بين ليلة وضحاها يغير الله كل شيء. انتشر فيديو مرام بسرعة رهيبة، وانهالت عليه التعليقات والمشاركات. تفاعل الناس معها وتعاطفوا معها بشكل لا يصدق، رافعين هشتاج "مكه _فين؟ ". وتدخل الكثير من الأمهات المتعاطفات والآباء، وكذلك الشباب، وبعض الجماعات، وبعض المعترضين على سياسة الحكومة. أصبحت مكه اسمًا مشهورًا في ليلة واحدة، وترند من ترندات الميديا.
في جانب آخر، كان يستعد شريف للزواج بمنار، الحلم الذي طال وأنى أوانه. وإن لم تكن منار مهتمة كثيرًا بهذا الزفاف، هي تراه يومًا عاديًا ستنتقل فيه من بيت لبيت، وأنه لا داعي لارتداء فستان باهظ الثمن ولا حجز قاعة للمتفرجين. لكن إصرار شريف جعلها ترضخ لتنزل معه إلى أحد بيوت الأزياء كي تنتقي فستانًا.
الآن، في أحد متاجر الملابس المخصصة للأعراس، كانت ورد ومنار تتجولان في وسط كم هائل من الفساتين البيضاء المبهجة، والتي تضيء العين وتفرح القلب. تساءلت منار بحنق: والله أنا ما عارفة لازمته إيه الجو دا. أخوكي دا دماغه ناشفة. التفتت إليها ورد وقد ضاق صدرها من غبائها، وهدرت بحنق مماثل: أخويا اللي دماغه ناشفة. والله ما في غيرك. أومال عايزة تجوزي بالجينز يا ست منار؟ أجابتها منار وهي تلوّي فمها: والله مش بطال.
كورت ورد يدها أمامها حتى لا تطاول عليها، وقالت من بين أسنانها: ربنا يصبرك يا شريف. امشي يا أختي، يلا. وقفت أمام أحد الفساتين البيضاء وأشارت بإهمال: حلو دا. هاخده. رمقتها ورد بضيق وهي تجيب: ما تركزي يا منار. الفستان ضهره كله مكشوف. ثم لطمت وجنتها بخفة وهي تهدر بقلق مما يأتي: دا كان شريف يقطعك قبل كتب الكتاب. ركلت منار الأرض بقدمها بتذمر طفولي وهي تهتف: يوو بقى، أنا عايزة أخلص. نبرته الرجولية المميزة التي عبأت المكان:
تخلصي من إيه؟ التفتت ورد ومنار لتجدا أمامهما أوسم رجل بالعالم، بذلته الرمادية والتي هندمها بطريقة خرافية لتناسب العرس بما يناسبها من أزرار فضية وقميص أبيض، حاطت به هالة من الفخامة والجمال. شهقت ورد بإعجاب، بينما أطلقت منار صافرة خافتة. جعلت ابتسامة شريف تختفي وتحل مكانها الدهشة. وقبل أن يهتف مستنكراً، سبقته ورد تقول وهي تقترب منه: ما شاء الله، إيه الحلاوة دي. نظر إليها بطرف عينه متسائلاً: حلوة؟ أجابت ورد بإعجاب:
في منتهى الجمال. التفت إلى منار وقد بدأ غاضباً من تصرفها الصبياني: بتصفرى يا منار؟ صفرتي لكام واحد قبلي؟ لوحت بأصبعها نافية وهتفت بتوتر: ولا واحد والله يا شيفو. تساءل بحنق: أومال؟ نفضت كتفها وهي تجيبه دون اكتراث: ما تكبرش الموضوع بقى يا شيفو. قضب حاجبيه وأبى أن يزيح تعابيره الغاضبة وقال: البدلة حلوة. تهللت أساريرها وأجابته بسرعة: أوي أوي. مخلياك شبه العريس. هتف وقد زال كل جموده: طيب ما أنا عريس فعلًا.
حركت وجهها نافية وقد شعرت بقليل من تأنيب الضمير، ثم استدارت من وجه تتصنع أنها تبحث عن فستان لها. *** الياس ومكه. وبرغم أن الوضع كان أصعب ما يكون في الخروج من هذا الكهف المظلم وسط حشود من الجيوش المسلحين، إلا أن التوفيق كان حليفهم في النهاية. وبشجاعة إلياس، استطاع أن يخرج من بينهم بالقوة والحيلة والحرفية. إنه رجل المهام الصعبة.
