسده مسجى على فراشه، ويظهر على وجهه علامات التعب، إضافة إلى جهاز التنفس الموصول بفمه. كان الحديث الأول والسؤال لـ "عدي" المبهوت بحالته التي تدهورت في يوم واحد: _فيه إيه يا بابا، حصل إيه؟ إيماء صغير أصدره "رأفت"، حاول أن يكون مطمئنًا، ليتولى عنه الإجابة الممرض
الذي يقف بجوار فراشه: _اطمنوا، عنده الضغط عالي والحمد لله لحقناه، بس لسه مُعرض إنه يحصله جلطة. ردد "ريان" معه الجملة وهو يحرك رأسه بسخرية: _وممنوع عنه الزعل والإجهاد وراحة تامة. نظرت له "تمار"، فهتف بنبرة مشددة وموجهة لرأفت شخصيًا: _ألف سلامة عليك يا عمي، والله زعلنا أوي، أصلًا ما كناش عارفين نقعد هناك من غيرك. "إظاهر دي لعنة الحموات".
كان "عدي" يقدر غضبه، لكن لم يرض عن أسلوبه الخشن مع والده، خاصة وهو يمر بهذه المحنة. هتف وهو يدفعه للخارج: _ممكن كلمتين مع بعض. تحرك معه للخارج بخطوات ثقيلة، فقد كان منزعجًا بشدة من تكهن "رأفت" وافتعاله هذه الحيلة الرخيصة. هتف "عدي" مجددًا عندما تأكد ابتعاده عن والده: _أنا مراعي مشاعرك، ولو سمحت أنت لازم أنت كمان تراعي مشاعرنا، مهما كان الخلاف ده، في النهاية والدنا، ادينا فرصة نطمن عليه.
حرك لسانه تحت بطانة شفاهه، وقد شعر بضيق صدره لأنه الوحيد الذي كشف حيلته، واكتشف أن الألم أن ترى، لكن الألم الحقيقي أن تكون الوحيد الذي يرى. سحب أنفاسه وأخذها ليخرجها وهو يقول: _أنا عارف إنه بيمثل، تعال ناخده لدكتور وهثبتلك ده. نفض "عدي" رأسه ياسًا وهو يرد عليه: _إحنا مش في إثبات، إحنا لازم نطمن عليه، ومن فضلك لو مش قادر تداري مشاعرك سيبنا نتعامل إحنا، وكده كده إحنا هنتواصل مع الدكتور بتاعه.
تركه دون أن يتدخل أكثر معه في نقاش، مغادرًا إلى غرفة والده، مما جعل "ريان" يدور حول نفسه ويلكم الحائط بقبضته بمنتهى الغضب، كالمسعور يريد أن يفتك بأي شيء. ستنتهي إجازته الذي حصل عليها بصعوبة في مهاترات فارغة مع "رأفت"، وفوق هذا بإشارة إصبع واحدة قلب المعركة لصالحه تمامًا كقطعة شطرنج، وقال الجملة الاعتيادية بكل فخر "كش ملك". ضربات قلبه ازدادت وكاد الغيظ أن يمزقه لأشلاء، لولا يدها الرقيقة التي حطت على كتفه
وصوتها الناعم الذي ناداه: _ريان. التفت سريعًا وكأنه كان يغرق، وصوتها وحده طوق النجاة. حاوط فكها بكتلتي يده وهو يبادلها النداء: _تمار. خشي ضياعها ويكره هجرها، لقد فعل المستحيل كي يبقى معها، والآن والدها ينصب له أفخاخ طالما تخنقه. أردف ونبرته تحتقن باليأس: _أنا بحبك يا تمار، أنا خايف أزهق بجد من كل المحاولات اللي بتفشل في النهاية في وجودك معايا.
نقلت بصرها مع بصره، فما كان يتركها لتعطي أي تعبير، برغم أنها شعرت بكل أحاسيسه وتعاطفت معها. هتفت متأثرة: _ليه يا ريان محسسني إنها حرب، ليه كل واحد بيشد من ناحية؟ صدقني أنا قلبي مقسوم نص معاك ونص مع بابي، أنا مش عارفة أتعامل مع الموقف إزاي. قول لي أنت طريقة غير إني أبعد عنه وعنك. برغم كلماتها غير المنتظمة إلا أنه أدرك معاناتها التي لا ذنب لها فيها.
حرك رأسه متفهمًا وأسند رأسه إلى رأسها، ونظم أنفاسه ليستمتع باستنشاق أنفاسها، مستعد لتقديم نفسه فداءً حتى لا يفقد هذه الراحة التي لم يعرف لها سبيلاً إلا بجوارها، خاصة عندما يكون قريبًا منها إلى هذا الحد: _أنا لو أطول أجيب لك نجمة من السما مش هتأخر. تفتكري أنا عملت كل ده عشان في الآخر أضايقك؟ أنا عايزك تبقي مبسوطة. ابتسم وهو يستطرد بدهاء: _بس أنا حبيبك برضو مش كده؟ كلماته أرضتها دومًا، يغمرها بحب ينسيها كل ما قاست.
