الفصل 7 | من 35 فصل

رواية بيننا شئ خرافي الفصل السابع 7 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
4,350
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

دخلت "مرام" إلى مكتبه الواسع، لكن صداع رأسها لم يساعدها في استيعاب أي مما حولها من أناقة. هذا المكتب نقيض ما رأته أمس، فرق بين هذا وذاك كفرق السماء والأرض. بالكاد اهتدت إلى الكرسي المواجه للمكتب الموجود بسبب تشويش حاد في الرؤيا زاد مع دقات رأسها. وقبل أن تهم بالجلوس، دعاها نحو جانب آخر به طاولة كبيرة مشيرًا: "اتفضلي هنا."

تبعته دون اعتراض لتجد نفسها أمام طاولة تحوي إفطارًا شهيًا. رمشت بعينيها ونظرت تجاهه، لتجده سحب كرسيًا لها هادرًا بلباقة ورقي: "اتفضلي آنسة مرام." تراجعت مستنكرة دعوته تمامًا وهي تقول بعصبية: "أنا جيت عشان أعرف الحل أو تساعدني زي ما بتقول، مش جايه أتعزم." قضب حاجبيه واستنكر عدوانيته، فهتف بجدية وصدق:

"أولًا دي مش عزومة، ثانيًا أنا فعلًا عايز أساعدك، بس إنتِ مرهقة وتقريبًا شيفاني أربعة، فياريت ما تقوحيش. اقعدي افطري عشان نعرف نتكلم." كادت تعترض، لكنه رمقها بنظرات تحذيرية أن تخالف رغبته. بللت حلقها وجلست في هدوء. جلس هو بالقرب منها وقدم إليها الطعام بسخاء، واستعد هو أيضًا لمشاركتها. بدأت بتناول الطعام باستحياء شديد، لكنها بالفعل استعادت قوتها بعدما نسيت أن الطعام والشراب من وقت اختفاء "مكه". ***

أبلغ "جابر" طلبه إلى الحكومة مطالبًا بتبادل من في سجونهم بـ "المقدم إلياس ومكه". وكان هذا شيئًا مستحيلًا، خاصة أن "جابر" شخص ليس له كلمة ومعروف جدًا بعداوته مع "الياس" شخصيًا. وهذا الأمر جعل أمن الدولة ينقلب رأسًا على عقب، خاصة بعد فشل أجهزة التعقب من تحديد موقعه بسبب وقت المكالمة القصير. وازداد القلق من خسارة المساجين وخسارة أكفأ وأفضل مقدم في مكافحة الإرهاب.

ترك "الياس" مقيدًا، وإلى جواره "مكه" تنحب بقهر على فراق أسرتها، والذي تعلم جيدًا حالهم الآن. فرغت الغرفة من الجميع سواهما. ساد الصمت إلا من صوت بكائها وأنينها، الذي ضجر منه "الياس" وشَتت رأسه عن إيجاد مخرج من هذه الكارثة، حتى صاح بصوت حاد دون أن ينظر إليها: "اسكتي." وبرغم وضوح صوته، إلا أنها اندهشت من طلبه وكذلك حدته. كرر كلمته مرة أخرى، لكن هذه المرة التف لها ليضع عينه في بؤبؤ عينيها محذرًا: "قلت لك اسكتي."

شعرت أنه لكم قلبها من هول نظرته الحارقة. انكمشت قليلاً، حتى أشاح بوجهه عنها دون أن يقول شيئًا، وظهر عليه أنه انشغل في تفكير عميق. نهضت من مكانها واتجهت نحوه، ثم مالت لتمسك بطرف الجيب الخاص بها وقطعت منه قطعة قماش، أصدرت صوتًا شاذًا على هذا الصمت.

رفع "الياس" نظره ليتابع ما تفعله هذه "الداهية" برأيه، وتابعها وهي تقترب منه وتمسح برفق عن وجهه سيل الدماء التي تقطر من فمه وحاجبه. ذهب مما تفعله، لكنه عاد إلى برود شخصيته وجمد مشاعره وهو ينظر إلى عينيها الباكيتين ومحاولتها في مساعدته البائسة في جرح لن يتوقف عن النزيف إلا بتدخل طبيب. وهتف مستهزئًا: "إيه الذكاء ده، طيب ما تفكيني أسهل."