بقيت الصعوبة في تجاوزهم هذه الصحراء الواسعة قبل أن يصل إليهم أحد، فالأمر لم ينته بعد، خاصة وأنهم يعرفون هذه الصحراء كراحة يدهم. وهذه السيارة التي استقلها ونفذ وقودها بعدما قطعت شوطًا طويلاً، فأضر تركها. مشت مكه خلفه تحت أشعة الشمس الحارقة، وقد خارت قواها وبدأت تشعر بالظمأ. هتفت بأنفاس لاهثة: هو لسه كتير؟ أنا تعبت.
لم يلتفت إليها، وأيضًا لم يجيبها. هو أيضًا متعب ويعرف أن تعبها هي مضاعف بسبب إصابة كتفها التي لم يمر عليها الكثير، وبالتأكيد تحتاج طبيبًا حتى لا يتلوث الجرح. كل هذا كان يشغل رأسه ويضيق صدره ويربط لسانه. لم تهدأ مكه وهي تشعر بتجاهله التام لها، وتزداد حنقًا من عدم شعوره بها، لذا هدرت متشنجة: إيه يا أخي قلة الضمير اللي عندك دي؟ بقولك تعبت.
فجأها بأن التف إليها وقد برزت عينها بشكل مخيف، فترجعت لا إراديًا، لكنها تعثرت في ذيل تنورتها الطويلة وسقطت وهي تنظر إليه. انحنى لها وجبينه يصب عرقًا. بعث صمته ونظراته التي تشبه فهدًا أوشك على الفتك بفريسته، الرعب في نفسها، فسألته متوجسة: إيه؟ ليزمجر هو غاضبًا، ساحقًا كلماته سحق: أنا مش عايز أسمع صوتك دا نهائي. عشان أنا... أشار إلى عنقه وأردف بضيق:
مخنوق منك. ولو اتكلمتي كلمة كمان أنا ممكن أخنقك بإيدي وأرميكي هنا للديابة تاكلك. حركت رأسها بالإيماء وهي تبتلع ريقها بخوف من تهديداته. لا تعرف لماذا يختفي شعور الأمان الذي تشعر به تجاهه دومًا عندما يغضب ويثور بهذا الشكل. هتفت بكلمات متقطعة لخوفها منه: طيب أنا عطشانة وتعبت.
هو يقدر جيدًا حالتها وبنيان جسمها لن يتحمل كثيرًا، لكنه يخفي مشاعره تجاهها بقناع القسوة والفظاظة، لأنه لا يريد أن يُساق أكثر وراء مشاعره تجاهها. وبعد مدة قصيرة من نظراته العدائية، هتف ساخرًا: تحبي تشربي إيه؟ عصير مانجا ولا حاجة ساقعة؟ لم تفهم سخريته وهدرت سريعًا وهي تشير بسبابتها متلهفة: لا، ميه بس. زعق بصوت كالرعد جعلها تهتز لا إراديًا: أنتي مخك تعبان. قومي من مكانك.
حاضر حاضر. أسرعت في التفاعل معه حتى يهدأ، ومن بعدها ستعلمه. لكن من فرط إنهاكها وحالة الفزع الذي عاشتها معه، خارت قدماها من جديد وسقطت تحت أنظاره. وقبل أن يحتد عليها من جديد، أشارت له بيدها: مع السلامة أنت. كمل لوحدك. أنا هستنى الديابة. أرحم سجن. ضحكته من استلامها وخفة ظلها التي تخرج في أوقات عصيبة دون جهد. مد يده يعرض مساعدته دون أن ينطق حرفًا. نظرت له دون اهتمام وهتفت: متشكرة. اتفضل حضرتك.