همست وهي تجيبه بخجل: _طبعًا، حـبيـبي. قالتها وابتُهِج قلبه الذي من دقائق كاد يموت. قالتها لتثبت أنها بكلمة واحدة يتفتح الزهر في قلبه وتلوم الحياة بعينه. "في فيلا شريف" من جديد ينبهر بتفاعل "منار" معه، عيناه كانت متسعة وهو يستمع لكلام أول مرة تقوله. قالته وهي تحادثه بعفوية شديدة، لا تدري أنها جعلت قلبه يخفق على نغمات صوتها وهي تقول:
_روحي فيك يا شريف، أنا ما بقتش قادرة أخبي ده، ودلوقتي بس عرفت ده. أنت اللي أخذت بـَـتـَـر كل العرسان اللي رفضتها. كان يسند يده أسفل ذقنه مسترخيًا قبالها، قبل أن يصيح مبتهجًا: _يا سيدي أتمنى اللي أنتِ عايزاه يجيلك حالا على الفرحة اللي أنتِ حطتيها في قلبي. ابتسمت لفرحته وشملته بنظرة عميقة وكأنها تفكر في شيء، ثم قال وهي ترفع ذقنه: _ينفع أطلب قلبك؟ كانت ضحكاته في الغرفة وأجابها بمرح:
_أنتِ أصلاً أخذتي قلبي من زمان، بس أنتِ اللي كنتي غشيمة. تحولت نظرتها للؤم، لكنها هتفت برد قاصف: _تــربيـتــك. أطلق صافرة عالية كانت تميل للإعجاب بتغير حديثه معها: _ده قصف بمنجنيق ده يا روحي، خفي عليا أنا مش قدك. أطبقت يدها على صدرها وهي تنوي الخصام قائلة بطفولة: _ما حدش قالك تغلط. تعلق بيدها ليجذبها إلى صدره وهو يهتف مراضيًا إياه:
_لا بالله عليكِ، أنا شفت أيام صعبة الله لا يعيدها، وحرمت وتبت وشبعت. عايز أسمع كلام كتير من اللي كنا بنقوله قبل ده. أنهى جملته بطبع قبلة على ظهر يدها، جذبت ابتسامة على ثغرها، متمرده تخضع بسهولة لأي لطف منه، فهو يملك القلب والعشق هو المحرك الرئيسي لمشاعرها، ولا أحد سواه يفعل مثلما يفعل هو بها، ولن تسمح لأحد غيره. عيناها ظلت تحدق به بنظرات هائمة، تبعتها لا إراديًا بهتاف: _بحبك، بحبك أوي ومش بطمن مع أي حد في الدنيا قدك.
تقول ويزداد هو غرامًا وعشقًا ويكبر مقامها وحبها في قلبه، من طفلة صغيرة ربّاها على يده إلى عشيقته وحبيبه وزوجته. أخيرًا اعترفت له بالحب الذي كان لا يخطئه كل مرة عندما يتعامل معها، والآن بات كل شيء شفاف واضح، وما أجمل الشفافية والوضوح. نادت أخته وهي تناديه خلف الباب: _شريف، ممكن أدخل؟ نهض وهو يتأفف قائلاً بمزاح: _خلاص سمعتنا بقت وحشة لدرجة الناس مفكرنا متاحين في أي وقت.
ضحكت "منار" وهي تعدل من نفسها لاستقبال "ورد" التي وقفت على بابه وهي تقول بحرج شديد: _ممكن أدخل ولا جيت في وقت مش مناسب؟ أومأت له وهو يقول بجدية مصطنعة: _أيوه جيتِ في وقت مش مناسب، بس برضو عايزة إيه؟ نظرت له بشك، فهي تعرف كل شيء عنه إلا التطورات الأخيرة بعدما اختفى هو وهي لفترة وعاد ليغلق عليهم الغرفة طوال اليوم: _أنا ملاحظة إنك أغلب الوقت هنا وأنا مش عارفة أقابل منار خالص. صدر وهو يضع يده على الأخرى مستهزئًا:
_وهي منار كانت مراتك ولا مراتي؟ بادلته أخته الاستهزاء وهي تهتف: _والله فجأة كده نسيتني. نفض رأسه متسائلاً: _ونفتكرك ليه؟ أصلًا إحنا في إيه ولا إيه؟ شعرت بالخجل من مجاراته في الحديث، فنفضت رأسها لتهتف مجددًا بحرج شديد: _أصل أنا كنت عايزة أكلمك في موضوع مهم. انتبه إلى نفسه وقال بجدية واهتمام في آن واحد: _موضوع إيه؟ قولي على طول. ازدرقت ريقها وحاولت أن تتحلى بالشجاعة وهي تفاتحه في أمر كهذا، هتفت بنعومة:
_أصل فيه واحد اسمه حمزة عايز يتقدم لي. مال إليها ليتسأل بخفة رغم فرحته العميقة بهذا: _اسمه حمزة... يعني إحنا هنجوزك ليه عشان اسمه حمزة يا ناعمة؟ ازداد تورّد وجنتها وبدأت تعتصر يدها بيدها الأخرى لتبحث عن رد يخرجها من هذا الموقف المحرج. لطالما كان "شريف" صديقًا مقربًا لها، لكن مع موقف كهذا يزداد توترها ولا تعرف كيف تتعامل. قالت بصوت يكاد يختفي من فرط الحرج: _ما أعرفش عنه حاجة، أنا قولت أقولك اسمه وأنت... قاطعت
كلماتها وهي تقول بسرعة: _عمومًا هو هيجي عشان يقابلك النهارده، وعن إذنك. قالت كلماتها واستدارت، فناداها شريف بصوت جهور: _خدي يا بت تعالي قوليلي اسمه حمزة إيه؟ لم تجبه واستمرت بالابتعاد عنه، فهي لم تقو الوقوف أمامه بعد ما عانته من احراج. "في فيلا رأفت" أتى أحد العاملين ليخبر "ريان" الشارد مع "تمار" في أحد الأركان: _إلياس النشامى منتظر حضرتك تحت مع عيلته. قال هذا برسمية شديدة، قبل أن يفزع "ريان" و"تمار" من كشفه لهم.