ابتعدت قليلاً وهي تستوعب فكرته التي لم تخطر ببالها، لكنها شعرت بضيق من فظاظته معها وعدم تقدير ما فعلته لتو لأجله. لذا أجابته بتعند وهي تدفع كتفه بحنق: "هو كل الضرب ده ما أثرش على لسانك؟ رمقها بصدمة وهو يهدر مغتاظًا: "ما تمديش إيدك عليا يا بت انتي، لاحسن أكسرهالك." وعند بعند ولسان طويل باللسان طويل، والبادئ دائمًا أظلم. كل هذا جعلها تجيب بغيظ مماثل: "وما كسرتهاش ليه للي شلفطك كده يا سعادة الباشا؟

ولا انتوا كده ما بتجوش إلا على الضعيف؟ صر على أسنانه وراح يرمقها شرزًا لعلها تبتلع لسانها الذي سيقتلعه إن كانت يداها طليقتين. ابتعدت عنه وهي مطمئنة أن كل ما رأته من جحيم داخل عينيه لن يصيبها وهو مقيد، لذا لن تساعده مجددًا. *** (في مكتب اللواء جمال مندور)

اجتماع طارئ حدث لكل القيادات الخاصة بأمن الدولة. الجميع مستنكرًا تصرف "الياس" المتهور في الذهاب بنفسه دون فرقته وجعل منه رهينة، وتكبدهم خسائر وتجبرهم على شحن المسجونين في مهمة قد تكلفه حياته. وبعد جدال طويل، وصل اللواء إلى هذا القرار: "البنت اللي اسمها 'مكه إبراهيم السباعي'، ممنوع أي حد يتكلم عنها، والخبر ده ممنوع يتسرب للصحافة. مش عايزين نزعزع الأمن، ولحد ما نحل الموضوع ده، ممنوع الناس تعرف أي حاجة."

كان "ريان" يجلس بينهم، وبين كل كلمة والأخرى يدحجه اللواء بنظرات قاسية. شعر بالحرج ولم يستطع منع نفسه من السؤال لأنه اعتاد على الصراحة، فسأله بتهذيب: "معلش يا أفندم، هو حضرتك ليه كل شوية بتبص لي كأنك بتوجه لي الكلام؟ أجابه "جمال" فورًا كأنما انتظر سؤاله: "عشان صاحبك كان من باب أولى منعته، إن ما كانش باللين يبقى بالقوة." أسرع "ريان" في الدفاع عن نفسه وهو يهدر: "يا أفندم ما بلغنيش، أنا اتفاجأت من حضرتك."

رفع اللواء يده معلنًا الكفاية وهتف دون أن يلتفت لريان مجددًا: "المهم دلوقتي السرية، ما إحنا مش هنخرج نقولهم إن جماعات إسلامية خطفت بنت ومقدم في مكافحة الإرهاب، ومش أي حد، ده 'الياس النشامى'." *** (في منزل منار)

أتى "شريف" مع أخته "ورد" بعدما أخذ والدته إلى المنزل في الصباح، ليعود في المساء بشكل رسمي للغاية. كانت الجلسة كاملة العدد. لا يعرف "شريف" سبب العجلة سوى أنه انتظر كثيرًا هذه الخطوة التي كانت شبه مستحيلة مع حالة "منار"، لكن جلوس خالته متهجمة دون ترحيب قتل كل الحماس الذي بداخله. هتف بزنق من صمتها: "جرى إيه يا خالتي؟ إنتِ أي حد كان بيجيلك الضحكة من الودن للودن والفرحة مش سيعاكي، هو اللي قدامك معاق؟ ما تتكلمي يا ماما."