قلب عيناه وحاول أن يبدو وقد نفذ صبره، لكن هذا لم يؤثر بها. لذا هتف بهدوء: قومي هساعدك. هدرت بعند وهي تنظر في عينه وكأنها تحداه: مش عايزة مساعدتك. أنا همشي لوحدي ومش همشي تحت قيادة سعادتك. بالفعل أغضبته، لكن كان مضطرًا أن يسجن هذا الغضب داخله ويعاملها بهدوء حتى ترضخ له. هتف وهو يلوح بيده المضمومة: يا بنت الناس، قدري موقفنا. أنا جيت هنا عشان أرجعك. ما معقول هخرج بيكي من وسط جيش كامل وما أعرفش أرجع بيكي. أجابته
وقد سيطر على رأسها العند: ولو ما يدكش الحق تعاملني بالشكل ده. تشخط وتنطر وكأني شغالة عندك. صر على أسنانه وهو يحاول تغيير نمط شخصيته خصيصًا لمجاراة هذه الطفلة العنيدة: أنتي تنرفزي المحيط الهادي لوحدك. هتفت وهي تعتبر وصفه إهانة: شوفت. أدي بتغلط تاني أهو. دار حول نفسه بضيق، أوشكت على جنونه وهو لا يملك القدرة على تركها أو حتى إرغامها على السير معه. توقف ليسترد عقله الذي كاد أن يغادره، والتف وهو يهتف بهدوء:
قومي يا بنت الحلال. الناس اللي سيبناهم ممكن يلحقونا في أي وقت. قومي وهحاول ما أزعقش، بس انتي بطلي تنرفزيني وحسي شوية بالكارثة اللي احنا فيها. وبعد ما شعرت بأنه من الممكن تغيره وتسير الرحلة دون تأنيب وصراخ، همت بالنهوض، لكن بالفعل كان يتضاعف ألم كتفها إلى جانب الظمأ الذي يفتك بحلقها. أكمل سيرهم في الصحراء الواسعة دون وجهة محددة. *** مرام. وقفت في منتصف الشارع ترفع لافتة بعنوان "مكه فين؟
" أمام مبنى تجمع عدد قليل من المناضلين، وكان إلى جوارها "عدي" صاحب الفكرة والموجه، وإلى جانبهم بعض الشباب يصورون الحدث على الهواء، مع تصاعد الهتافات بصوت واحد قوي وواضح: مكه فين؟ مكه فين؟ عايزين نعرف مكه فين؟ حالة الفوضى أثرت على كل المسؤولين بالداخل. بدأت قوات الأمن في التصدي لكل هذا الحشد، محاولين دفعهم بعيدًا وتفريقهم من أمام المبنى. بدأوا بدفعهم بالقوة، لكن أبى أغلب الشباب بالتزحزح. في الداخل، كان يقف اللواء
بمنتصف قياداته يهدر بغضب: الناس اللي تحت دي لازم تمشي. مش عايزين شوشرة. أجابه ريان متفهمًا حالة الفزع التي من الممكن يثيرها هذا الحدث: يا أفندم، مش عايزين نتعامل بالقوة. الأمور ممكن تسوء أكتر. المفروض نقول الحقيقة للناس دي، وإن مكه مش عندنا، وإنها مخطوفة وإحنا بنحاول نرجعها، بدل ما إحنا موضع شك. لوح اللواء معترضًا:
يا ريان، مستحيل. إحنا مش هنهديهم. بالعكس، إحنا ممكن نحرج نفسنا، لأننا مش ضامنين رجعها من عدمه، حتى لو سلمنا المساجين اللي عندنا، لأن جابر مش سهل وخروج إلياس من تحت إيده يعتبر معجزة. تساءل ريان بعدما احمر وجهه مما هدر به رئيسه: يعني إلياس مش هنعرف نرجعه؟ هدر بضيق وهو يدير وجهه عنه: بس نعرف نقفل المشاكل اللي جات من وراء مكه دي. *** لدى منار.
انتقلت فستان بسيط ورفضت بشدة الظهور لشريف به، مجرد "عند" امتلك رأسها في عدم مشاركة شيء كهذا. خرجت من غرفة القياس تحمل الفستان بين يديها، فأثارت غبطة شريف الذي كان ينظرها لرؤيتها بفستان الزفاف. نهض من مكانه وهتف باستجداء: ما لبستيش الفستان ليه يا منار؟
نظرت إليه قليلاً، وملامح وجهها قد تبدلت للحزن. لأول مرة يشعر أنه لا يفهمها. هي بالنسبة له كالكتاب المفتوح، والآن أغلق صفحاته. أمعن النظر لعله يعرف سبب هذا الضيق المختلط بالحزن المنتشر على وجهها، لكنه فشل. فسألها مستفسرًا: مالك يا منار؟ أجابته بحنق وهي تشيح بوجهها عنه: أنا شايفه إنك واخد الموضوع جد، وإحنا بنمثل يا شريف. التفت إليه ونظرت مباشرة في عينه كي توصل فكرتها إلى رأسه، وهتفت بوضوح: ما تخرجش دا من دماغك.