غطى "ريان" بجسده "تمار" وقال محتدًا: _وأنت واقف ليه؟ هتاخد صورة؟ اتفضل امشِ. التفت "الخادم" بعد أن اعتذر بهدوء: _أنا آسف. هاجم وجه "ريان" وهو يهتف بحنق: _إيه البرود ده؟ أبوكي منقيهم على الفرازة. هتفت وهي تضع يدها على صدره برفق: _خلاص بقى يا ريان، بابا ملوش ذنب، إحنا اللي ما كانش ينفع نقف هنا. كونراجاب مستخفًا وهو يضحك:
_إحنا نقف في أي حتة، وبعدين دي مش هتبقى أول مرة، إحنا خصنا هيبقى كورنرات وحوائط. والله لأخلي كل حتة في بيتك يا رأفت الألفي تشهد على حبنا، إحنا هنهزر. كتمت ضحكتها حتى لا يصدح صوتها في الأرجاء، ثم عادت لرشدها وهي تنبه قائلة: _يلا انزل شوف ضيوفك. كان يأبى التزحزح من أمامها، لكن وجود "إلياس" بالأسفل كان حافزًا قويًا لحركته البطيئة التي اتخذها، وهو يقول غامزًا بطرف عينه: _حصليني.
أومأت له والتفت لتنسق أحمر الشفاه الذي أفسده "ريان". ::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: رحب "ريان" بحفاوة بصديقه العزيز "إلياس" بعدما لبى دعوته المتعجلة للقضاء اليوم معهم. ضمه إلى أحضانه وهو يرحب به: _نورت الدنيا كلها. _بنورك. قال هذا إلياس بنبرة فاترة، هو لم يكن في مزاجه مناسب لحل مشكلته أو حتى الخروج بمكة ووالدته في هذا التوقيت الحرج والنار المنقدة بينهم.
عرف "ريان" إلى لهجته الغريبة وقرر تجاهلها مؤقتًا حتى يختلي به. التفت إلى "إلهام" وقال بتهذيب: _أهلاً وسهلاً حضرتك، شرفتينا بزيارتك. أجابت "إلهام" بتكبر: _أهلًا وسهلًا بيك، ألف مبروك إلياس قال إنك اتجوزت. ابتسم لها وهتف مبررًا هذه الزيارة: _آه فعلًا، بس يا فرحة ما تمت، والد المدام تعبان، وده اللي منعني آجي أبارك لإلياس. التفت نحو "مكة" ليلقي إليها السلام: _ألف مبروك يا مكة.
بادلته التهنئة وعيناها على الدرج بانتظار رؤية أختها التي وعدها "إلياس" بقضاء اليوم معها: _مبروك ليك أنت كمان. لكن ما سبق "مرام" هي "تمار" التي رسمت على وجهها ابتسامة مرحبة لتنضم إلى "ريان" الذي عرفها بسعادة: _دي عروستي الجميلة. طالعتها "إلهام" وابتسمت لها، وكذلك مكة تشبه "عدي" لكن بها سحر مختلف وملفت. أعطته العذر لريان الذي لم يحرك عينه من عليها من وقت حضورها. رحبت "تمار" برقة بالجميع واستقبلها برحابة صدر،
هتفت وهي تدعوهم للجلوس: _بعتذر عن تأخري، والدي تعبان. هتف "إلياس" الذي لم يقبل دعوى جلوسها وقال: _أساسًا إحنا جايين نطمن عليه. استطرد عندما لاحظ عين "مكة" المتحفزة للقاء أختها: _وكمان نشوف "مرام"، هي فين؟ أجابت "تمار" بابتسامتها التي حافظت عليها من وقت ظهورها: _هي فوق هي وعدي، اتفضلوا سلموا على بابي وشوفوها هي كمان. تحرك ليتحرك من ورائها الجميع. أمسك "ريان" ساعد "إلياس" اجتنب به ليقول: _عملت فيا معروف مش هنسهولك.
ابتسم له "إلياس" ورد عليه: _وأنت كمان عملت نفس المعروف. دقق النظر إليه "ريان" وهو يسأله: _ليه أمك عايزة تطردك من البيت؟ سحب "إلياس" ساعده من بين يد صديقه ودفعه بضيق: _برضوا أمك. وقفت "تمار" لتبدي فرحتها بمكة وهي تقول: _أخيرًا شفت مكة اللي البلد كلها كان مالهاش سيرة غير سيرتها. ابتسمت لها "مكة" بحرج، لا تعرف إن كانت هذه الشهرة التي اكتسبتها فادتها أم ضرته.