وضعت "ماجدة" يدها على قدم أختها حتى تطمئن وتحثها على اتخاذ الأمور ببساطة: "هي خالتك بتكرهك يعني يا شريف؟ هي بس مش هاين عليها فراق منار." أخيرًا أزاحت "زينب" يدها من على وجنتها وهدرت بنبرة هادئة: "يعلم ربنا بحبك قد إيه يا شريف، ولو أنا مكان أمك اللي قاعدة دي ما كنتش هختار لك منار." تشنجت ملامحه وأشاح بوجهه وهو يرد غاضبًا: "يوه، هو إحنا اللي هنعيده ونزيده؟ عاد ينظر إليها وهو يؤكد صحة كلامه:

"يا خالتي، بنتك ما تنفعش إلا ليا. إنجزي بقى عشان نعمل الفرح ونفرح كلنا." اتسعت عيناها وهي تجيبه بإندهاش: "فرح إيه؟ مش المفروض الأول خطوبة؟ ابتسم بسخرية وتشدق بتريس على عكس السخرية التي بداخله من كلامها: "خطوبة؟ اممم. يا خالتي الخطوبة دي اللي عايز يتعرف، لكن دي بنتك وأنا مربيها على إيدي. خطوبة إيه اللي هنعملها؟ هنضحك على بعض."

كلامه منطقي جدًا، لكن قلق "زينب" من وضع البنزين أمام النار يدفعها للتريس. هتفت وهي تحاول لفت انتباه "منار" التي كانت تقلب بهاتفها، و"ورد" تميل إليها وكأن الأمر لا يعنيها بالأصل، وهذا ما زاد من ضيق والدتها. فصاحت بها: "يا منار يا بت، انتي هتشل منك. ركزي معانا." رفعت وجهها بملل عن هاتفها وهي تجيب ببرود: "هو أنا عملت حاجة يا ماما؟ زعقت "زينب" من بين أسنانها، وهي ستصاب بذبحة صدرية من تجاهل ابنتها:

"مساء الخير، بنتفق على جوازك. ممكن تسيب الزفت اللي في إيدك وتركز معانا." لم تترك هاتفها وأجابتها وهي ترفع كتفيها دون اهتمام بكل ثقة: "طالما شريف موجود، يعمل اللي عايزه." كلماتها أبهجت "شريف" رغم أن ثقتها ليست بالأمر الجديد عليه، لكن في هذا الموقف تحديدًا شعر بشيء مختلف. من جانب آخر، أوشكت "زينب" على تمزيق ملابسها من تعاملها معه بصفة أخوية، لا رجلًا سيكون زوجها قريبًا. فازدادت حنقًا وهي تهدر بتشنج:

"يا رب، أنقذني من البت دي." وجهت وجهها نحو "شريف" مكملة: "اتوكل على الله يا ابني، أنا موافقة. خدها في إيدك وانت ماشي." ابتسم من أعماق قلبه برضاء لأول مرة منذ وقت دخوله هذا البيت. هتف وهو ينظر نحو "منار": "لا، منار ست العرايس، لازم يتعمل لها أحلى فرح." رفعت "منار" يدها إلى رأسها وأدت التحية العسكرية وربتت على صدرها وهي تقول بمرح: "توشكر يا باشا." رفع أحد حاجبيه وسألها مازحًا: "انتي تقربي للشاويش اللي عندي؟ خبت والدتها

وجهها بيدها وهي تهتف بحزن: "يا عيني عليك وعلى بختك يا ابن اختي يا حبيبي." التف إليها "شريف" مبتسمًا وكأنه ينفض عنها الحرج: "أنا عاجبني حظي يا خالتي، وافقي انتي بس نعمل الفرح بسرعة، وانتي مش هتلاقي أحلى من حظي."