رفع حاجبيه مستنكرًا كل هذا الضيق بسبب أنه طلب رؤية فستان زفافهم، وضع يده في خصره وهدر مستاء: هو إيه اللي مخرجش دا من دماغي؟ مش أنا وإنتي هنحضر نفس الفرح؟ مش من حقي أقول رأي في الفستان اللي هتظهري بيه قدامي، ولا خلاص هتبطلي تسمعي كلامي بعد الجواز؟ لوح بأصبعها مشددًا على كل حرف يخرج من فمه: إنتِ هتفضلي البنت الصغيرة اللي بتسمع كلام شريف بدل ما يعلقها، ودا اللي مش هيتغير.
تركت الفستان من يدها ودفعته على الأريكة المقابلة، وعقدت ساعديها عند صدرها ورفعت ذقنها مشيرة نحوه وهي تهتف بكبرياء: الفستان عندك أهو، اتفضل شوفه. أنا ما لكش دعوة بيا يا شريف. إحنا اتفقنا من الأول إنك بتساعدني أكمل دراستي، بلاش لعبة عريس وعروسة. كلامها كان كالسهام المصوبة تجاه قلبه، لكنه حاول إخفاء حزنه من مقابلة كل مشاعره بالصد. أحيانًا يشعر أنها تعرف كل شيء لكنها تتنصل منه وترد بالعنف وتقصف كل حصونه ببشاعة.
دس يده في جيبه وحاول الاتزان أمام عاصفة توبيخها، يشعر أنه مقيد أكثر منها بهذا الزواج. من قبل كان بإمكانه أن يقصف عنقها على طريقتها الفظة في الحوار معه، لكن الآن يخشى جرحها فتنفر منه وتزيد مساحة البعد بينهم. هتف متمالكًا نفسه: هو إنتِ هتوفقي تجوزيني ولا هتشتريني يا منار؟ أنا هو هو شريف اللي تعرفيه. ما قولتيليش عايز أشوف الفستان عشان حاجة غير إني أقول مناسب ولا لأ. وبعدين وماله لما تلعبي دور العروسة؟
ما إنتِ مش هتعيشيه مرة تانية. ... نطق بصعوبة... أختي... وعايزة أفرحها. لمعت عيناها وقد تجدد شعور الذنب وهي تضع زهرة شبابها في برواز عقيم لا تربه ولا ماء. علقت في عينيه الدافئتين، هذا هو الشعور الذي تشعر به دومًا عندما تنظر إلى عينيه، دفء يحاوطها يطمئنها بشكل غير طبيعي. هذا الشعور لم تعيشه سوى معه. زفرت براحة ما إن اطمأنت أنه هو "شريف" الأخ والسند، الظهر القوي لها الذي لن تخشى شيئًا وهو معها، حتى والدتها.
أنا متشكرة ليك ياشيفو. أنا مش عارفة هردلك اللي بتعمله معايا إزاي. كاد أن ينبث فمه بفيض مشاعره: أنا مش عايز من الدنيا غير إنك تحسي بيا. لكنه تحمحم مناقضًا شعوره وطمس الجملة الماضية وهدر بقسوة: تدعيلي يصبرني. ابتسمت دون إرادة وتحركت من أمامه لتحمل الفستان وتستعد لمغادرة. جمعهم النصيب وهما الجليد والبركان. *** أسفل المبنى.
الهتافات التي لا تصمت أربكت الكيان الداخلي وأصبح الجميع في توتر. اسم "مكه" حفر في رؤوسهم كالحفر على الحجر، وطريقة المفاوضة مع جابر أصبحت دون شروط. إلياس أغلى لديهم من مائة من معتقليهم أجمع. وفرصة نجاة مكه بيده وحده.