لكن بالنهاية حدث كل شيء، سريعا عرفت رجل مهم يعود بها سالمة ويحميها من كل المخاطر المحتومة. في غرفة رأفت يجلس "عدي" بجواره، وكذلك "مرام". أبت تركت زوجها وحده، سبقت "تمار" الجميع، ولاحظت كيف تفاعل معها والدها الراقد بلا حراك على فراشه. هتفت بلطف: _في ضيوف جاين لريان، جاين يسألوا عليك. فسحت الباب ليدخل في البداية "ريان" مبتسمًا بسماجة له، ومن بعده "إلياس" الذي هتف برسمية: _ألف سلامة على معاليك.
كان يستقبل الجميع بأعين فاترة، حتى وقعت عينه على "إلهام". لم يكن يصدق أنها هنا موجودة بغرفته، للحظة ظن نفسه يتوهم، لكن علامات الصدمة التي كانت على وجهها هي الأخرى جعلته يتأكد من وجودها هنا. قفز من فراشه ناسياً كل ما به وفاقد عقله. مد يده ليسحب قناع الهواء عن وجهه ويقذفه بعيدًا وهو ينادي باسمها مذهولاً: _إلهام، معقول؟ لم يكن الذهول نصيبهم فقط، بل كان نصيب كل الموجودين الذين صوبوا أنظارهم نحوهم.
كذلك "عدي" الذي صدم من تصرف والده المتناقض. تراجعت للخلف وهي تشعر أن الأرض تميد بها فجأة. أيعقل بعد هذه السنوات الطويلة التي ابتعدت بها عنه تجده أمامها بكل هذه السهولة والبساطة؟ بدأت تنظر نحو إلياس بنظرات شك وتلومه علناً: _أنت جبتني هنا ليه؟ نفس الشيء فعله "رأفت" وهو يشير نحو "ريان" يزعق بحدة: _لأ، هو السبب أكيد، هو اللي رتب كل ده. في وسط كل هذا كان الجميع لا يعرف سبب كل هذا الفزع. تساءلت "تمار"
والتي كانت أشجع الموجودين: _فيه إيه يا ريان؟ أشار إليه وهو يهتف هازئًا: _أهو زي ما أنت شايف، بابا بيمثل علينا إنه تعبان. اقترب منه "رأفت" وهو على وشك ضربه لولا يد "عدي" التي حالت بينهم: _تقوم تجيبها هنا يا خسيس! هتف "ريان" وهو لا يفهم قصده: _أجيب مين؟ أنت مجنون؟ دي أم صاحبي. وهذه الصدمة كانت من نصيب "مكة" التي أسرعت بوضع يدها على فمها وهي تشهق.
لاحظ "إلياس" ما حدث وقد كشف "ريان" المستور، لكن لم يهمه هذا، المهم أن يفهم ما هذه الشفرات التي طفت بينهما. اكتفى "رأفت" بالنظر إليها، وكل أوجاع السنين الآن طارت مع الرياح. سنوات يحاول الابتعاد، سنوات من الجفاء أزهرت مع أول لقاء. الحب نفسه تجدد، والقلب ينبض نفس النبضات المجنونة التي لا تحسب حساب للعمر أو للزمان. هي كانت تمنع نفسها عنه حتى لا تخلف وعده لإلياس، لكن يبدو أن القدر قرر مقابلته.
هما الآن دون ترتيب ولأسباب عظمى تتبادل النظرات المحملة باللهفة والاشتياق، ولم يعير الموجودين أي اهتمام. هتف مشتاقًا: _كل السنين اللي مرت ما غيرتش حبك في قلبي. كلماته المعدودة كانت كفيلة بإشعال قلب "إلياس" الذي صر على أسنانه بغيرة وهو يزمجر غاضبًا: _خلي بالك من كلامك أحسنلك. بدأت "تمار" الفهم على عكس "مرام" التي لم تفهم أي شيء. اكتفت بضم أختها التي ترتعش بين أحضانها، و"عدي" الذي يقف مذهولاً مما قاله والده.
هنا ضغط "ريان" على رأسه بعدما فهم فداحة خطأه الذي ارتكبه بحق إلياس وصاح: _دلوقتي فهمت. التف إلى إلياس ليعتذر منه: _أنا آسف والله ما كنت أعرف حاجة، البيه ما قاليش أي حاجة عنها. أضافت "إلهام" موجهة حديثها لإلياس: _ولا أنت كنت عايز تسمع، عاجبك كده؟ أديك بنفسك أنت اللي ودتني ليه. التف لها وزعق بحدة: _اسكتي. ثوانٍ وانتزع "مكة" من بين يد "مرام" وهو يردف: _يلا بينا من هنا.