سكت الجميع وبدأوا يتناقلون نظرات الارتباك بينهم بتحسر على جملة مشاعره التي تتبخر في الهواء دون فائدة. الكل يشعر بمشاعره الفياضة التي تنهال من وسط كلماته، إلا تلك المنشغلة بهاتفها "منار" في عالم آخر بعيد لا يثق بالرجال ولا يعترف بالحب. *** لدى "مرام"

تناولت قدرًا بسيطًا من الطعام، لكنها شعرت بتحسن وبدأ الصداع في الانسحاب. لاحظت عرقلة "عدي" وصعوبة تقطيع الخبز بيد واحدة، مما جعل وجهه يتخذ تعابير الغضب. لكن "مرام" لم تجد صعوبة في اتخاذ قرارها بمساعدته. سحبت الخبز من أسفل ساعده المصاب والذي كان يستخدمه في تثبيته والقطع باليد الأخرى. بدأت في تقطيعه إلى لقيمات مناسبة حتى يتسنى له استخدامها. تصرفها الإنساني لفت نظره وأعجب به للغاية. ارتخى وجهه ونبث فمه بابتسامة راضية نحوها. التقطتها هي وتسمرت عيناها على عينيه الساحرة. لا يمكن أن تتخيل أنها تنال منه مكافأة عما تفعل أكثر من هذه الابتسامة ونظرة الرضا من عينيه.

من جانبه هو، كان يشعر بأن قلبه ينظر لها، لا عينيه. شيء مختلف وراء عينيها العسليتين وملامحها التي تضج بالطيب والنقاء. زفر أنفاسه وشعر بالامتلاء، فالنظر لها لثوانٍ يشبع البطون ويذهب العقول. زفر أنفاسه المحبوسة وهو يقول ساهماً: "الحمد لله، شبعت."

نهض من مكانه، فتبعته هي الأخرى وقد اتخذت قرارها بأنها أبدًا لن ترفع عينيها في عينيه. لا يصح بالأساس أن تنظر لرجل كما هي تفعل ذلك، جرم كبير ضد نشأتها الدينية وعكس تمامًا طبيعتها. جلست مقابل المكتب الخاص به، ومال إلى هاتف المكتب هادرًا أمرًا: "لو سمحتي، هاتي القهوة بتاعتي." التف إلى "مرام" والتي نكست رأسها وأمال رأسه حتى ينظر إليها من جديد، لكن كان هذا مستحيلاً مع هذه الزاوية التي اتخذتها: "تحبي تشربي إيه؟ أجابته

دون أن ترفع وجهها إليه: "متشكرة." رفع الهاتف بعيدًا عن فمه وسألها بضيق: "لو سمحتي، اتعاملي بسهولة أكتر من كده. مش معقول هشرب قهوتي وإنتي هتفرجي عليا." سكت قليلاً ثم سألها بهدوء: "تشربي إيه؟ "نسكافيه." ابتسم لانصياعها دون جهد، وأخبر على الهاتف طلبه ثم أغلق الخط والتف من حولها ليجلس خلف مكتبه. رتب أوراقه التي تعتلي مكتبه. لم تستطع الانتظار وهدرت دون أن تنظر إليه: "ممكن حضرتك تقولي هتساعدني إزاي؟

لوى فمه معلنًا صعوبة الأمر، لكنه انتظر قليلاً قبل أن يهتف بتريس: "الموضوع مش سهل يا آنسة مرام. أنا ليا معارف جوه أمن الدولة، ومع الأسف مش راضيين يقولوا أي معلومات عنها." انقبض قلبها فور سماع ما لديه وسألته بفزع: "يعني إيه؟ أجابها متحسبًا ردة فعلها: "معناه إن أختك من ضمن حالات الاختفاء القسري."

شعرت أن هموم الدنيا تكمت فوق رأسها، ودون شعور امتلأت عيناها بالدموع واختنقت رئتاها، غير مستوعبة كيف ستتعامل هي وأسرتها مع هذا الأمر. بدأ يخرج صوت نحيبها رغماً عنها، وهذا ما قبض قلب "عدي" وجعله يهتف ليهدئها: "إهدي... في حل تاني إن شاء الله." التفت إليه بسرعة وهي مستعدة أن تقبل قدمه لكي يساعدها في العثور على أختها. هدرت بتلهف: "قولي عليه؟

سكت لبرهة تمعن فيها وجهه وهو يقيم هل تستحق تلك الغريبة التضحية التي سيقدم عليها أم لا، وتضاربت آراؤه بين قلبه وعقله وهو يزن رضاها في كفه وعمله وحياته في كفه أخرى. مرت الثواني كالدهر عليها وهي تنتظر بشوق ما سينبث به فمه، بينما معركته الداخلية طالت بقدر سكوته، حتى انتصر قلبه في النهاية وهتف بقوة دون أن يطرف له جفن: "هـنـعـمـل ثـورة."