تابع ريان من شرفة مكتبه الاعتصام الفوضوي الذي يعج أسفل المبنى. يرى بعينه فوضى لا داعي لها بسبب غباء فتاة أقحمت نفسها في عملية قبض على إرهابيين داخل مبنى عملها. وأثناء رؤيته، دقق النظر ليجد بين الصفوف "عدي". لم يصدق وجوده ولا حتى عينيه، لكن من الأعمى الذي يرى اعتصام دون "عدي" بطل الشارع والثورات؟
صر على أسنانه وأطلق سبابًا خافتًا وهو يستدير وينطلق كالسهم إلى الأسفل. وصل إلى البوابة وأزاح صفوف الأمن التي تقف وراء البوابة مانعة أحد من الدخول. وفور ظهور ريان، زاد الهتاف بشكل هستيري كوسيلة من وسائل الضغط. لكن ريان لم يكترث، كان همه هو الوصول لـ "عدي" والذي ابتسم فور رؤيته وتقدم ليتقابل معه حتى أصبح لا يفصلهم سوى البوابة الحديدية. هتف ريان بنبرة مشحونة بالغضب: إنت إيه اللي إنت عامله دا يا عدي؟ قابل غضبه مبتسمًا
وأجابه ببرود: زي ما إنت شايف. بنسأل فين مكه والمفروض الحكومة تجاوب. قضب ريان حاجبيه وهدر منفعلًا مما يورط نفسه به: "عدي"، الموقف مش مستحمل مظاهرات ويا ريت تلم الليلة كلها وتمشي. رفع يده ببراءة وهتف متنصلًا مما فعل، لكن عينيه فضحت لعبه الشيطانية: أنا ما عملتش حاجة. هو أنا أقدر أجمع كل الناس دي كلها؟ عض شفتيه وهو يرى ضحكات الشيطان من نافذة عينيه تطل وهدر بضيق:
إنت زي أخويا الصغير يا عدي، وأنا عارف إنك إنت اللي مصور فيديو البنت أختها. أنا حافظ المكتب بتاعك. حك خلف رأسه وهذه المرة فشل في إخفاء ضحكته وهتف بإحراج: أيوا، بس برضوا أنا ما أقدرش أجمع الناس كلها. هو أنا جبفارة مثلًا؟ نفخ ريان وهدر بنبرة شبه راجية: "عدي"، لم الدور على كدا. البنت اللي إنت بتدور عليها دي عليها مشاكل كتير. روح وخلي أختها كمان تروح. ما فيش داعي الرجل يخسر بناته الاتنين كدا في قضية واحدة.
رمقه عدي بجدية متعجبًا من نبرته وحديثه الذي يمتلئ بالغموض، كما أن إشارة حدوث ضرر لـ "مرام" أوجعت قلبه بغتة. سأله مندفعًا: في إيه يا "ريان"؟ إنت قلقتني؟ احتد ريان من تدخله فيما لا يعنيه وخاطبه بلهجة شديدة القسوة: مالكش دعوة بحاجة. خد البنت والناس دي كلها وامشي. أعلن عدي تمرده وشد جسده وهو يهدر بتحدي: مش همشي. ولو تعرف تمشيني اتفضل.
من جانب ريان، لم يغضب منه. هو يعرفه جيدًا. هو نوع آخر من البشر، شخصًا خلق لمساعدة الناس، بطل شارع منذ نعومة أظافره، أخلاقه الحميدة وتواضعه لا يوحي بأنه ابن "رأفت الألفي" الأفعى المتلونة على كل الأشكال، الذي يلعب بالقانون لعب. نظر إليه مطولًا قبل أن يلتف ويقول منبهًا: ما تبقاش تزعل بس. أولى ظهره وأخرج هاتفه من جيبه ليضغط أرقامًا معينة. واتخذت تعابير وجهه الغبطة قبل أن يجيبه الطرف الآخر: مكالمة ثقيلة، لكنها لازمة.
أخيرًا استمع صوته الذي يمتلئ بالبغض: أكيد ما فيش مين وراك خير. حاول الهدوء أمام استفزازه وهدر متصنعًا عدم الاهتمام: هو أكيد مش خير، بس مش من ورايا، من وراء ابنك الباشا "عدي". يا ريت تيجي تلمه من المظاهرة اللي تحت. شغلي. أغلق هاتفه دون انتظار إجابة، فقد تحامل على نفسه بصعوبة كي يحادثه هذه الثواني المعدودة. والتف حتى لا يفوت رؤية وجه "عدي" الذي كاد ينفجر من الغضب، لكنه ابتسم ساخرًا ولوح له وعاد إلى عمله.