شعر "رأفت" بالجنون، سترحل عنه من جديد، هو اجتاز كل هذه السنوات بصعوبة، والآن لن يكرر معاناته مرة أخرى. وقف بوجهه وهو يقول بشجاعة: _مش هتمشي، انتهت سلطتك عليها. كانت "إلهام" تقف خلفه، وهي تعرف نتيجة وقوفه أمام قطار مسرع، سيحتاج لوقت حتى يقف، وإلى أن يقف سيسحق كل ما أمامه تمامًا كإلياس الآن. لم ترفض محاولته بانتزاعها، لكن على الأقل هذا ليس وقتًا مثاليًا. في منزل "إبراهيم"
خرجت "خديجة" من المطبخ وهي تجفف يدها في المنشفة البيضاء. بحثت بعينها عن زوجها الذي كان يجلس بمنتصف المنزل ويقرأ القرآن. نادته وجهها مبتسمة: _أحضرت لك الغداء يا أبو محمد. ثوانٍ ختم قراءته بتمتمة هادئة "صدق الله العظيم". أشار لها لتجلس إلى جواره مبادلاً إياه الابتسام وقال بحنو: _تعالي اقعدي وارتاحي شوية. استجابت له وهي تهتف متنهدة: _والله ما تعبت ولا حاجة، بس البيت وحش أوي من غير البنات، نفسي أشوفهم تاني.
حرك رأسه بهدوء وهو يتألم معها، لكن الصمت مازال يرافقه. ترددت وهي تختطف النظر نحوه وتحاول الاسترسال بشكل ودي، حتى اندفع القول على لسانها: _نفسي نعزمهم هما وأجوازهم، يعني زي ما أنت شايف اتجوزوا بسرعة وما لحقناش نكرمهم. رفع وجهه إليها ونظر إليها بعمق كأنه يفكر في شيء ما، ليباغتها بسؤال ذو نبرة خطرة: _إنتي كنتِ تعرفي إن إلياس متجوز؟ ازدرقت ريقها وما استطاعت إحادة عينها عن عينه، وإن فعلت معها الكذب ثوانٍ معدودة وأجابت:
_أيوا... ثم أردفت لتوضح: _بس والله قبل الفرح بيوم، أساسًا بنتك رفضته عشان هو متجوز، إنما هي من جواها بتحبه، وأنا حاسة بيها وبالحيرة اللي فيها. أمعنت عينه وهو ينظر إليها متحدثًا بإمعان: _وهو كمان بيحبها. وكأنما قذف حجرًا في حائط زجاجي تحطم كل خوفها وتناثر، وراحت تمسك بيده وكأنها تتعلق بقشة، متسائلة بتلهف: _بصحيح... عرفت إزاي؟ فنبت ثغره ابتسامة قصيرة وهو يومئ قائلاً:
_من تصرفاته، أنا عارف إن بنتي ما بتكذبش، وإنها هي اللي جريت وراه وورطت نفسها في شغله. واحد غيره لو كان وحش كان يا إما لفقلها قضية وخلص منها، يا إما استسهلها. الولد طلع ابن حلال. كان هذا الموضوع هو ما شغله من وقت عودته من زيارتها، وبدأ ينظر للأمور بشكل مختلف. سعادة قلبها بأحاديثه جعلت الابتسامة تقفز على وجهها. تفاعلت مع حديثه بسعادة: _والله أنا كمان قلبي حاسس إنه ابن حلال وفي سوء تفاهم، بس حتة إنه متجوز صعبة نتقبلها.
فنبت ثغره بابتسامة وهو يعقب عليها قائلة: _ودا اللي أكدني إنه بيحبها، مفيش حد هيغامر بحياته وينسى كل حاجة ويقرر يبدأ من جديد، إلا لو حب ومش أي حب، ده لازم يكون حب خرافي كمان. أنهى جملته بأن وضع يده على يدها مؤكدًا. هتفت متألمة: _بس حرام تعيش مع ضرة. رفع حاجبيه وقد ظهر عليه بعض الاندهاش، ناسياً أنها امرأة مثل كل النساء يؤرقها وجود أخرى. أشاح بوجهه عنها وهتف منزعجًا: _حرام إيه؟
الحلال بيّن والحرام بيّن. الشرع يحل له أربعة وهو مسلم وحافظ كتاب الله، وهو يعرف يعدل ما بينهم. إنما لو كان عاش مع واحدة وقلبه مع التانية، صدقيني دي القسمة اللي مش هيبقى فيها أي عدل، ومهما حاول هيظلمها. القلب ماحدش ليه عليه سلطة. عاد ببصره إليها ليجد وجهها تحول للعبوس. ضم فمها وظهر الضيق جليًا على وجهها. لم تعطيه مساحة للسؤال وهتفت هي بانفعال: _بقى كده؟ يعني ممكن أنت كمان تعملها؟
صدحت ضحكته في الأرجاء، وهذا كان شبه مستحيل، خاصة في الآونة الأخيرة. وبرغم ذلك هذا لم يجعلها تحيد عن ضيقها وانفعالها ولم تتخلى عن عبوس وجهها، فقط أضافت نظرة اندهاش تبعتها بكلمة مقتضبة قالتها بسخط: _بتضحك! توقفت ضحكاته ومال إليها ليهتف مغازلاً: _إحنا كبرنا على الحاجات دي. ثم إن قلبي معاكي من زمان يا خديجة. المرأة هي المرأة ولو وصل عمرها مائة عام، كلمة صغيرة تحزنها وكلمة صغيرة تراضيها.