الكلمة جمدت مشاعرها وتيبس جسدها بأكمله وكأن العالم توقف حولهما. فتحت "ليندا" الباب وبيدها الصينية وتفرست بعينيها في وضعها الذي أشبه بتلقي صدمة. لتو نظرت نحو "عدي" والذي لم يراه بالأساس، عينه معلقة على "مرام" وفي عالم آخر. تحمحمت حتى يلاحظوا وجودها قائلة: "مستر عدي، حضرتك محتاج حاجة تانية؟ أجابها دون أن يحيد نظره عن "مرام" وكأنه لا يرى غيرها: "اخرجي وخذي الباب وراكي."

امتثلت لأمره وهي تشعر بالتعجب والضيق من وجود فتاة تحوذ على كل هذا الاهتمام. وعاد المكتب لهما وحدهما. وبعد مدة لا بأس بها من استيعاب الكلمة، هتفت بخوف: "أستاذ عدي، إنت عارف إن ممكن أحصل أختي وبكده أهلي مش هيستفادوا حاجة، بالعكس الضرر ممكن يطول ولدي... إحنا كده هنبقى ضد الحكومة." برغم فرحته أنها عادت تنظر إليه من جديد، نفض يده وتحدث جادًا: "هو إحنا عشان بندور على اختك هنبقى ضد الحكومة؟

ضيقت عينيها وهو حاول استيعاب ما يقول. مدت يدها إلى كوب الماء المنتصف بين النسكافيه والقهوة وبللت حلقها الذي جف من أثر الصدمة. كان "عدي" يراقبها بتروي لتأخذ وقتها كما تشاء، هو أبدًا لا يشعر بالملل بجانبها. "بس أنا عايزة أفهم، إحنا هندور عليها ولا هنعمل مظاهرات؟ ابتسم ابتسامة خالية من المرح وهو يجيبها: "الاتنين. هنعمل هاشتاج باسم #مكه _فين؟

ونلفه لفة حلوة على السوشيال ميديا، وبعدين ننزل بمظاهرات مع كل الناس نطالب الحكومة بعودتها." أعجبت جدًا بالفكرة وهتفت مسرعة: "هنبدأ من امتى؟ نهض من مكانه وهو يهدر: "من دلوقتي لو حابة. هتصوري فيديو تحكي فيه تفاصيل الحكاية وأنا هشيره، ومن واحد لواحد هنعرف معلومات، وبدل ما إحنا الاتنين ندور البلد كلها هتطلع تدور."

رأت "مرام" أن قرار صائب، وبما أنها تحتاج أختها فهي مستعدة لفعل ما هو أكثر. أمسك هاتفه من على سطح المكتب ووقف أمامها مباشرًا وأردف وهي تحدق إليه: "تعالى بقى أصورك." نظرت حولها وسألته بإضراب: "هنا... هنصور هنا؟ يؤمي "عدي" برأسه وهو يقول: "اممم، هنا." عدلت حجابها فالتقط لها "عدي" صور متعددة دون أن تلاحظ. انتهت وأخذت نفسًا عميقًا وزفرته وهي تهمس بـ: "بسم الله."

أشار بيده كعلامة للبدء، فانطلقت وكأنها كانت في انتظار اللحظة التي ستبوح بها لأي شخص بما يوجعها: "أنا عايزاكم تحسوا بيا، أنا أختي مكه إبراهيم السباعي خرجت من البيت من يومين على شغلها، وتقريبًا كان فيه جماعة إرهابية في نفس العمارة، وكان فيه بوليس وخرجت من الشغل مصابة، ولحد دلوقتي إحنا ما نعرفش عنها حاجة. البوليس ما بيقولش أي معلومة تخصها ولفيت كل المستشفيات، مالهاش أثر."