من جانب رأفت، كان يشتعل غضبًا. دق سطح مكتبه مغتاظًا من تصرفات ابنه التي دائمًا تضعه في مواقف محرجة، وتحرجه كثيرًا مع أصدقائه. هدر بانفعال: آه منك يا عدي، هتقضي عليا. ضغط على اسمه من لوحة هاتفه ليتصل به، وانتظر إجابته وهو يجهز له سيلًا من التعنيف، لكنه أحبطه بعدم إجابته. كرر الاتصال مرة أخرى، لكن "عدي" أغلقه من جانبه وأرسل رسالة عبر البريد مفادها: أكيد مش هعرف أسمعك عشان عندي دوشة، وإنت عارف أنا فين.
أوشك رأفت على تحطيم هاتفه في هذه اللحظة، لكنه تذكر أن عليه أن يهدأ كي يواصل مهمة إقناع ابنه التي ستكلفه جهدًا كبيرًا. أجاب برسالة أخرى: تعالى عندي فورًا. من جانب عدي، نفخ بضيق. فهو لا يعرف كيف يناضل أمام والده. صعب جدًا. لن تمر هذه المواجهة دون أن يجعله يحيد عن قراره، إما باللين أو بالشدة والتهديد. لذا تجاهل رسالته مؤقتًا حتى يقرر ماذا سيفعل. هل سيكمل في هذه المعركة التي لا تخصه؟
أم سيترك صاحبة المشكلة "مرام" تكمل بعدما وضع قدمها على أول الطريق؟ وأثناء انشغاله بالتفكير، استمع إلى صوت صراخ عالٍ يعلو بشكل واضح وسط الهتافات، بعث في نفسه القلق وجعله يركض تجاهه بسرعة. *** "الياس ومكه" بالفعل انتهت قواها وبدأت تشعر بالدوار بسبب الحرارة المرتفعة وأيضًا جرحها الملتهب. صوت أنفاسها العالية كان يصل إلى آذان إلياس ويزيد غضبه. يعرف أنها قد تسقط في أي لحظة، ومع ذلك ترفض مساعدته بإسنادها أو حتى مسك يدها.
لم يتحمل هو إنهاكها ولا زفيرها المتقطع وكأنها تلفظ آخر أنفاسها. تباطأت خطواته حتى تستعيد هي جزء من طاقتها، ثم دار على عقبيه ليخطفها بغتة في أحضانه. ارتعبت من قوة سحبه إلى جسدها، وضعت كفيها على صدره وهي تدفعه عنها: ابعد عني. تمسك بها بقوة وهدر بجدية تامة: مش أول مرة تبقي في حضني. ظهر الخجل على وجهها، وإن كانت افتقدت الحمرة بسبب شحوب وجهها، لكن كان هذا واضحًا لعينيه المترقبتين. هتفت بحنق: ما ينفعش تقرب مني بالشكل دا.
رقتها وكل ما فيها يحرك الجبل، فما بال وهو لحم ودم. كان شعورًا غريبًا بالانتماء إلى هذه المرأة، والكلمة التي تصدرت مخيلته كانت كلمة قالتها هي من قبل "قلبك من يوم ما اتولد وهو ملكي". لخصت هذا الشعور الناتج تجاهها، أنه ليس مجرد حلم كما ذكرت، إنها حياة أخرى عاشاها معًا. حافظ على نبرته الجادة وهو يجيب: مش هتقدري تمشي أكتر من كدا. أنا عارف إنك تعبانة، ما تعانديش. مقاومتها كانت ضعيفة أمام قبضته الخشنة على خصرها.
هتفت وهي تدفع صدره بغضب: قلتلك مش عايزة مساعدتك. ابعد عني. رمقها هازئًا بضربات يدها التي لا يشعر بها وكأنها ذبابة غاشمة تدفعه. يعرفها جيدًا، وكأنه يعرفها من زمن، سترفض مساعدة حتى وإن وقعت أرضًا، لذا لم يترك لها الخيار.
حملها على كتفه كالجوال دون اعتبار لصراخها أو أي من اعتراض. أحكم قبضه على قدمها وتقدم في طريقه الذي لا يظهر منه سوى الرمال. لابد أن يعود بها قدر جمعه بها، وكان عليه التعايش معه. حملها لم يكن بالعسير، لكن شعور القلق عليها كان أصعب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!