مشاعرها على عتبة أذنها، تخضبت وجنتها بالحمرة ونسيت ما كان بقى الخجل يزين وجهها، تمامًا كشابة في السابعة عشر من عمرها. تبدل الغضب بالفرح والعبوس بالابتسام، كشمس أشرقت بعد الغيوم لترد عليه بحرج: _أنت لسه قايل كبرنا على الكلام ده. ابتسم فمه من فوق لحيته البيضاء وقال: _انتي مهما بتكبري بتفضلي في عيني زي ما أنتِ. أنهى جملته بأن ربّت على كتفها بحنو.
بالفعل جعلها تعود كطفلة صغيرة، كل الأعمار تتلاشى أمام الحنان، حتى الورد يربى بالحنان. وبعد كل هذه السعادة التي منحها إياها، تمنت من كل قلبها أن يكون لبناتها نفس السعادة وأكثر. لذا عادت إلى الموضوع الرئيسي متسائلة بشكل راجي: _هتوافق نعزمهم؟ أومأ لها بالقبول وهو يجيب: _إن شاء الله. رفعت وجهها للسماء ومعها كفيها وهي تدعو له بحرارة: _ربنا يرضيك زي ما رضيتني ويهني بناتي ويهدلهم أُجَوِّزهم ويطمني عليهم. قال: _آمين.
تابع كلماته مطمئنًا: _اطمني عليهم، ربنا معاهم. "إلياس" صرير أسنانه كاد يُسمع، وعيناه التي تطلق شرار خطر تنذر بحرب ستخلف خلفها موتى كثيرون. كان الجميع مترقبًا إجابته المزمجرة التي لفظها بشراسة: _سلطة مين؟ أنا أدفنك مكانك لو فكرت تقف في سكتي تاني ولو بالصدفة. هذا الشر المنطلق من عينه وحديثه لم يردع "رأفت". وقف من جديد بشجاعة لينتزعه من يده وكأنها حقه ولا يحق لأحد غيره. زعق بوجهه ووجه حديثه للجميع:
_حيث إن الكل هنا يبقى الكل لازم يعرف أصل الحكاية، الست دي أنا بحبها. لم يكمل حديثه بسبب قبضة "إلياس" الذي قبض على عنقه دون رحمة ودون سابق إنذار. تدخل "عدي" سريعًا الذي التقط القليل من فحوى القصة الواضحة، جاهد ليبعده عنه، لكن كان غضب "إلياس" أقوى من أن يزحزحه أحد.
تدخل "ريان" معه عندما لاحظ انسحاب الدم من وجه "رأفت"، وبعد ذلك صرخات وشهقات كلا من "مكة وتمار ومرام وإلهام" غير متوقعين انقلاب الأحوال من زيارة ودية إلى كل هذا العداء. قال "ريان" وهو يحاول أن يبعد يده عن عنق رأفت: _كان بودي والله يا صاحبي، بس سيبها عليا، ما تضيعش أنت نفسك. صاح "ألياس" غاضبًا وهو يضغط بقوة على عنقه: _بيقول إنه بيحب أمي، أسيبه إزاي؟ بصعوبة شديدة خلصه "ريان" من يد "الياس" ودفعه للخارج وهو يقول:
_امشِ يا إلياس، امشِ. لم يريد الانتظار أكثر من ذلك، إن بقي فسيرتكب جريمة لا محالة، خاصة عندما لاحظ عين والدته المتعلقة برأفت وقدمها الثابتة في الأرض وكأنها لا تنوي الرحيل، مما جعله يدفعها عنوة وبيده الأخرى يسحب "مكة". خرج نهائيًا من الفيلا وكأنه خرج من كابوس. لم يكن يريد يومًا أن يتعرف إلى الرجل الذي اختارته أمه ليكون زوجًا لها بعد أبيه، ولم يكن يتوقع أنه كان قريبًا منه لهذه الدرجة.
لأول مرة يلعنها غباؤه، أنه رفض سماع اسمه ومعرفة أي شيء يخصه وظل يهرب منه ليصدم به بهذه الصدفة الغبية وبدرجة القرب الغير متوقعة. فرأفت غير أنه والد زوجة صديقه هو أيضًا حما أخت زوجته، وكأن القدر يعانده. بين رأفت وعائلته "لم ينتظر "عدي" حتى يهدأ والده بل أصر ليطرح سؤاله بضيق واندفاع: _ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟
رفع "رأفت" وجه الذي قد اكتسى بالحزن وهو يجلس على كرسيه بحسرة وعائلته تلتف من حوله تنتظر تفسيرات كثيرة لم يكن لديه القوى لتوضيحها، إلا أنه هتف بنبرة مهزوزة: _مش وقته. برغم من ملاحظة "عدي" اهتزازه وحالته الغير طبيعية، إلا أن الضيق كان يعتريه من غموضه الدائم ومراوغته التي أصبحت مقلقة في الآونة الأخيرة. رد عليه بضيق: _أومال أمتى وقته؟
بتقول إنها حب عمرك، عمرك اللي كما إحنا فيه اللي كمان ذللنا بيه. أمتى حبيتها وأمتى فضلتنا إحنا عن حياتك زي ما طول عمرك بتدعي. وثب "رأفت" من مكانه وصاح بغضب من طريقته الفظة: _أنت هتحاسبني يا ولدي؟ أومأ "عدي" مؤكدًا وهو يجيبه:
_آه هحاسبك زي ما أنت طول عمرك بتحاسبنا على النفس وزي ما طول عمرك عايزنا نقعد جنبك عشان أنت قعدت جنبنا ورفضت تدخل علينا واحدة تانية، وأحاسبك لأنك مؤخرًا جبتنا من شهر العسل، لأنك تعبان وفجأة اكتشفنا كلنا إنك بتمثل علينا. أحرجه مع تتابع كلماته وشعر باهتزاز صورته أمام الجميع، والغريب أنه لم يشعر هذا حيال "ريان" الذي يتابع كل هذا بصمت، طاوياً يده إلى صدره في الزاوية.