زاد ألمها وهي تشعر بأن لا فائدة حتى من هذا الحديث، فهطلت دموعها رغماً عنها. كان "عدي" يقف خلف كاميرا هاتفه متأثراً بتلك الدموع، ينتابه مشاعر غريبة تجاهها ولا يعرف لها تفسير. ظل ينظر إليها من خارج الشاشة الزجاجية حتى أردفت هي بعدما تحكمت بسيل دموعها: "أنا كل اللي عايزاه إني أعرف أختي فين، 'مكه إبراهيم السباعي'. راحت فين؟ راحت فين يا حكومة؟ راحت فين يا دولة؟

والدي راجل مريض وليا أخ أكبر اتقتل قبل كده ظلم في الأحداث اللي فاتت، وما فيش حد جنبي غير ربنا. ساعدوني ألاقي أختي. أنا بناشد أي مسؤول في قلبه ذرة رحمة عنده أخت أو أم أو بنت أو زوجة يخرج يقول لنا مكه فين؟ مكه فين يا حكومة؟ مكه فين يا بلد؟ أوقف "عدي" الفيديو وهتف باقتضاب: "تمام كدا أوي، مش عايزين نطول عشان سهولة الانتشار." ذهب إلى مكتبه ليسحب مناشف ورقية وعاد إليها يقدمها إليها. مدت يدها والتقطته وهي تهمس شاكرة:

"شكراً." عبث بهاتفه وهو يعيد ما سجل. جلس بجانبها وهو يسألها: "شوفي لو تحبي نشيل أي حاجة." رفعت عينيها إلى هاتفه لتشاهد ما قالته مرة أخرى بتركيز، بينما شتت تركيزه وهو يشعر باقترابها إلى جانبه. لم يشعل أحد أحاسيسه بهذه الطريقة من قبل، وكل هذه الأحاسيس تأتي وتذهب سريعًا دون أسباب واضحة. *** "الياس" هتف أمرًا: "فكيني." أجابته باقتضاب دون أن تنظر إليه: "خلي لسانك يفكك." صر على أسنانه مجاهداً انفعاله الذي يختزله

بصدره وكرر ما قاله بغيظ: "بطلي عند وفكيني." لم تجبه وأبدت عدم اهتمامها، فصاح غاضبًا من تعندها الذي في غير وقته: "إحنا واقعين في مشكلة بسببك وإنتي سايقة الهبل على الشيطنة." هنا التفت إليه بعدما احمر وجهها وهدرت بغضب: "ما تقولش بسببى، إنت السبب."

وقبل أن ينفجر قلبه من الغضب ويزداد انفعاله، تذكر أنها بالنهاية امرأة كباقي النساء، الجدال معها لا يثمر إن اقتنعت أن لها حق. لذا هدّأ نفسه حتى يقنعها بأن تنفذ له ما يريد، وفيما بعد سيعاقبها جيداً على ما هدرت، حينها ستعلم وقتها من المخطئ بينهما. اصطنع الهدوء وهو يهتف: "آه صح، أنا السبب. ممكن تفكيني عشان نخرج من الورطة دي؟

لم تنكر أنها هدأت قليلاً بعد هذه الكلمات، لكنها ما زالت غاضبة منه بسبب ما قاله آخر مرة وهدم أحلامها عندما قال أنه متزوج. هذا الشيء الوحيد الذي لا يمحو حنقها، فهدرت بشك: "حتى لو فكيتك، إيه يضمن لي إنك تخرجني من هنا وما تسيبنيش؟ لولا يده المقيدة لكان لطم وجهه، دق الأرض بقدمه وهو يجاهد كظم غيظه الذي لم يجربه قط، حتى استطاع وبصعوبة أن يجيب بنبرة لم يخفِ منها الضيق في محايلة هذه الغبية: "أومال أنا جيت برجليا لوحدي ليه؟

مش عشان أخرجك يا مكه؟ هنا ومض في عقلها ما قاله لجابر عندما هتف واثقًا "أنا جاي عشان آخدها". فالتفتت بكامل جسدها تسأله بتحفز طفولي: "بجد يعني انت ضحيت بنفسك عشان تخرجني؟ نظر إلى براءة عينيها وتحولها في غمضة عين من صلبة إلى طفلة لينة سهلة الخداع. وأسبل عينيه وهو يهتف مؤكداً: "طبعاً يا مكه، مش إحنا كنا متجوزين في حلمك؟ اتسعت ابتسامتها، لكن سرعان ما اختفت وحل مكانها عبوس ووجوم وهي تهدر: "بس إنت طلعت متجوز."