كان يود أن يتدخل وينقذه، شعر بأهمية صداقته طوال هذه السنوات، رغم أنه لم يكن هو الآخر يعرف هوية المرأة التي عشقها، لكن الآن أراد منه التدخل، وهذا كان واضحًا في نظراته الموجهة إليه. هتف بإستحياء مما فعل، خاصة بكشف تمثيلته الهزلية: _أنا ما عملتش حاجة غلط، أنا كنت بحبها و..... ونويت أتجـــــ... قاطعه "ريان" الذي قرر فجأة التدخل والاقتراب من ساحتهم: _عدي دي علاقة قديمة، أنت كنت أصغر من إنه يشرحها لك، وخلصت وانتهت.
تدخل "ريان" أثار تعجب "عدي" الذي سأله مستنكراً: _وأنت كنت عارف؟ أجابه مؤكداً: _أيوه، أنت نسيت إنه كان صديقي قبل ما أبقى جوز بنته؟ قالت "تمار" هي الأخرى: _وأنا سمعتهم بالصدفة وعارفه إن بابا كان بيحب واحدة وعشان خاطرنا سابها. بقيت "مرام" بينهم متحيرة، لا تفهم أي شيء، تنظر إليهم بأعين زائغة، تشعر أنها ليست بالمكان المناسب وأنها ليست فردًا بهذه العائلة. فجأة شعرت بالغربة ونظراتها تبدلت وبدأت تتراجع كي تبتعد عن الجميع.
الجو المشحون كله لا يناسبها. زمجر "عدي" بغضب في الجميع: _أنتوا عارفين وأنا الوحيد اللي نايم على وداني. أمانها الوحيد يصرخ هذا جعل "مرام" ترتجف وتسعى للهرب. لاحظ "ريان" انهيارها الذي على وشك. خطوة واحدة اتخذتها للخلف، وسمعت "ريان" يهتف أمراً: _خد مرام واخرج، شكلها تعبت. هذا كان الشيء الوحيد الذي يجعل "عدي" يتنازل عن كل الأجابات التي يريدها ويتوقف عن العتاب.
التف لينظر إليها، ودعته عيناها المتحيرة، فسارع بالوقوف جوارها، عيناه تشملها بقلق وأسف في آن واحد. يعرف أنها دخلت حياة لا تتناسب معها ولم تهنأ ليوم واحد، لذا التف ليقول كلمة واحدة: _أنا همشي من البيت ده وكل واحد يعمل اللي يريحه. انتهى كل شيء ليبدأ هو حياته. لقد أدخلها إلى قلبه وحياته كي تزيل همه، ووجد نفسه يسحبها معه للهموم.
أمسك بيدها وخرج معها تحت أنظار الجميع الذي لم يستوعب قراره، لكن "رأفت" كان ليس لديه طاقة لإهدارها، وحتى خطة انتقامه تمزقت إلى أشلاء. حدقت "تمار" في فراغه بصدمة وعادت ببصرها نحو "ريان" ليقول شيئًا، فلم يقل إلا: _روحي هدية. رحلت من ورائه ليبقيا "ريان ورأفت" معًا. تبادل النظرات استمر لوقت طويل، عتاب خفي بين أصدقاء يعرفون بعضهم البعض، يفهمون لغة الأعين.
سنوات مرت على هجرهم البعض وتحولت صداقتهم لعداوة شديدة بعدما وقع "ريان" في حب "تمار"، وقد جاءت اللحظة المناسبة لريان للعتاب أو توضيح موقفه. قطع الصمت "ريان" ليتحدث لائماً: _حسيت دلوقتي بيا. فهم "رأفت" جملته المختصرة إلى ما ترمي وتملص منه وأدار وجهه وهو يقول متهرباً: _حسيت بإيه؟ أنت هتخرف؟ لم ينزعج "ريان" من تهربه، لكنه أصر على التوضيح رغم درايته بفمه لما قال. هدر بلهجة ساخرة:
_يعني تقف قدام إلياس النشامى اللي الإدارة كلها بتترعب تكلمه وتقوله بحب أمك؟ بذمتك مين فينا اللي بيخرف؟ كلمات "ريان" دفعته للتهور، فصاح باندفاع: _وأقف قدام الدنيا كلها، زمان كنت خايف حد يعرف هي مين أو حد يعرف إحساسي ناحيتها إيه. لكن النهارده أنا مش خايف ومستعد أقولها للدنيا كلها، طالما كل واحد شاف حياته أشوف حياتي أنا كمان. رفع "ريان" كتفه غير مبالٍ بما يهدر، سوى أن يرى اندفاع الحب الذي لامهٌ من قبل عليه
وخلق بينهم مشكلات عديدة: _وأنت سايب مين فينا ينشغل في حياته يا رأفت؟ أنت زي ما ركزت معانا أجبرتنا نركز معاك، زي موضوع إنك تعمل عيان عشان ترجعنا كلنا من شهر العسل وتبوظ فرحتنا، وأديك زي ما أنت شايف كلنا بقينا مركزين مع أخطائك ومستنيينها بفارغ الصبر. تصارعت أنفاس "رأفت" وهو يستمع إلى حديثه، وكأن وحوش العالم تتصارع في صدره.
مسح وجهه بغضب، فقد شعر بالأسير في زنزانة ضيقة مع جلاده الذي أذاقه أشكالاً عديدة من العذاب، وقد حان وقت القصاص. هتف بضيق: _ريان ما تشبهش حالتك بحالتي، أنا ما كنتش أعرف مين ابنها؟ وما كانش يهمني هي بنت مين؟ أنا حبيتها وكان الحب كفاية إنه يخليني أطلبها للجواز. سأله ريان بمكر وكأنه يستجوبه: _ومين بقى إن شاء الله اللي وقف في الجوازة دي؟ ولادك ولا مين؟ تصبب العرق على جبهته فجأة وكأن دلواً من الماء البارد سقط على رأسه.
السؤال غايته واضحة، والإجابة قد تكون صادمة، لكن لا وقت للكذب. الوحيد الذي سيساعده ريان وحالياً لابد من قول الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة. هتف بتردد وهو يحاول إخفاء وجه منه: _قالت إن ليها ابن ورفض إنها تتجوز، وإنها مش هتقدر تسيبه، وانقطعت كل أخبارها بعدها...
فنبت ثغره بابتسامة ساخرة رغم شعوره بالمرارة لأنه أخفى عنه هذه الحقيقة واستبدلها بأخرى، وادعى المثالية كي يصبح بطلاً مغواراً في أعين صديقه وينال تعاطف أب ضحى بحياته من أجل تربية أبنائه تربية سوية، وهو لا يستحق ذلك. تحدث بنبرة جامدة وهو يسأله: _يعني حتى أنا كمان خبيت عليا السبب الحقيقي وطول السنين دي بتلومني إني خنت صدقك عشان حبيت بنتك؟
أراد أن يغادر الغرفة بعد كل هذا، تلفت ليتجه نحو الباب، فأمسك براسغه "رأفت" وهو يقول بصوت راجٍ: _ما تسبنيش، أنا محتاجلك. كلمتان فقط كانتا كفيلة بجعله يعدل عن فكره الرحيل. مهما كان بينهم في الفترة الأخيرة، فهو لن يتخلى عنه. التف إليه ليسأله مضيقًا عينه وكأنه يقايضه: _وتسيبني أعيش أنا وتمار لوحدنا؟ بسرعة تبدلت نبرته الراجية لأخرى متعندة ومتمسكة: _ما تدخلش الموضوع في بعضه. تمسك "ريان" برأيه وهتف بشكل مرح:
_أنا عايز أساعدك، بس أنت مش عايز تساعدني. استطرد وهو يقترب منه: _وبعدين دي أم إلياس مش بنته عشان نخطفها. نفخ الآخر وهو لا يحتمل فكرة مصالحته، لكن رغبته التي حيت من جديد في البقاء حيث يريد قلبه جعلته يتهاون قليلاً لمعرفته أنه هو الوحيد الذي يمكن مساعدته، فأجاب رغماً عنه: _خلاص اتجوز الأول وبعدين امشوا من هنا. أطلق "ريان" صافرة عالية بواسطة فمه وهو يعلق ضاحكاً: _الله، دا أنت واقع بقى.
دفعه "أفت" بيده من جراء إحراجه المستمر واستغلال حاجته له وقال: _أنت هتعايرني؟ ما أنت كمان كنت واقع زيي. تحسس "ريان" كتفه وهو يعض شفاة السفلية بأسنانه معلنا تألمه، ثم رد عليه قائلاً: _بس أنا كنت محدد أهدافي مش زيك، نسيت التمثيلية اللي كنت بتعملها ونطيت من على السرير أول ما شفتها. أجفل "رأفت" من استفزازه المستمر، يعرف أنه لن ينتهي حتى يتركه طريح الفراش. لذلك ادعى التعب وأمسك رأسه وهو يلتف نحو فراشه ويقول:
_ااه أنا فعلًا تعبان، أنا هرتاح شوية، ابعتلي "تمار" تديني دوا الضغط وانت روح حل الموضوع. رفع "ريان" أحد حاجبيه متعجباً من تصرفاته الصبيانية المكشوفة، غمغم قائلاً: _يا ابن اللعيبة... ربنا يهديك يا إلياس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!