رفع كتفيه وهو يشعر أن مجادلة هذه المجنونة ستأخذ وقتًا يكفي لإعلان حرب على دولة كاملة: "قلة عقل، ما هو أنا ما كنتش أعرف إني متجوزك في أحلامك." ظهر على وجهها بعض الحزن، التقطه هو بتأنيب ضمير حتى عاد يهدر بنبرة هادئة: "ممكن تفكيني بقى عشان نخرج من هنا وإنتي ترجعي لبابا وماما تحلمي براحتك، عشان لو فضلتِ هنا هتشوفي كوابيس وإنتي صاحية." أومأت بقبول أخيرًا وتحركت نحوه لتفك وثائق يده المقيدة خلف ظهره، لكن قبل أن تبدأ

لوحت بإصبعها في تحذير: "بس توعدني إنك توديني لأهلي." أومأ هو الآخر وهو يجيبها: "حاضر يا ستي." اطمأنت لوعده وبدأت في فك يديه، وبمجرد ما شعر بتراخي يده أسرع في تحرير يده، وعلى بغته سحبها من خلفه لتصبح أمامه. شهقت بفزع عندما وجدت نفسها بين ذراعيه وأمام وجهه الغاضب الذي أخافها بشدة. فكرت أن تذكره بوعده قائلة: "صلي على النبي، أنا لسه فكاك." على أسنانه وهو يهدر بغضب: "هسجنك، أقسم لك بالله إن هسجنك." ضمت حاجبيها

وهي تسأله برعب جلي: "وأنا عملت إيه؟ زعق بحنق: "عملتي إيه؟ هبقى ساعتها أقولك عملتي إيه." حاولت التملص من يده لكن يده القوية كانت تحكم على جسدها الضعيف. كما أنه أبى تركها قبل أن يهدر بقوة: "يخربيت الداهية اللي حدفتك عليا." نهضت بعيدًا عنه تحاول السيطرة على أنفاسها المضطربة، بينما هو استكمل فك قدميه وهو يعد بصوت مسموع: "واحد، اتنين...

وقبل أن تندهش من ما يفعله، وجدته يثب من مكانه محاذاة الباب الذي انفتح على فجأة، ويضرب بغل من ولج. هنا فهمت أنه كان متوقعًا هذا. سلب سلاحه وبدأ حربًا وحده بكل شجاعة. خرج من الغرفة واختفى شكلاً، لكن صوت طلقات النيران أبدًا لم يختفِ. لم تقوى على الخروج ورائه، لا تأمن أيًا من هؤلاء سواه. تحركت بخطوات حذرة إلى الخارج ووقفت من بعيد تشاهد هذا البطل المغوار يحارب الجميع بقوة مائة رجل بشجاعة لم يسبق لها أن رأتها على مخلوق. يبدو أن الغضب يحوله إلى وحش كاسر لا يعرف الرحمة أو التمييز. لم يسمح لأحد أن يتمالك منه، كان يعرف جيدًا إما النجاة أو الموت.

وعلى فجأة التف لها وكأنه كان يراها دون نظر وصاح: "يلا ورايا، مستنية إيه؟ لا إراديًا تحركت قدمها نحوه والتصقت بظهره وهو يمد الآلي الذي بيده أمامه ساعيًا نحو نقطة ضوء تخرجه من هذا الكهف الجبلي، لكن الأمر لن يتم بهذه السهولة. ما زال هناك العشرات في كل مكان، ورؤية ضوء الشمس قد تكون مستحيلة واحتمال تحول الضوء إلى نار أو بركان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...